← Общие книги

Общие книги · id 11570

أضواء على أوضاعنا السياسية

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعد هذا العرض السريع والموجز لمظاهر الدوامة التي تلف العالم يرد هذا السؤال: ألا يمكن أن نخرج من هذه الدوامة؟ والجواب: يجب أن نعلم أولاً أننا لا نعيش وحدنا في هذا العالم، وأن الحدود السياسية أصبحت الآن خطوطاً وهمية على الخرائط وأن الوقت الذي كانت تستطيع فيه دولة ما أن تغلق فيه الأبواب على نفسها وتعيش بعيداً عن العالم قد انتهى والعالم اليوم قد أصبح قرية صغيرة فمن بيتك اليوم ترفع سماعة التليفون وتخاطب صديقاً في أمريكا وصديقاً آخر (بمجرد إدارة القرص) في اليابان، والغزو الإعلامي الخارجي دخل البيوت إلى مخادع الزوجات وليس هناك مكان في العالم اليوم بمنأى عن الحرب المدمرة والمصالح الاقتصادية تشابكت بحيث لو حدث إضراب عمال في مكان ما من العالم لتأثرت أجزاء كثيرة له، ولو احترقت نصف آبار البترول في العالم اليوم دفعة واحدة لعاد الناس جميعاً إلى ما قبل الآلة ولاندثرت الحضارة الحديثة، وأي خلل في ميزان القوى، وفي ضبط النفس بين روسيا وأمريكا يعرض العالم للدمار، ولقد وقف العالم على هذه الهاوية مرات عديدة وكادت أن تقع الكارثة، وكل يوم يأتي يزيد من احتمال الوصول إلى حافة الهاوية.. باختصار لسنا وحدنا في هذا العالم، ولكن ثمة أمم ودول كانت تعاني مثلنا هذه الحالة من الضياع والدوار والشتات، ولكن بفضل رجال مخلصين من أبنائها استطاعت أن تخرج ولو قليلاً من الدوامة الروسية الأمريكية مع أنها مع ذلك لم تتخلص نهائياً وهذه الدول هي: الصين، واليابان، وألمانيا، ولست بصدد بيان الدور الذي اضطلعت به كل دولة منها لتتخلص جزئياً من التكالب والسيطرة الروسية الأمريكية عليها. وأما منطقتنا الإسلامية والعربية منها بالذات فما زالت نهباً للصراع بين

стр. 142

العملاقين، ومجريات الأحداث فيها لا يمكن فهمه بعيداً عن هذا الصراع. وهناك أمران اثنان يجعلان هذا الصراع شرساً أليماً فالعامل الأول هو هذه المميزات الظاهرة التي تتمتع بها هذه المنطقة من التوسط الجغرافي بين دول العالم والثروات الهائلة التي يزخر بها الوطن الإسلامي العربي (البترول، والزراعة) . والعامل الثاني هو وجود إسرائيل هذه الدولة التي عاشت عميلاً أميناً للشيوعية العالمية والرأسمالية العالمية في آن واحد والتي تختلف الدول الكبرى دائماً حول مصالح كل منها، ولكنها تلتقي دائماً حول بقاء إسرائيل في أرض فلسطين، ويستحيل على اليهود أن يقبلوا أمة إسلامية موحدة خارجة عن اللعبة العالمية والصراع الدولي والدوامة الرهيبة. هذه الخطوط العامة التي نضعها بين يدي القارئ لملامح الدوامة الرهيبة التي تلف عالمنا الإسلامي سيستطيع بها أي فرد أتاه الله نصيباً من الذكاء والفهم أن يحل شيئاً من معضلة الحرب اللبنانية، وأن يفهم جانباً من معضلة الحرب-المصرية-الليبية، وأن يدرك لماذا وفي بلادنا الإسلامية بالذات يصاب الناس بالإحباط وخيبة الأمل والدهشة وعدم الفهم والتعصب الأعمى، وأيضاً بالتطرف واستعمال العنف أنها جميعاً محاولات يائسة للخروج من الدوامة. ٢٩ يوليو ١٩٧٧

стр. 143

لحساب من تعمل إسرائيل ؟ أصبح واضحاً الآن أن منتهى آمال السياسة العربية هو إزالة إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧ في مقابل السكوت النهائي عن وجود إسرائيل في بقية فلسطين، وإعطائها صك غفران لإساءاتها السابقة وصك أمان لحياتها المستقلة وفتح الطريق أمام نشوء علاقات عادية بين اليهود وجيرانهم من العرب، ويتصور السادة الرؤساء أن بهذا الحل سيحققون المكاسب التالية: أولاً: التخلص من عقدة الفلسطينيين وذلك يجمعهم في "وطن" وإلقاء المسؤوليات والهموم الفلسطينية على الفلسطينيين.. ثانياً: تفرغ الدول العربية التي تضررت بالحروب المتلاحقة مع إسرائيل لمعارك التنمية والخروج من الضائقات الاقتصادية التي تعانيها وخاصة مصر وسوريا. ثالثاً: استمرار تدفق النفط إلى الغرب والشرق، وذلك بما يتيحه الاستقرار الذي سيوفره البعد عن الحروب، ويعني هذا استمرار تدفق الثروة والغنى على دول النفط، وتحررها ولو نسبياً من مشاكل الدعم للدول المواجهة. وهذا الهدف النهائي أو مع -حسن الظن- المرحلي

стр. 144

للساسة العرب قد تبلور بشكل نهائي عند الساسة العرب بعد هزيمة ١٩٦٧ ولذلك قبلت الدول العربية بقرار الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ وقبلت أيضاً بمبادرة روجرز وكل هذه كانت خطوات نحو هذا الهدف، وجميع البيانات المشتركة التي أعلن عنها بعد لقاءات عربية ودولية كانت تحمل في طياتها هذه الغاية كالقول بأحقية كل دول المنطقة في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.. الخ. وهذه الغاية النهائية المنشودة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي ليست في الحقيقة في صناعة العرب ولا من اختراع زعماء السياسة ولكنها في الحقيقة هي الحل الوسط الذي تريده القوى الدولية الكبرى روسيا وأمريكا، بل وأيضاً الدول الشرقية والغربية عامة وهذا ما تعرب عنه جميع البيانات السياسية لهذه الدول في كل مناسبة تتعلق بهذا الصراع، وإن كان هناك خلاف قائم فإنما هو في التفصيلات والأشكال والسبل ليحقق ذلك فقط وليس في الجوهر أو المضمون، كالخلاف القديم بين روسيا وأمريكا هل يوصل إلى هذا الحل دفعة واحدة أو على دفعات (خطوة خطوة) والخلاف بين روسيا وأمريكا: هل يمثل الفلسطينيون في جنيف (مؤتمر السلام) بوفد مستقل أو بوفد ضمن الدول العربية، أو وفد ضمن الأردن.. الخ، وكلها خلافات شكلية لا يغير من المضمون شيئاً.. هذا الهدف الغالي للدول الكبرى وللسياسة العربية أيضاً قد اتخذ الساسة العرب للوصول إليه طرقاً مختلفة نستطيع أن نجملها فيما يأتي: أولاً: التهديد باستعمال القوة، وقد فعلت مصر هذا بعد هزيمة ٦٧ حيث أعلن مراراً عن إعادة تكوين الجيش المصري بعد الهزيمة وإعادة تسليحه بأفضل بما كان وتهديد

стр. 145

عبد الناصر بالخطابات النارية كقوله: "سنحررها شبراً شبراً، وما أخذ بالقوة لا يرد إلا بالقوة.. الخ" هذه المقولات، التي لم تغن شيئاً في زحزحة الإسرائيليين عن مواقفهم أو رضوخهم لقرارات الأمم المتحدة أو انسحابهم. ثانياً: استخدام الحرب الجزئية، وقد فعلت مصر هذا أيضاً لتمارس بحرب الاستنزاف على ضفتي القناة، ولكن هذه الحرب كانت خسارة عظيمة للعرب، فقد خربت على آثار هذه الحرب مدن القناة الثلاث.. (السويس، وبور سعيد، والإسماعيلية) وهجر أهلها، وكلفت مصر الكثير من أموالها ورجالها وقادتها أيضاً.. ولكن حرب ١٩٧٣م الجزئية التي باغتت اليهود في وقت ما كانوا يحلمون فيه بأن للعرب قدرة على الوقوف أمامهم وبأخذهم تصريحات الرئيس السادات بالحسم والحرب مأخذ الهزل، هذه الحرب كانت قمة موفقة لحرب الاستنزاف فقد صدمت المجتمع الإسرائيلي صدمة كبيرة ولكنه أفاق على أثرها أكثر تصميماً وتشبثاً بالأرض وأكثر عزماً على البقاء في مواقعه. ثالثاً: استمالة الدول الكبرى لتضغط على إسرائيل بقبول (الحل العادل) وقد اتخذت هذه الاستمالة صوراً شتى فمن التهديد بقطع البترول عنهم، إلى التهديد بسحب الأرصدة (الأموال) ، إلى السير في الفلك الروسي أو الأمريكي، وذلك بإعطاء التسهيلات العسكرية والاقتصادية وتحقيق مآرب أخرى لبعض الدول الكبرى ضد بعضها الآخر. وهذه هي الورقة الأخيرة المتبقية في أيدي الدول، أعني أنه لم يبق من الساسة، العرب لإقناع إسرائيل بقبول الحل

стр. 146

الوسط إلا الضغط على الدول الكبرى لتضغط بدورها على إسرائيل لقبول هذا الحل العادل. وهذه الورقة أعني هذا الطريق الثالث للوصول إلى الحل قد أعطاه الساسة العرب كل الأهمية وعلقوا عليه كل آمالهم، بل قال الرئيس أنور السادات إن أمريكا تحمل في يديها ٩٩% من أوراق القضية ومعنى هذا أنها تستطيع إجبار اليهود على القبول بما تريد وقد علل الرئيس السادات هذا بأن إسرائيل تحصل من أمريكا على الزبد والسلاح أي على الضرورات العسكرية، والكماليات الغذائية، وهذا يعني أن إسرائيل في يد أمريكا تماماً وهذا يعني أن الضغط على أمريكا يعني الضغط على إسرائيل. هذا الطريق الثالث الذي عول عليه الساسة العرب وأعطوه هذه الأهمية سيكون فشله أيضاً في تحقيق التسوية المنشودة بمثابة كارثة ونكسة جديدة بالنسبة للسياسة العربية، وهنا يطرأ سؤال، ما البديل أمام السياسة العربية إذا فشل هذا الطريق الثالث؟ ولا يمكننا الإجابة على هذا السؤال إلا إذا عرفنا أولاً الإجابة على الأسئلة التالية: من الذي يخطط سياسة إسرائيل هل هي أمريكا؟ أعني هل حقيقة القول بأن إسرائيل ذنب صغير للسياسة الأمريكية، أو كما يُقال منفذ حقير لسياسة البيت الأبيض؟ أم هل عكس هذا هو الصحيح وهي أن أمريكا (بجلالة قدرها) تسير وفق السياسات الصهيونية والضغوط اليهودية التي تتحكم فيها؟ أم أن إسرائيل شيء آخر لا هو هذا ولا ذاك؟ القول الأول أعني القول بأن إسرائيل هي طفل أمريكا المدلل هو القول الذي أفرز سعي العرب في طريقهم الثالث أعني القول بأن الضغط على أمريكا يعني الضغط على إسرائيل، وهو القول الذي جعلنا نفقد القدرة والاعتماد على أنفسنا

стр. 147

ونلقي بثقلنا كله: أموالنا وبترولنا وسياساتنا تحت أقدام الغرب ليقوم بدوره بإقناع طفله بالعدول عن حماقاته. والقول الثاني وهو الغالب والشائع في كتابات الإسلاميين للأسف وهو يصور اليهود حكام العالم من شرقه وغربه وشماله وجنوبه وإن جميع الدول والحكومات تسير خلف الحكومة الخفية التي كونتها الأفكار الصهيونية، وهذا القول يفرز آراء مضحكة في السياسة والاقتصاد بل يكاد أن يلغي سنة الله في الكون ويجعل هذه الحكومة الخفية هي الرب الذي يملك التدبير في هذا الكون، ويفرز هذا القول أيضاً أشخاصاً يتلفتون وراءهم في كل خطوة خوفاً من العين الصهيونية التي تراقب الناس في السر والعلن، ويفرز أيضاً اتهام كل إنسان مهما كان معتقده ولونه بأنه عميل للماسونية والصهيونية..!! والحق أن إسرائيل ليست هذا ولا هذا فلا هي طفل أمريكا المدلل ولا هي سيدة أمريكا والمتصرفة في شؤونها، وإذا أردنا وصفاً مختصراً لإسرائيل وعلاقاتها الدولية مع العالم فإننا نقول: "إسرائيل هي العميل المحترف الذي يشتغل لنفسه، وإسرائيل دولة مستقلة سياسياً في حقيقتها، ولكنها تبدو تابعة منفذة في ظاهرها"، "إسرائيل هي هذا القرصان الماهر الذي استطاع أن يسرق وطناً بأكمله وأن يشرد شعباً بأكمله على مرأى العالم وبصره وقد استطاع أن يقنع جميع اللصوص والقراصنة العالميين ببعض المكاسب في مقابل السكوت والموافقة على هذه الجريمة".. "إسرائيل هي هذا المحامي المنافق الكذاب والبارع أيضاً الذي استطاع أن يلبس المعتدي لباس المظلوم وأن يخلع على صاحب الحق لباس الظالم، وأن يضلل القادة، ويسعر المتفرجين والمشاهدين ويحرق قلوب أصحاب الحق، ويفوز بالقضية".

стр. 148

هل عرفتم يا سادة من هي إسرائيل؟ إسرائيل وضعت أهدافها النهائية في عام ١٨٩٧ أي قبل ثمانين عاماً كاملة، نافقت السلطان العثماني عبد الحميد وقبلت قدميه ليسمح لها بمأوى لليهود في فلسطين فأبى فألبت عليه حتى أنهت الخلافة، ثم سارت في ركاب انكلترا لتسمح لها بمأوى في فلسطين وفعل الإنجليز ثم عندما أرادوا أن يجاوز اليهود هذا الهدف حاول الإنجليز منعهم فحاربوهم وتعقبوا ضباطهم في فلسطين لقتلهم، إسرائيل عملت لحساب الشيوعية، فنشرت مبادئها وقدمت لها الأموال الأمريكية الصهيونية لإقامة ثورتها في روسيا، وحصلت منها في مقابل ذلك على تدريب عصاباتها في تشيكوسلوفاكيا والحصول على الاعتراف بها في عام ١٩٤٨، ثم قالت بعد ذلك لروسيا لا، في مناسبات كثيرة. إسرائيل عملت لحساب فرنسا وقدمت لها تسهيلات كثيرة وحصلت منها على مفاعلها الذري في ديمونة أسرار الكمية الذرية على الأسلحة التي انتصرت بها في ١٩٦٧، ودخلت حرب ١٩٥٦ تحت جناحها مع انجلترا واليوم تقول إسرائيل لفرنسا لا في مواقف كثيرة. وإسرائيل عملت ومازالت تعمل لحساب أمريكا، وهذا أشهر من أن يدلل عليه، ولكنها قالت لا لأمريكا في مناسبات كثيرة، فلم توافق لأمريكا على التفتيش على مفاعلاتها الذرية ولم توافق على مبادرة روجرز، واليوم تقول إسرائيل لأمريكا كارتر لا، وذلك رداً على مشروعاته وآماله في التسوية السلمية. ولا يعني هذا بالطبع أن إسرائيل تعارض حيث تشاء وتوافق حيث تشاء، لا، ولكنها تحسب قوتها ومقدرتها وتقول نعم أو لا في الوقت والظرف المناسب لها ولقوتها

стр. 149

وحجمها، وهي في كل ذلك تشتغل لحسابها، ويظن السذج أنها تشتغل لحساب الآخرين.. حقاً أنها ترضي الآخرين ليسكتوا أو ليساعدوا أو ليؤيدوا.. ولكنها لا تعمل في النهاية لحسابهم وإنما تعمل لحساب إسرائيل. واليوم تقول إسرائيل لأمريكا "لا" للتسوية السلمية على هذا النحو ولن نتراجع شبراً واحداً عن (أرضنا المحررة) في الضفة الغربية وغزة، فماذا ستصنع أمريكا؟ وماذا سيصنع الساسة العرب؟ وما هي الخيارات أما أطراف النزاع، الجواب على هذه الأسئلة في الأسبوع الآتي إن شاء الله.. ٢٧ مايو ١٩٧٧

стр. 150

كارتر و "القاضي سليم " * الرئيس الأمريكي كارتر قد صرح عدة تصريحات متناقضة حول قضية واحدة وهي قضية فلسطين، وهذه التصريحات المتناقضة صدرت عن الرئيس بعد قراءة لتقرير أو لقاء مع رئيس، فبينما كان الرئيس الأمريكي يقوم بحملته الانتخابية هاجم هو الرئيس فورد بأنه لم يعط إسرائيل الدعم الكافي لصمودها ضد جيرانها العرب الذين يريدون تدميرها، ومعلوم أن فورد قد ساعد إسرائيل بما لم يساعدها رؤساء أمريكا جميعاً الذين تعاقبوا قبل فورد منذ عام ١٩٤٨، وبهذا التصريح حصل كارتر على نصيب الأسد من دعاية اليهود في أمريكا وأصواتهم وبعد أن تولى كارتر الحكم وفاز على منافسه اعتمد تقريراً لمعهد برزنسكي وضع كأساس لحل (عادل) بين العرب واليهود وهذا التقرير يوصي بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧ وقيام مناطق منزوعة السلاح وإقامة سلم دائم وعلاقات طبيعية بين إسرائيل وجيرانها، ويبدو أن كارتر الذي أخذ على عاتقه منذ أول شهر تولى فيها الرئاسة أن يحكم بمبادئ خلقية وأن يدافع عن حقوق الإنسان وجد أن الشعب الفلسطيني قد اضطهد فصرح تصريحاً غريباً وهو أن يكون قرار الأمم المتحدة الصادر سنة

стр. 151

١٩٤٧ والذي ينص على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود هو الأساس لحل المشكلة وأن يعوض تبعاً لذلك العرب الذين تركوا ديارهم في حرب سنة ١٩٤٨ وهذا شيء لم يطالب به حتى رؤساء العرب أنفسهم الذين يسعون للصلح والسلام. وبعد هذه التصريحات تنامت حملة الدعاية ضد كارتر ووصف بأنه "صاحب الفم المفتوح" ولذلك وجدناه قد غير آراءه هذه ثانية عندما قابل الرئيس السادات، واقترح أن ينسحب الإسرائيليون إلى حدود ٦٧ شريطة أن تكون لهم حدود أخرى على نهر الأردن يبنون عليها وسائل لدفاعهم وأمنهم وهذا ما رفضه الرئيس السادات وأخبر أنه اختلف بشأنه مع كارتر. ويبدو أن كارتر غير رأيه ثانية أيضاً بعد لقائه مع الأمير فهد ولي عهد المملكة العربية السعودية. والشيء العجيب حقاً. أن كارتر نفى بشدة تصريحات بيغن عندما افتتح مستعمر "قدوم-سبسطية" وقال عن الضفة العربية أنها أرض محررة لأن الإنسان لا يحتل وطنه. وقد رد بيغن على استنكار كارتر قائلاً "أن كارتر يؤمن بالتوراة فلماذا يستنكر تحريرنا لأرض الآباء وسأناقشه في هذا عند زيارتي له" وقد كان، فقد استقبل كارتر بيغن استقبالاً حاراً وكان نقاشهما السياسي مستنداً إلى نصوص التوراة وبينما كان بيغن (اليهودي المتعصب) يتلعثم أحياناً في قراءته لبعض نصوص التوراة كان كارتر يكمل له النص بقراءة سليمة من الذاكرة فكارتر يحفظ التوراة تماما. وغني عن البيان أن بيغن قد اقنع كارتر بوجوب بقاء اليهود في الضفة الغربية وباستحالة انسحابهم منها ولذلك افتتح ثلاث مستعمرات جديدة في الضفة الغربية بعد عودته، وظن البعض هذه خيانة من بيغن لكارتر ولكن الصحيح أنه اتفاق فإن كارتر قد سئل -كما نشرت التايم- عن فعلة بيغن هذه وموقف أمريكا منها فقال كارتر "أنا لا أستطيع أن

стр. 152

أتكلم باسم بيغن وتصرف بيغن هذا يخالف موقف أمريكا الوطني" ومفهوم المخالفة لهذا القول يعني أن موقف كارتر الشخصي لا يتنافى مع موقف بيغن وتصرفاته السياسية وبذلك تخلى كارتر عن كل تصريحاته ومواقفه السابقة وتحول من النقيض إلى النقيض. وتشبه مواقف كارتر هذه القصة المشهورة عن القاضي سليم الذي ما كاد يعين قاضياً حتى آتاه رجل فعرض عليه شكوى مؤثرة حزينة فتأثر لها ورأى قبل أن يسمع الطرف الآخر - أن الحق معه فقال له: الحق لك وحكمت لك بكذا وكذا. ولكنه ما كاد يفعل حتى أتى خصمه وقص قصة أشد تأثيراً وأعمل في النفس من قصة خصمه فتراجع القاضي سليم عن حكمه السابق وقال: لا الحق معك أنت وحكمت له بكذا وكذا! ولكنه ما كاد يدخل ليستريح عند زوجته حتى بادرته قائلة: ويحك يا سليم!! كيف تصنع هذا يا رجل. تسمع من الخصم الأول ثم تحكم له. دون أن تسمع من الطرف الآخر ثم تسمع من خصمه وتحكم له. فقال القاضي سليم: الحق معك أنت. * والآن بصرف النظر عما يقال من تبرير لهذه التناقضات بأنها سياسية أو (دبلوماسية) فإنها توجب علينا أن نراجع حساباتنا مع أمريكا قبل أن تحل الكارثة. وذلك أن سياسة الكذب لا تعتمد على التناقض ولكن على الانسجام فالذين يكذبون في سياستهم يعتمدون تسوية كذباتهم وانسجامها ولذلك فإن تصريحات كارتر المتناقضة ما هي إلا تنازلات حقيقية وتغييرات جذرية لفهمه لقضية فلسطين ومعنى هذا أنه مستعد لتغيير موقفه غدا إذا لاح في الأفق أبواب جديدة من الضغط والتأثير وليس صحيحاً أيضاً أن الرئيس في بلد كأمريكا منفذ فقط لآراء المؤسسات السياسية القائمة بل أن طباع الرئيس ومزاجه وعقيدته ومثالياته وأخلاقه لها تأثير كبير في اتخاذ القرار السياسي في بلد كأمريكا وهذا

стр. 153

يعني أن تعاملنا مع أمريكا فورد مثلاً ليس كتعاملنا مع أمريكا كارتر للاختلاف الهائل بين الرجلين. والطرف الآخر في مشكلتنا نحن هم اليهود وهم شعب كان وما يزال دائماً على استعداد لأن يدمر نفسه ويدمر العالم إذا حوصر في الموقف الصعب. وقد ذكرنا مراراً أن انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وغزة وإقامة كيان فلسطيني فيهما هو الموقف الصعب بالنسبة لإسرائيل وما زلنا نقول أنها لن ترضى به مطلقاً مهما حدث وقد استطاعت إسرائيل كسب الجولة الآن بإقناع كارتر بعدم الانسحاب من هذه الأراضي والبحث عن حل آخر. والرؤساء العرب الذين تعاقبوا على أمريكا وحصلوا على وعود كارتر السابقة قد جاء بيغن بعدهم ونسفها من أساسها (والله أعلم ما الذي اتفقا عليه في الخفاء) والمشكلة التي كانت قائمة أمام أمريكا هي مشكلة البترول ويبدو أن إسرائيل قد دبرت امراً الآن لاحتلال منابع النفط والحيلولة دون قطع امداداته عن أمريكا في حالة نشوب حرب جديدة، وبذلك أخذت إسرائيل الآن طرف الخيط من أمريكا التي كانت قد دربت فرقاً من جيوشها على حرب الصحراء عندما هدد كيسنجر باحتلال منابع النفط. * الذي يبدو الآن أن الدول العربية قد فقدت خيار السلم وقد سقط سلاح الضغط على أمريكا الذي شهره العرب واستطاعت إسرائيل الآن أبطال مفعوله وليس أمام الساسة العرب الآن إلا القبول بالاستسلام الكامل لإسرائيل فيما حصلت عليه من أراض بل والتنازل لها عن حصة من البترول العربي، أو الاستعداد لحرب خامسة جديدة، ولقد حذرنا منذ قرابة عام بأننا سنصل حتماً إلى هذه النتيجة وأن إسرائيل لن تتنازل عن شبر واحد من الأرض حتى في مقابل السلام. والآن على الدول العربية المسارعة بتحصين منابع

стр. 154

النفط، والاستعداد للحرب الخامسة التي ستبدأها إسرائيل.. ولتعلم الأنظمة العربية التي أرادت أن تسابق إسرائيل في كسب ود أمريكا والحصول على تأييدها والقيام بالدور الذي تقوم به إسرائيل لأمريكا أنها لن تجاري إسرائيل في ذلك فقد صرح مسؤول كبير في المخابرات الأمريكية أن إسرائيل قد زودت الولايات المتحدة بمعلومات طيلة السنوات الماضية لا تقدر بثمن!! فقيام بعض الأنظمة العربية بدور الشرطي الأمريكي في المنطقة لن يفيد أيضاً في كسب ولاء أمريكا وإنما سيؤدي في النهاية إلى تقسيم الدول العربية بين روسيا وأمريكا وإلى قتل المسلم بيد المسلم ولاية لأعداء الله وهذه هي الردة الحقيقية كما قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم أن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ . أقول يجب على الساسة العرب الآن الدعوة إلى مصالحة حقيقية تحت شعار الأمة الإسلامية الواحدة واطلاع الشعوب على حقيقة الخلاف بين البلاد العربية عملاً بقوله تعالى: ﴿وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا أن الله يحب المقسطين﴾ . ثم بعد ذلك قطع حبل التنازلات للعدو وملاقاته صفاً واحداً، وتوكيل طرف واحد للتفاوض عن الدول الإسلامية العربية كلها بدلاً من هذه التناقضات في المواقف وسماع مبعوث أمريكا كلاماً مختلفاً في كل بلد عربي يصل إليه، واطلاع الأمة أولاً بأول عما يدور من مفاوضات وبهذا نستطيع أن نقف صفاً واحداً في وجه أعدائنا، وبذلك نطلع الرئيس كارتر أو القاضي سليم على مشكلتنا بصورة سليمة. ١٢ أغسطس ١٩٧٧

стр. 155

وااسلاماه !! * عندما أعلن الرئيس أنور السادات عزمه وتصميمه على السعي في سبيل السلام ولو ذهب إلى إسرائيل، وكان ذلك أمام البرلمان المصري. قضيت يوماً بائساً حزيناً، وحمل الناس الذين التقيت بهم في ذلك اليوم كلام الرئيس السادات هذا محمل الهزل والمناورة.. ولكنني قلت لهم أن إسرائيل ستستغل ذلك وأني أرى أن الرئيس السادات لن يستطيع أن يرجع عن عزمه هذا إذ أحرجه اليهود ودعوه إلى هناك، وقد كان.. ويوم ذهب الرئيس للقاء أعداء أمتنا التقليديين كان الله قد أكرمنا بحج بيته المقدس في مكة المكرمة كان الناس مذهولين مندهشين لا يصدقون ما يسمعون ويلعنون ويكفرون ويدعون.. وجاءني أحدهم وقال: أتصدق حقاً أن الرئيس أنور السادات قد ذهب إلى اليهود وجلس معهم!! أنا لا أستطيع أن أصدق ذلك!!.. وشغل الناس بأداء المناسك وخطب خطيب المسلمين في مسجد نمرة بعرفات فدعا على اليهود قائلاً: اللهم أهلك اليهود ومن والاهم.. وردد ذلك مراراً، ورد الناس وراءه في حرقة بالغة وألم قاتل. وتفرق الحجيج إلى ديارهم.. وعدنا لنشهد المأساة ولنقرأ ونسمع ما تقذفه المطابع من غثاء. وما تبثه الإذاعات من هراء عدنا لنعيش مأساة أمتنا في وقت أضحى فيه الحق باطلاً والباطل حقاً، والعدو صديقاً، والصديق عدوا. عدنا لنجد النهار أشد ظلمة من الليل. والليل لا ينتظر الناس فجرا وراءه..

стр. 156

لقد أعطى الرئيس السادات اليهود في خطابه أمام الكنيست منتهى ما طلبوه وما كانوا يحلمون به قبل أن تصل الليكود إلى الحكم.. فمنذ هزيمة ٦٧ وهم يقولون لنا الأرض في مقابل السلام.. وكذلك قالوا بعد ٧٣. قطعة أرض بقطعة من السلام.. وبعد وصول مناحيم بيغن قال: الأرض مقدسة وهي أرض الآباء والأجداد ولن نتنازل عن أرض يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وقد أصر بيغن على هذا الموقف منذ تولى الحكم وإلى يومنا هذا ولم تغير زيارة الرئيس له شيئاً بل زاده ذلك إصرارا وتمسكاً ويقينا بأنه حتما واصل إلى ما يريد.. الاحتفاظ بالأرض ونيل السلام وتحقيق الاستسلام.. وغدا سيأتي اليهود إلى القاهرة. أرض الكنانة التي حفظ الله برجالها أمة الإسلام من أكبر خطرين علي مدار التاريخ: خطر التتار وخطر الصليبيين. وسيحفظ الله بشعبها ورجالها أمتنا أيضاً من خطر اليهود الذي لا يقل عن خطر التتار والصليبيين.. أقول غدا سيأتي فروخ اليهود إلى أرض مصر أعزة فاتحين يبحثون عن أمنهم وسلامتهم الأبدية -في ظنهم- وسيحاولون عزل مصر عن الأمة الإسلامية، سيحاولون استبدال صحراء سيناء بإخراج مصر من التصدي لأعظم خطر يواجه الأمة الإسلامية في تاريخها الحديث خطر اليهود. فهل سينجحون؟!. لقد قال الرئيس السادات أنه لن يوقع صلحاً منفرداً مع إسرائيل ونرجو أن يتمسك بكلمته هذه وإلا فسيعني هذا الكارثة.. كنا نظن أننا كمسلمين وكعرب لا نجمع على شيء إجماعنا على أن اليهود خطر يجب استئصاله من جسم الأمة أن عاجلاً أو آجلاً أو على الأقل يجب احتواؤه والإحاطة به. أو يجب هضمه وتذويبه والسيطرة عليه تحت أعلام الإسلام ورايات

стр. 157

القرآن، ولقد وسع صدر المسلمين في تاريخهم الطويل أن يحتو المستأمنين والمعاهدين والمسالمين.. أقول كنا نظن أن هذه الحقيقة (الخطر اليهودي) لا مراء فيها ولا جدال بين رجلين ينتميان إلى هذه الأمة عقيدة وتاريخا وثقافة وعاطفة.. ولكننا نجد الآن أن هذه الحقيقة أصبحت مجال خلاف بل وتضاد.. وقبل سنوات لم يجرؤ أحد أن يقول: نمد يدنا بالصلح والسلام مع اليهود إلا أصوات منكرة من بعض الشيوعيين في فلسطين ومصر، ولقد زين أولئك السلم مع اليهود بما شاءت لهم شياطينهم أن يزينوه ولكننا نجد اليوم رؤساء الدول الإسلامية إلا من رحم الله منهم يزينون لنا السلام ويحسنونه لأممهم بما لم يستطع اليهود أنفسهم أن يفعلوه وكأن السلام مع اليهود أضحى ضالة الأمة الذي تنشده منذ فجر التاريخ.. والنفسية اليهودية التي نجابهها منذ سبعين سنة على أرض فلسطين هي نفسها النفسية اليهودية منذ بدء تاريخهم. فاليهود يحملون أوزار الماضي وحقد القرون وسيظلون يحتفظون بذلك ويحفظونه في صدورهم ما بقوا على الأرض إلا من شذ منهم فليسوا سواء.. وما زالوا ينظرون إلى المسلمين اليوم بمنظار أسلافهم الذين أجلوا عن الجزيرة في خيبر والنضير وقينقاع، وقتلوا في قريظة. بل ويحنون إلى العودة إلى هناك ويسعون لذلك وليس المجال مجال التدليل على ما أقول، وكل قول غير ذلك هراء. بل مازال اليهود ينظرون إلى المصريين أنهم أولئك الفراعنة الذين أذلوهم في مصر وقتلوا أبناءهم واستحيوا نساءهم مع أن المصريين قد انتقلوا بحمد الله إلى الإسلام ولا يعادون اليهود لجنسهم كما كان الفراعنة، وإنما يقاتلونهم الآن وغدا إن شاء الله لخبثهم ومكرهم وظلمهم وتشريدهم لإخوانهم في العقيدة.. والحواجز النفسية التي يبنيها اليهود حول أنفسهم لا يمكن لأحد مهما

стр. 158

كان أن يهدمها من صدورهم حتى لو أعطوا مفاتيح القاهرة ودمشق، ودخلوا المدينة المنورة فاتحين فلن يتخلى اليهود عن حقد القرون، الذين عاشوا به ومازالوا يعيشون.. وإذا حاول الرئيس السادات أن يهدم هذه الحواجز النفسية بزيارته لهم، وتودده إليهم فإنه لن يصل إلى ذلك ولكنه قد يصل إلى بعض هذا عند الشعب المصري فقط ذلك الشعب الطيب الذي ينسى الإساءة ويعفو عن المظالم بكلمة واحدة من كلمات العواطف. ولكن هل في ذلك مصلحة للأمة في العصر الراهن. هل هناك مصلحة من كسر جدار العداء والبغضاء في نفوسنا لليهود الذين دنسوا مقدساتنا وما زالوا، وقتلوا أبناءنا وإخواننا وبناتنا ولا يزالون!؟ هل من المصلحة والواجب أن نصفح عن العدو ومازال في خنادقه يحاربنا، وأن نسامحه وما زالت دماؤنا تقطر وسكينه تلمع في يده.. ولقد قال الرئيس السادات نفسه أن الحرب كانت ستنشب قبل عشرة أيام فقط من زيارته للقدس!؟. لماذا نريد أذن أن نكسر حاجز العداء من نفوسنا لليهود وهو أضعف الإيمان الذي نزاوله!؟ حتى كراهية اليهود وبغضهم يريد الرئيس السادات أن يجردنا منه، لا يا سيادة الرئيس أن بغض اليهود وكراهيتهم باقية في قلب كل مؤمن طالما هم معتدون مغتصبون محاربون لله ولرسوله لأن هذا منكر والرسول يقول من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. (وفي رواية) وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل، فإذا تخلينا عن بغض اليهود الظالمين المعتدين بقلوبنا فقد تخلينا عن آخر ذرة من الإيمان في قلوبنا.. ونرجو يا سيادة الرئيس أن تكون زيارتك للقدس اعذاراً لليهود أن يرجعوا عن غيهم ومكرهم وعلوهم وفسادهم، وأن

стр. 159

تعود إلى مصر أرض الكنانة لتنفخ روح العزة والأباء في شعبها وجيشها، وأن تطالب المسلمين في كل الأرض أن يهبوا لرفع الظلم والعار عنهم وأن يبذلوا النفس والنفيس في ذلك وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله!!.. ولقد قلت أن الله اختارك لتحكم مصر في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة وأن أقل واجب يفرضه عليك الدين ويأمر به الله ألا تتعامل مع عدو يريد أن يكون كلمة الشيطان والطغيان والظلم هي العليا، ويريد أن تكون كلمة الله هي السفلى. ولن يكون ذلك أبدا.. وأعلم يا سيادة الرئيس أن شهادة التاريخ لا ترحم وأنك ملاق ربك غدا وسائلك عن أمة محمد ماذا صنعت بها، وماذا صنعت لها. وأظنك لا تكذب بوعد الله!! وأنت الآن تتخذ أخطر قرار في تاريخ الأمة فأما أن تسير في ركابها وتحمل رايتها وتجاهد لإعزازها ونصرتها ولا تمكن عدواً ظالماً من رقابها، وبذلك تعيش أعظم أيام في حياتك ويخلد التاريخ ذكراك وما عند الله أكبر من ذلك.. ونرجو ألا تكون الثانية.. وما زال أملنا في رجل دخل أول حرب فعلية مع اليهود وزلزل كيانهم، أن يصدق الله مرة أخرى.. ٢ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 160

هل زيارة الرئيس للقدس هي إرادة الله وبشارة القرآن ؟! * نشرت جريدة الأهرام المصرية مقالاً للأستاذ محمد حسن التهامي نائب رئيس الوزراء في جمهورية مصر العربية بعنوان "عودة القدس" وفي هذا المقال ناقش صاحبه زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس من الناحية الروحية (على حد قوله) فذكر أن هذه الزيارة هي رسالة الله القدرية إلى بني إسرائيل، وأنها قد جاءت في القرآن الكريم، قال بالنص: "فأما الدوافع الروحية منها. وقد سألني عنها الكثيرون من المؤمنين والحجاج فتعجبت وقلت للسائلين ولنفسي قول الله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ وما فيه من نور ووضوح.. أفلا تسمع قول الله تعالى في سورة الإسراء.. ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا أن أحسنتم لأنفسكم وأن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وأن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ .." ثم فسر الكاتب هذه الآية بأن الله رد الكرة لبني إسرائيل في عام ٦٧ وأنهم احسنوا فلهم ما تمنوا.. ويفسر الإحسان هنا بأنه احترام الرسالات والعيش مع أهل الأديان بسلام. ثم فسر

стр. 161

الكاتب قول الله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ .. الآية أن حبل الناس المقصود في الآية هو أن يعيشوا معنا بسلام. وأن هذا الحبل هو الرسالة التي قام بها الرئيس أنور السادات ليوصلها إليهم. يقول: "ذلك هو حبل الناس أي صلتهم بالناس ورباطهم مع الناس أن أرادوا الحسنى والتعايش مع الناس بما يقبله الناس.." الخ. وجعل الكاتب زيارة الرئيس إلى إسرائيل امتداداً لدخول عمر بن الخطاب وصلاح الدين إلى هذه الأرض. وركز في غير موضع من مقاله أن هذه الزيارة كانت تجسيداً لإرادة الله وتكليفاً منه حيث يقول.. عن شعوره وهو مرافق للرئيس في هذه الرحلة: "وهناك تجدد العهد في القلب وبالروح بالذكرى وبالإيحاء، وبجلال الموقف، ورهبة الخوف من الله، وبميزان المسئولية، والتكليف الذي أراده الله تعالى بوجودنا في مصلى الأنبياء والرسل فعندئذ ثبت اليقين بأن الله تعالى قد أراد بهذا الوجود خيرا".. ويقول في موضع آخر: "ولم يبق بعد هذه الرسالة التي أرادها الله تعالى إلى بني إسرائيل وإلى العالم أجمع ألا أن ندعوا لمصر ومن معها من العرب والمؤمنين بوحدة الكلمة.." الخ.. * ويهمنا في هذا الصدد أولاً الذب عن كتاب الله وبيان الحق في آياته التي استدل بها صاحب المقال. ومعرفة ما إذا كانت هذه الزيارة تحقيقا لإرادة الله حقاً أم لا. فنقول: أولاً: قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ ، معناه أي أخبرناهم في كتابهم التوراة أنهم سيفسدون في الأرض وذلك بعلوهم على الناس وعبادتهم لغير الله وتحريمهم الحلال وتحليلهم الحرام وقتلهم الأنبياء بغير حق وهذا مفصل في القرآن ولا

стр. 162

يتسع المقام لسرده وذلك بعد أن كانوا قائمين برسالة الله من التوحيد والعبادة مطيعين لرسلهم من لدن موسى ﵇ وقد كان هذا الفساد بعد إقامتهم اليهودية الأولى بقيادة يوشع بن نون (شعيا) ثم أخبر سبحانه أنه سيسلط عليهم من يحطم دولتهم ويزيل كبرياءهم، قال تعالى: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا﴾ . وقد كان بالفعل فقد دخل الفرس إلى مملكتهم بقيادة نبوخذنصر وجاسوا خلال ديارهم في فلسطين وقتلوا من قتلوا منهم ونفوا الباقين إلى بابل. ولكن الله سبحانه من عليهم مرة ثانية بالتجمع في فلسطين بعد أن من عليهم (قادش) القائد الفارسي بالعودة حيث كانوا مملكتهم الثانية التي قويت بقيادة داود ثم بقيادة سليمان ﵉. ولكنهم بعد ذلك عادوا إلى الإفساد والعلو في الأرض فأرسل الله عليهم الرومان الذين دخلوا فلسطين وهدموا هيكلهم الذي بناه سليمان ونكلوا بهم واحتقروهم وشتتوهم في الأرض وجعلوا قبلتهم (الصخرة) مكاناً لمزابلهم. قال تعالى: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ أي الهلاك الثاني لكم بعد الإفساد.. ﴿ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علو تتبيرا﴾ . أي ليبيدوا ويهلكوا ما أعليتموه من بناء ونحو ذلك ويخربوه. وقد كان فقد حطم الرومان حضارة بني إسرائيل في فلسطين وسووها بالأرض.. ثم أخبرهم تعالى وهددهم بأنهم أن عادوا مرة ثانية للإفساد في الأرض، عاد الله وسلط عليهم من يذلهم ويهلكهم كما فعل بهم على يد محمد ﷺ حيث أفسدوا في المدينة وخانوا وغشوا وتمالئوا فقتل الله منهم من قتل وأخرج منهم من أخرج كما قال تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقا،

стр. 163

وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا﴾ .. وقد نزل هذا في بني قريظة. وأما في بني النضير فقد قال تعالى بعد إجلائهم عن المدينة: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ .. * ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. فأخبر سبحانه هنا أنه هو الذي أخرجهم وأنه هو الذي ألقى في قلوبهم الرعب أنه هو الذي كتب عليهم الجلاء أي الإخراج من المدينة وأنه لو لم يفعل بهم الجلاء لعذبهم عذاباً آخر أكبر من هذا الجلاء. وهذه إرادة الله في بني إسرائيل التي أجراها على يد محمد ﷺ هي أرادته إلى يوم القيامة التي يجريها على من يشاء من عباده. كما قال تعالى: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أن ربك سريع العقاب وأنه لغفور رحيم﴾ فارسال الله عليهم عبر التاريخ وعلى مدار الزمان إلى قيام الساعة من يسومهم سوء العذاب هو إرادة الله الثابتة في قرآنه وتوراته وإنجيله وأي مطلع على هذه الكتب يعلم هذا بما لا يجد مجالاً للشك وذلك ليس ظلماً من الله ولكنه عقاب عادل في مقابل ظلمهم ومكرهم وسعيهم للفساد في الأرض وتجارتهم بالحروب وتعطشهم إلى دماء غيرهم كما قال تعالى واصفاً إياهم: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفرا، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض

стр. 164

فسادا والله لا يحب المفسدين﴾ .. فإذا فهم هذا فيستحيل عقلاً وشرعاً أن تكون إرادة الله أن ينعموا بالاستقرار والسلام. بل ينبغي أن نحكم أن الذي يسعى في سبيل ذلك إنما يسعى مضاداً ومعارضاً لإرادة الله الكونية القدرية التي لا تتخلف.. وإذا حدث لبعض الوقت ولفترة ما أن ينعم اليهود في الأرض بالاستقرار والسلام فلا يكون هذا إلا لعاملين اثنين لا ثالث لهما.. العامل الأول أن يقوموا برسالة الله في الأرض وأن ينشروا التوحيد ويقيموا الصلاة ولا يكون ذلك إلا باتباعهم محمد ﷺ والدخول في الإسلام. واليهود في فلسطين الآن ليسوا كذلك.. والعامل الثاني أن يمدهم الله بإمداد وحبل من عنده وأن يمدهم الناس لتتحقق حكمة يريدها الله وهذا لا يكون إلا استثناء من القاعدة العامة في بقائهم مشتتين مقهورين إلي قيام الساعة. وقد فصل الله ذلك في القرآن حيث قال لرسوله والمؤمنين معه عنهم: ﴿لن يضروكم إلا أذى، وأن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ . وقد كان، فقد كان ضررهم للرسول والمؤمنين مجرد الأذى فقط فلم يقتلوا من المسلمين في صدر الإسلام عدداً يذكر ولم يهزموهم في معركة مع تبجحهم وغطرستهم وحصونهم واستعانتهم بكل القوى المشركة المحيطة بهم. وقد فصل الله أسباب ذلك فقال: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون..﴾ .

стр. 165

وفي هذه الآية يتبين لنا أن الذلة والمسكنة مضروبتان عليهم ومعنى الضرب هو اللزوم والمصاحبة وكأنه طابع لازم كما تضرب النقود بصورها وكتابتها. وفاعل ذلك هو الله وأنه لا انفكاك لهم عن ذلك إلا بحبل الله أي إمداد منه وسبب منه لحكمة يريدها، وكذلك حبل من الناس. ولا شك أن هذا الحبل الذي يصلهم الناس به وإن كان كائنا بمشيئة الله أيضاً إلا أننا منهيون كمسلمين عن ذلك.. وخلاصة الأمر أن اليهود مطرودون من رحمة الله وأمنه وسلامه ما عاشوا وإذا تحقق لهم ذلك في وقت ما فإنما هو شيء عارض وشذوذ يخالف القاعدة.. * وبذلك يتبين لنا إرادة الله حقاً باليهود وصنيعه بهم وعلى ضوء ذلك يقرر المؤمنون حقاً طريقهم معهم وأنه طريق الضرب على أيديهم وقتالهم لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.. * وأما كلام سعادة الوزير أن الزيارة للقدس كانت تشبه فتح عمر ودخول صلاح الدين فأظنني لست بحاجة إلى عقد مقارنة لبيان فساد هذا القياس، وإذا كان مثل ذلك يحتاج إلى دليل وإيضاح بطلت فائدة الكلام وسقطت مهمة الدليل.. وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ٩ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 166

رياح الجاهلية تهب على العالم الإسلامي * كان أعظم إنجاز حضاري للإسلام أن جمع قبائل العرب المتفرقة المتناحرة في هذه الجزيرة في وحدة إنسانية وحضارية يرفرف ﵍ والعدل، وكان أعظم من ذلك تأليفه بين العرب الذين قاربوا بالإسلام وبين شعوب الشام والعراق ومصر والمغرب وفارس وما وراء ذلك، وقد كان يسكن هذه الأقاليم شعوب شتى من الكلدانيين والآشوريين والبابليين والقبط والبربر وشعوب أخرى كثيرة، ولم تمض فترة وجيزة حتى أضحت هذه الشعوب المتفرقة المتناحرة شعباً واحداً يدين بالإسلام ويتكلم بلغة القرآن ويرفض ماضيه الجاهلي، ويعيش لواقعه ومستقبله الإسلامي الحضاري. ولم يبق من هذه الشعوب على دينه الجاهلي القديم إلا فئات قليلة جداً لم يصلها الإسلام.. * وفي إطار هذه الوحدة الحضارية الأخلاقية عاشت شعوب هذه المنطقة (العالم الإسلامي) أعظم أيام حياتها على الإطلاق: عزة في الدنيا، وسيادة في الأرض، وهداية إلى طريق الرشد وامتثالاً للأخلاق الطيبة، وابتعاداً عن العصبيات الجاهلية، والنعرات الإقليمية والقومية.. * وبالرغم من أنه كانت تصطبغ الحياة السياسية للعالم الإسلامي بصبغة الحاكم إلا أن الشعور العام لشعوب

стр. 167

هذه المنطقة كان مع الأخوة الإسلامية، فالخلافة الراشدة كانت إسلامية خالصة، ودولة بني أمية كانت سياسياً ذات صبغة عربية، ودولة بني العباس كانت فارسية الصبغة في السياسة والحكم، ودويلات الطوائف كانت بحسب حكامها، ودولة بني عثمان تعصبت في أواخر عهدها للأتراك. أقول بالرغم من كل ذلك فإن مشاعر العامة وسلوكهم كان مع الرابطة الإسلامية. * وعندما أراد الإنجليز والفرنسيون اقتسام العالم الإسلامي عمدوا إلى تقسيمه جغرافياً، أولاً ثم ثقافياً وفكرياً وعقائدياً، فبلاد الشام الدولة الواحدة في كل تاريخها أصبحت أربع دول اخترعوا لها أسماء من تحت الأرض فقبل خمسين عاماً فقط لم يكن أحد يعرف ما معنى سوريا، ولا ماذا تعنى كلمة فلسطين!! ولا ما هو شرق الأردن. ولم يكن ثمة شعب يسمى الشعب السوري أو الشعب الفلسطيني، أو الأردني أو اللبناني. بل كان كل أولئك شعب واحد يدين بالإسلام وينتمي إلى العروبة. وانطلت حيلة ساسة فرنسا وبريطانيا على المغفلين والسذج فانطلقوا يرددونها في عماية وجهل، وهكذا صنع مع بقية العالم الإسلامي شرقاً وغرباً. وبوحي من ملكة بريطانيا أسست الجامعة العربية فكانت أول منار سياسي يقوم على غير الإسلام شعاراً وتجمعاً. ورفعت الإعلام والبيارق الإقليمية لتعلن ميلاد تاريخ جديد لأبناء الأمة الإسلامية: ميلاد ملوك ورؤساء الأقاليم!! * عندما قام فريق الضباط الأحرار بانقلابهم ضد نظام الملك فاروق، أعلنوا للعالم أن مبرر قيامهم هو تصحيح أوضاع نظام الحكم في مصر، ورفع العار عنها فيما لحق بها من هزيمة في فلسطين وأعلن عبد الناصر بعد ذلك أنه أول رئيس مصري يحكم مصر منذ ثلاثة آلاف سنة متخطياً تاريخ

стр. 168

مصر السابق بعروبته وإسلامه إلى الفراعنة، وحملوا تمثال رمسيس الثاني (فرعون مصر) من الأقصر إلى ميدان في القاهرة. وأشادوا بدعاة الإقليمية المصريين من الكتاب والمؤلفين. ولكن عبد الناصر سرعان ما تحول عن مساره إلى المناداة بالقومية العربية فرفع شعارها، وألهب بخطبه الحماسية مشاعر أبناء العروبة شرقاً وغرباً الذين أذلهم الاستعمار وفرق جموعهم، فاستجابت له جماهير العروبة الذين اشتاقوا إلى بعث تراثهم القديم، واحياء أمجادهم الغابرة، ولكن عبد الناصر بدلاً من أن يضع الدعوة إلى القومية العربية في مكانها الصحيح من الإسلام فرغها منه، واستورد مضموناً اشتراكياً أراد أن يصبغه بالإسلام فلم يستطع وابتدأ يضرب بسفينته بين القوى المتصارعة شرقاً وغرباً ويناور بها يميناً وشمالاً حتى تحطمت السفينة بمن فيها في حزيران سنة ١٩٦٧، وعاش بقية عمره يريد أن يجمع حطام السفينة ويزيل آثار العدوان فلم يستطع.. * كانت هزيمة عام ١٩٦٧ هزيمة للأمة كلها ونهاية لدعوة القومية العربية، وكانت مصر وما زالت وستظل إلى أمد يعلمه الله رأس هذه الأمة وحاملة لوائها، وقد أعلن الرئيس أنور السادات بعد عبد الناصر أنه لن يستمر معلقاً بين السلم والحرب، وطلب السلم مراراً قبل عام ١٩٧٣ وقال له كسينجر رأس أميركا المدبر في وقته لا سلم مع اليهود إلا بكسر شوكتهم، فافعلوا هذا إن استطعتم!! وكانت معركة سنة ١٩٧٣ ثم طلب السلم الذي ما زالت خطواته إلى الآن دون جدوى.. * ومهما اختلف الناس حول النتائج التي ستسفر عنها هذه الخطوات فإن ثمة باب من الجحيم قد فتح على الأمة لا يعلم إلا الله مداه، وهذا الباب هو الدعوة

стр. 169

إلى الإقليمية، ونبش آثار الجاهلية، فإذا كان الذين حولوا مسار القضية الفلسطينية من مسارها الإسلامي الديني إلى مسار قومي عربي. قد أخطأوا وأساءوا لقضايا الأمة وشعوبها فإن الذين يطرحون قضية فلسطين في منطلق إقليمي أشد خطأ وأكبر إساءة للأمة وتاريخها والمهم أن هذا المنطلق الجديد لعلاج هذه القضية قد أدى إلى التنابز بالألقاب وأحياء النعرات الجاهلية الإقليمية البائدة. وبالرغم من أن احتلال اليهود لهذا الجزء من الوطن الإسلامي كان عاملاً للتقارب والاتحاد، إلا أنه بهذا الطرح الجديد قد أصبح عاملاً للفرقة والخلاف واحياء للجاهليات القديمة التي عفا عليها الزمان. * وبعد فليس هناك مسلم ولا عربي صحيح النسبة إلى العروبة يأبى أن تكون مصر وأن تظل رائدة ورأساً لهذه الأمة، ولا أن يكون رئيسها الأخ الأكبر لإخوانه وزملائه.. ولكن المسلمين لا يعلمون من مصر إلا أنها بلد المسلمين وكنانة الإسلام، وحامية أوطانه في كل تاريخها مع التتار والصليبيين. وكذلك مع اليهود والصهاينة. أما أن تكون مصر هي بلد الفراعنة، والأهرام وأبي الهول فلا.. فهذا أمر قد جاوزته مصر منذ أكرمها الله برسالة الإسلام ورفرفت عليها أعلام القرآن وتكلم أهلها بلغة العرب.. * ثم أما بعد فإن رياح الجاهلية التي بانت تقصف بالإسلام والمسلمين شرقاً وغرباً يوشك أن تدمرنا فثقافة بابل وأشور تطغى اليوم على ثقافة العباسيين في الرافدين، والشعوبية والباطنية والصليبية تعصف ببلاد الشام وتطغى ثقافتهم على ثقافة بني أمية، والعرب والبربر في المغرب يتنازعون على الصحراء، والقحطانيون في اليمن يقتتلون على الحكم والرياسة، والقرامطة يحيون في أقصى الجزيرة ذكر قرمط ويدفنون تراث محمد بن عبد الله، وبنو يعرب

стр. 170

يحركون الجيوش في جنوب الجزيرة ليقتتلوا. ومن قبل فرطوا في جزر بأكملها. ومصر تريد العودة إلى الفرعونية والقبطية.. * باختصار رياح الجاهلية تهب على عالمنا الإسلامي من كل جانب والمحزن في الأمر أن الشعوبية والباطنية والقرمطية والإقليمية بكل صورها. لها أبواق ووسائل أعلام وأجهزة كاملة لتزوير التاريخ وتغيير الحقائق والإسلام وحده لا صوت له في ديار الإسلام!! فليهنأ بنو إسرائيل النصر المؤزر، ليحققوا حلمهم الذي طالما انتظروه وهي دولة من الفرات إلى النيل وليقيموا العلاقات بين دولتهم وبين دول الطوائف والأقاليم من حولهم، وليشترطوا لأنفسهم ما يشتهون. فالعدو الذي يستطيع أن يهزمهم ويعرف مكائدهم، ويرد كيدهم إلى نحورهم غائب عن الميدان. أنه الإسلام ولا صوت له الآن!! ١٦ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 171

الشعوب والسحرة .. * يركض الناس في هذه المنطقة (العالم الإسلامي العربي) وراء الأحداث بغباء وبلاهة، وتفاجئهم الأحداث فيصابون بالدهشة والابلاس والحيرة، ويذهبون بعد ذلك في تفسيرها كل مذهب.. ويظلون يختصمون ويتشاجرون حتى يقع لهم حدث يذهلهم عن الماضي فينتقلون للتفكير فيه، وينسون الحدث الماضي تماما وهكذا، شأنهم في ذلك شأن تلاميذ مدرسة تجمعوا لمشاهدة (حاو) أو ساحر ماهر فلا يزال يذهلهم بحركاته وألاعيبه، وبين كل لعبة وأخرى يختصمون ويتشاجرون كيف خرجت البيضة من مؤخرة التلميذ، وكيف طارت الحمامة من فمه!!. * ونحن في هذه المنطقة التي يتحكم فيها الساحر الأمريكي والحاوي الروسي، والشيطان اليهودي نرى في كل يوم ألاعيب مدهشة، وحوادث مضحكة مبكية!!. * ويظن الناس أنه لا ارتباط بتاتاً بين الأسباب ومسبباتها، ولا بين الأمور ونتائجها. لأنهم يرون دائماً أن نتيجة كل شيء على غير أسبابها الظاهرة تماما. فقليل جداً من كان يعلم أن زحف الجيوش العربية نحو إسرائيل عام ١٩٦٧ سيؤدي إلى هزيمة لا مثيل لها في التاريخ وقليل أيضاً تصوروا أو تخيلوا أنه سيأتي اليوم الذي يصاب

стр. 172

بعض منا فيه بعقدة الذنب لأنهم حاربوا اليهود في الماضي، وأنهم كانوا يحاربون في غير قضية، ويموتون هدراً وغباء!! * وهذا قليل الذي يرى نتائج الحوادث قبل أن تقع ومآل الأمور قبل وقوعها يعيش في أحزان متصلة وينظر الناس إليه دائماً نظرة الريبة والاستغراب وقد يثني الناس على فهمه وعقله بعد حدوث ما توقع ولكن السحرة الماهرون لا يمهلون الجمهور حتى يشغلوهم بحادث جديد. * دعونا نسأل أنفسنا لماذا نفاجأ دائماً بالقرار السياسي؟ ولماذا نذهب دائماً في تفسيره كل مذهب!!. والجواب باختصار: أننا نعل ذلك لسببين: أولاً: إننا لا نشترك في القرار السياسي، فالشعوب في الوطن الإسلامي كم ولا وزن له مطلقاً في قرار سياسي. وتزييف اراداته سهل جداً في أي استفتاء. ونستطيع أن نجد للرأي ونقيضه مؤيدين ومشايعين. بل يستطيع الدهاة أن يستخرجوا من القرآن والسنة أيضاً ما يؤيد الرأي ونقيضه فإذا اتخذنا قرار الحرب مثلاً قال القائلون وافتى المفتون: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون﴾ وإذا اتخذنا قرار السلم خطب الخطباء وتكلم أهل الإفتاء قائلين: ﴿فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ ، وإذا أردنا حب اليهود والإشادة بهم قلنا أنهم أبناء العمومة وقد قال الله فيهم: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين﴾ . وقوله تعالى أيضاً: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ . وإذا اتخذنا قرار بغضهم ومذمتهم قلنا: إنهم.. وأنهم.. وقال الله فيهم: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ألا بحبل من الله

стр. 173

وحبل من الناس. وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة..﴾ الآية. وهكذا يستطيع المزيفون أن يزيفوا إرادة الشعب لأنه لا رأي له، وكذلك حكم الله وحكم رسوله.. لأن الذين يفتون بهذا أيضاً لا رأي لهم. واقتطاع الآيات وتحريف الكلم عن مواضعه سهل أيضاً لمن أراد ذلك. وأما السبب الثاني فهو ما ذكرت في صدر المقال من أن الجمهور الذي يشاهد السحر تنحبس أنفاسه دائماً عن رؤية الماضي والمستقبل ويعيش فقط في ظل اللعبة الحاضرة والتي لا يربطها بأسبابها الماضية ولا يفكر بتاتاً في نتائجها الآتية أنه يفكر فقط مشدوداً مدهوشا كيف ستنتهي هذه اللعبة العجيبة؟!. * وتعالوا الآن نشاهد هل قرار السلم مع اليهود الذي اتخذته القيادات السياسية مفاجأة؟! ونتيجة غير متوقعة؟ أم هو نتيجة منطقية لأسباب ومسببات واقعية؟! وقبل أن نتفهم معا الجواب دعونا من أن نقع فريسة للحادث الوقتي الذي يشغل بالنا، وهو زيارة القدس ومؤتمر القاهرة.. للنس هذه الحوادث الحاضرة ولنفكر في أساس المشكلة ولبها. ولست في مجال استعراض تاريخ هذه المشكلة فإن هذا أمر يطول ولكن بتعريف موجز لمشكلتنا مع اليهود نقول: اليهود شعب مشرد منذ ألفي سنة وكانت له دولة يوما ما في فلسطين ويريد العودة إلى هذا المكان ليبني دولته من جديد وهذه الأرض يحكمها شعب اعتنق الإسلام وهو جزء من أمته وقد تكلم العربية ونسب إليها. هذه القضية الواضحة انتقلت في مدى ثلاثين سنة فقط على النحو التالي من قضية تهم كل مسلم إلى قضية تهم كل العرب فقط ثم إلى قضية تهم الفلسطينيين أولاً لأنهم حسب قول القائلين أهل

стр. 174

المشكلة وأصحابها ثم قضية تحملها منظمات متنافسة على الأقل أن لم نقل متعادية متحاربة وفي إطار هذا التنافس تختلف الأنظمة السياسية والشعوب أيضاً من الذي يحق له أن يمثل الشعب الفلسطيني هل هي منظمة التحرير أم عرب الضفة؟؟ وهكذا بتقليص هذه المشكلة من أن تكون هما يحمله كل مسلم في الأرض ويطالب شرعاً وديناً وسياسة بتحريرها إلى قضية يمثلها عرب الضفة الغربية فقط!! أو منظمة التحرير فقط!! ويظل السحرة والحواة يشغلون الجمهور بالألاعيب السحرية: من الخائن ومن الوطني؟ ويضحك الساحر اليهودي ملء شدقيه وهو يجد تلاميذ المدرسة يتخاصمون ويتجادلون ويقولون.. كيف خرجت هذه اللعبة العجيبة!!. * صلينا المغرب وجلسنا بعد الصلاة، وعرفني أحد الزملاء بشاب في مقتبل العمر أراه لأول مرة وسألني ما رأيك في الأحداث الجارية فانبرى لشاب قائلاً قبل أن أجيب: بصراحة: السلم والصلح مع اليهود هو الخير. فنحن لم نكسب من الحرب شيئاً، ومنذ وصولي إلى الكويت تأسفت على الأيام التي حاربتها وأنا جندي في الجيش الثالث (المصري) . أن الفلسطينيين يحاربونني في رزقي هنا بل يحاربون كل مصري!!. فقلت له: اي أخي انظر خطورة القرار الذي وصلت إليه! لقد وصلت إلى أن اليهود أقرب لك من إخوانك الفلسطينيين وهم مسلمون وعرب أيضاً. فقال لقد كنا في الجيش الثالث وكنا نتبادل القذف بالنيران مع اليهود كل يوم وكان بيننا وبينهم أمتار قليلة وكان معنا مهندس زراعي مصري وقال: والله لأذهب إلى اليهود لأعلم لماذا يحاربوننا..

стр. 175

وذهب إليهم فأكرموه غاية الإكرام وتحدث معهم طويلاً وخرجنا بنتيجة أنه لا فائدة من حربنا معهم!! بصراحة لو دعيت إلى الحرب مرة ثانية فلن استجيب!. وقال آخر: لماذا أحارب من أجل الفلسطينيين.. هم أغنى منا وهم أولى بالدفاع عن وطنهم.. وكنا نتحدث مع بعض المثقفين فانبرى فلسطيني منهم قائلاً: أنا لا تمثلني منظمة التحرير.. لقد اثروا من ورائنا!! الخ.. انظروا كيف وصلنا، وكيف تناقضت آراؤنا في مشكلتنا بعد أن طورناها إلى الحد الذي أصبح لكل واحد منا رأي يخالف الآخر فيها، وانظروا على الجانب الآخر الأفكار اليهودية التي تجمع اليهود عليه في أول مؤتمر صهيوني لهم في سويسرا هي نفس الأفكار والمبادئ التي يعلنها اليهود ويفاوضون عليها في السلم ويقاتلون عليها في الحرب. الموقف اليهودي من إقامة الدولة اليهودية لم يتغير قيد شعرة منذ بدأ العمل الحقيقي لإقامتها والموقف العربي يتلون ويتغير ويتناقض كل يوم. وما ذلك إلا لأن السحرة والحواة يشغلون الناس عن المشكلة الحقيقة بألاعيب شيطانية تخطف أبصارهم، وتبلبل عقولهم، وحول هذه الألاعيب تتفرق الشعوب ويلعن بعضها بعضاً، وتتمزق الجماعات ويلعن كل منا الآخر ثم نلعن جميعاً الأمة التي ننتمي إليها، ويبدوا من سير الأحداث أن الأمة التي ننتمي إليها لن تفيق إفاقة حقيقية، وتتخلص من سحر السحرة، ولعب الحواة، إلا إذا وجد العرب أنفسهم غداً عمالاً في مؤسسات اليهود نهاراً، وخماراً وسكارى في حاناتهم ليلاً، وقد وجدوا بناتهم وأخواتهم أيضاً يمتهن كل شيء ليحصلن على لقمة الخبز وعند ذلك قد تدب الحمية في النفوس من جديد، وعند ذلك أيضاً قد ينقلب السحر

стр. 176

على الساحر ويقوم في الأمة من ينقذها بكتاب الله وسنة رسوله فيوحد صفوفها، وينهي خلافها وتفرقها، ويقودها إلى العزة والمجد. ٢٣ ديسمبر ١٩٧٧

стр. 177

من نحن؟ وأين نحن الآن ؟ * ها قد وصلت العربة إلى القاع فعلاً، وابتدأنا نتحسس أقدامنا من جديد، فالذين ينظرون إلى الأمام قليلاً كانوا يعرفون أين ستقع العربة، وأما الآخرون فإنهم يفيقون تباعاً، وسنحتاج إلى عامين أو ثلاثة حتى يعرف المذهولون مكانهم الصحيح، وحتى يعود الشاردون من هول المفاجأة والانفجار!! وسيكون السؤال الذي يسأله الناس بعضهم بعضاً أين نحن الآن؟! وسيختلف الناس بالطبع كما هم مختلفون الآن، فبعضهم سيقول: نحن الآن في موقع جيد، وفي أرض خضراء، وواد فسيح، وسيقول آخرون، كلا بل نحن في مستنقع عفن، وفي أرض سيئة وواقع كريه ويبدأ هؤلاء وهؤلاء يعدون الضحايا ويحصون القتلى فالمستبشرون والمتفائلون بالواقع الجديد سيقولون عن الضحايا والقتلى أنهم أغبياء لأنهم لم يمسكوا بالعربة جيداً، ولم يحسنوا الركوب في القطار وأما المتشائمون والمستبصرون فسيقولون إنهم ضحايا وأنهم شهداء!! وهذه المعركة الكلامية ستستمر وقتاً طويلاً يؤيد كل فريق منا رأيه فيه بما تستطيع بلاغته أن تصل إليه وسيعمد القادرون منا ومن بيدهم زمام الأمور على دفع الأمور لتثبت صدق آرائهم ورجاحة عقولهم، وسنظل يخطئ بعضنا بعضاً، ويسب

стр. 178

بعضنا بعضاً، حتى تأتي رياح جديدة تقذف بالعربة إلى انحدار جديد!! * هذه البلاهة والغفلة الجماعية التي أصابت الأمة من أقصاها إلى أقصاها -إلا من رحم الله منهم- سببها الأول أنهم يقولون: أين نحن الآن؟ وكان الواجب أن يقولوا أولاً: من نحن؟ فبالجواب على هذا السؤال سنعرف أنفسنا، ونحدد هويتنا، ونضع صراطنا (استراتيجيتنا) في الحياة وعلى أساس هذا الصراط سنحدد علاقاتنا بكل الناس حولنا شرقاً وغرباً. * إننا مختلفون تماماً حول هذا السؤال: من نحن؟ وباختلافنا فيه تختلف نظرتنا إلى كل الأمور وحكمنا على كل الوقائع، وتحديدنا للمصلحة والمفسدة، والنصر والهزيمة والمكسب والخسارة، فهل نحن عرب؟ وماذا تعني هذه اللفظة تماماً "العرب"، أعني من هم العرب؟ وما موقفهم من الإسلام؟ وأين تقع الإقليمية في مفهوم العروبة؟ وما هي مصالحهم المشتركة؟ وإذا كان العرب مسلمين فهل هم مستعدون للالتزام بأحكام الإسلام؟ وإذا لم يكونوا مسلمين؟ فما البديل؟ وما النظام الاقتصادي الذي سيتبعونه إذا لم يلتزموا بنظام الإسلام، هل هو الاشتراكية؟ وأي نوع من الاشتراكية؟ هل هي الاشتراكية العلمية (الشيوعية) كما أجاب الرئيس جمال عبد الناصر، أم اشتراكية أخرى؟ أم هو النظام الحر الرأسمالي؟ وإلي أي حد سيسيرون في النظام الرأسمالي؟ وما العلاقة بين الدول العربية إذا اختلفت إجابة كل إقليم؟ أعني إلى أي حد سنصل في عداء بعضنا لبعض؟ هل إلى حد القطيعة والقتال وفرض الرأي بالقوة أم فقط عند حد الكلام والسباب، أم سنتعاون فيما اتفقنا فيه، ويكون لكل منها أموره الخاصة؟

стр. 179

وما الذي اتفقنا عليه أو يجب أن نتفق عليه؟ وما الأمور الخاصة بكل إقليم؟! هذا إلى عشرات الأسئلة الأخرى لابد من الإجابة عليها لنحدد موقفنا من ذلك الشعار الذي رفعناه سياسياً وفكرياً في ثلث القرن الماضي. * الإقليمية السياسية المعاصرة فرضها الاستعمار الفرنسي والبريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، وتعمقت هذه الإقليمية بتباعد الديار، والحجب السياسية القائمة، ثم جاء ضجيج القومية العربية فغطى على أصوات الإقليمية وحجبها عن الظهور وكاد يهدم الحدود السياسية الجغرافية ولكن الانفصال النفسي والشعوري بين أبناء الأقاليم الإسلامية لم تستطيع عاطفة العروبة وضجيجها أن يلغيه، ثم جاءت هزيمة سنة ١٩٦٧ لتسكت ضجيج العروبة وتقتل عاطفتها، وتحيي من جديد بذور الإقليمية السياسية بل وتحيي أيضاً بذور الجاهلية المدفونة منذ آلاف السنين، والعجب في النمو السريع لهذه الأشجار الشوكية السامة التي ماتت منذ آلاف السنين. * والآن يجب أن نسأل أنفسنا إلى أي مدى سنسير مع الفكر الإقليمي السياسي الجديد؟ هل سنسير إلى الحد الذي يكون لكل إقليم جاهليته الخاصة؟ وبالطبع مصالحه ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي الخاص؟ أم سنسير إلى الحد الذي يداوي كل إقليم من الأقاليم جراحاته ويلم شعثه ومن ثم يلتحم مع سائر أقاليم الأمة الإسلامية العربية؟ وعلى أي أساس سيكون اللقاء والالتحام إن كان ثمة تفكير في ذلك؟ * خلافنا واختلافنا ليس في معرفة من نحن فقط؟

стр. 180

بل إننا نختلف الآن من أعدائنا؟ والعدو الذي كانت تجمع الأمة على عداوته قديماً هو اليوم محل اختلاف؟ فهل اليهود اليوم أعداء؟ وإذا كانوا أعداء فكيف يجب علينا الآن مجابهة عداوتهم هل بالتدمير الفوري، أم بالتفتيت البطيء؟ أم نحن مضطرون الآن إلى تجميد الحرب معهم إلى حين؟ أم هم أصدقاء يمكن التعاون معهم وإلى أي حد يكون هذا التعاون؟ هل كما يقول الملك الحسن: المال العربي والعقل اليهودي لخلق جنة على الأرض (وكأنه ليس عند العرب عقول لتدبير أموالهم) وإذا قررنا التعاون مع اليهود فهل هو تعاون ينبع من صراط عرب واحد أم تعاون كل إقليم بمفرده؟ * العجب كل العجب إن جمهور الأمة يعيش الآن مع الرافضين بلا هدف واضح ولا نوايا معلنة، ومع القابلين بلا حدود واضحة ولا نوايا معلنة، ولذلك فالرفض والقبول يجب أن تعلم جماهير الأمة أنه جزء من اللعبة السياسية الكبرى التي يريدها الساحر اليهودي والشيطانان الأمريكي والروسي، والسباق الآن في لعبة القبول والرفض أيهما يحرق مخالب الآخر، وحرق المخالب يعني أن نفقد جزءاً من الأمة، والأعجب من هذا أن المخالب التي تحترق دائماً هي المخالب التي يريد اليهود حرقها سواء كانت في الجانب الروسي أو في الجانب الأمريكي!؟ * مرة ثانية نقول وصلت العربة إلى هوة جديدة والذي لم يعلم بعد أننا سقطنا في الوحل والطين سيحتاج إلى فترة زمنية أطول ليتبين مواقع أقدامه ويتعرف على مكانه الجديد، وأما هذه البلاغة التي جعلت سقوطنا نصراً وذلنا فخاراً وعزة فإنها ستضمحل بعد سنتين أو ثلاث وهي الفترة الكافية لإفاقة الأمة من صدمتها الشديدة، تماماً كما استطاعت هذه البلاغة العجيبة أن تصور هزيمة ١٩٦٧
следующие страницы →