← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وما يتسلمه الحاج مقبل الفرّاش برسم المائدة المأمونية، مما يوصله لزمام الدار دون المطابخ الرجالية رطلان الحكم الثاني يطلق مشاهرة بغير توقيع، ولا استدعاء بأسماء كبراء الجهات، والمستخدمين من الأصحاب، والحواشي في الخدم المميزة، وهو في الشهر ثلاثة عشر رطلا، والديوان شاهد بأسماء أربابه، وما يطلق من هذه الخزائن السعيدة بالاستدعاءات والمطالعات، ويوقع عليه بالإطلاق من هذا الصنف في كل سنة على ما يأتي ذكره، وما يستدعى برسم التوسعة في الراتب عند تحويل الركاب العالي إلى اللؤلؤة مدّة أيام النيل المبارك في كل يوم رطلان، وما يستدعى برسم الصيام مدّة تسعة وخمسين يوما رجب وشعبان حسابا عن كل يوم: رطلان مائة وثمانية عشر رطلا وما يستدعى لما يصنع بدار الفطرة في كل ليلة برسم الخاص خشكنانج لطيفة، وبسندود، وجوارشات، ونواطف، ويحمل في سلال صفصاف لوقته، عن مدّة أوّلها مستهل رجب، وآخرها سلخ رمضان عن تسعة وثمانين يوما مائة وثمانية وسبعون رطلا، لكل ليلة: رطلان، ويسمى ذلك: بالتعبية، وما يستدعيه صاحب بيت المال، ومتولي الديوان. فيما يصنع بالإيوان الشريف برسم الموالد الشريفة الأربعة: النبويّ، والعلويّ، والفاطميّ، والآمريّ مما هو برسم الخاص، والموالي، والجهات بالقصور الزاهرة، والدار المأمونية، والأصحاب، والحواشي خارجا عما يطلق مما يصنع بدر الوكالة، ويفرّق على الشهود، والمتصدّرين والفقراء، والمساكين مما يكون حسابه من غير هذه الخزائن عشرون رطلا قلب فستق حسابا لكل يوم مؤبد منها: خمسة أرطال. ما يستدعى برسم ليالي الوقود الأربع الكائنات في رجب وشعبان، مما يعمل بالإيوان برسم الخاصيين، والقصور خاصة: عشرون رطلا لكل ليلة خمسة أرطل. وأما ما ينصرف في الأسمطة، والليالي المذكورات في الجامع الأزهر بالقاهرة، والجامع الظاهريّ بالقرافة فالحكم في ذلك يخرج عن هذه الخزائن، ويرجع إلى مشارف الدار السعيدة، وكذلك ما يستدعيه المستخدمون في المطابخ الآمرية من التوسعة من هذا الصنف المذكور في جملة غيره برسم الأسمطة لمدّة تسعة وعشرين يوما من شهر رمضان وسلخه لأسماط فيه، وفي الأعياد جميعها بقاعة الذهب، وما يستدعيه النائب برسم ضيافة من يصرف من الأمراء في الخدم الكبار، ويعود إلى الباب، ومن يرد إليه من جميع الضيوف، وما يستدعيه المستخدمون في دار الفطرة برسم فتح الخليج، وهي الجملتان الكبيرتان، فجميع ذلك لم يكن في هذه الخزائن محاسبته، ولا ذكر جملته، والمعاملة فيه مع مشارف الدار السعيدة، وأما: ما يطلق من هذا الصنف من هذه الخزائن في هذه الولائم، والأفراح، وإرسال الأنعام فهو شيء لم تتحقق أوقاته، ولا مبلغ استدعائه، أنهى المملوكان ذلك، والمجلس فضل السموّ، والقدرة فيما يأمر به إن شاء اللّه تعالى.

стр. 772

دار التعبية قال ابن المأمون: دار التعبية كانت في الأيام الأفضلية تشتمل على مبلغ يسير، فانتهى الأمر فيها إلى عشرة دنانير كل يوم خارجا عما هو موظف على البساتين السلطانية، وهو النرجس والنينوفران الأصفر، والأحمر، والنخل الموقوف برسم الخاص، وما يصل إليه من الفيوم، وثغر الإسكندرية، ومن جملتها تعبية للجهات، والخاص والسيدات، ولدار الوزارة، وتعبية المناظر في الركوبات إلى الجمع في شهر رمضان خارجا عن تعبية الحمامات، وما يحمل كل يوم من الزهرة، وبرسم خزانة الكسوة الخاص، وبرسم المائدة، وتفرقة الثمرة الصيفية في كل سنة على الجهات، والأمراء، والمستخدمين، والحواشي، والأصحاب، وما يحمل لدار الوزارة، والضيوف وحاشية دار الوزارة. خزانة الأدم قال: وأما الراتب من عند بركات الأدميّ، فإنه في كل شهر ثمانون زوجا أو طية من ذلك، برسم الخاص: ثلاثون زوجا، برسم الجهات: أربعون زوجا، برسم الوزارة: عشرة أزواج خارجا عن السباعيات، فإنها تستدعى من خزانة الكسوة، وفي كل موسم تكون مذهبة. خزائن دار أفتكين (١) قال ابن الطوير: وكانت لهم دار كبرى يسكنها: نصر الدولة أفتكين الذي رافق نزار بن المستنصر بالإسكندرية جعلوها: برسم الخزن، فقيل: خزائن دار أفتكين، وتحتوي على أصناف عديدة من الشمع المحمول من الإسكندرية وغيرها، وجميع القلوب المأكولة من الفستق وغيره، والأعسال على اختلاف أصنافها، والسكر، والقند، والشيرج، والزيت، فيخرج من هذه الخزائن بيد حاميها، وهو من الأستاذين المميزين ومشارفها، وهو من المعدّلين راتب المطابخ: خاصا وعامّا أو لأيام، ينفق منها للمستخدمين، ثم لأرباب التوقيعات من الجهات، وأرباب الرسوم في كل شهر من أرباب الرتب حتى لا يخرج عما يحتاجونه فيها إلا اللحم، والخضراوات، فهي أبدا معمورة بذلك انتهى. خبر نزار وأفتكين: لما مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الإمام الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور: في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة

стр. 773

سبع وثمانين وأربعمائة، بادر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القصر، وأجلس: أبا القاسم أحمد بن المستنصر في منصب الخلافة، ولقبه: بالمستعلي بالله، وسير إلى الأمير نزار، والأمير عبد اللّه، والأمير إسماعيل: أولاد المستنصر فجاؤوا إليه، فإذا أخوهم أحمد، وهو أصغرهم قد جلس على سرير الخلافة، فامتعضوا لذلك، وشق عليهم. وأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض، وقال لهم: قبلوا الأرض لمولانا المستعلي بالله، وبايعوه فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده، فامتنعوا من ذلك، وقال كل منهم: إن أباه قد وعده بالخلافة، وقال نزار: لو قطعت ما بايعت من هو أصغر مني سنا، وخط والدي عندي بأني وليّ عهده، وأنا أحضره، وخرج مسرعا ليحضر الخط، فمضى لا يدري به أحد، وتوجه إلى الاسكندرية. فلما أبطأ مجيئه بعث الأفضل إليه ليحضر بالخط، فلم يعلم له خبرا. فانزعج لذلك انزعاجا عظيما، وكانت نفرة نزار من الأفضل لأمور منها: أنه خرج يوما فإذا بالأفضل قد دخل من باب القصر، وهو راكب، فصاح به نزار: انزل يا أرمنيّ الجنس (١)، فحقدها عليه، وصار كل منهما يكره الآخر، ومنها: أنّ الأفضل: كان يعارض نزارا في أيام أبيه، ويستخف به، ويضع من حواشيه، وأسبابه، ويبطش بغلمانه، فلما مات المستنصر خافه، لأنه كان رجلا كبيرا، وله حاشية، وأعوان، فقدّم لذلك أحمد بن المستنصر بعد ما اجتمع بالأمراء وخوّفهم من نزار، وما زال بهم حتى وافقوه على الإعراض عنه، وكان من جملتهم: محمود بن مصال، فسير خفية إلى نزار، وأعلمه بما كان من اتفاق الأفضل مع الأمراء على إقامة أخيه أحمد، وإدارته لهم عنه، فاستعدّ إلى المسير إلى الاسكندرية هو وابن مصال، فلما فارق الأفضل، ليحضر إليه بخط أبيه، خرج من القصر متنكرا، وسار هو وابن مصال إلى الاسكندرية، وبها الأمير نصر الدولة أفتكين أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي، ودخلا عليه ليلا وأعلماه بما كان من الأفضل، وتراميا عليه، ووعده نزار بأن يجعله وزيرا مكان الأفضل، فقبلهما أتمّ قبول، وبايع نزارا، وأحضر أهل الثغر لمبايعته فبايعوه، ونعته بالمصطفى لدين اللّه، فبلغ ذلك الأفضل، فأخذ يتجهز لمحاربتهم وخرج في آخر المحرّم سنة ثمان وثمانين بعسكره، وسار إلى الاسكندرية، فبرز إليه نزار وأفتكين، وكانت بين الفريقين عدّة حروب شديدة انكسر فيها الأفضل، ورجع بمن معه منهزما إلى القاهرة، فقوي نزار وأفتكين، وصار إليهما كثير من العرب، واشتدّ أمر نزار، وعظم واستولى على بلاد الوجه البحريّ، وأخذ الأفضل يتجهز ثانيا إلى المسير لمحاربة نزار، ودس إلى أكابر العربان، ووجوه أصحاب نزار وأفتكين، وصاروا إلى الاسكندرية، فنزل الأفضل إليها، وحاصرها حصارا شديدا، وألحّ في مقاتلتهم، وبعث إلى أكابر أصحاب نزار، ووعدهم.

стр. 774

فلما كان في ذي القعدة وقد اشتدّ البلاء من الحصار جمع ابن مصال ماله، وفرّ في البحر إلى جهة بلاد المغرب، ففت ذلك في عضد نزار وتبين فيه الانكسار، واشتدّ الأفضل، وتكاثرت جموعه، فبعث نزار وأفتكين إليه يطلبان الأمان منه، فأمنهما ودخل الاسكندرية، وقبض على نزار وأفتكين، وبعث بهما إلى القاهرة، فأما نزار: فإنه قتل في القصر بأن أقيم بين حائطين بنيا عليه فمات بينهما، وأما أفتكين، فإنه قتله الأفضل بعد قدومه، ودار أفتكين هذه كانت خارج القصر وموضعها الآن حيث مدرسة القاضي الفاضل، وآدره بدرب ملوخيا. خزانة البنود (١) البنود: هي الرايات والأعلام، ويشبه أن تكون هي التي يقال لها في زمننا: العصائب السلطانية، وكانت خزانة البنود ملاصقة للقصر الكبير، ومن حقوقه فيما بين قصر الشوك، وباب العيد بناها: الخليفة الظاهر لإعزاز دين اللّه أبو هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، وكان فيها ثلاثة آلاف صانع مبرزين في سائر الصنائع، وكانت أيام الظاهر هذا سكونا وطمأنينة، وكان مشتغلا بالأكل والشرب، والنزه، وسماع الأغاني. وفي زمانه تأنق أهل مصر والقاهرة في اتخاذ الأغاني والرقاصات، وبلغ من ذلك المبالغ العجيبة، واتخذت له حجرة المماليك، وكانوا يعلمونهم فيها أنواع العلوم وأنواع آلة الحرب، وصنوف حيلها من الرماية، والمطاعنة، والمسابقة وغير ذلك. وقال في كتاب الذخائر والتحف: ولما وهب السلطان يعني الخليفة المستنصر لسعد الدولة المعروف بسلام عليك ما في خزانة البنود من جميع المتاع والآلات، وغير ذلك في اليوم السادس من صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة، حمل جميعه ليلا، وكان فيما وجد سعد الدولة فيها ألفا وتسعمائة درقة إلى ما سوى ذلك من آلات الحرب وما سواه، وغير ذلك من القضب الفضة والذهب والبنود، وما سواه، وفي خلال ذلك سقط من بعض الفرّاشين: مقط شمع موقد نارا، فصادف هناك أعدال كتان، ومتاعا كثيرا، فاحترق جميعه، وكانت لتلك غلبة عظيمة، وخوف شديد فيما يليها من القصر، ودور العامّة والأسواق. وأعلمني من له خبرة بما كان في خزانة البنود أن مبلغ ما كان فيها من سائر الآلات، والأمتعة، والذخائر لا يعرف له قيمة عظما، وإنّ المنفق فيها كل سنة: من سبعين ألف دينار إلى ثمانين ألف دينار من وقت دخول القائد جوهر، وبناء القصر من سنة ثمان وخمسين

стр. 775

وثلثمائة إلى هذا الوقت، وذلك زائد عن مائة سنة، وإنّ جميعه باق فيها على الأيام لم يتغير، وإنّ جميعه احترق حتى لم يبق منه باقية، ولا أثر، وإنه احترق في هذه الليلة من قربات النفط عشرات ألوف، ومن زراقات النفط أمثالها، فأما الدرق والسيوف والرماح والنشاب، فلا تحصى بوجه، ولا سبب مع ما فيها من قضب الفضة، وثيابها المذهبة وغيرها، والبنود المجملة، وسروج ولجم وثياب الفرحية المصبغات والبنادين، وغيرها بعد أن أخذوا ما قدروا عليه، حتى لواء الحمد (١)، وسائر البنود، وجميع العلامات، والألوية. وحدّثني من أثق به أيضا: أنه احترق فيها من السيوف عشرات ألوف، وما لا يحصى كثرة، وإن السلطان بعد ذلك بمدّة طويلة احتاج إلى إخراج شيء من السلاح لبعض مهماته، فأخرج من خزانة واحدة مما بقي وسلم خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. حدّثني بجميعه الأجل: عظيم الدولة متولي الستر الشريف انتهى. وجعلت خزانة البنود بعد هذا الحريق حبسا، وفيها يقول القاضي المهذب بن الزبير لما اعتقل بها، وكتب بها للكامل بن شاور: أيا صاحبي سجن الخزانة خليا … نسيم الصبا يرسل إلى كبدي نفحا وقولا لضوء الصبح هل أنت عائد … إلى نصري أم لا أرى بعدها صبحا ولا تيأسا من رحمة اللّه أن أرى … سريعا بفضل الكامل العفو والصفحا وقال: أيا صاحبي سجن الخزانة خليا … من الصبح ما يبدو سناه لناظري فو اللّه ما أدري أطرفي ساهر … على طول هذا الليل أم غير ساهر وما لي من أشكو إليه إذا كما … سوى ملك الدنيا شجاع بن شاور واستثمرت سجنا للأمراء، والوزراء، والأعيان إلى أن زالت الدولة، فاتخذها ملوك بني أيوب أيضا سجنا، تعتقل فيه الأمراء والمماليك. ومن غريب ما وقع بها أن الوزير: أحمد بن عليّ الجرجرائي (٢): لما توفي طلب الوزارة: الحسن بن عليّ الأنباري: فأجيب إليها، فتعجل من سوء التدبير قبل تمامه ما فوّته مراده، وضيع ماله ونفسه، وذلك أنه كان قد نبغ في أيام الحاكم بأمر اللّه أخوان يهوديان:

стр. 776

بتصرّف أحدهما في التجارة، والآخر في الصرف، وبيع ما يحمله التجار من العراق. وهما: أبو سعد إبراهيم، وأبو نصر هارون ابنا سهل التستريّ، واشتهر من أمرهما في البيوع وإظهار ما يحصل عندهما من الودائع الخفية لمن يفقد من التجار في القرب والبعد، ما ينشأ به جميل الذكر في الآفاق، فاتسع حالهما لذلك، واستخدم الخليفة الظاهر لإعزار دين اللّه: أبا سعد إبراهيم بن سهل التستريّ في ابتياع ما يحتاج إليه من صنوف الأمتعة، وتقدّم عنده، فباع له جارية سوداء، فتحظى بها الظاهر، وأولدها: ابنه المستنصر، فرعت لأبي سعد ذلك، فلما أفضت الخلافة إلى المستنصر ولدها قدّمت: أبا سعد، وتخصصت به في خدمتها. فلما مات الوزير الجرجرائي، وتكلم ابن الأنباري في الوزارة قصده أبو نصر أخو أبي سعد، فجبهه أحد أصحابه بكلام مؤلم، فظنّ أبو نصر أن الوزير ابن الأنباري إذا بلغه ذلك ينكر على غلامه، ويعتذر إليه، فجاء منه خلاف ما ظنه، وبلغه عنه أضعاف ما سمعه من الغلام، فشكا ذلك إلى أخيه أبي سعد، وأعلمه بأنّ الوزير متغير النية لهما، فلم يفتر أبو سعد عن ابن الأنباريّ، وأغرى به أمّ المستنصر مولاته، فتحدّثت مع ابنها الخليفة المستنصر في أمره حتى عزله عن الوزارة فسعى أبو سعد عند أمّ المستنصر: لأبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ في الوزارة، فاستوزره المستنصر، وتولى أبو سعد الإشراف عليه، وصار الوزير الفلاحيّ منقادا لأبي سعد تحت حكمه، وأخذ الفلاحي يعمل على ابن الأنباري ويغري به، ويصنع عليه ديونا، ويذكر عنه ما يوجب الغضب عليه، حتى تمّ له ما يريد، فقبض عليه، وخرّج عليه من الدواوين أموالا كثيرة، مما كان يتولاه قديما، وألزمه بحملها، ونوّع له أصناف العذاب، واستصفى أمواله، وهو معتقل بخزانة البنود، ثم قتله في يوم الاثنين الخامس من المحرّم سنة أربعين وأربعمائة بها، فاتفق أن الفلاحي لما صرف عن الوزارة، اعتقل بخزانة البنود حيث كان ابن الأنباري، قم قتل بها، وحفر له ليدفن، فظهر في الحفر رأس ابن الأنباري قبل أن يمضي فيه القتل، فقال لا إله إلاّ اللّه: هذا رأس ابن الأنباري أنا قتلته، ودفنته ههنا وأنشد: رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحكا من تزاحم الأضداد (١) فقتل، ودفن في تلك الحفرة مع ابن الأنباري، فعدّ ذلك من غرائب الاتفاق. ثم إن خزانة البنود جعلت منازل للأسرى من الفرنج المأسورين من البلاد الشامية أيام

стр. 777

كانت محاربة المسلمين لهم، فأنزل بها الملك الناصر محمد بن قلاون: الأسارى بعد حضوره من الكرك، وأبطل السجن بها، فلم يزالوا فيها بأهاليهم، وأولادهم في أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فصار لهم فيها أفعال قبيحة، وأمور منكرة شنيعة من التجاهر: ببيع الخمر، والتظاهر بالزنا واللياطة، وحماية من يدخل إليها من أرباب الديون، وأصحاب الجرائم وغيرهم، فلا يقدر أحد، ولو جلّ على أخذ من صار إليهم واحتمى بهم. والسلطان يغضي عنهم لما يرى في ذلك من مراعاة المصلحة، والسياسة التي اقتضاها الحال من مهادنة ملوك الفرنج، وكان يسكن بالقرب منها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار، ويبلغه ما يفعله الفرنج من العظائم الشنيعة، فلا يقدر على منعهم، وفحش أمرهم، فرفع الخبر إلى السلطان، وأكثر من شكايتهم غير مرّة والسلطان يتغافل عن ذلك إلى أن كثرت مفاوضة الحاج آل ملك للسلطان في أمرهم، فقال له السلطان: أتنقل أنت عنهم يا أمير؟ فلم يسعه إلاّ الإعراض عن ذلك، وعمّر داره التي بالحسينية، والإصطبل، والجامع المعروف: بآل ملك والحمام والفندق، وانتقل من داره التي كان فيها بجوار خزانة البنود، وسكن بالحسينية إلى أن مات السلطان الملك الناصر في أخريات سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وتنقل الملك في أولاده إلى أن جلس الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاون، وضرب شورى على من يكون نائب السلطنة بالديار المصرية يدبر أحوال المملكة، كما كانت العادة في ذلك مدّة الدلة التركية، فأشير بتولية الأمير: بدر الدين جنكل بن البابا، فتنصل من ذلك، وأبى قبوله، فعرضت النيابة على الأمير الحاج آل مالك فاستبشر وقال: لي شروط أشرطها على السلطان، فإن أجابني إليها فعلت ما يرسم به. وهي أن لا يفعل شيء في المملكة إلا برأيي، وأن يمنع الناس من شرب الخمر، ويقام منار الشرع، ولا يعترض على أمر من الأمور، فأجيب إلى ما سأل، وأحضرت التشاريف، فأفيضت عليه بالجامع من قلعة الجبل في يوم الجمعة الثاني عشر من المحرّم سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وأصبح يوم السبت جالسا في دار النيابة من القلعة، وحكم بين الناس، وأوّل ما بدأ به: أن أمر والي القاهرة بالنزول إلى خزانة البنود، وأن يحتاط على جميع ما فيها من الخمر والفواحش، ويخرج الأسرى منها، ويهدمها حتى يجعلها دكا، ويسوّي بها الأرض، فنزل إليها ومعه الحاجب في عدّة وافرة، وهجموا على من فيها، وهم آمنون، وأحاطوا بسائر ما تشتمل عليه، وقد اجتمع من العامّة والغوغاء، ما لا يقع عليه حصر، فأراقوا منها خمورا كثيرة تتجاوز الحدّ في الكثرة، وأخرج من كان فيها من النساء البغايا، وغيرهنّ من الشباب، وأرباب الفساد، وقبض على الفرنج والأرمن، وهدمها حتى

стр. 778

لم يبق لها أثر، ونودي في الناس، فحكروها وبنوا فيها الدور والطواحين على ما هي علي الآن، وأمر بالأسرى، فأنزلوا بالقرب من المشهد النفيسيّ، بجوار كيمان مصرفهم هناك إلى الآن، وأنزل من كان منهم أيضا بقلعة الجبل، فأسكنوا معهم وطهر اللّه تلك الأرض منهم، وأراح العباد من شرّهم، فإنها كانت شرّ بقعة من بقاع الأرض يباع فيها لحم الخنزير على الوضم، كما يباع لحم الضأن، ويعصر فيها من الخمور في كل سنة ما لا يستطيع أحد حصره، حتى يقال: إنه كان يعصر بها في كل سنة: اثنان وثلاثون ألف جرّة خمر، ويباع فيها الخمر نحو: اثني عشر رطلا بدرهم إلى غير ذلك من سائر أنواع الفسوق. دار الفطرة (١) قال ابن الطوير: دار الفطرة خارج القصر، بناها: العزيز بالله، وهو أوّل من بناها، وقرّر فيها ما يعمل مما يحمل إلى الناس في العيد، وهي قبالة باب الديلم من القصر الذي يدخل منه إلى المشهد الحسينيّ، ويكون مبدأ الاستعمال فيها، وتحصيل جميع أصنافها من السكر والعسل، والقلوب، والزعفران، والطيب، والدقيق لاستقبال النصف الثاني من شهر رجب كل سنة ليلا ونهارا، من الخشكنانج والبسندود، وأصناف الفانيذ الذي يقال له: كعب الغزال، والبرماورد، والفستق، وهو شوابير مثال الصنج، والمستخدمون يرفعون ذلك إلى أماكن وسيعة مصونة فيحصل منه في الحاصل شيء عظيم هائل، بيد مائة صانع للعلاويين مقدّم، وللخشكانيين آخر، ثم يندب لها مائة فرّاش لحمل طيافير للتفرقة على أرباب الرسوم خارجا عمن هو مرتب لخدمتها من الفرّاشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها الحاصلة بالدائم، وعدّتهم: خمسة فيحضر إليها الخليفة، والوزير معه، ولا يصحبه في غيرها من الخزائن لأنها خارج القصر، وكلها للتفرقة فيجلس على سريره بها، ويجلس الوزير على كرسي ملين على عادته في النصف الثاني من شهر رمضان، ويدخل معه قوم من الخواص، ثم يشاهد ما فيها من تلك الحواصل المعمولة المعباة مثل الجبال من كل صنف، فيفرّقها من ربع قنطار إلى عشرة أرطال إلى رطل واحد، وهو أقلها. ثم ينصرف الخليفة والوزير بعد أن ينعم على مستخدميها بستين دينارا، ثم يحضر إلى حاميها ومشارفها الأدعية (٢) المعمولة المخرجة من دفتر المجلس، كل دعو لتفريق فريق من خاص، وغيره حتى لا يبقى أحد من أرباب الرسوم إلاّ واسمه وارد في دعو من تلك الأدعية، ويندب صاحب الديوان الكتاب المسلمين في الديوان، فيسيرهم إلى مستخدميها، فيسلم كل كاتب دعوا أو دعوين أو ثلاثة على كثرة ما يحتويه وقلته، ويؤمر بالتفرقة من ذلك

стр. 779

اليوم، فيقدمون أبدا مائتي طيفور من العالي والوسط والدون، فيحملها الفرّاشون برقاع من كتاب الأدعية باسم صاحب ذلك الطيفور علا، أو دنا، وينزل اسم الفرّاش بالدعو، أو عريفه حتى لا يضيع منها شيء، ولا يختلط، ولا يزال الفرّاشون يخرجون بالطيافير ملأى ويدخلون بها فارغة، فبمقدار ما تحمل المائة الأولى عبيت المائة الثانية، فلا يفتر ذلك طول التفرقة، فأجل الطيافير ما عدد خشكنانه مائة حبة، ثم إلى سبعين وخمسين، ويكون على صاحب المائة طرحة فوق قوّارته، ثم إلى خمسين ثم إلى ثلاث وثلاثين، ثم إلى خمس وعشرين، ثم إلى عشرين، ونسبة منثور كل واحد على عدد خشكنانه، ثم العبيد السودان بغير طيافير، كل طائفة يتسلمه لها عرفاؤها في أفراد الخواص، لكل طائفة على مقدارها الثلاثة الأفراد والخمسة والسبعة إلى العشرة فلا يزالون كذلك إلى أن ينقضي شهر رمضان، ولا يفوت أحدا شيء من ذلك ويتهاداه الناس في جميع الإقليم. قال: وما ينفق في دار الفطرة فيما يفرّق على الناس منها: سبعة آلاف دينار. وقال ابن عبد الظاهر: دار الفطرة بالقاهرة قبالة مشهد الإمام الحسين ﵇، وهي الفندق الذي بناه الأمير سيف الدين بهادر الآن في سنة: ست وخمسين وستمائة، أوّل من رتبها الإمام العزيز بالله، وهو أوّل من سنّها، وكانت الفطرة قبل أن ينتقل الأفضل إلى مصر تعمل بالإيوان، وتفرّق منه، وعند ما تحوّل إلى مصر نقل الدواوين من القصر إليها، واستجدّ لها مكانا قبالة دار الملك بإيواني المكاتبات، والانشاء، فإنهما كانا بقرب الدار ويتوصل إليهما من القاعة الكبرى التي فيها جلوسه، ثم استجدّ للفطرة دارا عملت بعد ذلك وراقة، وهي الآن دار الأمير عز الدين الأفرم بمصر قبالة: دار الوكالة، وعملت بها الفطرة مدّة، وفرّق منها إلاّ ما يخص الخليفة والجهات والسيدات والمستخدمات، والأستاذين، فإنه كان يعمل بالإيوان على العادة. ولما توفي الأفضل، وعادت الدواوين إلى مواضعها أنهى: خاصة الدولة ريحان، وكان يتولى بيت المال، إنّ المكان بالإيان يضيق بالفطرة، فأمره المأمون أن يجمع المهندسين، ويقطع قطعة من اصطبل الطارمة، يبنيه دار الفطرة، فأنشأ الدار المذكورة قبالة مشهد الحسين، والباب الذي بمشهد الحسين يعرف: بباب الديلم، وصار يعمل بها ما استجدّ من رسوم المواليد والوقودات، وعقد لها جملتان إحداهما: وجدت فسطرت، وهي عشرة آلاف دينار خارجا عن جواري المستخدمين، والجملة الثانية: فصلت فيها الأصناف، وشرحها: دقيق ألف حملة، سكر: سبعمائة قنطار، قلب فستق: ستة قناطير، قلب لوز: ثمانية قناطير، قلب بندق: أربعة قناطير، تمر: أربعمائة إردب، زبيب: ثلثمائة أردب، خل: ثلاثة قناطير، عسل نحل: خمسة عشر قنطارا، شيرج: مائتا قنطار، حطب: ألف ومائتا حملة، سمسم أردبان، آنيسون أردبان، زيت طيب برسم الوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج، كافور قديم عشرة مثاقيل، زعفران مطحون مائة

стр. 780

وخمسون درهما، وبيد الوكيل برسم المواعين والبيض والسقائين، وغير ذلك من المؤن على ما يحاسب به، وبرفع المحازيم خمسمائة دينار. ووجدت بخط ابن ساكن قال: كان المرتب في دار الفطرة، ولها ما يذكر، وهو زيت طيب برسم القناديل خمسة عشر قنطارا: مقاطع سكندري برسم القوارات: ثلثمائة مقطع، طيافير جدد: برسم السماط ثلثمائة طيفور، شمع برسم السماط، وتوديع الأمراء ثلاثون قنطارا، أجرة الصناع ثلثمائة دينار، جاري الحامي: مائة وعشرون دينارا، جاري العامل، والمشارف مائة وثمانون دينارا، وشقة ديبقيّ، بياض حريري، ومنديل ديبقي كبير حيري، وشقة سقلاطون أندلسي يلبسها قدّام الفطرة يوم حملها ليفرّق طيافير الفطرة على الأمراء، وأرباب الرسومات، وعلى طبقات الناس حتى يعمّ الكبير والصغير، والضعيف والقوي، ويبدأ بها من أوّل رجب إلى آخر رمضان. ذكر ما اختص من صفة الطيافير: الأعلى منها: طيفور فيه مائة حبة خشكنانج وزنها مائة رطل، وخمسة عشر قطعة حلاوة زنتها مائة رطل، سكر سليمانيّ، وغيره عشرة أرطال، قلوبات ستة أرطال، بسندود عشرون حبة، كعك وزبيب وتمر قنطار، جملة الطيفور ثلاثة قناطير وثلث إلى ما دون ذلك على قدر الطبقات إلى عشر حبات. وقال ابن أبي طيّ: وعمل المعز لدين اللّه دارا سماها: دار الفطرة، فكان يعمل فيها من الخشكنانج، والحلواء، والبسندود، والفانيذ، والكعك والتمر والبندق شيء كثير من أوّل رجب إلى نصف رمضان، فيفرّق جميع ذلك في جميع الناس الخاص والعام على قدر منازلهم في أوان لا تستعاد، وكان قبل ليلة العيد يفرّق على الأمراء الخيول بالمراكب الذهب، والخلع النفيسة، والطراز الذهب، والثياب برسم النساء. المشهد الحسينيّ قال الفاضل محمد بن عليّ بن يوسف بن ميسر: وفي شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، خرج الأفضل بن أمير الجيوش بعساكر جمة إلى بيت المقدس، وبه: سكان وابلغازي ابنا ارتق في جماعة من أقاربهما، ورجالهما وعساكر كثيرة من الأتراك، فراسلهما الأفضل يلتمس منهما تسليم القدس إليه بغير حرب، فلم يجيباه لذلك، فقاتل البلد، ونصب عليها المجانيق، وهدم منها جانبا، فلم يجدا بدّا من الإذعان له، وسلّماه إليه، فخلع عليهما، وأطلقهما، وعاد في عساكره، وقد ملك القدس، فدخل عسقلان. وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄ فأخرجه وعطره، وحمله في سفط إلى أجلّ دار بها، وعمّر المشهد، فلما تكامل، حمل الأفضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشيا إلى أن أحله في مقرّه، وقيل: إنّ المشهد

стр. 781

بعسقلان بناه: أمير الجيوش بدر الجماليّ، وكمله ابنه الأفضل وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان، ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان الذي وصل بالرأس من عسقلان: الأمير سيف المملكة تميم واليها كان، والقاضي المؤتمن بن مسكين مشارفها، وحصل في القصر يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الآخرة المذكور. ويذكر أنّ هذا الرأس الشريف لما أخرج من المشهد بعسقلان وجد دمه لم يجف، وله ريح كريح المسك، فقدم به الأستاذ مكنون في عشاري (١) من عشاريات الخدمة، وأنزل به إلى الكافوري، ثم حمل في السرداب إلى قصر الزمرّذ، ثم دفن عند قبة الديلم بباب دهليز الخدمة، فكان كل من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر، وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم، ويكثرون النوح والبكاء، ويسبون من قتل الحسين، ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم. وقال ابن عبد الظاهر: مشهد الإمام الحسين صلوات اللّه عليه، قد ذكرنا أن طلائع بن رزيك المنعوت بالصالح، كان قد قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان لما خاف عليها من الفرنج، وبنى جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به، ويفوز بهذا الفخار، فغلبه أهل القصر على ذلك، وقالوا: لا يكون ذلك إلاّ عندنا، فعمدوا إلى هذا المكان، وبنوه له، ونقلوا الرخام إليه، وذلك في خلافة الفائز على يد طلائع في سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمعت من يحكي حكاية يستدل بها على بعض شرف هذا الرأس الكريم المبارك، وهي أن السلطان الملك الناصر ﵀، لما أخذ هذا القصر وشى إليه بخادم له قدر في الدولة المصرية، وكان زمام القصر، وقيل له: إنه يعرف الأموال التي بالقصر والدفائن، فأخذ وسئل، فلم يجب بشيء، وتجاهل، فأمر صلاح الدين نوّابه بتعذيبه، فأخذه متولي العقوبة، وجعل على رأسه خنافس وشدّ عليها قرمزية، وقيل: إن هذه أشدّ العقوبات، وإنّ الإنسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلاّ تنقب دماغه وتقتله ففعل ذلك به مرارا، وهو لا يتأوّه، وتوجد الخنافس ميتة، فعجب من ذلك، وأحضره، وقال له: هذا سرّ فيك، ولا بدّ أن تعرّفني به؟ فقال: واللّه ما سبب هذا إلا أني لما وصلت رأس الإمام الحسين حماتها، قال: وأيّ سرّ أعظم من هذا وراجع في شأنه فعفا عنه. ولما ملك السلطان الملك الناصر جعل به حلقة تدريس وفقهاء، وفوّضها للفقيه البهاء الدمشقيّ، وكان يجلس للتدريس عند المحراب الذي الضريح خلفه، فلما وزر معين الدين

стр. 782

حسين بن شيخ الشيوخ بن حمويه، وردّ إليه أمر هذا المشهد بعد إخوته، جمع من أوقاته ما بنى به إيوان التدريس الآن، وبيوت الفقهاء العلوية خاصة، واحترق هذا المشهد في الأيام الصالحية في سنة بضع وأربعين وستمائة، وكان الأمير جمال الدين بن يعمور نائبا عن الملك الصالح في القاهرة، وسببه أن أحد خزان الشمع دخل ليأخذ شيئا، فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدين المذكور بنفسه حتى طفئ وأنشدته حينئذ فقلت: قالوا تعصب للحسين ولم يزل … بالنفس للهول المخوف معرّضا حتى انضوى ضوء الحرق وأصبح ال … مسودّ من تلك المخاوف أبيضا أرضى الإله بما أتى فكأنه … بين الأنام بفعله موسى الرضى قال: ولحفظة الآثار، وأصحاب الحديث، ونقلة الأخبار ما إذا طولع وقف منه على المسطور، وعلم منه ما هو غير المشهور، وإنما هذه البركات مشاهدة مرئية، وهي بصحة الدعوى ملية، والعمل بالنية. وقال في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم، ومن جملة مبانيه الميضأة قريب مشهد الإمام الحسين بالقاهرة والمسجد والساقية، ووقف عليها أراضي قريب الخندق في ظاهر القاهرة، ووقفها دارّ جار، والانتفاع بهذه المثوبة عظيم، ولما هدم المكان الذي بنى موضعه مئذنة وجد فيه شيء من طلسم لم يعلم لأيّ شيء هو، فيه اسم الظاهر بن الحاكم، واسم أمّه رصد. خبر الحسين: هو الحسين بن عليّ بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أبو عبد اللّه، وأمّه فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ﷺ ، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، وعق عنه رسول اللّه ﷺ يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدّق بزنته فضة، وقال: أروني ابني ما سميتموه؟ فقال عليّ بن أبي طالب: حربا، فقال: بل هو حسين وكان أشبه الناس بالنبيّ ﷺ ما كان أسفل من صدره، وكان فاضلا دينا كثير الصوم والصلاة والحج، وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين من الهجرة بموضع يقال له: كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضا: بالطف، قتله سنان بن أنس اليحصبي (١)، وقيل: قتله رجل من مذحج، وقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن، وكان أبرص، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحيّ من حمير، حزّ رأسه، وأتى عبيد اللّه بن زياد، وقال: أوقر ركابي فضة وذهبا … إني قتلت الملك المحجبا

стр. 783

قتلت خير الناس أمّا وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقيل: قتله عمرو بن سعد بن أبي وقاص، وكان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد اللّه بن زياد إلى قتل الحسين، وأمّر عليهم: عمرو بن سعد، ووعده أن يوليه الريّ إن ظفر بالحسين وقتله. وقال ابن عباس ﵄: رأيت النبيّ ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين لم أزل ألتقطه منذ اليوم، فوجدته قد قتل في ذلك اليوم، وهذا البيت زعموا قديما لا يدرى قائله: أترجو أمّه قتلت حسينا … شفاعة جدّه يوم الحساب وقتل مع الحسين: سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة، وقد قتل معه من أهل بيته، وإخوته ثلاثة وعشرون رجلا. وكان سبب قتله أنه لما مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ في سنة ستين، وردت بيعة اليزيد على الوليد بن عقبة بالمدينة، ليأخذ البيعة على أهلها، فأرسل إلى الحسين بن عليّ، وإلى عبد اللّه بن الزبير ليلا فأتى بهما، فقال: بايعا، فقالا: مثلنا لا يبايع سرّا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوّالا وذو القعدة، وخرج يوم التروية يريد الكوفة، وبكتب أهل العراق. فلما بلغ عبيد اللّه بن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن تميم (١) التميمي صاحب شرطته، فنزل القادسية، ونظم الخيل ما بينها، وبين جبل لعلع، فبلغ الحسين الحاجز له عن البلاد فكتب إلى أهل الكوفة، يعرّفهم بقدومه مع قيس بن مسهر، فظفر به الحصين، وبعث به إلى ابن زياد فقتله، وأقبل الحسين يسير نحو الكوفة، فأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل، وخبر قتل أخيه من الرضاعة (٢)، فقام حتى أعلم الناس بذلك وقال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب أن يتصرف، فليتصرف، فليس عليه ذمام منا فتفرّقوا، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة وسار، فأدركته الخيل، وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميميّ. ونزل الحسين، فوقفوا تجاهه وذلك في نحر الظهيرة، فسقى الحسين الخيل، وحضرت صلاة الظهر، فأذن مؤذنه وخرج، فحمد اللّه، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنها

стр. 784

معذرة إلى اللّه، وإليكم إني لم آتكم، حتى أتتني كتبكم ورسلكم، أن أقدم علينا، فليس لنا إمام، لعل اللّه أن يجمعنا بك على الهدى، وقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه فسكتوا، وقال للمؤذن: أقم، فأقام وقال الحسين للحرّ: أتريد أن تصلي أنت بأصحابك؟ قال: بل صلّ أنت، ونصلي بصلاتك، فصلى بهم، ودخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحرّ إلى مكانه، ثم صلى بهم العصر، واستقبلهم فحمد اللّه، وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم إن تتقوا اللّه وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى للّه، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم السائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم انصرفت عنكم، فقال الحرّ: إنا واللّه ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر، فأخرج خرجين مملوءين صحفا، فنشرها بين أيديهم، فقال الحرّ: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد اللّه بن زياد، فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم أمر أصحابه لينصرفوا فركبوا، فمنعهم الحرّ من ذلك، فقال له الحسين: ثكلتك أمّك ما تريد، فقال له: واللّه لو كان غيرك من العرب يقولها، ما تركت ذكر أمّه بالثكل كائنا من كان، واللّه ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه، فقال له الحسين: ما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زيادة، وترادّ الكلام، فقال له الحرّ: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أدخلك الكوفة، فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة، ولا تزول إلى المدينة، حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد، أو إلى ابن زياد، فلعل اللّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك، فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، والحرّ يسايره. فلما كان يوم الجمعة الثالث من المحرّم سنة إحدى وستين، قدم عمرو بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف، وبعث إلى الحسين رسولا يسأله ما الذي جاء به، فقال: كتب إليّ أهل مصر كم هذا أن أقدم عليهم، فإذا كرهوني، فأنا أنصرف عنهم، فكتب عمرو إلى ابن زياد يعرّفه ذلك، فكتب إليه أن يعرض على الحسين بيعة يزيد، فإن فعل رأينا فيه رأينا، وإلاّ نمنعه، ومن معه الماء، فأرسل عمرو بن سعد خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين، وبين الماء، وذلك قبل قتله بثلاثة أيام، ونادى مناد: يا حسين ألا تنظر الماء لا ترى منه قطرة حتى تموت عطشا، ثم التقى الحسين بعمرو بن سعد مرارا، فكتب عمرو بن سعد إلى عبيد اللّه بن زياد: أما بعد، فإنّ اللّه قد أطفأ الثائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو أن تسيره إلى أيّ ثغر من الثغور شاء، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، وفي هذا الكم رضى، وللأمّة صلاح.

стр. 785

فقال ابن زياد لشمر بن ذي الجوشن: اخرج بهذا الكتاب إلى عمرو فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم، وإن أبوا، فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له، وأطع وإن أبى فأنت الأمير عليه، وعلى الناس، واضرب عنقه وابعث إليّ برأسه. وكتب إلى عمرو بن سعد: أمّا بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتنميه، ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا أنظر، فإنّ نزل حسين وأصحابه على الحكم، واستسلموا فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم، وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين، فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق شاق قاطع ظلوم، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت، فاعتزل جندنا، وخل بين شمر وبين العسكر والسلام. فلما أتاه الكتاب ركب والناس معه بعد العصر، فأرسل إليهم الحسين: ما لكم؟ فقالوا: جاء أمر الأمير بكذا، فاستمهلهم إلى غدوة، فلما أمسوا، قام الحسين ومن معه الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون، فلما صلى عمرو بن سعد الغداة يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة يوم عاشوراء، خرج فيمن معه، وعبئ الحسين أصحابه، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا، وأربعون راجلا، وركب ومعه مصحف بين يديه وضعه أمامه، واقتتل أصحابه بين يديه، وأخذ عمرو بن سعد سهما، فرمى به، وقال: اشهدوا أنّي أوّل من رمى الناس، وحمل أصحابه فصرعوا رجالا، وأحاطوا بالحسين من كل جانب، وهم يقاتلون قتالا شديدا، حتى انتصف النهار، ولا يقدرون يأتونهم إلاّ من وجه واحد، وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين، وحضر وقت الصلاة، فسأل الحسين أن يكفوا عن القتال حتى يصلي، ففعلوا، ثم اقتتلوا بعد الظهر أشدّ قتال، ووصل إلى الحسين، وقد صرعت أصحابه، ومكث طويلا من النهار، كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه، وكره أن يتولى قتله. فأقبل عليه رجل من كندة يقال له: مالك فضربه على رأسه بالسيف، قطع البرنس وأدماه، فأخذ الحسين دمه بيده، فصبه في الأرض ثم قال: اللهمّ إن كنت حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين، واشتدّ عطشه، فدنا ليشرب فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فتلقى الدم بيده، ورمى به إلى السماء، ثم قال بعد حمد اللّه والثناء عليه: اللهمّ إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تبقى منهم أحدا، فأقبل شمر في نحو عشرة إلى منزل الحسين، وحالوا بينه وبين رحله، وأقدم عليه وهو يحمل عليهم، وقد بقي في ثلاثة، ومكث طويلا من النهار ولو شاءوا أن يقتلوه لقتلوه، ولكنهم كان يتقي

стр. 786

بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء. فنادى شمر في الناس: ويحكم؟ ما تنتظرون بالرجل اقتلوه ثكلتكم أمّكم! فحملوا عليه من كل جانب، فضرب زرعة بن شريك التميمي كفه الأيسر، وضرب عاتقه، وهو يقوم ويكبو، فحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعيّ، فطعنه بالرمح، فوقع وقال لخولي بن يزيد الأصبحيّ: احتز رأسه، فأرعد وضعف، فنزل عليه، وذبحه، وأخذ رأسه، فدفعه إلى خولي، وسلب الحسين ما كان عليه حتى سراويله، ومال الناس، فانتهبوا ثقله ومتاعه، وما على النساء. ووجد بالحسين: ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وأربعون ضربة، ونادى عمرو بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه، فانتدى عشر فداسوا الحسين بخيولهم، حتى رضوا ظهره وصدره، وكان عدّة من قتل معه: اثنين وسبعين رجلا، ومن أصحاب عمرو بن سعد: ثمانية وثمانين رجلا غير الجرحى، ودفن أهل الغاضرية من بني أسد الحسين بعد قتله بيوم وبعد أن أخذ عمرو بن سعد رأسه، ورؤوس أصحابه وبعث بها إلى ابن زياد، فأحضر الرءوس بين يديه، وجعل ينكث بقضيب ثنايا الحسين، وزيد بن أرقم حاضر، وأقام ابن سعد بعد قتل الحسين يومين، ثم رحل إلى الكوفة، ومعه ثياب الحسين وإخوانه، ومن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض، فأدخلهم على زياد، ولما مرّت زينب بالحسين صريعا صاحت: يا محمداه هذا حسين بالعراء! مزمل بالدماء! مقطع الأعضاء! يا محمد بناتك سبايا، وذريتك مقتلة فأبكت كل عدوّ وصديق، وطيف برأسه بالكوفة على خشبة، ثم أرسل بها إلى يزيد بن معاوية، وأرسل النساء والصبيان، وفي عنق عليّ بن الحسين ويديه الغل، وحملوا على الأقتاب، فدخل بعض بني أمة على يزيد، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، فقد أمكنك اللّه من عدوّ اللّه، وعدوّك قد قتل، ووجه برأسه إليك، فلم يلبث إلاّ أياما حتى جيء برأس الحسين، فوضع بين يدي يزيد في طشت، فأمر الغلام فرفع الثوب الذي كان عليه، فحين رآه خمر وجهه بكمه كأنه شمّ منه رائحة، وقال: الحمد للّه الذي كفانا المؤنة بغير مؤنة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأ اللّه، قالت ريّا حاضنة يزيد، فدنوت منه، فنظرت إليه وبه ردغ من حناء، والذي أذهب نفسه، وهو قادر على أن يغفر له، لقد رأيته يقرع ثناياه بقضيب في يده، ويقول أبياتا من شعر ابن الزبعري، ومكث الرأس مصلوبا بدمشق ثلاثة أيام، ثم أنزل في خزائن السلاح، حتى ولي سليمان بن عبد الملك الملك، فبعث إليه، فجيء به، وقد محل، وبقي عظما أبيض، فجعله في سفط، وطيبه وجعل عليه ثوبا، ودفنه في مقابر المسلمين. فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن بيت السلاح أن وجه إليّ برأس الحسين ابن عليّ، فكتب إليه: إنّ سليمان أخذه وجعله في سفط، وصلى عليه، ودفنه، فلما دخلت

стр. 787

المسودّة سألوا عن موضع الرأس الكريمة الشريفة، فنبشوه وأخذوه، واللّه أعلم ما صنع به. وقال السريّ: لما قتل الحسين بن عليّ بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرتها، وعن عطاء في قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّماءُ وَاَلْأَرْضُ﴾ [الدخان/ ٢٩] قال: بكاؤها حمرة أطرافها. وعن عليّ بن مسهر قال: حدّثتني جدّتي قالت: كنت أيام الحسين جارية شابة، فكانت السماء أياما كأنها علقة. وعن الزهري بلغني: أنه لم يقلب حجر من أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين إلاّ وجد تحته دم عبيط. ويقال: إنّ الدنيا أظلمت يوم قتل ثلاثا، ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئا، فجعله على وجهه إلاّ احترق وأنهم أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها وطبخوها فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا، وروي: أن السماء أمطرت دما، فأصبح كل شيء لهم ملآن دما. ما كان يعمل في يوم عاشوراء قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز لدين اللّه في يوم عاشوراء من سنة ثلاث وستين وثلثمائة، انصرف خلق من الشيعة، وأشياعهم إلى المشهدين: قبر كلثوم ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة، ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين ﵇، وكسروا أواني السقائين في الأسواق، وشققوا الروايا، وسبوا من ينفق في هذا اليوم، ونزلوا حتى بلغوا مسجد الريح، وثارت عليهم جماعة من رعية أسفل، فخرج أبو محمد الحسين بن عمار، وكان يسكن هناك في دار محمد بن أبي بكر، وأغلق الدرب، ومنع الفريقين، ورجع الجميع، فحسن موقع ذلك عند المعز، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأنّ الناس قد غلقوا الدكاكين وأبواب الدور، وعطلوا الأسواق، وإنما قويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر، وقد كانت مصر لا تخلو منهم في أيام الإخشيدية، والكافورية في يوم عاشوراء عند قبر كلثوم، وقبر نفيسه؟ وكان السودان وكافور يتعصبون على الشيعة، وتتعلق السودان في الطرقات بالناس، ويقولون للرجل: من خالك؟ فإن قال: معاوية، أكرموه، وإن سكت لقي المكروه، وأخذت ثيابه، وما معه حتى كان كافور قد وكل بالصحراء ومنع الناس من الخروج. وقال المسبحيّ: وفي يوم عاشوراء، يعني من سنة ست وتسعين وثلثمائة جرى الأمر فيه على ما يجري كل سنة من تعطيل الأسواق، وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة، ونزولهم مجتمعين بالنوح والنشيد ثم جمع بعد هذا اليوم قاضي القضاة عبد العزيز من النعمان، سائر المنشدين الذين يتكسبون بالنوح والنشيد وقال لهم: لا تلزموا الناس أخذ شيء منهم إذا وقفتم على حوانيتهم، ولا تؤذوهم، ولا تتكسبوا بالنوح والنشيد، ومن أراد ذلك فعليه بالصحراء، ثم اجتمع بعد ذلك طائفة منهم يوم الجمعة في الجامع العتيق بعد

стр. 788

الصلاة، وأنشدوا، وخرجوا على الشارع بجمعهم، وسبّوا السلف، فقبضوا على رجل، ونودي عليه: هذا جزاء من سب عائشة، وزوجها ﷺ ، وقدّم الرجل بعد النداء، وضرب عنقه. وقال ابن المأمون: وفي يوم عاشوراء، يعني من سنة خمس عشرة وخمسمائة عبئ السماط بمجلس العطايا من دار الملك بمصر، التي كان يسكنها الأفصل بن أمير الجيوش، وهو السماط المختص بعاشوراء، وهو يعبئ في غير المكان الجاري به العادة في الأعياد، ولا يعمل مدورة خشب بل سفرة كبيرة من أدم، والسماط يعلوها من غير مرافع نحاس، وجميع الزبادي أجبان، وسلائط ومخللات، وجميع الخبز من شعير، وخرج الأفضل من باب فردالكم، وجلس على بساط صوف من غير مشورة، واستفتح المقرئون، واستدعى الأشراف على طبقاتهم، وحمل السماط لهم، وقد عمل في الصحن الأول الذي بين يدي الأفضل إلى آخر السماط عدس أسود، ثم بعده عدس مصفى إلى آخر السماط، ثم رفع وقدّمت صحون جميعها عسل نحل. ولما كان يوم عاشوراء من سنة ست عشرة وخمسمائة جلس الخليفة الآمر بأحكام اللّه على باب الباذهنج يعني من القصر بعد قتل الأفضل وعود الأسمطة إلى القصر على كرسيّ جريد بغير مخدّة متلثما هو وجميع حاشيته، فسلم عليه الوزير المأمون وجميع الأمراء الكبار، والصغار بالقيراميز، وأذن للقاضي، والداعي، والأشراف، والأمراء بالسلام عليه، وهم بغير مناديل ملثمون حفاة، وعبئ السماط في غير موضعه المعتاد، وجميع ما عليه خبز الشعير والحواضر على ما كان في الأيام الأفضلية، وتقدّم إلى والي مصر والقاهرة بأن لا يمكنا أحدا من جمع ولا قراءة مصرع الحسين، وخرج الرسم المطلق للمتصدّرين والقرّاء الخاص، والوعاظ، والشعراء، وغيرهم على ما جرت به عادتهم. قال: وفي ليلة عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمائة: اعتمد الأجل الوزير المأمون على السنة الأفضلية من المضيّ فيها إلى التربة الجيوشية، وحضور جميع المتصدّرين، والوعاظ، وقرّاء القرآن إلى آخر الليل، وعوده إلى داره، واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك، وجلس الخليفة على الأرض متلثما يرى به الحزن، وحضر من شرف بالسلام عليه، والجلوس على السماط بما جرت به العادة. قال ابن الطوير: إذا كان اليوم العاشر من المحرّم: احتجب الخليفة عن الناس فإذا علا النهار ركب قاضي القضاة، والشهود، وقد غيروا زيهم فيكونون كما هم اليوم، ثم صاروا إلى المشهد الحسينيّ، وكان قبل ذلك يعمل في الجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه، ومن معهم من قرّاء الحضرة، والمتصدّرين في الجوامع جاء الوزير، فجلس صدرا، والقاضي والداعي من جانبيه، والقرّاء يقرءون نوبة بنوبة، وينشد قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة شعرا

стр. 789

يرثون به أهل البيت ﵈، فإن كان الوزير رافضيا تغالوا، وإن كان سنيا اقتصدوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تمضي ثلاث ساعات، فيستدعون إلى القصر بنقباء الرسائل، فيركب الوزير، وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضي القضاة والداعي، ومن معهما إلى باب الذهب، فيجدون الدهاليز قد فرشت مصاطبها بالحصر بدل البسط، وينصب في الأماكن الخالية من المصاطب دكك لتلحق بالمصاطب لتفرش، ويجدون صاحب الباب جالسا هناك، فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه، والناس على اختلاف طبقاتهم، فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضا ثم يفرش عليهم سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس، والملوحات، والمخللات، والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النحل، والفطير والخبز المغير لونه، فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب، وصاحب المائدة، وأدخل الناس للأكل منه، فيدخل القاضي والداعي، ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير، والمذكوران إلى جانبه، وفي الناس من لا يدخل، ولا يلزم أحد بذلك، فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أماكنهم ركبانا بذلك الزي الذي ظهروا فيه، وطاف النوّاح بالقاهرة ذلك اليوم، وأغلق البياعون حوانيتهم إلى جواز العصر، فيفتح الناس بعد ذلك أو يتصرّفون. ذكر أبواب القصر الكبير الشرقي وكان لهذا القصر الكبير الشرقيّ تسعة أبواب أكبرها وأجلها: باب الذهب، ثم باب البحر، ثم باب الريح، ثم باب الزمرّذ، ثم باب العيد، ثم باب قصر الشوك، ثم باب الديلم، ثم باب تربة الزعفران، ثم باب الزهومة. باب الذهب (١): وهو باب القصر الذي تدخل منه العساكر، وجميع أهل الدولة في يومي الاثنين والخميس للموكب المقدّم ذكره بقاعة الذهب. قال ابن أبي طيء عن المعز لدين اللّه: أنه لما خرج من بلاد المغرب أخرج أموالا كانت له ببلاد المغرب، وأمر بسبكها أرحية كأرحية الطواحين، وأمر بها حين دخل إلى مصر فألقيت على باب قصره، وهي التي كان الناس يسمونها: الحشرات، ولم تزل على باب القصر إلى أن كان زمن الغلاء في أيام الخليفة المستنصر بالله، فلما ضاق بالناس الأمر أذن لهم أن يبردوا منها بمبارد، فاتخذ الناس مبارد حادّة وغرّهم الطمع، حتى ذهبوا بأكثرها، فأمر بحمل الباقي إلى القصر فلم تر بعد ذلك. وقال ابن ميسر: إن المعز لما قدم إلى القاهرة كان معه مائة جمل عليها الطواحين من الذهب، وقال غيره: كانت خمسمائة جمل على كل جمل: ثلاثة أرحية ذهبا، وإنه عمل

стр. 790

عضادتي الباب من تلك الأرحية واحدة فوق أخرى، فسمي: باب الذهب. جلوس الخليفة في الموالد بالمنظرة علو باب الذهب: قال ابن المأمون في أخبار سنة ست عشرة وخمسمائة: وفي الثاني عشر من المحرّم، كان المولد الآمريّ، واتفق كونه في هذا الشهر يوم الخميس، وكان قد تقرّر أن يعمل أربعون صينية خشكنانج، وحلوى وكعك، وأطلق برسم المشاهد المحتوية على الضرائح الشريفة لكل مشهد سكر وعسل ولوز ودقيق وشيرج، وتقدّم بأن يعمل خمسمائة رطل حلوى، وتفرّق على المتصدّرين، والقرّاء والفقراء للمتصدّرين، ومن معهم في صحون، وللفقراء على أرغفة السميذ، ثم حضر في الليلة المذكورة القاضي والداعي، والشهود، وجميع المتصدّرين وقرّاء الحضرة، وفتحت الطاقات التي قبليّ باب الذهب، وجلس الخليفة وسلموا عليه، ثم خرج متولي بيت المال بصندوق مختوم، ضمنه عينا مائة دينار، وألف وثمانمائة وعشرون درهما برسم أهل القرافة، وساكنيها وغيرهم، وفرّقت الصواني بعد ما حمل منها للخاص، وزمام القصر ومتولي الدفتر خاصة وإلى دار الوزارة، والأجلاء الأخوة، والأولاد، وكاتب الدست، ومتولي حجبة الباب، والقاضي والداعي، ومفتي الدولة ومتولي دار العلم، والمقرئين الخاص، وأئمة الجوامع بالقاهرة ومصر، وبقية الأشراف. قال: وخرج الآمر، يعني في سنة سبع عشرة وخمسمائة بإطلاق ما يخص المولد الآمريّ برسم المشاهد الشريفة من سكر وعسل وشيرج ودقيق، وما يصنع مما يفرّق على المساكين بالجامعين الأزهر بالقاهرة، والعتيق بمصر، وبالقرافة خمسة قناطير حلوى وألف رطل دقيق، وما يعمل بدار الفطرة، ويحمل للأعيان، والمستخدمين من بعد القصور، والدار المأمونية صينية خشكنانج، وحضر القاضي والداعي، والمستخدمون بدار العيد، والشهود في عشية اليوم المذكور، وقطع سلوك الطريق بين القصرين، وجلس الخليفة في المنظرة، وقبلوا الأرض بين يديه، والمقرئون الخاص جميعهم يقرءون القرآن وتقدّم الخطيب، وخطب خطبة وسع القول فيها، وذكر الخليفة والوزير، ثم حضر من أنشد، وذكر فضيلة الشهر والمولود فيه، ثم خرج متولي بيت المال، ومعه صندوق من مال النجاوي خاصة مما يفرّق على الحكم المتقدّم ذكره. قال: واستهلّ ربيع الأوّل، ونبدأ بما شرّف به الشهر المذكور، وهو ذكر مولد سيد الأوّلين والآخرين محمد ﷺ لثلاث عشرة منه، وأطلق ما هو برسم الصدقات من مال النجاوي خاصة ستة آلاف درهم، ومن الأصناف من دار الفطرة أربعون صينية فطرة، ومن الخزائن برسم المتولين، والسدنة للمشاهد الشريفة التي بين الجبل والقرافة التي فيها أعضاء آل رسول اللّه ﷺ ، ولوز عسل، وشيرج لكل مشهد، وما يتولى تفرقته: سنا الملك ابن ميسر أربعمائة رطل حلاوة، وألف رطل خبز. قال: وكان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطل أمر الوالد الأربعة: النبويّ، والعلويّ،

стр. 791

والفاطميّ، والإمام الحاضر، وما يهتمّ به، وقدم العهد به حتى نسي ذكرها، فأخذ الأستاذون يجدّدون ذكرها للخليفة الآمر بأحكام اللّه، ويردّدون الحديث معه فيها، ويحسنون له معارضة الوزير بسببها، وإعادتها، وإقامة الجواري والرسوم فيها، فأجاب إلى ذلك، وعمل ما ذكر. وقال ابن الطوير: ذكر جلوس الخليفة في الموالد الستة في تواريخ مختلفة، وما يطلق فيها، وهي مولد النبيّ ﷺ ، ومولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ومولد فاطمة ﵍، ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد الخليفة الحاضر، ويكون هذا الجلوس في المنظرة التي هي أنزل المناظر، وأقرب إلى الأرض قبالة دار فخر الدين جهاركس، والفندق المستجدّ، فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأوّل، تقدّم بأن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارا من السكر اليابس حلواء يابسة من طرائفها، وتعبى في ثلثمائة صينية من النحاس، وهو مولد النبيّ ﷺ ، فتفرّق تلك الصواني في أرباب الرسوم من أرباب الرتب، وكل صينية في قوارة من أوّل النهار إلى ظهره. فأوّل أرباب الرسوم قاضي القضاة، ثم داعي الدعاة، ويدخل في ذلك القرّاء بالحضرة، والخطباء والمتصدّرون بالجوامع بالقاهرة، وقومة المشاهد، ولا يخرج ذلك مما يتعلق بهذا الجانب بدعو يخرج من دفتر المجلس كما قدّمناه، فإذا صلى الظهر ركب قاضي القضاة، والشهود بأجمعهم إلى الجامع الأزهر، ومعهم أرباب تفرقة الصواني، فيجلسون مقدار قراءة الختمة الكريمة، ثم يستدعي قاضي القضاة، ومن معه فإن كانت الدعوة مضافة إليه، وإلاّ حضر الداعي معه بنقباء الرسائل، فيركبون ويسيرون إلى أن يصلوا إلى آخر المضيق من السيوفيين قبل الابتداء بالسلوك بين القصرين، فيقفون هناك، وقد سلكت الطريق على السالكين من الركن المخلق، ومن سويقة أمير الجيوش عند الحوض هناك، وكنست الطريق فيما بين ذلك، ورشت بالماء رشا خفيفا، وفرش تحت المنظرة المذكورة بالرمل الأصفر. ثم يستدعى صاحب الباب من دار الوزارة، ووالي القاهرة ماض، وعائد لحفظ ذلك اليوم من الازدحام على نظر الخليفة، فيكون بروز صاحب الباب من الركن المخلق هو وقت استدعاء القاضي ومن معه من مكان وقوفهم، فيقربون من المنظرة، يترجلون قبل الوصول إليها بخطوات، فيجتمعون تحت المنظرة دون الساعة الزمانية بسمت وتشوّف لانتظار الخليفة، فتفتح إحدى الطاقات، فيظهر منها وجهه، وما عليه من المنديل، وعلى رأسه عدّة من الأستاذين المحنكين، وغيرهم من الخواص منهم، ويفتح بعض الأستاذين طاقة، ويخرج منها رأسه ويده اليمنى في كمه، ويشير به قائلا: أمير المؤمنين يردّ عليكم السلام، فيسلم بقاضي القضاة أوّلا بنعوته وبصاحب الباب بعده كذلك، وبالجماعة الباقية جملة جملة

стр. 792

من غير تعيين أحد، فيستفتح قرّاء الحضرة بالقراءة ويكونون قياما في الصدر وجوههم للحاضرين، وظهورهم إلى حائط المنظرة، فيقدّم خطيب الجامع الأنور المعروف بجامع الحاكم، فيخطب كما يخطب فوق المنبر إلى أن يصل إلى ذكر النبيّ ﷺ ، فيقول: وإنّ هذا يوم مولده إلى ما منّ اللّه به على ملة الإسلام من رسالته، ثم يختم كلامه بالدعاء للخليفة، ثم يؤخر ويقدّم خطيب الجامع الأزهر، فيخطب كذلك، ثم خطيب الجامع الأقمر فيخطب كذلك، والقرّاء في خلال خطابة الخطباء يقرءون. فإذا انتهت خطابة الخطباء أخرج الأستاذ رأسه، ويده في كمه من طاقته، وردّ على الجماعة السلام، ثم تغلق الطاغتان، فتنفض الناس ويجري أمر الموالد الخمسة الباقية على هذا النظام إلى حين فراغها على عدّتها من غير زيادة ولا نقص، انتهى. وهذا الباب صار بعد زوال الدولة الفاطمية يقابل دار الأمير فخر الدين جهاركس الصلاحيّ التي عرفت بعد ذلك بالدار القطبية، وهي الآن المارستان المنصوري، وصار موضع هذا الباب محراب مدرسة الظاهر ركن الدين بيبرس. باب البحر (١): هو من إنشاء الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور، وهدم في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، وشوهد فيه أمر عجيب. قال جامع السيرة الظاهرية: لما كان يوم عاشوراء يعني من سنة اثنتين وسبعين وستمائة رسم بنقض علو أحد أبواب القصر المسمى بباب البحر، قبالة المدرسة دار الحديث الكاملية لأجل نقل عمدة فيه لبعض العمائر السلطانية، فظهر صندوق في حائط مبنيّ عليه، فللوقت أحضرت الشهود وجماعة كثيرة، وفتح الصندوق، فوجد فيه صورة من نحاس أصفر مفرغ على كرسيّ شبه الهرام، ارتفاعه قدر شبر له أربعة أرجل تحمل الكرسيّ، والصنم جالس متورّكا، وله يدان مرفوعتان ارتفاعا جيدا يحمل صحيفة دورها: قدر ثلاثة أشبار، وفي هذه الصحيفة أشكال ثابتة، وفي الوسط صورة رأس بغير جسد، ودائرة مكتوب كتابة بالقبطيّ، وبالقلفطيريات وإلى جانبها في الصحيفة شكل له قرنان يشبه شكل السنبلة، وإلى الجانب الآخر شكل آخر، وعلى رأسه صليب، والآخر في يده عكاز، وعلى رأسه صليب، وتحت أرجلهم أشكال طيور، وفوق رؤوس الأشكال كتابة، ووجد مع هذا الصنم في الصندوق لوح من ألواح الصبيان التي يكتبون فيها بالمكاتب مدهون وجهه الواحد أبيض، ووجهه الواحد أحمر، وفيه كتابة قد تكشط أكثرها من طول المدّة، وقد بلي اللوح وما بقيت الكتابة تلتئم، ولا الخط يفهم. وهذا نص ما فيه، وأخليت مكان كتابته التي تكشطت، وأمّا الوجه الأبيض: فهو

стр. 793

مكتوب بقلم الصحيفة القبطيّ، والمكتوب في الوجه الأحمر على هذه الصورة: السطر الأوّل بقي منه مكتوبا الإسكندر (١)، السطر الثاني: الأرض وهبها له، السطر الثالث: وجرب لكل (٢)، السطر الرابع: أصحاب (٣)، السطر الخامس: وهو يحرس (٤)، السطر السادس: واحترازه بقوّة، السطر السابع: الملك مرجو، وأبواب السطر الثامن غير بيته سبعة (٥)، السطر التاسع: عالم حكيم عالم في عقله، السطر العاشر: وصفها فلا تفسد، السطر الحادي عشر: طارد كل سوء، والذي صاغها النساء، السطر الثاني: عشر سد أيضا كل آثار اسدية بيبرس، وهي أحد (٦)، السطر الثالث عشر: بيبرس ملك الزمان والحكمة كلمة اللّه ، هذا صورة ما وجد في اللوح مما بقي من الكتابة والبقية قد تكشط. وقيل: إنّ هذا اللوح بخط الخليفة الحاكم، وأعجب ما فيه اسم السلطان، وهو بيبرس، ولما شاهد السلطان ذلك: أمر بقراءته، فعرض على قرّاء الأقلام، فقرئ، وذلك بالقلم القبطيّ، ومضمونه طلسم عمل للظاهر بن الحاكم، واسم أمّه رصد، وفيه أسماء الملائكة، وعزائم ورقي وأسماء روحانية، وصور ملائكة أكثره حرس لديار مصر وثغورها، وصرف الأعداء عنها، وكفهم عن طروقهم إليها، وابتهال إلى اللّه تعالى بأقسام كثيرة لحماية الديار المصرية، وصونها من الأعداء، وحفظها من كل طارق من جميع الأجناس، وتضمن هذا الطلسم: كتابة بالقلفطيريات، وأوفاقا، وصورا، وخواص لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى، وحمل هذا الطلسم إلى السلطان، وبقي في ذخائره. قال: ورأيت في كتاب عتيق رث سماه مصنفه: وصية الإمام العزيز بالله، والد الإمام الحاكم بأمر اللّه لولده المذكور، وقد ذكر فيه الطلسمات التي على أبواب القصر، ومن جملتها: إنّ أوّل البروج: الحمل، وهو بيت المريخ وشرف الشمس، وله القوّة على جميع سلطان الفلك، لأنه صاحب السيف، واسفهسلارية العسكر بين يدي الشمس الملك، وله الأمر والحرب والسلطان والقوّة، والمستولي لقوّة روحانيته على مدينتنا، وقد أقمنا طلسما لساعته ويومه لقهر الأعداء، وذل المنافقين في مكان أحكمناه على إشرافه عليه، والحصن الجامع لقصر مجاور الأوّل باب بنيناه، هذا نص ما رأيته، انتهى. ولعل معنى كتابة بيبرس في هذا اللوح إشارة إلى أن هدم هذا الباب يكون على زمان بيبرس، فإنّ القوم كانت لهم معارف كثيرة، وعنايتهم بهذا الفنّ وافرة كبيرة، واللّه أعلم، وموضع باب البحر هذا اليوم يعرف: بباب قصر بشتاك، قبالة المدرسة الكاملية. باب الريح (٧): كان على ما أدركته تجاه سور سعيد السعداء على يمنة السالك من

стр. 794

الركن المخلق إلى رحبة باب العيد، وكان بابا مربعا، يسلك فيه من دهليز مستطيل مظلم إلى حيث المدرسة السابقية، ودار الطواشي سابق الدين، وقصر أمير السلاح، وينتهي إلى ما بين القصرين تجاه حمام البيسري، وعرف هذا الباب في الدولة الأيوبية: بباب قصر ابن الشيخ، وذلك أن الوزير: الصاحب معين الدين حسين بن شيخ الشيوخ، وزير الملك الصالح نجم الدين أيوب: كان يسكن بالقصر الذي في داخل هذا الباب، ثم قيل له في زمننا: باب القصر، وكان على حاله، له عضادتان من حجارة، ويعلوه اسكفة حجر مكتوب فيها نقرا في الحجر عدّة أسطر، بالقلم الكوفيّ لم يتهيأ لي قراءة ما فيها، وكان دهليز هذا الباب عريضا يتجاوز عرضه فيما أقدّر: العشرة أذرع في طول كبير جدّا، ويعلو هذا الباب دور للسكنى تشرف على الطريق، وما زال على ذلك، إلى أن أنشأ الأمير الوزير المشير جمال الدين يوسف الإستادار مدرسته برحبة باب العيد، واغتصب لها أملاك الناس، وكان مما اغتصب ما بجوار المدرسة المذكورة من الحوانيت، والرباع التي فوقها، وما جاوز ذلك، وهدمها ليبنيها على ما يريد، فهدم هذا الباب في صفر سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وبنى في مكانه، ومكان الدهليز المظلم الذي كان ينتهي بالسالك فيه من هذا الباب إلى المدرسة السابقية: هذه القيسارية الكبيرة ذات الحوانيت، والسقيفة والأبواب الجديدة، ودخل فيها بعض مما كان بجانبي هذا الباب من الحوانيت وعلوها، ولما هدم هذا الباب ظهر في داخل بنيانه شخص، وبلغني ذلك فسرت إلى الأمير المذكور، وكان بيني وبين صحبة، لأشاهد هذا الشخص المذكور، والتمست منه إحضاره، فأخبرني أنه أحضر إليه شخص من حجارة: قصير القامة إحدى عينيه أصغر من الأخرى، فقلت: لا بدّ لي من مشاهدته، فأمر بإحضاره الموكل بالعمارة، وأنا معه إذ ذاك في موضع الباب، وقد هدم ما كان فيها من البناء، فذكر أنه رماه بين أحجار العمارة، وأنه تكسر وصار فيما بينها، ولا يستطيع تمييزه منها، فأغلظ عليه وبالغ في الفحص عنه، فأعياهم إحضاره. فسألت الرجل حينئذ فقال لي: إنهم لما انتهوا في الهدم إلى حيث كان هذا الشخص إذا بدائرة فيها كتابة وبوسطها شخص قصير، صغير إحدى العينين من حجارة، وهذه كانت صفة جمال الدين فإنه كان قصير القامة، إحدى عينيه أصغر من الأخرى، ويشبه، واللّه أعلم، أن يكون قد عين في تلك الكتابة التي كانت حول الشخص، أنّ هذا الباب يهدمه من هذه صفته، كما وجد في باب البحر اسم بيبرس الذي هدم على يديه، وبأمره، وقد ظفر جمال الدين هذا بأموال عظيمة وجدها في داخل هذا القصر، لما أنشأ داره الأولى في الحدرة من داخل هذا الباب في سنة ست وتسعين وسبعمائة، وكان لكثرة هذا المال لا يستطيع كتمانه، ومن شدّة خوفه يومئذ من الظاهر برقوق أن يظهر عليه، لا يقدر أن يصرّح به، فكان يقول لأصحابه وخواصه: وجدت في هذا المكان سبعين قفة من حديد. أخبرني اثنان رئيسان من أعيان الدولة عنه: إنه قال لهما هذا القول، وكنت إذ ذاك أيام

стр. 795

عمارته لهذه القاعة أتردّد لشيخنا سراج الدين عمر بن الملقن رحمه اللّه تعالى بالمدرسة السابقية، وبها كان يسكن، فتعرّفت بجمال الدين منه، وكان يومئذ من عرض الجند، ويعرف: باستادار نحاس، فاشتهر هناك أنه وجد حال هدمه وعمارته القاعة، والرواق بالحدرة مكانا مبنيا تحت الأرض مبيض الحيطان، فيه مال فما كان عندي شك أنه من أموال خبايا الفاطميين، فإنه قد ذكر غير واحد من الإخباريين، أن السلطان صلاح الدين لما استولى على القصر بعد موت العاضد لم يظفر بشيء من الخبايا، وعاقب جماعة، فلم يوقفوه على أمرها. باب الزمرد (١): سمي بذلك لأنه كان يتوصل منه إلى قصر الزمرذ، وموضعه الآن المدرسة الحجازية بخط رحبة باب العيد. باب العيد (٢): هذا الباب مكانه اليوم في داخل درب السلامي بخط رحبة باب العيد، وهو عقد محكم البناء ويعلوه قبة قد عملت مسجدا، وتحتها حانوت يسكنه سقّاء، ويقابله مصطبة، وأدركت العامّة، وهم يسمون هذه القبة بالقاهرة، ويزعمون أن الخليفة كان يجلس بها، ويرخي كمه فتأتي الناس وتقبله، وهذا غير صحيح، وقيل لهذا الباب: باب العيد، لأنّ الخليفة كان يخرج منه في يومي العيد إلى المصلى بظاهر باب النصر، فيخطب بعد أن يصلي بالناس صلاة العيد، كما ستقف عليه عند ذكر المصلى إن شاء اللّه تعالى، وفي سنة إحدى وستين وستمائة: بنى الملك الظاهر بيبرس خانا للسبيل بظاهر مدينة القدس، ونقل إليه باب العيد هذا، فعمله بابا له، وتم بناؤه في سنة اثنتين وستين. باب قصر الشوك (٣): وهو الذي كان يتوصل منه إلى قصر الشوك، وموضعه الآن تجاه حمام عرفت بحمام الإيدمريّ، ويقال لها اليوم: حمام يونس عند موقف المكارية، بجوار خزانة البنود على يمنة السالك منها إلى رحبة الإيدمريّ، وهو الآن زقاق ينتهي إلى بئر يسقى منها بالدلاء، ويتوصل من هناك إلى المارستان العتيق وغيره، وأدركت منه قطعة من جانبه الأيسر. باب الديلم (٤): وكان يدخل منه إلى المشهد الحسينيّ، وموضعه الآن درج ينزل منها

стр. 796

إلى المشهد تجاه الفندق الذي كان دار الفطرة، ولم يبق لهذا الباب أثر البتة. باب تربة الزعفران (١): مكانه الآن بجوار خان الخليلي من بحريه، مقابل فندق المهمندار الذي يدق فيه ورق الذهب، وقد بني بأعلاه طبقة، ورواق ولا يكاد يعرفه كثير من الناس، وعليه كتابة بالقلم الكوفيّ، وهذا الباب كان يتوصل منه إلى تربة القصر المذكورة فيما تقدّم. باب الزهومة (٢): كان في آخر ركن القصر، مقابل خزانة الدرق التي هي اليوم: خان مسرور، وقيل له: باب الزهومة لأن اللحوم وحوائج الطعام التي كانت تدخل إلى مطبخ القصر الذي للحوم إنما يدخل بها من هذا الباب. فقيل له: باب الزهومة يعني باب الزفر، وكان تجاهه أيضا درب السلسلة الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. وموضعه الآن: باب قاعة الحنابلة من المدارس الصالحية، تجاه فندق مسرور الصغير، ومن بعد باب الزهومة المذكور باب الذهب الذي تقدّم ذكره، فهذه أبواب القصر الكبير التسعة. ذكر المنحر (٣) وكان بجوار هذا القصر الكبير: المنحر، وهو الموضع الذي اتخذه الخلفاء لنحر الأضاحي في عيد النحر، وعيد الغدير وكان تجاه رحبة باب العيد، وموضعه الآن يعرف: بالدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وصار موضعه ما في داخل هذا الدرب من الدور والطاحون وغيرها، وظاهره تجاه رأس حارة برجوان يفصل بينه وبين حارة برجوان الحوانيت التي تقابل باب الحارة، ومن جملة المنحر الساحة العظيمة التي عملت لها خوند بركة أمّ السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين، البوّابة العظيمة بخط الركن المخلق بجوار قيسارية الجلود التي عمل فيها حوانيت الأساكفة، وكان الخليفة إذا صلى صلاة عيد النحر، وخطب ينحر بالمصلى، ثم يأتي المنحر المذكور، وخلفه المؤذنون يجهرون بالتكبير، ويرفعون أصواتهم كلما نحر الخليفة شيئا، وتكون الحربة في يد قاضي القضاة، وهو بجانب الخليفة ليناوله إياها إذا نحر، وأوّل من سنّ منهم إعطاء الضحايا، وتفرقتها في أولياء الدولة على قدر رتبهم: العزيز بالله نزار.

стр. 797

ما كان يعمل في عيد النحر: قال المسبحيّ: وفي يوم عرفة يعني من سنة ثمانين وثلثمائة حمل يانس صاحب الشرطة السماط، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب سماطا آخر، وركب العزيز بالله يوم النحر، فصلى وخطب على العادة، ثم نحر عدّة نوق بيده، وانصرف إلى قصره، فنصب السماط، والموائد، وأكل ونحر بين يديه، وأمر بتفرقة الضحايا على أهل الدولة، وذكر مثل ذلك في باقي السنين. وقال ابن المأمون في عيد النحر من سنة خمس عشرة وخمسمائة: وأمر بتفرقة عيد النحر، والهبة وجملة العين، ثلاثة آلاف وثلثمائة وسبعون دينارا، ومن الكسوات مائة قطعة، وسبع قطع برسم الأمراء المطوّقين، والأستاذين المحنكين، وكاتب الدست، ومتولي حجبة الباب، وغيرهم من المستخدمين، وعدّة ما ذبح: ثلاثة أيام النحر في هذا العيد، وعيد الغدير: ألفان وخمسمائة وأحد وستون رأسا. تفصيله: نوق مائة وسبعة عشر رأسا، يقر أربعة وعشرون رأسا، جاموس عشرون رأسا، هذا الذي ينحره ويذبحه الخليفة بيده في المصلى والنحر، وباب الساباط، ويذبح الجزارون من الكباش ألفين وأربعمائة رأس، والذي اشتملت عليه نفقات الأسمطة في الأيام المذكورة خارجا عما يعمل بالدار المأمونية من الأسمطة، وخارجا عن أسمطة القصور عند الحرم، وخارجا عن القصور الحلواء، والقصور المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة: ألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا، وربع وسدس دينار، ومن السكر برسم القصور، والقطع المنفوخ أربعة وعشرون قنطارا. تفصيله عن قصرين في أوّل يوم خاصة اثنا عشر قنطارا المنفوخ عن ثلاثة الأيام اثنا عشر قنطارا، وقال في سنة ست عشرة وخمسمائة: وحضر وقت تفرقة كسوة عيد النحر ووصل ما تأخر فيها بالطراز، وفرّقت الرسوم على من جرت عادته خارجا عما أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته، وخارجا عما يفرّق على سبيل المناخ، ومن باب الساباط مذبوحا، ومنحورا ستمائة دينار وسبعة عشر دينارا، وفي التاسع من ذي الحجة، جلس الخليفة الآمر بأحكام اللّه على سرير الملك، وحضر الوزير، وأولاده وقاموا بما يجب من السلام، واستفتح المقرئون، وتقدّم حامل المظلة، وعرض ما جرت عادته من المظال الخمسة التي جميعها مذهب، وسلم الأمراء على طبقاتهم، وختم المقرئون، وعرضت الدواب جميعها، والعماريات والوحوش وعاد الخليفة إلى محله، فلما أسفر الصبح: خرج الخليفة، وسلم على من جرت عادته بالسلام عليه، ولم يخرج شيء عما جرت به العادة في الركوب والعود، وغير الخليفة ثيابه، ولبس ما يختص بالنحر، وهي البدلة الحمراء بالشدّة التي تسمى: بشدّة الوفار، والعلم الجوهر في وجهه بغير قضيب ملك في يده إلى أن دخل المنحر، وفرشت الملاءة الديبقيّ الحمراء وثلاث بطائن

стр. 798

مصبوغة حمر، ليتقي بها الدم مع كون كل من الجزارين، بيده مكبة صفاف مدهونة يلقي بها الدم عن الملاءة، وكبر المؤذنون، ونحر الخليفة أربعا وثلاثين ناقة، وقصد المسجد الذي آخر صف المنحر، وهو مغلق بالشروب والفاكهة المعبأة فيه بمقدار ما غسل يديه، ثم ركب من فوره، وجملة ما نحره، وذبحه الخليفة خاصة في المنحر، وباب الساباط دون الأجل الوزير المأمون، وأولاده، وإخوته في ثلاثة الأيام ما عدّته: ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا. تفصيله: نوق مائة وثلاث عشرة ناقة، نحر منها في المصلى عقيب الخطبة، ناقة وهي التي تهدي وتطلب من آفاق الأرض للتبرّك بلحمها، ونحر في المناخ مائة ناقة، وهي التي يحمل منها للوزير، وأولاده وإخوته والأمراء، والضيوف، والأجناد، والعسكرية والمميزين من الراجل، وفي كل يوم يتصدّق منها على الضعفاء والمساكين بناقة واحدة، وفي اليوم الثالث من العيد تحمل ناقة منحورة للفقراء في القرافة، وينحر في باب الساباط ما يحمل إلى من حوته القصور، وإلى داره الوزارة، وإلى الأصحاب، والحواشي اثنتا عشرة ناقة، وثماني عشرة بقرة وخمس عشرة جاموسة، ومن الكباش ألف وثمانمائة رأس، ويتصدّق كل يوم في باب الساباط بسقط ما يذبح من النوق والبقر. وأما مبلغ المنصرف على الأسمطة في ثلاثة الأيام خارجا عن الأسمطة بالدار المأمونية، فألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا وربع وسدس دينار، ومن السكر برسم قصور الحلاوة، والقطع المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة خارجا عن المطابخ ثمانية وأربعون قنطارا. وقال ابن الطوير: فإذا انقضى ذو القعدة، وأهلّ ذو الحجة، اهتمّ بالركوب في عيد النحر، وهو يوم عاشره، فيجري حاله كما جرى في عيد الفطر من الزي، والركوب إلى المصلى، ويكون لباس الخليفة فيه: الأحمر الموشح، ولا ينخرم منه شيء، وركوبه ثلاثة أيام متوالية، فأوّلها: يوم الخروج إلى المصلى والخطابة، كعيد الفطر، وثاني يوم وثالثه إلى المنحر، وهو المقابل لباب الريح الذي في ركن القصر المقابل لسور دار سعيد السعداء، الخانقاه (١) اليوم، وكان براحا خاليا لا عمارة فيه، فيخرج من هذا الباب الخليفة بنفسه، ويكون الوزير واقفا عليه، فيترجل ويدخل ماشيا بين يديه بقربه، هذا بعد انفصالهما من المصلى، ويكون قد قيّد إلى هذا المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة أمام مصطبة مفروشة يطلع

стр. 799

عليها الخليفة والوزير، ثم أكابر الدولة، وهو بين الأستاذين المحنكين، فيقدّم الفرّاشون له إلى المصطبة رأسا، ويكون بيده حربة، من رأسها الذي لا سنان فيه ويد قاضي القضاة في أصل سنانها، فيجعله القاضي في نحر النحيرة، ويطعن بها الخليفة، وتجرّ من بين يديه، حتى يأتي على العدّة المذكورة، فأوّل نحيرة هي التي تقدّد، وتسير إلى داعي اليمن، وهو الملك فيه، فيفرّقها على المعتقدين من وزن نصف درهم إلى ربع درهم، ثم يعمل ثاني يوم كذلك فيكون عدد ما ينحر: سبعا وعشرين، ثم يعمل في اليوم الثالث كذلك وعدّة ما ينحر ثلاث وعشرون. هذا: وفي مدّة هذه الأيام الثلاثة يسير رسم الأضحية إلى أرباب الرتب والرسوم كما سيرت الغرّة في أوّل السنة من الدنانير بغير رباعية، ولا قراريط على مثال الغرّة من عشرة دنانير إلى دينار، وأما لحم الجزور، فإنه يفرّق في أرباب الرسوم للتبرّك في أطباق مع أدوان الفرّاشين، وأكثر ذلك تفرقة قاضي القضاة وداعي الدعاة للطلبة بدار العلم، والمتصدّرين بجوامع القاهرة، ونقباء المؤمنين بها من الشيعة للتبرّك، فإذا انقضى ذلك خلع الخليفة على الوزير ثيابه الحمر التي كانت عليه، ومنديلا آخر بغير السمة، والعقد المنظوم من القصر عند عود الخليفة من المنحر، فيركب الوزير من القصر بالخلع المذكورة شاقا القاهرة، فإذا خرج من باب زويلة انعطف على يمينه سالكا على الخليج، فيدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة، وبذلك انفصال عيد النحر. وقال ابن أبي طيّ: عدّة ما يذبح في هذا العيد في ثلاثة أيام النحر، وفي يوم عيد الغدير: ألفان وخمسمائة وأحد وستون رأسا، وتفصيله: نوق مائة وسبعة عشر رأسا، بقر أربعة وعشرون رأسا، جاموس عشرون رأسا، هذا الذي ينحره الخليفة، ويذبحه بيده في المصلى، والمنحر، وباب الساباط، ويذبح الجزارون بين يديه من الكباش ألفا وأربعمائة رأس. وقال ابن عبد الظاهر: كان الخليفة ينحر بالمنحر: مائة رأس، ويعود إلى خزانة الكسوة فيغير قماشه، ويتوجه إلى الميدان، وهو الخرنشف (١) بباب الساباط للنحر والذبح، ويعود بعد ذلك إلى الحمام ويغير ثيابه للجلوس على الأسمطة، وعدّة ما يذبحه ألف وسبعمائة وستة وأربعون رأسا: مائة وثلاث عشر ناقة والباقي بقر وغنم. قال ابن الطوير: وثمن الضحايا على ما تقرّر ما يقرب من ألفي دينار، وكانت تخرج المخلقات إلى الأعمال بشائر بركوب الخليفة في يوم عيد النحر.

стр. 800

فمما كتب به الأستاذ البارع أبو القسم عليّ بن منجيب بن سليمان الكاتب المعروف: بابن الصيرفيّ المنعوت: بتاج الرياسة، أما بعد: فالحمد للّه الذي رفع منار الشرع، وحفظ نظامه ونشر راية هذا الدين، وأوجب إعظامه، وأطلع بخلافة أمير المؤمنين كواكب سعوده، وأظهر للمؤالف والمخالف عزة أحزابه وقوّة جنوده، وجعل فرعه ساميا ناميا، وأصله ثابتا راسخا، وشرّفه على الأديان بأسرها وكان لعراها فاصما ولأحكامها ناسخا، يحمده أمير المؤمنين أن الزم طاعته الخليقة، وجعل كراماته الأسباب الجديرة بالإمارة الخليقة، ويرغب إليه في الصلاة على جدّه محمد الذي حاز الفخار أجمعه، وضمن الجنة لمن آمن به واتبع النور الذي أنزل معه، ورفعه إلى أعلى منزلة تخير له منها المحل، وأرسله بالهدى ودين الحق، فزهق الباطل، وخمدت ناره واضمحل، صلى اللّه عليه، وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب خير الأمّة وإمامها، وحبر الملة وبدر تمامها، والموفي يومه في الطاعات على ماضي أمسه، ومن أقامه رسول اللّه ﷺ في المباهلة مقام نفسه، واختصه بأبعد غاية في سورة براءة، فنادى في الحج بأوّلها، ولم يكن غيره ينفذ نفاذه ولا يسدّ مكانه، لأنه قال: «لا يبلغ عني إلاّ رجل من أهل بيتي» عملا في ذلك بما أمر اللّه به سبحانه، وعلى الأئمة من ذريتهما خلفاء اللّه في أرضه، والقائمين في سياسة خلقه بصريح الإيمان ومحضه، والمحكمين من أمر الدين ما لا وجه لحله، ولا سبيل إلى نقضه، وسلم عليهم أجمعين سلاما يتصل دوامه، ولا يخشى انصرامه، ومجد وكرّم، وشرّف وعظم، وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم الأحد عيد النحر من سنة ست وثلاثين وخمسمائة الذي تبلج فجره عن سيئات محصت، ونفوس من آثار الذنوب خلصت، ورحمة امتدّت ظلالها وانتشرت ومغفرة هنأت ونشرت، وكان من خبر هذا اليوم: أن أمير المؤمنين برز لكافة من بحضرته من أوليائه، متوجها لقضاء حق هذا العيد السعيد وأدائه، في عترة راسخة قواعدها متمكنة، وعساكر جمة تضيق عنها ظروف الأمكنة، ومواكب تتوالى كتوالي السيل، وتهاب هيبة مجيئه في الليل، بأسلحة تحسر لها الأبصار وتبرق وترتاع الأفئدة منها وتفرق، فمن مشرفيّ إذا ورد تورّد، ومن سمهريّ إذا قصد تقصد، ومن عمد إذا عمدت تبرّأت المغافر من ضمانها، ومن قسيّ إذا أرسلت بنانها وصلت إلى القلوب بغير استئذانها، ولم يزل سائرا في هدي الإمامة وأنوارها، وسكينة الخلافة ووقارها، إلى أن وصل إلى المصلى قدام المحراب، وأدّى الصلاة إذ لم يكن بينه وبين التقبيل حجاب، ثم علا المنبر فاستوى على ذروته، ثم هلل اللّه وكبر، وأثنى على عظمته وأحسن إلى الكافة بتبليغ موعظته، وتوجه إلى ما أعدّ من البدن فنحره تكميلا لقربته، وانتهى في ذلك إلى ما أمر اللّه ، وعاد إلى قصوره المكرّمة، ومنازله المقدّسة، قد رضي اللّه عمله، وشكر فعله وتقبله، أعلمك أمير المؤمنين بذلك، لتشكر اللّه على النعمة فيه، وتذيعه قبلك على الرسم مما تجاريه، فاعلم هذا، واعمل به إن شاء اللّه تعالى.

стр. 801

ذكر دار الوزارة الكبرى وكان بجوار هذا القصر الكبير الشرقيّ تجاه رحبة باب العيد، دار الوزارة الكبرى، ويقال لها: الدار الأفضلية والدار السلطانية. قال ابن عبد الظاهر: دار الوزارة بناها: بدر الجماليّ أمير الجيوش، ثم لم يزل يسكنها من يلي إمرة الجيوش إلى أن انتقل الأمر عن المصريين، وصار إلى بني أيوب، فاستقرّ سكن الملك الكامل بقلعة الجبل خارج القاهرة، وسكنها السلطان الملك الصالح ولده، ثم أرصدت دار الوزارة لمن يرد من الملوك، ورسل الخليفة إلى هذا الوقت، وكانت دار الوزارة قديما تعرف بدار القباب، وأضافها الأفضل إلى دور بني هريسة، وعمرها دارا وسماها دار الوزارة، انتهى. والذي تدل عليه كتب ابتياعات الأملاك القديمة التي بتلك الخطة أنها من بناء الأفضل، لا من عمارة أبيه بدر، والدار التي عمرها أمير الجيوش بدر هي داره: بحارة برجوان التي قيل لها دار المظفر، وما زال وزراء الدولة الفاطمية أرباب السيوف من عهد الأفضل بن أمير الجيوش يسكنون بدار الوزارة هذه إلى أن زالت الدولة فاستقرّ بها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وابنه من بعده: الملك العزيز عثمان، ثم ابنه الملك المنصور، ثم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ثم ابنه الملك الكامل، وصاروا يسمونها الدار السلطانية، وأوّل من انتقل عنها من الملوك، وسكن بالقلعة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وجعلها منزلا للرسل، فلما ولي قطز سلطنة ديار مصر، وتلقب بالملك العادل في سنة سبع وخمسين وستمائة، وحضر إليه البحرية وفيهم بيبرس البندقداريّ، وقلاون الألفيّ من الشام، خرج الملك العادل قطز إلى لقائهم، وأنزل الأمير ركن الدين بيبرس بدار الوزارة، فلم يزل بها، حتى سافر صحبة قطز إلى الشام، وقتله وعاد إلى مصر فتسلطن، وسكن بقلعة الجبل. وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة، لما قتل الأشرف خليل بن قلاون في واقعة بيدرا (١)، ثم قتل بيدرا، وأجلس الملك الناصر محمد علي تخت الملك، وثارت الأشرفية من المماليك على الأمراء، وقتل من قتل منهم، خاف بقية الأمراء من شرّ المماليك الأشرفية، فقبض منهم على نحو الستمائة مملوك، وأنزل بهم من القلعة، وأسكن منهم نحو: الثلاثمائة بدار الوزارة، وأسكن منهم كثير في مناظر الكبش، وأجريت عليهم الرواتب، ومنعوا من الركوب إلى أن كان من أمرهم ما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب.

стр. 802

ولما كانت سنة سبعمائة: أخذ الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري نائب السلطنة في أيام الملك المنصور حسام الدين لاجين: قطعة من دار الوزارة، فبنى بها الربع المقابل خانقاه سعيد السعداء، ثم بنى المدرسة المعروفة: بالقراسنقرية، ومكتب الأيتام، فلما كانت دولة البرجية بنى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير: الخانقاه الركنية، والرباط بجانبها من جملة دار الوزارة، وذلك في سنة تسع وسبعمائة، ثم استولى الناس على ما بقي من دار الوزارة، وبنوا فيها، فمن حقوقها الربع تجاه الخانقاه الصلاحية دار سعيد السعداء، والمدرسة القراسنقرية، وخانقاه ركن الدين بيبرس، وما بجوارها من دار قزمان ودار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الوزير، المعروفة: بدار خوند طولوباي الناصرية، جهة الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، وحمام الأعسر التي بجانبها، والحمام المجاور لها، وما وراء هذه الأماكن من الآدر وغيرها. وهي الفرن والطاحون التي قبليّ المدرسة القراسنقرية، ومن الآدر والخربة التي قبليّ ربع قراسنقر، وما جاور باب سرّ المدرسة القراسنقرية من الآدر، وخربة أخرى هناك، والدار الكبرى المعروفة بدار الأمير سيف الدين برلغي الصغير صهر الملكك المظفر بيبرس الجاشنكير المعروفة اليوم: بدار الغزاوي، وفيها السرداب الذي كان رزيك بن الصالح رزيك فتحه في أيام وزارته من دار الوزارة إلى سعيد السعداء، وهو باق إلى الآن في صدر قاعتها، وذكر أنّ فيه حية عظيمة، ومن حقوق دار الوزارة المناخ المجاور لهذه القاعة، وكان على دار الوزارة: سور مبنيّ بالحجارة وقد بقي الآن منه قطعة في حدّ دار الوزارة الغربيّ، وفي حدّها القبليّ، وهو الجدار الذي فيه باب الطاحون والساقية تجاه باب سعيد السعداء من الزقاق الذي يعرف اليوم: بخرائب تتر، ومنه قطعة في حدّها الشرقيّ عند باب الحمام، والمستوقد بباب الجوّانية، وكان بدار الوزارة هذا الشباك الكبير المعمول من الحديد في القبة التي دفن تحتها بيبرس الجاشنكير من خانقاهه، وهو الشباك الذي يقرأ فيه القرّاء، وكان موضوعا في دار الخلافة ببغداد يجلس فيه الخلفاء من بني العباس. فلما استولى الأمير أبو الحرث البساسيري (١) على بغداد، وخطب فيها للخليفة المستنصر بالله الفاطميّ أربعين جمعة، وانتهب قصر الخلافة، وصار الخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ إلى عانة، وسير البساسيريّ الأموال، والتحف من بغداد إلى المستنصر بالله بمصر في سنة سبع وأربعين وأربعمائة: كان من جملة ما بعث به منديل الخليفة القائم بأمر اللّه الذي عممه بيده في قالب من رخام، قد وضع فيه كما هو حتى لا تتغير شدّته، ومع هذا المنديل رداءه، والشباك الذي كان يجلس فيه، ويتكئ عليه، فاحتفظ بذلك إلى أن عمرت دار الوزارة على يد الأفضل بن أمير الجيوش، فجعل هذا الشباك بها، يجلس فيه الوزير،

стр. 803

ويتكئ عليه، وما زال بها إلى أن عمر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الخانقاه الركنية، وأخذ من دار الوزارة أنقاضا منها هذا الشباك، فجعله في القبة، وهو شباك جليل، وأما العمامة والرداء: فما زالا بالقصر حتى مات العاضد، وتملك السلطان صلاح الدين ديار مصر، فسيرهما في جملة ما بعث من مصر إلى الخليفة المستضيء بالله العباسيّ ببغداد، ومعهما الكتاب الذي كتبه الخليفة القائم على نفسه، وأشهد عليه العدول فيه أنه لا حق لبني العباس، ولا له من جملتهم في الخلافة مع وجود بني فاطمة الزهراء ﵍. وكان البساسيريّ ألزمه حتى أشهد على نفسه بذلك، وبعث بالأشهاد إلى مصر، فأنفذه صلاح الدين إلى بغداد مع ما سير به من التحف التي كانت بالقصر، وأخبرني شيخ معمر: يعرف بالشيخ عليّ السعوديّ ولد في سنة سبع وسبعمائة قال: رأيت مرّة، وقد سقط من ظهر الرباط المجاور لخانقا هبيبرس من جملة ما بقي من سور دار الوزارة جانب، ظهرت منه علبة فيها رأس إنسان كبير، وعندي أن هذا الرأس من جملة رؤوس الأمراء البرقية الذين قتلهم ضرغام في أيام وزارته للعاضد بعد شاور، فإنه كان عمل الحيلة عليهم بدار الوزارة، وصار يستدعي واحدا بعد واحد إلى خزانة بالدار، ويوهم أنه يخلع عليهم، فإذا صار واحد منهم في الخزانة قتل، وقطع رأسه، وذلك في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وكانت دار الوزارة في الدولة الفاطمية تشتمل على عدّة قاعات، ومساكن وبستان وغيره، وكان فيها مائة وعشرون مقسما للماء الذي يجري في بركها، ومطابخها ونحو ذلك. ذكر رتبة الوزارة، وهيئة خلعهم، ومقدار جاريهم، وما يتعلق بذلك أما المعز لدين اللّه: أوّل الخلفاء الفاطميين بديار مصر، فإنه لم يوقع اسم الوزارة على أحد في أيامه، وأوّل من قيل له الوزير في الدولة الفاطمية، الوزير يعقوب بن كاس وزير العزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز، وإليه تنسب الحارة الوزيرية، كما ستقف عليه، عند ذكر الحارات من هذا الكتاب، فلما مات ابن كاس، لم يستوزر العزيز بالله بعده أحدا، وإنما كان رجل يلي الوساطة، والسفارة، فاستقرّ في ذلك جماعة كثيرة بقية أيام العزيز، وسائر أيام ابنه أبي عليّ منصور الحاكم بأمر اللّه، ثم ولي الوزارة: أحمد بن عليّ الجرجرأيّ في أيام الظاهر أبي هاشم عليّ بن الحاكم، وما زال الوزراء من بعده واحدا بعد واحد، وهم أرباب أقلام حتى قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ. قال ابن الطوير: وكان من زيّ هؤلاء الوزراء، أنهم يلبسون المناديل الطبقيات بالأحناك تحت حلوقهم، مثل العدول الآن، وينفردون بلباس ثياب قصار، يقال لها: الذراريع، واحدها: ذراعة، وهي مشقوقة أمام وجهه إلى قريب من رأس الفؤاد بأزرار وعرى، ومنهم من تكون أزراره ممن ذهب مشبك، ومنهم من أزراره لؤلؤ، وهذه علامة الوزارة، ويحمل له الدواة المحلاة بالذهب، ويقف بين يديه الحجاب، وأمره نافذ في أرباب

стр. 804

السيوف من الأجناد وأرباب الأقلام، وكان آخرهم الوزير: ابن المغربيّ الذي قدم عليه أمير الجيوش بدر الجماليّ من عكا، ووزر للمستنصر: وزير سيف، ولم يتقدّمه في ذلك أحد، انتهى. وترتيب وزارته بأن تكون وزارته وزارة صاحب سيف بأن تكون الأمور كلها مردودة إليه، ومنه إلى الخليفة، دون سائر خدمه، فعقد له هذا العقد، وأنشئ له السجل، ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش، وهو النعت الذي كان لصاحب ولاية دمشق وأضيف إليه: كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين، وجعل القاضي والداعي نائبين عنه، ومقلدين من قبله. وكتب له في سجله، وقد قلدك أمير المؤمنين: جميع جوامع تدبيره، وناط بك النظر في كل ما وراء سريره، فباشر ما قلدك أمير المؤمنين من ذلك مدبرا للبلاد، ومصلحا للفساد، ومدمرا أهل العناد، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، وزيد له الحنك مع الذؤابة المرخاة، والطيلسان المقوزريّ قاضي القضاة، وذلك في سنة سبع وستين وأربعمائة، فصارت الوزارة من حينئذ وزارة تفويض، ويقال لمتوليها: أمير الجيوش، وبطل اسم الوزارة، فلما قام شاهنشاه بن أمير الجيوش من بعد أبيه، ومات الخليفة المستنصر، ولقبه بالمستعلي، صار يقال له: الأفضل ومن بعده صار من يتولى هذه الرتبة يتلقب به أيضا. وأوّل من لقب بالملك منهم مضافا إلى بقية الألقاب: رضوان بن ولخشي، عندما وزر للحافظ لدين اللّه، فقيل له: السيد الأجل الملك الأفضل، وذلك في سنة ثلاثين وخمسمائة، وفعل ذلك من بعده، فتلقب طلائع بن رزيك: بالملك المنصور، وتلقب ابنه رزيك بن طلائع: بالملك العادل وتلقب شاور بالملك المنصور، وتلقب آخرهم: صلاح الدين يوسف بن أيوب بالملك الناصر، وصار وزير السيف من عهد أمير الجيوش بدر إلى آخر الدولة، هو سلطان مصر، وصاحب الحل والعقد، وإليه الحكم في الكافة من الأمراء والأجناد، والقضاة، والكتاب، وسائر الرعية، وهو الذي يولي أرباب المناصب الديوانية، والدينية، وصار حال الخليفة معه كما هو حال ملوك مصر من الأتراك إذا كان السلطان صغيرا والقائم بأمره من الأمراء، وهو الذي يتولى تدبير الأمور، كما كان الأمير يلبغا الخاصكيّ مع الأشرف شعبان، وكما أدركنا الأمير برقوق قبل سلطنته مع ولدي الأشرف، وكما كان الأمير أيتمش مع الملك الناصر فرج بعد موت الظاهر برقوق. قال ابن أبي طي: وكانت خلعهم يعني الخلفاء الفاطميين على الأمراء: الثياب الديبقيّ، والعمائم الصب بالطراز الذهب، وكان طراز الذهب، والعمامة من خمسمائة دينار، ويخلع على أكابر الأمراء: الأطواق الذهب، والأسورة والسيوف المحلاة، وكان يخلع على الوزير عوضا عن الطوق عقد جوهر.

стр. 805

قال ابن الطوير (١): وخلع عليه، يعني على أمير الجيوش بدر الجماليّ بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، وزيد له الحنك، مع الذؤابة المرخاة، والطيلسان المقوّر زي قاضي القضاة، وهذه الخلع تشابه خلع الوزراء، وأرباب الأقلام في زمننا هذا، غير أنه لقصور أحوال الدولة جعل عوض العقد الجوهر الذي كان للوزير، ويفك بخمسة آلاف مثقال ذهبا قلادة من عنبر مغشوش يقال لها: العنبرية، ويتميز بها الوزير خاصة، ويلبس أيضا: الطيلسان المقوّر، ويسمى اليوم: بالطرحة، ويشاركه فيها جميع أرباب العمائم، إذا خلع عليهم، فإنه تكون خلعهم بالطرحة، وترك أيضا اليوم من خلعة الوزير، وغيره الذؤابة المرخاة، وهي العذبة وصارت الآن من زي القضاة فقط، وهجرها الوزوراء، ويشبه، واللّه أعلم، أن يكون وضعها في الدولة الفاطمية للوزير في خلعه إشارة إلى أنه كبير أرباب السيوف، والأقلام، فإنه كان مع ذلك يتقلد بالسيف وكذلك ترك في الدولة التركية من خلع الوزارة تقليد السيف لأنه لا حكم له على أرباب السيوف، ولما قام الأفضل بن أمير الجيوش خلع أيضا عليه بالسيف والطيلسان المقوّر، وبعد الأفضل لم يخلع على أحد من الوزراء كذلك إلى أن قدم طلائع بن رزيك، ولقب بالملك الصالح عندما خلع عليه للوزارة، وجعل في خلعته السيف والطيلسان المقوّر. قال ابن المأمون: وفي يوم الجمعة ثانية، يعني ثاني ذي الحجة يعني سنة خمس عشرة وخمسمائة: خلع على القائد ابن فاتك البطائحي من الملابس الخاص الشريفة في فردكم مجلس الكعبة، وطوّق بطوق ذهب مرصع وسيف ذهب كذلك، وسلم على الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وأمر الخليفة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل بن أمير الجيوش يركب منه، ومشى في ركابه القوّاد على دعاة من تقدّمه وخرج بتشريف الوزارة يعني: من باب الذهب، ودخل من باب العيد راكبا، وجرى الحكم فيه على ما تقدّم للأفضل ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم، وأطلق الهبات. ولما كان يوم الاثنين خامس ذي الحجة اجتمع أمراء الدولة لتقبيل الأرض بين يدي الخليفة الآمر على العادة التي قرّرها مستجدّة، واستدعى الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة، فلما حضر أمر بإحضار السجل للأجل الوزير المأمون من يده، فقبله وسلمه لزمام القصر، وأمر الخليفة الوزير المأمون بالجلوس عن يمينه، وقرئ السجل على باب المجلس، وهو أوّل سجل قرئ في هذا المكان، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان، ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل النسبة للأمراء، والمحنكين من الأمراء إلى المأموني للناس أجمع، ولم يكن أحد منهم ينتسب للأفضل، ولا لأمير الجيوش، وقدّمت الدواة للمأمون، فعلم في مجلس الخليفة، وتقدّمت الأمراء، والأجناد فقبلوا الأرض، وشكروا على هذا

стр. 806

الإحسان، وأمر الخليفة بإحضار الخلع لحاجب الحجاب حسام الملك، وطوّق بطوق ذهب، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، ثم أمر بالخلع للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة باستمراره على ما بيده من كتابة الدست الشريف، وشرفه بالدخول إلى مجلس الخليفة، ثم استدعى الشيخ أبا البركات بن أبي الليث، وخلع عليه بدلة مذهبة، وكذلك أبو الرضى سالم ابن الشيخ أبي الحسن، وكذلك أبو المكارم أخوه، وأبو محمد أخوهما، ثم أبو الفضل بن الميدميّ، ووهبه دنانير كثيرة بحكم أنه الذي قرأ السجل، وخلع على الشيخ أبي الفضائل بن أبي الليث، صاحب دفتر المجلس، ثم استدعى عدي الملك سعيد بن عماد الضيف متولي أمور الضيافات، والرسل الواصلين إلى الحضرة من مجلس الأفضل، ولا يصل لعتبته أحد لا حاجب الحجاب، ولا غيره سوى عدي الملك هذا، فإنه كان يقف من داخل العتبة، وكانت هذه الخدمة في ذلك الوقت من أجل الخدم وأكبرها، ثم عادت من أهون الخدم، وأقلها، فعند ذلك قال القاضي أبو الفتح بن قادوس: يمدح الوزير المأمون عند مثوله بين يديه وقد زيد في نعوته: قالوا أتاه النعت وهو السيد ال … مأمون حقا والأجلّ الأشرف ومغيث أمة أحمد ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف قال: ولما استمرّ حسن نظر المأمون للدولة، وجميل أفعاله، بلغ الخليفة الآمر بأحكام اللّه، فشكره وأثنى عليه فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة، فقال الخليفة: تكون في هذا الوقت، وأمر بخلوّ المجلس، فعند ذلك مثل بين يدي الخليفة، وقال له: يا مولانا امتثالنا الأمر صعب، ومخالفته أصعب، وما يتسع خلافه قدّام أمراء دولته، وهو في دست خلافته، ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه مني، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير، فعند ذلك تغير الخليفة، وأقسم إن كان لي وزير غيرك، وهو في نفسي من أيام الأفضل، وهو مستمرّ على الاستعفاء، إلى أن بان له التغير في وجه الخليفة، وقال: ما اعتقدت أنك تخرج عن أمري، ولا تخالفني فقال له المؤمون عند ذلك: لي شروط، وأنا أذكرها، فقال له: مهما شئت اشترط، فقال له: قد كنت بالأمس مع الأفضل وكان قد اجتهد في النعوت، وحل المنطقة، فلم أفعل فقال الخليفة: علمت ذلك في وقته، قال: وكان أولاده يكتبون إليه بما يعلمه مولاي من كوني قد خنته في المال والأهل، وما كان واللّه العظيم ذلك مني يوما قط، ثم مع ذلك معاداة الأهل جميعا والأجناد، وأرباب الطيالس، والأقلام، وهو يعطيني كل رقعة تصل إليه منهم، وما سمع كلام أحد منهم فيّ، فعند ذلك، قال له الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته إيش يكون فعلي أنا، فقال المأمون: يعرّفني المولى ما يأمر به، فأمتثله بشرط أن لا يكون عليه زائد، فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تجبى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز والثغور إلاّ إليه، ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه، ويوسع في رواتب

стр. 807

القصور من كل صنف وزيادة رسم منديل الكمّ، فعند ذلك قال له المأمون: سمعا وطاعة، أما الكسوات والجباية من الأسمطة، فما تكون إلاّ بالقصور، وأما توسعة الرواتب فما ثم من يخالف الأمر، وأما زيادة رسم منديل الكم، فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا، يكون في كل يوم مائة دينار، ومولانا سلام اللّه عليه يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات، وأسمطة الأعياد، وغيرها في سائر الأيام، ففرح الخليفة، وعظمت مسرّته، ثم قال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه بآبائه الطاهرين أن لا يلتفت لحاسد، ولا مبغض، ومهما ذكر فيّ يطلعني عليه، ولا يأمر فيّ بأمر سرّا، ولا جهرا، يكون فيه ذهاب نفسي، وانحطاط قدري، وهذه الإيمان باقية إلى وقت وفاتي فإذا توفيت تكون لأولادي، ولمن أخلفه بعدي، فحضرت الدواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد اللّه تعالى في آخرها على نفسه، فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف، وقبل الأرض، وجعله على رأسه، وكان الخط بالأيمان نسختين: إحداهما في قصبة فضة، قال: فلما قبض على المأمون في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة أنفذ الخليفة الآمر بأحكام اللّه يطلب الإيمان، فنفذ له التي في القصبة الفضة، فحرّقها لوقتها، وبقيت النسخة الأخرى عندي، فعدمت في الحركات التي جرت. وقال ابن ميسر: في حوادث سنة خمس عشرة وخمسمائة، وفيها: تشرّف القائد أبو عبد اللّه محمد ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري المعروف: بابن البطائحيّ في الخامس من ذي الحجة، وكان قبل ذلك عند الأفضل استاداره، وهو الذي قدّمه إلى هذه المرتبة، واستقرّت نعوته في سجله المقرّر على كافة الأمراء، والأجناد بالأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا، ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجل المأمون أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين. ولما كان يوم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة، وهو يوم الهناء بعيد النحر، جلس المأمون في داره عند أذان الصبح، وجاء الناس لخدمته للهناء على طبقاتهم من أرباب السيوف، والأقلام، ثم الأمراء، والأستاذون المحنكون، والشعراء بعدهم، فركب إلى القصر، وأتى باب الذهب، فوجد المرتبة المختصة بالوزارة، وقد هيئت له في موضعها الجاري به العادة، وأغلق الباب الذي عندها على الرسم المعتاد لوزراء السيوف والأقلام، وهذا الباب يعرف: بباب السرداب، فعند ما شاهد الحال في المرتبة توقف عن الجلوس عليها، لأنها حالة لم يجر معه حديث فيها، ثم ألجأته الضرورة لأجل حضور الأمراء إلى الجلوس فجلس عليها، وجلس أولاده الثلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون خاصة دون غيرهم قيام بين يديه، فإنه لا يصل أحد إلى هذا المكان سواهم، فلم يكن بأسرع من أن فتح الباب، وخرج عدّة من الأستاذين المحنكين بسلام أمير المؤمنين،

стр. 808

وخرج إليه الأمير الثقة متولي الرسالة، وزمام القصور، فعند حضوره وقف له أولاد المأمون، وأخواه فطلع عند خروجه قبالة المرتبة، وقال أمير المؤمنين يردّ على السيد الأجل المأمون السلام، فوقف عند ذلك المأمون، وقبل الأرض، وعاد فجلس مكانه، وتأخر الأمير إلى أن نزل من المصطبة، وقبل الأرض، وقبل يد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب على حاله على ما كان عليه الأفضل، وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسي سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة، والباب يغلق في وجهي والدخان في أنفي، فإن الحمام كانت من حلف الباب في السرداب، ثم فتح الباب، وعاد الثقة، وأشار بالدخول إلى القصر فدخل إلى المكان الذي هيئ له، وعاد لمجلس الوزارة، وبقي الأمراء بالدهاليز إلى أن جلس الخليفة. واستفتح القرّاء، واستدعى المأمون، فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده، وإخوته وأحلّ الأمراء على قدر طبقاتهم، أوّلهم: أرباب الأطواق، ويليهم أرباب العماريات، والأقصاب، ثم الضيوف والأشراف، ثم دخل ديوان المكاتبات وسلم بهم الشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة، ثم ديوان الإنشاء، وسلم بهم الشريف ابن أنس الدولة، ثم بقية الطالبيين من الأشراف، ثم سلم القاضي ابن الرسعنيّ بشهوده والداعي ابن عبد الحق بالمؤمنين، ثم سلم القائد مقبل مقدّم الركاب الآمري، بجميع المقدّمين الآمرية، ثم سلم بعدهم الشيخ أبو البركات بن أبي الليث متولي ديوان المملكة ثم دخل الأجناد من باب البحر، وسلم كل طائفة بمقدّمها، فلما انقضى ذلك دخل والي القاهرة، ووالي مصر وسلم كل منهما ببياض أهل البلدين. ثمّ دخل البطرك بالنصارى، وفيهم كتاب الدولة من النصارى، ورئيس اليهود، ومعه الكتاب من اليهود، ثم سلم المقربون، وقد قارب القصر، ودخل الشعراء على طبقاتهم، وأنشد كل منهم ما سمحت به قريحته. قال: فكان هذا رتبة الوزير المأمون، قال ابن المأمون: وأما ما قرّر للوزارة عينا في الشهر بغير إيجاب بل يقبض من بيت المال، فهو ثلاثة آلاف دينار. تفصيلها: ما هو على حكم النيابة في العلامة: ألف دينار، وما هو على حكم الراتب: ألف وخمسمائة دينار، وما هو عن مائة غلام برسم مجلسه، وخدمته لكل غلام: خمسة دنانير في الشهر، فأما الغلمان الركابية، وغيرهم من الفرّاشين والطباخين، فعلى حكم ما يرغب في إثباته، وفي السنة من الإقطاعات: خمسون ألف دينار منها: دهشور، وجزيرة الذهب، وبقية الجملة صفقات، ومن البساتين ثلاثة: بستان لأمير تميم، وبستانان بكوم أشفين. ومن القوت يعني القمح، ومن القضم يعني الشهير والبرسيم في السنة: عشرون ألف إردب قمحا وشعيرا، ومن الغنم برسم مطابخه، ساقه من المراحات ثمانية آلاف رأس، وأما

стр. 809

الحيوان والأحطاب، وجميع التوابل العال منها والدون، فمهما استدعاه متولي المطابخ يطلق من دار أفتكين، وشون الأحطاب، وغير ذلك، وقد تقدّم مقرّر كسوة الوزارة في العيدين، وفصلي الشتاء والصيف، وموسم عيد الغدير وفتخ الخليج، وغير ذلك من غرّتي شهر رمضان، وأوّل العام وغيره، كما سيرد في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى. وقد استقصيت سير الوزراء في كتابي الذي سميته تلقيح العقول، والآراء في تنقيح أخبار الجلة الوزراء. فانظره. ذكر الحجر (١) التي كانت برسم الصبيان الحجرية وكان بجوار دار الوزارة مكان كبير يعرف: بالحجر: جمع حجرة فيها الغلمان المختصون بالخلفاء، كما أدركنا بالقلعة البيوت التي كان يقال لها: الطباق، وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوّانية، وإلى حيث المسجد الذي يعرف: بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكميّ الذي يفضي إلى باب النصر، فمن حقوق هذه الحجر: دار الأمير بهادر اليوسفيّ السلاحدار الناصريّ، التي تجاور المسجد الكائن على يمنة من سلك من باب الجوّنية طالبا باب النصر، ومنها الحوض المجاور لهذه الدار، ودار الأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاون، والمسجد المعروف بالنخلة، وما بجواره من القاعتين اللتين تعرف إحداهما: بقاعة الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ، وما في جانبها إلى مسجد القاصد، وما وراء هذه الدور، وكان لهؤلاء الحجرية: إصطبل برسم دوابهم سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. وما زالت هذه الحجر باقية بعد انقضاء دولة الخلفاء الفاطميين إلى ما بعد السبعمائة، فهدمت وابتنى الناس مكانها الأماكن المذكورة. قال ابن أبي طيّ: عن المعز لدين اللّه، وجعل كل ماهر في صنعة صانعا للخاص، وأفرد لهم مكانا برسمهم، وكذلك فعل بالكتاب والأفاضل، وشرط على ولاة الأعمال عرض أولاد الناس بأعمالهم، فمن كان ذا شهامة، وحسن خلقة أرسله ليخدم في الركاب، فسيروا إليه عالما من أولاد الناس، فأفرد لهم دورا، وسماها الحجر. وقال ابن الطوير: وكوتب الأفضل بن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج، فاهتمّ للتوجه إليها، فلم يبق ممكنا من مال وسلاح، وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر:

стр. 810

أبا محمد جعفر بن أمير الجيوش بدر بين يدي الخليفة مكانه، وقصد استنفاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل إلى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر، فخذل من جهة عسكره، وهي نوبة النصة، وعلم أنّ السبب في ذلك من جنده، ولما غلب حرّق جميع ما كان معه من الآلات، وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم فقال: يخاطب صنجل ملك الفرنج: نصرت بسيفك دين المسيح … فللّه درك من صنجل وما سمع الناس فيما رووه … بأقبح من كسرة الأفضل فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر، ولم ينتفع بعد هذه النوبة أحد من الأجناد بالأفضل، وحظر عليهم النعوت ولم يسمع لأحد منهم كلمة، وأنشأ سبع حجر، واختار من أولاد الأجناد ثلاثة آلاف راجل، وقسمهم في الحجر، وجعل لكل مائة زمانا، ونقيبا، وزم الكل بأمير يقال له: الموفق، وأطلق لكل منهم ما يحتاج إليه من خيل وسلاح، وغيره. وعني بهؤلاء الأجناد، فكان إذا دهمه أمر مهمّ جهزهم إليه مع الزمام الأكبر. وقال ابن المأمون: وكان من جملة الحجرية الذين يحضرون السماط رجل يعرف بابن زحل، وكان يأكل خروفا كبيرا مشويا، ويستوفيه إلى آخره، ثم يقدّم له صحن كبير من القصور المعمولة بالسكرة، وجميع صنوف الحيوانات على اختلاف أجناسها، ما لم يعمل قط مثله من الأطعمة، فيأكل معظمه، وكان يقعد في طرف المدوّرة، حتى يكون بالقرب من نظر الخليفة، لا لميزته، وكان من الأجناد وأسر في أيام الأفضل، وقيده الفرنجيّ الذي أسره، وعذبه وطالت مدّته في الأسر، وكان فقيرا، فاتفق أن ذكر للفرنجيّ كثرة أكله، فأراد أن يمتحنه، فقال له: أحضر لي عجلا أكبر عجل عندكم آكله إلى آخره، فضحك منه الفرنجيّ، ونقص عقله وأتاه بعجل كبير، ويقال: بخنزير، فقال له: اذبحه واشوه وائتني معه بجرّة خل، ثم قال: إذا أكلته ما يكون لي عندك، فغلط الفرنجيّ، وقال له: أطلقك حتى تمضي إلى أهلك، فاستحلفه على ذلك، وغلظ عليه اليمين، وأحضر الفرنجيّ عدّة من أصحابه ليشاهدوا فعله، فلما استوفى العجل جميعه صلّب كل من الحاضرين على وجهه وتعجب من فعله، وأطلقه، فقال: أخاف من أن يعتقد أنني هربت فأرد إليكم، فأحضر الفرنجيّ من العربان من سلمه إليهم، ولم يشعر به إلاّ بباب عسقلان، فطلع منها، وأعفي بعد ذلك من السفر، وبقي برسم الأسمطة. وقال ابن عبد الظاهر: الحجر قريب من باب النصر، وهو مكان كبير في صف دار الوزارة إلى جانبه باب القوس الذي يسمى: باب النصر قديما على يمنة الخارج من القاهرة، كان تربى فيه جماعة من الشباب يسمون: صبيان الحجر، يكونون في جهات متعدّدة، وهم يناهزون خمسة آلاف نسمة، ولكل حجرة اسم تعرف به، وهي المنصورة، والفتح والجديدة، وغير ذلك مفردة لهم، وعندهم سلاحهم، فإذا جرّوا خرج كل منهم لوقته لا
следующие страницы →