قال ابن عبد الظاهر: الدكة بالمقس، كانت بستانا، وكان الخليفة إذا ركب من كسر الخليج من السكرة بمظلته يسير في البرّ الغربيّ، ومضارب الناس والأمراء، وخيمهم عن يمينه وشماله إلى أن يصل إلى هذا البستان المعروف بالدكة: وقد غلقت أبوابه ودهاليزه، فيدخل إليه بمفرده، ويسقي منه الفرس الذي تحته، وهي قضية، ذكر المؤرخ للسيرة المأمونية: أنهم كانوا يعتمدونها إلى آخر وقت، ولم يعلم سببها، ثم يخرج ويسير إلى أن يقف على الترعة الآتي ذكرها، ويدخل من باب القنطرة، وينزل إلى القصر، والدكة الآن:
آدر وحارات شهرتها تغني عن وصفها، فسبحان من لا يتغير.
وقال ابن الطوير عن الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه: كان بمنظرة يقال لها: الدكة بساحل المقس يعني أنه مات بها.
منظرة المقس (١): وكان من جملة مناظرهم أيضا: منظرة بجوار جامع المقس الذي تسميه العامّة اليوم: جامع المقسي، وكانت هذه المنظرة بحري الجامع المذكور، وهي مطلة على النيل الأعظم، وكان حينئذ ساحل النيل بالمقس وكانت هذه المنظرة: معدّة لنزول الخليفة بها عند تجهيز الأسطول إلى غزو الفرنج، فتحضر رؤساء المراكب بالشواني، وهي مزينة بأنواع العدد، والسلاح، ويلعبون بها في النيل حيث الآن الخليج الناصري تجاه الجامع وما وراء الخليج من غربيه.
قال ابن المأمون: وذكر تجهيز العساكر في البرّ، عند ورود كتب صاحبي دمشق وحلب في سنة سبع عشرة وخمسمائة، ما يحث على غزو الفرنج، ومسيرها مع حسام الملك، وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وتوجه إلى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظرة في أعلاه، واستدعى مقدّم الأسطول الثاني، وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال، والعدد، والآلات، والأسلحة، واعتمد ما جرت العادة به من الإنعام عليهم، وعاد الخليفة إلى البستان المعروف بالبعل إلى آخر النهار، وتوجه إلى قصره بعد تفرقة جميع الرسوم، والصدقات والهبات الجاري بها العادة في الركوبات.
وقال ابن الطوير: فإذا تكملت النفقة، وتجهزت المراكب، وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل المقس، وكان هناك على شاطئ البحر بالجامع، منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداعه يعني الأسطول، ولقائه إذا عاد، فإذا جلس هو والوزير للوداع، جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه وهي مزينة
стр. 877
بأسلحتها، ولبوسها، وفيها المنجنيقات تلعب فتنحدر وتقلع بالمجاذيف كما يفعل في لقاء العدوّ بالبحر الملح، ويحضر بين يدي الخليفة المقدّم والرئيس، فيوصيهما، ويدعو للجماعة بالنصرة والسلامة، ويعطي المقدّم مائة دينار، والرئيس: عشرين دينارا، وتنحدر إلى دمياط، وتخرج إلى البحر الملح، فيكون لها ببلاد العدوّ صيب وهيبة، فإذا وقع لهم مركب لا يسألون عما فيه سوى الصغار والرجال والنساء، والسلاح وما عدا ذلك فللأسطول.
واتفق مرّة أن قدّم على الأسطول سيف الملك الجمل، فكسب بطشة عظيمة فيها ألف وخمسمائة شخص، بعد أن بعث عليهم بالقتال، وقتل منهم نحوا من مائة وعشرين رجلا، وحضر إلى القاهرة، ففرح الخليفة، وركب إلى المقس، وجلس بالمنظرة للقائهم، وأطلقوا الأسرى بين يديه تحت المنظرة من جانب البرّ فاستدعيت الجمال لركوبهم، وشق بهم القاهرة ومصر، وهم كل اثنين على جمل، ظهر الظهر، وعاد الخليفة إلى القصر فجلس في إحدى مناظره لنظرهم في جوازهم، فلما عادوا بهم من مصر صاروا بهم إلى المناخات، فصح منهم ألف رجل، فانضافوا إلى من في المناخ، وأمّا النساء والصبيان فإنهم دخلوا بهم إلى القصر بعد أن حمل منهم للوزير نصيب وافر، وأخذ الجهات، والأقارب بقيتهنّ، فيستخدمونهنّ، ويعلمونهنّ الصنائع، ويتولى الأستاذون تربية الصبيان، وتعليمهم الخط والرماية، ويقال لهم: الترابي، ومن استريب به من الأسرى، ونبه عليه بقوّة أوقع به، والشيخ الذي لا ينتفع به يمضي فيه حكم السيف بمكان يقال له: بئر المنامة في الخراب قريب مصر، ولم يسمع على الدولة قط أنها فادت أسيرا بمال، ولا بأسير مثله، وهذه الحال في كل سنة آخذة في الزيادة لا النقص، وقدّم على الأسطول مرّة أمير يقال له: حرب بن فور، صاحب الحاجب لؤلؤ، فكسب بطشة حصل فيها: خمسمائة رجل، انتهى.
وقد خربت هذه المنظرة، وكان موضعها برج كبير صار يعرف في الدولة الأيوبية بقلعة المقس مشرف على النيل، فلما جدّد الصاحب الوزير شمس الدين عبد اللّه المقسي جامع المقس على ما هو عليه الآن في سنة سبعين وسبعمائة، هدم هذا البرج، وجعل مكانه جنينة شرقيّ الجامع، وتحدّث الناس أنه وجد فيه مالا، واللّه أعلم.
منظرة البعل: وكان من مناظرهم بظاهر القاهرة منظرة في بستان أنيق يعرف: بالبعل أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، وموضع هذا البستان إلى اليوم يعرف بالبعل، وصارت أرضه مزرعة في جانب الخليج الغربيّ، بحريّ أرض الطبالة في كوم الريش، مقابل قناطر الأزر، وقد خربت المنظرة وبقي منها آثار أدركتها، يعطن بها الكتان تدل على عظمها، وجلالتها في حال عمارتها، وكانت منظرة البعل من أجلّ منتزهاتهم، وكان لهم بها أوقات عميمة المبرّات جليلة الخيرات.
стр. 878
قال ابن المأمون: فأمّا يوم السبت والثلاثاء فيكون ركوب الوزير من داره بالرهجية، ويتوجه إلى القصر، فيركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة في مثل الروضة، والمشتهي، ودار الملك، والتاج، والبعل، وقبة الهواء، والخمسة وجوه، والبستان الكبير، وكان لكل منظرة منهنّ فرش معلوم مستقرّ فيها من الأيام الأفضلية للصيف والشتاء، وتفرّق الرسوم ويسلم لمقدّمي الركاب اليمين والشمال لكل واحد عشرون دينارا، وخمسون رباعيا، ولتالي مقدّم الركاب اليمين مائة كاغدة في كل كاغدة ثلاثة دراهم، ومائة كاغدة في كل كاغدة درهمان، ولتالي مقدّم الشمال مثل ذلك، فأمّا الدنانير، فلكل باب يخرج منه من البلد دينار، ولكل باب يدخل منه دينار، ولكل جامع يجتاز عليه دينار، ما خلا جامع مصر، فإن رسمه خمسة دنانير، ولكل مسجد يجتاز عليه رباعيّ، ولكل من يقف ويتلو القرآن:
كاغدة، والفقراء والمساكين من الرجال والنساء، لكل من يقف كاغدة، ولكل من يركب الخليفة ديناران، ويكون مع هذا متولي صناديق الإنفاق يحجب الخليفة وبيده خريطة ديباج فيها خمسمائة دينار لما عساه يؤمر به.
فإذا حصل في إحدى المناظر المذكورة، فرّق من العين ما مبلغه: سبعة وخمسون دينارا، ومن الرباعية: مائة وستة وثمانون دينارا للحواشي، والأستاذين وأصحاب الدواوين والشعراء، والمؤذنين، والمقرئين، والمنجمين وغيرهم، ومن الخزاف الشواء: خمسون رأسا منها طبقان حارّة مكملة مشورة، برسم المائدة الخاص مضافا لما يحضر من القصور من الموائد الخاص، والحلاوات وطبق واحد، برسم مائدة الوزير، وبقية ذلك بأسماء أربابه، ورأسا بقر برسم الهرائس، فإذا جلس الخليفة على المائدة استدعى الوزير، وخواصه، ومن جرت العادة بجلوسه معه، ومن تأخر عن المائدة، ممن جرت عادته بحضورها حمل إليه من بين يدي الخليفة على سبيل التشريف، وعند عود الخليفة إلى القصر يحاسب متولي الدفتر مقدّمي الركاب على ما أنفق عليه في مسافة الطريق من جامع، ومسجد وباب ودابة.
وأمّا تفرقة الصدقات فهم فيها على حكم الأمانة، قال: وإذا وقع الركوب إلى الميادين جرى الحال فيها على الرسم المستقرّ من الإنعام ويؤمر متولي خزائن الخاص، وصناديق الإنفاق أن يكون معه خريطة في السرج ديباج تسمى خريطة الموكب فيها ألف دينار معدّة لمن يؤمر بالإنعام عليه في حال الركوب.
منظرة التاج: هي من جملة المناظر التي كانت الخلفاء تنزلها للنزهة بناها الأفضل بن أمير الجيوش وكان لها فرش معدّ لها للشتاء والصيف، وقد خربت، ولم يبق لها سوى أثر كوم، توجد تحته الحجارة الكبار وما حول هذا الكوم، صار مزارع من جملة أراضي منية الشيرج.
стр. 879
قال ابن عبد الظاهر: وأمّا التاج فكان حوله البساتين عدّة، وأعظم ما كان حوله: قبة الهواء، وبعدها الخمس وجوه التي هي باقية.
منظرة الخمس وجوه: كانت أيضا من مناظرهم التي يتنزهون فيها، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش وكان لها فرش معدّ لها، وبقي منها آثار بناء جليل على بئر متسعة، كان بها: خمسة أوجه من المحال الخشب التي تنقل الماء لسقي البستان، العظيم الوصف البديع الزيّ، البهيج الهيئة، والعامّة تقول التاج، والسبع وجوه إلى الآن وموضعها إلى وقتنا هذا من أعظم متفرّجات القاهرة، وينبت هناك في أيام النيل عندما يعمّ تلك الأراضي البشنين فتفتن رؤيته، وتبهج النفوس نضارته، وزينته، فإذا نضب ماء النيل، زرعت تلك البسطة قرطا، وكتانا يقصر الوصف عن تعداد حسنه، وأدركت حول الخمس وجوه: غروسا من نخل، وغيره تشبه أن تكون من بقايا البستان القديم، وقد تلاشت الآن، ثم إنّ السلطان الملك المؤيد شيخ المحموديّ الظاهريّ جدّد عمارة منظرة: فوق الخمس وجوه، ابتدأ بناءها في يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
منظرة باب الفتوح: وكان للخلفاء الفاطميين منظرة خارج باب الفتوح، وكان يومئذ خرج عن باب الفتوح براحا فيما بين الباب، وبين البساتين الجيوشية، وكانت هذه المنظرة معدّة لجلوس الخليفة فيها عند عرض العساكر، ووداعها إذا سارت في البرّ إلى البلاد الشامية.
قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر يعني المحرّم سنة سبع عشرة وخمسمائة، وصلت رسل ظهير الدين طفدكين صاحب دمشق، وآق سنقر صاحب حلب، بكتب إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وإلى الوزير المأمون إلى القصر، فاستدعوا لتقبيل الأرض كما جرت العادة من إظهار التجمل، وكان مضمون الكتب بعد التصدير، والتعظيم، والسؤال، والضراعة أنّ الأخبار تظافرت بقلة الفرنج بالأعمال الفلسطينية، والثغور الساحلية، وأنّ الفرصة قد أمكنت فيهم، واللّه قد أذن بهلاكهم، وأنهم ينتظرون إنعام الدولة العلوية، وعوايد أفضالها، ويستنصرون بقوّتها، ويحثون على نصرة الإسلام، وقطع دابر الكفر وتجهيز العساكر المنصورة، والأساطيل المظفرة، والمساعدة على التوجه نحوهم لئلا يتواصل مددهم، وتعود إلى القوّة شوكتهم، فقوي العزم على النفقة في العساكر فارسها وراجلها، وتجريدها، وتقدّم إلى الأزمّة بإحضار الرجال الأقوياء، وابتدئ بالنفقة في الفرسان بين يدي الخليفة في قاعة الذهب، وأحضر الوزانون، وصناديق المال وأفرغت الأكياس على البساط، واستمرّ الحال بعد ذلك في الدار المأمونية.
وتردّد الرأي فيمن يتقدّم، فوقع الاتفاق على حسام الملك البرني، وأحضر مقدّم الأساطيل الثانية، لأن الأساطيل توجهت في الغزو وخلع عليه، وأمر بأن ينزل إلى الصناعتين
стр. 880
بمصر والجزيرة، وينفق في أربعين شينيا (١)، ويكمل نفقاتها وعددها، ويكون التوجه بها صحبة العسكر، وأنفق في عشرين من الأمراء للتوجه صحبته، فكملت النفقة في الفارس والراجل، وفي الأمراء السائرين، وفي الأطباء، والمؤذنين والقرّاء، وندب من الحجاب عدّة، وجعل لكل منهم خدمة، فمنهم من يتولى خزانة الخيام، وسير معه من حاصل الخزائن برسم ضعفاء العسكر، ومن لا يقدر على خيمة خيم، ومنهم حاجب على خزائن السلاح، وأنفق في عدّة من كتاب ديوان الجيش لعرض العساكر، وفي كتاب العربان:
وأحضر مقدّمو الحراسين بالخفار، وتقدّم إليها بأنه من تأخر عن العرض بعسقلان، وقبض النفقة، فلا واجب له، ولا إقطاع، وكتبت الكتب إلى المستخدمين بالثغور الثلاثة:
الإسكندرية، ودمياط، وعسقلان بإطلاق، وابتياع ما يستدعي برسم الأسمطة على ثغر عسقلان للعساكر والعربان من الأصناف، والغلال.
ووقع الاهتمام بنجاز أمر الرسل الواصلين، وكتبت الأجوبة عن كتبهم، وجهز المال والخلع المذهبات، والأطواق، والسيوف، والمناطق الذهب، والخيل بالمراكب الحلي الثقال، وغير ذلك من التجملات، وخلع على الرسل، وأطلق لهم التغيير، وسلمت إليهم الكتب، والتذاكر وتوجهوا صحبة العسكر.
وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى باب الفتوح، ونظر بالمنظرة، واستدعى حسام الملك، وخلع عليه بدلة جليلة مذهبة، وطوّقه بطوق ذهب، وقلده ومنطقه بمثل ذلك، ثم قال الوزير المأمون للأمراء: بحيث يسمع الخليفة، هذا الأمير مقدّمكم، ومقدّم العساكر كلها، وما وعد به أنجزته، وما قرّره أمضيته، فقبلوا الأرض، وخرجوا من بين يديه، وسلم متولي بيت المال، وخزائن الكسوة لحسام الملك الكتب بما ضمنته الصناديق من المال، وأعدال الكسوات، وحملت قدّامه، وفتحت طاقات المنظرة، فلما شاهد العساكر الخليفة قبلوا الأرض، فأشار إليهم بالتوجه، فساروا بأجمعهم، وركب الخليفة، وتوجه إلى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظرة، واستدعى مقدّم الأسطول، وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدّة.
منظرة الصناعة: وكان من جملة مناظر الخلفاء منظرة بالصناعة في الساحل القديم من مصر يجلس بها الخليفة تارة حتى تقدّم له العشاريات، فيركبها ويسير للمقياس، حتى يخلق بين يديه عند الوفاء، وكان بهذه الصناعة ديوان العمائر.
وأنشأ هذه المنظرة، والصناعة التي هي فيها: الوزير المأمون، لم تزل إلى آخر الدولة، ودهليزها مادّ بمصاطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا، وقد خربت هذه
стр. 881
الصناعة والمنظرة، وصار موضعهما الآن بستانا كان يعرف ببستان ابن كيسان، ويعرف في زمننا هذا الذي نحن فيه الآن ببستان الطواشي، وهو بأوّل مراغة مصر، تجاه غيط الجرف على يسرة من يسلك من المراغة يريد الكيارة، وباب مصر.
قال ابن المأمون: وكانت جميع مراكب الأساطيل ما تنشأ إلاّ بالصناعة التي بالجزيرة، فأنكر الوزير المأمون ذلك، وأمر بأن يكون إنشاء الشواني، وغيرها من المراكب النيلة الديوانية بالصناعة بمصر، وأضاف إليها دار الزبيب، وأنشأ المنظرة بها واسمه باق إلى الآن عليها، وقصد بذلك أن يكون حلول الخليفة يوم تقدمة الأساطيل، ورميها بالمنظرة المذكورة وأن يكون ما ينشأ من الجراني، والشلنديات في الصناعة بالجزيرة.
قال: ولما وفى النيل ستة عشر ذراعا ركب الخليفة والوزير إلى الصناعة بمصر، ورميت العشاريات بين أيديهما، ثم عدّيا في إحداها إلى المقياس.
وقال ابن الطوير: الخدمة في ديوان الجهاد، ويقال له: ديوان العمائر، وكان محله بصناعة الإنشاء بمصر للأسطول والمراكب الحاملة للغلات السلطانية، والأحطاب وغيرها، وكانت تزيد على خمسين عشاريا، ويليها عشرون ديماسا (١)، منها عشرة برسم خاص الخليفة أيام الخليج وغيرها، ولكل منها رئيس، ونواتيّ (٢) لا يبرحون ينفق فيهم من مال هذا الديوان، وبقية العشاريات الدواميس (٣) برسم ولاة الأعمال المميزة، فهي تجرّ لهم، وينفق في رؤسائها ورجالها أينما كانوا من مال هذا الديوان، وتقيم مع أحدهم مدّة مقامه، فإذا صرف عاد فيه، وخرج المتولي الجديد في العشاري المرسي بالصناعة، ولا يخرج إلا بتوقيع بإطلاقه، والإنفاق فيه، وللمشارفين بالأعمال عشاريات دون هذه، وفي هذا الديوان برسم خدمة ما يجري في الأساطيل نائبان من قبل مقدّم الأسطول، وفيه من الحواصل لعمارة المراكب شيء كثير، وإذا لم يف ارتفاعه بما يحتاج إليه استدعى له من بيت المال يسدّ خلله.
قال: وكان من أهم أمورهم احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات، والمسطحات (٤) إلى بلاد الساحل حين كانت بأيديهم مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت جريدة قوّاده أكثر من خمسة آلاف مدوّنة منهم عشرة أعيان تصل جامكية كل منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين، وهي أقلها، ولهم إقطاعات
стр. 882
تعرف: بأبواب الغزاة بما فيه من النطرون فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار وحواليه، ويعين من هؤلاء القوّاد العشرة من يقع الإجماع عليه لرئاسة الأسطول المتوجه للغزو، فيكون معه الفانوس، وكلهم يهتدون به، ويقلعون بإقلاعه، ويرسون بإرسائه، ويقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان الأمراء، وأقواهم جنانا، ويتولى النفقة فيهم للغزو الخليفة بنفسه بحضور الوزير، فإذا أراد النفقة فيما تعين من عدّة المراكب السائرة.
وكانت آخر وقت تزيد على خمسة وسبعين شينيا، وعشر مسطحات، وعشر حمالة، فيتقدّم إلى النقباء بإحضار الرجال، ويسمع بذلك من هو خارج مصر والقاهرة، فيدخل إليها ولهم المشاهرة والجرايات المتقرّرة مدّة أيام السفر، وهم معروفون عند عشرين نقيبا، ولا يعترض أحد أحدا إلاّ من رغب في ذلك من نفسه، فإذا اجتمعت العدّة المغلقة للمراكب المطلوبة أعلم المقدّم بذلك الوزير، فطالع الخليفة بالحال، وفرز يوم للنفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء على العادة، فيجلس الخليفة على هيئته في مجلس، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش، وهما المستوفي وهو أميرهما، ويجلس داخل عتبة المجلس، وهذه رتبة له مميزة، وكاتب الجيش الأصل، ويجلس بجانبه تحت العتبة على حصر مفروشة بالقاعة، ولا يخلو المستوفي أن يكون عدلا أو من أعيان الكتاب المسلمين، وأما كاتب الجيش: فيهوديّ في الأغلب، ويفرش أمام المجلس أنطاع تصب عليها الدراهم، ويحضر الوزانون ببيت المال لذلك، فإذا تهيأ الإنفاق أدخل القابضون مائة مائة، ويقفون في آخر الوقوف بين يدي الخليفة من جانب واحد نقابة نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة، ويستدعى مستوفي الجيش من تلك الأوراق واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الخالي، فإذا تكمل عشرة رجال:
وزن الوزانون لهم النفقة، وكانت لكل واحد خمسة دنانير صرف، كل دينار ستة وثلاثون درهما، فيستلمها النقيب، وتكتبت بيده وباسمه، وتمضي النفقة كذلك إلى آخرها، فإذا تمّ ذلك اليوم، ركب الوزير من بين يدي الخليفة، وانفض ذلك الجمع، فيحمل من عند الخليفة مائدة يقال لها: غداء الوزير، هي سبع مجيفات أوساط إحداها بلحم دجاج وفستق، والبقية من شواء، وهي مكمورة بالأزهار، فتكون هذه عدّة أيام تارة متوالية، وتارة متفرّقة، فإذا تكملت النفقة، وتجهزت المراكب، وتهيؤت للسفر: ركب الخليفة والوزير إلى ساحل المقس، وذكر ابن أبي طي: أنّ المعز لدين اللّه، أنشأ ستمائة مركب، لم ير مثلها في البحر على مدينة وعمل دار صناعة بالمقس.
دار الملك: وكان من جملة مناظرهم: دار الملك بمصر، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش ابتدأ في بنائها وإنشائها في سنة إحدى وخمسمائة، فلما كملت تحوّل إليها من دار القباب بالقاهرة، وسكنها، وحوّل إليها الدواوين من القصر، فصارت بها، وجعل فيها الأسمطة، واتخذ بها مجلسا سماه: مجلس العطايا، كان يجلس فيه، فلما قتل الأفضل
стр. 883
صارت دار الملك هذه من جملة منتزهات الخلفاء، وكان بها بستان عظيم، وما زالت عظيمة إلى أن انقرضت الدولة، فجعلها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب دار متجر، ثم عملت في أيام الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري: دار وكالة، وموضع دار الملك: ما وراء حبة الخرّوب، بجوار المدرسة المعزي، وبقي منها جدار يجلس تحته بياعو الحناء.
قال ابن المأمون: ومن جملة ما قرّره القائد أبو عبد اللّه من تعظيم المملكة، وتفخيم أمر السلطنة أنّ المجلس الذي يجلس فيه الأفضل بدار الملك يسمى: مجلس العطايا، فقال القائد: مجلس يدعى بهذا الاسم ما يشاهد فيه دينار؟ يدفع لمن يسأل، وأمر بتفصيل ثمان ظروف ديباج أطلس، من كل لون اثنين، وجعل في سبعة منها خمسة وثلاثين ألف دينار وفي كل ظرف: خمسة آلاف دينار سكب، وبطاقة بوزنه، وعدده، وشرّابة حرير كبيرة من ذلك ستة ظروف دنانير بالسوية عن اليمين والشمال في مجلس العطايا الذي برسم الجلوس، وعند مرتبة الأفضل بقاعة اللؤلؤة: ظرفان، أحدهما دنانير، والآخر دراهم جدد، فالذي في اللؤلؤة برسم ما يستدعيه الأفضل إذا كان عند الحرم، وأمّا الذي في مجلس العطايا، فإنّ جميع الشعراء لم يكن لهم في الأيام الأفضلية، ولا فيما قبلها على الشعر جار وإنما كان لهم إذا اتفق طرب السلطان، واستحسانه لشعر من أنشد منهم ما يسهله اللّه على حكم الجائزة، فرأى القائد أن يكون ذلك من بين يديه من الظروف، وكذلك من يتضرّع ويسأل في طلب صدقة، أو ينعم عليه ابتداء بغير سؤال، يخرج ذلك من الظروف.
وإذا انصرف الحاضرون، نزل القائد المبلغ بخطه في البطاقة، ويكتب عليه الأفضل بخطه: صح، ويعاد إلى الظرف، ويختم عليه، فلما استهلّ رجب من سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وجلس الأفضل في مجلس العطايا على عادته، وحضر الأجلّ المظفر أخوه للهناء، وجلس بين يديه، وشاهد الظروف والقائد، وولده، وأخوه قيام على رأسه، وتقدّمت الشعراء على طبقاتهم، أمر لكل منهم بجائزة، وشاع خبر الظروف وكثر القول فيها، واستعظم أمرها، وضوعف مبلغها، واتسع هذا الإنعام بالصدقات الجاري بها العادة في مثل هذا الشهر لفقهاء مصر، والرباطات بالقرافة وفقرائها.
وقال ابن الطوير: وقد ذكر ركوب الخليفة في أوّل العام وحضور العزّة، وينقطع الركوب بعد هذا اليوم الذي هو أوّل العام، فيركبون في آحاد الأيام إلى أن يكمل شهر ولا يتعدّى ذلك يومي السبت والثلاثاء، فإذا عزم الخليفة على الركوب في أحد هذه الأيام أعلم بذلك، وعلامته إنفاق الأسلحة في صبيان الركاب من خزانة السلاح خاصة دون ما سواها، وأكثر ذلك إلى مصر، ويركب الوزير صحبته من ورائه على أخصر من النظام المتقدّم يعني في ركوب أوّل العام، وأقل جمع، فيخرج شاقا القاهرة وشوارعها على الجامع الطولونيّ
стр. 884
على المشاهد إلى درب الصفاء، ويقال له: الشارع الأعظم إلى دار الأنماط إلى الجامع العتيق، فإذا وصل إلى بابه، وجد الشريف الخطيب قد وقف على مصطبة بجانبه فيها محراب مفروشة بحصر معلق عليها سجادة، وفي يده المصحف المنسوب خطه إلى عليّ بن أبي طالب، ﵁، وهو من حاصله فإذا وازاه وقف في موضعه، وناوله المصحف من يده، فيتسمله منه، ويقبله ويتبرّك به مرارا، ويعطيه صاحب الخريطة المرسومة للصلات: ثلاثين دينارا، وهي رسمه متى اجتاز به، فيوصلها الشريف إلى مشارف الجامع، فيكون نصيبهما منها خمسة عشر دينارا، والباقي للقومة والمؤذنين دون غيرهم.
ويسير إلى أن يصل دار الملك، فينزلها والوزير معه ومنذ يخرج من باب القصر إلى أن يصل إلى دار الملك لا يمرّ بمسجد إلا أعطى قيمة من الخريطة دينارا، فلا يزال بدار الملك نهاره فتأتيه المائدة من القصر، وعدّتها: خمسون شدّة على رؤوس الفرّاشين مع صاحب المائدة، وهو أستاذ جليل غير محنك، وكل شدّة فيها: طيفور فيها الأواني الخاص، وفيها من الأطعمة الخاص من كل نوع شهيّ، وكل صنف من المطاعم العالية، ولها رواء، ورائحة المسك فائحة منها، وعلى كل شدّة طرحهة حرير تعلو القوّارة التي هي الشدّة، فيحمل إلى الوزير منها جزء وافر، ولمن صحبه وللأمراء، ولكافة الحاضرين في الخدمة، ويصل منها إلى الناس بمصر ممن بعضهم بعضا شيء كثير، ولا يزال إلى أن يؤذن عليه بالعصر، فيصلي ويتحرّك إلى العود إلى القاهرة، والناس في طريقه لنظره، فيركب وزيه في هذه الأيام أنه يلبس الثياب المذهبة البياض، والملوّنة والمنديل من النسبة، وهو مشدود شدّة مفردة عن شدّات الناس، وذؤابته مرخاة من جانبه الأيسر، ويتقلد بالسيف العربي المجوهر بغير حنك، ولا مظلة، ولا يتيمة، فإنّ ذلك في أوقات مخصومة، ولا يمرّ أيضا بمسجد في سلوكه في هذه الطريق بالساحل إلاّ، ويعطي قيّمه دينارا أيضا، كما جرى في الرواح، وينعطف من باب الخرق، ويدخل من باب زويلة شاقا القاهرة حتى يدخل القصر، فيكون ذلك من المحرّم إلى شهر رمضان، إمّا أربع مرّات أو خمس مرّات، ومن شعر الأسعد أسعد بن مهذب بن زكريا بن أبي مليح مما في دار الملك هذه:
حللت بدار الملك والنيل آخذ … بأطرافها والموج يوسعها ضربا
فخيلته قد غار لما وطئتها … عليها فأضحى عند ذاك لها خربا
منازل العز
بنتها السيدة تغريد أمّ العزيز بالله بن المعز، ولم يكن بمصر أحسن منها، وكانت مطلة على النيل لا يحجبها شيء عن نظره، وما زال الخلفاء من بعد المعز يتداولونها، وكانت معدّة لنزهتهم، وكان بجوارها حمام، ولها منها باب وموضعها الآن مدرسة تعرف: بالمدرسة التقوية منسوبة للملك المظفر تقيّ الدين عمرو بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي.
стр. 885
الهودج: وكان من منتزهاتهم العظيمة البناء العجيبة البديعة الزي بناء في جزيرة الفسطاط التي تعرف اليوم: بالروضة، يقال له: الهودج، بناه الخليفة الآمر بأحكام اللّه لمحبوبته البدوية التي غلب عليه حبها بجوار البستان المختار، وكان يتردد إليه كثيرا، وقتل وهو متوجه إليه وما زال منتزها للخلفاء من بعده.
قال ابن سعيد في كتاب المحلى بالأشعار: قال القرطبيّ (١) في تاريخه: تذاكر الناس في حديث البدوية، وابن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطال، وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك.
والاختصار منه أن يقال: إنّ الآمر كان قد بلي بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون بالبوادي، فبلغه أن جارية بالصعيد من أكمل العرب، وأظرفهم شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزيّ بداة الأعراب وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيّها، وبات هناك في ضائقة، وتحيل حتى عاينها هنالك، فما ملك صبره ورجع إلى مقرّ ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوّجها، فلما وصلت صعب عليها مفارقة ما اعتادته، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشكل على شط النيل، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها، ربيت معه يعرف: بابن مياح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
يا ابن مياح إليك المشتكي … مالك من بعد قد ملكا
كنت في حيي مطاعا آمرا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر مرصد … لا أرى إلاّ خبيثا ممسكا
كم تثنينا كأغصان اللوا … حيث لا نخشى علينا دركا
فأجابها:
بنت عمي والتي غذيتها … بالهوى حتى علا واحتبكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منا المشتكى
مالك الأمر إليه أشتكي … مالك وهو الذي قد ملكا
قال: وللناس في طلب ابن مياح، واختفائه أخبار تطول، وكان من عرب طيّ في قصر الآمر: طراد بن مهلهل السنبسي فبلغته هذه القضية، فقال:
ألا بلغوا الآمر المصطفى … مقال طراد ونعم المقال
стр. 886
قطعت الأليفين عن ألفة … بها سمر الحيّ بين الرجال
كذا كان آباؤك الأكرمون … سالت فقل لي جواب السؤال
فقال الخليفة الآمر: لما بلغته الأبيات، جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله، وطلب في أحياء العرب، فلم يوجد، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طراد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات، وكان بالإسكندرية: مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد له مروءة عظيمة، ويحتذى أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة مدحه ظافر الحدّاد، وأمية بن أبي الصلت، وغيرهما. وكان له بستان يتفرّج فيه به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة وينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يجد في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم، والمباهاة في عصره، فوشى به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الخليفة الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد بإحضار الجرن، فلم يجد بدّا من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حرارة من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية، ومن يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحدّ في الكثرة حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا، فلما قيل له هذا القول عنها قال: ما لي حاجة بعد الدعاء للّه بحفظ مكانها، وطول حياتها في عزّ ردّد الفسقية التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامها من نعمتهم تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردّتها عليه، فقيل له: حصلت في حدّ أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلّب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها اللّه أملها، وكان هذا المكين قضاء الإسكندرية، ونظرها في أيام الآمر.
وبلغ من علوّ همته، وعظم مروءته أنّ سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون بن البطائحيّ: لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليه الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر، ووصف له الطبيب دهن شمع بحضور القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن شمع. فما كان أكثر من مسافة الطريق إلا أن أحضر حقا مختوما فكّ عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف بلور فيه: ثلاثة بيوت، كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر، بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول، تعجب المؤتمن والحاضرون من علوّ همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر أنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، فكان جواب المؤتمن قد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا لنظر في قيمته بل لإظهار هذه الهمة، وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف، وما عليه: خمسمائة دينار، فانظر رحمك اللّه، إلى من يكون دهن الشمع عنده في
стр. 887
إناء قيمته: خمسمائة دينار ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه البتة، فماذا تكون ثيابه، وحليّ نسائه، وفرش داره، وغير ذلك من التجملات، وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية، ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة؟ وما نسبة أعيان الدولة، وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة، وأبهتها إلاّ يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردّد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة يريد الهودج، وقد كمن له عدّة من النزارية في فرن عند رأس الجسر من ناحية الروضة، فوثبوا عليه، وأثخنوه بالجراحة حتى هلك، وحمل في العشاريّ إلى اللؤلؤة، فمات بها، وقيل: قبل أن يصل إليها، وقد خرب هذا الهودج، وجهل مكانه من الروضة، وللّه عاقبة الأمور.
قصر القرافة: وكان لهم بالقرافة قصر بنته: السيدة تغريد أم العزيز بالله بن المعز في سنة: ست وستين وثلثمائة، على يد الحسين بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب هو، والحمام الذي في غربيه، وبنت البئر، والبستان وجامع القرافة، وكان هذا القصر نزهة من النزه من أحسن الآثار في إتقان بنيانه وصحة أركانه، وله منظرة مليحة كبيرة محمولة على قبو مادّ تجوز المارّة من تحته، ويقيل المسافرون في أيام القيظ هناك، ويركب الراكب إليه على زلاقة، وكان كأحسن ما يكون من البناء، وتحته حوض لسقي الدواب يوم الحلول فيه، وكان مكانه بالقرب من مسجد الفتح.
ولما كان في سنة عشرين وأربعمائة جدّده الخليفة الآمر، وعمل تحته مصطبة للصوفية وكان يجلس في الطاق بأعلى القصر ويرقص أهل الطريقة من الصوفية، والمجامر بالألوية موضوعة بين أيديهم والشموع الكثيرة تزهر، وقد بسط تحتهم حصر من فوقها بسط، ومدّت لهم الأسمطة التي عليها كل نوع لذيذ ولون شهيّ من الأطعمة، والحلوى أصنافا مصنفة، فاتفق أن تواجد الشيخ أبو عبد اللّه بن الجوهريّ الواعظ، ومزق مرقعته، وفرّقت على العادة خرقا، وسأل الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالقارح المقري خرقة منها، ووضعها في رأسه، فلما فرغ التمزيق، قال الخليفة الآمر بأحكام اللّه: من طاق بالمنظرة يا شيخ أبا إسحاق، قال: لبيك يا مولانا، قال: أين خرقتي؟ فقال مجيبا له في الحال: ها هي على رأسي يا أمير المؤمنين، فاستحسن الآمر ذلك، وأعجبه موقعه فأمر في الساعة، والوقت فأحضر من خزائن الكسوات ألف نصفية، ففرّقت على الحاضرين، وعلى فقراء القرافة، ونثر عليهم متولي بيت المال من الطاق ألف دينار، فتخاطفها الحاضرون، وتعاهد المغربلون الأرض التي هناك أياما لأخذ ما يواريه التراب، وما برح قصر الأندلس بالقرافة، حتى زالت الدولة، فهدم في شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة.
стр. 888
المنظرة ببركة الحبش (١): وكانت لهم منظرة تشرف على بركة الحبش، قال الشريف أبو عبد اللّه محمد الجواني في كتاب النقط على الخطط: إن الخليفة الآمر بأحكام اللّه بنى على المنظرة التي يقال لها بئر دكة الخركة منظرة من خشب مدهونة فيها طاقات، تشرف على خضرة بركة الحبش، وصوّر فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وذكر الخركاه، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهب، فلما دخل الآمر، وقرأ الأشعار أمر أن يحط على كل رف، صرّة مختومة فيها: خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر، ويأخذ صرّته بيده، ففعلوا ذلك، وأخذوا صررهم، وكانوا عدّة شعراء.
البساتين: وكان للخلفاء عدّة بساتين يتنزهون بها: منها البساتين الجيوشية، وهما بستانان كبيران أحدهما من عند زقاق الكحل، خارج باب الفتوح إلى المطرية، والآخر يمتدّ من خارج باب القنطرة إلى الخنذق، وكان لهما شأن عظيم، ومن شدّة غرام الأفضل بالبستان الذي كان يجاور بستان البعل، عمل له سورا مثل سور القاهرة، وعمل فيه بحرا كبيرا، وقبة عشاري تحمل ثمانية أرادب، وبنى في وسط البحر منظرة محمولة على أربع عواميد من أحسن الرخام، وحفها بشجر النارنج، فكان نارنجها لا يقطع حتى يتساقط وسلط على هذا البحر أربع سواق، وجعل له معبرا من نحاس مخروط زنته قنطار، وكان يملأ في عدّة أيام، وجلب إليه من الطيور المسموعة شيئا كثيرا، واستخدم للحمام الذي كان به عدّة مطيرين، وعمر به أبراجا عدّة للحمام والطيور المسموعة، وسرّح فيه كثيرا من الطاوس، وكان البستانان اللذان على يسار الخارج من باب الفتوح بينهما بستان الخندق، لكل منهما أربعة أبواب من الأربع جهات على كل منها عدّة من الأرمن، وجميع الدهاليز مؤزرة بالحصر العبدانيّ، وعلى أبوابها سلاسل كثيرة من حديد، ولا يدخل منها إلاّ السلطان، وأولاده وأقاربه.
قال ابن عبد الظاهر: واتفقت جماعة على أن الذي يشتمل عليه مبيعهما في السنة من زهر وثمر: نيف وثلاثون ألف دينار، وإنها لا تقوم بمؤنهما على حكم اليقين لا الشك، وكان الحاصل بالبستان الكبير، والمحسن إلى آخر الأيام الآمرية، وهي سنة: أربع وعشرين وخمسمائة: ثمانمائة، وأحد عشر رأسا من البقر، ومن الجمال: مائة وثلاثة رؤوس، ومن العمال وغيرهم ألف رجل.
стр. 889
وذكر أنّ الذي دار سور البساتين من سنط، وجميز، وأثل من أوّل حدّهما الشرقيّ، وهو ركن بركة الأرمن مع حدّهما البحريّ والغربي جميعا إلى آخر زقاق الكحل في هذه المسافة الطويلة: سبعة عشر ألف ألف، ومائتا شجرة، وبقي قبليهما جميعا لم يحصن.
وإنّ السنط تغصن حتى لحق بالجميز في العظم، وإنّ معظم قرظه يسقط إلى الطريق، فيأخذه الناس، وبعد ذلك يباع بأربعمائة دينار، وكان به كل ثمرة لها دويرة مفردة، وعليها سياج، وفيها نخل منقوش في ألواح عليها برسم الخاص لا تجني إلاّ بحضور المشارف، وكان فيهما ليمون تفاحيّ يوكل بقشرة بغير سكر، وأقام هذان البستانان بيد الورثة الجيوشية مع البلاد التي لهم مدّة أيام الوزير المأمون، لم تخرج عنهم، وكشف ذلك في أيام الخليفة الحافظ، فكان فيهما ستمائة رأس من البقر، وثمانون جملا، وقوّم ما عليهما من الأثل والجميز، فكانت قيمته: مائتي ألف دينار، وطلب الأمير شرف الدين وكانت له حرمة عظيمة من الخليفة الحافظ قطع شجرة واحدة من سنط فأبى عليه، فتشفع إليه، وقوّمت بسبعين دينارا، فرسم الخليفة إن كانت وسط البستان تقطع، وإلا فلا، ولما جرى في آخر أيام الحافظ ما جرى من الخلف ذبحت أبقاره، وجماله، ونهب ما فيه من الآلات والأنقاض، ولم يبق إلاّ الجميز والسنط والأثل لعدم من يشتريه، انتهى.
وكان هذان البستانان من جملة الحبس (١) الجيوشيّ، وهو أن أمير الجيوش بدر الجماليّ حبس عدّة بلاد وغيرها، منها في البرّ الشرقيّ بناحية بهتيت، والأميرية، والمنية، وفي البرّ الغربيّ ناحية سفط (٢) ونهيا ووسيم مع هذين البستانين المذكورين على عقبة، فاستأجر هذا الحبس الوزير مدّة سنين بأجرة يسيرة، وصار يزرع في الشرقيّ منه، الكتان ومنه ما تبلغ قطيعته ثلاثة دنانير ونصفا وربعا عن كل فدّان فيتناولون فيه ربحا جزيلا لأنفسهم، فلما بعد العهد انقرضت أعقابه، ولم يبق من ذرّيته سوى امرأة كبيرة، فأفتح الفقهاء بأن هذا الحبس باطل، فصار للديوان السلطانيّ يتصرّف فيه، ويحمل متحصله مع أموال بيت المال وتلاشت البساتين، وبنى في أماكنها ما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وبنى العزيز بالله بستانا بناحية سردوس.
قبة الهواء: وكان من أحسن منتزهات الخلفاء الفاطميين، قبة الهواء، وهي مستشرف بهج بديع، فيما بين التاج، والخمس وجوه يحيط به عدّة بساتين، لكل بستان منها: اسم، ولهذه القبة فرش معدّة في الشتاء، والصيف ويركب إليها الخليفة في أيام الركوبات التي هي يوم السبت والثلاثاء.
стр. 890
بحر أبي المنجا (١): وكان من منتزهات الخلفاء، يوم فتح بحر أبي المنجا، قال ابن المأمون: وكان الماء لا يصل إلى الشرقية إلاّ من السردوسيّ، ومن الصماصم، ومن المواضع البعيدة، فكان أكثرها يشرق في أكثر السنين، وكان أبو المنجا اليهوديّ مشارف الأعمال المذكورة، فتضرّر المزارعون إليه، وسألوا في فتح ترعة يصل الماء منها في ابتدائه إليهم، فابتدأ بحفر خليج أبي المنجا في يوم الثلاثاء السادس من شعبان سنة ست وخمسمائة، وركب الأفضل بن أمير الجيوش ضحى، وصحبته القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ، وجميع إخوته والعساكر تحاذيه في البرّ وجمعت شيوخ البلاد وأولادها، وركبوا في المراكب، ومعهم حزم البوص (٢) في البحر، وصار العشاريّ، والمراكب تتبعها إلى أن رماها الموج إلى الموضع الذي حفروا فيه البحر، وأقام الحفر فيه سنتين، وفي كل سنة تتبين الفائدة فيه، ويتضاعف من ارتفاع البلاد، ما يهوّن الغرامة عليه.
ولما عرض على الأفضل جملة ما أنفق فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه، والاسم لأبي المنجا، فغير اسمه، ودعي بالبحر الأفضليّ، فلم يتم ذلك، ولم يعرف إلاّ بأبي المنجا ثم جرى بين أبي المنجا، وبين ابن أبي الليث، صاحب الديوان بسبب الذي أنفق خطوب أدت إلى اعتقال أبي المنجا عدّة سنين، ثم نفي إلى الإسكندرية بعد أن كادت نفسه تتلف، ولم يزل القائد أبو عبد اللّه بن فاتك، يتلطف بحاله إلى تضاعف من عبرة البلاد ما سهل أمر النفقة فيه.
ورأيت بخط ابن عبد الظاهر، وهذا أبو المنجا هو جدّ بني صفير الحكماء اليهود، والذين أسلموا منهم، ولما طال اعتقال أبي المنجا في الإسكندرية في مكان بمفرده مضيقا عليه، تحيل في تحصيل مصحف، وكتب ختمة، وكتب في آخرها: كتبها أبو المنجا اليهوديّ، وبعثها إلى السوق ليبعها، فقامت قيامة أهل الثغر، وطولع بأمره إلى الخليفة، فأخرج.
وقيل له: ما حملك على هذا؟ فقال: طلب الخلاص بالقتل، فأدّب، وأطلق سبيله.
وقيل: إنه كان في محبسه حية عظيمة، فأحضر إليه في بعض الأيام لبن، فرأى الحية، وقد شربت منه، ودخلت حجرها، فصار في كل يوم يحضر لها لبنا، فتخرج وتشرب منه، وتدخل مكانها، ولم تؤذه.
стр. 891
ولما ولي المأمون البطائحيّ وزارة الآمر بأحكام اللّه بعد الأفضل بن أمير الجيوش، تحدّث الآمر معه في رؤية فتح هذا الخليج، وأن يكون له يوم كخليج القاهرة، فندب الآمر معه عدي الملك أبا البركات بن عثمان وكيله، وأمره بأن يبني على مكان السدّ منظرة متسعة، تكون من بحريّ السدّ، وسرّع في عمارتها بعد كمال النيل، وما زال يوم فتح سدّ هذا البحر يوما مشهودا إلى أن زالت الدولة الفاطمية.
فلما استولى بنو أيوب من بعدهم على مملكة مصر، أجروا الحال فيه على ما كان، قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وسبعين وخمسمائة: وركب السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لفتح بحر أبي المنجا، وعاد. وقال: وفي سنة تسعين وخمسمائة، كسر بحر أبي المنجا بعد أن تأخر كسره عن عيد الصليب بسبعة أيام، وكان ذلك لقصور النيل في هذه السنة، ولم يباشر السلطان الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين بنفسه، وركب أخوه شرف الدين يعقوب الطواشي لكسره، وبدت في هذا اليوم من مخايل القبوط ما يوجبه سوء الأفعال من المجاهرة بالمنكرات، والإعلان بالفواحش، وقد أفرط هذا الأمر، واشترك فيه الآمر والمأمور، ولم ينسلخ شهر رمضان، إلاّ وقد شهد ما لم يشهده رمضان قبله في الإسلام وبدا عقاب اللّه في الماء الذي كانت المعاصي على ظهره، فإنّ المراكب كان يركب فيها في رمضان الرجال والنساء مختلطين، مكشفات الوجوه، وأيدي الرجال تنال منها ما تنال في الخلوات، والطبول، والعيدان مرتفعات الأصوات، والصنجات، واستنابوا في الليل عن الخمر بالماء، والجلاب ظاهرا، وقيل: إنهم شربوا الخمر مستورا، وقربت المراكب بعضها من بعض، وعجز المنكر عن الإنكار إلاّ بقلبه، ورفع الأمر إلى السلطان، فندب حاجبه في بعض الليالي، ففرّق منهم من وجده في الحالة الحاضرة، ثم عادوا بعد عوده، وذكر أنه وجد في بعض المعادي خمرا فأراقه.
ولما استهل شوّال وهو مطموع فيه تضاعف هذا المنكر، وفشت هذه الفاحشة، ونسأل اللّه العفو والعافية عن الكبائر، والتجاوز عما تسقط فيه المعاذر.
وقال: في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: كسر بحر أبي المنجا، وباشر العزيز كسره، وزاد النيل فيه أصبعا، وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثماني عشر ذراعا، وهذا الحدّ يسمى عند أهل مصر: اللجة الكبرى، وقد تلاشى في زمننا أمر الاجتماع في يوم فتح سدّ بحر أبي المنجا، وقلّ الاحتفال به لشغل الناس بهتمّ المعيشة.
قصر الورد بالخاقانية: وكان من أيام منتزهات الخلفاء يوم قصر الورد بناحية الخاقانية، وهي قرية من قرى قليوب (١)، كانت من خاص الخليفة، وبها جنان كثيرة
стр. 892
للخليفة، وكانت من أحسن المنتزهات المصرية وكان بها عدّة دويرات يزرع فيها الورد، فيسير إليها الخليفة يوما، ويصنع له فيها قصر عظيم من الورد، ويخدم بضيافة عظيمة.
قال ابن الطوير عن الخليفة الآمر بأحكام اللّه: وعمل له بالخاقانية وكانت من خاص الخليفة، قصر من ورد فسار إليها يوما، وخدم بضيافة عظيمة، فلما استقرّ هناك، خرج إليه أمير يقال له: حسام الملك من الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن أخي المأمون البطائحيّ، وتخاذلوا عنه، فوصل إلى الخاقانية، وهو لابس لأمة حربه والتمس المثول بين يديه يعني الخليفة، فاستقلّ ما جاء به في ذلك الوقت، مما ينافي ما فيه الخليفة من الراحة، والنزهة وحيل بينه وبين مقصوده، فقال لجماعة من حواشي الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل إليه، فإنه يعاقبكم بذلك، فأطلعوا الخليفة على أمره، وحليته بالسلاح، وقوله فأمر بإحضاره، فلما وقعت عينه عليه قال: يا مولانا، لمن تركت أعداءك؟ يعني الوزير المأمون البطائحيّ، وأخاه، وكان الآمر قد قبض عليهما، واعتقلهما هذا والعهد قريب غير بعيد أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلاّ وهو على الرهاويج من الخيل، فلم تمض ساعة إلاّ، وهو بالقصر، فمضى إلى مكان اعتقال المأمون وأخيه، فزادهما وثاقا وحراسة، وفي أثناء ذلك، وصل ابن نجيب الدولة الذي كان سيره المأمون في وزارته إلى اليمن، لتحقيق نسبه أنه ولد من جارية نزار بن المستنصر، لما خرجت من القصر، وهي به حامل ويدعو إليه بقية الناس، وأحضر إلى القاهرة على جمل مشوّه، فأدخل خزانة البنود، وقتل هو والمأمون، وجماعة في تلك الليلة، وصلبوا ظاهر القاهرة.
بركة الجب: هي بظاهر القاهرة من بحريها، وتسميها العامّة في زمننا هذا الذي نحن فيه: بركة الحاج لنزول الحجاج بها عند مسيرهم من القاهرة إلى الحج في كل سنة، ونزولهم عند العود بها، ومنها يدخلون إلى القاهرة ومن الناس من يقول: جب يوسف، وهو خطأ، وإنما هي أرض جب عميرة، وعميرة هذا هو: ابن تميم بن جزء التجيبي من بني القرناء، نسبت هذه الأرض إليه، فقيل لها: أرض جب عميرة، ذكره ابن يونس، وكان من عادة الخليفة المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر بن الحاكم في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء، والحشم إلى رجب عميرة هذا، وهو موضع نزهة بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل اللعب والمجانة، وربما حمل معه الخمر في الروايا عوضا عن الماء، ويسقيه من معه، وأنشده مرّة الشريف أبو الحسن عليّ بن الحسين بن حيدرة العقيليّ في يوم عرفة:
قم فانحر الراح يوم النحر بالماء … ولا تضح ضحى إلاّ بصهباء
وادرك حجيج الندامى قبل نفرهم … إلى منى قصفهم مع كل هيفاء
وعج على مكة الروحاء مبتكرا … فطف بها حول ركن العود والنائي
стр. 893
قال ابن دحية: فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجي بنغمات حداة الملاهي وتساق، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفساق، فأقام بها سوق الفسوق على ساق، وفي ذلك العام أخذه اللّه تعالى، وأهل مصر بالسنين، حتى بيع في أيامه الرغيف: بالثمن الثمين، وعاد ماء النيل بعد عذوبته كالفسلين، ولم يبق بشاطئيه أحد بعد أن كانا محفوفين بحور عين.
وقال ابن ميسر: فلما كان في جمادى الآخرة من سنة: أربع وخمسين وأربعمائة، خرج المستنصر على عادته إلى بركة الجب، فاتفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا في سكر منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه، فاجتمع الأتراك بالمستنصر، وقالوا: إن كان هذا عن رضاك، فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك، فلا نرضى بذلك، فأنكر المستنصر ما وقع، وتبرّأ مما فعله العبيد، فتجمع الأتراك لحرب العبيد، وبرز بعضهم إلى بعض، وكان بين الفريقين قتال شديد على كوم شريك، انهزم فيه العبيد، وقتل منهم عدد كثير، وكانت أمّ المستنصر تعين العبيد، وتمدّهم بالأموال والأسلحة، فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك ظفر بشيء مما تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد، فأعلم بذلك أصحابه، وقد قويت شوكتهم بانهزام العبيد، فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر وخاطبوه في ذلك، وأغلظوا في القول، وجهروا بما لا ينبغي، وصار السيف قائما، والحروب متتابعة إلى أن كان من خراب مصر بالغلاء والفتن، ما كان، وكان من قبل المستنصر يتردّدون إلى بركة الجب.
قال المسبحيّ: ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلثمائة، عرض العزيز بالله عساكره بظاهر القاهرة، عند سطح الجب فنصب له مضرب ديباج روميّ، فيه ألف ثوب بصفرية فضة، ونصبت له فازة مثقل، وقبة مثقل بالجوهر، وضرب لابنه الأمير أبي عليّ منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، وكان عدّتها مائة عسكري، وأقبلت أسارى الروم، وعدّتهم مائتان وخمسون، فطيف بهم، وكان يوما عظيما حسنا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النهار إلى صلاة المغرب، وما زالت بركة الجب منتزها للخلفاء والملوك من بني أيوب، وكان السلطان صلاح الدين يبرز إليها للصيد، ويقيم فيها الأيام، وفعل ذلك الملوك من بعده، واعتنى بها الملك الناصر محمد بن قلاون، وبنى بها أحواشا وميدانا كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وبركة الجب، وما يليها في درك بني صبرة، وهم ينسبون إلى صبرة ابن بطيح بن مغالة بن عجان بن عنب بن الكليب بن أبي عمرو بن دمية بن جدس بن أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم، فهم أحد بطون لخم، وفيهم بنو جذام بن صبرة بن بصرة بن غنم بن غطفان بن سعد بن مالك بن حرام بن جذام أخي لخم.
المشتهى: وكان من مواضعهم التي أعدّت للنزهة المشتهى.
стр. 894
ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادا، ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة: أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ ﷺ ، ومولد عليّ بن أبي طالب ﵁، ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزهراء ﵍، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات.
موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أوّل المحرّم في كل عام لأنها أوّل ليالي السنة وابتداء أوقاتها، وكان من رسومهم في ليلة رأس السنة أن يعمل بمطبخ القصر عدّة كثيرة من الخراف المقموم والكثير من الرءوس المقموم، وتفرّق على جميع أرباب الرتب، وأصحاب الدواوين من العوالي والأدوان أرباب السيوف والأقلام مع جفان اللبن، والخبز، وأنواع الحلواء، فيعمّ ذلك سائر الناس من خاص الخليفة، وجهاته والأستاذين المحنكين إلى أرباب الضوء، وهم المشاعلية، ويتنقل ذلك في أيدي أهل القاهرة ومصر.
موسم أوّل العام: وكان لهم بأوّل العام عناية كبيرة فيه، يركب الخليفة بزيه المفخم، وهيئته العظيمة كما تقدّم، ويفرّق فيه دنانير الغرّة التي مرّ ذكرها عند ذكر دار الضرب، ويفرّق من السماط الذي يعمل بالقصر لأعيان أرباب الخدم من أرباب السيوف، والأقلام بتقرير مرتب، خرفان شواء، وزبادي طعام وجامات حلواء، وخبر وقطع منفوخة من سكر، وأرز بلبن، وسكر، فيتناول الناس من ذلك ما يجل وصفه، ويتبسطون بما يصل إليهم من دنانير الغرّة من رسوم الركوب كما شرح فيما تقدّم.
يوم عاشوراء (١): كانوا يتخذونه يوم حزن تتعطل فيه الأسواق، ويعمل فيه السماط
стр. 895
العظيم المسمى: سماط الحزن، وقد ذكر عند ذكر المشهد الحسينيّ، فانظره. وكان يصل إلى الناس منه شيء كثير، فلما زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء، يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، ويتبسطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جريا على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة عليّ بن أبي طالب، كرّم اللّه وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء، وحزن فيه على الحسين بن عليّ، لأنه قتل فيه، وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ يوم عاشوراء، يوم سرور، وتبسط وكلا الفعلين غير جيد، والصواب ترك ذلك، والاقتداء بفعل السلف فقط.
وما أحسن قول أبي الحسين الجزار الشاعر يخاطب الشريف شهاب الدين ناظر الأهراء، وكتب بها إليه ليلة عاشوراء عند ما أخر عنه ما كان من جاريه في الأهراء:
قل لشهاب الدين ذي الفضل الندي … والسيد بن السيد بن السيد
أقسم بالفرد العليّ الصمد … إن لم يبادر لنجاز موعدي
لأحضرنّ للهناء في غد … مكحل العينين مخضوب اليد
يعرّض للشريف: يما يرمي به الأشراف من التشيع، وإنه إذا جاء بهيئة السرور في يوم عاشوراء، غاظه ذلك لأنه من أفعال الغضب، وهو من أحسن ما سمعته في التعريض فللّه دره.
عيد النصر: وهو السادس عشر من المحرّم عمله: الخليفة الحافظ لدين اللّه، لأنه اليوم الذي ظهر فيه من محبسه، ويفعل فيه ما يفعل في الأعياد من الخطبة، والصلاة، والزينة، والتوسعة في النفقة، وكتب فيه أبو القاسم عليّ بن الصيرفيّ إلى بعض الخطباء:
عيد النصر، وهو أفضل الأعياد، وأسناها وأعلاها، وأدلها على تقصير الواصف إذا بلغ وتناهى، ونحن نأمرك أن تبرز في يوم الأحد السادس عشر من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة على الهيئة التي جرت العادة بمثلها في الأعياد، وتوعد بأن تقرأ على الناس الخطبة التي سيرناها إليك قرين هذا الأمر بشرح هذا اليوم وتفصيله، وذكر ما خصه اللّه به من تشريفه وتفضيله، وتعتمد في ذلك ما جرى الرسم فيه كل يعيد، وتنتهي فيه إلى الغاية التي ليس عليها مزيد، فاعلم هذا، واعمل به إن شاء اللّه تعالى.
المواليد الستة: كانت مواسم جليلة عمل الناس فيها، ميزان من ذهب، وفضة وخشكنانج، وحلواء كما مرّ ذلك.
ليالي الوقود الأربع: كانت من أبهج الليالي، وأحسنها، يحشر الناس لمشاهدتها من كل أوب، وتصل إلى الناس فيها أنواع من البرّ، وتعظم فيها ميزة أهل الجوامع والمشاهد، فانظره في موضعه تجده.
стр. 896
موسم شهر رمضان: وكان لهم في شهر رمضان عدّة أنواع من البرّ منها: كشف المساجد، قال الشريف الجوّاني في كتاب النقط: كان القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام، طافوا يوما على المشاهد، والمساجد بالقاهرة ومصر، فيبدأون بجامع المقس، ثم بجوامع القاهرة، ثم بالمشاهد، ثم بالقرافة، ثم بجامع مصر، ثم بمشهد الرأس لنظر حصر ذلك، وقناديله، وعمارته، وإزالة شعثه، وكان أكثر الناس ممن يلوذ بباب الحكم، والشهود، والطفيليون يتعينون لذلك اليوم، والطواف مع القاضي لحضور السماط.
إبطال المسكرات: قال ابن المأمون: وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية في آخر جمادى الآخرة من كل سنة: أن تغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر، وتختم ويحذر من بيع الخمر، فرأى الوزير المأمون لما ولي الوزارة بعد الأفضل بن أمير الجيوش، أن يكون ذلك في سائر أعمال الدولة، فكتب به إلى جميع ولاة الأعمال، وأن ينادى بأنه من تعرّض لبيع شيء من المسكرات، أو لشرائها سرّا، أو جهرا فقد عرّض نفسه لتلافها وبرئت الذمّة من هلاكها.
ومنها غرّة رمضان: وكان في أوّل يوم من شهر رمضان، يرسل لجميع الأمراء، وغيرهم من أرباب الرتب والخدم لكل واحد طبق، ولكل واحد من أولاده، ونسائه طبق فيه حلواء، وبوسطه صرّة من ذهب، فيعم ذلك سائر أهل الدولة، ويقال لذلك غرّة رمضان.
ومنها ركوب الخليفة في أوّل شهر رمضان: قال ابن الطوير: فإذا انقضى شعبان اهتمّ بركوب أوّل شهر رمضان، وهو يقوم مقام الرؤية، عند المتشيعين، فيجري أمره في اللباس والآلات، والأسلحة، والعرض والركوب والترتيب، والموكب والطريق المسلوكة، كما وصفناه في أوّل العام لا يختلّ بوجه، ويكتب إلى الولاة، والنوّاب والأعمال بمساطير مخلقة يذكر فيها ركوب الخليفة.
ومنها سماط شهر رمضان: وقد تقدّم ذكر السماط في قاعة الذهب من القصر.
سحور الخليفة: قال ابن المأمون: وقد ذكر أسمطة رمضان، وجلوس الخليفة بعد ذلك في الروشن إلى وقت السحور، والمقرئون تحته يتلون عشرا، ويطرّبون بحيث يشاهدهم الخليفة، ثم حضر بعدهم المؤذنون، وأخذوا في التكبير، وذكر فضائل السحور، وختموا بالدعاء، وقدّمت المخادّ للوعاظ، فذكروا فضائل الشهر، ومدح الخليفة والصوفيات، وقام كل من الجماعة للرقص، ولم يزالوا إلى أن انقضى من الليل أكثر من نصفه، فحضر بين يدي الخليفة أستاذ بما أنعم به عليهم، وعلى الفرّاشين، وأحضرت جفان
стр. 897
القطائف، جرار الجلاب برسمهم، فأكلوا، وملأوا أكمامهم، وفضل عنهم ما تخطفه الفرّاشون، ثم جلس الخليفة في السدلا التي كان بها عند الفطور، وبين يديه المائدة معبأة جميعها من جميع الحيوان وغيره، والقعبة (١) الكبيرة الخاص مملوءة أوساطه بالهمة المعروفة، وحضر الجلساء، واستعمل كل منهم ما اقتدر عليه، وأومأ الخليفة بأن يستعمل من القعبة، فيفرّق الفرّاشون عليهم أجمعين وكل من تناول شيئا قام، وقبل الأرض، وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده، وأهله لأنّ ذلك كان مستفاضا عندهم غير معيب على فاعله، ثم قدّمت الصحون الصينيّ مملوءة قطائف، فأخذ منها الجماعة الكفاية.
وقام الخليفة، وجلس بالباذهنج، وبين يديه السحورات المطيبات من لبئين رطب ومخض، وعدّة أنواع عصارات وافطلوات وسويق ناعم، وجريش جميع ذلك بقلوبات وموز، ثم يكون بين يديه صينية ذهب مملوءة سفوفا، وحضر الجلساء، وأخذ كل منهم في تقبيل الأرض، والسؤال بما ينعم عليه منه، فتناوله المستخدمون، والأستاذون وفرّقوه، فأخذه القوم في أكمامهم، ثم سلم الجميع وانصرفوا.
ومنها الختم في آخر رمضان: وكان يعمل في التاسع والعشرين منه.
قال ابن المأمون: ولما كان التاسع والعشرون من شهر رمضان، خرج الأمر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين، والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر، وحضر الأجل الوزير المأمون في آخر النهار إلى القصر للفطور مع الخليفة، والحضور على الأسمطة على العادة، وحضر إخوته، وعمومته، وجميع الجلساء، وحضر المقرئون، والمؤذنون، وسلموا على عادتهم وجلسوا تحت الروشن، وحمل من عند معظم الجهات، والسيدات والمميزات من أهل القصور ثلاجي (٢)، وموكبيات مملوءة ملفوفة في عراضي (٣) ديبقيّ، وجعلها أمام المذكورين، لتشملها بركة ختم القرآن الكريم، واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبا، ثم وقف بعد ذلك من خطب، فأسمع ودعا، فأبلغ ورفع الفرّاشون ما أعدّوه برسم الجهات، ثم كبر المؤذنون، وهللوا وأخذوا في الصوفيات إلى أن نثر عليهم من الروشن دنانير، ودراهم ورباعيات، وقدّمت جفان القطائف على الرسم مع البسندود، والحلواء فجروا على عادتهم، وملأوا أكمامهم، ثم خرج أستاذ من باب الدار الجديدة، بخلع خلعها على الخطيب، وغيره ودراهم تفرّق على الطائفتين من المقرئين والمؤذنين.
стр. 898
ذكر مذاهبهم في أوّل الشهور
اعلم أن القوم كانوا شيعة، ثم غلوا حتى عدوّا من غلاة أهل الرفض، وللشيعة في أثناء الشهور عمل، أحسن ما رأيت فيه.
ما حكاه أبو الريحان محمد بن أحمد البيروتيّ في كتاب الآثار العافية عن القرون الخالية قال: وفي سنين من الهجرة نجمت ناجمة لأجل أخذهم بالتأويل إلى اليهود والنصارى، فإذا لهم جداول وحسبانات يستخرجون بها شهورهم، ويعرفون منها صيامهم، والمسلمون مضطرّون إلى رؤية الهلال، وتفقد ما اكتساه القمر من النور وجدوهم شاكين في ذلك مختلفين فيه، مقلدين بعضهم بعضا في عمل رؤية الهلال بطريق الزيجات، فرجعوا إلى أصحاب علم الهيئة، فألفوا زيجاتهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب بصنوف الحسبانات، فظنوا أنها معمولة لرؤية الأهلة، فأخذوا بعضها، ونسبوه إلى جعفر بن محمد الصادق ﵉، وزعموا أنه سرّ من أسرار النبوّة، وتلك الحسبانات مبنية على حركات التدبير الوسطى دون المعدّلة أو معمولة على سنة القمر التي هي: ثلثمائة وأربعة، وخمسون يوما وخمس يوم، وسدس يوم، وأن ستة أشهر من السنة تامة، وستة أشهر ناقصة، وإن كل ناقص منها، فهو تال لتامّ، فلما قصدوا استخراج الصوم والفطر بها، خرجت قبل الواجب بيوم في أغلب الأحوال، فأوّلوا قوله ﵇: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وقالوا: معنى صوموا لرؤيته: أي صوموا اليوم الذي يرى في عشيته، كما يقال: تهيؤا لاستقباله، فيقدّم التهيؤ على الاستقبال، قال: ورمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا.
قافلة الحج: قال في كتاب الذخائر والتحف: إن المنفق على الموسم كان في كل سنة تسافر فيها القافلة: مائة ألف وعشرين ألف دينار منها: ثمن الطيب، والحلواء والشمع راتبا في كل سنة: عشرة آلاف دينار، ومنها: نفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة: أربعون ألف دينار، ومنها في ثمن الحمايات، والصدقات، وأجرة الجمال، ومعونة من يسير من العسكرية، وكبير الموسم، وخدم القافلة، وحفر الآبار، وغير ذلك: ستون ألف دينار، وإنّ النفقة كانت في أيام الوزير البازوريّ: قد زادت في كل سنة، وبلغت إلى مائتي ألف دينار، ولم تبلغ النفقة على الموسم مثل ذلك في دولة من الدول.
موسم عيد الفطر: وكان لهم في موسم عيد الفطر عدّة وجوه من الخيرات منها: تفرقة الفطرة، وتفرقة الكسوة، وعمل السماط، وركوب الخليفة لصلاة العيد، وقد تقدّم ذكر ذلك كله فيما سبق.
عيد النحر: فيه تفرقة الرسوم من الذهب والفضة، وتفرقة الكسوة لأرباب الخدم من
стр. 899
أهل السيف والقلم، وفيه ركوب الخليفة لصلاة العيد، وفيه تفرقة الأضاحي، كما مرّ ذلك مبينا في موضعه من هذا الكتاب.
عيد الغدير (١): فيه تزويج الأيامى، وفيه الكسوة، وتفرقة الهبات لكبراء الدولة، ورؤسائها وشيوخها وأمرائها، وضيوفها والأستاذين المحنكين، والمميزين، وفيه النحر أيضا، وتفرقة النحائر على أرباب الرسوم، وعتق الرقاب، وغير ذلك كما سبق بيانه فيما تقدّم.
كسوة الشتاء والصيف: وكان لهم في كل من فصلي الشتاء، والصيف، كسوة تفرّق على أهل الدولة وعلى أولادهم، ونسائهم وقد مرّ ذكر ذلك.
موسم فتح الخليج (٢): وكانت لهم في موسم فتح الخليج وجوه من البرّ منها:
الركوب لتخليق المقياس، ومبيت القرّاء بجامع المقياس، وتشريف ابن أبي الردّاد بالخلع وغيرها، وركوب الخليفة إلى فتح الخليج، وتفرقة الرسوم على أرباب الدولة من الكسوة، والعين والمآكل والتحف، وقد تقدّم تفصيل ذلك.
ذكر النوروز
وكان النوروز القبطيّ في أيامهم من جملة المواسم، فتتعطل فيه الأسواق، ويقلّ فيه سعي الناس في الطرقات، وتفرّق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة، وأولادهم ونسائهم والرسوم من المال، وحوائج النوروز.
قال ابن زولاق: وفي هذه السنة، يعني سنة ثلاث وستين وثلثمائة، منع المعز لدين اللّه من وقود النيران ليلة النوروز في السكك، ومن صب الماء يوم النوروز.
وقال: في سنة أربع وستين وثلثمائة: وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق، وعملوا فيلة، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات والحلي في الأسواق، ثم أمر المعز بالنداء بالكشف، وأن لا توقد نار ولا يصب ماء، وأخذ قوم، فحبسوا وأخذ قوم، فطيف بهم على الجمال.
وقال ابن ميسر: في حوادث سنة ست عشرة وخمسمائة: وفيها أراد الآمر بأحكام اللّه أن يحضر إلى دار الملك في النوروز الكائن في جمادى الآخرة في المراكب على ما كان عليه الأفضل بن أمير الجيوش، فأعاد المأمون عليه أنه لا يمكن، فإنّ الأفضل لا يجري مجراه مجرى الخليفة، وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم النوروز للجهات، ما له قيمة جليلة.
стр. 900
وقال ابن المأمون: وحل موسم النوروز في التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمسمائة، ووصلت الكسوة المختصة به من الطراز، وثغر الإسكندرية مع ما يبتاع من المذابّ المذهبة والحريري والسوادج، وأطلق جميع ما هو مستقرّ من الكسوات الرجالية، والنسائية، والعين والورق وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها بتفصيلها، وأسماء أربابها، وأصناف النوروز البطيخ والرّمان وعراجين الموز، وأفراد البسر، وأقفاص التمر القوصيّ، وأقفاص السفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدجاج، ولحم الضأن، ولحم البقر من كل لون بكلة مع خبز برّ مارق.
قال: وأحضر كاتب الدفتر: الإثبابات بما جرت العادة به من إطلاق العين والورق، والكسوات على اختلافها في يوم النوروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار، وخمسة عشر ألف درهم فضة، والكسوات عدّة كثيرة من شفق ديبقيّ مذهبات، وحريريات، ومعاجر (١) وعصائب مشاومات ملوّنات، وشفق لاذ مذهب وحريريّ، ومشفع وفوط، ديبقيّ حريريّ.
فأما العين والورق، والكسوات فذلك لا يخرج عمن تحوزه القصور، ودار الوزارة، والشيوخ والأصحاب والحواشي والمستخدمون، ورؤساء العشاريات، وبحارتها، ولم يكن لأحد من الأمراء على اختلاف درجاتهم في ذلك نصيب، وأما الأصناف من البطيخ والرمّان والبسر والتمر والسفرجل والعناب، والهرائس على اختلافها فيشمل ذلك جميع من تقدّم ذكرهم، ويشكرهم في ذلك جميع الأمراء أرباب الأطواق، والأقصاب وسائر الأماثل، وقد تقدّم شرح ذلك، فوقع الوزير المأمون على جميع ذلك بالإنفاق.
وقال القاضي الفاضل في تعليق المتجدّدات لسنة أربع وثمانين وخمسمائة: يوم الثلاثاء أربع عشر رجب يوم النوروز القبطيّ، وهو مستهل (٢) توت، وتوت أوّل سنتهم، وقد كان بمصر في الأيام الماضية، والدولة الخالية يعني دولة الخلفاء الفاطميين من مواسم بطالاتهم، ومواقيت ضلالاتهم، فكانت المنكرات ظاهرة فيه، والفواحش صريحة في يومه ويركب فيه أمير موسوم: بأمير النوروز، ومعه جمع كثير، ويتسلط على الناس في طلب رسم رتبه على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير، ويندب مترسمين، كل ذلك يخرج مخرج الطير، ويقنع بالميسور من الهبات، ويتجمع المؤنثون، والفاسقات تحت قصر اللؤلؤة بحيث يشاهدهم الخليفة، وبأيديهم الملاهي، وترفع الأصوات، وتشرب الخمر والمزر شربا ظاهرا بينهم، وفي الطرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر، وبالماء ممزوجا بالأقدار، فإن غلط مستور، وخرج من داره لقيه من يرشه، ويفسد ثيابه، ويستخف
стр. 901
بحرمته، فإما فدى نفسه، وإما فضح، ولم يجر الحال في هذا النوروز على هذا، ولكن قد رش الماء في الحارات، وأحيى المنكر في الدور أرباب الخسارات.
وقال: في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: وجرى الأمر في النوروز على العادة من رش الماء، واستجدّ فيه هذا العام التراجم بالبيض، والتصافع بالأنطاع، وانقطع الناس عن التصرّف، ومن ظفر به في الطريق رش بمياه نجسة وخرق به.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: إنّ أوّل من اتخذ النوروز: جمشيد، ويقال في اسمه أيضا: جمشاد أحد ملوك الفرس الأول، ومعناه: اليوم الجديد، وللفرس فيه آراء، وأعمال على مصطلحهم غير أنه في غير هذا اليوم. وقد صنف عليّ بن حميرة الأصفهانيّ كتابا مفيدا في أعياد الفرس.
وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: كان اليوم الذي ردّ اللّه فيه إلى سليمان بن داود خاتمه يوم النوروز، فجاءت إليه الشياطين بالتحف، وكانت تحفة الخطاطيف أن جاءت بالماء في مناقيرها فرشته بين يدي سليمان، فاتخذ الناس رش الماء من ذلك اليوم.
وعن مقاتل بن سليمان (١) قال: سمي ذلك اليوم: نيروزا، وذلك أنه وافق هذا اليوم الذي يسمونه النيروز، فكانت الملوك تتيمن بذلك اليوم، واتخذوه عيدا، وكانوا يرشون الماء في ذلك اليوم، ويهدون كفعل الخطاف، ويتيمنون بذلك، وللّه درّ القائل:
كيف ابتهاجك بالنوروز يا سكني … وكل ما فيه يحكيني وأحكيه
فناره كلهيب النار في كبدي … وماؤه كتوالي دمعتي فيه
وقال آخر:
نورز الناس ونورز … ت ولكن بدموعي
وذكت نارهم والن … ار ما بين ضلوعي
وقال غيره:
ولما أتى النوروز يا غاية المنى … وأنت على الإعراض والهجر والصدّ
بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشى … فنورزت صبحا بالدموع على الخدّ
الميلاد: وهو اليوم الذي ولد فيه عبد اللّه، ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﷺ ، والنصارى تتخذ ليلة يوم الميلاد عيدا، وتعمله قبط مصر في التاسع والعشرين من كيهك (٢)،
стр. 902
وما برح لأهل مصر به اعتناء، وكان من رسوم الدولة الفاطمية فيه: تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية، والتمارد التي فيها السمك، وقرابات الجلاب، وطيافير الزلابية، والبوري، فيشمل ذلك أرباب الدولة أصحاب السيوف، والأقلام بتقرير معلوم على ما ذكره ابن المأمون في تاريخه.
الغطاس: ومن مواسم النصارى بمصر عمل الغطاس في اليوم الحادي عشر من طوبة (١).
قال المسعوديّ في مروج الذهب: ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس فيها، وهي ليلة إحدى عشرة من طوبة ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلثمائة ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن طفج في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة على النيل، والنيل مطيف بها، وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة، وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيل في تلك الليلة: مئو ألوف من الناس من المسلمين والنصارى منهم: في الزواريق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل، والمشارب، وآلات الذهب والفضة، والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض، ونشرة للداء.
وقال المسبحيّ: في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة: كان غطاس النصارى، فضربت الخيام والمضارب، والأشرعة في عدّة مواضع على شاطئ النيل، فنصبت أسرّة للرئيس فهد ابن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان، وأوقدت له الشموع والمشاعل، وحضر المغنون، والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس، فغطس وانصرف.
وقال: في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة كان غطاس النصارى، فجرى الرسم من الناس في شراء الفواكه، والضأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين اللّه بن الحاكم لقصر جدّه العزيز بالله بمصر، لنظر الغطاس، ومعه الحرم، ونودي أن لا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم إلى البحر في الليل، وضرب بدر الدولة الخادم الأسود متولي الشرطتين خيمة عند الجسر، وجلس فيها، وأمر الخليفة الظاهر لإعزاز دين اللّه بأن توقد المشاعل والنار في الليل، فكان وقيدا كثيرا، وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان، والنيران، فقسسوا هناك طويلا إلى أن غطسوا.
وقال ابن المأمون: إنه كان من رسوم الدولة أنه يفرّق على سائر أهل الدولة الترنج
стр. 903
والنارنج والليمون المراكبي، وأطنان القصب، والسمك والبوري برسوم مقرّرة لكل واحد من أرباب السيوف والأقلام.
خميس العهد: ويسميه أهل مصر من العامّة: خميس العدس، ويعمله نصارى مصر قبل الفصح بثلاثة أيام ويتهادون فيه، وكان من جملة رسوم الدولة الفاطمية في خميس العدس ضرب خمسمائة دينار ذهبا، عشرة آلاف خرّوبة، وتفرقتها على جميع أرباب الرسوم كما تقدّم.
أيام الركوبات: وكان الخليفة يركب في كل يوم سبت وثلاثاء إلى منتزهاته بالبساتين، والتاج، وقبّة الهواء والخمس وجوه، وبستان البعل، ودار الملك، ومنازل العز، والروضة، فيعمّ الناس في هذه الأيام من الصدقات أنواع ما بين ذهب، ومآكل، وأشربة، وحلاوات، وغير ذلك كما تقدّم بيانه في موضعه من هذا الكتاب.
صلاة الجمعة: وكان الخليفة يركب في كل سنة ثلاث ركبات لصلاة الجمعة بالناس في جامع القاهرة الذي يعرف بالجامع الأزهر مرّة، وفي جامع الخطبة المعروف: بالجامع الحاكميّ مرّة، وفي جامع عمرو بن العاص بمصر أخرى، فينال الناس منه في هذه الجمع الثلاث، رسوم وهبات وصدقات، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجامع الأزهر.
وللّه در الفقيه عمارة (١) اليمني فقد ضمن مرثيته أهل القصر جملا مما ذكر، وهي القصيدة التي قال ابن سعد فيها، ولم يسمع فيما يكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل … وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سعيت في منهج الرأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدهر فاستقل
جدعت ما رنك الأقنى فأنفك لا … ينفك ما بين قرع السنّ والخجل
هدمت قاعدة المعروف عن عجل … سعيت مهلا أما تمشي على مهل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدول
قدمت مصر فأولتني خلائفها … من المكارم ما أربى على الأمل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن … كمالها أنها جاءت ولم أسل
وكنت من وزراء الدست حين سما … رأس الحصان يهاديه على الكفل
ونلت من عظماء الجيش مكرمة … وخلة حرست من عارض الخلل
стр. 904
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله در ساحة القصرين وابك معي … عليهما لا على صفين والجمل
وقل لأهليهما واللّه ما التحمت … فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل
ما ذا عسى كانت الإفرنج فاعلة … في نسل آل أمير المؤمنين علي
هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما … ملكتموا بين حكم السبي والنفل
وقد حصلتم عليها واسم جدّكم … محمد وأبوكم غير منتقل
مررت بالقصر والأركان خالية … من الوقود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد … من الأعادي ووجه الودّ لم يمل
أسلت من أسفي دمعي غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السبل
أبكي على ما تراءت من مكارمكم … حال الزمان عليها وهي لم تحل
دار الضيافة كانت أنس وافدكم … واليوم أوحش من رسم ومن طلل
وفطرة الصوم إذ أضحت مكارمكم … تشكو من الدهر حيفا غير محتمل
وكسوة الناس في الفصلين قد درست … ورث منها جدد عندهم وبلي
وموسم كان في يوم الخليج لكم … يأتي تجملكم فيه على الجمل
وأوّل العام والعيدين كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل
والأرض تهتز في يوم الغدير كما … يهتز ما بين قصريكم من الأسل
والخيل تعرض في وشي وفي شية … مثل العرائس في حلي وفي حلل
ولا حملتم قرى الأضياف من سعة الأط … باق إلا على الأكتاف والعجل
وما خصصتم ببرّ أهل ملتكم … حتى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للذمتين ولل … ضيف المقيم وللطاري من الرسل
ثم الطراز بتنيس الذي عظمت … منه الصلات لأهل الأرض والدول
وللجوامع من إحسانكم نعم … لمن تصدّر في علم وفي عمل
وربما عادت الدنيا فمعقلها … منكم وأضحت بكم محلولة العقل
واللّه لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب اللّه غير ولي
ولا سقى الماء من حرّ ومن ظمأ … من كف خير البرايا خاتم الرسل
ولا رأى جنة اللّه التي خلقت … من خان عهد الإمام العاضد ابن علي
أئمتي وهداتي والذخيرة لي … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي
تاللّه لم أوفهم في المدح حقهم … لأنّ فضلهم كالوا بل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واتسعت … ما كنت فيهم بحمد اللّه بالخجل
باب النجاة هم دنيا وآخرة … وحبهم فهو أصل الدين والعمل
نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل … الغيث إن ربت الأنواء في المحل
стр. 905
أئمة خلقوة نورا فنورهم … من محض خالص نور اللّه لم يغل
واللّه ما زلت عن حبي لهم أبدا … ما أخر اللّه لي في مدّة الأجل
وبسبب هذه القصيدة قتل عمارة ﵀، وتمحلت له الذنوب، انتهى ما ذكره رحمه اللّه تعالى.
стр. 906
ذكر ما كان من أمر القصرين، والمناظر بعد زوال الدولة الفاطمية
ولما مات العاضد لدين اللّه في يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة، احتاط الطواشي (١) قراقوش على أهل العاضد، وأولاده، فكانت عدّة الأشراف في القصور: مائة وثلاثين، والأطفال خمسة وسبعين، وجعلهم في مكان أفرد لهم خارج القصر، وجمع عمومته، وعشيرته في إيوان بالقصر، واحترز عليهم، وفرّق بين الرجال والنساء لئلا يتناسلوا، وليكون ذلك أسرع لانقراضهم.
وتسلم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب القصر، بما فيه من الخزائن والدواوين، وغيرها من الأموال والنفائس، وكانت عظيمة الوصف، واستعرض من فيه من الجواري والعبيد، فأطلق من كان حرّا، ووهب واستخدم باقيهم، وأطلق البيع في كل جديد، وعتيق، فاستمرّ البيع فيما وجد بالقصر، عشر سنين، وأخلى القصور من سكانها، وأغلق أبوابها، ثم ملكها أمراءه، وضرب الألواح على ما كان للخلفاء وأتباعهم من الدور والرباع، وأقطع خواصه منها، وباع بعضها.
ثم قسم القصور، فأعطى القصر الكبير: للأمراء فسكنوا فيه، وأسكن أباه نجم الدين أيوب بن شادي في قصر اللؤلؤة على الخليج، وأخذ أصحابه دور من كان ينسب إلى الدولة الفاطمية، فكان الرجل إذا استحسن دارا أخرج منها سكانها، ونزل بها.
قال القاضي الفاضل: وفي ثالث عشريه يعني ربيعا الآخر سنة سبع وستين: كشف حاصل الخزائن الخاصة بالقصر، فقيل: إن الموجود فيه مائة صندوق كسوة فاخرة من موشح، ومرصع وعقود ثمينة، ودخائر فخمة، وجواهر نفيسة، وغير ذلك من ذخائر جمة الخطر، وكان الكاشف بهاء الدين قراقوش، وبيان، وأخليت أمكنة من القصر الغربيّ سكن بها الأمير موسك والأمير أبو الهيجاء السمنيّ، وغيره من الغزو، ملئت المناظر المصونة عن الناظر، والمنتزهات التي لم يخطر ابتذالها في الخاطر، فسبحان
стр. 907
مظهر العجائب، ومحدثها، ووارث الأرض ومورثها.
قال: ومقدار ما يحدس أنه خرج من القصر ما بين دينار ودرهم، ومصاغ وجوهر، ونحاس، وملبوس، وأثاث، وقماش، وسلاح ما لا يقي به ملك الأكاسرة، ولا تتصوّره الخواطر الحاضرة، ولا يشتمل على مثله الممالك العامرة، ولا يقدر على حسابه إلاّ من يقدر على حساب الخلق في الآخرة.
وقال الحافظ جمال الدين يوسف اليغموريّ: وجدت بخط المهذب أبي طالب محمد ابن عليّ بن الخيميّ، حدّثني الأمير عضد الدين مرهف بن مجد الدين سويد الدولة بن منقذ:
أن القصر أغلق على ثمانية عشر ألف نسمة عشرة آلاف شريف وشريفة، وثمانية آلاف عبد، وخادم وأمة ومولدة وتربية.
وقال ابن عبد الظاهر عن القصر لما أخذه صلاح الدين، وأخرج من به كان فيه اثنا عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل، إلاّ الخليفة، وأهله، وأولاده ولما أخرجوا منه، أسكنوا في دار المظفر، وقبض أيضا صلاح الدين على الأمير داود بن العاضد، وكان وليّ العهد وينعت بالحامد للّه، واعتقل معه جميع إخوته الأمير أبو الأمانة جبريل، وأبو الفتح، وابنه أبو القاسم، وسليمان بن داود، وعبد الظاهر حيدرة بن العاضد، وعبد الوهاب بن إبراهيم ابن العاضد، وإسماعيل بن العاضد، وجعفر بن أبي الظاهر بن جبريل، وعبد الظاهر بن أبي الفتوح بن جبريل بن الحافظ، وجماعة من بني أعمامه، فلم يزالوا في الاعتقال بدار الأفضل من حارة برجوان إلى أن انتقل الملك الكامل محمد بن العادل بن أبي بكر بن أيوب من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل، فنقل معه ولد العاضد وإخوته وأولاد عمه، واعتقلهم بالقلعة، وبهامات العاضد، واستمرّ البقية حتى انقرضت الدولة الأيوبية، وملك الأتراك إلى أن تسلطن الملك الظاهر: ركن الدين بيبرس البندقداريّ.
فلما كان في سنة ستين وستمائة: أشهد على من بقي منهم، وهم كمال الدين إسماعيل بن العاضد وعماد الدين أبو القاسم ابن الأمير أبي الفتوح بن العاضد، وبدر الدين عبد الوهاب بن إبراهيم بن العاضد أن جميع المواضع التي قبليّ المدارس الصالحية من القصر الكبير، والموضع المعروف: بالتربة ظاهرا وباطنا بخط الخوخ السبع، وجميع الموضع المعروف بالقصر اليافعيّ، بالخط المذكور، وجميع الموضع المعروف بسكن أولاد شيخ الشيوخ، وغيرهم من القصر الشارع بابه قبالة دار الحديث النبويّ الكاملية، وجميع الموضع المعروف بالقصر الغربيّ، وجميع الموضع المعروف: بدار الفطرة بخط المشهد الحسينيّ، وجميع الموضع المعروف: بدار الضيافة بحارة برجوان، وجميع الموضع:
المعروف باللؤلؤة، وجميع قصر الزمرّذ، وجميع البستان الكافوريّ: ملك لبيت المال المولويّ السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ من وجه صحيح شرعيّ لا رجعة لهم فيه، ولا لواحد
стр. 908
منهم في ذلك ولا في شيء منه، ولا مثوبة بسبب يد، ولا ملك، ولا وجه من الوجوه كلها، خلا ما في ذلك من مسجد للّه ﵎ أو مدفن لآبائهم، وورخ ذلك الإشهاد بثالث عشر ربيع الأوّل سنة ستين وستمائة، وأثبت على قاضي القضاة الصاحب تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ الشافعي رحمه اللّه تعالى.
وتقرّر مع المذكورين أن مهما كان قبضوه من أثمان بعض الأماكن المذكورة التي عاقد عليها وكلاؤهم، واتصلوا إليه يحاسبوا به من جملة ما يحرز ثمنه عند وكيل بيت المال، وقبضت أيدي المذكورين عن التصرّف في الأماكن المذكورة وغيرها، ورسم ببيعها فباعها وكيل بيت المال كمال الدين ظافر أوّلا فأوّلا، ونقضت شيئا شيئا، وبنى في أماكنها ما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
واشترى قاعة السدرة بجوار المدرسة، والتربة الصالحية قاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم (١) بن عبد الواحد بن عليّ بن مسرور المقدسيّ الحنبليّ، مدرس الحنابلة بالمدرسة الصالحية: بألف وخمسة وسبعين دينارا في رابع جمادى الآخرة سنة ستين وستمائة من كمال الدين ظافر بن الفقيه نصر وكيل بيت المال، ثم باعها المذكور للملك الظاهر بيبرس في حادي عشري جمادى الآخرة المذكورة، وقاعة السدرة هذه، قد صارت هي، وقاعة الخيم أصل المدرسة الظاهرية الركنية البيبرسية البندقدارية.
قال القاضي الفاضل: وفي يوم الاثنين سادس شهر رجب، يعني من سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ظهر تسحب رجلين من المعتقلين في القصر أحدهما من أقارب المستنصر، والآخر من أقارب الحافظ، وأكبرهما سنا كان معتقلا بالإيوان حدث به مرض، وأثخن فيه، ففك حديده، ونقل إلى القصر الغربيّ في أوائل سنة ثلاث وثمانين، واستمرّ لما به، ولم يستقل من المرض، وطلب ففقد، واسمه: موسى بن عبد الرحمن أبي حمزة بن حيدرة بن أبي الحسن أخي الحافظ، واسم الآخر: موسى بن عبد الرحمن بن أبي محمد بن أبي اليسر بن محسن بن المستنصر، وكان طفلا في وقت الكائنة بأهله، وأقام بالقصر الغربيّ مع من أسر به إلى أن كبر وشب.
قال: وذكر أن القصر الغربيّ قد استولى عليه الخراب، وعلا على جدرانه التشعث، والهدم، وإنه يجاور اصطبلات فيها جماعة من المفسدين، وربما تسلق إليه للتطرّق للنساء المعتقلات، والمتسلق منه إذا قويت نفسه على التسحب لم تكن عقلته في القصر المذكور مانعة من التسحب.
стр. 909
قال: وعدد من بقي من هذه الذرية بدار المظفر والقصر الغربيّ والإيوان: مائتان واثنان وخمسون شخصا، ذكور ثمانية وتسعون، وإناث مائة وأربعة وخمسون، تفصيله المقيمون بدار المظفر: أحد وثلاثون ذكور، أحد عشر كلهم أولاد العاضد لصلبه، أناث عشرون: بنات العاضد خمسة، إخوته أربع، جهات العاضد أربع، بنات الحافظ ثلاث، جهات يوسف ابنه وجبريل ابن عمه أربع، المعتلقون بالإيوان خمسة وخمسون رجلا منهم الأمير أبو الظاهر بن جبريل بن الحافظ، المقيمون بالقصر الغربيّ: مائة وستة وستون شخصا ذكور اثنان وثلاثون، أكبرهم: عمره عشرون سنة، وأصغرهم عمره سبع عشرة سنة، إناث: مائة وأربع، وثلاثون: بنات أربع وستون، أخوات وعمات وزوجات سبعون.
قال: وفي جمادي الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، كانت عدّة من في دار المظفر بحارة برجوان، والقصر الغربيّ، والإيوان من أولاد العاضد، وأقاربه، ومن معهم مضافا إليهم ثلثمائة واثنتين وسبعين نفسا. دار المظفر، أحرار ومماليك: مائة وست وستون نفسا، القصر الغربيّ: أحرار مائة وأربعون نفسا، الإيوان: تسعة وسبعون رجلا بالغون، وأما منازل العز، فاشتراها الملك المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي في نصف شعبان سنة: ست وستين وخمسمائة، وجعلها مدرسة للفقهاء الشافعية، واشترى الروضة، وجعلها وقفا على المدرسة المذكورة، واللّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث وأوله: «ذكر حارات القاهرة وظواهرها»
стр. 910
ذكر حارات القاهرة وظواهرها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال ابن سيده: والحارة كلّ محلّة دنت منازلها، قال: والمحلّة منزل القوم. وبالقاهرة وظواهرها عدّة حارات وهى:
حارة بهاء الدين: هذه الحارة كانت قديما خارج باب الفتوح الذي وضعه القائد جوهر (١) عند ما اختطّ أساس القاهرة من الطوب النيء، وقد بقي من هذا الباب عقدة برأس حارة بهاء الدين (٢)، وصارت هذه الحارة اليوم من داخل باب الفتوح الذي وضعه أمير الجيوش بدر (٣) الجمالي، وهو الموجود الآن. وحدّ هذه الحارة عرضا من خطّ باب الفتوح (٤) الآن إلى خطّ حارة الورّاقة بسوق المرحلين، وحدّها طولا فيما وراء ذلك إلى خطّ باب القنطرة. وكانت هذه الحارة تعرف بحارة الريحانية والوزيرية (٥) وهما طائفتان من طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين، فإنّ بها كانت مساكنهم، وكان فيها لهاتين الطائفتين دور عظيمة وحوانيت عديدة؛ وقيل لها أيضا بين الحارتين، واتصلت العمارة إلى السور ولم تزل الريحانية والوزيرية بهذه الحارة إلى أن كانت واقعة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالعبيد.
стр. 911
ذكر واقعة العبيد (١)
وسببها أنّ مؤتمن الخلافة جوهرا أحد الأستاذين المحنّكين بالقصر تحدّث في إزالة صلاح الدين يوسف بن أيوب من وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه عندما ضايق أهل القصر وشدّد عليهم واستبدّ بأمور الدولة وأضعف جانب الخلافة وقبض على أكابر أهل الدولة، فصار مع جوهر عدّة من الأمراء المصريين والجند. واتفق رأيهم أن يبعثوا إلى الفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة، حتّى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكر ثاروا وهم بالقاهرة، واجتمعوا مع الفرنج على إخراجه من مصر.
فسيروا رجلا إلى الفرنج وجعلوا كتبهم التي معه في نعل، وحفظت بالجلد مخافة أن يفطن بها، فسار الرجل إلى البئر البيضاء قريبا من بلبيس (٢)، فإذا بعض أصحاب (٣) صلاح الدين هناك، فأنكر أمر الرجل من أجل أنّه جعل النعلين في يده، ورآهما وليس فيهما أثر المشي، والرجل رثّ الهيئة؛ فارتاب وأخذ النعلين وشقّهما، فوجد الكتب ببطنهما، فحمل الرجل والكتب إلى صلاح الدين، فتتبّع خطوط الكتب حتّى عرفت، فإذا الذي كتبها من اليهود الكتّاب، فأمر بقتله، فاعتصم بالإسلام وأسلم، وحدّثه الخبر. فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة، فاستشعر الشرّ وخاف على نفسه، ولزم القصر وامتنع من الخروج منه، فأعرض صلاح الدين عن ذلك جملة، وطال الأمد؛ فظنّ الخصيّ أنه قد أهمل أمره، وشرع يخرج من القصر. وكانت له منظرة بناها بناحية الخرقانية في بستان، فخرج إليها في جماعة. وبلغ ذلك صلاح الدين، فأنهض إليه عدّة هجموا عليه وقتلوه في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة أربع وستّين وخمسمائة، واحتزوا رأسه وأتوا بها إلى صلاح الدين، فاشتهر ذلك بالقاهرة وأشيع، فغضب العسكر (٤) المصريّ، وثاروا بأجمعهم في سادس عشريّة، وقد انضمّ إليهم عالم عظيم من الأمراء والعامّة حتّى صاروا ما ينيف على خمسين ألفا، وساروا إلى دار الوزارة - وفيها يومئذ ساكنا بها صلاح الدين - وقد استعدّوا بالأسلحة، فبادر شمس الدولة فخر الدين توران شاه أخو صلاح الدين، وصرخ في عساكر الغزّ، وركب صلاح الدين وقد اجتمع إليه طوائف من أهله وأقاربه وجميع الغزّ ورتبهم، ووقفت الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية والطائفة الفرحية وغيرهم من الطوائف السودانية ومن انضمّ إليهم بين القصرين، فثارت الحروب بينهم وبين صلاح الدين، واشتدّ الأمر وعظم الخطب حتّى لم يبق إلا هزيمة صلاح الدين وأصحابه. فعند ذلك أمر توران شاه بالحملة على
стр. 912
السودان، فقتل فيها أحد مقدّميهم، فانكفّ بأسهم قليلا، وعظمت حملة الغزّ عليهم، فانكسروا إلى باب الذهب، ثمّ إلى باب الزهومة (١)، وقتل حينئذ عدّة من الأمراء المصريين وكثير ممّن عداهم.
وكان العاضد في هذه الوقعة يشرف من المنظرة، فلمّا رأى أهل القصر كسرة السودان وعساكر مصر رموا على الغزّ من أعلى القصر بالنشّاب والحجارة حتّى أنكوا فيهم، وكفّوهم عن القتال، وكادوا ينهزمون؛ فأمر حينئذ صلاح الدين النفّاطين بإحراق المنظرة، فأحضر شمس الدولة النفّاطين وأخذوا في تطييب قارورة النفط وصوّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد، فخاف العاضد على نفسه، وفتح باب المنظرة زعيم الخلافة أحد الأستاذين، وقال بصوت عال: أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدولة ويقول: دونكم والعبيد الكلاب، أخرجوهم من بلادكم.
فلمّا سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم وتخاذلوا، فحمل عليهم الغزّ فانكسروا، وركب القوم أقفيتهم إلى أن وصلوا إلى السيوفيين (٢)، فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير وامتنعوا هناك على الغزّ بمكان، فأحرق عليهم. وكان في دار الأرمن التي كانت قريبا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلّهم رماة لهم جار (٣) في الدولة يجري عليهم، فعند ما قرب منهم الغزّ رموهم عن يد واحدة حتّى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد، فأحرق شمس الدولة دارهم حتّى هلكوا حرقا وقتلا، ومرّوا إلى العبيد، فصاروا كلّما دخلوا مكانا أحرق عليهم وقتلوا فيه إلى أن وصلوا إلى باب زويلة، فإذا هو مغلوق، فحصروا هناك واستمرّ فيهم القتل مدّة يومين. ثمّ بلغهم أنّ صلاح الدين أحرق المنصورة (٤) التي كانت أعظم حاراتهم، وأخذت عليهم أفواه السكك (٥)، فأيقنوا أنّهم قد أخذوا لا محالة، فصاحوا الأمان، فأمنوا - وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة - وفتح لهم باب زويلة، فخرجوا إلى الجيزة، فعدا عليهم شمس الدولة في العسكر وقد قووا بأموال المهزومين وأسلحتهم، وحكّموا فيهم السيف حتى لم يبق منهم إلا الشريد؛ وتلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد.
وكان من غرائب الاتّفاقات أن الدولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر وبنى القاهرة جوهر القائد؛ والذي كان سببا في إزالة الدولة وخراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخلافة هذا. ثمّ لما استبدّ صلاح الدين يوسف بسلطنة الديار المصريّة بعد موت
стр. 913
الخليفة العاضد (١) لدين اللّه سكن هذه الحارة الأمير الطواشيّ الخصيّ بهاء الدين قراقوش بن عبد اللّه الأسدي فعرفت به.
حارة برجوان: منسوبة إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان الخادم، وكان خصيّا أبيض تامّ الخلقة، ربّي في دار الخليفة العزيز (٢) بالله، وولاه أمر القصور. فلمّا حضرته الوفاة وصّاه على ابنه الأمير أبي عليّ منصور، فلمّا مات العزيز بالله أقيم ابنه منصور (٣) في الخلافة من بعده، وقام بتدبير الدولة أبو محمد الحسن بن عمّار الكتامي، فدبّر الأمور وبرجوان يناكده فيما يصدر عنه ويختصّ بطوائف من العسكر دونه إلى أن أفسد أمر ابن عمّار، فنظر برجوان في تدبير الأمور يوم الجمعة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وصار الواسطة بين الحاكم وبين الناس، فأمر بجمع الغلمان ونهاهم عن التعرّض لأحد من الكتاميين والمغاربة، ووجّه إلى دار ابن عمّار، فمنع الناس عنها بعد أن كانوا قد أحاطوا بها وانتهبوا منها، وأمر أن يجرى لأصحاب الرسوم الرواتب جميع ما كان ابن عمّار قطعه، وأجرى لابن عمّار ما كان يجرى له في أيام العزيز بالله من الجرايات لنفسه ولأهله وحرمه، ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر يزيد عن ذلك أو ينقص عنه على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة؛ وهو في كلّ يوم سلّة بدينار، وعشرة أرطال شمع بدينار ونصف، وحمل بلح. وجعل كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم النصراني، يوقّع عنه وينظر في قصص الرافعين وظلاماتهم، فجلس لذلك في القصر وصار يطالعه بجميع ما يحتاج إليه، ورتّب الغلمان في القصر وأمرهم بملازمة الخدمة وتفقّد أحوالهم، وأزال علل أولياء الدولة، وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع الناس كافة من الترجّل له؛ فكان الناس يلقونه في داره، فإذا تكامل لقاؤهم ركبوا بين يديه إلى القصر ما عدا الحسين بن جوهر والقاضي ابن النعمان فقط، فإنهما كانا يتقدّمانه من دورهما إلى القصر حتّى أنّه لقّب كاتبه فهدا بالرئيس، فصار يخاطب بذلك ويكاتب به.
وكان برجوان يجلس في دهاليز القصر، ويجلس الرئيس فهد بالدهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان ما يحتاج إليه ممّا يطالع به الحاكم، فيخرج الأمر بما يكون العمل به.
وترقّت أحوال برجوان إلى أن بلغ النهاية، فقصر عن الخدمة، وتشاغل بلذّاته، وأقبل على سماع الغناء وأكثر من الطرب؛ وكان شديد المحبّة في الغناء، فكان المغنّون من الرجال والنساء يحضرون داره فيكون معهم كأحدهم، ثمّ يجلس في داره حتّى يمضي صدر النهار
стр. 914
ويتكامل جميع أهل الدولة وأرباب الأشغال على بابه، فيخرج راكبا ويمضي إلى القصر، فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة.
فلما تزايد الأمر وكثر استبداده تحرّد له الحاكم، ونقم عليه أشياء من تجرّئه عليه ومعاملته له بالإذلال وعدم الامتثال، منها أنّه استدعاه يوما وهو راكب معه، فصار إليه وقد ثنى رجله على عنق فرسه وصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم، ونحو ذلك من سوء الأدب. فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة، أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس (١)، فجاء بعد ما تباطأ، وقد ضاق الوقت، فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيا يصيح: قتل مولاي. وكان هذا الخادم عينا لبرجوان في القصر، فاضطرب الناس، وأشرف عليهم الحاكم، وقام زيدان صاحب (٢) المظلّة فصاح بهم: من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور.
فانصرف الجميع.
فكان من خبر قتل برجوان أنّه لما دخل إلى القصر كان الحاكم في بستان يعرف بدويرة التين والعنّاب ومعه زيدان، فوافاه برجوان بها وهو قائم، فسلّم ووقف، فسار الحاكم إلى أن خرج من باب الدويرة فوثب زيدان على برجوان وضربه بسكّين كانت معه في عنقه، وابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به، فأثخنوه جراحة بالخناجر، واحتزّوا رأسه ودفنوه هناك. ثمّ إنّ الحاكم أحضر إليه الرئيس، فهدأ بعد العشاء الأخيرة وقال له: أنت كابني، وأمّنه وطمّنه، فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين وثمانية أشهر تنقص يوما واحدا، ووجد الحاكم في تركته مائة منديل يعني عمامة، كلّها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشية، وألف سراويل دبيقية (٣) بألف تكّة حرير أرمنيّ، ومن الثياب المخيطة والصحاح (٤) والحليّ والمصاغ والطيب والفرش والصياغات الذهب والفضّة ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثين ألف دينار، ومن الخيل الركابيّة مائة وخمسين فرسا وخمسين بغلة، ومن بغال النقل ودواب الغلمان نحو ثلثمائة رأس، ومائة وخمسين سرجا، منها عشرون ذهبا؛ ومن الكتب شيء كثير. وحمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارا.
قال ابن خلكان: وبرجوان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد
стр. 915
الألف نون هكذا وجدته مقيّدا بخطّ بعض الفضلاء. وقال ابن عبد الظاهر: ويسمى الوزغ، سماه به الحاكم.
حارة زويلة: قال ابن عبد (١) الظاهر: لما نزل القائد جوهر بالقاهرة اختطت كلّ قبيلة خطة عرفت بها، فزويلة بنت الحارة المعروفة بها والبئر التي تعرف ببئر زويلة في المكان الذي يعمل فيه الآن الروايا، والبابان (٢) المعروفان ببابي زويلة. وقال ياقوت: زويلة بفتح الزاي وكسر الواو وياء ساكنة وفتح اللام: أربعة مواضع: الأوّل زويلة السودان وهي قصبة أعمال فزّان (٣) في جنوب إفريقية مدينة كثيرة النخل والزرع. الثاني زويلة المهديّة، بلد كالربض للمهديّة اختطّه عبد اللّه الملقّب بالمهدي وأسكنه الرعيّة، وسكن هو بالمهديّة التي استجدّها، فكانت دكاكين الرعية وأمتعتهم بالمهديّة، ومنازلهم وحرمهم بزويلة، فكانوا يظلّون بالنهار في المهدية ويبيتون ليلا بزويلة. وزعم المهديّ أنه فعل بهم ذلك ليأمن غائلتهم، قال: أحول بينهم وبين أموالهم ليلا وبينهم وبين نسائهم نهارا. الثالث باب زويلة بالقاهرة من جهة الفسطاط الرابع حارة زويلة محلّة كبيرة بالقاهرة بينها وبين باب زويلة عدّة محال، سمّيت بذلك لأنّ جوهرا غلام المعزّ لما اختطّ محلّه بالقاهرة أنزل أهل زويلة (٤) بهذا المكان فتسمّى بهم.
الحارة المحمودية (٥): الصواب في هذه الحارة أن يقال حارة المحمودية على الإضافة، فإنّها عرفت بطائفة من طوائف عسكر الدولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحمودية، وقد ذكرها المسبّحي (٦) في تاريخه مرارا قال: في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفيها اقتتلت الطائفة المحمودية واليانسية. واشتبه أمر هذه الحارة على ابن عبد الظاهر، فلم يعرف نسبتها لمن وقال: لا أعلم في الدولة المصريّة من اسمه محمود إلا ركن الإسلام محمود بن أخت الصالح بن رزّيك صاحب التربة بالقرافة، اللهم إلا أن يكون محمود بن مصال الملكيّ الوزير. فقد ذكر ابن القفطيّ أنّ اسمه محمود، ومحمود صاحب المسجد بالقرافة، وكان في زمان السّري ابن الحكم قبل ذلك. وهذا وهم آخر، فإنّ ابن