← Общие книги

Общие книги · id 11570

أضواء على أوضاعنا السياسية

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (214 стр.). Показаны 176–214 · переход к 181.

стр. 176

على الساحر ويقوم في الأمة من ينقذها بكتاب الله وسنة رسوله فيوحد صفوفها، وينهي خلافها وتفرقها، ويقودها إلى العزة والمجد. ٢٣ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 177

من نحن؟ وأين نحن الآن ؟ * ها قد وصلت العربة إلى القاع فعلاً، وابتدأنا نتحسس أقدامنا من جديد، فالذين ينظرون إلى الأمام قليلاً كانوا يعرفون أين ستقع العربة، وأما الآخرون فإنهم يفيقون تباعاً، وسنحتاج إلى عامين أو ثلاثة حتى يعرف المذهولون مكانهم الصحيح، وحتى يعود الشاردون من هول المفاجأة والانفجار!! وسيكون السؤال الذي يسأله الناس بعضهم بعضاً أين نحن الآن؟! وسيختلف الناس بالطبع كما هم مختلفون الآن، فبعضهم سيقول: نحن الآن في موقع جيد، وفي أرض خضراء، وواد فسيح، وسيقول آخرون، كلا بل نحن في مستنقع عفن، وفي أرض سيئة وواقع كريه ويبدأ هؤلاء وهؤلاء يعدون الضحايا ويحصون القتلى فالمستبشرون والمتفائلون بالواقع الجديد سيقولون عن الضحايا والقتلى أنهم أغبياء لأنهم لم يمسكوا بالعربة جيداً، ولم يحسنوا الركوب في القطار وأما المتشائمون والمستبصرون فسيقولون إنهم ضحايا وأنهم شهداء!! وهذه المعركة الكلامية ستستمر وقتاً طويلاً يؤيد كل فريق منا رأيه فيه بما تستطيع بلاغته أن تصل إليه وسيعمد القادرون منا ومن بيدهم زمام الأمور على دفع الأمور لتثبت صدق آرائهم ورجاحة عقولهم، وسنظل يخطئ بعضنا بعضاً، ويسب

стр. 178

بعضنا بعضاً، حتى تأتي رياح جديدة تقذف بالعربة إلى انحدار جديد!! * هذه البلاهة والغفلة الجماعية التي أصابت الأمة من أقصاها إلى أقصاها -إلا من رحم الله منهم- سببها الأول أنهم يقولون: أين نحن الآن؟ وكان الواجب أن يقولوا أولاً: من نحن؟ فبالجواب على هذا السؤال سنعرف أنفسنا، ونحدد هويتنا، ونضع صراطنا (استراتيجيتنا) في الحياة وعلى أساس هذا الصراط سنحدد علاقاتنا بكل الناس حولنا شرقاً وغرباً. * إننا مختلفون تماماً حول هذا السؤال: من نحن؟ وباختلافنا فيه تختلف نظرتنا إلى كل الأمور وحكمنا على كل الوقائع، وتحديدنا للمصلحة والمفسدة، والنصر والهزيمة والمكسب والخسارة، فهل نحن عرب؟ وماذا تعني هذه اللفظة تماماً "العرب"، أعني من هم العرب؟ وما موقفهم من الإسلام؟ وأين تقع الإقليمية في مفهوم العروبة؟ وما هي مصالحهم المشتركة؟ وإذا كان العرب مسلمين فهل هم مستعدون للالتزام بأحكام الإسلام؟ وإذا لم يكونوا مسلمين؟ فما البديل؟ وما النظام الاقتصادي الذي سيتبعونه إذا لم يلتزموا بنظام الإسلام، هل هو الاشتراكية؟ وأي نوع من الاشتراكية؟ هل هي الاشتراكية العلمية (الشيوعية) كما أجاب الرئيس جمال عبد الناصر، أم اشتراكية أخرى؟ أم هو النظام الحر الرأسمالي؟ وإلي أي حد سيسيرون في النظام الرأسمالي؟ وما العلاقة بين الدول العربية إذا اختلفت إجابة كل إقليم؟ أعني إلى أي حد سنصل في عداء بعضنا لبعض؟ هل إلى حد القطيعة والقتال وفرض الرأي بالقوة أم فقط عند حد الكلام والسباب، أم سنتعاون فيما اتفقنا فيه، ويكون لكل منها أموره الخاصة؟

стр. 179

وما الذي اتفقنا عليه أو يجب أن نتفق عليه؟ وما الأمور الخاصة بكل إقليم؟! هذا إلى عشرات الأسئلة الأخرى لابد من الإجابة عليها لنحدد موقفنا من ذلك الشعار الذي رفعناه سياسياً وفكرياً في ثلث القرن الماضي. * الإقليمية السياسية المعاصرة فرضها الاستعمار الفرنسي والبريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، وتعمقت هذه الإقليمية بتباعد الديار، والحجب السياسية القائمة، ثم جاء ضجيج القومية العربية فغطى على أصوات الإقليمية وحجبها عن الظهور وكاد يهدم الحدود السياسية الجغرافية ولكن الانفصال النفسي والشعوري بين أبناء الأقاليم الإسلامية لم تستطيع عاطفة العروبة وضجيجها أن يلغيه، ثم جاءت هزيمة سنة ١٩٦٧ لتسكت ضجيج العروبة وتقتل عاطفتها، وتحيي من جديد بذور الإقليمية السياسية بل وتحيي أيضاً بذور الجاهلية المدفونة منذ آلاف السنين، والعجب في النمو السريع لهذه الأشجار الشوكية السامة التي ماتت منذ آلاف السنين. * والآن يجب أن نسأل أنفسنا إلى أي مدى سنسير مع الفكر الإقليمي السياسي الجديد؟ هل سنسير إلى الحد الذي يكون لكل إقليم جاهليته الخاصة؟ وبالطبع مصالحه ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي الخاص؟ أم سنسير إلى الحد الذي يداوي كل إقليم من الأقاليم جراحاته ويلم شعثه ومن ثم يلتحم مع سائر أقاليم الأمة الإسلامية العربية؟ وعلى أي أساس سيكون اللقاء والالتحام إن كان ثمة تفكير في ذلك؟ * خلافنا واختلافنا ليس في معرفة من نحن فقط؟

стр. 180

بل إننا نختلف الآن من أعدائنا؟ والعدو الذي كانت تجمع الأمة على عداوته قديماً هو اليوم محل اختلاف؟ فهل اليهود اليوم أعداء؟ وإذا كانوا أعداء فكيف يجب علينا الآن مجابهة عداوتهم هل بالتدمير الفوري، أم بالتفتيت البطيء؟ أم نحن مضطرون الآن إلى تجميد الحرب معهم إلى حين؟ أم هم أصدقاء يمكن التعاون معهم وإلى أي حد يكون هذا التعاون؟ هل كما يقول الملك الحسن: المال العربي والعقل اليهودي لخلق جنة على الأرض (وكأنه ليس عند العرب عقول لتدبير أموالهم) وإذا قررنا التعاون مع اليهود فهل هو تعاون ينبع من صراط عرب واحد أم تعاون كل إقليم بمفرده؟ * العجب كل العجب إن جمهور الأمة يعيش الآن مع الرافضين بلا هدف واضح ولا نوايا معلنة، ومع القابلين بلا حدود واضحة ولا نوايا معلنة، ولذلك فالرفض والقبول يجب أن تعلم جماهير الأمة أنه جزء من اللعبة السياسية الكبرى التي يريدها الساحر اليهودي والشيطانان الأمريكي والروسي، والسباق الآن في لعبة القبول والرفض أيهما يحرق مخالب الآخر، وحرق المخالب يعني أن نفقد جزءاً من الأمة، والأعجب من هذا أن المخالب التي تحترق دائماً هي المخالب التي يريد اليهود حرقها سواء كانت في الجانب الروسي أو في الجانب الأمريكي!؟ * مرة ثانية نقول وصلت العربة إلى هوة جديدة والذي لم يعلم بعد أننا سقطنا في الوحل والطين سيحتاج إلى فترة زمنية أطول ليتبين مواقع أقدامه ويتعرف على مكانه الجديد، وأما هذه البلاغة التي جعلت سقوطنا نصراً وذلنا فخاراً وعزة فإنها ستضمحل بعد سنتين أو ثلاث وهي الفترة الكافية لإفاقة الأمة من صدمتها الشديدة، تماماً كما استطاعت هذه البلاغة العجيبة أن تصور هزيمة ١٩٦٧

стр. 181

نصراً مؤزراً لأنه أخذ الأرض ولم يسقط النظام، ولم تستمر هذه البلاغة إلا سنتين أيضاً أو ثلاثة حتى أفاقت الأمة ثم وجدت الأمة أن النظام عاجز عن استرداد الأرض..!! وها نحن نبذل كل شيء تقريباً: تاريخنا وشرفنا، وعزتنا على أرضنا وأيضاً قسم من أبنائنا وكل ذلك لم يرض صلف اليهود وكبرياءهم ليتنازلوا لنا عن الأرض. * ومرة ثانية نقول: لا تسألوا أين نحن الآن؟ فالمعركة حول هذا خاسرة وسنتفق عليها بعد عامين أو ثلاثة وعندها تكون العربة قد استعدت لسقوط جديد، ولكن يا قوم قولوا وأجيبوا أولاً: من نحن؟ هل نحن مسلمون؟ أم نحن عرب؟ أم نحن فراعنة وبابليون وآشوريون وبربر وفينيقيون أم مصريون وسوريون وفلسطينيون واقليميون على اختلاف الأقاليم؟ ومن العدو؟ ومن الصديق؟. ٣٠ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 182

هل حقاً سيعيد التاريخ نفسه ؟ * اليهود يحاولون إعادة التاريخ للوراء لإنشاء دولة على غرار دولتهم في فلسطين منذ ثلاثة آلاف سنة، وهم في سبيل ذلك يحيون الأسماء القديمة نفسها قبل هذا التاريخ ويحملون معهم في عبورهم نحو هذا الماضي السحيق تصميماً لهيكل سليمان بنفس المواصفات التي كانت له يوم كان، وينشئون المستعمرات بنفس أسمائها القديمة، ومواصفاتها التي حملها التاريخ لهم، ويبنون الإنسان اليهودي تماماً كما كان ذلك الإنسان اليهودي في هذا التاريخ الغابر حيث يدرس نصوص التوراة نفسها وتعاليم حكماء اليهود في هذه الحقبة البعيدة. * ولو كان اليهود يصنعون ما يصنعون في فراغ لما اهتم أحد بشأنهم، ولكن اليهود لا يتم لهم ذلك إلا باستئصال الشعب الذي كان يسكن في تلك البقعة من أرض الشام (فلسطين) وإلا بأن تقطع كل يد تحمل مدداً لهذا الشعب، ولن يتم لهم القرار في هذه الأرض إلا بأن يدفنوا تاريخ هذه البقعة منذ شتاتهم منها وإلى عودتهم فيها، والوصول إلى هذه الغاية المذهلة يعني اقتطاع هذا الشعب عن أمته العريضة التي كان ينسب إليها ثم بناء سور من الكراهية والنفور حوله، ثم تمزيقه وضرب بعضه ببعض ثم القضاء عليه

стр. 183

وتذويبه تذويباً بطيئاً حتى يكون أثراً بعد عين، ثم في النهاية قطع آمال الأمة العريضة التي ينتسب هذا الشعب إليها أن تتطلع إلى هذه الأرض مرة ثانية، أو تفكر مجرد تفكير في العودة إليها، ولا يتم ذلك إلا بقطع الصلات الدينية والفكرية والثقافية التي تربط بين الأمة وهذه الأرض. * إنه عمل رهيب حقاً، وهو نوع من الخيال لولا أن أجزاء كثيرة من هذه الخطة الجهنمية قد نفذت بالفعل ولم تبق إلا خطوات يسيرة وعقبات صغيرة يسهل اجتيازها والعبور فوقها. * لم يكن غريباً أو عجيباً أن يعود اليهود إلى تاريخهم وأن يحفظوا توراتهم وتلمودهم وأسماء قراهم ومدنهم وشوارعهم في دولتهم القديمة، وأن يعودوا لإحياء لغتهم التي ماتت وأصبحت أثراً بعد عين فهم يعتقدون أنهم بذلك يحققون ذاتهم ويحيون هويتهم ويقيمون دولتهم ويحصنون أنفسهم، ولكن الغريب حقاً أنهم يحاولون إن يزيلوا تاريخ الأمة الإسلامية وأن يمحوا تراثها وأن يبدلوا عقائد وجلود أبنائها بل وإن يحققوا فيهم ردة جماعية نحو الجاهلية الأولى قبل ثلاثة آلاف سنة وكان اليهود في إحيائهم لدولتهم القديمة يريدون أن يتعاملوا مع نفس الشعوب التي تعاملوا معها في ذلك التاريخ، إنهم يريدون انقلاباً كاملاً في التصورات والأفكار والعقائد والموازين أنهم يريدون للعالم الإسلامي حولهم ردة حضارية تمحو تاريخ ألف وأربعمائة سنة وهذا شيء فوق التصور والفهم. * منذ عام تقريباً كتبت في هذه الزاوية مقالاً بعنوان: "من ذا الذي يستطيع أن يعبر فوق هذا التراث" مهوناً من شأن المحاولات التي كانت تبذل في هذا الوقت لما يسمى بالحل السلمي مبيناً أنه لا مكان للقاء حضارتين متضادتين

стр. 184

وعقيدتين متناقضتين على هذه الأرض أرض فلسطين، وقد كان ظني في ذلك اليوم أن اليهود دخلوا هذه الأرض على حين غفلة من أهلها دخول اللص في غيبة أهل البيت ويوم يتيقظ أصحاب المكان فلابد من طرد اللص، واليوم اعترف بخطئي وقصور نظري فما كنت أتصور أن للإعلام والدعاية هذه القوة الجبارة في تبديل العقائد وقلب الحقائق والموازين ما كنت أتصور مطلقاً أنه بالإعلام والدعاية يصدق الناس أن الذئب يصبح حملاً وأن اللص يضحى صاحب الحق، وإن سفاكاً وقاتلاً للنساء والأطفال مثل بيجن يمسي شريفاً ومناضلاً وما كنت أتصور أن أياً من الناس يصدق ذلك، ولكنني اكتشفت أخيراً خطئي وعلمت يقيناً أن الإعلام والدعاية هو سلاح العصر الرهيب وأن أثره لا تعدله القنابل الذرية ولا أسلحة الدمار والفتك. * الإعلام هذا السلاح الرهيب الذي يستطيع تبديل الحقائق في عيون الناظرين وقلب الموازين، وإزالة العقائد الراسخة، وتغيير الأديان والأخلاق، وتبديل الأنظمة والقوانين، هذا الإعلام سلاح الحرب الباردة الخطير الذي يمهد العقول والقلوب لقبول الأعداء ليكونوا حلفاء وأصدقاء، والذي يستطيع إشعال نار العداء والبغضاء بين الأهل والإخوان والأصدقاء أنه باختصار أقوى سلاح العصر على الإطلاق هذا الإعلام لا تملك الشعوب في دولنا الإسلامية منه إلا وسائل تافهة لا تستطيع بها مقاومة أي غزو فكري أو عقائدي وأما وسائله الفعالة فهي بيد السلطات الحاكمة تسخره كيف شاءت، وتصيغ به عقول الناس فتبدل به العقائد والأفكار والأديان والأخلاق، وتستطيع به أيضاً إزالة التراث وتبديل التاريخ وتدمير الإنسان. * واليوم أروني من يملك عقلاً سليماً في بلادنا

стр. 185

الإسلامية لأثبت لكم أنه يؤمن بالشيء ونقيضه، ولا يعرف أين نحن الآن في مسيرة تاريخنا، ولماذا كنا نحارب اليهود؟ وماذا نريد منهم اليوم؟ وهل سيوافقون أو يرفضون؟ وما معنى الرفض؟ وما معنى القبول؟ وما هذا بالطبع إلا نتاجاً للحرب الإعلامية التي استهدفت تدمير الإنسان المسلم وتشتيت أفكاره، وتوزيع مصالحه والفصل بينه وبين تراثه، وقطع صلته مع ربه ومولاه وخالقه، وبذلك يصبح إنساناً ضائعاً تائهاً بلا هوية ولا أمل، ولا عقيدة ولا أخلاق ولا موازين وهذا الضياع الحضاري الذي تعيشه الأمة الآن هو خير دليل على ما أقول، والخوف كل الخوف أن يستمر هذا الضياع الحضاري مدة كافية نفقد فيها أنفسنا وتاريخنا وحضارتنا ثم نفيق فنجد أننا قد أصبحنا شيئاً آخر تماماً.. شيئاً يريد اليهود أن نكون مثله وبذلك ترجع عجلة التاريخ ثلاثة آلاف سنة كاملة فهل حقاً ستعود عجلة التاريخ إلى الوراء ويسكن اليهود خيبر ويعيدون سوق بني قينقاع، ويفلحون أرض النضير، ويعود الأوس والخزرج يقتتلون ويفتخرون بيوم بعاث، وينتصب الهيكل حول الصخرة، ويهدم المسجد الأقصى، وتعود الأمة إلى عبادة الأوثان والأصنام. ٦ يناير ١٩٧٨

стр. 186

نحو رحلة جديدة للبحث عن الذات * لم يتخل الله بعد عن هذا العالم، ولن يتركه سدى أو عبثاً في أي يوم آت، فأمور العباد كلها بيده "يخفض القسط ويرفعه، يرفع له عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار"، ويقول عن نفسه جل وعلا: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ ، ويقول ﷺ في معنى الآية: [من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع أقواماً ويضع آخرين] ، وهذه الرؤيا الإيمانية لفعل الله في الكون والناس جزء من العقيدة وجزء من تفسير سنن الله في الكون والذين يفسرون أحداث الكون وتقلب الزمان دون نظر واعتبار إلى سنن الله فيه يضلون ويعمهون. * والأمة الإسلامية التي انطلقت شرارتها من هذه الجزيرة المقدسة (أرض العرب) فبشرت بالإسلام ديناً وبالحق والعدل ميزاناً للحكم بين الناس، ورفعت الظلم عن المظلومين، وأزالت غشاوات الجاهلية عن أعين الشعوب المضللة المظلومة، وصهرت من انضوى تحت لوائها بأخوة عجيبة لم تفرق فيها بين الناس لأجناسهم وأوطانهم، هذه الأمة لا يمكن أن نفهم تاريخها على وجهه الصحيح دون نظر إلى الجانب الإلهي من تاريخها، فالجوانب المادية وحدها لا تفسر بتاتاً انتصار هذه الأمة على قوى الظلم

стр. 187

الغاشمة في العالم والتي قوضتها في مدة يسيرة من الزمان، ولا يمكن أن نفهم أيضاً بقاء هذه الأمة إلى الوقت الحاضر وحفظ دينها وكتابها دون نظر وفهم إلى دفاع الله عنها وحفظه لها بالمقدار الذي يحفظ المؤمنين من هذه الأمة دينهم وعقيدتهم، باختصار كان الله مع هذه الأمة يوم كانت معه، وتخلى الله عنها يوم تخلت عنه. * والهزائم العسكرية والسياسية ليست شراً كلها، بل قد تكون الهزيمة فرصة نادرة لتعديل المسار، والبحث عن الأخطاء والرجوع عن الغرور، وتنقية الصفوف، والمسلمون حتى في عهد النبي ﷺ لم تكن أيامهم عسلاً كلها أعني نصراً على الأعداء وظهوراً في كل معركة، بل كانت أيامهم دولاً.. يدالون مرة، ويدال عليهم أخرى، فقد انتصروا في بدر فكان هذا براعة استهلال وحسن طالع لأمة ناشئة، وهزموا في أحد فكان هذا تمحيصاً وتربية وتنقية للصفوف، ومعرفة حقيقية بأهداف الجهاد وأنه لله وليس للدنيا، وضاقت بهم الأرض في الخندق وزلزلوا زلزالاً شديداً حتى جهر المنافقون بعداوتهم للرسول وأسمعوه ما يكره وقالوا: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ ثم كان النصر الذي لم يبذل له المسلمون صغيرة ولا كبيرة: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال﴾ ثم كان الفتح ويومها توج النصر ثم كانت حنين لكسر الغرور والتعريف بالله. وهكذا في كل تاريخ الأمة كانت أيامها دولاً وهزائمها دروساً، وتاريخ الأمة بعد الرسول ﷺ شاهد على ما نقول، فالهزيمة العسكرية الساحقة للخلافة العباسية على أيدي المغول جعلت الأمة، تضيق من ترفها الفكري، وخلافها العقائدي، وتمزقها الاجتماعي، ليقوم المصلحون من الدعاة

стр. 188

لتصحيح مسار الأمة وإعادته نحو الكتاب والسنة، فكانت الحركة السلفية الكبرى التي قادها الإمام المصلح المجدد ابن تيمية وتلامذته المخلصون أمثال ابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والحافظ المزي، ثم الإمام الفذ العز بن عبد السلام الذي باع مماليك مصر ودفع الأمير قطز تلميذه لأن يقود الحملة ضد التتار والتي انتهت بهزيمتهم الساحقة، ثم قامت جموع الدعاة إلى الإسلام لتحول الجيوش التترية البربرية الغازية إلى الإسلام والحضارة والمدنية، واندفعت قوافل الدعاة إلى الله لتحول شعوب شرق آسيا إلى الإسلام بالدعوة فقط، فدخلت جزر أندونيسيا وشعب الهند الصينية في الإسلام بالدعوة إلى الله فقط، ودون جيوش غازية وهذا في عقب أعظم هزيمة مني بها العالم الإسلامي وهي هزيمته أمام التتار. * ولم تكن الحروب الصليبية بأقل عبرة للأمة من حروب التتار، فقد فتحت الحروب الصليبية عين الشعوب الإسلامية على مدى التمزق السياسي الذي تعيشه الأمة ووجود إمارات متنازعة على السلطة والسيادة في كل مدينة من مدن الشام تقريباً وكذلك فتحت عينها على مدى الانحراف الطائفي الخرافي الذي عاشته مصر في عهد الفاطميين فكانت نهضة صلاح الدين الأيوبي البطل المجدد الإسلامي الذي أنهى تمزق الأمة السياسية واضطرابها الفكري والثقافي وردها إلى الكتاب والسنة وإلى الوحدة بمعناها الصحيح فكانت الهزيمة الساحقة للصليبيين وبداية عهد جديد من العزة والسيادة الإسلامية. * ولكن الصليبيين الجدد استفادوا من الحروب الصليبية أيما فائدة فعرفوا مكمن القوة في الأمة وهي العودة إلى الكتاب والسنة، والوحدة السياسية فعملوا قبل غزوهم

стр. 189

الصليبي الاستعماري الجديد إلى الحيلولة بين عودة الأمة إلى إسلامها وعودتها أيضاً إلى وحدة سياسية واحدة تستطيع بها الوقوف في وجه زحفهم الاستعماري الجديد ولذلك فقد حالوا وإلى اليوم بين الأمة وبين هذين المطلبين الأساسيين في أي نصر قادم: العودة إلى الكتاب والسنة، ووجود وحدة سياسية تنظم بلاد الإسلام وخاصة من يتكلمون بالعربية منهم. * ومشكلة المشكلات التي تعترض إفاقة الأمة واستفادتها من هزائمها العسكرية والسياسية المتلاحقة في العصر الحاضر هو في هذه القدرة الخرافية التي تملكها أجهزة الهزيمة والتي تستطيع بها تحويل الهزائم المتكررة للأمة إلى نصر في عيون الشعوب المسكينة المقهورة المغلوب على أمرها، ولكن ذلك لن يستمر أيضاً إلى الأبد، فعملية (غسيل المخ) المستمرة للأمة وفصلها عن تاريخها الإسلامي وعقيدتها الصحيحة لابد وأن تنهار أمام اليقظة الحتمية.. إن شاء الله. * هذه اليقظة الحتمية هي في حقيقتها عملية بحث عن الذات يجب أن يمارسها كل فرد في الأمة وعندما نعرف ذواتنا وندرك تماماً أننا مسلمون وأن لا عيش لنا ولا وجود لنا على هذه الرفعة إلا بالإسلام، فعند ذلك تصحح جميع الأوضاع الفاسدة، ولعل أعظم الأمور خطراً على رحلة الأمة اليوم نحو عودتها للذات تتمثل في صبغ الحاضر الفاسد والمواقف الفاسدة بغطاء إسلامي وهذا أعظم تحريف للكلم عن مواضعه وأعظم تزوير في التاريخ، فالذين يعمدون إلى جبة الرسول وعمامته وردائه ويلبسونه لكل الزعماء ولكل الرجال على اختلاف عقائدهم وموقفهم وأهوائهم يزورون تاريخ أعظم رجل عرفته الأرض، وأشرف

стр. 190

إنسان عرفه العالم فليتقوا الله في أنفسهم، وإذا كان علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها قد أنكروا أن يقوم ممثل ما نعلم يقيناً أنه ممثل بتمثيل أدوار الرسول الحقيقية فمن باب أولى أن نستنكر أن يخلع ثوب الرسول الحقيقي ومواقفه البطولية لخدمة باطل نعلم يقيناً أنه باطل، أقول.. تشوبه الإسلام الحق وذلك بإلباسه بالباطل سينفر الناس منه وهذا من أعظم الصد عن سبيل الله ، ولذلك فيجب على الأمة وهي تخطو في رحلتها الجديدة نحو ذاتها الحقيقية أن تتجنب المزورين الغاشين، وأن تعلم أن الذات الإسلامية الحقيقية تبحث دائماً عن العزة في غير غرور، وعن كشف الباطل وحذره في غير خبث ومكر، وأنا لإسلام يعني دائماً إنكار الظلم وإقرار العدل، وأن تكون دائماً كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. ١٣ يناير ١٩٧٨

стр. 191

محاولة كشف القناع * نحمد الله إذ كان صوتنا من فوق هذا المنبر هو الصوت الوحيد منذ عام الذي يبشر بأن الدعوة إلى الإسلام مع اليهود ستنتهي إلى فراغ، ومازلنا نقول للآن أن ما يطلبه اليهود لليوم ليس هو آخر مرادهم ولا منتهى آمالهم، ولو أعطوه الآن لطلبوا غيره فوراً، وقد كانت رؤيتنا هذه مبنية على أساس النظرة الموضوعية للخلفية اليهودية التي قتوم على تراث ديني يدفعهم دفعاً إلى ما يفعلونه الآن، ولو تخلوا عنه لتخلوا عن يهوديتهم وانسلخوا من تراثهم وما زالت كثرتهم الساحقة ترى أن هذا شيء مستحيل، وكذلك اعتمدنا في نظرتنا هذه على الواقع المرير الذي تعيشه منطقتنا الإسلامية العربية، إذ هي تعيش الآن في فراغ حقيقي من القوة، القوة السياسية، والقوة المعنوية العقائدية، والقوة المالية، فالوحدة السياسية والتنسيق السياسي مفقود بين الأقاليم الإسلامية، والشعب يعيش في التيه والتخبط كركاب سفينة لا يعرفون شاطئاً ولا يرون نجاة قريبة، والقوة المالية الضخمة التي نملكها مهدرة ضائعة أو مسلوبة ومحبوسة بأيدي أعدائنا ونحن نتنافس حول قشور من الحضارة المغريات، وقوتنا العسكرية متخلفة جداً إذا قيست بما لدى العدو، وهذه الحال لا تجبر اليهود بل ويرون من الغباء أن يرضخوا لها وأن يعيروها أي اهتمام في تسوية أو صلح.

стр. 192

* والذين ركضوا للصلح مع اليهود كان وما زال ظنهم قائماً أن اليهود دولة تابعة للسياسة الأمريكية وأنها لا تملك من أمر نفسها شيئاً وهذه خطيئة سياسية نبهنا إليها في مقال سابق بعنوان "لحساب من تعمل إسرائيل" وقدمنا بالأدلة أن إسرائيل دولة تعمل لحساب نفسها ولكنها تستطيع استغلال الأوضاع الدولية والتناقضات العالمية، بل وتخلق التناقضات التي تعمي الأبصار عن حقيقة نواياها وغاية سياستها، فالمقولة القائلة بأن إسرائيل هي طفل أمريكا المدلل وإن كل ما تريده أمريكا تنفذه إسرائيل هذه المقالة مقالة جاهلة يجب أن نكف عنها، وأن نتعامل مع إسرائيل على أنها لص حاذق وعميل ماهر يعمل لحساب نفسه ويستغل أيضاً الشعب الأمريكي الجاهل بحقيقة الأوضاع تماماً كما تستغل جهلنا وعجزنا وفرقتنا هنا.. وما إخراج رجل مثل كارتر من مزرعته في جورجيا وهو فلاح لا يعلم به أحد في بلده ولا خارجها وتهيئته ليكون رئيساً للولايات المتحدة إلا دليل واحد لنرى ما يمكن أن يعمله العمل الصهيوني المنظم في بلد كأمريكا، ولنتذكر فقط كيف كانت الدعاية الانتخابية لكارتر طافحة بوجود تأييد إسرائيل، وبأن معونة الرئيس فورد لها لم تكن كافية، ولنذكر الآن كيف أن كارتر لا يستطيع لو أراد أن يرجع عن وعوده السابقة، وكيف أنه قد فشل فشلاً ذريعاً في كل خططه الداخلية، ولم ينجح إلا فيما يوافق المصلحة اليهودية، كإحراج الروس فيما يسمى بحقوق الإنسان، ليضمن استمرار تدفق المهاجرين اليهود من روسيا إلى إسرائيل، وكذلك دفع مصر بوعوده الزائفة لتلتقي مع إسرائيل ثم تراجعه الذليل عن كل وعوده تقريباً، وها هو الرئيس الأمريكي كارتر الذي يعمل في الظاهر لإخراج الروس من أفريقيا والشرق الأوسط، يترك الصومال لتكون فريسة للنفوذ الروسي والكوبي الذي يدعم أثيوبيا لأن دعم الصومال العربي سيقوي

стр. 193

موقف الدول العربية المناهضة لإسرائيل في البحر الأحمر. باختصار اليهود يلعبون حيث يستطيعون اللعب ويعبثون بالدول والسياسات ويعصفون بأعدائهم بكل سبيل ولا يتركون وسيلة إلا ارتكبوها، وما زلنا نقول عنهم -جهلاً- صنائع الإنجليز وأطفال الأمريكان. * من المقدمة الطويلة الماضية ندرك الحقائق التالية: ١- اليهود شعب جاء إلى فلسطين ليبني دولة بمواصفات معينة، هم يحددونها ولن يقبلوا أي صلح أو سلام يضعهم حيث لا يريدون. ٢- الدول العظمى الكافرة تريد بقاء إسرائيل بمواصفات قد قبلها ساسة العرب ولكن اليهود يعملون جاهدين للإفلات من القيود العالمية، وهم يستغلون التناقضات العالمية إلى أبعد الحدود. ٣- الذي يستطيع أن يكبت اليهود وأن يحصرهم في أرض معينة من فلسطين أو يزيلهم منها إلى الأبد هم المسلمون، ولكن المسلمين الآن ليسوا في وضع يمكنهم من ذلك وذلك لفرقتهم السياسية وشتاتهم العقائدي والفكري، وضياع ثرواتهم وأموالهم فيما لا يفيدهم، ولرغبة الدول الكبرى الكافرة أن يستمر حالهم على هذا النحو لتسلم لهم مصالحهم واستثماراتهم وأسواقهم. * هذه الحقائق الثلاث وددت لو قرأها كل مسلم ووعاها كل عربي، وعند ذلك سينكشف عن أعيننا كثير من الغشاوة والجهل الذي يعمي أبصارنا ويجعلنا لا نرى دربنا نحو العزة والسيادة. * وعلى أساس من الحقائق الثلاث يجب أن نبني صراطنا وأستطيع أن أقول إننا الآن نحتاج إلى ما يأتي:

стр. 194

أولاً: هل يستطيع ساستنا أن يخففوا الأنوار الباهرة التي يسلطونها على جهادهم (الميمون) نحو إسرائيل سواء جهادهم الحربي أو السلمي فهذا الضوء أعمى أبصارنا طيلة ثلاثين سنة عن حقيقة أنفسنا وعن حقيقة إسرائيل وأن يسلطوا هذه الأضواء أولا على أخطائنا وعيوبنا.. نحن متفرقون فكيف نحارب؟ ونحن منا من يموت شبعاً وبشماً ومنا من يموت جوعاً وفقراً فهل يحارب المتخمون المترفون أو الفقراء الجائعون.. دعونا أولاً نمارس الرحمة والمساواة مع بعضنا البعض، دعونا لنتصافح ولنتحاب قبل أن نحارب، نحن أيها الساسة كم لا وزن لنا ولا رأي لنا ونحن نصدقكم دائماً حتى في القول ونقيضه إن قلتم هذا أسود قلنا هذا أسود، وإن قلتم لا إنه أبيض عدنا وصدقناكم وكذبنا أنفسنا، بل وأقمنا الدليل أنكم كنتم صادقين في المرتين وذلك أننا طيبون عاطفيون نحبكم أو جبناء نخافكم فسياطكم لا ترحم، ونحن أيضاً غرباء في أوطاننا فهل من الممكن أن تدعونا قليلاً لنسترد عقولنا، ولنمارس التفكير، هل نستطيع أن نأمن في أرضنا وأوطاننا هل نستطيع أن نشعر أنكم منا وأننا منكم.. أطلقوا الحريات لنتكلم ولنناقش ولنبدي ما عندنا، وبالطبع سيخطئ كثير منا لأنه لم يتعود الكلام إلا فيما لا يفيد فلا تعجلوا فالأفواه التي كممت دهوراً طويلة لا تحسن الكلام بمجرد اعتقاها من إسارها. * أيها السادة حطموا مسرحكم السياسي قليلاً وأنزلوا إلى الشعوب المسكينة واسوا ضعيفها، وارحموا فقيرها وأجبروا كسيرها واسمعوا منها فقد ملت السماع لكم وجلوس القرفصاء حول المذياع لتنسم أخباركم. * باختصار نريد إصلاح ما تسمونه بالجبهة الداخلية نريد مساواة حقيقية بين الغني والفقير، نريد أن يوضع كل

стр. 195

رجل من الشعب في مكانه الصحيح.. نريد القضاء على الرشوة والفساد والسرقات.. نريد أمناً وسلاماً لنا نحن الشعوب قبل أن تحققوا أمن وسلام اليهود، لا نريد أن تخطفوا أبصارنا بتحرير فلسطين لينهب من ينهب ويسرق من يسرق ونحن غافلون، وليموت من يموت، ويستشهد من يستشهد، ثم يُقال عنهم إنهم حمقى مغفلون ماتوا في غير معركة واستشهدوا في غير قضية. * وأما فلسطين -لك الله يا فلسطين- الذي تريدون تحقيقه بالحرب، لم تصلوا إليه، والذي تريدون تحقيقه بالسلم لا نريده، فخير لنا من أن يحتل اليهود أرضنا ونعجز عن إخراجهم ولا نرضى بذلك من أن يحتل اليهود أرضنا فنباركهم فيها ونهنئهم باحتلالها. * وأنت أيها الشعب المسلم المسكين المغلوب على أمره متى تفيق، وتدع المسرح.. لقد شارفت المسرحية على النهاية.. أو كما يقولون.. انتهى الدرس يا غبي.. ٢٠ يناير ١٩٧٨

стр. 196

حديث إلى الساسة في هذا العصر الرهيب الذي يبلغ الصراع فيه بين البشر مداه وتطغى فيه المادة، وتختفي فيه الأخلاق من السياسة، تكون المصالح المادية هي العامل الوحيد في توجيه السياسات الدولية، ويتنادى فيه كل قبيل من الناس إلى وحدة تجمع شتاتهم، وتجعل منهم قوة في وجه أعدائهم.. أقول في مثل هذا العالم المعاصر الذي يفترس فيه القوى الضعيف وتمكر كل دولة بأختها يصبح الغافلون اللاهون من أبناء أمتنا عن وحدة تجمع شتاتهم وعقيدة تؤلف بين قلوبهم أعظم أجراما وأكبر أثماً. * بالرغم من أن القضية التي أجملتها في السطور السابقة قضية متفق عليها بين أبناء أمتنا الإسلامية العربية وخاصة بعد أن شاهدوا تكالب الشرق والغرب عليهم، وقيام دولة انطلقت بالعدوان من ضمير الغيب يوم كانت فكرة في قلوب أصحابها واستمرت كذلك في عالم الفعل والشهادة إلى يومنا هذا، وأعلنت أنها ستظل كذلك حتى تحقق نهاية أحلامها بإجبار هذه الأمة على السجود تحت أقدامها والاستسلام لمبادئها وأفكارها وعلوها عليها. وفتح أبوابها مشرعة لمشروعاتها واستثماراتها. أقول بالرغم من هذا العدوان الصارخ لإسرائيل في الغيب والشهادة على أمتنا فإن العالم كل العالم وقف يؤيدها ويبارك خطواتها إلا مواقف

стр. 197

يسيرة من بعضهم دفعهم إليها الخجل تارة والمصلحة أخرى.. وهذه القضية التي لم يبق رجل من أمتنا إلا وأحس بها وعقلها قضية واحدة من قضايا العالم الذي يقوم على النفعية والتعصب، وفقدان الأخلاق والمبادئ، ومدح الظالم المنتصر واحتقار المظلوم المنهزم أقول ليس ثمة خلاف بيننا -فيما أظن- على الحكم على عالمنا المعاصر ودوله الكافرة التي تجردت من الأخلاق والمثل العليا. وليس ثمة خلاف بيننا أيضاً أنه لا حياة لنا ولا بقاء لنا في هذه الرقعة من الأرض حياة عزيزة إلا بوحدة تجمعنا، ورابط يربط بين قلوبنا، وسياسة مشتركة تنظم بها أمورنا وتقف بها -على الأقل- في وجه أعدائنا. كل ذلك فيما أظن لا أحد يخالف فيه ممن انتمى إلى عروبة أو إسلام. ويبدو إننا ملزمون أيضاً بأن نحكم على المخالف لهذه القضية بالخيانة والانسلاخ من هذه الأمة. * وعلى كل حال ليس هذا ما قصدت بحديثي اليوم فليس من شأني أن أسود الصفحات في البديهات، وأن أبدئ أعيد في المسلمات، ولكني بصدد قضية هي منذ أمد موضع الجدال والخلاف بين أبناء أمتنا وهي الوحدة التي تجمعنا، وما العقيدة التي تؤلف بين قلوبنا أو كما يقولون ما (الأيديولوجية) التي تجعلها مبدأ ومنطلقاً لجهادنا وعزتنا ولست بمناقش أيضاً أهل الباطل -والذي اعتقده أنا باطلاً- بآلهم لها مقام آخر وأعني بأهل الباطل الذين يدعون إلى وحدة الأمة بالعروبة مفرغة من الإسلام، وإنما فقط نقول لهؤلاء ليس من الحكمة بتاتاً ولا من العقل أن نهمل في صراعنا من أجل البقاء عنصراً من عناصر القوة، وعاملاً من عوامل البناء والتصدي وأظنكم لا تمانعون أن يكون الإسلام عاملاً من عوامل القوة والبناء في هذه الأمة واستغفر الله من ذلك فليس الإسلام إلا كل القوة والبناء لهذه

стр. 198

الأمة. ولكن دعوا هذه العقيدة لي وللمؤمنين معي بذلك. ويكفيكم أن كنتم على شيء من الحمية والوطنية ألا تهملوا الإسلام في معركتكم مع العدو الذي يحاربكم بكل شيء. وأما دعاة الإقليمية والشذوذ والذين لا يجدون عزتهم إلا في مقابر الفراعنة ومدافن بابل وآشور وحانات تل أبيب ومواخيرها فليسوا من هذه الأمة في شيء. وأما أولئك الذين لا يجدون عزة وكرامة إلا بالانسلاخ من العروبة والإسلام كليهما والالتحاق بمعسكر الإلحاد والشيوعية والدعوة الأممية إلى الثورة على كل شيء تعصباً وجهلاً فكيف يكونوا من أمتنا - وينتمون إلى أبناء جلدتنا. * أتمنى أن يكون كلامي هذا مقنعاً لمن يخالفني الرأي والعقيدة وأتوجه إلى سواد أمتي الذين يشاركونني الرأي والعقيدة وخاصة إلى الساسة والرؤساء الذين شرفهم الله بزعامة هذه الأمة الشريفة المقدسة وكلفهم أيضاً بالسهر لترتاح وبالجوع لتشبع هي.. وأقول لابد من الجهاد لبعث روح هذه الأمة، وروحها هو الإسلام، ولبناء هذه الأمة وهذا الجيل بالذات وتسليحه بكل عوامل القوة وتوجيهه الوجه الصالحة، ونفخ الغضب في عروقه واذكاء الحمية في نفوسه: الحمية لدينه وعقيدته وقومه ووطنه وأرضه فليس بمسلم من تستباح حرماته فيسكت بل شعار المسلم عند الظلم قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ . وسبيل هذا البعث سهل ميسر وهو في إمكانكم أيها السادة بل تحت أيديكم.. لابد من استحداث وزارات للدعوة الإسلامية في كل حكومة إسلامية.. يجب فتح جامعات وكليات متخصصة في الدعوة الإسلامية والتعريف بالإسلام.. لابد من الاهتمام بمناهج التربية والتعليم في مدارسنا كلها وإعادة النظر في الموجود الآن، يجب تعميق

стр. 199

الدراسة الإسلامية في المدارس والجامعات لابد من عقد ندوات فكرية يتداعى لها مفكرو الإسلام من كل صوب وليكن شعارها جميعاً كيف نبعث أمة الإسلام من جديد؟ كيف نوقف زحف العالم المادي بجناحيه الشرقي والغربي على أمة الإسلام؟ كيف ننقذ أنفسنا من براثن العدو اليهودي الذي تسانده قوى البغي والعدوان جميعاً لاستئصال حضارتنا وتمزيق شملنا. يجب أن توجه سوائل الإعلام جميعاً في بلادنا في خدمة هذه المعركة. نريد يقظة عامة تستهدف كل فرد فينا.. الرجل والمرأة والشاب والشيخ. نريد أن يرفع الجميع هذا الشعار: الإسلام روح الأمة، ولا حياة لنا إلا بالإسلام. * ولست في هذا الحديث بالطبع بمبعد المسؤولية عن أي فرد يعقل في هذه الأمة فكلنا مسؤول عن هذه الأمانة وعلى كل منا واجب بانتسابه إلى هذه الأمة، وإنما توجهت نحو الساسة لأنه بصلاحهم صلاح الرعية. ١٠ فبراير ١٩٧٨

стр. 200

كيف نصطاد الأرانب السحرية ؟ * الحقيقة أننا ما زلنا مبهورين ومشدوهين أمام مارد الحضارة الأوروبية الذي يتعاظم أمامنا يوماً بعد يوم، وأننا ما زلنا للآن أيضاً لا نعرف كيف نتصرف سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعنا أو تربوياً وتعليمياً - الزمن أسرع منا والغزو الفكري والثقافي والاقتصادي للكلاب المتصارعة علينا يصيبنا بالحيرة والارتباك. وقد أصبحنا في عالم عجيب ولا نملك فيه إلا النوايا الطيبة وهذه وحدها لا تكفي.. وهذه لمحة سريعة للواقع الأليم الذي تمر به أمة الإسلام في العصر الراهن، وتفصيل هذا الواقع أمر يطول سرحه ومشكلتنا هي أن نكون مستقبلاً أو لا نكون، فنحن بلا مراء - نعيش خارج عصرنا في الوقت الراهن وعندما أقول نحن فأنا أعني هذه الأمة الإسلامية والعرب منهم بالذات فالفوضى الفكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية أيضاً التي نعيشها لا حدود لها ولا ضوابط. ولذلك رفع مفكرو العرب والمراقبون السياسيون على هذه المنطقة اسم منطقة المفاجآت، ومنطقة كل شيء جائز وكل شيء محتمل!! وهذا حق. فمن كان يتصور أن أعظم الدول العربية استقراراً وأمنا والذي كان ملجأ لكافة اللاجئين السياسيين يقتل الإنسان في شوارعه على الهوية. ومن كان يتصور أن يتحول بعضنا من العداء

стр. 201

الكامل مع اليهود إلى المطالبة بالسلم الكامل والود الكامل معهم. ومن كان يتصور بعد الاجماع العربي الكامل على حرب اليهود عام ١٩٧٣ إلى التمزيق العربي الكامل عام.. ١٩٧٧ ومن.. من..؟.. وهذا جانب يسير جداً من الانتقال من الضد إلى الضد ومن النقيض إلى النقيض.. * لا أريد أن أقول أن كل هذه الأمور تأتي عفوا وبلا تدبير ومكر في الخارج والداخل. فهذه هي البلاهة بعينها، ولا أريد أن أقول أيضاً أن كل هذه الأمور بتخطيط وتدبير كامل وإننا فيها كالدمى بيد المحرك لا فعل لنا مطلقاً وهذه أيضاً بلاهة كاملة. فليس صحيحاً أن سياستنا تصنع كلها في أرضنا فالاستقلال السياسي انتهى أمره في الأرض الآن، وليس صحيحاً أيضاً أننا يجب أن نكون صفرا لا فعل لنا مطلقاً وأن روسيا وأمريكا هي التي يجب أن تتولى شؤوننا وتتحكم في مصائرنا.. ويكفي كما يظن البعض أن يروا منا النوايا الحسنة.. * وباختصار نحن في دوامة والخروج من هذه الدوامة المعاصرة والمزمنة أيضاً لا يتأتى إلا بما يأتي: أولاً: الاستقلال السياسي. ثانياً: اجتماع الأمة حول أهداف واضحة ومحددة.. ثالثاً: الاتفاق على خطوط عريضة (على الأقل) لعمل واحد من أجل الهدف المشترك الواحد.. * والاستقلال السياسي لن يأتي إلا بأن تكون لهذه الأمة هوية عقائدية وذات واحدة تفرض عليها الاجتماع حول هدف واحد وغاية واحدة، وقد ذكرنا في مقالات سابقة أنه

стр. 202

يستحيل أن تجتمع الأمة على عقيدة غير العقيدة الإسلامية التي ما زالت تعيش في قلوب أبنائها، وتذكي عواطفهم، وتحرك مشاعرهم. وكل عقيدة بديلة لهذا الأمل الذي نشأت عليه أجيال هذه الأمة منذ أربعة عشر قرنا فهو مهدد بالسقوط أن عاجلا أو آجلا وما هو إلا عبث وإرهاق لا نجني من ورائها غير السراب بل الصاب والعلقم. وعلى الذين لا يؤمنون إلا بالدنيا فقط ويحلمون مع ذلك بالعزة القومية أو باسترجاع الكرامة العربية أن يعلموا أيضاً أن بغير الإسلام لن يحصل لهم ما يريدون.. * ويستحيل أيضاً أن يحصل لنا استقلال سياسي إلا إذا شاركت الأمة كلها في صنع القرار السياسي ولا يجوز بتاتاً أن يكون للحاكم وحده صلاحية ذلك فالحاكم في الإسلام نائب عن الأمة لا يعمل إلا بمشورتها ولا يسير إلا برأيها وقراره إذا كان عن غير موافقة الأمة ومشورتها فهو باطل ولذلك فليس نافلة وتطوعا أن يشارك المسلمون إمامهم بالرأي بل هو واجب مفروض أن تخلوا عنه فهم آثمون، وأن امتنع الحاكم عن أخذ رأي الأمة، ومشورتها فحكمه باطل. وهذا يعني أن ممارسة الأمة الإسلامية لحقها السياسي جزء من الدين الذي فرضه الله عليها كما قال ﷺ : الدين النصيحة (ثلاثاً) ، قلنا: لمن؟؟ قال ﵇: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولائمة المسلمين وعامتهم.. والنصيحة هنا بمعنى الإخلاص.. * وأيضاً استقلالنا السياسي يعني أن تكون لنا هوية خاصة وعقيدة خاصة في عالم تتقاسمه العقائد والأيديولوجيات والمصالح وكذلك في أن نشارك جميعاً شعوباً وحكاماً في صنع قرارنا السياسي وأن يكون هذا حقاً للأمة وواجباً عليها. وإذا تم لنا هذا الأمر الأول استطعنا بعد ذلك أن نحدد على

стр. 203

ضوء عقيدتنا، ومشاركتنا جميعاً في صناعة مستقبل أمتنا أن نحدد الأهداف التي نريدها. وهذه هي الخطوة الثانية.. وأهداف الإسلام باختصار أن توجد الأمة الراشدة التي تحيا عزيزة مرهوبة الجانب، والتي تقيم الحق والعدل في الأرض والتي يجب أن تكون منارا وهداية للعالمين. تدعوهم إلى الله وتخلصهم من الضلال والتيه والبعد عن خالقهم ومولاهم. وهذه مهمة جليلة بل هي أعظم مهمة على سطح الأرض.. فإذا عرفنا هدفنا في الحياة كأمة ووضعنا الخطوط العريضة. وسلكنا الصراط المستقيم الذي يوصلنا إلى أهدافنا: كيف نحقق عزتنا على الأرض؟ عزتنا السياسية، وعزتنا الاقتصادية وعزتنا الاجتماعية والأخلاقية. كيف نكون مثالاً يحتذينا الناس ولا نكون أضحوكة وأمثولة للعالمين كما هو حادث الآن.. * وهذه الأمور الثلاثة التي عرضتها آنفا هي في نظري المخرج من الدوامة الرهيبة التي تعمي أبصارنا وتقطع أنفاسنا في الوقت الحاضر إنها طرف الخيط الذي يجب أن نلتقطه لنخرج من هذه (الشرباكة) : إذا عرفنا ذواتنا وهويتنا. وحددنا أهدافنا في الحياة والوجود ونصبنا صراطنا نحو هذه الأهداف فسنخرج سريعاً من الدوامة.. وأما إذا ظللنا ندور حول أنفسنا ونسأل ما الهدف؟ وأين الطريق؟ أو عصبنا أعيننا وسرنا خلف الراعي حيث نعق بنا فلن نصل إلى شيء مطلقاً وسنظل في التيه السياسي أبدا. وهؤلاء هم السحرة. اليهود والأمريكيون والروس يلاحقوننا بألعابهم البهلوانية من كل جانب. الحرب في لبنان، الصدام في الصومال، المستعمرات في سيناء، هذه الأرانب السحرية التي تقفز هنا وهناك تعمي أبصارنا وتضلل عقولنا وتدور أعيننا حولها

стр. 204

في دائرة كاملة كل يوم فتدور رؤوسنا ولا نعود نفقه شيئا. والحل سهل جداً لو فقهنا قواعد اللعبة الدولية الشريرة. ولكن كيف نعرفها والأمة ما زالت دون سن الرشد، والذين يتولون شؤونها لا يطلعونها من أمرها على شيء. بل الأمة ما زالت تبحث لها عن هوية واسم.. ١٧ فبراير ١٩٧٨

стр. 205

بين الفدائية والتخريب .. * لا أريد أن أدخل في فلسفة طويلة للتفريق بين الخير والشر ولكن لابد من إيضاح بعض القواعد التي نستطيع بها الحكم السليم على الأشياء والأفعال وخاصة في عالمنا هذا العجيب الذي اختلطت فيه مفاهيم كل شيء بل الذي وضحى الحق فيه باطلاً والباطل حقاً. أولاً: لا خلاف أن الفعل الواحد قد يكون فائدة ومصلحة بالنسبة لأقوام ومضرة ومفسدة بالنسبة لآخرين وقديماً قال الشاعر: مصائب قوم عند قوم فوائد.. فالهزيمة في جانب قوم هي نصر حتماً في جانب آخرين والسرقة قد يعدها اللص الذي خلص بها فائدة ومنفعة ومصلحة ولكن المسروق منه الذي ضاع حقه يعتبرها مصيبة وضرراً. هذه واحدة. ثانياً: ثمة أمور يتفق الناس عليها على اختلاف عقائدهم وأفكارهم ونظرتهم إلى الخير والشر وهي أن رد العدوان، والانتصار من الظالم وإرجاع المغصوب كل هذا من جملة الفضائل التي يتفق الناس عليها وأن كانوا يختلفون في الفعل الواحد هل يدخل في رد العدوان والظلم أم هو عدوان وظلم بذاته، وخاصة بعد دخول اليهود المسرح السياسي العلني والمعروف أن اليهود هم أهل الكذب

стр. 206

والتلاعب بالألفاظ على مدار التاريخ فهم الذين ابتدعوا ما يسمى بالحرب الوقائية وما هي إلا العدوان. وهم الذين أطلقوا على المحارب الشريف الذي يحاربهم في أي مكان يكونون فيه: الإرهابي والمخرب ... ثالثاً: أحمق ولا شك من يكون له عدو واحد فيعمل جاهداً لتقوية جانب هذا العدو بجعل المحايدين مؤيدين له، وتحويل أصدقائه أنصارا لعدوه وفتح جبهة جديدة على نفسه كل يوم وكأنه يريد أن يحارب العالم وحده. وهذا أما أن يكون بلاهة وعماية كاملة أو خيانة وانحرافاً. * وفق القواعد الثلاثة الآنفة لنناقش الفرق بين الفدائية والتخريب في قضية فلسطين. أولاً استرداد المسلمين لفلسطين كاملة واجب ديني يرتكز على مبررات أخلاقية، ومنطلقات عادلة وافق الناس على ذلك أم خالفوا. فنجد شعباً شرد من أرضه بلا ذنب، وشعباً آخر سكن مكانه بلا مبرر إلا الظلم والاعتساف والدعاوى الكاذبة في وعود التوراة التي لا تنطبق على هذه الفئة الضالة عن هداية الرسل جميعاً وأولهم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه. وحرب هؤلاء الظالمين مشروعة بكل وسيلة وفي أي أرض إلا أرضنا نعتدي بها على سيادة آخرين ونجز بها من البلاء على أنفسنا أضعاف ما نكسب بها، وهذه حقيقة غابت فيما يبدو على بعض العاملين ممن حملوا السلاح لاسترداد فلسطين فقد ارتكزوا على نصف الحق وهو أن اليهود معتدون ويجب حربهم وضاع عنهم نصف الحق وهو أنه لا يجوز أبدا أن يمر العمل الفدائي من البلاء على القضية أكثر مما يكسب لها وإلا كان هذا عماية وجهلاً. تماماً

стр. 207

كالقصة الرمزية التي يقال فيها: أن رجلاً كان له دب غبي يربيه ويعتني به، وذات يوم نام الرجل أمام الدب فرأى الدب ذبابة على وجه صاحبه ولم يعرف كيف ينحيها عن وجه صاحبه إلا بأن أتي بحجر كبير وصك به وجه صاحبه ليطرد الذبابة. وهؤلاء الذين يخمشون وجه فلسطين ويقذفونها بالحجارة ليندبوا ذبابة من عينها أما أن يكونوا أغبياء أو خونة ولا واسطة بين ذلك. ثانياً: المبرر الدولي والعالمي المتاح للقضية الفلسطينية هو أنه شعب مشرد يجب أن يعود إلى أرضه وأن له الحق في إقامة دولته المستقلة على هذه الأرض، هذا المبرر الدولي يجب التمسك به وتنميته والحفاظ عليه ولا يكون ذلك إلا بأن تكون طلائع هذا الشعب على مستوى المسؤولية فهما ودراية وأخلاقاً وسلوكاً. ولا يقول عاقل في الأرض أن ترويع الآمنين المحايدين على الأقل أو خطف النساء والأطفال عملاً أخلاقياً يخدم قضية على هذا المستوى من الأهمية والتعقيد والزمانة لأجيال لا يعلمها إلا الله. ثالثاً: بالطبع لن أناقش رجلاً يقول أننا لا نحتاج إلى مبرر دولي وعالمي لقضية فلسطين لأن مثل هذا الإنسان يعيش بعيداً جداً عن عصر أصبح العالم فيه كأنه قرية واحدة وإذا كنا نحتاج إلي هذا المبرر الدولي وجب علينا أيضاً إلا ندخل في إطار المتناقضات الدولية بين الشرق والغرب وألا ننحاز مطلقاً لأحد المعسكرين المتقاتلين على اقتسام العالم فقد رأينا كيف تتحول الأمور إلى الضد إذا اختلفت المصالح وكيف أن الافتراق بين روسيا وأمريكا إنما هو اختلاف وافتراق في المصالح فقط وليس في العقائد والمبادئ.. فالذين يريدون من طلائع الشعب الفلسطيني أن يكون مطية

стр. 208

للمصالح الروسية في المنطقة لا يمكن أن يكونوا من أهل قضية فلسطين مطلقاً. رابعاً: الذين يريدون من الفلسطيني أن يصلح العالم كله وأن يحمل على ظهره جميع أوزار الأرض ويوهمونه بأنه لن يصل إلى فلسطين ويعيش على أرضها إلا إذا قوض عروش الدول العربية (الرجعية) !! وأزال الإمبريالية الأميركية من العالم وحول الشعب الفلسطيني من عقيدة الإسلام إلى عقيدة ماركس ولينين لا يمكن أن يوصفوا أيضاً إلا بالغباء أو العمالة. وذلك أن تحرير فلسطين في ذاته إذا توجه حقاً نحو التحرير فقط فإنه أيسر ألف مرة من حمل شيء من (الأوزار) . وهذه العقيدة الخاطئة والمنطلق الخاطئ هي التي جرت البلايا والرزايا على الثورة الفلسطينية وأكسبتها كل يوم جديداً من الأعداء وأفقدتها مزيداً من الأصدقاء. خامساً: قلنا في هذا المنبر قبل عام أنه لم يأت بعد الرجل الذي يستطيع أن يعبر فوق تراث هذه الأمة، ويلغي قرأنها وسنة نبيها الناطقان بعداوة اليهود والمحذران منهم، ويعفي الآثار على آلاف الشهداء ويدفن القضية الفلسطينية، ولقد هالنا بعد مدة ضخامة التضليل الإعلامي الذي صور الصلح مع اليهود أنه نهاية مطاف هذه الأمة ومنتهى آمالها. وحذرنا من هذا التضليل وقلنا يجب أن تنطلق الألسنة الصادقة لتضع كل أمر في نصابه الصحيح. ولكن للأسف قامت بمقابل هذا التضليل أبواق أخرى أشد ضلالة وعماية جعلت الخطأ خيانة، والاجتهاد كفرا، واتهمت الشعب الذي ضحى بكل شيء بالقصور والتقصير وما هو أكبر من ذلك، ودفعت هذا الشعب دفعاً إلى معاداة القضية، ولا يستطيع أي منصف أن يفسر حادث طائرة قبرص إلا بالعمى الكامل

стр. 209

أو الخيانة الكاملة ولو كنا نعلم نيات الخاطفين وما تخفيه صدورهم لحكمنا بأحد الأمرين. سادساً: مرة ثانية وثالثة - ولا نمل نفتأ نقول الطريق إلى فلسطين هو في وحدة هذه الأمة وتآلف قلوب أبنائها واعتمادهم على أنفسهم بعد الله والحفاظ على شخصيتهم المستقلة ولا يكون شيء من ذلك إلا بالإسلام فهو دين هذه الأمة وأقوى رباط يربط بين أبنائها وهو القادر إلى إذابة الفروق وإذهاب الأحقاد، وإشعال الغضب الصادق في القلوب والحمية الصادقة، وهو بعد ذلك كله صلة برب العباد الذي بيده الملك كله يعز من يشاء ويذل من يشاء.. ولكن أنى يفهم العميان أن الله ليس بغافل عن تصريف هذا الكون بل هو الذي بيده الملك كله.. وهو القادر أن توجهنا إليه أن يوجهنا الوجهة الصحيحة لاسترداد حقوقنا وهزيمة عدونا، وأن يبارك لنا في كل أعمالنا. سابعاً: لماذا لا تنهج الثورة الفلسطينية منهجاً إسلامياً يدرس القرآن والسنة والجهاد وفق منهج الإسلام وطريقته وبذلك تكسب هذه الثورة رضوان الله أولاً ويكون الشهيد في ظلالها شهيداً حقاً. وتكسب بذلك عطف الشعوب الإسلامية وتقدير العالم لقضيتها ومنهجها. والإسلام بعد هو دين الشعب الفلسطيني وهو دين العزة والكرامة والبصيرة والحق؟ لماذا؟ هل من جواب مقنع لإهمال الإسلام؟! ٢٤ فبراير ١٩٧٨

стр. 210

من يستطيع إيقاف سقوط العربة ؟ مرة ثانية تتابع العربة العربية السقوط نحو القاع بسرعة رهيبة. وترتطم في سقوطها بصخور السفح المنحدر فتتمزق أوصالها، وتتناثر أشلاؤها، ويتساقط الركاب صرعى على جانبيها ويبقى الباقون مندهشين مذهولين، ويتساءل من بهم مسكة عقل وإدراك على أي سفح من سفوح المنحدر سترسو العربة قليلاً لالتقاط الأنفاس، ومداواة الجرحى، ومواراة القتلى وتسكين روع الخائفين.. قبل بضعة أشهر كانت النقلة التاريخية للعربة حيث طارت طيرانا وسقطت على سفوح القدس ولهول الصدمة وضخامتها بقي جميع الركاب إلا نفر يسير لا يصدقون ما يرون، وأفاق الركاب تباعاً واحداً أثر الآخر.. رجل يقول ارتفعنا إلى واد أفيح وآفاق جديدة.. إلى أرض السلام.. وآخر يقول.. سقطنا في الوحل والطين سقوطاً لا قيام بعده.. وبعد أن تلمس الجميع أرض السقوط وجدوا الأرض طينا، والورد شوكا، والحمائم صقورا، والماء سرابا، والسلام متعذراً أو مستحيلاً. ونشطت فرق المسرح السياسي وتوزعت الأدوار هنا الرفض.. وهناك رفض الرفض وها هم القابلون وهناك المعتدلون.. وشرعت (الجوقات) وحاملوا الأبواق وأدعياء

стр. 211

الفلسفة والحكمة.. ينظرون ويفلسفون ويشجعون ويشجبون ويصفرون ويهتفون، وبدأ الجمهور التائه الضائع يتابع الفاصل الجديد طائر اللب والقلب لا يكاد يرجع إليه بصره، ولا يستطيع ملاحقة أنفاسه. * وبعد أن تهيأ الجميع لنقلة جديدة وسقوط جديد وأفاق الجميع من هول الصدمة الأولى ابتدأت العربة تتدحرج نحو مندحر آخر وفي هذه المرة لا يقف على المسرح الممثلون المحترفون ولكن الجمهور بكامله إلا من عصم الله منهم يشترك في اللعبة القذرة، والمسرحية المحبوكة التي ألف فصولها، ووضع حوارها الشيطان الأمريكي والروسي واليهودي، ابتدأ اللعبة أدعياء تحرير فلسطين برصاصات طائشة لكاتب عربي لسنا الآن بصدد وضعه في الميزان، وليس هو مهما زعم الزاعمون العائق الأول ولا الأخير في تحرير فلسطين ودخلت الشعوب المسكينة بعد هذه الرصاصات الغادرة، وبدأ المسرح الجديد يدخله ممثلون جادون يأخذون أدوارهم التي رسمها غيرهم، وكأنها أدوارهم الحقيقية التي تمليها وطنيتهم أو أقاليمهم.. باختصار لقد تحول العالم العربي بأسره إلى مسرح حقيقي ليس فيه ممثلون ومتفرجون وإنما فيه ممثلون فقط، وأما المتفرجون فهناك خارج أسوار هذا الوطن في الغرب والشرق وفلسطين المحتلة يشاهدون هؤلاء الأغبياء الحمقى الذين يدفع بعضهم بعضاً من عربة هاوية نحو القاع ولا يحاول أحد مطلقاً أن يوقفها عن السقوط أولاً. * كان بودنا أن تظل الشعوب العربية بعيدة عن لعبة الأمم التي تمارس على أرضنا الإسلامية العربية منذ سقوط الخلافة العثمانية، وتقسيم تركة هذه الدولة المريضة، ولكن الشياطين الذين وضعوا هذه اللعبة (تقسيم العالم) جرعوا هذه الأمة كأس الذل والفرقة جرعة جرعة.. لقد كان آباؤنا وأجدادنا

стр. 212

الأقربون يضحكون ويهزأون عندما وضعت حدود فاصلة بين بلاد الشام بعضها بعضاً، وبين أقاليم الجزيرة وبين مصر والشام، وكانت هذه الحدود الجغرافية نوعاً من السخرية التي تجاري الشعوب فيها حكامها دون أن تؤمن بشيء من ذلك، ولذلك رأينا كيف هب المسلمون على اختلاف أقاليمهم لنجدة فلسطين متطوعين بأموالهم وأنفسهم عندما علموا بدخول اليهود إلى هناك، ولن أنسى مطلقاً كيف جلست والدتي تقنع أخي محمد وكان دون العشرين من عمره أن يعدل عن قراره بالذهاب إلى فلسطين وهو يقول.. يا أمي سأموت شهيداً وسيجري الدم على جبهتي هذه.. وتتوسل إليه والدتي وتقول له: يكفي ذهاب أبيك يا محمد ليس لنا غيرك فيقول لا علاقة لذهابي بذهاب أبي، إنني مسؤول عن نفسي.. وكان عمري في ذاك الوقت ثمانية أعوام فقط، وذهب أخي وقتل شهيداً هناك على أرض فلسطين وعاد أبي من هناك بعد انقضاء الحرب وبعد أن عدوه مفقوداً، ونحن مع ذلك من صميم الريف المصري.. ولكن هذه الحدود الجغرافية السياسية تعمقت مع الأيام وأصبحت حقائق راسية رسو الجبال الشامخات ليس فقط على صفحات الخرائط وإنما في حنايا القلوب والصدور. وابتدأت الخلافات السياسية بين الأقاليم تشعلها السياسة وأصحابها بسبب وبغير سبب وبالأمس كانت الشعوب الإسلامية العربية تتفرج على هذه الخلافات على أنها أنواع من التسلية واللهو والألاعيب السياسية، وخاصة أن هذه الشعوب كانت ترى الحكام على كل خلاف وسباب يلتقون ويقبلون الخشوم وكأن شيئاً لم يكن.. ولكننا في هذه الأيام ننتقل نقلة جديدة ونتجرع جرعة جديدة من كأس السم والذل الذي ركبه أعداء هذه الأمة القائمون على لعبة الأمم، وهذه اللعبة الجديدة أصبحت تعني إشراك الشعوب الإسلامية

стр. 213

العربية في هدم بعضها بعضاً، وتمزيق بعضها بعضاً، وها نحن نرى اليوم أن الصدور أصبحت موغرة ومليئة بما يكفيها، وأن الألسنة أصبحت تنفث السم هنا وهناك، والأفواه يعلوها الزبد والحناجر تتمزق من الهتاف بسقوط قضايانا وسب أمتنا، ولعن شعوبنا وحط كرامة الرؤساء والقادة.. وهكذا بدأ التمزيق والشتات يصل إلى الأطراف والمنابع وإذا استمر الحال كما هو الآن بضع سنوات أخرى فقد يصل الوقت الذي يقتل فيه بعضنا بعضاً.. بل سيأتي الوقت الذي لا يعرف القاتل فيه لم قتل.. ولا المقتول فيم قتل؟!! ولعل هذا هو الوقت المناسب الذي تنتظره إسرائيل لتحقق السلام الذي تريد لأنه سيكون سلاماً كاملاً ودائماً على أشلاء هذه الأمة التي قتل بعضها بعضاً، وسيكون هذا -لو عقلنا- هو المستقر النهائي للعربة العربية الهاوية. * والسؤال الآن من يرحمنا من هذا السقوط الرهيب؟ وما الذي يخلصنا منه؟ هل يخلصنا منه أن يجتمع القادة والزعماء حول مائدة واحدة ويقرروا قراراً ننتظره الآن وهو فلنوقف العربة عند هذا الحد الآن حتى نهدأ قليلاً.. أو يخلصنا منه أن تعي الشعوب اللعبة اللعينة التي دخلوا فيها الآن، وينتزعوا أنفسهم من هذه المسرحية القذرة التي لن تنتهي إلا بالقضاء عليهم أنفسهم.. ومتى يتم ذلك؟ وكيف؟ ليس لنا مهرب ولا مفر من سلوك أحد هذين السبيلين أو كلاهما معاً. فإما أن يعي القادة والزعماء حدود المسؤولية التي كلفهم الله بها وحملوها بموافقة الشعوب أو بالرغم عنهم، ويوقفوا سقوط العربة وهذا في ذاته إنجاز عظيم.. بصراحة لا نريد الصعود الآن ولا الانتصار على اليهود ولا حتى تحرير فلسطين دعونا من هذه الأماني قليلاً.. ومكنونا من استرداد

стр. 214

أنفاسنا ومداواة جراحنا وإصلاح صفوفنا وعند هذا الحد تكونون قد أسديتم للأمة أعظم خير في وقتها الراهن. وأما أن تعي الشعوب حدود مسؤوليتها في الوقت الحاضر وتكف عن هذه البلاهة والغباء وتفيق من سكرة الأحداث لتعي ذاتها وتتلمس طريقها.. * وإما انتظار الفرج من أمريكا وروسيا وتنازل اليهود عن بعض فلسطين فهذه كلها أماني فارغة لأن هؤلاء الشياطين الثلاثة هم واضعو المسرحية ومخرجوها. ومرة ثانية: من يستطيع إيقاف سقوط العربة؟ من؟ ٣ مارس ١٩٧٨ ********