الخارج والفسح قدّامها إلى بركة الفيل. فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب المذكور، وبني بجانبها مسجد على زلاقة الباب المذكور، وبنى أبو بكر المصمودي مسجدا أيضا، وهذه فيما أعتقد هي الهلالية، وحذّر من بناء شيء قبالتها في الفضاء الذي بينها وبين بركة الفيل لانتفاع الناس، بها وصار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى آخر حصن دويرة مسعود إلى الباب الحديد، ولم يزل ذلك إلى بعض أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه. قال: وبنى في صفّ هذه الحارة من قبليّها عدّة دور بحوانيت تحتها إلى أن اتّصل البناء بالمساجد الثلاثة الحاكميّة المعلّقة والقنطرة المعروفة بدار ابن طولون وبعدها بستان ذكر أنه كان في جملة قاعات الدار المذكورة. قال: وأظنّ المساجد هي التي قبالة حوض الجاولي، قال: وبنى المأمون ظاهره حوضا وأجرى الماء له وذلك قبالة مشهد محمد الأصغر ومشهد السيّدة سكينة. قال: وأظنّ هذا البستان هو الذي بنته شجر (١) الدرّ بستانا ودارا وحمّامات قريب من مشهد السيّدة نفيسة، قال: وأمر المأمون بالنداء في القاهرة مع مصر ثلاثة أيام بأنّ من كانت له دار في الخراب أو مكان يعمر، ومن عجز عن أن يعمره فليؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له في شيء منه ولا حكر يلزمه. وأباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحقّ فيه، فطلب الناس كافة ما هو جار في الديوان السلطانيّ وغيره، وعمروه حتّى صار البلدان لا يتخلّلهما داثر ولا دارس، وبنى في الشارع يعني خارج باب زويلة من الباب الجديد إلى الجبل عرضا وهو القلعة الآن. قال: وكان الخراب استولى على تلك الأماكن في زمن المستنصر (٢) في أيام وزارة البازوري حتّى أنه كان بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجّه من القاهرة إلى مصر، وبنى حائطا آخر عند جامع (٣) ابن طولون. قال: وعمر ذلك حتّى صار المتعيّشون بالقاهرة والمستخدمون يصلّون العشاء الأخيرة بالقاهرة ويتوجّهون إلى مساكنهم في مصر لا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود إلى باب الصفا وهو المعاصر الآن، وذلك أنه يخرج من الباب الحديد الحاكمي على يمنة بركة الفيل إلى بستان سيف الإسلام وعدّة بساتين، وقبالة جميع ذلك حوانيت مسكونة عامرة بالمتعيّشين إلى مصر والمعاش مستمر الليل والنهار.
حارة الهلالية: ذكر ابن عبد الظاهر أنّها على يسرة الخارج من الباب الحديد الحاكمي.
حارة البيازرة: هذه الحارة خارج باب القنطرة على شاطئ الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جنادق والكدّاشين، وإلى
стр. 947
قريب من حارة بهاء الدين، واختطت هذه الحارة في الأيام الآمرية، وذلك أن زمام (١) البيازرة شكا ضيق دار الطيور بمصر، وسأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطئ الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطيور والوحوش إلى الماء، فأذن له في ذلك، فاختطّوا هذه الحارة وجعلوا منازلهم مناظر على الخليج، وفي كلّ دار باب سرّ ينزل منه إلى الخليج واتّصل بنا هذه الحارة بزقاق الكحل، فعرفت بهم وسميت بحارة البيازرة، واحدهم بازيار (٢)، ثم إنّ المختار الصقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانا وبنى فيه منظرة عظيمة، وهذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح، فلما كثرت العمائر في حارة البيازرة أمر الوزير المأمون بعمل الأقنة (٣) لشيّ الطوب على شاطئ الخليج الكبير إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشيّ الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء ومنتزهاتهم.
حارة الحسينية: عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية. قال المسبّحي في حوادث سنة خمس وتسعين وثلثمائة: وأمر بعمل شونة (٤) ممّا يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء فابتدئ بعملها في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وثلثمائة إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد، وظنّ كلّ من يتعلّق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أنّ هذه الشونة عملت لهم. ثمّ قويت الإشاعات وتحدّث العوام في الطرقات أنها للكتّاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم، فاجتمع سائر الكتّاب وخرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الأوّل ومعهم سائر المتصرّفين في الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة، ولم يزالوا يقبّلون الأرض حتّى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرّعون ويضجّون ويسألون العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن جميعهم إلى أن دخلوا باب القصر الكبير وسألوا أن يعفى عنهم ولا يسمع فيهم قول ساع يسعى بهم، وسلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين بن جوهر، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فأجيبوا إلى ما سألوا، وخرج إليهم قائد القوّاد، فأمرهم بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم، فانصرفوا بعد العصر، وقرئ من الغد سجل كتب منه نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بأمان لهم والعفو عنهم. وقال:
في ربيع الآخر، واشتدّ خوف الناس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فكتب ما شاء اللّه من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة وزمامهم وأمرائهم من الحمدانية والكجورية والغلمان العرفان والمماليك وصبيان الدار وأصحاب الإقطاعات والمرتزقة والغلمان الحاكميّة القدم
стр. 948
على اختلاف أصنافهم، وكتب أمان الجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا وصاروا إلى تربة للعزيز بالله وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم، وكتبت سجلاّت عدّة بأمانات للديلم والجبل والغلمان الشرابية والغلمان الريحانية والغلمان البشارية والغلمان المفرّقة العجم وغيرهم والنقباء والروم المرتزقة، وكتبت عدّة أمانات للزويليين والبنادين والطبّالين والبرقيين والعطوفيين وللعرافة الجوانية والجودرية (١) وللمظفرّية وللصنهاجيين ولعبيد الشراء الحسينية وللميمونية وللفرحية وأمان لمؤذني أبواب القصر وأمانات لسائر البيارزة والفهّادين والحجّالين وأمانات أخر لعدّة أقوام، كلّ ذلك بعد سؤالهم وتضرّعهم. وقال: في جمادى الآخرة وخرج أهل الأسواق على طبقاتهم كلّ يلتمس كتب أمان يكون لهم، فكتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق على طبقاتهم نسخة واحدة، وكان يقرأ جميعها في القصر أبو عليّ أحمد بن عبد السميع العباسيّ، وتسلم أهل كل سوق ما كتب لهم، وهذه نسخة إحداها.
بعد البسملة: هذا كتاب من عبد اللّه ووليه المنصور أبي عليّ، الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين، لأهل مسجد عبد اللّه، أنكم من الآمنين بأمان اللّه، الملك الحق المبين، وأمان جدّنا محمد خاتم النبيين، وأبينا عليّ خير الوصيين، وآبائنا الذريّة النبويّة المهديين، صلى اللّه على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين، وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال والدم والمال، لا خوف عليكم، ولا تمتدّ يد بسوء إليكم إلاّ في حدّ يقام بواجبه، وحق يؤخذ بمستوجبه، فليوثق بذلك وليعوّل عليه إن شاء اللّه تعالى. وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة والحمد للّه، وصلى اللّه على محمد سيد المرسلين، وعلى خير الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوّة، وسلم تسليما كثيرا. وقال ابن عبد الظاهر:
فأمّا الحارات التي من باب الفتوح ميمنة وميسرة للخارج منه، فالميمنة إلى الهليلجة، والميسرة إلى بركة الأرمن برسم الريحانية، وهي الحسينية الآن، وكانت برسم الريحانية الغزاوية والمولدة والعجمان وعبيد الشراء، وكانت ثمان حارات وهي: حارة حامد، بين الحارتين، المنشية الكبيرة، الحارة الكبيرة، الحارة الوسطى، سوق الكبير، الوزيرية (٢) وللأجناد بظاهر القاهرة حارات وهي: حارة البيازرة والحسينية جميع ذلك سكن الريحانية وسكن الجيوشية والعطوفية بالقاهرة، وبظاهرها الهلالية والشوبك وحلب والحبانية والمأمونية وحارة الروم وحارة المصامدة والحارة الكبيرة والمنصورة الصغيرة واليانسية وحارة أبي بكر والمقس ورأس التبان والشارع. ولم يكن للأجناد في هذا الوجه غير حارة
стр. 949
عنتر للمؤمنين المترجلة، وكانت كل حارة من هذه بلدة كبيرة بالبزازين والعطارين والجزارين وغيرهم، والولاة لا يحكمون عليها، ولا يحكم فيها إلاّ الأزمة ونوّابهم، وأعظم الجميع الحارة الحسينية التي هي آخر صف الميمنة إلى الهليلجة، وهي الحسينية الآن، لأنها كانت سكن الأرمن، فارسهم وراجلهم، وكان يجتمع بها قريب من سبعة آلاف نفس وأكثر من ذلك، وبها أسواق عدّة.
وقال في موضع آخر: الحسينية منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين، وكانوا في الأيام الكاملية قدموا من الحجاز، فنزلوا خارج باب النصر بهذه الأمكنة واستوطنوها، وبنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفي، فسمّيت بالحسينية، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك وابتنوا بها هذه الأبنية العظيمة، وهذا وهم، فإنه تقدّم أنّ جملة الطوائف في الأيام الحاكمية الطائفة الحسينية، وتقدّم فيما نقله ابن عبد الظاهر أيضا أنّ الحسينية كانت عدّة حارات، والأيام الكاملية، إنما كانت بعد الستمائة، وقد كانت الحسينية قبل ذلك بما ينيف عن مائتي سنة فتدبره.
واعلم أنّ الحسينية شقتان، إحداهما ما خرج عن باب الفتوح، وطولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق، وهذه الشقة هي التي كانت مساكن الجند في أيام الخلفاء الفاطميين، وبها كانت الحارات المذكورة. والشقة الأخرى ما خرج عن باب النصر وامتدّ في الطول إلى الريدانية، وهذه الشقة لم يكن بها في أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلى العيد تجاه باب النصر، وما بين المصلى إلى الريدانية فضاء لا بناء فيه، وكانت القوافل إذا برزت تريد الحج تنزل هناك، فلما كان بعد الخمسين وأربعمائة وقدم بدر الجمالي أمير الجيوش، وقام بتدبير أمر الدولة الخليفة المنتصر بالله، أنشأ بحري مصلى العيد خارج باب النصر تربة عظيمة، وفيها قبره هو وولده الأفضل ابن أمير الجيوش، وأبو عليّ كتيفات بن الأفضل وغيره، وهي باقية إلى يومنا هذا. ثم تتابع الناس في إنشاء الترب هناك حتى كثرت، ولم تزل هذه الشقة مواضع للترب، ومقابر أهل الحسينية والقاهرة إلى بعد السبعمائة، ولقد حدّثت عن المشيخة ممن أدرك، بأنّ ما بين مصلى الأموات التي خارج باب النصر وبين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب؛ مكانا يعرف بالمراغة، معدّ لتمريغ الدّواب به، وأنّ ما في صف المصلى من بحريها الترب فقط، ولم تعمر هذه الشقة إلا في الدولة التركية، لا سيما لما تغلب التتر على ممالك الشرق والعراق، وجفل الناس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشقة وبالشقة الأخرى، وعمروا بها المساكن، ونزل بها أيضا أمراء الدولة فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة، واتخذ الأمراء بها من بحريها فيما بين الريدانية إلى الخندق مناخات الجمال، واصطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق والمساكن العظيمة في الكثرة، وصار أهلها يوصفون بالحسن، خصوصا لما قدمت الأويراتية.
стр. 950
ذكر قدوم الأويراتية
وكان من خبر هذه الطائفة: أنّ بيدو بن طرغاي بن هولاكو لما قتل في ذي الحجة، سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وقام في الملك من بعده على المغل الملك غازان محمود بن خر بنده بن إيغاني، تخوّف منه عدّة من المغل يعرفون بالأويراتية، وفرّوا عن بلاده إلى نواحي بغداد، فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي، وجرت لهم خطوب آلت بهم إلى اللحاق بالفرات فأقاموا بها هنالك، وبعثوا إلى نائب حلب يستأذنوه في قطع الفرات ليعبروا إلى ممالك الشام، فأذن لهم، وعدّوا الفرات إلى مدينة بهنسا، فأكرمهم نائبا وقام لهم بما ينبغي من العلوفات والضيافات، وطولع الملك العادل زين الدين كتيفا، وهو يومئذ سلطان مصر والشام بأمرهم، فاستشار الأمراء فيما يعمل بهم، فاتفق الرأي على استدعاء أكابرهم إلى الديار المصرية، وتفريق باقيهم في البلاد الساحلية وغيرها من بلاد الشام، وخرج إليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري، والأمير شمس الدين سنقر الأعسر إلى دمشق، فجهزا أكابر الأويراتية نحو الثلاثمائة للقدوم على السلطان، وفرّقا من بقي منهم بالبقاع العزيزة وبلاد الساحل، ولما قرب الجماعة من القاهرة، وخرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم، واجتمع الناس من كل مكان حتى امتلأ الفضاء للنظر إليهم، فكان لدخولهم يوم عظيم، وصاروا إلى قلعة الجبل، فأنعم السلطان على طرغاي مقدّمهم بإمرة طبلخانة، وعلى اللصوص بإمرة عشرة، وأعطى البقية تقادما في الحلقة واقطاعات، وأجرى عليهم الرواتب، وأنزلوا بالحسينية، وكانوا على غير الملة الإسلامية، فشق ذلك على الناس، وبلوامع ذلك منهم بأنواع من البلاء لسوء أخلاقهم ونفرة نفوسهم وشدّة جبروتهم، وكان إذ ذاك بالقاهرة ومصر غلاء كبير وفناء عظيم، فتضاعفت المضرّة واشتدّ الأمر على الناس، وقال في ذلك الأديب شمس الدين محمد بن دينار:
ربنا اكشف عنا العذاب فإنّا … قد تلفنا في الدولة المغلية
جاءنا المغل والغلا فانصلقنا … وانطبخنا في الدولة المغلية
ولما دخل شهر رمضان من سنة خمس وتسعين وستمائة لم يصم أحد من الأويراتية، وقيل للسلطان ذلك، فأبى أن يكرههم على الإسلام، ومنع من معارضتهم ونهى أن يشوّش عليهم أحد، وأظهر العناية بهم، وكان مراده أن يجعلهم عونا له يتقوّى بهم، فبالغ في إكرامهم حتى أثر في قلوب إمراء الدولة منه احنا وخشوا إيقاعه بهم، فإن الأويراتية كانوا أهل جنس كتيفا، وكانوا مع ذلك صورا جميلة، فافتتن بهم الأمراء وتنافسوا في أولادهم من الذكور والإناث، واتخذوا منهم عدّة صيّروهم من جملة جندهم، وتعشّقوهم، فكان بعضهم يستنشد من صاحبه من اختص به وجعله محل شهوته، ثم ما قنع الأمراء ما كان منهم بمصر حتى أرسلوا إلى البلاد الشامية واستدعوا منهم طائفة كبيرة، فتكاثر نسلهم في القاهرة
стр. 951
واشتدّت الرغبة من الكافة في أولادهم على اختلاف الآراء في الإناث والذكور، فوقع التحاسد والتشاجر بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم وبأسباب أخر إلى خلع السلطان الملك العادل كتيفا من الملك، في صفر سنة ست وتسعين وستمائة.
فلما قام في السلطنة من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين، قبض على طرغاي مقدّم الأويراتية، وعلى جماعة من أكابرهم، وبعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم بها وقتلهم، وفرّق جميع الأويراتية على الأمراء، فاستخدموهم وجعلوهم من جندهم، فصار أهل الحسينية لذلك يوصفون بالحسن والجمال البارع، وأدركنا من ذلك طرفا جيدا، وكان للناس في نكاح نسائهم رغبة، ولآخرين شغف بأولادهم، وللّه در الشيخ تقيّ الدين السروجيّ إذ يقول من أبيات:
يا ساعي الشوق الذي مذ جرى … جرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جوابا عن كتابي الذي … إلى الحسينية عنوانه
فهي كما قد قيل وادي الحمى … وأهلها في الحسن غزلانه
أمشي قليلا وانعطف يسرة … يلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدرب ذاك الذي … بحسنه تحسّن جيرانه
سلم وقل يخشى مسن أي مسن … اشت حديثا طال كتمانه
وسل لي الوصل فإن قال بق … فقل أوت قد طال هجرانه
وما برحوا يوصفون بالزعارة والشجاعة، وكان يقال لهم البدورة، فيقال البدر فلان، والبدر فلان، ويعانون لباس الفتوّة وحمل السلاح، ويؤثر منهم حكايات كثيرة وأخبار جمة، وكانت الحسينية قد أربت في عمارتها على سائر اخطاط مصر والقاهرة، حتى لقد قال لي ثقة ممن أدركت من الشيخة: أنّه يعرف الحسينية عامرة بالأسواق والدور، وسائر شوارعها كافة بازدحام الناس، ومن الباعة والمارة وأرباب المعايش، وأصحاب اللهو والملعوب، فيما بين الريدانية، محطة المحمل يوم خروج الحاج من القاهرة، وإلى باب الفتوح، لا يستطيع الإنسان أن يمرّ في هذا الشارع الطويل العريض طول هذه المسافة الكبيرة إلاّ بمشقة من الزحام، كما كنا نعرف شاعر بين القصرين فيما أدركنا. وما زال أمر الحسينية متماسكا إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ست وثمانمائة وما بعدها، فخربت حاراتها، ونقضت مبانيها، وبيع ما فيها من الأخشاب وغيرها، وباد أهلها، ثم حدث بها بعد سنة عشرين وثمانمائة آية من آيات اللّه تعالى، وذلك أنّ في أعوام بضع وستين وسبعمائة، بدا بناحية برج الزيات فيما بين المطرية وسر ياقوس فساد الأرضة التي من شأنها العبث في الكتب والثياب، فأكلت لشخص نحو ألف وخمسمائة قتة دريس، فكنّا لا نزال نتعجب من ذلك، ثم فشت هناك وشنع عبثها في سقوف الدور، وسرت حتى عاثت في أخشاب سقوف
стр. 952
الحسينية وغلات أهلها وسائر أمتعتهم، حتى أتلفت شيئا كثيرا، وقويت حتى صارت تأكل الجدران، فبادر أهل تلك الجهة إلى هدم ما قد بقي من الدور، خوفا عليها من الأرضة شيئا بعد شيء حتى قاربوا باب الفتوح وباب النصر، وقد بقي منها اليوم قليل من كثير يخاف إن استمرّت أحوال الإقليم على ما هي عليه من الفساد أن تدثر وتمحى آثارها، كما دثر سواها، وللّه در القائل:
واللّه إن لم يداركها وقد رحلت … بلمحة أو بلطف من لديه خفي
ولم يجد بتلافيها على عجل … ما أمرها صائر إلاّ إلى تلف
حارة حلب: هذه الحارة خارج باب زويلة، تعرف اليوم بزقاق حلب، وكانت قديما من جملة مساكن الأجناد. قال ياقوت في باب حلب: الأوّل حلب المدينة المشهورة بالشام، وهي قصبة نواحي قنسرين والعواصم اليوم، الثاني حلب الساجود من نواحي حلب أيضا الثالث كفر حلب من قراها أيضا، الرابع محلة بظاهر القاهرة بالشارع من جهة الفسطاط. واللّه تعالى أعلم.
ذكر اخطاط القاهرة وظواهرها
قد تقدّم ذكر ما يطلق عليه حارة من الأخطاط، ونريد أن نذكر من الخطط ما لا يطلق عليه اسم حارة ولا درب، وهي كثيرة، وكل قليل تتغير أسماؤها، ولا بدّ من إيراد ما تيسر منها.
خط خان الوراقة: هذا الخط فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش، وفي شرقيّة سوق المرجلين، وهو يشتمل على عدّة مساكن، وبه طاحون، وكان موضعه قديما اصطبل الصبيان الحجرية لموقف خيولهم كما تقدّم، فلما زالت الدولة الفاطمية اختط مواضع للسكنى وقد شمله الخراب.
خط باب القنطرة: هذا الخط كان يعرف قديما بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرماحين، وكان ما بين الرماحين الذي يعرف اليوم بباب القوس، داخل باب القنطرة، وبين الخليج، فضاء لا عمارة فيه، بطول ما بين باب الرماحين إلى باب الخوخة، وإلى باب سعادة، وإلى باب الفرج، ولم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر البتة، وإنما العمائر من جانب الكافوري (١) وهي مناظر اللؤلؤة (٢) وما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، وتخرج
стр. 953
العامّة عصريات كل يوم إلى شاطيء الخليج الشرقي تحت المناظر للتفرّج، فإن بر الخليج الغربيّ كان فضاء ما بين بساتين وبرك، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وثمانين وخمسمائة: في شوّال قطع النيل الجسور واقتلع الشجر، وغرّق النواحي وهدم المساكن، وأتلف كثيرا من النساء والأطفال، وكثر الرخاء بمصر، فالقمح كل مائة أردب بثلاثين دينارا، والخبز البايت ستة أرطال بربع درهم، والرطب الأمهات ستة أرطال بدرهم، والموز ستة أرطال بدرهم، والرمان الجيد مائة حبة بدرهم، والحمل الخيار بدرهمين، والتين ثمانية أرطال بدرهم، والعنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابه بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين، والياسمين خمسة أرطال بدرهم، وآل أمر أصحاب البساتين إلى أن لا يجمعوا الزهر لنقص ثمنه عن أجرة جمعه، وثمر الحناء عشرة أرطال بدرهم، والبسرة عشرة أرطال بدرهم من جيده، والمتوسط خمسة عشر رطلا بدرهم، وما في مصر إلاّ متسخط بهذه النعمة.
قال: ولقد كنت في خليج القاهرة من جهة المقس لانقطاع الطرق بالمياه، فرأيت الماء مملوء سمكا، والزيادة قد طبقت الدنيا، والنخل مملوء تمرا، والمكشوف من الأرض مملوء ريحانا وبقولا، ثم نزلت فوصلت إلى المقس، فوجدت من القلعة التي بالمقس إلى منية السيرج غلالا قد ملأت صبرها الأرض، فلا يدري الماشي أين يضع رجله، متصلا عرض ذلك إلى باب القنطرة، وعلى الخليج عند باب القنطرة من مراكب الغلة ما قد ستر سواحله وأرضه. قال: ودخلت البلد فرأيت في السوق من الأخباز واللحوم والألبان والفواكه ما قد ملأها، وهجمت منه العين على منظر ما رأيت قبله مثله. قال: وفي البلد من البغي ومن المعاصي ومن الجهر بها ومن الفسق بالزنا واللواط ومن شهادة الزور ومن مظالم الأمراء والفقهاء، ومن استحلال الفطر في نهار رمضان وشرب الخمر في ليله ممن يقع عليه اسم الإسلام، ومن عدم النكير على ذلك جميعه ما لم يسمع ولم يعهد مثله، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وظفر بجماعة مجتمعين في حارة الروم يتغدّون في قاعة في نهار رمضان، فما كلموا، وبقوم مسلمين ونصارى اجتمعوا على شرب خمر في ليل رمضان، فما أقيم فيهم حدّ، وخط باب القنطرة فيما بين حارة بهاء الدين (١) وسويقة أمير الجيوش (٢) وينتهى من قبليه إلى خط بين السورين.
خط بين السورين: هذا الخط من حدّ باب الكافوري في الغرب إلى باب سعادة، وبه الآن صفان من الأملاك، أحدهما مشرف على الخليج، والآخر مشرف على الشارع المسلوك
стр. 954
فيه، من باب القنطرة إلى باب سعادة، ويقال لهذا الشارع بين السورين، تسمية للعّامة بها فاشتهر بذلك، وكان في القديم بهذا الخط البستان الكافوري، يشرف عليه بحده الغربي ثمة مناظر اللؤلؤة، وقد بقيت منها عقود مبنية بالآجر، يمرّ السالك في هذا الشارع من تحتها، ثم مناظر دار الذهب، وموضعها الآن دار تعرف بدار بهادر الأعسر، وعلى بابها بئر يستقي منها الماء في حوض يشرب منه الدواب، ويجاورها قبو معقود يعرف بقبو الذهب، وهو من بقية مناظر دار الذهب، وبحدّ دار الذهب منظرة الغزالة، وهي بجوار قنطرة الموسكي، وقد بني في مكانها ربع يعرف إلى اليوم بربع غزالة، ودار ابن قرفة، وقد صار موضعها جامع ابن المغربي، وحمام ابن قرفة، وبقي منها البئر التي يستقي منها إلى اليوم بحمام السلطان، وعدّة دور كلها فيما يلي شقة القاهرة من صف باب الخوخة، وكان ما بين المناظر والخليج براحا، ولم يكن شيء من هذه العمائر التي بحافة الخليج اليوم البتة، وكان الحاكم بأمر اللّه في سنة إحدى وأربعمائة منع من الركوب في المراكب بالخليج، وسدّ أبواب القاهرة التي تلي الخليج، وأبواب الدور التي هناك، والطاقات المطلة عليه على ما حكاه المسبحيّ.
وقال ابن المأمون في حوادث سنة ست عشرة وخمسمائة، ولما وقع الاهتمام بسكن اللؤلؤة والمقام بها مدّة النيل على الحكم الأوّل، يعني قبل أيام أمير الجيوش بدر وابنه الأفضل، وإزالة ما لم تكن العادة جارية عليه من مضايقة اللؤلؤة بالبناء، وأنها صارت حارات تعرف بالفرحية والسودان وغيرهما، أمر حسام الملك متولي بابه بإحضار عرفاء الفرحية والإنكار عليهم في تجاسرهم على ما استجدّوه وأقدموا عليه، فاعتذروا بكثرة الرجال وضيق الأمكنة عليهم، فبنوا لهم قبابا يسيرة، فتقدّم يعني أمر الوزير المأمون إلى متولي الباب بالإنعام عليهم وعلى جميع من بنى في هذه الحارة بثلاثة آلاف درهم، وأن يقسم بينهم بالسوية، ويأمرهم بنقل قسمهم، وأن يبنو لهم حارة قبالة بستان الوزير، يعني ابن المغربيّ، خارج الباب الجديد من الشارع، خارج باب زويلة.
قال: وتحوّل الخليفة إلى اللؤلؤة بحاشيته، وأطلقت التوسعة في كل يوم لما يخص الخاص والجهات والأستاذين من جميع الأصناف، وانضاف إليها ما يطلق كل ليلة عينا وورقا وأطعمة للبائتين بالنوبة برسم الحرس بالنهار والسهر في طول الليل، من باب قنطرة بهادر إلى مسجد الليمونة من البرين، من صبيان الخاص والركاب والرهجية والسودان والحجاب، كل طائفة بنقيبها، والعرض من متولي الباب واقع بالعدة في طرفي كل ليلة، ولا يمكن بعضهم بعضا من المنام والرهجية تخدم على الدوام.
خط الكافوري: هذا الخط كان بستانا من قبل بناء القاهرة وتملك الدولة الفاطمية لديار مصر، أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج بن جف، الملقب بالإخشيد، وكان بجانبه ميدان فيه الخيول، وله أبواب من حديد، فلما قدم جوهر القائد إلى مصر، جعل هذا
стр. 955
البستان من داخل القاهرة، وعرف ببستان كافور، وقيل له في الدولة الفاطمية البستان الكافوري، ثم اختط مساكن بعد ذلك.
قال ابن زولاق في كتاب سيرة الإخشيد: ولست خلون من شوّال سنة ثلاثين وثلثمائة، سار الإخشيد إلى الشام في عساكره، واستخلف أخاه أبا المظفر بن طفج. قال:
وكان يكره سفك الدماء، ولقد شرع في الخروج إلى الشام في آخر سفراته، وسار العسكر، وكان نازلا في بستانه في موضع القاهرة اليوم، فركب للمسير، فساعة خرج من باب البستان اعترضه شيخ يعرف بمسعود الصابوني، يتظلّم إليه، فنظر له، فتطير به وقال: خذوه ابطحوه، فبطح وضرب خمس عشرة مقرعة وهو ساكت. فقال الإخشيد: هو ذا يتشاطر.
فقال له كافور: قد مات. فانزعج واستقال سفرته وعاد لبستانه، وأحضر أهل الرجل واستحلهم وأطلق لهم ثلاثمائة دينار، وحمل الرجل إلى منزله ميتا، وكانت جنازته عظيمة، وسافر الإخشيد فلم يرجع إلى مصر، ومات بدمشق. وقال في كتاب تتمة كتاب أمراء مصر للكندي: وكان كافور الإخشيدي أمير مصر يواصل الركوب إلى الميدان وإلى بستانه في يوم الجمعة ويوم الأحد ويوم الثلاثاء، قال: وفي غد هذا اليوم، يعني يوم الثلاثاء، مات الأستاذ كافور الإخشيدي، لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ويوم مات الأستاذ كافور الإخشيدي، خرج الغلمان والجند إلى المنظرة وخرّبوا بستان كافور، ونهبوا دوابه وطلبوا مال البيعة.
وقال ابن عبد الظاهر: البستان الكافوري هو الذي كان بستانا لكافور الإخشيدي، وكان كثيرا ما يتنزه به، وبنيت القاهرة عنده، ولم يزل إلى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاختطت البحرية والعزيزية به اصطبلات، وأزيلت أشجاره. قال: ولعمري إنّ خرابه كان بحق، فإنه كان عرف بالحشيشة التي يتناولها الفقراء، والتي تطلع به يضرب بها المثل في الحسن. قال شاعرهم نور الدين أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن علي الينبعي لنفسه:
ربّ ليل قطعته ونديمي … شاهدي هو مسمعي وسميري
مجلسي مسجد وشربي من خض … راء تزهو بحسن لون نضير
قال لي صاحبي وقد فاح منها … نشرها مزريا بنشر العبير
أمن المسك؟ قلت ليست من المس … ك ولكنّها من الكافوري
وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد الأسديّ الدمشقيّ، المعروف باليغموري: أنشدني الإمام العالم المعروف بجموع الفضائل، زين الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي لنفسه، وهو أوّل من عمل فيها:
وخضراء كافورية بات فعلها … بألبابنا فعل الرحيق المعتّق
إذ نفحتنا من شذاها بنفحة … تدبّ لنا في كل عضو ومنطق
стр. 956
غنيت بها عن شرب خمر معتّق … وبالدلق عن لبس الجديد المزوّق
وأنشدني الحافظ جلال الدين أبو المعز ابن أبي الحسن بن أحمد بن الصائغ المغربيّ لنفسه:
عاطني خضراء كافورية … يكتب الخمر لها من جندها
أسكرتنا فوق ما تسكرنا … وربحنا أنفسا من حدّها
وأنشدني لنفسه:
قم عاطني خضراء كافورية … قامت مقام سلافة الصهباء
يغدو الفقير إذا تناول درهما … منها له تيه على الأمراء
وتراه من أقوى الورى فإذا خلا … منها عددناه من الضعفاء
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضا:
عاطيت من أهوى وقد زارني … كالبدر وافى ليلة البدر
والبحر قد مدّ على متنه … شعاعه جسرا من التبر
خضراء كافورية رنحت … أعطافه من شدّة السكر
يفعل منها درهم فوق ما … تفعل أرطال من الخمر
فراح نشوانا بها غافلا … لا يعرف الحلو من المرّ
قال وقد نال بها أمره … فبات مردودا إلى أمري
قتلتني قلت نعم سيدي … قتلين بالسكر وبالبحر
قال: وأمر السلطان الملك الصالح، يعني نجم الدين أيوب، الأمير جمال الدين أبا الفتح موسى بن يغمور، أن يمنع من يزرع في الكافوري من الحشيشة شيئا، فدخل ذات يوم فرأى فيه منها شيئا كثيرا، فأمر بأن يجمع فجمع وأحرق. فأنشدني في الواقعة الشيخ الأديب الفاضل شرف الدين أبو العباس أحمد بن يوسف لنفسه، وذلك في ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وستمائة:
صرف الزمان وحادث المقدور … تركا نكير الخطب غير نكير
ما سالما حيا ولا ميتا ولا … طودا سما بل دكدكا (١) بالطور
لهفي وهل يجدي التهلف في ذرى … طرب الغنيّ وأنس كلّ فقير
أخت المذلة لارتكاب محرّم … قطب السرور بأيسر الميسور
جمعت محاسن ما اجتمعن لغيرها … من كلّ شيء كان في المعمور
стр. 957
منها طعام والشراب كلاهما … والبقل والريحان وقت حضور
هي روضة إن شئتها ورياضة … يغنى بها عن روضة وخمور
ما في المدامة كلّها منها سوى … إثم المدام وصحبة المخمور
كلا ونكهة خمرة هي شاهد … عدل على حدّ وجلد ظهور
أسفا لدهر غالها ولربما … ظلّ الكريم بذلة الماسور
جمعت له الأشهاد كرما أخضرا … كعروسة تجلى بخضر حرير
زفوا لها نارا فخلنا جنة … برزت لنا قد زوّجت بالنور
ثم اكتست منها غلالة صفرة … في خضرة مقرونة بزفير
فكأنها لهب اللظى في خضرة … منها وطرف رمادها المنثور
جارى النضار على مذاب زمرّد … تركا فتيت المسك في الكافوري
للّه درك حية أو ميتة … من منظر بهج بغير نظير
أوذيت غير ذميمة فسقى الحيا … تربا تضمّن منك ذوب عبير
عندي لذكرك ما بقيت مخلدا … سح الدموع ونفثة المصدور
ذكر كافور الإخشيدي (١)
كان عبدا أسود خصيا، مثقوب الشفة السفلى، بطينا قبيح القدمين، ثقيل البدن، جلب إلى مصر وعمره عشر سنين فما فوقها، في سنة عشر وثلثمائة، فلما دخل إلى مصر تمنى أن يكون أميرها، فباعه الذي جلبه لمحمد بن هاشم، أحد المتقبلين للضياع، فباعه لابن عباس الكاتب، فمرّ يوما بمصر على منجّم فنظر له في نجومه وقال له: أنت تصير إلى رجل جليل القدر، وتبلغ معه مبلغا عظيما، فدفع إليه درهمين لم يكن معه سواهما، فرمى بهما إليه وقال: أبشّرك بهذه البشارة وتعطيني درهمين؟ ثم قال له: وأزيدك، أنت تملك هذه البلد وأكثر منه، فاذكرني.
واتفق أنّ ابن عباس الكاتب أرسله بهدية يوما إلى الأمير أبي بكر محمد بن طفج الإخشيد، وهو يومئذ أحد قوّاد تكين أمير مصر، فأخذ كافورا وردّ الهدية، فترقّى عنده في الخدم حتى صار من أخص خدمه.
ولما مات الإخشيد بدمشق، ضبط كافور الأمور ودارى الناس ووعدهم إلى أن سكنت الدهماء، بعد أن اضطرب الناس، وجهز أستاذه وحمله إلى بيت المقدس، وسار إلى مصر
стр. 958
فدخلها. وقد انعقد الأمر بعد الإخشيد لابنه أبي القاسم أونوجور (١)، فلم يكن بأسرع من ورود الخبر من دمشق بأنّ سيف الدولة عليّ بن حمدان أخذها وسار إلى الرملة، فخرج كافور بالعساكر وضرب الدباديب، وهي الطبول، على باب مضربه في وقت كل صلاة، وسار فظفر وغنم ثم قدم إلى مصر وقد عظم أمره، فقام بخلافة أو نوجور، فخاطبه القوّاد بالأستاذ، وصار القوّاد يجتمعون عنده في داره فيخلع عليهم ويحملهم ويعطيهم، حتى أنه وقع لجانك أحد القوّاد الإخشيدية في يوم بأربعة عشر ألف دينار، فما زال عبدا له حتى مات، وانبسطت يده في الدولة، فعزل وولى وأعطى وحرم، ودعي له على المنابر كلها إلاّ منبر مصر والرملة وطبرية، ثم دعي له بها في سنة أربعين وثلثمائة، وصار يجلس للمظالم في كل سبت، ويحضر مجلسه القضاة والوزراء والشهود ووجوه البلد، فوقع بينه وبين الأمير أونوجور، وتحرّر كل منهما من الآخر، وقويت الوحشة بينهما، وافترق الجند، فصار مع كل واحد طائفة، واتفق موت أونوجور في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة، ويقال أنه سمّه. فأقام أخاه أبا الحسن عليّ بن الإخشيد من بعده، واستبدّ بالأمر دونه، وأطلق له في كل سنة أربعمائة ألف دينار، واستقل بسائر أحوال مصر والشام، ففسد ما بينه وبين الأمير أبي الحسن عليّ، فضيّق عليه كافور ومنع أن يدخل عليه أحد، فاعتل بعلة أخيه ومات، وقد طالت به في محرّم سنة خمس وخمسين وثلثمائة.
فبقيت مصر بغير أمير أياما لا يدعى فيها سوى للخليفة المطيع فقط، وكافور يدبر أمر مصر والشام في الخراج والرجال، فلما كان لأربع بقين من المحرّم المذكور، أخرج كافور كتابا من الخليفة المطيع بتقليده بعد عليّ بن الإخشيد، فلم يغير لقبه بالأستاذ، ودعى له على المنبر بعد الخليفة، وكانت له في أيامه قصص عظام، وقدم عسكر من المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ من المغرب إلى الواحات، فجهّز إليه جيشا أخرجوا العسكر وقتلوا منهم، وصارت الطبول تضرب على بابه خمس مرّات في اليوم والليلة، وعدّتها مائة طبلة من نحاس. وقدمت عليه دعاة المعز لدين اللّه من بلاد المغرب يدعونه إلى طاعته، فلاطفهم، وكان أكثر الإخشيدية والكافورية وسائر الأولياء والكتّاب قد أخذت عليهم البيعة للمعز، وقصر مدّ النيل في أيامه. فلم يبلغ تلك السنة سوى اثني عشر ذراعا وأصابع، فاشتدّ الغلاء وفحش الموت في الناس، حتى عجزوا عن تكفينهم ومواراتهم، وأرجف بمسير القرامطة إلى الشام، وبدت غلمانه تتنكر له، وكانوا ألفا وسبعين غلاما تركيا سوى الروم والمولدين، فمات لعشر بقين من جمادى الأوّل سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، عن ستين سنة، فوجد له من العين سبعمائة ألف دينار، ومن الورق والحلي والجوهر والعنبر والطيب والثياب والآلات والفرش والخيام والعبيد والجواري والدواب ما قوّم بستمائة ألف ألف دينار،
стр. 959
وكانت مدّة تدبيره أمر مصر والشام والحرمين إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرين يوما، منها منفردا بالولاية بعد أولاد أستاذه سنتان وأربعة أشهر وتسعة أيام، ومات عن غير وصية ولا صدقة ولا مأثرة يذكر بها، ودعي له على المنابر بالكنية التي كناه بها الخليفة، وهي أبو المسك، أربع عشرة جمعة، وبعده اختلت مصر وكادت تدمر حتى قدمت جيوش المعز على يد القائد جوهر، فصارت مصر دار خلافة، ووجد على قبره مكتوب:
ما بال قبرك يا كافور منفردا … بصائح الموت بعد العسكر اللجب
يدوس قبرك من أدنى الرجال وقد … كانت أسود الشرى تخشاك في الكثب
ووجد أيضا مكتوب:
انظر إلى غير الأيام ما صنعت … أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت
دنياهم أضحكت أيام دولتهم … حتى إذا فنيت ناحت لهم وبكت
خط الخرشتف: هذا الخط فيما بين حارة برجوان والكافوري، ويتوصل إليه من بين القصرين، فيدخل له من قبو يعرف بقبو الخرشتف، وهو الذي كان يعرف قديما بباب التبانين، ويسلك من الخرشتف إلى خط باب سرّ المارستان، وإلى حارة زويلة، وكان موضع الخرشتف في أيام الخلفاء الفاطميين ميدانا بجوار القصر الغربيّ والبستان الكافوريّ، فلما زالت الدولة اختطّ وصار فيه عدّة مساكن، وبه أيضا سوق، وإنما سمّي بالخرشتف لأنّ المعز أوّل من بنى فيه الاصطبلات بالخرشتف، وهو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات من الأزبال وغيرها. قال ابن عبد الظاهر: الحارة المعروفة بالخرشتف كانت قديما ميدانا للخلفاء، فلما ورد المعز بنوا به اصطبلات وكذلك القصر الغربيّ، وقد كان النساء اللاتي أخرجن من القصر يسكنّ بالقصر النافعي، فامتدّت الأيدي إلى طوبه وأخشابه، وبيعت وتلاشى حاله وبني به وبالميدان اصطبلات ودويرات بالخرشتف، فسمي بذلك، ثم بنى به الأدر والطواحين وغيرها، وذلك بعد الستمائة، وأكثر أراضي الميدان حكر للأدر القطبية.
خط اصطبل القطبية (١): هذا الخط أيضا من جملة أراضي الميدان، ولما انتقلت القاعة التي كانت سكن أخت الحاكم بأمر اللّه بعد زوال الدولة الفاطمية، صارت إلى الملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، فاستقرّ بها هو وذريته، فصار يقال لها الدار القطبية، واتخذ هذا المكان اصطبلا لهذه القاعة، فعرف باصطبل القطبية، ثم لما أخذ الملك المنصور قلاوون القاعة القطبية من مونسة خاتون، المعروفة بدار إقبال ابنة الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، أخت المفضل قطب الدين أحمد المعروفة
стр. 960
بخاتون القطبية، وعملها المارستان المنصوري، بنى في هذا الإصطبل المساكن، وصارت من جملة الخطط المشهورة، ويتوصل إليه من وسط سوق الخرشتف، ويسلك فيه من آخره إلى المدرسة الناصرية والمدرسة الظاهرية المستجدّة، وعمل على أوّله دربا يغلق وهو خط عامر.
خط باب سر المارستان: هذا الخط يسلك إليه من الخرشتف، ويصير السالك فيه إلى البندقانيين، وبعض هذا الخط وهو جله ومعظمه من جملة اصطبل الجميزة الذي كان فيه خيول الدولة الفاطمية، وقد تقدّم ذكره. وموضع باب سر المارستان المنصوري هو باب الساباط، فلما زالت الدولة واختط الكافوري والخرشتف واصطبل القطبية، صار هذا الخط واقعا بين هذه الأخطاط، ونسب إلى باب سر المارستان لأنه من هنالك، وأدركت بعض هذه الخطة وهي خراب، ثم أنشأ فيه القاضي جمال الدين محمود القيصري محتسب القاهرة في أيام ولايته. نظر المارستان، في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، الطاحون العظيمة ذات الأحجار، والفرن والربع، علوه في المكان الخراب، وجعل ذلك جاريا في جملة أوقاف المارستان المنصوري.
خط بين القصرين: هذا الخط أعمر أخطاط القاهرة وأنزهها، وقد كان في الدولة الفاطمية فضاء كبيرا وبراحا واسعا، يقف فيه عشرة آلاف من العسكر ما بين فارس وراجل، ويكون به طرادهم ووقوفهم للخدمة، كما هو الحال اليوم في الرميلة تحت قلعة الجبل، فلما انقضت أيام الدولة الفاطمية وخلت القصور من أهاليها، ونزل بها أمراء الدولة الأيوبية وغيروا معالمها، صار هذا الموضع سوقا مبتذلا بعد ما كان ملاذا مبجلا، وقعد فيه الباعة بأصناف المأكولات، من اللحمان المتنوّعة والحلاوات المصنعة والفاكهة وغيرها، فصار منتزها تمر فيه أعيان الناس وأماثلهم في الليل مشاة، لرؤية ما هناك من السرج والقناديل الخارجة عن الحدّ في الكثرة، ولرؤية ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، مما فيه لذة للحواس الخمس، وكانت تعقد فيه عدّة حلق لقراءة السير والأخبار وإنشاد الأشعار، والتفنن في أنواع اللعب واللهو، فيصير مجمعا لا يقدّر قدره، ولا يمكن حكاية وصفه، وسأتلو عليك من أنباء ذلك ما لا تجده مجموعا في كتاب.
قال المسبّحي في حوادث جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلثمائة: وفيه منع كل أحد ممن يركب مع المكاريين أن يدخل من باب القاهرة راكبا، ولا المكاريين أيضا بحميرهم، ولا يجلس أحد على باب الزهومة (١) من التجار وغيرهم، ولا يمشي أحد
стр. 961
ملاصق القصر من باب الزهومة إلى أقصى باب الزمرّد (١)، ثم عفى عن المكاريين بعد ذلك وكتب لهم أمان قرئ.
وقال ابن الطوبر: ويبيت خارج باب القصر كل ليلة خمسون فارسا، فإذا أذّن بالعشاء الآخرة داخل القاعة، وصلّى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم، وقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدولة ابن الكركندي، فإذا علم بفراغ الصلاة أمر بضرب النوبات، من الطبل والبوق وتوابعهما من عدّة وافرة بطريق مستحسنة ساعة زمانية، ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة، فيقول: أمير المؤمنين يردّ علي سنان الدولة السلام، فيصقع ويغرس حربة على الباب ثم يرفعها بيده، فإذا رفعها أغلق الباب وسار إلى حوالي القصر سبع دورات، فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البياتين والفرّاشين المقدّم ذكرهم، وأفضى المؤذنون إلى خزانتهم هناك، ورميت السلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين، فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرا قريب الفجر، فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة. انتهى.
وأخبرني المشيخة أنه ما زال الرسم إلى قريب، أنه لا يمرّ بشارع بين القصرين حمل تبن ولا حمل حطب، ولا يستطيع أحد أن يسوق فرسا فيه، فإن ساق أحد أنكر عليه وخرق به.
وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: والمكان الذي كان يعرف في القاهرة بين القصرين هو من الترتيب السلطانيّ، لأنّ هناك ساحة متسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين، ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمة السلطانية.
وقال ياقوت: وبين القصرين كان ببغداد بباب الطاق، يراد به قصر أسماء بنت المنصور، وقصر عبد اللّه بن المهدي، وكان يقال لهما أيضا بين القصرين. وبين القصرين بمصر والقاهرة، وهما قصران متقابلان بينهما طريق العامّة والسوق، عمرهما ملوك مصر المغاربة المتعلونة، الذين ادّعوا أنهم علويّة.
وحدّثني الفاضل الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب، ناظر الخواص الشريفة، ابن الوزير الصاحب فخر الدين عبد اللّه بن أبي شاكر، أنه كان يشتري في كل ليلة من بين القصرين بعد العشاء الآخرة، برسم الوزير الصاحب فخر الدين عبد اللّه بن خصيب، من الدجاج المطجن والقطا وفراخ الحمام والعصافير المقلاة بمبلغ مائتي درهم، وخمسين درهما فضة، يكون عنها يومئذ نحو من اثني عشر مثقالا من الذهب، وأنّ هذا كان دأبه في كل ليلة، ولا يكاد مثل هذا مع كثرته لرخاء الأسعار يؤثر نقصه، فيما كان هنالك من هذا الصنف، لعظم ما كان
стр. 962
يوضع في بين القصرين من هذا النوع وغيره، ولقد أدركنا في كل ليلة من بعد العصر يجلس الباعة بصنف لحمان الطيور التي تقلى صفا، من باب المدرسة الكاملية إلى باب المدرسة الناصرية، وذلك قبل بناء المدرسة الظاهرية المستجدّة، فيباع لحم الدجاج المطجن، ولحم الأوز المطجن، كلّ رطل بدرهم، وتارة بدرهم وربع، وتباع العصافير المقوّة كل عصفور بفلس، حسابا عن كل أربعة وعشرين بدرهم، والمشيخة تقول إنّا حينئذ في غلاء، لكثرة ما تصف من سعة الأرزاق ورخاء الأسعار في الزمن الذي أدركوه قبل الفناء الكبير، ومع ذلك فلقد وقع في سنة ست وثمانين شيء لا يكاد يصدّقه اليوم من لم يدرك ذلك الزمان، وهو أنّه: كان لنا من جيراننا بحارة برجوان، شخص يعاني الجندية، ويركب الخيل، فبلغني عن غلامه أنّه خرج في ليلة من ليالي رمضان، وكان رمضان إذ ذاك في فصل الصيف، ومعه رقيق له من غلمان الخيل، وأنهما سرقا من شارع بين القصرين، وما قرب منه، بضعا وعشرين بطيخة خضراء، وبضعا وثلاثين شقفة جبن، والشقفة أبدا من نصف رطل إلى رطل، فما منّا إلاّ من تعجب من ذلك، وكيف تهيأ لاثنين فعل هذا، وحمل هذا القدر يحتاج إلى دابتين، إلى أن قدّر اللّه تعالى لي بعد ذلك أن اجتمعت بأحد الغلامين المذكورين، وسألته عن ذلك فاعترف لي به، قلت: صف لي كيف عملتما، فذكر أنهما كانا يقفان على حانوت الجبان، أو مقعد البطيخيّ، وكان إذ ذاك يعمل من البطيخ في بين القصرين مرصّات كثيرة جدّا، في كل مرصّ ما شاء اللّه من البطيخ، قال: فإذا وقفنا قلب أحدنا بطيخة وقلب الآخر أخرى، فلشدّة ازدحام الناس يتناول أحدنا بطيخته بخفة يد وصناعة ويقوم، فلا يفطن به. أو يقلب أحدنا ورفيقه قائم من ورائه، والبياع مشغول البال لكثرة ما عليه من المشترين، وما في ذلك الشارع من غزير الناس، فيحذفها من تحته وهو جالس القرفصا، فإذا أحسّ بها رفيقه تناولها ومرّ. وكذلك كان فعلهم مع الجبانين، وكانوا كثيرا، فانظر - أعزك اللّه - إلى بضاعة يسرق منها مثل هذا القدر ولا يفطن به من كثرة ما هنالك من البضائع ولعظم الخلق.
ولقد حدّثني غير واحد ممن قدم مع قاضي القضاة عماد الدين أحمد الكركيّ، أنّه لما قدموا من الكرك في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة، كادوا يذهلون عند مشاهدة بين القصرين.
وقال لي ابنه محب الدين محمد: أوّل ما شاهدّت بين القصرين، حسبت أنّ زفة أو جنازة كبيرة تمرّ من هنالك، فلما لم ينقطع المارة، سألت ما بال الناس مجتمعين للمرور من ههنا؟ فقيل لي: هذا دأب البلد دائما، ولقد كنا نسمع أنّ من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند التمشي بعد العشاء بين القصرين ويجامع حتى يقضي وطره وهما ماشيان، من غير أن يدركهما أحد لشدّة الزحام، واشتغال كل أحد بلهوه. وما برحت أجد من الازدحام مشقة، حتى أفادني بعض من أدركت أنّ من الرأي في المشي أن يأخذ الإنسان في مشيه نحو شماله، فإنه لا يجد من المشقة كما يجد غيره من الزحام، فاعتبرت ذلك آلاف مرّات في عدّة سنين، فما أخطأ معي، ولقد كنت أكثر من تأمّل المارة بين القصرين، فإذا هم صفان،
стр. 963
كلّ صف يمرّ من صوب شماله كالسيل إذا اندفع، وعلّل هذا الذي أفادني، أنّ القلب من يسار كل أحد، والناس تميل إلى جهة قلوبهم، فلذلك صار مشيهم من صوب شمائلهم، وكذا صح لي مع طول الاعتياد. ولما حدثت هذه المحن بعد سنة ست وثمانين وثمانمائة، تلاشى أمر بين القصرين، وذهب ما هناك، وما أخوفني أن يكون أمر القاهرة كما قيل:
هذه بلدة قضى اللّه يا صا … ح عليها كما ترى بالخراب
فقف العيس وقفة وابك من كا … ن بها من شيوخها والشباب
واعتبر إن دخلت يوما إليها … فهي كانت منازل الأحباب
خط الخشيبة: هذا الخط يتوصل إليه من وسط سوق باب الزهومة، ويسلك فيه إلى الحارة العدوية (١) حيث فندق الرخام برحبة بيبرس، وإلى درب شمس الدولة، وقيل له خط الخشيبة، من أجل أنّ الخليفة الظافر لما قتله نصر بن عباس وبنى على مكانه الذي دفنه فيه المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد الخلعيين، ويعرف أيضا بمسجد الخلفاء، نصبت هناك خشبة حتى لا يمرّ أحد من هذا الموضع راكبا، فعرف بخشيبة تصغير خشبة، وما زالت هناك حتى زالت الدولة الفاطمية، وقام السلطان صلاح الدين بسلطنة مصر، فأزال الخشيبة، وعرف هذا الخط بها إلى اليوم، ويقال له خط حمام خشيبة، من أجل الحمام التي هناك.
ولمقتل الظافر خبر يحسن ذكره هنا.
ذكر مقتل الخليفة الظافر
وكان من خبر الظافر أنه لما مات الخليفة الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر، في ليلة الخميس، لخمس خلون من جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمسمائة، بويع ابنه أبو المنصور إسماعيل، ولقب بالظافر بأمر اللّه، بوصية من أبيه له بالخلافة، وقام بتدبير الوزارة الأمير نجم الدين سليمان بن محمد بن مصال، فلم يرض الأمير المظفر عليّ بن السلار والي الإسكندرية والبحيرة يومئذ بوزارة ابن مصال، وحشد وسار إلى القاهرة، ففرّ ابن مصال، واستقرّ ابن السلار في الوزارة، وتلقّب بالعادل، فجهز العساكر لمحاربة ابن مصال، فحاربته وقتل، فقوي واستوحش منه الظافر، وخاف منه ابن السلار واحترز منه على نفسه، وجعل له رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخود، وعددهم ستمائة رجل بالنوبة، ونقل جلوس الظافر من القاعة إلى الإيوان في البراح والسعة، حتى إذا دخل للخدمة يكون أصحاب الزرد معه، ثم تأكدت النفرة بينهما فقبض على صبيان الخاص وقتل أكثرهم، وفرّق باقيهم، وكانوا خمسمائة رجل، وما زال الأمر على ذلك إلى أن قتله ربيبه عباس بن تميم، بيد ولده نصر،
стр. 964
واستقرّ بعده في وزارة الظافر، وكان بين ناصر الدين نصر بن عباس الوزير، وبين الظافر، مودّة أكيدة ومخالطة، بحيث كان الظافر يشتغل به عن كل أحد، ويخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس التي هي اليوم المدرسة السيوفية، فخاف عباس من جرأة ابنه، وخشي أن يحمله الظافر على قتله، فيقتله كما قتل الوزير علي بن السلار زوج جدّته أمّ عباس، فنهاه عن ذلك وألحف في تأنيبه، وأفرط في لومه، لأنّ الأمراء كانوا مستوحشين من عباس وكارهين منه تقريبه أسامة بن منقد، لما علموه من أنه هو الذي حسّن لعباس قتل ابن السلار كما هو مذكور في خبره، وهمّوا بقتله، وتحدّثوا مع الخليفة الظافر في ذلك، فبلغ أسامة ما هم عليه، وكان غريبا من الدولة، فأخذ يغري الوزير عباس بن تميم بابنه نصر، ويبالغ في تقبيح مخالطته للظافر إلى أن قال لي مرة: كيف تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك، من أنّ الخليفة يفعل به ما يفعل بالنساء، فأثّر ذلك في قلب عباس، واتفق أنّ الظافر أنعم بمدينة قليوب (١) على نصر بن عباس، فلما حضر إلى أبيه وأعلمه بذلك وأسامة حاضر، فقال له: يا ناصر الدين، ما هي بمهرك غالية، يعرّض له بالفحش، فأخذ عباس من ذلك ما أخذه، وتحدّث مع أسامة لثقته به في كيفية الخلاص من هذا، فأشار عليه بقتل الظافر إذا جاء إلى دار نصر على عادته في الليل، فأمره بمفاوضة ابنه نصر في ذلك، فاغتنمها أسامة، وما زال بنصر يشنع عليه ويحرّضه على قتل الظافر، حتى وعده بذلك.
فلما كان ليلة الخميس آخر المحرّم، من سنة تسع وأربعين وخمسمائة، خرج الظافر من قصره متنكرا ومعه خادمان، كما هي عادته، ومشى إلى دار نصر بن عباس، فإذا به قد أعدّ له قوما، فعند ما صار في داخل داره وثبوا عليه وقبّلوه هو وأحد الخادمين، وتوارى عنهم الخادم الآخر، ولحق بعد ذلك بالقصر. ثم دفنوا الظافر والخادم تحت الأرض، في الموضع الذي فيه الآن المسجد، وكان سنّة يوم قتل، إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر ونصف، منها في الخلافة بعد أبيه أربع سنين وثمانية أشهر تنقص خمسة أيام، وكان محكوما عليه في خلافته.
وفي أيامه ملك الفرنج مدينة عسقلان، وظهر الوهن في الدولة، وكان كثير اللهو واللعب، وهو الذي أنشأ الجامع المعروف بجامع الفاكهيين.
وبلغ أهل القصر ما عمله نصر بن عباس من قتل الظافر، فكاتبوا طلائع بن رزبك، وكان على الأشمونين، وبعثوا إليه بشعور النساء يستصرخون به على عباس وابنه، فقدم بالجموع، وفرّ عباس وأسامة ونصر، ودخل طلائع وعليه ثياب سود، وأعلامه وبنوده كلها سود، وشعور النساء التي أرسلت إليه من القصر على الرماح، فكان فألا عجيبا، فإنه بعد خمس عشرة سنة، دخلت أعلام بني العباس السود من بغداد إلى القاهرة لما مات العاضد،
стр. 965
واستبد صلاح الدين بملك ديار مصر، وكان أوّل ما بدأ به طلائع أن مضى ماشيا إلى دار نصر، وأخرج الظافر والخادم وغسلهما وكفنهما، وحمل الظافر في تابوت مغشّى، ومشى طلائع حافيا والناس كلهم، حتى وصلوا إلى القصر، فصلّى عليه ابنه الخليفة الفائز ودفن في تربة القصر.
خط سقيفة العدّاس (١): هذا الخط قيّما بين درب شمس الدولة والبندقانيين، كان يقال له أولا سقيفة العدّاس، ثم عرف بالصاغة القديمة، ثم عرف بالأساكفة، ثم هو الآن يعرف بالحريريين الشراريين، وبسوق الزجّاجين، وفيه يباع الزجاج. وهو خط عامر، وهذا العدّاس هو: علي بن عمر بن العدّاس أبو الحسن. ضمن في أيام المعز لدين اللّه كورة بوصير، فخلع عليه وجمله، وسار خليفته بالبنود والطبول، في جمادى الأولى سنة أربع وستين وثلثمائة.
فلما كان في أوّل خلافة العزيز بالله بن المعز لدين اللّه، ولاّه الوساطة، وهي رتبة الوزارة، بعد موت الوزير يعقوب بن كلس، ولم يلقبه بالوزير، فجلس في القصر لتسع عشر خلت من ذي الحجة، سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وأمر ونهى ونظر في الأموال، ورتّب العمال، وأمر أن لا يطلق شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ إلاّ ما أمر به وقرّره، وأمره العزيز بالله أن لا يرتفق، أي يرتشي، ولا يرتزق، يعني أنّه لا يقبل هدية، ولا يضيع دينارا ولا درهما، فأقام سنة وصرف في أوّل المحرّم من سنة ثلاث وثمانين، فقرّر في ديوان الاستيفاء إلى أن كان جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة حسن لأبي طاهر محمود النحوي الكاتب، وكان منقطعا إليه أن يلقى الحاكم بأمر اللّه، ويبلغه ما تشكوه الناس من تظافر النصارى، وغلبتهم على المملكة، وتوازرهم، وأنّ فهد بن إبراهيم هو الذي يقوّي نفوسهم، ويفوّض أمر الأموال والدواوين إليهم، وأنه آفة على المسلمين، وعدّة للنصارى، فوقف أبو طاهر للحاكم ليلا في وقت طوافه في الليل، وبلّغه ذلك.
ثم قال: يا مولانا إن كنت تؤثر جمع الأموال وإعزاز الإسلام، فأرني رأس فهد بن إبراهيم في طشت، وإلاّ لم يتم من هذا شيء.
فقال له الحاكم: ويحك، ومن يقوم بهذا الأمر الذي تذكره ويضمنه.
فقال: عبدك عليّ بن عمر بن العدّاس.
стр. 966
فقال: ويحك، أو يفعل هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: قل له يلقاني ههنا في غد.
ومضى الحاكم، فجاء أبو طاهر إلى ابن العدّاس وأعلمه بما جرى. فقال: ويحك قتلتني وقتلت نفسك. فقال: معاذ اللّه، أفنصبر لهذا الكلب الكافر على ما يفعل بالإسلام والمسلمين، ويتحكم فيهم من اللعب بالأموال، واللّه إن لم تسع في قتله ليسعين في قتلك، فلما كان في الليلة القابلة وقف عليّ بن عمر العدّاس للحاكم ووافقه على ما يحتاج إليه، فوعدوه بانجاز ما اتفقا عليه، وأمر بالكتمان وانصرف الحاكم. فلما أصبح ركب العداس إلى دار قائد القوّاد حسن بن جوهر القائد، فلقي عنده فهد بن إبراهيم، فقال له فهد: يا هذا، كم تؤذيني وتقدح فيّ عند سلطاني.
فقال العداس: واللّه ما يقدح ولا يؤذيني عند سلطاني ويسعى عليّ غيرك. فقال فهد:
سلط اللّه على من يؤذي صاحبه فينا، ويسعى به سيف هذا الإمام الحاكم بأمر اللّه.
فقال العدّاس: آمين وعجّل ذلك ولا تمهله.
فقتل فهد في ثامن جمادى الآخرة وضربت عنقه، وكان له منذ نظر في الرياسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنى عشر يوما، وقتل العداس بعده بتسعة وعشرين يوما، واستجيب دعاء كل منهما في الآخر، وذهبا جميعا، ولا يظلم ربك أحدا.
وذلك أن الحاكم خلع على العداس في رابع عشره، وجعله مكان فهد، وخلع على ابنه محمد بن عليّ، فهناه الناس، واستمرّ إلى خامس عشري رجب منها، فضربت رقبة أبي طاهر محمود بن النحوي، وكان ينظر في أعمال الشام لكثرة ما رفع عليه من التجبر والعسف، ثم قتل العدّاس في سادس شعبان سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وأحرق بالنار.
خط البندقانيين: هذا الخط كان قديما إصطبل الجميزة، أحد إصطبلات الخلفاء الفاطميين، فلما زالت الدولة اختط وصارت فيه مساكن وسوق، من جملته عدّة دكاكين لعمل قسيّ البندق، فعرف الخط بالبندقانيين لذلك، ثم أنه احترق يوم الجمعة للنصف من صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة والناس في صلاة الجمعة، فما قضى الناس الصلاة إلاّ وقد عظم أمره، فركب إليه وإلى القاهرة والنيران قد ارتفع لهبها، واجتمع الناس، فلم يعرف من أين كان ابتداء الحريق، واتفق هبوب رياح عاصفة فحملت شرر النار إلى آمد بعيد، ووصلت أشعتها إلى أن رؤيت من القلعة، فركب الوزير منجك بمماليك الأمراء، وجمعت السقاءون لطفي النار فعجزوا عن اطفائها، واشتدّ الأمر فركب الأمير شيخو والأمير طاز
стр. 967
والأمير مغلطاي أمير أخور، وترجلوا عن خيولهم ومنعوا النهابة من التعرّض إلى نهب البيوت التي احترقت، وعمّ الحريق دكاكين البندقانيين ودكاكين الرسامين وحوانيت الفقاعين والفندق المجاور لها، والربع علوّه، وعملت إلى الجانب الذي يلي بيت بيبرس ركن الدين الملقب بالملك المظفر، والربع المجاور لعالي زقاق الكنيسة، فما زال الأمير شيخو واقفا بنفسه ومماليكه ومعه الأمراء إلى أن هدم ما هنالك، والنار تأكل ما تمرّ به إلى أن وصلت إلى بئر الدلاء التي كانت تعرف قديما ببئر زويلة (١)، ومنها كان يستقى لأصطبل الجميزة، فأحرقت ما جاور البئر من الأماكن إلى حوانيت الفكاه والطباخ وما يجاورهما من الحوانيت. والربع المجاور لدار الجو كندار، وكادت أن تصل إلى دار القاضي علاء الدين عليّ بن فضل اللّه كاتب السرّ، المجاورة لحمام الشيخ نجم الدين ابن عبود، ولم يبق أحد في ذلك الخط حتى حوّل متاعه خوفا من الحريق، فكان أهل البيت بينما هم في نقل ثيابهم، وإذا بالنار قد أحاطت بهم فيتركون ما في الدار وينجون بأنفسهم، والأمر يعظم والهدم واقع في الدور المجاورة لأماكن الحريق، خشية من تعلق النار بها، فسرى إلى جميع البلد إلى أن أتى الهدم على سائر ما كان هنالك، فأقام الأمر كذلك يومين وليلتين والأمراء وقوف، فلما خفّ انصرف الأمراء ووقف والي القاهرة ومعه عدّة من الأمراء لطفي ما بقي، فاستمرّوا في طفئه ثلاثة أيام أخر، وكان المصاب بهذا الحريق عظيما، تلف فيه للناس من المال والثياب والمصاغ وغيره بالحريق والنهب ما لا يعلم قدره إلا اللّه، هذا مع ما كان فيه الأمراء من منع النّهابة وكفهم عن أموال الناس، إلا أنّ الأمر كان قد تجاوز الحدّ، وعطب بالنار جماعة كثيرة، ووصل حريق النار إلى قيسارية طشتمر وربع بكتمر الساقي، فلما كفى اللّه أمر هذا الحريق، وأعان على طفئه بعد أن هدمت عدّة أماكن جليلة، ما بين رباع وحوانيت، وقع الحريق في أماكن من داخل القاهرة وخارج باب زويلة (٢)، ووجد في بعض المواضع التي بها الحريق كعكات بزيت وقطران، فعلم أن هذا من فعل النصارى، كما وقع في الحريق الذي كان في أيام الملك الناصر، وقد ذكر في خبر السيرة الناصرية، فنودي في الناس أن يحترسوا على مساكنهم، فلم يبق أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى أعدّ في داره أوعية ملانة بالماء، ما بين أحواض وأزيار، وصاروا يتناوبون السهر في الليل، ومع ذلك فلا يدري أهل البيت إلاّ والنار قد وقعت في بيتهم، فيتداركون طفئها لئلا تشتعل ويصعب أمرها. وترك جماعة من الناس الطبخ في الدور، وتمادى ذلك في الناس من نصف صفر إلى عاشر ربيع الأوّل، فأحضر الأمير سيف الدين تشتمرشاد الدواوين نشابة في وسطها نقط قد وجدها في سطح داره، فأراها للأمراء وهي محروقة النصل، فصدر أمر الوزير منجك للأمير علاء الدين
стр. 968
عليّ بن الكوراني والي القاهرة، بالقبض على الحرافيش وتقييدهم وسجنهم، خوفا من غائلهم ونهبهم الناس عند وقوع الحريق، فتتبعهم وقبض عليهم في الليل من بيوتهم ومن الحوانيت، حتى خلت السكك، منهم.
ثم إن الأمراء كلموا الوزير في أمرهم، فأمر بإطلاقهم، ونودي في البلد أن لا يقيم فيها غريب، وطلبوا الخفراء وولاة المراكز وأمروا بالاحتفاظ وتتبع الناس، وأخذ من تتوهم فيه ريبة أو يذكر بشيء من أمر هذا، والحريق أمره في تزايد، وصاروا إلى القاهرة من ذلك في تعب كبير لا ينام هو ولا أعوانه في الليل البتة لكثرة الضجات في الليل، ووقع حريق في شونة حلفاء بمصر مجاورة لمطابخ السكر السلطانية، فركب القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخاص في جماعة، وخرج عامّة أهل مصر، وتكاثروا على الشونة حتى طفئت، ووقع الحريق في عدّة أماكن بمصر، واستمرّ للحريق بمصر والقاهرة مدّة شهر، من ابتدائه بالبندقانيين، ولم يعلم له سبب. واستمرّ كثر خط البندقانيين خرابا إلى أن عمر الأمير يونس النوروزيّ، دوادار الملك الظاهر برقوق، الربع فوق بئر الدلاء التي كانت تعرف ببئر زويلة، وأنشأ بجوار درب الأنجب الحوانيت والرباع والقياسرية، في سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
ثم أنشأ الأمير شهاب الدين أحمد الحاجب ابن أخت الأمير جمال الدين يوسف الاستادار، داره بجوار حمام ابن عبود، فاتصل ظهرها بدكاكين البندقانيين، فصار فيها ما كان من خراب الحريق هناك، حيث الحوض الذي أنشأه تجاه دار بيبرس. ولقد أدركنا في خط البندقانيين عدّة كثيرة من الحوانيت التي يباع فيها الفقاع، تبلغ نحو العشرين حانوتا، وكانت من أنزه ما يرى فإنها، كانت كلها مرخمة بأنواع الرخام الملوّن، وبها مصانع من ماء تجري إلى فوّارات تقذف بالماء على ذلك الرخام، حيث كيزان الفقاع مرصوصة فيستحسن منظرها إلى الغاية، لأنها من الجانبين، والناس يمرّون بينهما، وكان بهذا الخط عدّة حوانيت لعمل قسيّ البندق، وعدّة حوانيت لرسم إشكال ما يطرّز بالذهب والحرير، وقد بقيت من هذه الحوانيت بقايا يسيرة، وهو من اخطاط القاهرة الجسيمة.
خط دار الديباج: هذا الخط هو فيما بين خط البندقانيين والوزيرية، وكان أوّلا يعرف بخط دار الديباج، لأن دار الوزير يعقوب بن كلس التي من جملتها اليوم المدرسة الصاحبية ودرب الحريري والمدرسة السيفية، عملت دارا ينسج فيها الديباج والحرير برسم الخلفاء الفاطميين، وصارت تعرف بدار الديباج، فنسب إليها الخط إلى أن سكن هناك الوزير صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر، في أيام العادل أبي بكر بن أيوب، فصار يعرف بخط سويقة الصاحب، وهو خط جسيم به مساكن جليلة وسوق ومدرسة.
خط الملحيين: هذا الخط فيما بين الوزيرية والبندقانيين من وراء دار الديباج، وتسميه العامّة خط طواحين الملوحيين بواو بعد اللام وقبل الحاء المهملة، وهو تحريف، وإنما هو
стр. 969
خط الملحيين، عرف بطائفة من طوائف العسكر في أيام الخليفة المستنصر بالله يقال لها الملحية، وهم الذي قاموا بالفتنة في أيام المستنصر إلى أن كان من الغلاء ما أوجب خراب البلاد ونهب خزائن الخليفة المستنصر، فلما قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القاهرة وتقلد وزارة المستنصر، وتجرد لإصلاح إقليم مصر، وتتبع المفسدين وقتلهم وسار في سنة سبع وستين وأربعمائة إلى الوجه البحريّ وقتل لواته، وقتل مقدّمهم سليمان اللواتي وولده، واستصفى أموالهم ثم توجه إلى دمياط وقتل فيها عدّة من المفسدين، فلما أصلح جميع البرج الشرقيّ عدّى إلى البرّ الغربيّ، وقتل جماعة من الملحية وأتباعهم بثغر الإسكندرية بعد ما أقام أياما محاصر البلد وهم يمتنعون عليه ويقاتلونه إلى أن أخذها عنوة، فقتل منهم عدّة كثيرة، وكان بهذا الخط عدّة من الطواحين، فسمي بخط طواحين الملحيين، وبه إلى الآن يسير من الطواحين.
خط المسطاح: هذا الخط فيما بين خط الملحيين وخط سويقة الصاحب، وفيه اليوم سوق الرقيق الذي يعرف بسوق الحوار والمدرسة الحسامية وما دار به، ويعرف بالمسطاح، وبخارج باب القنطرة قريب من باب الشعرية أيضا خط يعرف بالمسطاح.
خط قصر أمير سلاح: هذا الخط تجاه حمام البيسري بين القصرين، يسلك فيه إلى مدرسة الطواشي سابق الدين، المعروفة بالسابقية، وكان يخرج منه إلى رحبة باب العيد (١) من باب القصر، إلى أن هدمه الأمير جمال الدين يوسف الاستادار، وبنى في مكانه القيسارية المستجدّة بجوار مدرسته من رحبة باب العيد، فصار هذا الخط غير نافذ، وكان شارعا مسلوكا يمرّ فيه الناس والدواب بالأحمال، فركب عليه جمال الدين المذكور دروبا لحفظ أمواله، وكان هذا الخط من أخص أماكن القصر الكبير الشرقي، فلما زالت الدولة الفاطمية وتفرّق أمراء صلاح الدين يوسف القصر، عرف هذا المكان بقصر شيخ الشيوخ بن حمويه الوزير لسكنه فيه، ثم عرف بعد ذلك بقصر أمير سلاح، وبقصر سابق الدين، وهو إلى الآن يعرف بذلك، وسبب شهرته بأمير سلاح أنه اتخذ به عمائر جليلة هي بيد ورثته إلى الآن، وأمير سلاح هذا هو بكتاش الفخريّ الأمير بدر الدين أمير سلاح الصالحي النجمي، كان أوّلا مملوكا لفخر الدين ابن الشيخ، فصار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وتقدّم عنده من جملة من قدّمه من المماليك البحرية الذين ملكوا الديار المصرية من بعد انقضاء الدولة الأيوبية، وتأمّر في أيام الملك الصالح، وتقدّم في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، واستمر أميرا ما ينيف على الستين سنة، لم ينكب فيها قط، وعظم في أيام الملك المنصور قلاون الألفيّ، بحيث أنّ الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة
стр. 970
بديار مصر في أيام قلاون، تجارى مرّة مع السلطان في حديث الأمراء، فقال له المنصور:
أما اليوم فما بقي في الأمراء خير أمير سلاح إذا قلت فارس خيل شجاع، ما يردّ وجهه من عدوّه، وإذا حلف ما يخون، وإذا قال صدق. فقال طرنطاي واللّه يا خوند، له إقطاع عظيم ما كان يصلح إلاّ لي. فاحمرّ وجه السلطان وغضب وقال له: ويلك إيّاك أن تتكلم بهذا، واللّه مكان يصل فيه سيف أمير سلاح ما يصل نشابك ولا نشاب غيرك، وكان كريما شجاعا يسافر كل سنة مجرّدا بالعسكر فيصل إلى حلب للغارة ومحاصرة قلاع العدوّ، فاشتهر بذلك في بلاد العدو وعظم صيته واشتدّت مهابته، وكانت له رغبة في شراء المماليك والخيول بأغلى القيم، وكان يبعث للأمراء المجرّدين معه النفقة، ويقوم لهم بالشعير والأغنام، وبلغت مماليكه الغاية في الحشمة، وكان إقطاع كل منهم في السنة عشرين ألف درهم فضة، عنها يومئذ ألف مثقال من الذهب، ولكل من جنده خبز مبلغه في السنة عشرة آلاف درهم، سوء كلفهم من الشعير واللحم، ومع ذلك فكان خيرا ديّنا له صدقات ومعروف وإحسان كثير، ومات بعد ما ترك أمرته في مرضه الذي ما فيه، للنصف من ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة ﵀. وبهذا الخط عدّة دور جليلة يأتي ذكرها عند ذكر الدور من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
أولاد شيخ الشيوخ: جماعة أصلهم الذي ينتسبون إليه حمويه بن عليّ، يقال أنه من ولد رزم بن يونان، أحد قوّاد كسرى أنوشروان، وولي قيادة جيش نصر بن نوح بن سامان، ودبر دولته، وهو جدّ شيخ الإسلام محمد، وأخيه أبي سعد بني حمويه بن محمد بن حمويه، وكان محمد وأبو سعد من ملوك خراسان، فتركا الدنيا وأقبلا على طريق الآخرة، ومات ركب الإسلام أبو سعد بنجران من قرى جوين في سنة سبع وعشرين وخمسمائة، ومات أخوه شيخ الإسلام محمد بها في سنة ثلاثين وخمسمائة، وترك أبو سعد، زيد الدين أحمد وبنات، وترك شيخ الإسلام محمد ولدا واحدا، وهو أبو الحسن عليّ، فتزوّج عليّ بن محمد بابنة عمه أبي سعد ورزق منها سعد الدين، ومعين الدين حسنا، وعماد الدين عمر، وترك زين الدين أحمد بن أبي سعد، ركن الدين أبا سعد، وعزيز الدين، وزين الدين القاسم، فقدّم عماد الدين عمر بن علي بن محمد بن حمويه إلى دمشق، وصار شيخ الشيوخ بها، وقدم عليه ابنه شيخ الشيوخ صدر الدين عليّ، فلما مات عمر في رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة بدمشق، أقرّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولده صدر الدين محمدا موضعه، وصار شيخ الشيوخ بدمشق، فتزوّج بابنة القاضي شهاب الدين ابن أبي عصرون، ورزق منها عشرة بنين، منهم عماد الدين عمر، وفخر الدين يوسف، وكمال الدين أحمد، ومعين الدين حسن، فأرضعت أمّهم بنت أبي عصرون السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فصار أخا لأولاد صدر الدين شيخ الشيوخ من الرضاعة، وقدم صدر الدين إلى القاهرة وولى تدريس الشافعيّ بالقرافة، ومشيخة الخانقاه
стр. 971
الصلاحية سعيد السعدا، ثم سافر فمات بالموصل في رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، واستبدّ الملك الكامل بمملكة مصر بعد أبيه، فرقّى أولاد صدر الدين شيخ الشيوخ محمد بن جويه الأربعة، وبعث عماد الدين عمر في الرسالة إلى الخليفة ببغداد، وجمع له بين رياسة العلم والقلم في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ولم يجتمع ذلك لأحد في زمانه، وما زال على ذلك إلى أن مات الملك الكامل، وقام من بعده في سلطنة مصر ابنه الملك العادل أبو بكر بن الكامل، فخرج إلى دمشق ليحضر إليه الجواد مظفر الدين يونس بن مردود بن العادل أبي بكر بن أيوب نائب السلطنة بدمشق، فدسّ عليه من قتله على باب الجامع في سادس عشري جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة.
وأما فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ صدر الدين فإن الملك الكامل جعله أحد الأمراء، وألبسه الشربوش والقباء ونادمه وبعثه في الرسالة عنه إلى ملك الفرنج، ثم إلى أخيه المعظم بدمشق، ثم إلى الخليفة ببغداد، وأقامه يتحدّث بمصر في تدبير المملكة وتحصيل الأموال، ثم بعثه حتى تسلم حران والرها، وجهزه إلى مكة على عسكر فقاتل صاحبها الأمير راجح الدين بن قتادة، وأخذها بالسيف، وقتل عسكر اليمن، وما زال مكرّما محترما حتى مات الملك الكامل، فقبض عليه العادل ابن الكامل واعتقله، فلما خلع العادل بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب أطلقه وأمّره وبالغ في الإحسان إليه، وبعثه على العساكر إلى الكرك، فأوقع بالخوارزمية وبدّد شملهم وكانوا قد قدموا من المشرق إلى غزة، وأقام الدعوة للصالح في بلاد الشام وعاد، ثم قدّمه على العساكر فأخذ طبرية من الفرنج وهدمها، وأخذ عسقلان من الفرنج وهدم حصونها، ونازل حمص حتى أشرف على أخذها، ثم تقدّم على العساكر بقتال الفرنج بدمياط، فمات السلطان عند المنصورة، وقام بتدبير الدولة بعده خمسة وسبعين يوما إلى أن استشهد في رابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة، فحمل من المنصورة إلى القرافة فدفن بها.
وأما كمال الدين أحمد، فإن الملك الكامل استنابه بحران والجزيرة، وولي تدريس المدرسة الناصرية بجوار الجامع العتيق بمصر، وتدريس الشافعيّ بالقرافة، ومشيخة الشيوخ بديار مصر، وقدّمه الملك الصالح نجم الدين أيوب على العساكر غير مرّة، ومات بغزة في صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وأما معين الدين حسن فإنه وليّ مشيخة الشيوخ بديار مصر، وبعثه الملك الكامل في الرسالة عنه إلى بغداد، ثم أقامه نائب الوزارة إلى أن مات، فاستوزره الملك الصالح نجم الدين أيوب في ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة، وجهّزه على العساكر في هيئة الملوك إلى دمشق، فقاتل الصالح إسماعيل ابن العادل حتى ملكها، ومات بها في ثاني عشري رمضان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقد ذكرت أولاد شيخ الشيوخ في كتاب تاريخ
стр. 972
مصر الكبير، واستقصيت فيه أخبارهم واللّه تعالى أعلم.
خط قصر بشتاك: هذا الخط من جملة القصر الكبير، ويتوصل إليه من تجاه المدرسة الكاملية حيث كان باب القصر المعروف بباب البحر، وهدمه الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم في ذكر أبواب القصر، وصار اليوم في داخل هذا الباب حارة كبيرة فيها عدّة دور جليلة، منها قصر الأمير بشتاك، وبه عرف هذا الخط.
وبشتاك هذا: هو الأمير سيف الدين بشتاك الناصري، قرّبه الملك الناصر محمد بن قلاون، وأعلى محله، وكان يسميه بعد موت الأمير بكتمر الساقي بالأمير في غيبته، وكان زائد التيه لا يكلم استاداره وكاتبه الأبتر جان، ويعرف بالعربيّ ولا يتكلم به، وكان إقطاعه ست عشرة طبلخانة أكبر من إقطاع قوصون، ولما مات بكتمر الساقي ورثه في جميع أحواله واصطبله الذي على بركة الفيل، وفي امرأته أمّ أحمد، واشترى جاريته خوبي بستة آلاف دينار، ودخل معها ما قيمته عشرة آلاف دينار، وأخذ ابن بكتمر عنده وزاد أمره وعظم محله، فثقل على السلطان وأراد الفتك به، فما تمكن، وتوجه إلى الحجاز وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء والمجاورين بمكة والمدينة شيأ كثيرا إلى الغاية، وأعطى من الألف دينار إلى المائة دينار إلى الدينار، بحسب مراتب الناس وطبقاتهم، فلما عاد من الحجاز لم يشعر به السلطان إلاّ وقد حضر في نفر قليل من مماليكه وقال: إن أردت إمساكي فها أنا قد جئت إليك برقبتي، فغالطه السلطان وطيب خاطره، وكان يرمى بأوابد ودواهي من أمر الزنا وجرّده السلطان لإمساك تنكر نائب الشام، فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة من الأمراء، فنزلوا القصر الأبلق، وحلف الأمراء كلهم للسلطان ولذريته، واستخرج ودائع تنكر وعرض حواصله ومماليكه وجواريه وخيله وسائر ما يتعلق به، ووسط طغاي وحفاي مملوكي تنكر في سوق الخيل، ووسط دران أيضا بحضوره يوم الموكب، وأقام بدمشق خمسة عشر يوما وعاد إلى القلعة وبقي في نفسه من دمشق وما تجاسر يفاتح السلطان في ذلك، فلما مرض السلطان وأشرف على الموت، ألبس الأمير قوصون مماليكه، فدخل بشتاك، فعرف السلطان ذلك، فجمع بينهما وتصالحا قدّامه، ونص السلطان على أن الملك بعده لولده أبي بكر، فلم يوافق بشتاك وقال: لا أريد إلاّ سيدي أحمد، فلما مات السلطان قام قوصون إلى الشباك وطلب بشتاك وقال له: يا أمير المؤمنين أناما يجيء مني سلطان، لأني كنت أبيع الطسما والبرغالي والكشاتوين، وأنت اشتريت مني، وأهل البلاد يعرفون ذلك، وأنت ما يجيء منك سلطان، لأنك كنت تبيع البوز وأنا اشتريت منك، وأهل البلاد يعرفون ذلك، وهذا أستاذنا هو الذي وصى لمن هو أخبر به من أولاده، وما يسعنا إلاّ امتثال أمره حيا وميتا وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره، ولو أردت أن تعمل كل يوم سلطانا ما خالفتك. فقال بشتاك: هذا كله صحيح، والأمر أمرك، واحضر المصحف وحلفا عليه وتعانقا، ثم قاما إلى رجلي السلطان فقبلاهما، ووضعا أبا بكر ابن السلطان على الكرسيّ
стр. 973
وقبّلا له الأرض وحلفا له، وتلقب بالملك المنصور، ثم إن بشتاكا طلب من السلطان الملك المنصور نيابة دمشق، فأمر له بذلك.
وكتب تقليده وبرز إلى ظاهر القاهرة وأقام يومين، ثم طلع في اليوم الثالث إلى السلطان ليودّعه، فوثب عليه الأمير قطلوبغا الفخريّ وأمسك سيفه وتكاثروا عليه فأمسكوه وجهزوه إلى الإسكندرية، فاعتقل بها، ثم قتل في الخامس من ربيع الأوّل سنة اثنين وأربعين وسبعمائة، لأوّل سلطنة الملك الأشرف كجك، وكان شابا أبيض اللون ظريفا مديد القامة نحيفا، خفيف اللحية كأنها عذار، على حركاته رشاقة حسن العمة يتعمم الناس على مثالها، وكان يشبّه بأبي سعيد ملك العراق إلاّ أنه كان غير عفيف الفرج زائد الهرج والمرج لم يعف عن مليحة ولا قبيحة، ولم يدع أحدا يفوته، حتى يمسك نساء الفلاحين وزوجات الملاحين.
واشتهر بذلك ورمي فيه بأوابد، وكان زائد البذخ منهمكا على ما يقتضيه عنفوان الشبيبة، كثير الصلف والتيه، لا يظهر الرأفة ولا الرحمة في تأنيه، ولما توجه بأولاد السلطان ليفرّجهم في دمياط كان يذبح لسماطه في كل يوم خمسين رأسا من الغنم وفرسا لا بدّ منه، خارجا عن الأوز والدجاج، وكان راتبه دائما كل يوم من الفحم برسم المشوي مبلغ عشرين درهما، عنها مثقال ذهب، وذلك سوى الطوارئ، وأطلق له السلطان كل يوم بقجة قماش من اللفافة إلى الخف إلى القميص واللباس والملوطة والبغلطاق والقباء الفوقاني بوجه اسكندراني على سنجاب طريق مطرّز مزركش رقيق، وكلوته وشاش، ولم يزل يأخذ ذلك كل يوم إلى أن مات السلطان، وأطلق له في يوم واحد عن ثمن قرية تبنى بساحل الرملة مبلغ ألف درهم فضة، عنها يومئذ خمسون ألف مثقال من الذهب، وهو أوّل من أمسك بعد موت الملك الناصر. وقال الأديب المؤرخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ومن كتابه نقلت ترجمة بشتاك:
قال الزمان وما سمعنا قوله … والناس فيه رهائن الأشراك
من ينصر المنصور من كيدي وقد … صاد الردى بشتاك لي بشراك
خط باب الزهومة: هذا الخط عرف بباب الزهومة، أحد أبواب القصر الكبير الشرقي الذي تقدّم ذكره، فإنه كان هناك، وقد صار الآن في هذا الخط سوق وفندق وعدّة آدر، يأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
خط الزراكشة العتيق: هذا الخط فيما بين خط باب الزهومة وخط السبع خوخ، وبعضه من دار العلم الجديدة، وبعضه من جملة القصر النافعي، وبعضه من تربة الزعفران، وفيه اليوم فندق المهمندار الذي يدق فيه الذهب، وخان الخليلي، وخان منجك، ودار خواجا، ودرب الحبش، وغير ذلك، كما ستقف عليه إن شاء اللّه.
стр. 974
خط السبع خوخ العتيق (١): هذا الخط فيما بين خط اصطبل الطارمة وخط الزراكشة العتيق، كان فيه قديما أيام الخلفاء الفاطميين سبع خوخ يتوصل منها إلى الجامع الأزهر، فلما انقضت أيامهم اختط مساكن وسوقا يباع فيه الإبر التي يخاط بها وغير ذلك، فعرف بالأبّارين.
خط اصطبل الطارمة (٢): هذا الخط كان اصطبلا لخاص الخليفة يشرف عليه قصر الشوك والقصر النافعي، وقد تقدّم الكلام عليه، وكانت فيه طارمة يجلس الخليفة تحتها، فعرف بذلك، ثم هو الآن حارة كبيرة فيها عدّة من المساكن وبه سوق وحمّام ومساجد، وهذا الخط فيما بين رحبة قصر الشوك ورحبة الجامع الأزهر، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى في ذكر الرحاب.
خط الأكفانيين: هذا الخط كان يعرف بخط الخرقيين جمع خرقة (٣).
خط المناخ: هذا الخط فيما بين البرقية والعطوفية، كان مواضع طواحين القصر وقد تقدّم ذكره، ثم اختط بعد ذلك وصار حارة كبيرة، وهو الآن متداع للخراب.
خط سويقة أمير الجيوش: كان حارة الفرحية، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في الأسواق، وهذا الخط فيما بين حارة برجوان وخط خان الوراقة.
خط دكة الحسبة: هذا الخط يعرف اليوم بمكسر الحطب، وفيه سوق الأبازرة وهو فيما بين البندقانيين والمحمودية، وفيه عدّة أسواق ودور.
خط الفهادين: هذا الخط فيما بين الجوانية والمناخ.
خط خزانة البنود: هذا الخط فيما بين رحبة باب العيد ورحبة المشهد الحسيني، وكان موضعه خزانة تعرف بخزانة البنود، وكان أوّلا يعمل فيها السلاح، ثم صارت سجنا لأمراء الدولة وأعيانها، ثم أسكن فيها الفرنج إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك، وحكر مكانها فبنى فيه الطاحون والمساكن كما تقدّم.
خط السفينة: هذا الخط فيما بين درب السلاحي من رحبة باب العيد، وبين خزانة البنود، كان يقف فيه المتظلمون للخليفة كما تقدّم ذكره، ثم اختط فصار فيه مساكن وهو خط صغير.
خط خان السبيل: هذا الخط خارج باب الفتوح، وهو من جملة أخطاط الحسينية،
стр. 975
قال ابن عبد الظاهر: خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين قراقوش، وأرصده لابنا السبيل والمسافرين بغير أجرة، وبه بئر ساقية وحوض انتهى. وأدركنا هذا الخط في غاية العمارة، يعمل فيه عرصة تباع بها الغلال، وكان فيه سوق يباع فيه الخشب ويجتمع الناس هناك بكرة كل يوم جمعة، فيباع فيه من الأوز والدجاج ما لا يقدر قدره، وكانت فيه أيضا عدة مساكن ما بين دور وحوانيت وغيره، وقد اختل هذا الخط.
خط بستان ابن صيرم: هذا الخط أيضا خارج باب الفتوح مما يلي الخليج وزقاق الكحل، كان من جملة حارة البيازرة، فانشأه زمام القصر المختار الصقلبي بستانا، وبني فيه منظرة عظيمة، فلما زالت الدولة الفاطمية استولى عليه الأمير جمال الدين سويخ بن صيرم أحد أمراء الملك الكامل فعرف به، ثم اختط وصار من أجل الأخطاط عمارة تسكنه الأمراء والأعيان من الجند، ثم هو الآن آيل إلى الدثور.
خط قصر ابن عمار: هذا الخط من جملة حارة كتامة، وهو اليوم درب يعرف بالقماحين، وفيه حمام كرائي، ودار خوند شقرا، يسلك إليه من خط مدرسة الوزير كريم الدين بن غنام، ويسلك منه إلى درب المنصوري، وابن عمار هذا هو أبو محمد الحسن بن عمار بن عليّ بن أبي الحسن الكلبي من بني أبي الحسب، أحد أمراء صقلية، وأحد شيوخ كتامة، وصاه العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه لما احتضر هو والقاضي محمد بن النعمان على ولده أبي علي منصور، فلما مات العزيز بالله واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه، اشترط الكتاميون وهم يومئذ أهل الدولة أن لا ينظر في أمورهم غير أبي محمد بن عمار بعدما تجمعوا، وخرج منهم طائفة نحو المصلى وسألوا صرف عيسى بن مشطورس، وأن تكون الوساطة لابن عمار، فندب لذلك وخلع عليه في ثالث شوّال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وقلد بسيف من سيوف العزيز بالله، وحمل على فرس بسرج ذهب، ولقّب بأمين الدولة، وهو أوّل من لقب في الدولة الفاطمية من رجال الدولة، وقيّد بين يديه بحدّة دواب، وحمل معه خمسون ثوبا من سائر البز الرفيع، وانصرف إلى داره في موكب عظيم، وقرئ سجله، فتولى قراءته القاضي محمد بن النعمان بجلوسه للوساطة وتلقيبه بأمين الدولة، والزم سائر الناس بالترجّل إليه، فترجّل الناس بأسرهم له من أهل الدولة، وصار يدخل القصر راكبا، ويشق الدواوين ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخليفة الخاصة، ثم يعدل إلى باب الحجرة التي فيها أمير المؤمنين الحاكم فينزل على بابها ويركب من هناك، وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على طبقاتهم يبكرون إلى داره فيجلسون في الدهاليز بغير ترتيب والباب مغلق، ثم يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه ويجلسون في قاعة الدار على حصير وهو جالس في مجلسه، ولا يدخل له أحد ساعة، ثم يأذن لوجوه من حضر كالقاضي ووجوه شيوخ كتامة والقوّاد فتدخل أعيانهم، ثم يأذن لسائر الناس فيزدحمون عليه، بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه، فمنهم من يومي بتقبيل الأرض ولا يردّ السلام على
стр. 976
أحد، ثم يخرج فلا يقدر أحد على تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم إلا أنهم يومئون إلى تقبيل الأرض، وشرف أكابر الناس بتقبيل ركابه، وأجلّ الناس من يقبل ركبته، وقرّب كتامة وأنفق فيهم الأموال، وأعطاهم الخيول، وباع ما كان بالاصطبلات من الخيل والبغال والنجب وغيرها، وكانت شيأ كثيرا، وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق لأولياء الدولة من الأتراك، وقطع أكثر ما كان في المطابخ، وقطع أرزاق جماعة، وفرّق كثيرا من جواري القصر، وكان به من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم، فباع من اختار البيع، وأعتق من سأل العتق طلبا للتوفير، واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عتيهم وامتدّت أيديهم إلى الحرام في الطرقات، وشلّحوا الناس ثيابهم، فضج الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم، فلم يبد منه كبير نكير فأفرط الأمر حتى تعرّض جماعة منهم للغلمان الأتراك وأرادوا أخذ ثيابهم، فثار بسبب ذلك شرّ قتل فيه غلام من الترك، وحدث من المغاربة، فتجمع شيوخ الفريقين واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فلما كان يوم الخميس ركب ابن عمار لابسا آلة الحرب وحوله المغاربة، فاجتمع الأتراك واشتدّت الحرب وقتل جماعة وجرح كثير فعاد إلى داره، وقام برجوان بنصرة الأتراك، فامتدّت الأيدي إلى دار ابن عمار واصطبلاته ودار رشا غلامه، فنهبوا منها ما لا يحصى كثرة، فصار إلى داره بمصر في ليلة الجمعة، لثلاث بقين من شعبان واعتزل عن الأمر، فكانت مدّة نظره أحد عشر شهرا إلاّ خمسة أيام، فأقام بداره في مصر سبعة وعشرين يوما، ثم خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة، الخامس والعشرين من رمضان، فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلاّ أتباعه وخدمه، وأطلقت له رسومه وجراياته التي كانت في أيام العزيز بالله، ومبلغها عن اللحم والتوابل والفواكه خمسمائة دينار في كل شهر، وفي اليوم سلة فاكهة بدينار، وعشرة أرطال شمع، ونصف حمل ثلج، فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين وثلثمائة، فأذن له الحاكم في الركوب إلى القصر، وأن ينزل موضع نزول الناس، فواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشرة، فحضر عشية إلى القصر وجلس مع من حضر، فخرج إليه الأمر بالانصراف، فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه مكانه، وحمل الرأس إلى الحاكم، ثم نقل إلى تربته بالقرافة فدفن فيها، وكانت مدّة حياته بعد عزله إلى أن قتل ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية وعشرين يوما، وهو من جملة وزراء الدولة المصرية، وولى بعده برجوان، وقد مرّ ذكره.
ذكر الدروب والأزقة
قد اشتملت القاهرة وظواهرها من الدروب والأزقة على شيء كثير، والغرض ذكر ما يتيسر لي من ذلك:
درب الأتراك: هذا الدرب أصله من خط حارة الديلم، وهو من الدروب القديمة وقد
стр. 977
تقدّم ذكره في الحارات، ويتوصل إليه من خطة الجامع الأزهر، وقد كان فيما أدركناه من أعمر الأماكن.
أخبرني خادمنا محمد بن السعودي قال: كنت أسكن في أعوام بضع وستين وسبعمائة بدرب الأتراك، وكنت أعاني صناعة الخياطة، فجاءني في موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخشكنانج على عادة أهل مصر في ذلك، فملأت زيرا كبيرا كان عندي مما جاءني من الخشكنانج خاصة، لكثرة ما جاءني من ذلك، إذ كان هذا الخط خاصا بكثرة الأكابر والأعيان، وقد خرب اليوم منه عدّة مواضع.
درب الأسواني: ينسب إلى القاضي أبي محمد الحسن بن هبة اللّه الأسواني، المعروف بابن عتاب.
درب شمس الدولة: هذا الدرب كان قديما يعرف بحارة الأمراء كما تقدّم، فلما كان مجئ الغز إلى مصر واستيلاء صلاح الدين يوسف على مملكة مصر، سكن في هذا المكان الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ابن أيوب، فعرف به وسمي من حينئذ درب شمس الدولة، وبه يعرف إلى اليوم: توران شاه الملقب بالملك المعظم شمس الدولة بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، قدم إلى القاهرة مع أهله من بلاد الشام في سنة أربع وستين وخمسمائة، عندما تقلد صلاح الدين يوسف بن أيوب وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه، بعد موت عمه أسد الدين شير كوه، وكانت له أعمال في واقعة السودان تولاّها بنفسه، واقتحم الهول، فكان أعظم الأسباب في نصرة أخيه صلاح الدين وهزيمة السودان، ثم خرج إليهم بعد انهزامهم إلى الجيزة، فأفناهم بالسيف حتى أبادهم، وأعطاه صلاح الدين قوص وأسوان وعيداب، وجعلها له أقطاعا، فكانت عبرتها في تلك السنة مائتي ألف وستة وستين ألف دينار، ثم خرج إلى غزو بلاد النوبة في سنة ثمان وستين، وفتح قلعة أبريم وسبى وغنم ثم عاد بعد ما أقطع أبريم بعض أصحابه، وخرج إلى بلاد اليمن في سنة تسع وستين وكان بها عبد النبيّ أبو الحسن عليّ ابن مهدي قد ملك زبيد وخطب لنفسه، وكان الفقيه عمارة قد انقطع إلى شمس الدولة، وصار يصف له بلاد اليمن ويرغّبه في كثرة أموالها ويغربه بأهلها، وقال فيه قصيدته المشهورة التي أولها:
العلم مذ كان محتاج إلى القلم … وشفرة السيف تستغني عن القلم
فبعثه ذلك على المسير إلى بلاد اليمن فسار إليها في مستهل رجب، ودخل مكة معتمرا وسار منها فنزل على زبيد في سابع شوّال، وفي نهار الاثنين ثامن شوّال فتحها بالسيف وقبض على عليّ بن مهدي وأخوته وأقاربه، واستولى على ما كان في خزائنه من مال، وتسلّم الحصون التي كانت بيده، وفي مستهل ذي القعدة توجه قاصدا عدن، وبذل لياسر بن بلال في كل سنة ثلاثين ألف دينار وسلمها إليه، فما رغب في ذلك، وكان قصده
стр. 978
أن يقيم بها نائبا عن المجلس الفخريّ، فلما أبى ذلك نزل عليها في يوم الجمعة تاسع عشري ذي القعدة وملكها في ساعة بالسيف، وقبض على ياسر وإخوته وولدي الداعي، فاحتوى على ما فيها وقبض على عبد النبيّ، واستولى أيضا على تعز وتفكر وصنعا وظفار وغيرها من مدن اليمن وحصونها، وتلقب بالملك المعظم، وخطب لنفسه بعد الخليفة العباسيّ، وما زال بها إلى سنة إحدى وسبعين فسار منها إلى لقاء أخيه صلاح الدين، ووصل إليه وملّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وسبعين، فأقام بها إلى أن خرج السلطان صلاح الدين مرة من القاهرة إلى بلاد الشام فجهزه في ذي القعدة سنة أربع وسبعين إلى مصر، وكان قد عمله نائبا ببعلبك، فاستناب عنه فيها ودخل إلى القاهرة، وأنعم عليه صلاح الدين بالإسكندرية، فسار إليها وأقام بها إلى أن توفى في مستهل صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية، فدفن بها، وكان كريما واسع العطاء، كثير الإنفاق، مات وعليه مائتا ألف دينار مصرية دينا، فقضاها عنه أخوه صلاح الدين، وكان سبب خروجه من اليمن أنه التاث بدنه بزبيد، فارتجل له سيف الدولة مبارك بن منقذ:
وإذا أراد اللّه سوءا بامرئ … وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالترحال من مصر بلا … سبب وأسكنه بصقع زبيد
فخرج من اليمن كما تقدّم.
وحكى الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي الحلي المعروف بابن الخيمي قال: رأيت في النوم المعظم شمس الدولة وقد مدحته وهو في القبر ميت، فلفّ كفنه ورماه إليّ وأنشدني:
لا تستقلنّ معروفا سمحت به … ميتا وأمسيت عنه عاريا بدني
ولا تظننّ جودي شابه بخل … من بعد بذلي بملك الشام واليمن
إني خرجت عن الدنيا وليس معي … من كل ما ملكت كفي سوى كفني
وهذا الدرب من أعمر أخطاط القاهرة، به دار عباس الوزير وجماعة كما تراه إن شاء اللّه تعالى.
درب ملوخيا: هذا الدرب كان يعرف بحارة قائد القوّاد كما تقدم، وعرف الآن بدرب ملوخيا، وملوخيا كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر اللّه، ويعرف بملوخيا الفرّاش، وقتله الحاكم وباشر قتله، وفي هذا الدرب مدرسة القاضي الفاضل، وقد اتصل به الآن الخراب.
درب السلسلة: هذا الدرب تجاه باب الزهومة، يعرف بالسلسلة التي كانت تمدّ كل ليلة بعد العشاء الآخرة كما تقدّم، وكان يعرف بدرب افتخار الدولة الأسعد، وعرف بسنان
стр. 979
الدولة بن الكركنديّ وهو الآن درب عامر.
درب الشمسي: هذا الدرب بسوق المهامزيين تجاه قيسارية العصفر، عرف بالأمير علاء الدين كشنقدي الشمسيّ، أحد الأمراء في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، وقتل على عكا في سنة تسعين وستمائة بيد الفرنج شهيدا، وكان هذا الدرب في القديم موضعه دار الضرب، ثم صار من حقوق درب ابن طلائع بسوق الفرّايين، وقد هدم بعض هذا الدرب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار (١)، لما اغتصب الحوانيت التي كانت على يمنة السالك من الخراطين إلى سوق الخيميين، وكانت في وقف المعظم تمرتاش الحافظي كما سيأتي ذكره، عند ذكر مدرسته إن شاء اللّه تعالى.
درب بن طلائع: هذا الدرب على يسرة من سلك من سوق الفرّايين الآن، الذي كان يعرف قديما بالخرقيين، طالبا إلى الجامع الأزهر، ويسلك في هذا الدرب إلى قيسارية السروج، وباب ممرّ حمّام الخرّاطين، ودار الأمير الدمر، وعرف هذا الدرب أوّلا بالأمير نور الدولة أبي الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع، ثم عرف بدرب الجاولي الكبير، وهو الأمير عز الدين جاولي الأسدي، مملوك أسد الدين شير كوه بن شادي، ثم عرف بدرب العماد سنينات، ثم عرف بدرب الدمر، وبه يعرف إلى الآن.
(الدمر أمير جان دار (٢) سيف الدين) أحد أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون، خرج إلى الحج في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان أمير حاج الركب العراقي تلك السنة، يقال له محمد الحويج من أهل توريز، بعثه أبو سعيد ملك العراق إلى مصر، وخفّ على قلب الملك الناصر، ثم بلغه عنه ما يكرهه فأخرجه من مصر، ولما بلغه أنّ حويج في هذه السنة أمير الركب العراقيّ، كتب إلى الشريف عطيفة أمير مكة أن يعمل الحيلة في قتله بكل ما يمكن، فأطلع على ذلك ابنه مباركا وخواص قوّاده، فاستعدّوا لذلك، فلما وقف الناس بعرفة وعادوا يوم النحر إلى مكة، قصد العبيد إثارة فتنة وشرعوا في النهب لينالوا غرضهم من قتل أمير الركب العراقيّ، فوقع الصارخ وليس عند المصريين خبر مما كتبه السلطان، فنهض أمير الركب الأمير سيف الدين خاص ترك، والأمير أحمد قريب السلطان، والأمير الدمر أمير جان دار في مماليكهم، وأخذ الدمر يسب الشريف رميته، وأمسك بعض قوّاده وأحدق به، فقام إليه الشريف عطيفة ولا طفه فلم يرجع، وكان حديد النفس شجاعا فأقدم إليهم وقد اجتمع قوّاد مكة وأشرافها وهم ملبسون يريدون الركب العراقيّ، وضرب مبارك بن عطيفة بدبوس فأخطأه، وضربه مبارك بحربة نفذت من صدره، فسقط عن فرسه إلى
стр. 980
الأرض، فأرتج الناس ووقع القتال، فخرج أمير الركب العراقيّ واحترس على نفسه فسلم، وسقط في يد أمير مكة إذ فات مقصوده، وحصل ما لم يكن بإرادته، ثم سكنت الفتنة ودفن الدمر، وكان قتله يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة، فكأنما نادى منادي في القاهرة والقلعة والناس في صلاة العيد بقتل الدمر ووقوع الفتنة بمكة، ولم يبق أحد حتى تحدّث بذلك، وبلغ السلطان فلم يكترث بالخبر.
وقال أين مكة من مصر، ومن أتى بهذا الخبر، واستفيض هذا الخبر بقتل الدمر حتى انتشر في إقليم مصر كله، فما هو إلاّ أن حضر مبشر الحاج في يوم الثلاثاء ثاني المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فاخبروا بالخبر مثل ما أشيع، فكان هذا من أغرب ما سمع به، ولما بلغ السلطان خبر قتل الدمر غضب غضبا شديدا، وصار يقوم ويقعد، وأبطل السماط وأمر فجرد من العسكر ألفا فارس كل منهم بخودة وجوشن ومائة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع والآخر للهدم، ومع كل منهم جملان وفرسان وهجين، ورسم لأمير هذا العسكر أنه إذا وصل إلى ينبع وعدّاه، لا يرفع رأسه إلى السماء بل ينظر إلى الأرض ويقتل كل من يلقاه من العربان إلاّ من علم أنّه أمير عرب، فإنه يقيده ويسجنه معه، وجرّد من دمشق ستمائة فارس على هذا الحكم، وطلب الأمير أيتمش أمير هذا الجيش ومن معه من الأمراء والمقدّمين وقال له: بدار العدل يوم الخدمة: وإذا وصلت إلى مكة لا تدع أحدا من الأشراف ولا من القوّاد ولا من عبيدهم يسكن مكة، وناد فيها من أقام بمكة حلّ دمه، ولا تدع شيئا من النخل حتى تحرقه جميعه، ولا تترك بالحجاز دمنة عامرة، وأخرب المساكن كلها، وأقم في مكة بمن معك حتى أبعث إليك بعسكر ثاني، وكان القضاة حاضرين.
فقال قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ: يا مولانا السلطان، هذا حرم قد أخبر اللّه عنه أنّ من دخله كان آمنا، وشرّفه. فردّ عليه جوابا في غضب. فقال الأمير أيتمش يا خوند، فإن حضر دمنة للطاعة وسأل الأمان؟ فقال أمّنه.
ثم لما سكن عنه الغضب كتب باستقرار أهل مكة وتأمينهم، وكتب أمانا نسخته: هذا أمان اللّه ، وأمان رسوله ﷺ ، وأماننا للمجلس العالي الأسدي دمنة بن الشريف نجم الدين محمد بن أبي نمر، بأن يحضر إلى خدمة الصنجق الشريف صحبة الجناب العالي السيفي أيتمش الناصري، آمنا على نفسه وأهله وماله وولده وما يتعلق به، لا يخشى حلول سطوة قاصمة، ولا يخاف مؤاخذة حاسمة، ولا يتوقع خديعة ولا مكرا، ولا يحذر سوأ ولا ضررا، ولا يستشعر مخافة ولا ضرارا، ولا يتوقع وجلا، ولا يرهب بأسا.
وكيف يرهب من أحسن عملا، بل يحضر إلى خدمة الصنجق آمنا على نفسه وماله وآله مطمئنا واثقا بالله ورسوله. وبهذا الأمان الشريف المؤكد الأسباب المبيض الوجه الكريم الأحساب، وكلما يخطر بباله أنا نؤاخذ به فهو مغفور، وللّه عاقبة الأمور، وله منّا الإقبال
стр. 981
والتقديم، وقد صفحنا الصفح الجميل، وأنّ ربك هو الخلاّق العليم، فليثق بهذا الأمان الشريف ولا يسيء به الظنون، ولا يصغي إلى قول الذين لا يعلمون، ولا يستشير في هذا الأمر إلاّ نفسه، فيومه عندنا ناسخ لأمسه. وقد قال ﷺ : «يقول اللّه تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظنّ بي خيرا، فتمسك بعروة هذا الأمان فإنها وثقى، واعمل عمل من لا يضل ولا يشقى، ونحن قد أمّنّاك فلا تخف، ورعينا لك الطاعة والشرف، وعفا اللّه عما سلف، ومن أمّناه فقد فاز، فطب نفسا وقرّ عينا، فأنت أمير الحجاز والحمد للّه وحده».
وكان الدمر فيه شهامة وشجاعة وله سعادة طائلة ضخمة ومتاجر وزراعات اقتنى بها أموالا جزيلة، وزوّج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويني.
درب قيطون: هذا الدرب بين قيسارية جهاركس وقيسارية أمير علي، وهو نافذ إلى خلف مستوقد حمّام القاضي، وكان من حقوق درب الأسواني.
درب السراج: هذا الدرب على يسرة من سلك من الجامع الأزهر طالبا درب الأسوانيّ، وخط الأكفانيين، وكان من جملة خط درب الأسواني ثم أفرد فصار من خط الجامع الأزهر، وكان يعرف أوّلا بدرب السراج، ثم عرف بدرب الشامي، وهو الآن يعرف بدرب ابن الصدر عمر.
درب القاضي: هذا الدرب يقابل مستوقد حمّام القاضي، على يمنة من سلك من درب الأسوانيّ إلى الجامع الأزهر، وهو من حقوق درب الأسواني، كان يعرف أوّلا بزقاق عزاز، غلام أمير الجيوش شاور السعدي وزير العاضد، ثم عرف بالقاضي السعيد أبي المعالي هبة اللّه بن فارس، ثم عرف بزقاق ابن الإمام، وعرف أخيرا بدرب ابن لؤلؤ، وهو شمس الدين محمد بن لؤلؤ التاجر، بقيسارية جهاركس.
درب البيضاء: هو من جملة خط الأكفانيين الآن، المسلوك إليه من الجامع الأزهر وسوق الفرّايين، عرف بذلك لأنه كان به دار تعرف بالدار البيضاء.
درب المنقدي: هذا الدرب بين سوق الخيميين وسوق الخرّاطين، على يمنة من سلك من الخرّاطين إلى الجامع الأزهر، كان يعرف قديما بزقاق غزال، وهو صنيعة الدولة أبو الظاهر إسماعيل بن مفضل بن غزال، ثم عرف بدرب المنقدي، وهو الآن يعرف بدرب الأمير بكتمر استادار العلاي.
درب خرابة صالح: هذا الدرب على يسرة من سلك من أوّل الخرّاطين إلى الجامع الأزهر، كان موضعه في القديم مارستانا، ثم صار مساكن، وعرف بخرابة صالح، وفيه الآن دار الأمير طينال التي صارت بيد ناصر الدين محمد البارزي كاتب السرّ، وفيه أيضا باب سوق الصنادقيين.
стр. 982
درب الحسام: هذا الدرب على يمنة من سلك من آخر سويقة الباطلية إلى الجامع الأزهر، عرف بحسام الدين لاجين الصفدي استادار الأمير منجك.
درب المنصوري: هذا الدرب بأوّل الحارة الصالحية تجاه درب أمير حسين، عرف أوّلا بدرب الجوهري، وهو شهاب الدين أحمد بن منصور الجوهري، كان حيا في سنة ثمانين وستمائة، وعرف أخيرا بدرب المنصوري، وهو الأمير قطلو بغا المنصوري حاجب الحجّاب في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين.
درب أمير حسين: هذا الدرب في طريق من سلك من خط خان الدميري طالبا إلى حارة الصالحية وحارة البرقية، استجدّه الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون، ومات في ليلة السبت رابع شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبعمائة، وكان آخر من بقي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو والد الملك الأشرف شعبان بن حسين.
درب القماحين: هذا الدرب كان يعرف بخط قصر ابن عمار، من جملة حارة كتامة، قريبا من الحارة الصالحية، وفيه اليوم دار خوند شقرا وحمام كراي وراء مدرسة ابن الغنام.
درب العسل: هذا الدرب على يمنة من خرج من خط السبع خوخ يريد المشهد الحسيني، كان يعرف أوّلا بخوخة الأمير عقيل ابن الخليفة المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، أوّل خلفاء الفاطميين بالقاهرة، ومات في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، هو وأخوه الأمير تميم بن المعز بالقاهرة، ودفنا بتربة القصر.
درب الجباسة: هذا الدرب تجاه من يخرج من سوق الأبارين إلى المشهد الحسيني، وهو من جملة القصر الكبير، وبه دار خوخي التي تعرف اليوم بدار بهادر.
درب ابن عبد الظاهر: هذا الدرب بجوار فندق الذهب بخط الزراكشة العتيق، وفي صفه، وهو من حقوق دار العلم التي استجدّت في خلافة الآمر ووزارة المأمون الباطيجي، فلما زالت الدولة اختط مساكن وسكن هناك القاضي محي الدين ابن عبد الظاهر فعرف به.
درب الخازن: هذا الدرب ملاصق لسور المدرسة الصالحية التي للحنابلة، ومجاور لباب سرّ قاعة مدرسة الحنابلة، والسبيل الذي على باب فندق مسرور الصغير، استجدّه الأمير علم الدين سنجر الخازن الأشرفيّ والي القاهرة، المنسوب إليه حكر الخازن بخط الصليبة، وسنجر هذا كانت فيه حشمة وله ثروة زائدة، ويحب أهل العلم، تنقل في المباشرات إلى أن صار والي القاهرة، فاشتهر بدقة الفهم وصدق الحدس الذي لا يكاد يخطئ، مع عقل وسياسة وإحسان إلى الناس، وعزل بالأمير قديدار ومات عن تسعين سنة في ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
стр. 983
درب الحبيشي: هذا الدرب على يمنة من سلك من خط الزراكشة العتيق طالبا سوق الأبّارين، وهو بجوار دار خواجا المجاورة لخان منجك، أصله من جملة القصر النافعي، وكان يعرف بخط القصر النافعي، ثم عرف بخط سوق الوراقين، وهو الآن يعرف بدرب الحبيشي، وهو الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي أحد الأمراء الظاهرية بيبرس.
درب بقولا الصفار: بحارة الروم، كان يعرف بدرب الرومي الجزار.
درب دغمش: هذا الدرب ينفذ إلى الخوخة التي تخرج قبالة حمّام الفاضل المرسوم لدخول النساء، كان يعرف قديما بدرب دغمش، ويقال طغمش، ثم عرف بدرب كوز الزير، ويقال كوز الزيت، ويعرف بدرب القضاة بني غثم من حقوق حارة الروم.
درب أرقطاي: هذا الدرب بحارة الروم، كان يعرف بدرب الشماع، ثم عرف بدرب شمخ، وهو تاج العرب شمخ الحلبي، ثم عرف بدرب المعظم، وهو الأمير عز الملك المعظم ابن قوام الدولة جبر، بجيم وباء موحدة، ثم عرف بدرب أرسل، وهو الأمير عز الدين أرسل بن قرأ رسلان الكاملي والد الأمير جاولي المعظمي، المعروف بجاولي الصغير، ثم عرف بدرب الباسعردي، وهو الأمير علم الدين سنجر الباسعردي أحد أكابر المماليك البحرية الصالحية النجمية، وولي نيابة حلب، ثم عرف إلى الآن بدرب ابن أرقطاي، والعامّة تقول رقطاي بغير همز، وهو أرقطاي الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي أحد مماليك الملك الأشرف خليل ابن قلاون، وصار إلى أخيه الملك الناصر محمد فجعله جمدارا (١) وكان هو والأمير أيتمش نائب الكرك بينهما أخوة، ولهما معرفة بلسان الترك القيجاقي، ويرجع إليهما في الياسة التي هي شريعة جنكزخان التي تقول العامّة وأهل الجهل في زماننا هذا حكم السياسة، يريدون حكم الياسة، ثم إن الملك الناصر أخرجه مع الأمير تنكر إلى دمشق، ثم استقرّ في نيابة حمص لسبع مضين من رجب سنة عشر وسبعمائة، فباشرها مدّة ثم نقله إلى نيابة صفد في سنة ثمان عشرة، فأقام بها وعمر فيها أملاكا وتربة، فلما كان في سنة ست وثلاثين طلب إلى مصر وجهز الأمير أيتمش أخوه مكانه وعمل أمير مائة بمصر، فلما توجه العسكر إلى اياس خرج معهم وعاد، فكان يعمل نيابة الغيبة إذا خرج السلطان للصيد، ثم أخرج إلى نيابة طرابلس عوضا عن طينال، فأقام بها إلى أن توجه الطنبغا إلى طشطمر نائب حلب، وكان معه بعسكر طرابلس، فلما جرى من هروب الطنبغا ما جرى، كان أرقطاي معه، فأمسك واعتقل بسكندرية، ثم أفرج عن أرقطاي في أوّل سلطنة الملك الصالح إسماعيل بوساطة الأمير ملكتمر الحجازي وجعل أميرا إلى أن مات الصالح.
стр. 984
وقام من بعده الملك الكامل شعبان ورسم له بنيابة حلب عوضا عن الأمير يلبغا اليحياوي، فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين، فأقام بها نحو خمسة أشهر، ثم طلب إلى مصر فحضر إليها فلم يكن غير قليل حتى خلع الكامل وتسلطن المظفر حاجي، وولاه نيابة السلطنة بمصر فباشرها إلى أن خلع المظفر وأقيم في السلطنة الملك الناصر، استعفى من النيابة وسأل نيابة حلب فأجيب وولي نيابة حلب وخرج إليها، وما زال فيها إلى أن نقل منها إلى نيابة دمشق، ففرح أهلها به وساروا إلى حلب، فرحل عنها فنزل به مرض، وسار وهو مريض فمات بعين مباركة ظاهر حلب يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمس وسبعمائة وقد أناف عن السبعين. فعاد أهل دمشق خائبين. وكان زكيا فطنا محجاجا لسنا مع عجمة في لسانه، وله تبنيت مطبوع وميل إلى الصور الجميلة ما يكاد يملك نفسه إذا شاهدها مع كرم في المأكول.
درب البنادين: بحارة الروم، يعرف بالبنادين من جملة طوائف العساكر في الدولة الفاطمية، ثم عرف بدرب أمير جاندار، وهو ينفذ إلى حمام الفاضل المرسوم بدخول الرجال، وأمير جاندار هذا هو الأمير علم الدين سنجر الصالحي المعروف بأمير جندار.
درب المكرّم: بحارة الروم يعرف بالقاضي المكرّم جلال الدين حسين بن ياقوت البزاز نسيب ابن سنا الملك.
درب الضيف: بحارة الديلم، عرف بالقاضي ثقة الملك أبي منصور نصر بن القاضي الموفق أمير الملك أبي الظاهر إسماعيل بن القاضي أمين الدولة أبي محمد الحسن بن علي بن نصر بن الضيف. كان موجودا في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبه أيضا رحبة تعرف برحبة الضيف منسوبة إليه.
درب الرصاصي: بحارة الديلم، هذا الدرب كان يعرف بحكر الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء، صهر بني رزبك من وزراء الدولة الفاطمية، ثم عرف بحكر تاج الملك بدران بن الأمير سيف الدين المذكور، ثم عرف بالأمير عز الدين أيبك الرصاصي.
درب ابن المجاور: هذا الدرب على يسرة من دخل من أوّل حارة الديلم، كان فيه دار الوزير نجم الدين بن المجاور وزير الملك العزيز عثمان، عرف به وهو يوسف بن الحسين بن محمد بن الحسين أبو الفتح نجم الدين الفارسيّ الشيرازي، المعروف بابن المجاور، كان والده صوفيا من أهل فارس، ثم من شيراز، قدم دمشق وأقام في دويرة الصوفية بها. وكان من الزهد والدين بمكان، وأقام بمكة وبها مات في رجب سنة ست وثمانين وخمسمائة، وكان أخوه أبو عبد اللّه قد سمع الحديث وحدّث وقدم إلى القاهرة ومات بدمشق أوّل رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة.
стр. 985
درب الكهارية: هذا الدرب فيه المدرسة الكهارية بجوار حارة الجودرية المسلوك إليه من القماحين، ويتوصل منه إلى المدرسة الشريفية.
درب الصفيرة: بتشديد الفاء هذا الدرب بجوار باب زويلة، وهو من حقوق حارة المحمودية وكان نافذا إلى المحمودية، وهو الآن غير نافذ وأصله درب الصفيراء تصغير صفراء، هكذا يوجد في الكتب القديمة، وقد دخل بجميع ما كان فيه من الدور الجليلة بالجامع المؤيدي.
درب الأنجب: هذا الدرب تجاه بئر زويلة التي من فوق فوهتها اليوم ربع يونس من خط البندقانيين، يعرف بالقاضي الأنجب أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن نصر بن عليّ، أحد الشهود في أيام قاضي القضاة سنان الملك أبي عبد اللّه محمد بن هبة اللّه بن ميسر، وكان حيا في سنة بضع وعشرين وخمسمائة، وينسب إلى الحسين بن الأنجب المقدسيّ، أحد الشهود المعدّلين، وكان موجودا في سنة ستمائة، ثم عرف هذا الدرب بأولاد العميد الدمشقيّ، فإنه كان مسكنهم، ثم عرف بالبساطيّ، وهو قاضي القضاة جمال الدين يوسف.
درب كنيسة جدة: بضم الجيم، هذا الدرب بالبندقانيين كان يعرف بدرب بنت جدّة، ثم عرف بدرب الشيخ السديد الموفق.
درب ابن قطز: هذا الدرب بجوار مستوقد حمّاد الصاحب ورباط الصاحب من خط سويقة الصاحب، عرف بناصر الدين بن بلغاق بن الأمير سيف الدين قطز المنصوريّ، ومات بعد سنة ثمان وتسعين وستمائة.
درب الحريري: هذا الدرب من جملة دار الديباج هو ودرب ابن قطز المذكور قبله، ويتوصل إليه اليوم من أوّل سويقة الصاحب وفيه المدرسة القطبية، عرف بالقاضي نجم الدين محمد بن القاضي فتح الدين عمر المعروف بابن الحريريّ، فإنه كان ساكنا فيه.
درب ابن عرب: هذا الدرب بخط سويقة الصاحب كان يعرف بدرب بني أسامة الكتاب، أهل الإنشاء في الدولة الفاطمية، ثم عرف بدرب بني الزبير الأكابر الرؤساء في الدولة الفاطمية، ثم سكنه القاضي علاء الدين عليّ بن عرب محتسب القاهرة في أيام الأمير بليغاق وكيل بيت المال، فعرف به إلى اليوم، وابن عرب هذا هو علاء الدين أبو الحسن عليّ بن عبد الوهاب بن عثمان بن عليّ بن محمد عرف بابن عرب، ولي الحسبة بالقاهرة في آخر صفر سنة خمس وستين وسبعمائة، وولي وكالة بيت المال أيضا وتوفي.
درب ابن مغش: هذا الدرب تجاه المدرسة الصاحبية، عرف أخيرا بتاج الدين موسى كاتب السعديّ وناظر الخاص في الأيام الظاهرية برقوق، وله به دار مليحة، وكان ماجنا متهتكا يرمي بالسوء، وأما الديانة فإنه قبطيّ، وعنه أخذ سعد الدين إبراهيم بن غراب وظيفة