← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ذكر واقعة العبيد (١) وسببها أنّ مؤتمن الخلافة جوهرا أحد الأستاذين المحنّكين بالقصر تحدّث في إزالة صلاح الدين يوسف بن أيوب من وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه عندما ضايق أهل القصر وشدّد عليهم واستبدّ بأمور الدولة وأضعف جانب الخلافة وقبض على أكابر أهل الدولة، فصار مع جوهر عدّة من الأمراء المصريين والجند. واتفق رأيهم أن يبعثوا إلى الفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة، حتّى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكر ثاروا وهم بالقاهرة، واجتمعوا مع الفرنج على إخراجه من مصر. فسيروا رجلا إلى الفرنج وجعلوا كتبهم التي معه في نعل، وحفظت بالجلد مخافة أن يفطن بها، فسار الرجل إلى البئر البيضاء قريبا من بلبيس (٢)، فإذا بعض أصحاب (٣) صلاح الدين هناك، فأنكر أمر الرجل من أجل أنّه جعل النعلين في يده، ورآهما وليس فيهما أثر المشي، والرجل رثّ الهيئة؛ فارتاب وأخذ النعلين وشقّهما، فوجد الكتب ببطنهما، فحمل الرجل والكتب إلى صلاح الدين، فتتبّع خطوط الكتب حتّى عرفت، فإذا الذي كتبها من اليهود الكتّاب، فأمر بقتله، فاعتصم بالإسلام وأسلم، وحدّثه الخبر. فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة، فاستشعر الشرّ وخاف على نفسه، ولزم القصر وامتنع من الخروج منه، فأعرض صلاح الدين عن ذلك جملة، وطال الأمد؛ فظنّ الخصيّ أنه قد أهمل أمره، وشرع يخرج من القصر. وكانت له منظرة بناها بناحية الخرقانية في بستان، فخرج إليها في جماعة. وبلغ ذلك صلاح الدين، فأنهض إليه عدّة هجموا عليه وقتلوه في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة أربع وستّين وخمسمائة، واحتزوا رأسه وأتوا بها إلى صلاح الدين، فاشتهر ذلك بالقاهرة وأشيع، فغضب العسكر (٤) المصريّ، وثاروا بأجمعهم في سادس عشريّة، وقد انضمّ إليهم عالم عظيم من الأمراء والعامّة حتّى صاروا ما ينيف على خمسين ألفا، وساروا إلى دار الوزارة - وفيها يومئذ ساكنا بها صلاح الدين - وقد استعدّوا بالأسلحة، فبادر شمس الدولة فخر الدين توران شاه أخو صلاح الدين، وصرخ في عساكر الغزّ، وركب صلاح الدين وقد اجتمع إليه طوائف من أهله وأقاربه وجميع الغزّ ورتبهم، ووقفت الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية والطائفة الفرحية وغيرهم من الطوائف السودانية ومن انضمّ إليهم بين القصرين، فثارت الحروب بينهم وبين صلاح الدين، واشتدّ الأمر وعظم الخطب حتّى لم يبق إلا هزيمة صلاح الدين وأصحابه. فعند ذلك أمر توران شاه بالحملة على

стр. 912

السودان، فقتل فيها أحد مقدّميهم، فانكفّ بأسهم قليلا، وعظمت حملة الغزّ عليهم، فانكسروا إلى باب الذهب، ثمّ إلى باب الزهومة (١)، وقتل حينئذ عدّة من الأمراء المصريين وكثير ممّن عداهم. وكان العاضد في هذه الوقعة يشرف من المنظرة، فلمّا رأى أهل القصر كسرة السودان وعساكر مصر رموا على الغزّ من أعلى القصر بالنشّاب والحجارة حتّى أنكوا فيهم، وكفّوهم عن القتال، وكادوا ينهزمون؛ فأمر حينئذ صلاح الدين النفّاطين بإحراق المنظرة، فأحضر شمس الدولة النفّاطين وأخذوا في تطييب قارورة النفط وصوّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد، فخاف العاضد على نفسه، وفتح باب المنظرة زعيم الخلافة أحد الأستاذين، وقال بصوت عال: أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدولة ويقول: دونكم والعبيد الكلاب، أخرجوهم من بلادكم. فلمّا سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم وتخاذلوا، فحمل عليهم الغزّ فانكسروا، وركب القوم أقفيتهم إلى أن وصلوا إلى السيوفيين (٢)، فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير وامتنعوا هناك على الغزّ بمكان، فأحرق عليهم. وكان في دار الأرمن التي كانت قريبا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلّهم رماة لهم جار (٣) في الدولة يجري عليهم، فعند ما قرب منهم الغزّ رموهم عن يد واحدة حتّى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد، فأحرق شمس الدولة دارهم حتّى هلكوا حرقا وقتلا، ومرّوا إلى العبيد، فصاروا كلّما دخلوا مكانا أحرق عليهم وقتلوا فيه إلى أن وصلوا إلى باب زويلة، فإذا هو مغلوق، فحصروا هناك واستمرّ فيهم القتل مدّة يومين. ثمّ بلغهم أنّ صلاح الدين أحرق المنصورة (٤) التي كانت أعظم حاراتهم، وأخذت عليهم أفواه السكك (٥)، فأيقنوا أنّهم قد أخذوا لا محالة، فصاحوا الأمان، فأمنوا - وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة - وفتح لهم باب زويلة، فخرجوا إلى الجيزة، فعدا عليهم شمس الدولة في العسكر وقد قووا بأموال المهزومين وأسلحتهم، وحكّموا فيهم السيف حتى لم يبق منهم إلا الشريد؛ وتلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد. وكان من غرائب الاتّفاقات أن الدولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر وبنى القاهرة جوهر القائد؛ والذي كان سببا في إزالة الدولة وخراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخلافة هذا. ثمّ لما استبدّ صلاح الدين يوسف بسلطنة الديار المصريّة بعد موت

стр. 913

الخليفة العاضد (١) لدين اللّه سكن هذه الحارة الأمير الطواشيّ الخصيّ بهاء الدين قراقوش بن عبد اللّه الأسدي فعرفت به. حارة برجوان: منسوبة إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان الخادم، وكان خصيّا أبيض تامّ الخلقة، ربّي في دار الخليفة العزيز (٢) بالله، وولاه أمر القصور. فلمّا حضرته الوفاة وصّاه على ابنه الأمير أبي عليّ منصور، فلمّا مات العزيز بالله أقيم ابنه منصور (٣) في الخلافة من بعده، وقام بتدبير الدولة أبو محمد الحسن بن عمّار الكتامي، فدبّر الأمور وبرجوان يناكده فيما يصدر عنه ويختصّ بطوائف من العسكر دونه إلى أن أفسد أمر ابن عمّار، فنظر برجوان في تدبير الأمور يوم الجمعة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وصار الواسطة بين الحاكم وبين الناس، فأمر بجمع الغلمان ونهاهم عن التعرّض لأحد من الكتاميين والمغاربة، ووجّه إلى دار ابن عمّار، فمنع الناس عنها بعد أن كانوا قد أحاطوا بها وانتهبوا منها، وأمر أن يجرى لأصحاب الرسوم الرواتب جميع ما كان ابن عمّار قطعه، وأجرى لابن عمّار ما كان يجرى له في أيام العزيز بالله من الجرايات لنفسه ولأهله وحرمه، ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر يزيد عن ذلك أو ينقص عنه على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة؛ وهو في كلّ يوم سلّة بدينار، وعشرة أرطال شمع بدينار ونصف، وحمل بلح. وجعل كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم النصراني، يوقّع عنه وينظر في قصص الرافعين وظلاماتهم، فجلس لذلك في القصر وصار يطالعه بجميع ما يحتاج إليه، ورتّب الغلمان في القصر وأمرهم بملازمة الخدمة وتفقّد أحوالهم، وأزال علل أولياء الدولة، وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع الناس كافة من الترجّل له؛ فكان الناس يلقونه في داره، فإذا تكامل لقاؤهم ركبوا بين يديه إلى القصر ما عدا الحسين بن جوهر والقاضي ابن النعمان فقط، فإنهما كانا يتقدّمانه من دورهما إلى القصر حتّى أنّه لقّب كاتبه فهدا بالرئيس، فصار يخاطب بذلك ويكاتب به. وكان برجوان يجلس في دهاليز القصر، ويجلس الرئيس فهد بالدهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان ما يحتاج إليه ممّا يطالع به الحاكم، فيخرج الأمر بما يكون العمل به. وترقّت أحوال برجوان إلى أن بلغ النهاية، فقصر عن الخدمة، وتشاغل بلذّاته، وأقبل على سماع الغناء وأكثر من الطرب؛ وكان شديد المحبّة في الغناء، فكان المغنّون من الرجال والنساء يحضرون داره فيكون معهم كأحدهم، ثمّ يجلس في داره حتّى يمضي صدر النهار

стр. 914

ويتكامل جميع أهل الدولة وأرباب الأشغال على بابه، فيخرج راكبا ويمضي إلى القصر، فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة. فلما تزايد الأمر وكثر استبداده تحرّد له الحاكم، ونقم عليه أشياء من تجرّئه عليه ومعاملته له بالإذلال وعدم الامتثال، منها أنّه استدعاه يوما وهو راكب معه، فصار إليه وقد ثنى رجله على عنق فرسه وصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم، ونحو ذلك من سوء الأدب. فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة، أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس (١)، فجاء بعد ما تباطأ، وقد ضاق الوقت، فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيا يصيح: قتل مولاي. وكان هذا الخادم عينا لبرجوان في القصر، فاضطرب الناس، وأشرف عليهم الحاكم، وقام زيدان صاحب (٢) المظلّة فصاح بهم: من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور. فانصرف الجميع. فكان من خبر قتل برجوان أنّه لما دخل إلى القصر كان الحاكم في بستان يعرف بدويرة التين والعنّاب ومعه زيدان، فوافاه برجوان بها وهو قائم، فسلّم ووقف، فسار الحاكم إلى أن خرج من باب الدويرة فوثب زيدان على برجوان وضربه بسكّين كانت معه في عنقه، وابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به، فأثخنوه جراحة بالخناجر، واحتزّوا رأسه ودفنوه هناك. ثمّ إنّ الحاكم أحضر إليه الرئيس، فهدأ بعد العشاء الأخيرة وقال له: أنت كابني، وأمّنه وطمّنه، فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين وثمانية أشهر تنقص يوما واحدا، ووجد الحاكم في تركته مائة منديل يعني عمامة، كلّها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشية، وألف سراويل دبيقية (٣) بألف تكّة حرير أرمنيّ، ومن الثياب المخيطة والصحاح (٤) والحليّ والمصاغ والطيب والفرش والصياغات الذهب والفضّة ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثين ألف دينار، ومن الخيل الركابيّة مائة وخمسين فرسا وخمسين بغلة، ومن بغال النقل ودواب الغلمان نحو ثلثمائة رأس، ومائة وخمسين سرجا، منها عشرون ذهبا؛ ومن الكتب شيء كثير. وحمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارا. قال ابن خلكان: وبرجوان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد

стр. 915

الألف نون هكذا وجدته مقيّدا بخطّ بعض الفضلاء. وقال ابن عبد الظاهر: ويسمى الوزغ، سماه به الحاكم. حارة زويلة: قال ابن عبد (١) الظاهر: لما نزل القائد جوهر بالقاهرة اختطت كلّ قبيلة خطة عرفت بها، فزويلة بنت الحارة المعروفة بها والبئر التي تعرف ببئر زويلة في المكان الذي يعمل فيه الآن الروايا، والبابان (٢) المعروفان ببابي زويلة. وقال ياقوت: زويلة بفتح الزاي وكسر الواو وياء ساكنة وفتح اللام: أربعة مواضع: الأوّل زويلة السودان وهي قصبة أعمال فزّان (٣) في جنوب إفريقية مدينة كثيرة النخل والزرع. الثاني زويلة المهديّة، بلد كالربض للمهديّة اختطّه عبد اللّه الملقّب بالمهدي وأسكنه الرعيّة، وسكن هو بالمهديّة التي استجدّها، فكانت دكاكين الرعية وأمتعتهم بالمهديّة، ومنازلهم وحرمهم بزويلة، فكانوا يظلّون بالنهار في المهدية ويبيتون ليلا بزويلة. وزعم المهديّ أنه فعل بهم ذلك ليأمن غائلتهم، قال: أحول بينهم وبين أموالهم ليلا وبينهم وبين نسائهم نهارا. الثالث باب زويلة بالقاهرة من جهة الفسطاط الرابع حارة زويلة محلّة كبيرة بالقاهرة بينها وبين باب زويلة عدّة محال، سمّيت بذلك لأنّ جوهرا غلام المعزّ لما اختطّ محلّه بالقاهرة أنزل أهل زويلة (٤) بهذا المكان فتسمّى بهم. الحارة المحمودية (٥): الصواب في هذه الحارة أن يقال حارة المحمودية على الإضافة، فإنّها عرفت بطائفة من طوائف عسكر الدولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحمودية، وقد ذكرها المسبّحي (٦) في تاريخه مرارا قال: في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفيها اقتتلت الطائفة المحمودية واليانسية. واشتبه أمر هذه الحارة على ابن عبد الظاهر، فلم يعرف نسبتها لمن وقال: لا أعلم في الدولة المصريّة من اسمه محمود إلا ركن الإسلام محمود بن أخت الصالح بن رزّيك صاحب التربة بالقرافة، اللهم إلا أن يكون محمود بن مصال الملكيّ الوزير. فقد ذكر ابن القفطيّ أنّ اسمه محمود، ومحمود صاحب المسجد بالقرافة، وكان في زمان السّري ابن الحكم قبل ذلك. وهذا وهم آخر، فإنّ ابن

стр. 916

مصال الوزير اسمه سليمان، وينعت بنجم الدين. ووقعت في هذه الحارة نكتة، قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة أربع وتسعين وخمسمائة، والسلطان يومئذ بمصر الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، وكان في شعبان قد تتابع أهل مصر والقاهرة في إظهار المنكرات وترك الإنكار لها وإباحة أهل الأمر والنهي فعلها، وتفاحش الأمر فيها إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحون بالمحموديّة لطحن حشيشة للبزر، وأفردت برسمه، وحميت بيوت المزر، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة؛ فمنها ما انتهى أمره في كلّ يوم إلى ستّة عشر دينارا، ومنع المزر (١) البيوتي ليتوفر الشراء من مواضع الحمي، وحملت أواني الخمر على رؤوس الأشهاد وفي الأسواق من غير منكر، وظهر من عاجل عقوبة اللّه تعالى وقوف زيادة (٢) النيل عن معتادها وزيادة سعر الغلّة في وقت ميسورها. حارة الجودرية: هذه الحارة عرفت أيضا بالطائفة الجودرية إحدى طوائف العسكر في أيام الحاكم بأمر اللّه على ما ذكره المسبّحي، وقال ابن عبد الظاهر: الجودريّة منسوبة إلى جماعة تعرف بالجودريّة اختطّوها وكانوا أربعمائة، منهم أبو عليّ منصور الجودريّ الذي كان في أيام العزيز بالله، وزادت مكانته في الأيام الحاكمية، فأضيفت إليه مع الأحباس (٣) الحسبة (٤) وسوق الرقيق والسواحل وغير ذلك، ولها حكاية سمعت جماعة يحكونها، وهي أنّها كانت سكن اليهود، والمعروفة بهم؛ فبلغ الخليفة الحاكم أنّهم يجتمعون بها في أوقات خلواتهم ويغنّون: وأمّة قد ضلّوا ودينهم معتلّ … قال لهم نبيّهم: نعم الإدام الخلّ ويسخرون من هذا القول ويتعرّضون إلى ما لا ينبغي سماعه، فأتى إلى أبوابها وسدّها عليهم ليلا وأحرقها، فإلى هذا الوقت لا يبيت بها يهوديّ ولا يسكنها أبدا. وقد كان في الأيام العزيزيّة جودر الصقلبيّ، أيضا ضرب عنقه ونهب ماله في سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. حارة الوزيرية: هي أيضا تنسب إلى طائفة يقال لها الوزيرية من جملة طوائف العسكر، وكانت أوّلا تعرف بحارة بستان المصمودي وعرفت أيضا بحارة الأكراد. قال ابن عبد الظاهر: الوزيرية منسوبة إلى الوزير يعقوب (٥) بن يوسف بن كلّس؛ وقال ابن الصيرفيّ

стр. 917

والطائفة المنعوتة بالوزيرية إلى الآن منسوبة إليه، يعني الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج. كان يهوديا من أهل بغداد، فخرج منها إلى بلاد الشام ونزل بمدينة الرملة، وأقام بها فصار فيها وكيلا للتجّار بها، واجتمع في قبله مال عجز عن أدائه، ففرّ إلى مصر في أيّام كافور الإخشيديّ، فتعلّق بخدمته. ووثب إليه بالمتجر، فباع إليه أمتعة أحيل بثمنها على ضياع مصر، فكثر لذلك تردّده على الريف، وعرف أخبار القرى؛ وكان صاحب حيل ودهاء ومكر ومعرفة مع ذكاء مفرط وفطنة، فمهر في معرفة الضياع حتّى كان إذا سئل عن أمر غلالها ومبلغ ارتفاعها وسائر أحوالها الظاهرة والباطنة أتى من ذلك بالغرض، فكثرت أمواله واتسعت أحواله، وأعجب به كافور لما خبر فيه من الفطنة وحسن السياسة فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا. فلمّا بلغه هذا عن كافور تاقت نفسه إلى الولاية وأحضر من علّمه شرائع الإسلام سرا، فلمّا كان في شعبان سنة ستّ وخمسين وثلثمائة دخل إلى الجامع بمصر وصلّى صلاة الصبح، وركب إلى كافور ومعه محمد بن عبد اللّه بن الخازن في خلق كثير، فخلع عليه كافور، ونزل إلى داره ومعه جمع كثير، وركب إليه أهل الدولة يهنئونه، ولم يتأخّر عن الحضور إليه أحد، فغصّ بمكانه الوزير أبو الفضل جعفر (١) بن الفرات، وقلق بسببه، وأخذ في التدبير عليه، ونصب الحبائل له حتّى خافه يعقوب، فخرج من مصر فارّا منه يريد بلاد المغرب في شوّال سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وقد مات كافور، فلحق بالمعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فوقع منه موقعا حسنا، وشاهد منه معرفة وتدبيرا، فلم يزل في خدمته حتّى قدم من المغرب إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنين وستّين وثلثمائة، فقلّده في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الخراج وجميع وجوه الأموال والحسبة والسواحل والأعشار والجوالي (٢) والأحباس والمواريث والشرطتين وجميع ما يضاف إلى ذلك وما يطرأ في مصر وسائر الأعمال. وأشرك معه في ذلك كله عسلوج بن الحسن، وكتب لهما سجلا بذلك قرئ في يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون فقبضت أيدي سائر العمّال والمتضمّنين، وجلس يعقوب وعسلوج في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبا بالبقايا من الأموال ممّا على الناس من المالكين والمتقبّلين والعمّال، واستقصيا في الطلب، ونظرا في المظالم، فتوفّرت الأموال وزيد في الضياع، وتزايد الناس وتكاشفوا، أو امتنعا أن يأخذا إلا دينارا معزيا (٣)، فاتضّع الدينار الراضي (٤) وانحطّ ونقص من صرفه أكثر من ربع

стр. 918

دينار، فخسر الناس كثيرا من أموالهم في الدينار الأبيض والدينار الراضي، وكان صرف المعّزيّ خمسة عشر درهما ونصفا واشتدّ الاستخراج، فكان يستخرج في اليوم نيّف وخمسون ألف دينار معزّية، واستخرج في يوم واحد مائة وعشرون ألف دينار معزّية، وحصل في يوم واحد من مال تنّيس ودمياط الأشمونين أكثر من مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار، وهذا شيء لم يسمع قطّ بمثله في بلد. فاستمرّ الأمر على ذلك إلى المحرّم سنة خمس وستّين وثلثمائة. فتشاغل يعقوب عن حضور ديوان الخراج، وانفرد بالنظر في أمور المعزّ لدين اللّه في قصره وفي الدور الموافق عليها، وبعد ذلك بقليل مات (١) المعزّ لدين اللّه في شهر ربيع الآخر منها وقام من بعده في الخلافة ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار (٢)، ففوّض ليعقوب النظر في سائر أموره وجعله وزيرا له في أوّل المحرّم سنة سبع وستّين وثلثمائة. وفي شهر رمضان سنة ثمان وستّين لقبه بالوزير الأجلّ، وأمر أن لا يخاطبه أحد ولا يكاتبه إلاّ به، وخلع عليه وحمل ورسم له في محرّم سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة أن يبدأ له في مكاتباته باسمه على عنوانات الكتب النافذة عنه، وخرج توقيع العزيز بذلك. وفي هذه السنة اعتقل في القصر، وردّ الأمر إلى خير بن القاسم، فأقام معتقلا عدّة شهور ثم أطلق في سنة أربع وسبعين وحمل على عدّة خيول، وقرئ سجلّ بردّه إلى تدبير الدولة. ووهبه خمسمائة غلام من الناشئة وألف غلام من المغاربة ملّكه العزيز رقابهم، فكان يعقوب أوّل وزراء الخلفاء الفاطميين بديار مصر. فدبّر أمور مصر والشام والحرمين وبلاد المغرب وأعمال هذه الأقاليم كلّها من الرجال والأموال والقضاء والتدبر، وعمل له إقطاعا في كلّ سنة بمصر والشام مبلغها ثلثمائة ألف دينار، واتسعت دائرته وعظمت مكانته حتّى كتب اسمه على الطرز (٣)، وفي الكتب، وكان يجلس كلّ يوم في داره يأمر وينهي ولا ترفع إليه رقعة إلا وقّع فيها، ولا يسأل في حاجة إلا قضاها، ورتب في داره الحجّاب نوبا، وأجلسهم على مراتب وألبسهم الديباج، وقلّدهم السيوف، وجعل لهم المناطق (٤)، ورتب فرسين في داره للنوبة لا تبرح واقفة بسروجها ولجمها، لهم برد (٥)، ونصب في داره الدواوين، فجعل ديوانا للعزيزية فيه عدّة كتّاب، وديوانا للجيش فيه عدّة كتاب، وديوانا للأموال فيه عدّة كتّاب، وعدّة جهابذة (٦)، وديوانا للخراج، وديوانا

стр. 919

للسجلات والإنشاء، وديوانا للمستغلاّت (١)، وأقام على هذه الدواوين زمانا، وجعل في داره خزانة للكسوة وخزانة للمال وخزانة للدفاتر وخزانة للأشربة، وعمل على كلّ خزانة ناظرا، وكان يجلس عنده في كلّ يوم الأطبّاء لينظروا في حال الغلمان ومن يحتاج منهم إلى علاج أو إعطاء دواء، ورتّب في داره الكتّاب والأطبّاء يقفون بين يديه، وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلّمين وأرباب الصنائع، لكلّ طائفة مكان مفرد، وأجرى على كلّ واحد منهم الأرزاق، وألّف كتبا في الفقه والقراءات، ونصب له مجلسا في داره يحضره في كلّ يوم ثلاثاء، ويحضر إليه الفقهاء والمتكلّمون وأهل الجدل يتناظرون بين يديه. من تأليفه: كتاب في القراءات وكتاب في الأديان - وهو كتاب الفقه واختصره - وكتاب في آداب رسول اللّه ﷺ ، وكتاب في علم الأبدان وصلاحها في ألف ورقة، وكتاب في الفقه ممّا سمعه من الإمام المعزّ لدين اللّه والإمام العزيز (٢) بالله. وكان يجلس في يوم الجمعة أيضا ويقرأ مصنّفاته على الناس بنفسه، وفي حضرته القضاة والفقهاء والقرّاء وأصحاب الحديث والنّحاة والشهود، فإذا فرغ من قراءة ما يقرأ من مصنّفاته قام الشعراء ينشدون مدائحهم فيه. وكان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم والفقه والطبّ وكتب الأدب وغيرها من العلوم، فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت، وجعل في داره قرّاء وأئمة يصلّون في مسجد داره، وأقام بداره عدّة مطابخ لنفسه ولجلسائه ولغلمانه وحواشيه، وكان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو وخواصّه من أهل العلم ووجوه كتّابه وخواصّ غلمانه ومن يستدعيه عليها، وينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب والكتّاب والحواشي. وكان إذا جلس يقرأ كتابه في الفقه الذي سمعه من المعزّ والعزيز لا يمنع أحد من مجلسه، فيجتمع عنده الخاص والعامّ، ورتّب عند العزيز بالله جماعة لا يخاطبون إلا بالقائد، وأنشأ عدّة مساجد ومساكن بمصر والقاهرة، وكان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء ووجوه الناس وأهل الستر والتعفّف ولجماعة كثيرة من الفقراء، وكان إذا فرغ الفقهاء والوجوه من الأكل معه يطاف عليهم بالطّيب. ومرض مرّة من علّة أصابت يده، فقال فيه عبد اللّه بن محمد بن أبي الجرع: يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت … رأيت في كلّ شيء ذلك الألما تأمّل الملك وانظر فرط علّته … من أجله واسأل القرطاس والقلما وشاهد البيض في الأغماد حائمة … إلى العدا وكثيرا ما روين دما وأنفس الناس بالشكوى قد اتّصلت … كأنّما أشعرت من أجله سقما هل ينهض المجد إلا أن يؤيّده … ساق يقدّم في إنهاضه قدما لولا العزيز وآراء الوزير معا … تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما

стр. 920

فقل لهذا وهذا أنتما شرف … لا أوهن اللّه ركنيه ولا انهدما كلاكما لم يزل في الصالحات يدا … مبسوطة ولسانا ناطقا وفما ولا أصابكما أحداث دهركما … ولا طوى لكما ما عشتما علما ولا انمحت عنك يا مولاي عافية … فقد محوت بما أوليتني العدما وكان الناس يفتون بكتابه في الفقه، ودرّس فيه الفقهاء بجامع مصر، وأجرى العزيز بالله لجماعة فقهاء يحضرون مجلس الوزير أرزاقا في كلّ شهر تكفيهم، وكان للوزير مجلس في داره للنظر في رقاع المرافعين والمتظلّمين، ويوقع بيده في الرقاع، ويخاطب الخصوم بنفسه. وأراد العزيز بالله أن يسافر إلى الشام في زمن ابتداء الفاكهة، فأمر الوزير أن يأخذ الأهبة لذلك فقال: يا مولاي؛ لكلّ سفر أهبة على مقداره، فما الغرض من السفر؟ فقال: إنّي أريد التفرّج بدمشق لأكل القراصيا (١). فقال: السمع والطاعة. وخرج فاستدعى جميع أرباب الحمام وسألهم عمّا بدمشق من طيور مصر، وأسماء من هي عنده، وكانت مائة ونيّفا وعشرين طائرا، ثمّ التمس من طيور دمشق التي هي في مصر عدّة، فأحضرها وكتب إلى نائبه بدمشق يقول: إنّ بدمشق كذا وكذا طائرا، وعرّفه أسماء من هي عنده، وأمره بإحضارها إليه جميعها، وأن يصيب من القراصيا في كلّ كاغدة (٢)، ويشدّها على كلّ طائر منها ويسرّحها في يوم واحد، فلم يمض إلا ثلاثة أيّام أو أربعة حتّى وصلت الحمائم كلّها ولم يتأخر منها إلا نحو عشر، وعلى جناحها القراصيا، فاستخرجها من الكواغد، وعملها في طبق من ذهب، وغطّاها وبعث بها إلى العزيز بالله مع خادم، وركب إليه وقدّم ذلك وقال: يا أمير المؤمنين قد حضّرنا قبالك القراصيا ههنا، فإن أغناك هذا القدر وإلا استدعينا شيئا آخر، فعجب العزيز بالوزير وقال: مثلك يخدم الملوك يا وزير؛ واتفق أنه سابق العزيز بين الطيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز، فشقّ ذلك على العزيز، ووجد أعداء الوزير سبيلا إلى الطعن فيه، فكتبوا إلى العزيز أنه قد اختار من كلّ صنف أعلاه ولم يترك لأمير المؤمنين إلا أدناه حتّى الحمام، فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى العزيز: قل لأمير المؤمنين الذي … له العلى والمثل الثاقب طائرك السابق لكنّه … لم يأت إلاّ وله حاجب فأعجب العزيز ذلك وأعرض عما وشي به، ولم يزل على حال رفيعة وكلمة نافذة إلى أن ابتدأت به علّته يوم الأحد الحادي والعشرين من شوّال سنة ثمانين وثلثمائة، ونزل إليه العزيز بالله يعوده، وقال له: وددت أنّك تباع فابتاعك بمالي أو تفدى فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى وقبّل يده وقال: أمّا فيما يخصّني فأنت

стр. 921

أرعى (١) بحقّي من أن أسترعيك إياه وأرأف على من أن أوصيك به، ولكنّي أنصح لك فيما يتعلّق بك وبدولتك سالم الروم (٢) ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالدعوة والشكر (٣)، ولا تبق على مفرج بن دعقل (٤) إن عرضت لك فيه فرصة. وانصرف العزيز فأخذته السكتة، وكان في سياق الموت يقول: لا يغلب اللّه غالب، ثمّ قضى نحبه ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة، فأرسل العزيز بالله إلى داره الكفن والحنوط، وتولّى غسله القاضي محمد بن النعمان وقال: كنت واللّه اغسل لحيته وأنا أرفق به خوفا أن يفتح عينه في وجهي. وكفّن في خمسين ثوبا، ثلاثين مثقلا، يعني: منسوجا بالذهب، ووشي مذهبا، وشرب ديبقي مذهبا، وحقّة كافورا، وقارورتي مسك وخمسين منا ماء ورد؛ وبلغت قيمة الكفن والحنوط عشرة آلاف (٥) دينار. وخرج مختار الصقلبيّ وعليّ بن عمر العدّاس والرجال بين أيديهم ينادون لا يتكلّم أحد ولا ينطق، وقد اجتمع الناس فيما بين القصر ودار الوزير التي عرفت بدار الديباج، ثمّ خرج العزيز من القصر على بغلة والناس يمشون بين يديه وخلفه بغير مظلّة والحزن ظاهر عليه حتّى وصل إلى داره، فنزل وصلّى عليه، وقد طرح على تابوته ثوب مثقل، ووقف حتّى دفن بالقبّة التي كان بناها وهو يبكي، ثمّ انصرف. وسمع العزيز وهو يقول: واطول أسفي عليك يا وزير، واللّه لو قدرت أفديك بجميع ما أملك لفعلت. وأمر بإجراء غلمانه على عادتهم، وعتق جميع مماليكه، وأقام ثلاثا لا يأكل على مائدته ولا يحضرها من عادته الحضور، وعمل على قبره ثوبان مثقلان، وأقام الناس عند قبره شهرا، وغدا الشعراء إلى قبره، فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلّهم، وبلغ العزيز أنّ عليه ستّة عشر ألف دينار دينا، فأرسل بها إلى قبره فوضعت عليه وفرّقت على أرباب الديون، وألزم القرّاء بالمقام على قبره، وأجرى عليهم الطعام، وكانت الموائد تحضر إلى قبره كلّ يوم مدّة شهر، يحضر نساء الخاصّة كلّ يوم ومعهنّ نساء العامّة، فتقوم الجواري بأقداح الفضّة والبلّور وملاعق الفضّة فيسقين النساء الأشربة والسويق (٦) بالسكّر، ولم تتأخّر نائحة ولا لاعبة عن حضور القبر مدّة الشهر، وخلّف أملاكا وضياعا قياسير (٧) ورباعا وعينا وورقا وأواني ذهبا وفضّة وجوهرا وعنبرا وطيبا وثيابا وفرشا ومصاحف وكتبا وجواري وعبيدا وخيلا وبغالا ونوقا وحمرا وإبلا

стр. 922

وغلالا وخزائن ما بين أشربة وأطعمة قوّمت بأربعة آلاف ألف دينار سوى ما جهّز به ابنته وهو ما قيمته مائتا ألف دينار، وخلّف ثمانمائة حظيّة سوى جواري الخدمة، فلم يتعرّض العزيز لشيء ممّا يملكه أهله وجواريه وغلمانه، وأمر بحفظ جهاز ابنته إلى أن زوّجها وأجرى لمن في داره كلّ شهر ستمائة دينار للنفقة سوى الكسوة والجرايات وما يحمل إليهم من الأطعمة من القصر، وأمر بنقل ما خلّفه إلى القصر، فلمّا تمّ له من يوم وفاته شهر قطع الأمير منصور بن العزيز جميع مستغلاّته، وأقرّ العزيز جميع ما فعله الوزير وما ولاّه من العمّال على حاله، وأجرى الرسوم التي كان يجريها، وأقرّ غلمانه على حالهم وقال: هؤلاء صنائعي. وكانت عدّة غلمان الوزير أربعة آلاف غلام عرفوا بالطائفة الوزيريّة، وزاد العزيز أرزاقهم عمّا كانت عليه، وأدناهم، وإليهم تنسب الوزيريّة، فإنّها كانت مساكنهم. واتّفق أنّ الوزير عمّر قبّة أنفق عليها خمسة عشر ألف دينار، وآخر ما قال: لقد طال أمر هذه القبّة، ما هذه قبّة، هذه تربة. فكانت كذلك، ودفن تحتها، وموضع قبره اليوم المدرسة الصاحبيّة، واتّفق أنّه وجد في داره رقعة مكتوب فيها: احذروا من حوادث الأزمان … وتوقّوا طوارق الحدثان قد أمنتم ريب الزمان ونمتم … ربّ خوف مكمن في الأمان فلمّا قرأها قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، ولم يلبث بعدها إلا أياما يسيرة، ومرض فمات. حارة الباطلية: عرفت بطائفة يقال لهم الباطلية، قال ابن عبد الظاهر: وكان المعزّ لما قسم العطاء في الناس جاءت طائفة فسألت عطاء فقيل لها: افرغ ما كان حاضرا، ولم يبق شيء؛ فقالوا: رحنا نحن في الباطل، فسمّوا الباطليّة، وعرفت هذه الحارة بهم. وفي سنة ثلاث وستّين وستّمائة احترقت حارة الباطليّة عند ما كثر الحريق في القاهرة ومصر، واتّهم النصارى بفعل ذلك، فجمعهم الملك الظاهر بيبرس، وحملت لهم الأحطاب الكثيرة والحلفاء، وقدّموا ليحرقوا بالنار، فتشفّع لهم الأمير فارس الدين أقطاي أتابك (١) العساكر على أن يلتزموا بالأموال التي احترقت وأن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار فتركوا. وجرى في ذلك ما تستحسن حكايته، وهو أنّه قد جمع مع النصارى سائر اليهود، وركب السلطان ليحرقهم بظاهر القاهرة، وقد اجتمع الناس من كلّ مكان للتشفّي بحريقهم لما نالهم من البلاء فيما دهوا به من حريق الأماكن لا سيّما الباطليّة، فإنّها أتت النار عليها حتّى حرقت بأسرها. فلمّا حضر السلطان وقدم اليهود والنصارى ليحرقوا برز ابن الكازروني اليهوديّ - وكان صيرفيا - وقال للسلطان: سألتك بالله لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب الملاعين

стр. 923

أعدائنا وأعدائكم، احرقنا ناحية وحدنا؛ فضحك السلطان والأمراء، وحينئذ تقرّر الأمر على ما ذكر، فندب لاستخراج المال منهم الأمير سيف الدين بلبان المهراني، فاستخلص بعض ذلك في عدّة سنين، وتطاول الحال، فدخل كتّاب الأمراء مع مخادعيهم وتحيّلوا في إبطال ما بقي، فبطل في أيام السعيد (١) بن الظاهر. وكان سبب فعل النصارى لهذا الحريق حنقهم لمّا أخذ الظاهر من الفرنج أرسوف وقيسارية وطرابلس ويافا وأنطاكية. وما زالت الباطلية خرابا، والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون: كأنّ في باطنه حريق الباطليّة. ولما عمر الطواشي بهادر المقدّم داره بالباطليّة عمر فيها مواضع بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة. حارة الروم: قال ابن عبد الظاهر: واختطّت الروم حارتين: حارة الروم الآن وحارة الروم الجوّانية، فلمّا ثقل ذلك عليهم قالوا: الجوّانية لا غير. والورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الروم السفلى وحارة الروم العليا المعروفة اليوم بالجوّانية. وفي سابع عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلثمائة أمر الخليفة الحاكم بأمر اللّه بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت. حارة الديلم: عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين (٢) الشرابي حين قدم ومعه أولاد مولاه معزّ الدولة البويهي وجماعة من الدّيلم والأتراك في سنة ثمان وستّين وثلثمائة، فسكنوا بها فعرفت بهم. وهفتكين هذا يقال له الفتكين أبو منصور التركيّ الشرابيّ غلام معزّ الدولة أحمد بن بويه. ترقّى في الخدم حتّى غلب في بغداد على عزّ الدولة مختار بن معزّ الدولة، وكان فيه شجاعة وثبات في الحرب. فلمّا سارت الأتراك من بغداد لحرب الديلم جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه هفتكين إلاّ أنّ أصحابه انهزموا عنه وصار في طائفة قليلة، فولّى بمن معه من الأتراك وهم نحو الأربعمائة، فسار إلى الرحبة (٣) وأخذ منها على البرّ إلى أن قرب من حوشبة إحدى قرى الشام، وقد وقع في قلوب العربان منه مهابة، فخرج إليه ظالم بن مرهوب (٤) العقيلي من بعلبك، وبعث إلى أبي محمود إبراهيم بن جعفر أمير (٥) دمشق من قبل الخليفة المعزّ لدين اللّه يعلمه بقدومه هفتكين من بغداد لإقامة الخطبة العباسيّة، وخوّفه منه، فأنفذ إليه عسكرا وسار إلى ناحية حوشبة يريد هفتكين، وسار بشارة الخادم من قبل أبي المعالي بن حمدان عونا لهفتكين فردّ ظالم إلى بعلبك من غير حرب، وسار بشارة بهفتكين إلى حمص، فحمل إليه أبو المعالي وتلقّاه وأكرمه. وكان قد ثار

стр. 924

بدمشق جماعة من أهل الدّعارة والفساد وحاربوا عمّال السلطان واشتدّ أمرهم، وكان كبيرهم يعرف بابن الماورد، فلمّا بلغهم خبر هفتكين بعثوا إليه من دمشق إلى حمص يستدعونه، ووعدوه بالقيام معه على عساكر المعزّ وإخراجهم من دمشق ليلي عليهم، فوقع ذلك منه بالموافقة، وسار حتّى نزل بثنية العقاب (١) لأيام بقيت من شعبان سنة أربع وستّين وثلثمائة فبلغ عسكر المعزّ خبر الفرنج وأنّهم قد قصدوا طرابلس، فساروا بأجمعهم إلى لقاء العدوّ، ونزل هفتكين على دمشق من غير حرب، فأقام أياما ثم سار يريد محاربة ظالم، ففرّ منه، ودخل هفتكين بعلبكّ، فطرقه العدوّ من الروم والفرنج وانتهبوا بعلبك وأحرقوا، وذلك في شهر رمضان، وانتشروا في أعمال بعلبك والبقاع يقتلون ويأسرون ويحرقون، وقصدوا دمشق وقد التحق بها هفتكين، فخرج إليهم أهل دمشق وسألوهم الكفّ عن البلد، والتزموا بمال، فخرج إليهم هفتكين وأهدى إليهم، وتكلّم معهم في أنه لا يستطيع جباية المال لقوّة ابن الماورد وأصحابه، وأمر ملك الروم به، فقبض عليه وقيّده، وعاد فجبى المال من دمشق بالعنف، وحمل إلى ملك الروم ثلاثين ألف دينار، ورحل إلى بيروت ثمّ إلى طرابلس، فتمكن هفتكين من دمشق، وأقام بها الدعوة لأبي بكر عبد الكريم الطائع بن المطيع العباسيّ، وسيّر إلى العرب السرايا، فظفرت وعادت إليه بعده بمن أسرته من رجال العرب فقتلهم صبرا. وكان قد تخوّف من المعزّ، فكاتب (٢) القرامطة يستدعيهم من الأحساء للقدوم عليه لمحاربة عساكر المعزّ، وما زال بهم حتّى وافوا دمشق في سنة خمس وستّين، ونزلوا على ظاهرها ومعهم كثير من أصحاب هفتكين الذين كانوا قد تشتتوا في البلاد، فقوي بهم، ولقي القرامطة (٣)، وحمل إليهم وسرّ بهم، فأقاموا على دمشق أياما، ثمّ رحلوا نحو الرّملة وبها أبو محمود فلحق بيافا، ونزل القرامطة الرملة ونصبوا القتال على يافا حتّى كلّ الفريقان وسئموا جميعا من طول الحرب، وسار هفتكين على الساحل ونزل صيدا، وبها ظالم بن مرهوب العقيليّ وابن الشيخ من قبل المعزّ، فقاتلهم قتالا شديدا انهزم منه ظالم إلى صور، وقتل بين الفريقين نحو أربعة آلاف رجل، فقطع أيدي القتلى من عسكر المعزّ وسيّرها إلى دمشق، فطيف بها، ثمّ سار عن صيدا يريد عكّا وبها عسكر المعزّ، وكان قد مات المعزّ في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ هـ، وقام من بعده ابنه العزيز بالله، وسيّر جوهرا القائد في عسكر عظيم إلى قتال هفتكين والقرامطة، فبلغ ذلك القرامطة وهم على الرملة ووصل الخبر بمسيره إلى هفتكين وهو على عكّا، فخاف القرامطة وفرّوا عنها، فنزلها جوهر، وسار من القرامطة إلى

стр. 925

الأحساء التي هي بلادهم جماعة وتأخّر عدّة، وسار هفتكين من عكّا إلى طبريّة وقد علم بمسير القرامطة وتأخّر بعضهم، فاجتمع بهم في طبرية واستعدّ للقاء جوهر، وجمع الأقوات من بلاد حوران والثنية، وأدخلها إلى دمشق وسار إليها، فتحصن بها، ونزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فبنى على معسكره سورا، وحفر خندقا عظيما، وجعل له أبوابا، وجمع هفتكين الناس للقتال. وكان قد بقي بعد ابن الماورد رجل يعرف بقسّام التراب، وصار في عدّة وافرة من الدعّار، فأعانه هفتكين وقوّاه وأمدّه بالسلاح وغيره، ووقعت بينهم وبين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ وستين وثلاثمائة، فاختلّ أمر هفتكين وهمّ بالفرار، ثمّ إنه استظهر ووردت الأخبار بقدوم الحسن بن أحمد القرمطيّ إلى دمشق، فطلب جوهر الصلح (١) على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد، وذلك أنه رأى أمواله قد قلّت وهلك كثير ممّا كان في عسكره حتّى صار أكثر عسكره رجّالة وأعوزهم العلف، وخشي قدوم القرامطة، فأجابه هفتكين، وقد عظم فرحه واشتدّ سروره، فرحل في ثالث جمادى الأولى وجدّ في المسير وقد قرب القرامطة؛ فأناخ بطبريّة، فبلغ ذلك القرمطي فقصده، وقد سار عنها إلى الرملة فبعث إليه بسرية كانت لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب، وأدركه القرمطي، وسار في أثره هفتكين فمات الحسن بن أحمد القرمطي بالرملة، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمّه جعفر، ففسد ما بينه وبين هفتكين، ورجع عن الرملة إلى الأحساء، وناصب هفتكين القتال، وألح فيه على جوهر حتّى انهزم عنه وسار إلى عسقلان وقد غنم هفتكين ممّا كان معه شيئا يجلّ عن الوصف، ونزل على البلد محاصرا لها. وبلغ ذلك العزيز، فاستعدّ للمسير إلى بلاد الشام، فلما طال الأمر على جوهر راسل هفتكين حتّى يقرّر الصلح على مال يحمله إليه وأن يخرج من تحت سيف هفتكين، فعلق سيفه على باب عسقلان، وخرج جوهر ومن معه من تحته وساروا إلى القاهرة، فوجد العزيز قد برز يريد المسير، فسار معه، وكان مدّة قتال هفتكين لجوهر على ظاهر الرملة وفي عسقلان سبعة عشر شهرا. وسار العزيز بالله حتّى نزل الرملة، وكان هفتكين بطبريّة، فسار إلى لقاء العزيز ومعه أبو إسحاق وأبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار بن أحمد بن بويه وأبو اللحاد مر زبان (٢) عز الدولة ابن بختيار بن عز الدولة ابن بويه، فحاربوه، فلم يكن غير ساعة حتّى هزمت عساكر العزيز عساكر هفتكين وملكوه في يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان وستّين وثلثمائة، واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار وقتل أبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار، وأخذ أكثر أصحابه أسرى، وطلب هفتكين في القتلى فلم يوجد.

стр. 926

وكان قد فرّ وقت الهزيمة على فرس بمفرده، فأخذه بعض العرب أسيرا، فقدم به على مفرّج (١) بن دعقل بن الجراح الطائيّ وعمامته في عنقه، فبعث به إلى العزيز، فأمر به فشهر في العسكر، وطيف به على جمل، فأخذ الناس يلطمونه ويهزّون لحيته حتى رأى في نفسه العبر، ثم سار العزيز بهفتكين والأسرى إلى القاهرة، فاصطنعه ومن معه، وأحسن إليه غاية الإحسان، وأنزله في دار وواصله بالعطاء والخلع حتّى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله وتطوّفي إليه بما غمرني من فضله وإحسانه. فلما بلغ ذلك العزيز قال لعمه حيدرة: يا عمّ؛ واللّه إني أحبّ أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندي. وبلغ العزيز أنّ الناس من العامّة يقولون: ما هذا التركيّ؟ فأمر به فشهّر في أجمل حال، ولمّا رجع من تطوّفه وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه وأمر سائر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من عمل له دعوة، وقدم إليه وقاد بين يديه الخيول، ثمّ إن العزيز قال له بعد ذلك: كيف رأيت دعوات أصحابنا؟ فقال: يا مولانا، حسنة في الغاية وما فيهم إلا من أنعم وأكرم. فصار يركب للصيد والتفرّج، وجمع إليه العزيز بالله أصحابه من الأتراك والديلم، واستحجبه واختصّ به، وما زال على ذلك إلى أن توفّي في سنة اثنين وسبعين وثلثمائة، فاتّهم العزيز وزيره يعقوب بن كلّس أنه سمّه لأنّ هفتكين كان يترفّع عليه، فاعتقله مدّة ثمّ أخرجه. حارة الأتراك: هذه الحارة تجاه الجامع الأزهر، وتعرف اليوم بدرب الأتراك، وكان نافذا إلى حارة الديلم، والورّاقون القدماء تارة يفردونها من حارة الديلم، وتارة يضيفونها اليها ويجعلونها من حقوقها، فيقولون تارة: حارة الديلم والأتراك، وتارة يقولون: حارتي الديلم والأتراك، وقيل لها حارة الأتراك لأنّ هفتكين لما غلب ببغداد سار معه من جنسه أربعمائة من الأتراك، وتلاحق به عند ورود القرامطة عليه بدمشق عدّة من أصحابه، فلما جمع لحرب العزيز بالله كان أصحابه ما بين ترك وديلم، فلما قبض عليه العزيز ودخل به إلى القاهرة في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وستّين وثلثمائة كما تقدّم نزل الديلم مع أصحابهم في موضع حارة الديلم، ونزل هفتكين بأتراكه في هذا المكان، فصار يعرف بحارة الأتراك. وكانت مختلطة بحارة الديلم لأنهما أهل دعوة واحدة، إلا أنّ كلّ جنس على حدة لتخالفهما في الجنسيّة ثم قيل بعد ذلك درب الأتراك.

стр. 927

حارة كتامة (١): هذه الحارة مجاورة لحارة الباطليّة، وقد صارت الآن من جملتها. كانت منازل كتامة بها عند ما قدموا من المغرب مع القائد جوهر، ثمّ مع العزيز، وموضع هذه الحارة اليوم حمام كواي وما جاورها مما وراء مدرسة ابن الغنام حيث الموضع المعروف بدرب ابن الأعسر إلى رأس الباطلية، وكانت كتامة هي أصل دولة الخلفاء الفاطميين. ذكر أبي عبد اللّه الشيعي هو الحسن (٢) بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن، ولي الحسبة في بعض أعمال بغداد، ثمّ سار إلى ابن حوشب (٣) باليمن، وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم وعنده دهاء ومكر، فورد على ابن حوشب موت الحلوانيّ داعي المغرب ورفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشيعي: إنّ أرض كتامة من بلاد المغرب قد خرّبها الحلوانيّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك؛ فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك. فخرج من اليمن إلى مكّة، وقد زوّده ابن حوشب بمال، فسأل عن حجّاج كتامة فأرشد إليهم واجتمع بهم، وأخفى عنهم قصده، وذلك أنه جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل آل البيت فحدّثهم في ذلك وأطال، ثمّ نهض ليقوم فسألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم، فصاروا يتردّدون إليه لما رأوا من علمه وعقله، ثمّ إنهم سألوه أين يقصد؟ فقال: أريد مصر، فسرّوا بصحبته، ورحلوا من مكّة وهو لا يخبرهم شيئا من خبره وما هو عليه من القصد. وشاهدوا منه عبادة وورعا وتحرّجا وزهادة، فقويت رغبتهم فيه واشتملوا على محبّته واجتمعوا على اعتقاده، وساروا بأسرهم خدما له. وهو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم ويعلم أحوالهم ويفحص عن قبائلهم وكيف طاعتهم للسلطان بإفريقية، فقالوا له: ليس له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام، قال: أفتحملون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا. وما برح حتّى عرف جميع ما هم عليه. فلمّا وصلوا إلى مصر أخذ يودّعهم، فشقّ عليهم فراقه وسألوه عن حاجته بمصر فقال: ما لي بها من حاجة، إلا أنّي أطلب التعليم بها. قالوا: فأمّا إذا كنت تقصد هذا فإنّ بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك، ونحن أعرف بحقّك؛ وما زالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم، فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم، وخرج إلى لقائهم أصحابهم، وكان عندهم حسّ كبير من التشيّع واعتقاد عظيم في محبّة أهل البيت كما قرّره الحلوانيّ، فعرّفهم القوم خبر

стр. 928

أبي عبد اللّه، فقاموا بحقّ تعظيمه وإجلاله، ورغبوا في نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيفه، ثمّ ارتحلوا إلى أرض كتامة فوصلوا إليها منتصف الربيع الأوّل سنة ثمان (١) وثمانين ومائتين، فما منهم إلا من سأله أن يكون منزله عنده، فلم (٢) يوافق أحدا منهم وقال: أين يكون فجّ الأخبار؟ فعجبوا من ذلك ولم يكونوا قطّ ذكروه له منذ صحبوه (٣) فدلّوه عليه، فقصده وقال: إذا حللنا به صرنا نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم؛ فرضوا جميعا بذلك. وسار إلى جيل ايلحان (٤) وفيه فج الأخيار، فقال هذا فج الأخيار وما سمّي إلا بكم، ولقد جاء في الآثار (٥) للمهديّ هجرة ينبو بها عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان، ولخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار، فتسامعت به القبائل وأتته البربر من كلّ مكان، وعظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرّج عليه، فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، فقال أبو عبد اللّه لكتامة: أنا صاحب النذر (٦) الذي قال لكم أبو سفيان والحلوانيّ، فازدادت محبّتهم له وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كلّ مكان، وسار إلى مدينة تاصروق (٧)، وجمع الخيل وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة، وخرج للحرب فظفر وغنم، وعمل على تاصروق خندقا، فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه فظفر بهم، وصارت إليه أموالهم، ووالى الغزو فيهم حتّى استقام له أمرهم، فسار وأخذ مدائن (٨) عدّة، فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب عديدة وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد اللّه وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد، فصار يقول: المهديّ يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني. وأخذ يغري الناس بابن الأغلب (٩)، ويذكر كرامات المهدي وما يفتح اللّه له، ويعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها. وسير إلى عبيد اللّه بن محمد (١٠) رجالا من كتامة ليخبروه بما فتح اللّه له وأنه ينتظره، فوافوا عبيد اللّه بسلمية من أرض حمص، وكان قد اشتهر بها وطلبه الخليفة المكتفي، ففرّ

стр. 929

منه بابنه أبي القاسم وسار إلى مصر، وكان لهما قصص مع النوشزيّ (١) عامل مصر حتّى خلصا منه ولحقا ببلاد المغرب. وبلغ ابن الأغلب زيادة اللّه خبره مسير عبيد اللّه، فأزكى له العيون وأقام له الأعوان حتّى قبض عليه بسلجماسة، وكان عليها اليسع بن مدرار، وحبس بها هو وابنه أبو القاسم. وبلغ ذلك أبا عبد اللّه وقد عظم أمره، فسار وضايق زيادة اللّه بن الأغلب، وأخذ مدائنه شيئا بعد شيء، وصار فيما ينيف على مائتي ألف، وألحّ على القيروان حتّى فرّ زيادة اللّه إلى مصر، وملكها أبو عبد اللّه، ثم سار إلى رفادة فدخلها أوّل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، وفرّق الدور على كتامة وبعث العمال إلى البلاد، وجمع الأموال ولم يخطب باسم أحد. فلما دخل شهر رمضان سار من رفّادة (٢) فاهتزّ لرحيله المغرب بأسره وخافته زنانة وغيرها، وبعثوا إليه بطاعتهم، وسار إلى سلجماسة (٣)، ففرّ منه اليسع بن مدرار واليها، ودخل البلد فأخرج عبيد اللّه وابنه من السجن وقال: هذا المهديّ الذي كنت أدعوكم إليه. وأركبه هو وابنه ومشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يقول: هذا مولاكم ويبكي من شدّة الفرح حتى وصل إلى فسطاط (٤) ضرب له، فأنزل فيه وبعث في طلب اليسع فأدركه، وحمل إليه فضربه بالسياط وقتله، ثمّ سار المهدي إلى رفادة فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. ولما تمكّن قتل أبا عبد اللّه وأخاه في يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين، فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين، وما زالت كتامة هي أهل الدولة مدّة خلافة المهدي عبيد اللّه وخلافة ابنه القاسم القائم بأمر اللّه وخلافة المنصور بنصر اللّه إسماعيل بن القاسم وخلافة معدّ المعز لدين اللّه ابن المنصور، وبهم أخذ ديار مصر لما سيّرهم إليها مع القائد جوهر (٥) في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وهم أيضا كانوا أكابر من قدم معه من الغرب في سنة اثنين وستّين وثلثمائة. فلما كان في أيّام ولده العزيز (٦) بالله نزار اصطنع الدّيلم والأتراك، وقدّمهم وجعلهم خاصّته، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز (٧) بالله، وقام من بعده أبو عليّ المنصور الملقّب بالحاكم بأمر اللّه، فقدّم

стр. 930

ابن عمار (١) الكتامي وولاّه الوساطة وهي في معنى رتبة الوزارة، فاستبدّ بأمور الدولة وقدّم كتامة وأعطاهم، وحطّ من الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز، فاجتمعوا إلى برجوان (٢) وكان صقلبيا وقد تاقت نفسه إلى الولاية فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتّى وضعوا منه، واعتزل عن الأمر، وتقلّد برجوان الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر، وزاد في عطاياهم وقوّاهم، ثمّ قتل الحاكم ابن عمّار وكثيرا من رجال دولة أبيه وجدّه، فضعفت كتامة وقويت الغلمان. فلما مات الحاكم (٣) وقام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين اللّه علي، أكثر من اللهو ومال إلى الأتراك والمشارقة، فانحطّ جانب كتامة، وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتّى ملك المستنصر (٤) بعد أبيه الظاهر، فاستكثرت أمّه من العبيد حتّى يقال إنهم بلغوا نحوا من خمسين ألف أسود، واستكثر هو من الأتراك، وتنافس كلّ منهما مع الآخر فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها إلى أن قدم (٥) أمير الجيوش بدر الجمالي (٦) من عكّا وقتل رجال الدولة وأقام له جندا وعسكرا من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيش الأرمن، وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرعيّة بعد ما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها. حارة الصالحية: عرفت بغلمان الصالح طلائع (٧) بن رزبك، وهي موضعان: الصالحيّة الكبرى والصالحيّة الصغرى، وموضعهما فيما بين المشهد الحسيني ورحبة الأيدمري وبين البرقيّة، وكانت من الحارات العظيمة، وقد خربت الآن وباقيها متداع إلى الخراب. قال ابن عبد الظاهر: الحارة الصالحية منسوبة إلى الصالح طلائع بن رزيك، لأنّ غلمانه كانوا يسكنونها، وهي مكانان، وللصالح دار بحارة الديلم كانت سكنه قبل الوزارة، وهي باقية إلى الآن وبها بعض ذرّيته، والمكان المعروف بخوخة الصالح نسبة إليه. حارة البرقية: هذه الحارة عرفت بطائفة من طوائف العسكر في الدولة الفاطمية، يقال

стр. 931

لها الطائفة البرقية، ذكرها المسبّحي (١). قال ابن عبد الظاهر: ولما نزل بالقاهرة - يعني المعزّ لدين اللّه - اختطّت كلّ طائفة خطة عرفت بها، قال: واختطت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقية، انتهى. وإلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقية. ذكر الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام وذلك أنّ الصالح طلائع بن رزيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم البرقيّة، وجعل ضرغاما مقدّمهم، فترقّى حتّى صار صاحب الباب، وطمع في شاور السعدي لما ولي الوزارة بعد رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، فجمع رفقته وتخوّف شاور منه، وصار العسكر فرقتين: فرقة مع ضرغام وفرقة مع شاور. فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شاور ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وصاح على شاور فأخرجه من القاهرة، وقتل ولده الأكبر المسمّى بطيّئ، وبقي شجاع المنعوت بالكامل، وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل الوزير رضوان بن ولخشي فإنه كان رفيقا له في تلك الكرّة، واستقرّ ضرغام في وزارة (٢) الخليفة العاضد لدين اللّه بعد شاور، وتلقّب بالملك المنصور، فشكر الناس سيرته، فإنه كان فارس عصره، وكان كاتبا جميل الصورة فكه المحاضرة عاقلا كريما لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه إلا أنه كان أذنا مستحيلا على أصحابه، وإذا ظنّ في أحد شرّا جعل الشكّ يقينا، وعجّل له العقوبة. وغلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام، وأخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته وأعانوه على إخراج شاور وتقليده للوزارة من أجل أنه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه ويضعون منه، وأنّ منهم من كاتب شاور وحثّه على القدوم إلى القاهرة ووعده بالمعاونة له، فأظلم الجوّ بينه وبينهم، وتجرّد للإيقاع بهم على عادته في أسرع العقوبة، وأحضرهم إليه في دار الوزارة ليلا وقتلهم بالسيف صبرا وهم: صبح بن شاهنشاه، والطهر مرتفع المعروف بالجلواص، وعين الزمان، وعلي بن الزبد، وأسد الفازي وأقاربهم وهم نحو من سبعين أميرا سوى اتباعهم، فذهبت لذلك رجال الدولة واختلّت أحوالها وضعفت بذهاب أكابرها وفقد أصحاب الرأي والتدبير، وقصد الفرنج ديار مصر فخرج إليهم همام أخو ضرغام، وانهزم منهم، وقتل منهم عدّة، ونزلوا على حصن بلبيس (٣)، وملكوا بعض السور، ثمّ ساروا وعاد همام عودا رديئا، فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية وبها الأمير مرتفع الجلواص، فأخذه العرب وقاده همام إلى أخيه، فضرب عنقه وصلبه على باب زويلة، فما هو إلا أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة - وهو ثلاثة

стр. 932

وثلاثون ألف دينار - وإذا بالخبر قد ورد بقدوم شاور من الشام ومعه أسد الدين شير كوه في كثير من الغزّ، فأزعجه ذلك، وأصبح الناس يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء وتحوّلوا من مساكنهم، وخرج همام بالعسكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، فسار إلى بلبيس وكانت له وقعة مع شاور انهزم فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عسكر همام، وأسروا عدّة، ونزل شاور بمن معه إلى التاج ظاهر القاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، فجمع ضرغام الناس، وضمّ إليه الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية بداخل القاهرة، وشاور مقيم بالتاج مدّة أيام - وطوالعه من العربان - فطارد عسكر ضرغام بأرض الطبّالة خارج القاهرة، ثمّ سار شاور ونزل بالمقس، فخرج إليه عسكر ضرغام، وحاربوه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشرف الذي يعرف اليوم بالرصد، وملك مدينة مصر، وأقام بها أياما، فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم، فكرهه الناس واستعجزوه، ومالوا مع شاور، فتنكّر منهم ضرغام وتحدّث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له، ونزل شاور في أرض اللوق خارج باب زويلة، وطارد رجال ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية، وثبت أهل اليانسية بها، وزحف إلى باب سعادة وباب القنطرة، وطرح النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور، وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام، وفني كثير من الطائفة الريحانية، فبعثوا إلى شاور ووعدوه بأنّهم عون له، فانحلّ أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكفّ عن الرمي، فخرج الرجال إلى شاور وصاروا من جملته وفترت همة أهل القاهرة، وأخذ كلّ منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق لتجتمع الناس فضربت الأبواق والطبول ما شاء اللّه من فوق الأسوار فلم يخرج إليه أحد، وانفكّ عنه الناس، فسار إلى باب الذهب (١) من أبواب القصر ومعه خمسمائة فارس، فوقف وطلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطاق، وتضرّع إليه وأقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد، واستمرّ واقفا إلى العصر والناس تنحلّ عنه حتّى بقي في نحو ثلاثين فارسا، فوردت عليه رقعة فيها خذ نفسك وانج بها، وإذا بالأبواق والطبول قد دخلت من باب القنطرة (٢) ومعها عساكر شاور، فمرّ ضرغام إلى باب زويلة، فصاح الناس عليه ولعنوه، وتخطّفوا من معه، وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبا من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة ومصر (٣)، واحتزوا رأسه في سلخ جمادى الآخرة، وفرّ منهم أخوه إلى جهة المطريّة

стр. 933

فأدركه الطلب (١)، وقتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، وقتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، فصار حينئذ ضرغام ملقى يومين، ثمّ حمل إلى القرافة ودفن بها، وكانت وزارته تسعة أشهر، وكان من أجلّ أعيان الأمراء وأشجع فرسانهم وأجودهم لعبا بالكرة وأشدّهم رميا بالسهام، ويكتب مع ذلك كتابة ابن مقلة وينظم الموشّحات الجيدة، ولمّا جيء برأسه إلى شاور رفع إلى قفاه وطيف به، فقال الفقيه عمارة: أرى جنك (٢) الوزارة صار سيفا … يحزّ بحدّه جيد الرقاب كأنّك رائد البلوى وإلا … بشير بالمنيّة والمصاب فكان كما قال عمارة فإن البلايا والمنايا من حينئذ تتابعت على دولة الخلفاء الفاطميين حتّى لم يبق منهم عين تطرف وللّه عاقبة الأمور. حارة العطوفية: هذه الحارة تنسب إلى طائفة من طوائف العسكر يقال لها العطوفية، وقال ابن عبد الظاهر: العطوفية منسوبة لعطوف أحد خدّام القصر وهو عطوف غلام الطويلة، وكان قد خدم ستّ الملك أخت الحاكم، قال: وسكنت - يعني الطائفة الجيوشية - بحارة العطوفية بالقاهرة، وللّه درّ الأديب إبراهيم المعمار إذ يقول مواليا يشتمل على ذكر حارات بالقاهرة وفيها تورية: في الجودرية رأيت صورة هلالية … للباطليّة تميل لا للعطوفيّة لها من اللؤلؤة ثغرين منشيّه … إن حرّكوا وجهها بنت الحسينيّة وكانت العطوفية من أجلّ مساكن القاهرة، وفيها من الدور العظيمة والحمامات والأسواق والمساجد ما لا يدخل تحت حصر، وقد خربت كلّها وبيعت أنقاضها وبيوتها ومنازلها، وأضحت أوحش من وتدعير في قاع. وعطوف هذا كان خادما أسود قتله الحاكم بجماعة من الأتراك وقفوا له في دهليز القصر واحتزّوا رأسه في يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من صفر سنة إحدى وأربعمائة قاله المسبّحي. حارة الجوّانية (٣): كان يقال لهذه الحارة أوّلا حارة الروم (٤) الجوّانية، ثمّ ثقل على الألسنة ذلك فقال الناس الجوانية، وكان أيضا يقال لها حارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية. وقال المسبّحي: وقد ذكر ما كتبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه من الأمانات في

стр. 934

سنة خمس وتسعين وثلثمائة فذكر أنه كتب أمانا للعرافة الجوّانية، فدلّ أنّه كان من جملة الطوائف (١) قوم يعرفون بالجوّانية، قال ابن عبد الظاهر: قال لي مؤلّفه القاضي زين الدين وفقه اللّه: إن الجوّانية منسوبة للأشراف الجوّانيين منهم الشريف النسابة الجوّاني. قال مؤلّفه ﵀: فعلى هذا يكون بفتح الجيم، فإن الجوّاني بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثمّ نون نسبة إلى جوّان - على وزن حرّان - وهي قرية من عمل مدينة طيبة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وعلى القول الأوّل تكون الجوّانية بفتح الجيم أيضا مع فتح الواو وتشديدها، فإن أهل مصر يقولون: لما خرج عن المدينة أو الدار برّا، ولمّا دخل جوّا بضم الجيم - وهو خطأ - ولهذا كان الورّاقون يكتبون حارة الروم البرّانية لأنها من خارج القصر، ويكتبون حارة الروم الجوّانية لأنّها من داخل القاهرة، ولا يصار إليها إلا بعد المرور على القصر. وكان موضعها إذ ذاك من وراء القصر خلف دار الوزارة والحجر (٢)، فكأنها في داخل البلد، ولذلك أصل. قال ابن سيده في مادة (ج و) من كتاب المحكم: وجوّا البيت داخله، لفظة شاميّة، فتعيّن فتح الجيم من الجوّانية ولا عبرة بما تقوله العامّة من ضمّها. وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّاني ابن الحسن بن محمد الجواني ابن عبيد اللّه الجواني بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقيل لمحمد بن عبد اللّه الجوّانيّ بسبب ضيعة من ضياع المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام يقال لها الجوّانية، وكانت تسمّى البصرة الصغرى لخيراتها وغلالها، لا يطلب شيء إلا وجد بها، وهي قريبة من صرار (٣) ضيعة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الرضى. وكانت الجوّانية ضيعة لعبيد اللّه، فتوفي عنها فورثها بعده ولده وأزواجه، فاشترى محمد الجوّانيّ ولده بما حصل له بالميراث الباقي من الورثة، فحصلت له كاملة، فعرف بها فقيل: الجوّاني. قال: ولم تزل أجداد مؤلّفه ببغداد إلى حين قدوم ولده أسعد النحويّ مع أبيه من بغداد إلى مصر، ومولده بالموصل في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. حارة البستان: ويقال لها حارة بستان المصموديّ وحارة الأكراد أيضا، وهي الآن من جملة الوزيرية التي تقدّم ذكرها. حارة المرتاحية: هذه الحارة عرفت بالطائفة المرتاحية إحدى طوائف العسكر. قال ابن عبد الظاهر: خطّ باب القنطرة يعرف في كتب الأملاك القديمة بالمرتاحية. حارة الفرحية: بالحاء المهملة كانت سكن الطائفة الفرحية، وهي بجوار حارة

стр. 935

المرتاحية، فإلى يومنا هذا فيما بين سويقة أمير الجيوش وباب القنطرة زقاق يعرف بدرب الفرحية، والفرحية كانت طائفة من جملة عبيد الشراء، وكانت عبيد الشراء عدّة طوائف وهم: الفرحية والحسينية والميمونية ينسبون إلى ميمون وهو أحد الخدّام. حارة فرج بالجيم: كانت تعرف قديما بدرب النميري، ثمّ عرفت بالأمير جمال الدين فرج من أمراء بني أيوب. وهي الآن داخلة في درب الطفل من خط قصر الشوك. حارة قائد القوّاد: هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا (١)، وكانت أوّلا تعرف بحارة قائد القوّاد، لأن حسين بن جوهر الملقّب قائد القوّاد كان يسكن بها فعرفت به. وهو حسين بن القائد جوهر أبو عبد اللّه الملقّب بقائد القوّاد. لما مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز بالله عليه وجعله في رتبة أبيه ولقّبه بالقائد بن القائد، ولم يتعرّض لشيء مما تركه جوهر، فلمّا مات العزيز وقام من بعده ابنه الحاكم استدناه ثم إنه قلّده البريد والإنشاء في شوّال سنة ستّ وثمانين وثلثمائة، وخلع عليه وحمله على فرس بموكب، وقاد بين يديه عدّة أفراس، وحمل معه ثيابا كثيرة. فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد اللّه بن سورين الكاتب النصرانيّ على كتابة الإنشاء، واستخلف على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم أمير الدولة الموصلي. ولما تقلّد برجوان النظر في تدبير الأمور وجلس للوساطة بعد ابن عمّار. كان الكافة يلقونه في داره ويركبون جميعا بين يديه من داره إلى القصر ما خلا القائد الحسين ومحمد بن النعمان القاضي، فإنهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط. فلما قتل الحاكم الأستاذ (٢) برجوان كما تقدّم خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسعين وثلثمائة ثوبا أحمر وعمامة زرقاء مذهّبة، وقلّده سيفا محلّى بذهب، وحمله على فرس بسرج ولجام من ذهب، وقاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وحمل معه خمسين ثوبا صحاحا من كلّ نوع، وردّ إليه التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة كما كان برجوان، ولم يطلق عليه اسم وزير، فكان يبكّر إلى القصر ومعه خليفته الرئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني - كاتب برجوان - فينظران في الأمور ثمّ يدخلان وينهيان الحال إلى الخليفة، فيكون القائد جالسا وفهد من خلفه قائما. ومنع القائد الناس أن يلقوه في الطريق أو يركبوا إليه في داره وأنّ من كان له حاجة فليبلغه إياها بالقصر، ومنع الناس من مخاطبته في الرقاع بسيدنا، وأمر أن لا يخاطب ولا يكاتب إلا بالقائد فقط، وتشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم، حتّى أنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه، فأمسك عنان فرسه ووقف وقال لهم: كلّنا عبيد مولانا صلوات اللّه عليه

стр. 936

ومماليكه، ولست واللّه أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي ولا يلقاني أحد إلا في القصر، فانصرفوا وأقام بعد ذلك خدما من الصقالبة (١) الطرّادين على الطريق بالنوبة لمنع الناس المجيء إلى داره ومن لقائه إلا في القصر، وأمر أبا الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر (٢) أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم وأن لا يمنع أحدا عنه. فلمّا كان في سابع عشر جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القوّاد وخلع عليه، وما زال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، فاجتمع سائر أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا، وخرج الأمر إليهم أن لا يقام لأحد، وخرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب الستر كلاما، فصاح: صالح بن عليّ، فقام صالح بن عليّ الرودباذي متقلّد ديوان الشام، فأخذ صاحب الستر بيده وهو لا يعلم هو ولا أحد ما يراد به، فأدخل إلى بيت المال وأخرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهّبة ومعه مسعود، فأجلسه بحضرة قائد القوّاد، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع الخطيب، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع من السجل ذكره قام وقبّل الأرض. فلما انتهت قراءة السجلّ قام قائد القوّاد وقبّل خدّ صالح وهنأه. وانصرف، فكان يركب إلى القصر ويحضر الأسمطة (٣) إلى اليوم الثالث من شوّال أمره الحاكم أن يلزم داره هو وصهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النعمان وأن لا يركباهما وسائر أولادهما، فلبسا الصوف، ومنع الناس من الاجتماع بهما، وصاروا يجلسون على حصر. فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة عفا عنهما الحاكم، وأذن لهما في الركوب، فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال الحزن، فلمّا كان في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة قبض على عبد العزيز بن النعمان، وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابنه في جماعة، وكثر الصياح بدار عبد العزيز، وغلقت حوانيت القاهرة وأسواقها، فأفرج عنه ونودي أن لا يغلق أحد فردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وتمثلوا (٤) بحضرة الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين وعلى صهره عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان، ثمّ أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النظر في المظالم، ثم ردّ الحاكم في شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة على حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز ما كان لهم من الإقطاعات وقرئ لهم سجل بذلك.

стр. 937

فلمّا كان ليلة التاسع من ذي القعدة فرّ حسين بأولاده وصهره وجميع أموالهم وسلاحهم، فسيّر الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة (١) فلم يدركهم وأوقع الحوطة على سائر دورهم، وجعلت للديوان المفرد، وهو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه، وحمل سائر ما وجد لهم بعد ما ضبط، وخرجت العساكر في طلب حسين ومن معه، وأشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة، فأنفدت إليه الكتب بتأمينه واستدعائه إلى الحضور، فأعاد الجواب بأنه لا يدخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النصرانيّ الملقّب بالكافي ينظر في الوساطة ويوقّع عن الخليفة، فإنّي أحسنت إليه أيام نظري فسعى بي إلى أمير المؤمنين ونال منّي كلّ منال، ولا أعود أبدا وهو وزير. فصرف ابن عبدون في رابع المحرّم سنة إحدى وأربعمائة، وقدم حسين بن جوهر ومعه عبد العزيز بن النعمان وسائر من خرج معهما، فخرج جميع أهل الدولة إلى لقائه وتلقّته الخلع فأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره، وقيّد بين أيديهم الدواب، فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشوا ومشى الناس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم، ثمّ خرجوا وقد عفا عنهم، وأذن لحسين أن يكاتب بقائد القوّاد ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك. وانصرف إلى داره فكان يوما عظيما، وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وعقار وغيره، وأنعم عليه وواصل الركوب هو وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر، ثم قبض عليه وعلى عبد العزيز واعتقلا ثلاثة أيام، ثمّ حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة، وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما، وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما. فلما كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب حسين وعبد العزيز على رسمهما إلى القصر، فلمّا خرج للسلام على الناس قيل للحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل: اجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم، فجلس الثلاثة، وانصرف الناس فقبض عليهم وقتلوا (٢) في وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم، وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم. واستدعي أولاد عبد العزيز (٣) بن النعمان وأولاد حسين (٤) بن جوهر ووعدوا بالجميل وخلع عليهم، وجملوا واللّه يفعل ما يشاء.

стр. 938

حارة الأمراء: ويقال لها أيضا حارة الأمراء الأشراف الأقارب، وموضعها يعرف بدرب شمس (١) الدولة، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. حارة الطوارق: ويقال لها أيضا حارة صبيان الطوارق، وهم من جملة طوائف العسكر، كانوا معدّين لحمل الطوارق. وموضع هذه الحارة في طريق من سلك من الرقيق سوق الخلعيين داخل باب زويلة طالبا الباطلية بالزقاق الطويل الضيّق الذي يقال له اليوم حلق الجمل السالك إلى درب أرقطاي. حارة الشرابية: عرفت بذلك لأنّها كانت موضع سكن الغلمان الشرابية إحدى طوائف العسكر، وكانت فيما بين الباطلية وحارة الطوارق. حارة الدميري وحارة الشاميين: هما من جملة العطوفية (٢). حارة المهاجرين: وموضعها الآن من جملة المكان الذي يعرف بالرقيق المعدّ لسوق الخلعيين بجوار باب زويلة، وكان بعد ذلك سوق الخشّابين، ثمّ هو الآن سوق الخلعيين. وموضع هذه الحارة بجوار الخوخة (٣) التي كانت تعرف بالشيخ السعيد بن فشيرة النصرانيّ الكاتب. وهي الخوخة التي يسلك إليها من الزقاق المقابل لحمام الفاضل المعدّ لدخول النساء، ويتوصل منها إلى درب كوز الزير بحارة الروم، وقد صارت هذه الحارة تعرف بدرب ابن المجندار، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه. حارة العدوية: قال ابن عبد الظاهر: العدوية هي من باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة عند حمّام الحسام الجلدكي الآن منسوبة لجماعة عدويين نزلوا هناك، وهذا المكان اليوم هو عبارة عن الموضع الذي تلقاه عند خروجك من زقاق حمّام خشيبة الذي يتوصّل إليه من سوق باب الزهومة، فإذا انتهيت إلى آخر هذا الزقاق وأخذت على يمينك صرت في حارة العدويّة. وموضعها الآن من فندق بلال المغيثي إلى باب سر المارستان، وتدخل في العدوية رحبة بيبرس التي فيها الآن فندق الرخام، عن يمينك إذا خرجت في الرحبة المذكورة التي صارت الآن دربا إلى باب سرّ المارستان وما عن يسارك إلى حمّام الكريك وحمام الجوينيّ الذي تقول له العامّة الجهينيّ، وإلى سوق الزجاجيين. وكلّ هذه المواضع هي من حقوق العدويّة وكانت العدويّة قديما واقعة فيما بين الميدان الذي يعرف اليوم بالخرشتف (٤) وحارة

стр. 939

زويلة وبين سقيفة العداس والصاغة القديمة التي صار موضعها الآن سوق الحريريين الشرابشيين برأس الوراقين وسوق الزجاجيين. حارة العيدانية: كانت تعرف أوّلا بحارة البديعيين، ثم قيل لها بعد ذلك الحبّانية من أجل البستان الذي يعرف بالحبانية الجاري في وقف الخانقاه الصلاحية (١) سعيد السعداء، ويتوصّل إلى هذه الحارة من تجاه قنطرة آق سنقر، وبعض دورها الآن يشرف على بستان الحبانية، وبعضها يطل على بركة الفيل. حارة الحمزيين: كانت أوّلا تعرف بالحبانية، ثمّ قيل لها حارة الحمزيين من أجل أن جماعة من الحمزيين نزلوا بها، منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزي، والحمزيون أيضا ينسبون إلى حمزة بن أدركة (٢) الساري، خرج بخراسان في أيام هارون بن محمد الرشيد، فعاث وأفسد وفضّ جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان، وقتل منهم خلقا، وانهزم عيسى إلى بابل، ثمّ غرق حمزة بواد في كرمان، فعرفت طائفته بالحمزية. وأخوه ضرغام بن فاتن بن ساعد الحمزيّ والحاج عوني الطحان ابن يونس بن فاتن الحمزي ورضوان بن يوسف بن فاتن الحمزيّ الحمامي وأخوه سالم بن يوسف بن فاتن الحمزيّ، وكان هؤلاء بعد سنة ستّمائة، وهذه الحارة خارج باب زويلة. ومن بلاد أفريقية قرية يقال لها حمزي ينسب إليها محمد بن حمد بن خلف القيسيّ الحمزيّ من أهل القرية وقاضيها، توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولا يبعد أن تكون هذه الحارة نسبت إلى أهل قرية حمزة هذه لنزولهم بها كنزول بني سوس وكتامة وغيرهم في المواضع التي نسبت إليهم. حارة بني سوس: عرفت بطائفة من المصامدة يقال لهم بنو سوس كانوا يسكنون بها. حارة اليانسية: تعرف بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسية منسوبة لخادم خصيّ من خدّام العزيز بالله يقال له أبو الحسن يأنس الصقليّ، خلفه على القاهرة، فلما مات العزيز أقرّه ابنه الحاكم بأمر اللّه على خلافة القصور، وخلع عليه وحمله على فرسين، فلمّا كان في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلثمائة سار لولاية برقة (٣) بعد ما خلع عليه وأعطي خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب. قال ابن عبد الظاهر: اليانسية خارج باب زويلة أظنها منسوبة ليأنس وزير الحافظ لدين اللّه الملقب بأمير الجيوش سيف الإسلام ويعرف بيانس (٤) الفاصد،

стр. 940

وكان أرمنيّ الجنس، وسمّي الفاصد لأنه فصد الأمير حسن بن الحافظ وتركه محلولا فصاده حتّى مات. وله خبر غريب في وفاته، كان الحافظ قد نقم عليه أشياء طلب قتله بها باطنا فقال لطبيبه: اكفني أمره بمأكل أو مشرب، فأبى الطبيب ذلك خوفا أن يصير عند الحافظ بهذه العين وربما قتله بها، والحافظ يحثّه على ذلك فاتّفق ليانس الوزير المذكور أنه مرض بزحير (١)، وإن الحافظ خاطب الطبيب بذلك فقال: يا مولاي، قد أمكنتك الفرصة وبلغت مقصودك، ولو أنّ مولانا عادة في هذه المرضة اكتسب حسن أحدوثة، وهذه المرضة ليس دواؤه منها إلاّ الدعة والسكون، ولا شيء أضرّ عليه من الانزعاج والحركة، فبمجرّد ما سمع بقصد مولانا له تحرّك واهتمّ بلقاء مولانا وانزعج، وفي ذلك تلاف نفسه. ففعل الخليفة ذلك وأطال الجلوس عنده فمات (٢). وهذا الخبر فيه أوهام منها أنه جعل اليانسية منسوبة ليانس الوزير، وقد كانت اليانسية قبل يانس هذا بمدّة طويلة، ومنها أنه ادّعى أن حسن بن الحافظ مات من فصادة، وليس كذلك، وإنما مات مسموما، ومنها أنه زعم أن يأنس تولّى فصده وليس كذلك، بل الذي تولى قتله بالسم أبو سعيد ابن فرقة، ومنها أن الذي نقم عليه الحافظ من الأمراء فخانه في ابنه حسن إنما هو الأمير المعظّم جلال الدين محمد المعروف بجلب راغب، وهذا نص الخبر فنزه بالك، واللّه تعالى أعلم. ذكر وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يأنس الأرمني وكان من خبر ذلك أن الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا لما قتله النزارية (٣) في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة أقام هزبر الملوك جوامرد (٤) العادل برغش الأمير أبا الميمون عبد المجيد في الخلافة كفيلا للحمل الذي تركه الآمر، ولقّب بالحافظ لدين اللّه، ولبس هزبر الملوك خلع الوزارة، فثار الجند وأقاموا أبا عليّ أحمد الملقّب بكتيفات ولدا لأفضل ابن أمير الجيوش في الوزارة، وقتل هزبر الملوك واستولى كتيفات على الآمر، وقبض على الحافظ وسجنه بالقصر مقيّدا إلى أن قتل كتيفات في المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. وبادر صبيان الخاص الذين تولّوا قتله إلى القصر، ودخلوا ومعهم الأمير يأنس متولّي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ، وأخرجوه إلى الشبّاك وأجلسوه في منصب الخلافة وقالوا له: واللّه ما حرّكنا على هذا إلا الأمير يأنس، فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الحال، وخلع عليه فباشرها مباشرة جيّدة. وكان عاقلا مهابا متمسّكا

стр. 941

متحفّظا لقوانين الدولة، فلم يحدث شيئا ولا خرج عمّا يعيّنه الخليفة له إلا أنه بلغه عن أستاذ من خواصّ الخليفة شيء يكرهه فقبض عليه من القصر من غير مشاورة الخليفة، وضرب عنقه بخزانة (١) البنود، فاستوحش منه الخليفة وخشي من زيادة معناه. وكانت هذه الفعلة غلطة منه، ثمّ إنه خاف من صبيان الخاصّ أن يفتكوا به كما فتكوا بكتيفات، فتنكّر لهم، وتخوّفوه أيضا، فركب في خاصّته وأركب العسكر، وركب صبيان الخاص، فكانت بينهما وقعة قبالة باب التبّانين بين القصرين، قوي فيها يأنس، وقتل من صبيان الخاصّ ما يزيد على ثلثمائة رجل من أعيانهم، فيهم قتلة أبي عليّ كتيفات، وكانوا نحو الخمسمائة فارس، فانكسرت شوكتهم وضعف جانبهم، واشتدّ بأس يأنس وعظم شأنه، فثقل على الخليفة. وتحيّل منه فأحسّ بذلك، فأخذ كلّ منهما في التدبير على الآخر، فأعجل يأنس وقبض على حاشية الخليفة، ومنهم قاضي القضاة وداعي الدعاة أبو الفخر وأبو الفتح بن قادوس وقتلهما، فاشتدّ ذلك على الحافظ، ودعا طبيبه وقال: اكفني أمر يأنس! فيقال أنّه سمّه في ماء المستراح فانفتح دبره واتّسع حتّى ما بقي يقدر على الجلوس، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين قد أمكنتك الفرصة وبلغت مقصودك، فلو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اكتسب حسن الأحدوثة، فإنّ هذا المرض ليس له دواء إلا الدّعة والسكون، ولا شيء عليه أضرّ من الحركة والانزعاج، وهو إذا سمع بقصد مولانا له تحرّك واهتمّ للقاء وانزعج، وفي ذلك تلاف نفسه. فنهض لعيادته، وعند ما بلغ ذلك يأنس قام ليلقاه ونزل عن الفراش وجلس بين يدي الخليفة، فأطال الخليفة جلوسه عنده وهو يحادثه، فلم يقم حتّى سقطت أمعاء يأنس، ومات من ليلته في سادس عشري ذي الحجة سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وكانت وزارته تسعة أشهر وأياما، وترك ولدين كفلهما الحافظ وأحسن إليهما. وكان يأنس هذا مولى أرمنيّا لباديس جدّ عبّاس الوزير، فأهداه إلى الأفضل بن أمير الجيوش، وترقّى في خدمته إلى أن تأمّر، ثمّ ولي الباب وهي أعظم رتب الأمراء، وكنّي بأبي الفتح، ولقّب بالأمير السعيد، ثم لمّا ولي الوزارة نعت بناصر الجيوش سيف الإسلام، وكان عظيم الهمّة بعيد الغور كثير الشرّ شديد الهيبة (٢). ذكر الأمير حسن بن الخليفة الحافظ ولمّا مات الوزير يأنس تولّى الخليفة الحافظ الأمور بنفسه، ولم يستوزر أحدا، وأحسن السيرة. فلمّا كان في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عهد إلى ولده سليمان، وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه، وأقامه مقام الوزير، فمات بعد شهرين من ولاية العهد، فجعل مكانه أخاه حيدرة في ولاية العهد، ونصّبه للنظر في المظالم، فشق ذلك على أخيه الأمير

стр. 942

حسن - وكان كثير المال متّسع الحال له عدّة بلاد ومواشي وحاشية وديوان (١) مفرد - فسعى في نقض ذلك بأن أوقع الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية، وكانت الريحانية قويّة الشوكة مهابة مخوفة الجانب، فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين، وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسينية؛ والتقى الفريقان فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف نفس، فكانت هذه الوقعة أوّل مصائب الدولة الفاطمية من فقد رجالها ونقص عساكرها، فلم يبق من الطائفة الريحانية إلا من نجا بنفسه من ناحية المقس (٢)، وألقى نفسه في بحر النيل. واستظهر الأمير حسن وقام بالأمر، وانضمّ إليه أوباش الناس ودعّارهم، ففرّق فيهم الزرد وسمّاهم صبيان الزرد، وجعلهم خاصّته، فاحتفوا به وصاروا لا يفارقونه، فإن ركب أحاطوا به، وإن نزل لازموا داره، فقامت قيامة الناس منهم. وشرع في تتبّع الأكابر، فقبض على ابن العسّاف وقتله، وقصد أباه الخليفة الحافظ وأخاه حيدرة بالضرر حتّى خافا منه وتغيّبا، فجدّ في طلب أخيه حيدرة، وهتك بأوباشه الذين اختارهم حرمة القصر، وخرق ناموسه، وسلّطهم يفتّشون القصر في طلب الخليفة الحافظ وابنه حيدرة، واشتدّ بأسهم، وحسّنوا له كلّ رذيلة، وجرّوه على الأذى، فلم يجد الحافظ بدّا من مداراة حسن وتلافي أمره عساه ينصلح، وكتب سجلا بولايته العهد وأرسله إليه فقرئ على الناس، فما زاده ذلك إلا جرأة عليه وإفسادا له، وشدّد في التضييق على أبيه وأخذ بأنفاسه. فبعث حينئذ الخليفة بالأستاذ ابن إسعاف إلى بلاد الصعيد ليجمع من يقدر عليه من الريحانيّة، فمضى واستصرخ الناس لنصرة الخليفة على ولده حسن، وجمع أمما لا يحصيها إلا اللّه، وسار بهم، فبلغ ذلك حسنا فزجّ عسكر اللقاء إسعاف، فالتقيا وكانت بينهما وقعة هبّت فيها ريح سوداء على عسكر إسعاف حتّى هزمتهم، وركبهم عسكر حسن فلم ينج منهم إلا القليل، وغرق أكثرهم في البحر وأخذ إسعاف أسيرا، فحمل إلى القاهرة على جمل وفي رأسه طرطور (٣) لبد أحمر. فلمّا وصل بين القصرين رشق بالنشّاب حتّى هلك، ورمي من القصر الغربي بأستاذ آخر، فقتل، وقتل الأمير شرف الدين. فاشتدّ ذلك على الحافظ وخاف على نفسه؛ فكتب ورقة - وكاد ابنه بأن ألقى إليه تلك الورقة - وفيها: يا ولدي؛ أنت على كلّ حال ولدي، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه، ولا يحملني قلبي، وقد انتهى الأمر إلى أمراء الدولة وهم فلان وفلان، وقد شدّدت وطأتك عليهم وخافوك وهم معوّلون على قتلك، فخذ حذرك يا ولدي. فعند ما وقف حسن على الورقة غضب ولم يتأنّ، وبعث إلى أولئك، فلمّا صاروا إليه

стр. 943

أمر صبيان الزرد بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا عدّة من أعيان الأمراء، وأحاط بدورهم وأخذ سائر ما فيها، فاشتدّت المصيبة وعظمت الرزيّة، وتخوّف من بقي من الجند ونفروا منه، فإنّه كان جريئا مفسدا شديد الفحص عن أحوال الناس والاستقصاء لأخبارهم يريد إقلاب الدولة وتغييرها ليقدّم أوباشه، وأكثر من مصادرة الناس، وقتل قاضي القضاة أبا الثريّا نجم لأنه كان من خواصّ أبيه، وقتل جماعة من الأعيان، وردّ القضاء لابن ميسّر، وتفاقم أمره وعظم خطبه واشتدّت الوحشة بينه وبين الأمراء والأجناد، وهمّوا بخلع الحافظ ومحاربة ابنه حسن، وصاروا يدا واحدة، واجتمعوا بين القصرين وهم عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وسيّروا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه حسن ويطلبون منه أن يزيله من ولاية العهد، فعجز حسن عن مقاومتهم، فإنه لم يبق معه سوى الراجل من الطائفة الجيوشية ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء، فتحيّر وخاف على نفسه، فالتجأ إلى القصر وصار إلى أبيه الحافظ، فما هو إلا أن تمكّن منه أبوه، فقبض عليه وقيّده وبعث إلى الأمراء يخبرهم بذلك، فأجمعوا على قتله، فردّ عليهم أنه قد صرفه عنهم ولا يمكّنه أبدا من التصرّف، ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات وأن يكفّوا عن طلب قتله، فألحّوا في قتله وقالوا: إمّا نحن (١) وإمّا هو. اشتدّ طلبهم إياه حتّى أحضروا الأحطاب والنيران ليحرقوا القصر، وبالغوا في التجرّؤ على الخليفة فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى قتله، وسألهم أن يمهلوه ثلاثا، فأناخوا بين القصرين، وأقاموا على حالهم حتّى تنقضي الثلاث، فما وسع الحافظ إلا أن استدعى طبيبيه وهما أبو منصور اليهوديّ وابن قرقة (٢) النصرانيّ، وبدأ بأبي منصور وفاوضه في عمله سقية قاتله، فامتنع من ذلك وحلف بالتوراة أنه لا يعرف عمل شيء من ذلك، فتركه وأحضر ابن قرقة وكلّمه في هذا فقال: الساعة، ولا يتقطّع منها جسده، بل تفيض النفس لا غير. فأحضر السقية من يومه، فبعثها إلى حسن مع عدّة من الصقالبة، وما زالوا يكرهونه على شربها حتّى فعل، ومات في العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فبعث الحافظ إلى القوم سرّا يقول: قد كان ما أردتم، فامضوا إلى دوركم؛ فقالوا: لا بدّ أن يشاهده منّا من نثق به، وندبوا منهم أميرا معروفا بالجرأة والشرّ يقال له المعظّم جلال الدين محمد، ويعرف بجلب راغب الآمري، فدخل إلى القصر وصار جنب حسن، فإذا به قد سجّي بثوب، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه آلة من حديد، وغرزه بها في عدّة مواضع من بدنه إلى أن تيقّن أنه قد مات، وعاد إلى القوم وأخبرهم، فتفرّقوا.

стр. 944

وعند ما سكنت الدهماء حقد الحافظ لابن قرفة وقتله بخزانة البنود، وأنعم بجميع ما كان له على أبي منصور اليهودي، وجعله رئيس الأطباء، فهذا ما كان من خبر يأنس وكيفيّة موته وخبر حسن والخبر عن قتله. حارة المنتجبية: قال ابن عبد الظاهر: بلغني أنّ رجلا كان يتحجّب لشمس الدين قاضي زادة كان يقول: إنّ هذه الخطّة (١) منسوبة لجدّة منتجب الدولة. الحارة المنصورية: هذه الحارة كانت كبيرة متسعة جدا فيها عدّة مساكن السودان، فلمّا كانت واقعتهم في ذي القعدة سنة أربع وستّين وخمسمائة كما تقدّم في ذكر حارة بهاء الدين، أمر صلاح الدين يوسف بن أيّوب بتخريب المنصورة هذه، وتعفية أثرها، فخرّبها خطلبا بن موسى الملقّب صارم الدين، وعملها بستانا. وكان للسودان بديار مصر شوكة وقوّة، فتبعهم صلاح الدين ببلاد الصعيد حتّى أفناهم بعد أن كان لهم بديار مصر في كلّ قرية ومحلّة وضيعة مكان مفرد لا يدخله وال ولا غيره احتراما لهم. وقد كانوا يزيدون على خمسين ألفا، وإذا ثاروا على وزير قتلوه، وكان الضرر بهم عظيما لامتداد أيديهم إلى أموال الناس وأهاليهم، فلمّا كثر بغيهم وزاد تعدّيهم أهلكهم اللّه بذنوبهم، وفي واقعة السودان وتخريب المنصورة وقتل مؤتمن الخلافة الذي تقدّم ذكره يقول العماد (٢) الأصفهاني الكاتب يخاطب بهاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب: بالملك الناصر استنارت … في عصرنا أوجه الفضائل يوسف مصر الذي إليه … تشدّ آمالنا الرواحل رأيك في الدهر عن رزايا … جلى مهماته الجلائل أجريت نيلين في ثراها … نيل نجيع ونيل نائل كم كرم من نداك جار … وكم دم من عداك سائل وكم معاد بلا معاد … ومستطيل بغير طائل وحاسد كاسد المساعي … وسائد نافق الوسائل أقررت عين الإسلام حتّى … لم يبق فيها قذى لباطل وكيف يزهى بملك مصر … من يستقلّ ذنبا لنائل وما نفيت السودان حتّى … حكمت البيض في المقاتل صيّرت رحب الفضا مضيقا … عليهم كفّة لجائل

стр. 945

وكلّ رأي منهم كرا … وأرض مصر كلام واصل وقد خلت منهم المغاني … وأقفرت منهم المنازل وما أصيبوا إلا بطلّ … فكيف لو أمطروا بوابل؟ وقد تجلّى بالحقّ ما بال … باطل في مصر كان عاجل والسود بالبيض قد تنحّوا … فهي بواديهم نوازل مؤتمن القوم خان حتّى … غالته من شرّه الغوائل عاملكم بالخنا (١) فأضحى … ورأسه فوق رأس عامل (٢) وحالف الذلّ بعد عزّ … والدهر أحواله حوائل يا مخجل البحر بالأيادي … قد آن أن تفتح السواحل نقدّس القدس من خباث … أرجاس كفر غتم أراذل (٣) وكان موضع المنصور على يمنة من سلك في الشارع خارج باب زويلة. قال ابن عبد الظاهر: كانت للسودان حارة تعرف بهم تسمّى المنصورة خرّبها صلاح الدين، وأخذها خطلبا، فعمرها بستانا وحوضا، وهي إلى جانب الباب الحديد، يعني الذي يعرف اليوم بالقوس عند رأس المنتجبية، فيما بينها وبين الهلالية، وقد حكر هذا البستان في الأيام الظاهرية وبعضها يعني المنصورة من جهة بركة الفيل إلى جانب بستان سيف الإسلام، ويسمّى الآن بحكر الغتمي، لأن الغتمي هذا كان شرع بستان سيف الإسلام فحكر في هذه الجهة، وهي الآن أحكار الديوان السلطاني، وحكر الغتمي الذي كان بستان سيف الإسلام يعرف اليوم بدرب ابن البابا تجاه البندقدارية بجوار حمّام الفارقاني قريب من صليبة جامع ابن طولون. حارة المصامدة: هذه الحارة عرفت بطائفة المصامدة أحد طوائف عساكر الخلفاء الفاطميين، واختطّت في وزارة المأمون (٤) البطائحي وخلافة الآمر بأحكام اللّه بعد سنة خمس عشرة وخمسمائة. قال ابن عبد الظاهر: حارة المصامدة مقدّمهم عبد اللّه المصمودي. وكان المأمون البطائحي وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه قدّمه ونوّه بذكره وسلّم له أبوابه للمبيت عليها، وأضاف إليه جماعة من أصحابه، فلما استخلص المصامدة وقرّبهم سيّر أبا بكر المصمودي ليختار لهم حارة، فتوجّه بالجماعة إلى اليانسية بالشارع، فلم يجد بها مكانا، ووجدها تضيق عنهم، فسيّر المهندسين لاختيار حارة لهم، فاتفقوا على بناء حارة ظاهر باب الحديد على يمنة الخارج على شاطئ بركة الفيل، فقال: بل تكون على يسرة

стр. 946

الخارج والفسح قدّامها إلى بركة الفيل. فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب المذكور، وبني بجانبها مسجد على زلاقة الباب المذكور، وبنى أبو بكر المصمودي مسجدا أيضا، وهذه فيما أعتقد هي الهلالية، وحذّر من بناء شيء قبالتها في الفضاء الذي بينها وبين بركة الفيل لانتفاع الناس، بها وصار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى آخر حصن دويرة مسعود إلى الباب الحديد، ولم يزل ذلك إلى بعض أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه. قال: وبنى في صفّ هذه الحارة من قبليّها عدّة دور بحوانيت تحتها إلى أن اتّصل البناء بالمساجد الثلاثة الحاكميّة المعلّقة والقنطرة المعروفة بدار ابن طولون وبعدها بستان ذكر أنه كان في جملة قاعات الدار المذكورة. قال: وأظنّ المساجد هي التي قبالة حوض الجاولي، قال: وبنى المأمون ظاهره حوضا وأجرى الماء له وذلك قبالة مشهد محمد الأصغر ومشهد السيّدة سكينة. قال: وأظنّ هذا البستان هو الذي بنته شجر (١) الدرّ بستانا ودارا وحمّامات قريب من مشهد السيّدة نفيسة، قال: وأمر المأمون بالنداء في القاهرة مع مصر ثلاثة أيام بأنّ من كانت له دار في الخراب أو مكان يعمر، ومن عجز عن أن يعمره فليؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له في شيء منه ولا حكر يلزمه. وأباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحقّ فيه، فطلب الناس كافة ما هو جار في الديوان السلطانيّ وغيره، وعمروه حتّى صار البلدان لا يتخلّلهما داثر ولا دارس، وبنى في الشارع يعني خارج باب زويلة من الباب الجديد إلى الجبل عرضا وهو القلعة الآن. قال: وكان الخراب استولى على تلك الأماكن في زمن المستنصر (٢) في أيام وزارة البازوري حتّى أنه كان بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجّه من القاهرة إلى مصر، وبنى حائطا آخر عند جامع (٣) ابن طولون. قال: وعمر ذلك حتّى صار المتعيّشون بالقاهرة والمستخدمون يصلّون العشاء الأخيرة بالقاهرة ويتوجّهون إلى مساكنهم في مصر لا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود إلى باب الصفا وهو المعاصر الآن، وذلك أنه يخرج من الباب الحديد الحاكمي على يمنة بركة الفيل إلى بستان سيف الإسلام وعدّة بساتين، وقبالة جميع ذلك حوانيت مسكونة عامرة بالمتعيّشين إلى مصر والمعاش مستمر الليل والنهار. حارة الهلالية: ذكر ابن عبد الظاهر أنّها على يسرة الخارج من الباب الحديد الحاكمي. حارة البيازرة: هذه الحارة خارج باب القنطرة على شاطئ الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جنادق والكدّاشين، وإلى

стр. 947

قريب من حارة بهاء الدين، واختطت هذه الحارة في الأيام الآمرية، وذلك أن زمام (١) البيازرة شكا ضيق دار الطيور بمصر، وسأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطئ الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطيور والوحوش إلى الماء، فأذن له في ذلك، فاختطّوا هذه الحارة وجعلوا منازلهم مناظر على الخليج، وفي كلّ دار باب سرّ ينزل منه إلى الخليج واتّصل بنا هذه الحارة بزقاق الكحل، فعرفت بهم وسميت بحارة البيازرة، واحدهم بازيار (٢)، ثم إنّ المختار الصقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانا وبنى فيه منظرة عظيمة، وهذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح، فلما كثرت العمائر في حارة البيازرة أمر الوزير المأمون بعمل الأقنة (٣) لشيّ الطوب على شاطئ الخليج الكبير إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشيّ الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء ومنتزهاتهم. حارة الحسينية: عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية. قال المسبّحي في حوادث سنة خمس وتسعين وثلثمائة: وأمر بعمل شونة (٤) ممّا يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء فابتدئ بعملها في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وثلثمائة إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد، وظنّ كلّ من يتعلّق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أنّ هذه الشونة عملت لهم. ثمّ قويت الإشاعات وتحدّث العوام في الطرقات أنها للكتّاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم، فاجتمع سائر الكتّاب وخرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الأوّل ومعهم سائر المتصرّفين في الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة، ولم يزالوا يقبّلون الأرض حتّى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرّعون ويضجّون ويسألون العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن جميعهم إلى أن دخلوا باب القصر الكبير وسألوا أن يعفى عنهم ولا يسمع فيهم قول ساع يسعى بهم، وسلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين بن جوهر، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فأجيبوا إلى ما سألوا، وخرج إليهم قائد القوّاد، فأمرهم بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم، فانصرفوا بعد العصر، وقرئ من الغد سجل كتب منه نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بأمان لهم والعفو عنهم. وقال: في ربيع الآخر، واشتدّ خوف الناس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فكتب ما شاء اللّه من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة وزمامهم وأمرائهم من الحمدانية والكجورية والغلمان العرفان والمماليك وصبيان الدار وأصحاب الإقطاعات والمرتزقة والغلمان الحاكميّة القدم

стр. 948

على اختلاف أصنافهم، وكتب أمان الجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا وصاروا إلى تربة للعزيز بالله وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم، وكتبت سجلاّت عدّة بأمانات للديلم والجبل والغلمان الشرابية والغلمان الريحانية والغلمان البشارية والغلمان المفرّقة العجم وغيرهم والنقباء والروم المرتزقة، وكتبت عدّة أمانات للزويليين والبنادين والطبّالين والبرقيين والعطوفيين وللعرافة الجوانية والجودرية (١) وللمظفرّية وللصنهاجيين ولعبيد الشراء الحسينية وللميمونية وللفرحية وأمان لمؤذني أبواب القصر وأمانات لسائر البيارزة والفهّادين والحجّالين وأمانات أخر لعدّة أقوام، كلّ ذلك بعد سؤالهم وتضرّعهم. وقال: في جمادى الآخرة وخرج أهل الأسواق على طبقاتهم كلّ يلتمس كتب أمان يكون لهم، فكتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق على طبقاتهم نسخة واحدة، وكان يقرأ جميعها في القصر أبو عليّ أحمد بن عبد السميع العباسيّ، وتسلم أهل كل سوق ما كتب لهم، وهذه نسخة إحداها. بعد البسملة: هذا كتاب من عبد اللّه ووليه المنصور أبي عليّ، الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين، لأهل مسجد عبد اللّه، أنكم من الآمنين بأمان اللّه، الملك الحق المبين، وأمان جدّنا محمد خاتم النبيين، وأبينا عليّ خير الوصيين، وآبائنا الذريّة النبويّة المهديين، صلى اللّه على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين، وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال والدم والمال، لا خوف عليكم، ولا تمتدّ يد بسوء إليكم إلاّ في حدّ يقام بواجبه، وحق يؤخذ بمستوجبه، فليوثق بذلك وليعوّل عليه إن شاء اللّه تعالى. وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة والحمد للّه، وصلى اللّه على محمد سيد المرسلين، وعلى خير الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوّة، وسلم تسليما كثيرا. وقال ابن عبد الظاهر: فأمّا الحارات التي من باب الفتوح ميمنة وميسرة للخارج منه، فالميمنة إلى الهليلجة، والميسرة إلى بركة الأرمن برسم الريحانية، وهي الحسينية الآن، وكانت برسم الريحانية الغزاوية والمولدة والعجمان وعبيد الشراء، وكانت ثمان حارات وهي: حارة حامد، بين الحارتين، المنشية الكبيرة، الحارة الكبيرة، الحارة الوسطى، سوق الكبير، الوزيرية (٢) وللأجناد بظاهر القاهرة حارات وهي: حارة البيازرة والحسينية جميع ذلك سكن الريحانية وسكن الجيوشية والعطوفية بالقاهرة، وبظاهرها الهلالية والشوبك وحلب والحبانية والمأمونية وحارة الروم وحارة المصامدة والحارة الكبيرة والمنصورة الصغيرة واليانسية وحارة أبي بكر والمقس ورأس التبان والشارع. ولم يكن للأجناد في هذا الوجه غير حارة

стр. 949

عنتر للمؤمنين المترجلة، وكانت كل حارة من هذه بلدة كبيرة بالبزازين والعطارين والجزارين وغيرهم، والولاة لا يحكمون عليها، ولا يحكم فيها إلاّ الأزمة ونوّابهم، وأعظم الجميع الحارة الحسينية التي هي آخر صف الميمنة إلى الهليلجة، وهي الحسينية الآن، لأنها كانت سكن الأرمن، فارسهم وراجلهم، وكان يجتمع بها قريب من سبعة آلاف نفس وأكثر من ذلك، وبها أسواق عدّة. وقال في موضع آخر: الحسينية منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين، وكانوا في الأيام الكاملية قدموا من الحجاز، فنزلوا خارج باب النصر بهذه الأمكنة واستوطنوها، وبنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفي، فسمّيت بالحسينية، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك وابتنوا بها هذه الأبنية العظيمة، وهذا وهم، فإنه تقدّم أنّ جملة الطوائف في الأيام الحاكمية الطائفة الحسينية، وتقدّم فيما نقله ابن عبد الظاهر أيضا أنّ الحسينية كانت عدّة حارات، والأيام الكاملية، إنما كانت بعد الستمائة، وقد كانت الحسينية قبل ذلك بما ينيف عن مائتي سنة فتدبره. واعلم أنّ الحسينية شقتان، إحداهما ما خرج عن باب الفتوح، وطولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق، وهذه الشقة هي التي كانت مساكن الجند في أيام الخلفاء الفاطميين، وبها كانت الحارات المذكورة. والشقة الأخرى ما خرج عن باب النصر وامتدّ في الطول إلى الريدانية، وهذه الشقة لم يكن بها في أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلى العيد تجاه باب النصر، وما بين المصلى إلى الريدانية فضاء لا بناء فيه، وكانت القوافل إذا برزت تريد الحج تنزل هناك، فلما كان بعد الخمسين وأربعمائة وقدم بدر الجمالي أمير الجيوش، وقام بتدبير أمر الدولة الخليفة المنتصر بالله، أنشأ بحري مصلى العيد خارج باب النصر تربة عظيمة، وفيها قبره هو وولده الأفضل ابن أمير الجيوش، وأبو عليّ كتيفات بن الأفضل وغيره، وهي باقية إلى يومنا هذا. ثم تتابع الناس في إنشاء الترب هناك حتى كثرت، ولم تزل هذه الشقة مواضع للترب، ومقابر أهل الحسينية والقاهرة إلى بعد السبعمائة، ولقد حدّثت عن المشيخة ممن أدرك، بأنّ ما بين مصلى الأموات التي خارج باب النصر وبين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب؛ مكانا يعرف بالمراغة، معدّ لتمريغ الدّواب به، وأنّ ما في صف المصلى من بحريها الترب فقط، ولم تعمر هذه الشقة إلا في الدولة التركية، لا سيما لما تغلب التتر على ممالك الشرق والعراق، وجفل الناس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشقة وبالشقة الأخرى، وعمروا بها المساكن، ونزل بها أيضا أمراء الدولة فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة، واتخذ الأمراء بها من بحريها فيما بين الريدانية إلى الخندق مناخات الجمال، واصطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق والمساكن العظيمة في الكثرة، وصار أهلها يوصفون بالحسن، خصوصا لما قدمت الأويراتية.

стр. 950

ذكر قدوم الأويراتية وكان من خبر هذه الطائفة: أنّ بيدو بن طرغاي بن هولاكو لما قتل في ذي الحجة، سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وقام في الملك من بعده على المغل الملك غازان محمود بن خر بنده بن إيغاني، تخوّف منه عدّة من المغل يعرفون بالأويراتية، وفرّوا عن بلاده إلى نواحي بغداد، فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي، وجرت لهم خطوب آلت بهم إلى اللحاق بالفرات فأقاموا بها هنالك، وبعثوا إلى نائب حلب يستأذنوه في قطع الفرات ليعبروا إلى ممالك الشام، فأذن لهم، وعدّوا الفرات إلى مدينة بهنسا، فأكرمهم نائبا وقام لهم بما ينبغي من العلوفات والضيافات، وطولع الملك العادل زين الدين كتيفا، وهو يومئذ سلطان مصر والشام بأمرهم، فاستشار الأمراء فيما يعمل بهم، فاتفق الرأي على استدعاء أكابرهم إلى الديار المصرية، وتفريق باقيهم في البلاد الساحلية وغيرها من بلاد الشام، وخرج إليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري، والأمير شمس الدين سنقر الأعسر إلى دمشق، فجهزا أكابر الأويراتية نحو الثلاثمائة للقدوم على السلطان، وفرّقا من بقي منهم بالبقاع العزيزة وبلاد الساحل، ولما قرب الجماعة من القاهرة، وخرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم، واجتمع الناس من كل مكان حتى امتلأ الفضاء للنظر إليهم، فكان لدخولهم يوم عظيم، وصاروا إلى قلعة الجبل، فأنعم السلطان على طرغاي مقدّمهم بإمرة طبلخانة، وعلى اللصوص بإمرة عشرة، وأعطى البقية تقادما في الحلقة واقطاعات، وأجرى عليهم الرواتب، وأنزلوا بالحسينية، وكانوا على غير الملة الإسلامية، فشق ذلك على الناس، وبلوامع ذلك منهم بأنواع من البلاء لسوء أخلاقهم ونفرة نفوسهم وشدّة جبروتهم، وكان إذ ذاك بالقاهرة ومصر غلاء كبير وفناء عظيم، فتضاعفت المضرّة واشتدّ الأمر على الناس، وقال في ذلك الأديب شمس الدين محمد بن دينار: ربنا اكشف عنا العذاب فإنّا … قد تلفنا في الدولة المغلية جاءنا المغل والغلا فانصلقنا … وانطبخنا في الدولة المغلية ولما دخل شهر رمضان من سنة خمس وتسعين وستمائة لم يصم أحد من الأويراتية، وقيل للسلطان ذلك، فأبى أن يكرههم على الإسلام، ومنع من معارضتهم ونهى أن يشوّش عليهم أحد، وأظهر العناية بهم، وكان مراده أن يجعلهم عونا له يتقوّى بهم، فبالغ في إكرامهم حتى أثر في قلوب إمراء الدولة منه احنا وخشوا إيقاعه بهم، فإن الأويراتية كانوا أهل جنس كتيفا، وكانوا مع ذلك صورا جميلة، فافتتن بهم الأمراء وتنافسوا في أولادهم من الذكور والإناث، واتخذوا منهم عدّة صيّروهم من جملة جندهم، وتعشّقوهم، فكان بعضهم يستنشد من صاحبه من اختص به وجعله محل شهوته، ثم ما قنع الأمراء ما كان منهم بمصر حتى أرسلوا إلى البلاد الشامية واستدعوا منهم طائفة كبيرة، فتكاثر نسلهم في القاهرة
следующие страницы →