Полный текст (214 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أضواء على أوضاعنا السياسية
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد
فإن أعداء الإسلام من الصليبيين، واليهود والملاحدة في هجمتهم الثانية على بلاد الإسلام لم يكتفوا بهزيمة المسلمين العسكرية، بل عمدوا إلى خلافة الإسلام فأزالوها، وكانت رمزاً تجمع شتات المسلمين، ثم عمدوا إلى أوطان المسلمين فمزقوها أوطاناً وأقاليم، وأقاموا في كل موطن وإقليم سلطاناً موالياً لنفوذهم ينفذ سياستهم بالترغيب والترهيب والحماية، ثم عمدوا إلى مناهج التعليم والتربية فصبغوها بصبغتهم في الإلحاد والكفر وأنشأوا بذلك أجيالاً من أبناء المسلمين يعادون دينهم، ويتنكرون لتاريخهم وأمتهم، ثم عمدوا إلى الدين والحق فحاصروه في نفوس أتباعه، وضيقوا الخناق عليه في كل مكان، واضطروا أهله إلى النجاة بأنفسهم أو تحمل صنوف
стр. 2
العذاب والبلاء، ثم شنوا بعد ذلك هجمة شرسة بأقلام وألسنة تقطر السم فشككوا في كل عقيدة من عقائد الدين، وأقاموا الشبه على كل فرعية من فرعياته، حتى أصبح الطريق إلى الله معوجاً للسالكين، فلا يكاد يهتدي إلى الإسلام أحد من أبنائه، حتى يقابل بسيل جارف من التشكيك والشبهات، ثم واصل الأعداء حملتهم على الجذور الإسلامية يريدون استئصالها والقضاء عليها حتى يسلم لهم فصل المسلمين عن أنفسهم وتاريخهم وبذلك يصبحون قطيعاً وراء كل ناعق.. وقد كان.
* ولن يستقيم للمسلمين أمرهم وترد إليهم مكانتهم وعزتهم إلا بإصلاح جذري كامل يستهدف تغيير العقلية الإسلامية، حيث ترتكز على الإيمان بالإسلام قولاً وعملاً، ويستنير بهدي القرآن والسنة في كل شأن من شؤون الحياة، وتكون أجيال هذه الأمة حلقات في سلسلة واحدة منذ محمد ﷺ إلى أن يقاتل آخرهم الدجال.. ولابد أن يشمل هذا الإصلاح توافر الحياة كلها، وهذه المقالات محاولة للإصلاح السياسي الذي هو بمثابة الرأس في الأمة والذي يجب أن يتجه الإصلاح إليه قبل كل شيء فصلاح الراعي لصلاح الرعية، ونحن نرى أن إصلاح السياسة يكون بتقديم النصح للولاة، ووزن أعمالهم بميزان الكتاب والسنة وهما الحكم على كل شيء لأنهما معصومان، ولأن هذه الشعوب شعوب إسلامية تنتمي إلى الإسلام، ويجب أن تساس وفق مبادئه وعقائده، ومن حق هذه الشعوب أن تعلم الحق في أخطر قضاياها وهي القضايا السياسية حتى لا تقاد كما تقاد السائمة ليس لها من أمرها شيء، بل من حقها أن تستشار وتسأل عن إبرام أي شيء.
وقد كان لهذه المقالات التي نشرت تباعاً في مقالات
стр. 3
أسبوعية بعنوان "منبر الجمعة" في جريدة الوطن الكويتية أثر بالغ بحمد الله وتوفيقه في كشف كثير من قضايا السياسات الملتوية لأعداد هذه الأمة، وفي تبصير كثير من أبناء الإسلام بالسياسة الواجب اتباعها في هذه المرحلة الراهنة من حياة الأمة، ويأتي نشرها في كتاب تحقيقاً لفائدة أعظم والله نسأل أن يكون عملنا هذا خالصاً، وأن يوفقنا في جميع أعمالنا إلى ما يحبه ويرضاه.
١٢ربيع أول سنة ١٣٩٨هـ
الموافق ٢٠فبراير سنة ١٩٧٨م
عبد الرحمن عبد الخالق
стр. 4
الدين والحياة
مازال كثير من الناس يطلق كلمة "الدين" على أمور التعبد والتقرب كالصلاة والصيام والزكاة والحج ولا يعلم أن التعبد هذا جزء من الدين، وليس الدين كله، فالدين عند الله هو الإسلام، والإسلام هو الانقياد والإذعان لله في كل أوامره ونواهيه، وقد شملت أوامر الله ونواهيه لنا الحياة بأسرها، فليس من شأن من شؤون حياتنا إلا ولله له فيه حكم، فحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد وضع الله لنا أصول التعامل فيها، وفصل بعض جوانبها تفصيلاً كاملاً، وإن كانت بعض جوانبها قد أجملها، وترك لنا التفريع والابتكار والتجديد، وهذه النواحي أعني الاجتماع والاقتصاد والسياسة هي أهم أمور البشر على ظهر هذه الدنيا وما كان الله ليتركها عبثاً أو سدى أو للتخبط والتجريب، وقد جهل الناس أحكام هذه الجوانب من جراء إزاحة الإسلام عنها واستبدلوا بأحكام الإسلام فيها أحكاماً أخرى من صنع البشر لاقى الناس منها الظلم والويلات.
ونحن بجهدنا المتواضع ومن هذا المنبر سنحاول جاهدين بحول الله وقوته جلاء أحكام الإسلام، في هذه الجوانب المهمة من جوانب حياة الناس، وليكون هذا إسهاماً في إعادة الإسلام
стр. 5
إلى هذه المواقع التي أزيح منها بفعل الاستعمار والجهل وسنرى أننا بالإسلام نحيا الحياة الحقيقية التي ملؤها الحرية والسعادة والعزة، وبدونه نحيا حياة أشبه بحياة الأنعام والدواب، وصدق الله القائل: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ .. فالكافر والغافل ميت والمؤمن حي لأنه عرف ربه وعرف سبل السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
стр. 6
فلنسم الأشياء بأسمائها
الأسماء هي العناوين التي نطلقها على المسميات ومن خلالها نتعرف على ما أطلقت عليه، فإذا سمعنا -مثلاً- لفظ الشجاعة فإننا نتصور في عقولنا صفة حميدة تعني الإقدام والجرأة، ورباطة الجأش، وعزيمة القلب، وإذا سمعنا لفظ الخيانة تصورنا معنى واضحاً محدداً، فإذا قلنا إن فلاناً شجاع وقع في نفوسنا إنصاف هذا المذكور بهذه الصفة، وهكذا في كل ما يوصف به الأفراد والأشياء، والمقصود إننا نتعرف على الأشياء من خلال الأسماء التي نطلقها نحن عليها، فما بالكم إذا أطلقنا أسماء مغايرة تماماً للمسميات التي نقصدها، فنطلق مثلاً على النار لفظ الماء وعلى البارد لفظ الحار، عل الخيانة لفظ الظرافة (وخفة الدم) ، وعلى الشجاعة لفظ التهور والجنون، لا شك أننا سنعيش في فوضى لا حد لها، بل سنعيش في عالم مختلط مضطرب.
* وهذا الذي افترضه ليس فرضاً بعيداً، وإنا هو واقع نمارسه الآن ونعيشه، إننا نعيش الآن عصراً يصح أن نسميه عصر فوضى الأسماء، فلست واجداً شيئاً قد تسمى باسمه -الذي يجب أن يتسمى به- إلا القليل النادر وهاكم البيان:
إذا طالعنا قاموسنا السياسي بكل ألفاظه المتداولة بين
стр. 7
أيدينا وجدنا أنها موضوعة في غير مواضعها ومنطوقة على غير معانيها وفي غير أماكنها، فالهزيمة المنكرة نكسة والهاء الشعوب ترفيه، والاستبداد حزم، وإفساد الناشئة تربية، ومحاربة الفساد تعني في هذا القاموس قمع الذين يأمرون بالقسط والعدل من الناس والكذب والخيانة سياسة وذكاء.
ألسنا يا قوم نسمي الإذعان للعدو والاستسلام له والرضى بالذل حلاً!! وسلمياً أيضاً، وقد نتصافح فنسميه صلحاً، والحال هذا لا يجوز أن يسمى حلاً ولا سلماً، ولا صلحاً ولا شيئاً من هذا أصلاً، والمثال واضح وسهل، فأنت لو جاءك عدو فلطمك على وجهك وأخرجك من منزلك الذي تملكه، ثم أراد منك أن توقع أمام الناس وثيقة تثبت تنازلك عن دارك، وفعلت هذا الذي أراده ثم قابلت الناس فسألوك عما صنعت مع عدوك فقلت لهم: تصالحت معه، وحللت قضيتي معه سلمياً.. لضحك الناس منك (وهنأوك على شجاعتك) آسف لوبخوك على جبنك هذا إذا لم تكن لك مقدرة على إخراجه، وأما إذا كنت قادراً على إخراجه وقلت ذلك لبصقوا في وجهك ولعجبوا من وقاحتك.
وحالنا مع أعدائنا من اليهود ليس بعيداً عن ذلك، فهم مغتصبون والذين أخرجوا من ديارهم وملكها اليهود بعدهم لم يموتوا بعد، ونحن إما أن نكون غير قادرين على إخراجهم فمن (العبث) أن نقرهم على الباطل وآسف لاستعمالي كلمة العبث وهي والله كلمة في غير موضعها!! وأما أن نكون قادرين على إخراجهم.. فهل نسمي ما نفعله الآن معهم سلماً وصلحاً وحلاً.. حرام عليكم لا تظلموا الكلمات.
وإن تركنا القاموس السياسي وجئنا إلى قاموسنا الاجتماعي وجدنا العجب: هذه التفاهة التي تطالعنا كل يوم
стр. 8
على صفحات الجرائد من أن فلانة أعدت العدة لاستقبال زوجها، وتلك احتفلت ودعت الصديقات لأنها عزمت على مذاكرة دروسها، والثالثة عزمت على تغيير فراش بيتها وذلك الطرطور دعا الأصدقاء ليهنئوا زوجته بعيد ميلادها، كل هذا ومثله كثير يقزز النفس كان ينبغي أن يوضع تحت عنوان: أخبار التافهين والتافهات، وهكذا وجدنا في مصطلحنا الاجتماعي الدياثة (وتعني رضا الرجل بالفاحشة على أهله) رقياً وواقعيه، والخيانة في الأهل والمال صداقة وزمالة، ووجدنا ويا لداهية!! كل هذا الخنا والفجور والتفاهة في التأليف والتمثيل والإخراج فناً، وكل أولئك التافهين والتافهات أبطالاً.. أرثي لهذه الكلمة (البطل) كيف رضيت بأن توضع في غير موضعها.
وإذا جئنا إلى قاموسنا الديني فالعجب لا ينقطع فالتمسك بالإسلام أضحى تعصباً، والكفر بكل ما جاء به الرسول أضحى تطوراً، ورد أحكام الله والتعقيب عليه أمسى تفكراً وتعقلاً، ولفظ المسلم يدل على كل هذا السقط من الناس الذي لا يعرف ولا يعمل ولا يؤمن بإسلام أصلاً، وأما الكفر فهو عتقاء مغرب (شيء لا وجود له) في كل بلاد الضاد والحال أنه يطالعك مجسماً أينما توجهت، وهل الكفر إلا رد الحق بعد بيانه؟
وهؤلاء الذين يتأكلون بالدين، ويقولون على الله ورسوله ما لم يقله الله ورسوله، ويفتون كل إنسان بما يشتهي، ويلوكون كلمات يرددونها كالببغاوات بلا فقه ولا عمل نسميهم -زوراً- علماء الإسلام.
قال أحد الصحابة في عهد بني أمية: لو خرج رسول الله ﷺ لم يعرف مما كان يعهد شيئاً إلا أنكم تصلون جميعاً، فكيف لو خرج رسول الله الآن، هل تجد شيئاً من دينه
стр. 9
بقي كما هو، بل هل تجد حقيقة شرعية واحدة يفهمها الناس كما أراد هو لا كما فسروها أولوها وأطلقوها في غير موضعها؟
نحن مهددون باندثار حضارتنا لأننا زيفنا أعظم عملة نتعامل بها وهي الكلام، وإني لأعجب والله كيف نثور ونغضب ونسجن من زيف دينارا وغاية ما فعل أنه سرق من جيب الأمة ديناراً، ولا نثور ونغضب ممن يزيف الكلام وقد يكون في تزييف كلمة واحدة هلاك أمة بأسرها، وقد شرحنا هذا آنفاً، فأعد قراءة المقال، كلنا يشكو من الفوضى وما ذلك إلا أننا ألبسنا اللص لباس الشرف، وأعطينا المغتصب حق الملك، وخلعنا على الديوث لباس العصر وجعلنا كل التافهين أبطالاً، وكل المتشبهين رجالاً وكل الذين خانوا أمانة العلم علماء، وكل الذين باعوا أمتهم وأوطانهم قادة وزعماء فماذا بقي لنا؟! بقي أن نعيد ترتيب اللغة من جديد، وأن نتعلم من الصفر كيف نسمي الأشياء بأسمائها.
١٤ ديسمبر ١٩٧٦م.
стр. 10
لماذا يظلم الإنسان أخاه ؟
كان عجباً أن يقص الله علينا في كتابه أن أول أخوين عاشا على ظهر هذه الأرض قتل أحدهما الآخر عندما تعارضت مصالحهما، إذ يتصور من لا يعرف النفس البشرية -حق المعرفة- أن الأخ يفي أخاه بما ملكت يداه، وأنه لا يتصور أن يؤثر أخ شقيق منفعة مادية مهما عظمت على أخوة أخيه وبقائه بجواره وبخاصة إذا لم يكن في الأرض غيرهما، ولكن هذا حدث ولذلك رتب الله على هذا شريعة القصاص ليكون هذا مانعاً من الظلم، فالحدود جعلها الله إذن زواجر عن الظلم والإثم والعدوان، وعلى كل المسلم مدعو أولاً إلى أن يعرف حق أخيه الإنسان، وذلك للاشتراك في الأصل الواحد والرب الواحد، وأعني بالرب هنا الخالق ، وهذا لا يمنع أن للمسلم حقوقاً أخرى غير الحقوق الإنسانية وذلك للاشتراك في الغاية والهدف الواحد.. وهذه الحقوق الإضافية للمسلم على المسلم لا تتنافى مع الحقوق الإنسانية، ولذلك أمر المسلمون بالعدل مع أعدائهم كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ الآية، والعدل المأمور به هنا هو العدل مع
стр. 11
الأعداء الذين يبغضهم المسلمون وقد يحملهم بغضهم لهم على ظلمهم فنهاهم الله عن ذلك.
واليوم يتناسى المسلمون هذه الآداب، بل يهملونها وتتحول مجتمعاتنا دون وعي منا إلى مجتمعات تختفي منها الرحمة تدريجياً، ويحل مكانها الظلم والعدوان، أو على الأقل الغفلة والنسيان: الغفلة عما يعانيه الآخرون بسبب غرورنا وجشعنا، وحبنا لأنفسنا، وأثرتنا.
يعاني الناس اليوم ألواناً من الظلم الخفي الذي قد لا يحس به الكثيرون لما أحاطوا به أنفسهم من البهرج والزخرف والأموال والمشاغل:
ظلم التاجر الجشع الذي لا هم له إلا الربح والربح الفاحش عن طريق الاحتكار والتلاعب بالأسواق.
وظلم المالك باستغلال حاجة المحتاج..
وظلم صاحب العمل بامتصاص جهد العامل واستنفاد طاقته، وبخس حقه.
وظلم رب المال بالتسلط والقهر وامتصاص أموال الناس وجهدهم عن طريق الربا والمضاربة.
وإذا كان الرسول ﷺ يقول: [الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] ، فإنه أيضاً قد أمر بالضرب على يد الظالم، ومنعه من الظلم، والحكومة مدعوة للحل الثاني عندما تعجز الكلمات الطيبة والمواعظ الحسنة أن تفعل فعلها في القلوب الصماء.
٥ نوفمبر ١٩٧٦م
стр. 12
أيها الزعماء ... متى ستبدأون الرحلة الجديدة
وإلى أين ؟!
مضت أربع سنوات الآن على حرب رمضان ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣م ورحلة السلم التي قادها الزعماء في هذه السنوات الأربع انتهت إلى فراغ - وهذا في حد ذاته رحمة من الله العلي العظيم، ولقد تغير الوضع في إسرائيل تماماً، وأصبحت الآن من حيث الاستعداد العسكري غير ما كانت، فإذا كان زعماؤنا السياسيون الذين وضعوا آمالهم على السلم وحده، لم يستعدوا للحرب، فإن هذا يعني الكارثة، واليوم علينا أن نبدأ رحلة جديدة فكيف؟ وإلى أين؟..
أظن أولاً أنه لم يصبح هناك مجال لتنازلات جديدة لأن إسرائيل لم تتنازل عن شيء ففلسطين (الجغرافية) اختلت تماماً وأعلنت إسرائيل أنها أرض يهوذا والناصرة، ومعنى ذلك أن شعار (حق شعوب المنطقة في العيش بسلام داخل حدود معترف بها) لا يشمل الفلسطينيين لأنهم في نظر اليهود ليسوا شعباً من شعوب المنطقة!! وكارتر الذي ادعى أنه سيفاوض الفلسطينيين إذا اعترفوا بحق إسرائيل بالبقاء أنبته إسرائيل
стр. 13
تأنيباً عظيماً، وأخبروه بأن منظمة التحرير لا تعدو أن تكون كالمنظمات النازية التي يجب أن يكون مأواها هو السجون والمعتقلات، وسحب كارتر كل وعوده السابقة أو ابتلعها وقد تنبأنا بذلك.
واليوم أهداف إسرائيل واضحة وهي معاهدات جزئية مع كل من مصر وسوريا، يرد لكل منهما جزء من أراضيهما المحتلة في مقابل السلام الدائم ونسيان شيء اسمه قضية فلسطين، وشيء آخر اسمه الفلسطينيين والتكرم بإسكانهم في الدول العربية كمواطنين لا كلاجئين، وتصفية الضفة الغربية أولاً بأول من أهلها.. ولهذا نقول انتهت رحلة السلام إلى فراغ، ويجب أن نفكر في رحلة جديدة؟!
* بالطبع لا يمكن أن نقول بأن قواد الرحلة كانوا يريدون أن يصلوا إلى هذه النهاية، وربما كانوا يعلمونها، وإذا كانوا يعلمونها فلماذا ساروا فيها طيلة هذه المدة.. أربع سنوات.. العلم عند الله.
* نحن الآن أمام رحلتين لا ثالث لهما:
* الرحلة الأولى رحلة إنهاك وإشغال والهاء بمعارك بين الدول العربية الإسلامية تستنفذ فيها الطاقة، ويشغل الناس فيها لا عن إسرائيل فقط، بل حتى عن أنفسهم والنفوس العربية المليئة بالشقوق والأحزان هي أرض صالحة تماماً لهذا وقد تستمر هذه الرحلة سنوات أربع أو خمس حتى تكون إسرائيل قد أقامت هيكلها وأنهت بأسلوب أو آخر وجود العرب في أراضيها وتكون المقاومة في الخارج قد طوقت تماماً، وفقدت مضمونها ومبرر وجودها، وهذا بالطبع إذا لم يتق الزعماء ربهم ويفكروا في حاضر هذه الأمة البائس.
* والرحلة الثانية أن نبدأ بتجميع صفوفنا، ولم
стр. 14
شعثنا ونستعد لتحرير أرضنا استعدادا حقيقيا، وندخل مع اليهود القتلة معركة حياة أو موت نملأ فيها الأرض والبحر والجو على إسرائيل موتاً ودماراً، وهذا الكلام ليس قطعة من خطبة حماسية وإنما هو الحق إذا أردنا الحياة والنجاة، ومازلنا ولن نزال نقول إسرائيل باطل صنعه العرب بأنفسهم.
لقد انتظرنا طويلاً حقاً حتى جرب الزعماء زراعة السلام في أرض إسرائيل التي لا تنبت إلا الحرب والدمار والفساد، وكانت هذه المدة الطويلة كافية لتسترد إسرائيل أنفاسها وترمم جيشها وتبني قوتها بعد أن أشرفت على النهاية ولم يبق إلا التسليم باعترافهم بعد حرب رمضان، ولقد صدقنا في ذلك المخادع كيسنجر، وألقينا ثقلنا مع أمريكا المحكومة بالمعادلات الصهيونية المعقدة وعلينا الآن أن نتخذ قرارنا الجديد من أرضنا ومن داخل نفوسنا، ومن آمال شعوبنا، ومما يمليه علينا ولاؤنا لأمتنا، وقبل ذلك من امتثالنا بديننا الإسلام الذي يفرض علينا أن لا نقبل الذل وأن لا نرضى بالهوان.
* والأمة كلها أمانة في يد من يملكون اتخاذ القرار السياسي، وما الشعوب إلا كركاب في قاطرة أو حافلة يقودها الزعماء، فإما أوصلوهم إلى أهدافهم وغاياتهم، وإما خانوهم وانحرفوا بهم إلى مهاوي الدمار فمتى يا قواد القاطرة ستبدأون الرحلة الجديدة وإلى أين؟!
٢٦ أغسطس ١٩٧٧م
стр. 15
أمانة الكلمة
من أعظم الأمانات التي سنسأل عنها بين يدي الله : "أمانة الكلمة" كما قال : ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ فالإحصاء الكامل لكل ما نطق به الإنسان ومحاسبته عليه إحدى عقائد الإيمان ومسائله التي يجب على المسلم استحضارها وتعظيم شأنها.
والكلمة المكتوبة شأنها تماماً شأن الكلمة المنطوقة، فالكتابة وسيلة لإيصال المعنى المراد إلى الغير شأن النطق تماماً، وقد تكون الكلمة المكتوبة أعظم أثراً وأوسع انتشاراً وأطول عمراً من الكلمة المنطوقة، ولذلك كانت جريرتها -في الإثم- أعظم، وثوابها -في الخير- أكبر وأكثر، كما قال ﷺ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وهل العلم المنتفع به إلا كلمة حفظت بعد موت صاحبها في الصدور أو السطور وتناقلتها الألسنة أو الأقلام.
وكلمة الحق والعدل من أعظم الجهاد والدعوة إلى الله منطوقة أو مكتوبة، كما قال ﷺ : [أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر] ، وطالما كان
стр. 16
لهذه الكلمة الطيبة أثر في الأرض وثمار في النفوس كان لصاحبها أجر بذلك، كما قال : ﴿ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ الآية، وكذلك الشأن في كلمة الباطل والزور كلما عملت إفسادها في الأرض والنفوس كلما ازداد قائلها أو كاتبها إثماً كما قال ﷺ : [ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً] (رواه مسلم) وبعد..
هل الكفر إلا كلمة تسير بصاحبها إلى النار، وهل الإيمان إلا كلمة تفتح الطريق إلى الجنة!
وإذا كان في الناس من يظن أن الكلمة الآثمة التي تلقى على عواهنها لا تضر صاحبها فهو يخطئ، وكذلك لا تنقص أجر الكلمة الطيبة أن صاحبها لم يكن يظن أنها ستبلغ في الخير ما بلغت فقد يرفعه الله بها في الجنة مائة درجة، وهو يوم قالها أو كتبها لم يكن يتصور ذلك كما جاء بذلك الحديث.
وقد يظن بعد هذا الإيضاح بعض الناس أن الكلمة الطيبة التي ترفع صاحبها في الجنة هذا المقدار أمرها هين ويستطيع كل إنسان ملك لساناً أو قلماً أن يفعلها ولكن لنعلم أن من شروط الكلمة الطيبة ما يأتي:
أولاً: أن تكون كلمة صدق، فالزور والباطل والكذب لا يمكن أن يكون طيباً، وما أقل الصدق في أيامنا هذه.
ثانياً: أن يكون صاحبها عاملاً بها فلا يكفي أن نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا والله يمقت على ذلك كما قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ .
стр. 17
ثالثاً: أن يكون المراد من وراء الكلمة هو الله والدار الآخرة، كما قال : ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ ، فقيد الأجر العظيم بابتغاء مرضاة الله سبحانه، هذه الشروط التي نرجو أن نلتزم بها ونوصي إخواننا بالالتزام بها عند بذل كلماتهم، وبذلك نحقق شيئاً من أمانة الكلمة التي كلفنا الله بها.
وبهذا نفسح المجال لتأخذ الكلمة الطيبة طريقها إلى إصلاح القلوب والنفوس والمجتمعات ومحاربة الشر والرذيلة والظلم، وإذا فسح المجال للكلمة الطيبة الصادقة المخلصة فأثمرت العمل الطيب الصالح فإن الكلمة الخبيثة الشريرة الكاذبة يفتضح أمرها ويتوارى أهلها لأنها تصبح بعد ذلك كلمة منكرة معلوم كذبها وزورها.
ونحن في زمان كثر زوره وكذبه وقل صدقه وإخلاصه ولكن الكلمة الطيبة لا يقف أمامها الكلام الخبيث الكاذب، كما قال : ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾ .
عندما عرض على الأخ جاسم المطوع أن أشرف على هاتين الصفحتين المتخصصتين في الشؤون الدينية، علمت أنني أمام مسؤولية صعبة فليس المطلوب الآن هو ملء صفحتين بكلام منسوب إلى الدين أياً كان هذا الكلام، ولكن المطلوب هو تقديم الكلمة الطيبة الصادقة الحكيمة التي تعالج ما تشكوه الآن من آلام وأسقام في هذه الفترة السيئة من تاريخها، ونحن نوجِّه نداءنا إلى أهل الكلمة النظيفة أن يشاركونا هذه المسؤولية، ولن نفسح المجال إلا لمثل هؤلاء ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونبشر القارئ أن وقته لن يضيع سدى وهو
стр. 18
يقرأ في يوم أجازته ما يكتب في هذه الزاوية، بل سيجد إن شاء الله أننا سنلتزم بأمانة الكلمة وسنحافظ جاهدين على شرف هذه الرسالة التي شرفنا الله بحملها وسيتعرف على إخوان له في الله يقدمون له النصح خالصاً ويتقبلون منه كل نقد وتوجيه وسيشاركونه آلامه وآماله في سعادة هذه الأمة وإعلاء شأنها.
٨ أكتوبر ١٩٧٧م.
стр. 19
السلمي.. عبث وسراب
سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه للساعين إلى حل سلمي بين الأمة الإسلامية وبين اليهود أنهم كانوا يركضون خلف السراب، والذي يتبين لهم فيه أيضاً أنهم كانوا عابثين.. وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: المسلمون واليهود أمتان مختلفتان عقيدة ومنهجاً وأهدافاً وسلوكاً، وتقوم كل منهما على تراث طويل من الحقد والكراهية وهذا التراث الطويل المتوارث بمعاهدات صلح فوقية تفرضها دول تنظر فقط إلى تحقيق مصالحها الشخصية الآنية وتبديل هذا التراث في حكم المستحيل، فقد أثبت اليهود لليوم أنهم شعب تراثي يعيش على أحكام التوراة، ويؤمن بأخبارها ويفاوض العالم المعاصر على أساس وعودها وما زال اليهود لليوم يشكلون حياتهم وثقافة صغارهم على أساس هذه العقيدة، وينفخون الحقد الأسود في قلوب أبنائهم للشعوب الإسلامية التي يتهمون أسلافهم بأنهم من أسباب شتاتهم وتشريدهم، وإذا كان اليهود يريدون من الدول الإسلامية أن تتخلى عن تراثها ليستسيغ أبناؤها قبول اليهود في هذه الأرض، فإن اليهود أنفسهم لم يفعلوا ذلك بتراثهم ليشعروا نحو شعوب هذه المنطقة بالأمن والسلام.
والشعوب الإسلامية والعربية خاصة وإن كانوا أقل
стр. 20
من اليهود تمسكاً بالتراث ونزوعاً إلى القديم، فإن العقيدة الإسلامية مازالت حية في نفوس سواد الناس، وهذه العقيدة الإسلامية عقيدة استعلاء فوقية لا ترضى لأصحابها بالذل والدنية ولا تحصرهم فقط في إطار الشعائر الدينية العبادية، وإنما تأمرهم بصبغ حياتهم السياسية والعملية والاجتماعية بأحكام الإسلام وهذه الأحكام تتناقض جذرياً مع الرضوخ لذل اليهود والاستكانة لاحتلالهم والرضا معهم بالذل والعار.. وبالرغم من أن المحاولات مستمرة لصرف الناس عن هذه العقيدة تمهيداً لاستقرار اليهود في هذه الأرض وتوطئة لأمنهم وسلامهم فيها، فإن المشاهد أن هذه المحاولات فاشلة وستفشل وذلك أن التجارب أثبتت أن الأمة الإسلامية تزداد مع التحدي شدة وصلابة، ويدفعها التحدي دائماً إلى الاعتصام بالدين والتمسك به.
هذا وما زال الخلق العربي القديم من الشعور بالنخوة والهبوب لنجدة المظلوم والدفع عن الضعفاء حباً في نفوس أبناء الإسلام من العرب هذا الشعور الذي استثاره الإسلام ونماه كما قال تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً﴾ ، وهذا الشعب الفلسطيني المظلوم المضطهد المخرج من أرضه مازال مثالاً حياً يستثير الهمم العربية ومشاعر المسلمين، والعمل على تبغيض الفلسطينيين لسائر العرب وإيجاد التناقض بينهم وبين إخوانهم، وإن كان قد آتى ببعض ثماره لدى ضعفاء النفوس، فإنه لاشك منته وسائر إلى بوار، وذلك يتكشف الحقائق ولا بد يوماً أن تتكشف..
المهم أن قيام أمتين متجاورتين وبينهما هذا التناقض
стр. 21
العقائدي والفكري والاجتماعي الهائل أمر مستحيل فكيف يرجى أيضاً أن يكون مع هذا التجاور سلم وصلح وسلام!!؟ الذين يظنون إمكان هذا في عالم الواقع يعيشون في غيبوبة كاملة عن الواقع، ويناقضون حركة التاريخ وأخلاق الأمم.
ثانياً: لا يقف المسلمون واليهود على هذا التراث الهائل من الكراهية والحقد والتناقض فقط، وهذا أمر ماض ربما نقول فيه كما قال كيسنجر: "اللي فات مات"، وإنما الأهداف (المستقبلية) للأمتين تختلفان وتتناقضان تناقضاً جذرياً، فبينما يسعى المسلمون بعد التمزيق الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى والثانية إلى جمع شتاتهما وإيجاد نوع من الوحدة والتناسق بين الأقاليم المختلفة وبروزهما كقوة محايدة بين القوى العالمية المتنازعة وإحياء دورهم التاريخي الذي اختارهم الله بأن يكونوا أمة مهتدية هادية تعدو إلى الله ، أقول بالرغم من وضوح هذه الأهداف في حث أبناء الأمة الإسلامية وسعيهم إلى ذلك فإن الأمة اليهودية تسعى بما لديها من قوة لتكون هي القوة الثالثة في العالم في هذه المنطقة ولتكون سنداً وامتداداً لقوة أمريكا واصبعاً ومخلباً لها في هذه الأرض، ولتعيش على ثروات هذه الأمة وتستغل تناقضها وتمتص جهدها وقوت أبنائها ولتشفي غيظها من حقدها التاريخي نحوها، وما التوسع اليهودي الدائم والاستيطان الدائم، واستجلاب اليهود من كل مكان في الأرض نحو فلسطين إلا بدايات لهذه الأهداف التي يسعى اليهود إليها، فكيف تتجاور أمتان وتتصالحان وينشأ بينهما صلح وسلام، وهما تحملان هذه الأفكار والأهداف للمستقبل؟!
وأخيراً فالوهم الكبير الذي يريد الساسة وضع الأمة فيه أصبح مكشوفاً لكل ذي عينين، والإصرار على بث هذا
стр. 22
الوهم وزرعه في النفوس إصرار على الخطأ، ويجب على الأمة أن تصحح مسارها من جديد وأن تسعى حثيثاً إلى الوحدة والعزة والقوة، وإخراج الرجس من هذه الأرض الطيبة المباركة، وهذا هو المنطق الصحيح والحركة الصحيحة للتاريخ، وأما ما سوى ذلك فوهم وباطل.
٣٠ سبتمبر ١٩٧٧م
стр. 23
من ذا الذي يستطيع أن يعبر فوق هذا التراث
الحرب والصراع بين المسلمين واليهود حرب وصراع أبديان وجدا منذ بدأت الدعوة الأولى إلى الإسلام، وسيستمران طالما بقي مسلم يؤمن بالقرآن، ويهودي يؤمن بالديانة اليهودية ويصدق بوعودها.
وإذا كان قد مرت فترات من الزمن هدأ فيها هذا الصراع، وكان هناك سلم وأمان، فذلك حيث تكون الكلمة العليا لله، واليد العليا للمسلمين، وأما في اليوم الذي تكون فيه اليد العليا، والكلمة العليا لليهود فهم كما قال الله تعالى: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة﴾ ، بل أعملوا التقتيل حقداً وكراهية وبقروا البطون وقتلوا النساء والأطفال وحشية وهمجية.
وعلى كل حال فليس المسلمون وحدهم هم الذين حملوا حملاً ودفعوا دفعاً إلى قتال اليهود وقتلهم، فكل الشعوب والأمم الذين احتكوا باليهود وعرفوا مكرهم وخبثهم حاربهم اليهود وقتلوهم، وأذلوهم، وإذا كانت النازية تتهم بإبادة عدد منهم، فما فعله اليهود بألمانيا قبل وبعد هتلر أضعاف أضعاف ما فعله النازيون بهم.
стр. 24
والمسلمون هم الأمة الوحيدة الذين نعم اليهود في رحابهم بالعدل والمرحمة مع معرفتهم لمكرهم وخبثهم، وأما الشعوب الأخرى فإنهم ما كانوا يكادون الوقوف على مكرهم حتى يعملوا فيهم الإبادة والتقتيل والتشريد.
وإذا كان اليهود ينعمون في عالم اليوم بالأمن والتأييد من دول المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، فإنما هو إلى حين، وذلك أن إجادة التباكي من اليهود على المآسي القديمة التي حلت بهم وإتقان التخفي والحيطة والحذر والظهور بمظهر الحملان الوادعة كل هذا لن يدوم طويلاً، وقد بدت تباشيره الآن بين الشعب الأمريكي والشعوب الأوروبية بصرف النظر عن موقف هذه الحكومات التي لا يصل رؤساؤها إلا مناصبهم إلا على أجنحة الدعاية اليهودية وأموال المؤسسات اليهودية، ولا يبقى وزراء هذه الدول في مناصبهم إلا بالحيل اليهودية والتسهيلات الصهيونية التي جندت النساء والأموال واشترت الذمم والضمائر في وقت انعدم فيه الضمير والذمة، ومع كل هذا فحبل الباطل قصير، والكذابون الغشاشون لا بد وأن يظهر الله كذبهم وغشهم.
واليهود الذين يكنون للعالم كله حقداً أسود تراكم في صدورهم عبر القرون، ويحملون في رؤوسهم أفكاراً يؤمنون بها، وهي أنهم شعب الله المختار، وأمته المحبوبة المباركة، وينتظرون المسيح المخلص الذي يضع العالم كله تحت أقدامهم، وبنو البشر جميعاً عبيداً لهم، يعملون لهذا بكل ما أوتوا من قوة، وإذا كانوا يمدون إلينا نحن المسلمين اليوم يداً ملطخة بدماء الأبرار منا، ويطلبون العيش الآمن والسلم الدائم، في أرض نجسوها بدنسهم ودقوا أوتادهم فيها على عظام شهدائنا والمخلصين من أمتنا، فإنهم لم يطلبوا سلماً طيلة حياتهم وتاريخهم وإنما طلبوا الحرب بكل سبيل، وما
стр. 25
طلبهم السلم الآن إلا خدعة كالخدع التي سلفت من قبل، ومتى سالم اليهود غيرهم حتى يسالمونا؟ متى سالموا الناس؟.. ولا يعرفون إلا الضحك على غيرهم والاستهزاء بهم واقرأوا إن شئتم ما فعلوه ويفعلونه الآن بالعالم في كل مكان يحلون فيه.
هذا التراث الأسود الذي يقف اليهود عليه ويجابهون به هذه الأمة، وتراث أمتنا المليء بالمرحمة والانصاف وكذلك بالشهداء الأبرار الذين سقطوا بنيران غدر اليهود وخياناتهم وهذه الحضارة الإسلامية الشامخة بقوانينها في العدل والمرحمة والأخذ على يد الظالم، وقتال أهل البغي والفساد، وحضارة اليهود بكل ما فيها من حقد وغدر هذا وذاك ضدان لا يلتقيان.
قال صديقي وهو يتألم مما يسمع من أناشيد السلام المعسولة التي يتبادلها العرب واليهود، والشروط المطروحة لسلم مزعوم كيف يحصل السلام مع اليهود وقد فعلوا كل هذا؟
فقلت: هوِّن عليك يا أخي فإن الفرد الذي يستطيع أن يعبر فوق هذا التراث لم يولد بعد! ولن يولد قط!
١٠ ديسمبر ١٩٧٦م
стр. 26
أي إسلام تريدون ؟
الإسلام المستأنس؟ أم إسلام الخوارج؟ أم إسلام الكتاب والسنة؟
* لأن الإسلام من عند الله الذي لا يحابي أحداً، ولا تكريم عنده إلا للتقي، ولأن التقوى منزلة عزيزة المطلب، ولأن السلطان بيد البشر، ولا يتخلص إلا القليل منهم من نوازع نفسه وحب ذاته، ولأن الآية والحديث سيف في يد قائلهما.. بكل ذلك كان لابد للسلطان الذي يحكم الهوى أن يستأنس إسلاماً يسانده في سلطانه، ويحقق منافعه ويستخدمه سلاحاً ضد أعدائه.
وعملية استئناس الإسلام عملية قديمة قدم الانحراف عن منهج الكتاب والسنة، وستستمر ما بقي سلطان في الأرض يحكم بالإسلام اسماً، وبالقرآن رسماً، وبالمصالح والأهواء عملاً وواقعاً.
والإسلام المستأنس إسلام عجيب، يتلون بلون السلطان ويلبس جلبابه، ويحمل صولجانه وأختامه، فإذا كان السلطان يطبق النظام الشيوعي كان الإسلام المستأنس شيوعياً، وإذا كان النظام اشتراكياً كان كذلك، وأصبحت لا ترى ولا تسمع إلا أحاديث المساواة
стр. 27
وآيات الإنفاق، وإذا كان السلطان يطبق النظام الرأسمالي بكل احتكاراته وظلمه وغشمه لم تسمع إلا: [إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام] ، و ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ ، وإذا كان السلطان يعادي اليهود كانت الأبواق تنادي بأنهم شر الخلق والخليقة، وأن الله لعنهم ومقتهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأما إذا كان يدعو إلى سلمهم والصلح معهم كان اليهود هم أبناء العم وأهل الإيمان وكانت السياسة ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، وكان اليهود هم الذين قال الله فيهم: ﴿وإني فضلتكم على العالمين﴾ .
وباختصار الإسلام المستأنس هو إسلام السلطة التي ترى لزاماً عليها أن تستأنس رجالاً يتزينون بزي الدين فينقذونهم حيث يريدون، ويسكتونهم حيث يشاؤون، ويصنع هؤلاء لهم من الفتاوى ما يناسب أذواقهم وأهواءهم ويفصلون لهم من الدين أثواباً على قياسهم.
وفي مقابل هذا الانحراف يقوم رجال آخرون يغلق عليهم الفهم وتتشابه أمامهم النصوص، ويظلم أمامهم الواقع ويرون مجافاته للدين فيخرجون على المجتمع برمته ويكفرون الناس إلا أنفسهم، ويلجأون إلى المغارات والفلوات ويجابهون الناس بما في أيديهم من سلاح.. والفكر الخارجي فكر قديم نشأ في المسلمين عندما اختلفوا ووقع السيف بينهم، وأشكل على كثيرين معرفة الحق والصواب فقالوا بكفر علي ومعاوية، ومن معهما وضربوا بسيوفهم في كل واد.
واليوم حيث تتشابك السبل، وتتشابه النصوص، وتقل المعرفة، ويستأنس علماء الإسلام بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى ويصنع لكل سلطان في كل بلد جبة إسلامية تناسبه في الشكل والموضوع يخرج الفكر الخارجي
стр. 28
من معاقله فنسمع عن "جماعات التكفير والهجرة" وعلى شاكلتها كثير..
* وإسلام الكتاب والسنة ليس هذا ولا ذاك إنه إسلام مهتد ينطق بالحق ولا يبرر الواقع، ويصدع بالنص كما يريده الله ورسوله ولا يلوي عنقه ليوافق أهواء الناس، وصولجان السلطان، إسلام الكتاب والسنة هو الإسلام الكامل الذي أنزله الله لا يجامل أحداً، ولا يركبه أحد، وذلك أن حاملي هذا الإسلام عفروا جباههم لله فأعزهم وتواضعوا له فرفعهم، وأخلصوا نياتهم فأشرقت قلوبهم بنور الوحي فعرفوا طريقهم، وعظموا الله فدل كل جبار في أعينهم، وتواصوا بالمرحمة فعلموا الجاهل، وأرشدهم الحائر وصبروا على إساءة الظالم طمعاً في هداية الخلق ورغبة في ثواب الخالق، فأي إسلام تريدون؟!.
стр. 29
لا حضارة دون سلاح
نعلم أن صوتنا نشاز في معزوفة السلم التي باتت تعزفها وسائل الإعلام العربية من المحيط إلى الخليج، هذه الوسائل التي باتت تصور الصلح والسلم مع إسرائيل على أنه المفتاح السحري الذي سينهي جميع مشاكلنا والبلسم الشافي لكل جروحنا وآلامنا.. فهو الذي سيخرج مصر من ضائقتها الاقتصادية، وهو الذي سيوفر نقود النفط التي تذهب "هدراً" في شراء السلاح وهو الذي سيقضي على المشاكل الداخلية، وهو الذي سيبني منا أمة عظيمة تضارع أمريكا واليابان، وهو الذي سيجعل حكوماتنا تنصرف إلى بناء الاقتصاد والمساكن و.. الخ.
وهذا الكلام يشبه تماماً من يقول إن الشمس لا تشرق، ولا يوجد شيء يسمى الليل، والقمر أكذوبة، أو هو كمن يقول إن السم يقوي العضلات ويقتل الجراثيم من الجسم، أو هو كمن يقول: غداً سترى الذئاب والخراف في مكان واحد، وسيمرح الفأر مع القط، وستختفي الحروب من العالم، وسينسى الروس والأمريكان صراع البقاء الذي يمارسونه في الأرض والسماء.
أقول إن الذي يقول لنا ألقوا السلاح واصطلحوا مع اليهود واهتموا بالاعمار تماماً كالذي يريد أن يحول طبائع
стр. 30
الأشياء ويبني عالماً من الوهم والخرافة والغباء.
فصراع البقاء فوق هذه الأرض باق ما بقي الإنسان والظلم على سطحها باق أيضاً ما بقي الإنسان وليس هناك وقت ازداد فيه الصراع وفقد الناس كل مقومات العدل والمرحمة كالعالم الذي نعيشه اليوم، فالشعوب اليوم أكثر استعباداً وأقل حرية وأعظم هموماً، والمعارك مشتعلة في كل مكان، فبين الدول الغنية وبين دولنا الفقيرة حرب هدفها استنزاف الموارد وإبقاء الفقير فقيراً، وهو استعمار أشد خبثاً ودهاء من الاستعمار السابق، وبين الشيوعية والرأسمالية صراع، وبين الدول الشيوعية بعضها بعضاً صراع، ونحن في بلادنا العربية الإسلامية تحيط بنا الأطماع من كل جانب، ويطمع في ثرواتنا كل طامع.
وإذا كنا حقاً جادين في بناء حضارة وصناعة أمة، فليس لنا أمام هذه الأطماع إلا أحد أمرين: إما أن نبني بيد ونحمل السلاح للدفاع عن حضارتنا وبنائنا باليد الأخرى، وإما أن نوكل السلاح لغيرنا وندخل تحت مظلة أمريكية أو روسية، وبذلك نعيد عهود الحماية البريطانية والفرنسية، وليس أمامنا غير هذا، فأي طريق سنسلك؟
وأما القول بأننا نستطيع أن نبني ونعمر أرضنا دون حماية من سلاحنا أو سلاح غيرنا، فهو قول غبي ساذج، أو هو قول خبيث لا يريد أصحابه إلا أن يقودونا به إلى الجزار الذي يقطع رقابنا ويمص دماءنا.
أموال السلاح لا تذهب هدراً، لأننا بها نحمي أنفسنا في عالم متصارع متقاتل يسعى إلى الحرب أضعاف ما يسعى إلى السلام، واليهود الذين جعلوا السلم والصلح معنا نهاية آمالهم، وغاية أحلامهم ينفقون أكثر من ثلث ميزانيتهم في
стр. 31
شراء السلاح والعتاد، وهم العدو الأول المغروس في جسدنا، وهم أيضاً ليسوا العدو الوحيد والأخير في مسلسل أطماع الطامعين في هذه البقعة من الأرض، وإذا كان يقل كاهلنا شراء السلاح فلماذا لا نبني المصانع ونستثمر أموالنا في هذا السبيل، فالسلاح أهم سلعة في العصر الحاضر وها هي الدول التي كانت بعيدة عن الحرب ومشاكلها من أمثال سويسرا طلقت صناعة الساعات لتصنع الأسلحة وتبيعها، فالصناعة الحربية هي أكبر الصناعات كسباً ورواجاً في الوقت الحاضر فما الذي يمنع حكوماتنا من إقامة صناعة حربية متطورة؟
المهم من كل هذا هو أن نعلم أن الذين يوهموننا بأننا إن تركنا السلاح بنينا حضارتنا مخطئون فلم تقم حضارة في الأرض دون سلاح، أما سلاح أبناء هذه الحضارة، وأما سيوف غيرهم ممن يعيشون تحت مظلتهم ولا أشك أن أي مسلم لا يرضى بأن يعيش في حماية مظلة روسية أو أمريكية ونحن أمة نحمل من مقومات الحضارة ما يجعلنا خير أمة على الأرض: المقومات المادية والمقومات المعنوية والخلقية وهما دعامتا أي حضارة في الأرض، فالموقع الممتاز والخيرات التي لا تحصى والرجال الأكفاء الشجعان وسائر المقومات المادية متوفرة لدينا، وأما المقومات الخلقية فهذا ديننا الناس جميعاً في حاجة إليه في وقت وصل فيه الناس إلى طريق مسدود من الشقاء بالمادة والبحث عن الهدف والغاية والضلال والحيرة، وعندنا الجواب لكل مشاكل العالم المعقدة ولكننا وللأسف في عماية عنه.
ولا نحتاج إلى بناء حضارتنا واسترداد ما ضاع من شرفنا وعزنا ألا بإخلاص أولي الأمر فينا لهذه الأمة وعودة
стр. 32
شعوبنا إلى هذا الدين الذي جعلنا على مدى القرون السابقة خير أمة أخرجت للناس.
كان أولى بالذين يقولون لنا: ألقوا السلاح ودعوا المعارك أن يأمروا أهل الثراء منا بجلب أموالهم إلى أرضنا وبالتجارة في السلاح بدلاً من التجارة في الفساد واللهو، كما أولى بهم أن يقولوا إن الأموال التي هدرت على موائد القمار في لندن، وعلى بيوت الفساد والدعارة، وعلى مجلة (بلاي بوي) التي أنقذتها أموال النفط، أقول كان أولى بالداعين إلى الصلح مع اليهود أن يضربوا على أيدي هؤلاء السخفاء ويصادروا هذه الأموال التي تهدر في بلاد الغرب لنبني سلاحاً في بلادنا، ولكن يبدو أن الداعين إلى السلم لا يحبون إلا أن تكون أمتنا كذلك.
٢٨ يناير ١٩٧٧م
стр. 33
هل أنت واقعي ؟!
من أخطر المصطلحات السياسية المستعملة الآن لفظ "الواقعية" وهذا اللفظ يستخدمه مروجوه في مقابلة "الخيالية" والجري وراء الأحلام والعواطف، وكان هؤلاء المروجين لهذه اللفظة يريدون أن يقولوا لقد سار العرب في سياستهم السابقة بالعواطف والأوهام والآن لابد وأن يكونوا "واقعيين" ويعالجوا أمورهم الواقعة الحادثة بدلاً من الجري وراء أمانيهم وأحلامهم الكاذبة، ويهدف إلى أن إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة ولا بد من التعامل معها على هذا الأساس وفكرة تدميرها، أو إلقائها في البحر كما كان يُقال فكرة خيالية ومن العبث الجري وراءها.
وهذا القول هو من الحق الذي يراد به الباطل فلا يجحد الواقع أصلاً غير مجنون معتوه، ولكن الناس بإزاء الواقع السيء ينقسمون إلى قسمين: قسم يرضى بهذا الواقع السيء ويستكين له، وقسم آخر يعمل على تغييره وإزالته ولكن اللفتة البارعة لدعاة الواقعية إنما كانت في صرف نظر الناس عن المستقبل وتركيزها إلى الوراء دائماً، وبهذا قطعوا الأمة عن آمالها المستقبلة وأشغلوها في مشاكلها الحاضرة.
كان هم الناس صغيرهم وكبيرهم قبل عام ١٩٦٧م هو إزالة إسرائيل وكان هذا شغلهم الشاغل من أجل هذا الأمل
стр. 34
أزيلت عروش الملوك، ونصبت عروش الرؤساء وعلى هذا الأمل قامت الثورات وهي لا تحمل من شعار إلا هذا الشعار.
وبالرغم من أن إسرائيل كانت حقيقة واقعة فإن الاستجابة لهذا الواقع والرضا به كان معدوماً مفقوداً، وبالرغم من هزيمتين مني بهما العرب سنة ١٩٤٨م و ١٩٥٦م.. ولكن اللفتة البارعة لشياطين الإعلام وأبالسة السياسة تحققت بعد عام ١٩٦٧م حيث تحول نظر الناس عن آمالهم المستقبلية بأمر جديد وهو (إزالة آثار العدوان) لقد كانت هذه الكلمة المنتقاة المختارة "ضرب معلم" صرفت الناس عن النظر المستقبلي المتوافق مع آمال الأمة وأحلامها إلى النظر للوراء.. ومنذ هذا الوقت للآن والأمة تنظر إلى الوراء، ولا نجد الفرصة لتنظر إلى المستقبل، بل لا تجد أصلاً وقتاً للتفكير فيه وذلك بالحركة الدائبة والتشويش الدائم والبلبلة الدائمة.
وبالرغم من أن حرب رمضان سنة ١٩٧٣م كانت نشازاً عن محاولة الإقناع الدائم بوجود إسرائيل وبقاء إسرائيل والرضا بواقع إسرائيلي، وذلك أنها أنعشت آمال المسلمين بتحقيق حلمهم التاريخي بإزالة إسرائيل، بل كان هذا الأمل قاب قوسين من تحقيقه باعتراف اليهود أنفسهم فإنه سرعان ما أحبطت آثارها في نفوس المسلمين ووضعت هذه الحرب مع نتائجها قهراً وقسراً لتكون جزءاً من العمل على إزالة آثار العدوان وبذلك ظهرت هذه الحرب نشازاً في كل شيء وكأنها فلتة من فلتات التاريخ و (غلطة) من (غلطات) السياسة وبدلاً من أن تكون خطوة نحو الهدف الأعظم أصبحت خطوة نحو الوراء.
مشكلتنا نحن العرب ليس في أننا لا نرى الواقع، ولكن في أننا لا نحب أن نفكر في المستقبل، وقطع الصلة بين الواقع
стр. 35
والحاضر والمستقبل سيودي بنا في النهاية إلا أن نعيش ولا نرى إلا الماضي وهذه هي مشكلتنا فليس هناك واقع في الحقيقة لأنه لا يوجد إلا زمنان فقط مستقبل وماض، وذلك أنك إذا جزأت أجزاء الزمان إلى لحظات أو ثوان، ستجد أن أمامك ثانية ستبدأ وخلفك ثانية قد انتهت، وليس هناك حاضر أو واقع، فكل ما وقع قبل لحظة فهو زمن ماض وكل ما سيقع بعد لحظة فهو زمن مستقبل، والواقعيون أرادوا صرفنا عن المستقبل وإدارة وجوهنا إلى الماضي فقط فسموه بالواقع، وجعلوه في مقابلة الخيال والأحلام، وبهذا تمت لهم أكبر عملية تزوير في السياسة واللغة وابتدأ بحثنا واجتهادنا كله منصباً على الماضي ماذا حدث وكيف يمكن علاجه، ونادراً ما نجد من يقول ماذا يمكن أن يحدث وما يمكن فعله إن كان خيراً.. وكيف يمكن تلافيه إن كان شراً.
وهكذا أصبح شأنناً مع أعدائنا هم يخططون للمستقبل ويعملون له من الآن ولمائة سنة آتية ونحن نفكر في الماضي ولا نزال في شغل به ونركض وراء الأحداث وعيوننا إلى الخلف ونجد أن الأعداء قد حفروا لنا حفرة أخرى فنسقط فيها ثم ننشغل بها مدة وهكذا..
هل نستطيع بعد كل هذه المآسي أن نقف وقفة نراجع فيها حساباتنا الماضية ونضع خطتنا للمستقبل محددين أهدافنا وما نصبو إليه ثم نعمل وفق خطة موضوعة لنصل إلى ما نريد؟
هل نستطيع أن نحقق ذلك في عالم السياسة المضطرب وفي عالم الاقتصاد المتردي..؟ أم ستسمر عملية التزييف والإلهاء.. وإلى متى؟..
نرجو ألا يصل مزيفو هذه اللفظة "الواقعية" إلى
стр. 36
تزييف كل تاريخنا كله وبالتالي تضيع آمالنا وأمانينا في العزة والنصر، ويجب أن نعلم أن إسرائيل باطل واقع وأنها "كانت" بفعل التزييف والتهويش والفرقة، وأنها ستزول عندما نواجه الحقائق ولا نزيفها ولا نضخمها ويوم نعمل لإزالتها متحدين متكاتفين وسيكون هذا إن شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
٢٠ مايو ١٩٧٧م
стр. 37
ما دورنا في لعبة الأمم ؟
* على أكتاف الآخرين استعمر الإنجليز في وقت ما أكثر من ربع المعمورة، وفي أعظم مواجهاتهم مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية جندوا كل الشعوب المستعمرة بجميع أجهزتها وإمكانياتها لحرب الألمان، ودخلت تلك الشعوب المغلوبة على أمرها حروباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولم يكسبوا بعد هزيمة الألمان ونصر الإنجليز وحلفائهم إلا تعزيز السيطرة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية ثم الأمريكية التي أزاحت بعد مدة هاتين الدولتين عن مواقعهما وحلت مكانهما.
ولقد كانت الشعوب العربية جزءاً مهماً من وقود هذه الحروب التي استهدف مؤججوها السيطرة على الضعفاء في هذا العالم، وأتهم كل صوت نادى بالوقوف على الحياد في صراع الذئاب الكبرى بالخيانة والعمالة للألمان ولم يكتف الإنجليزي عندما استعمروا معظم بلادنا العربية بإدخالنا في هذه الحروب، بل جندوا الجنود من أبنائنا للقضاء على جميع الحركات التي قامت من أجل السيطرة الاستعمارية، فقد استخدم الجيش المصري، في القضاء على الثورة المهدية في السودان التي قضت على النفوذ الإنجليزي هناك، وكذلك استخدم الجيش المصري أيضاً في القضاء على أعظم ثورة
стр. 38
إسلامية إصلاحية في العصر الحديث وهي الحركة الوهابية وبذلك تم القضاء على الدولة السعودية الأولى ثم الثانية.
* وهذا اللعب الإنجليزي بالأمم والشعوب ليس بدعاً في التاريخ، وعلى خطاه يسير الآن الاستعمار الأمريكي والروسي، فأمريكا قد جرت معها سبع دول من حلفائها لحرب الفيتناميين، ولم تنسحب من هناك إلا بعد أن تململ حلفاؤها من فقدهم لشبان بلادهم بلا مردود وهذا هو السبب الرئيسي لانسحاب الأمريكيين من فيتنام، وهو أن العنصر البشري الذي يركبون عليه إلى النصر غير موجود، والشباب الأمريكي ليس أهلاً للحرب.
* وفي أفريقيا الآن يعبر الروس إلى هذه القارة على أكتاف الكوبيين الفقراء، وأيضاً على أكتاف الشعب الأنجولي الذي تحرر بالأمس من سيطرة البرتغاليين، ليجند اليوم في خدمة الشيوعيين!! وأمريكا لم تجد من ترسله اليوم لحماية مصالحها هناك إلا الجنود المغاربة المسلمين والجنود المصريين المسلمين.
وهكذا يستطيع الأقوياء في كل عصر أن يجدوا من الشعوب الفقيرة والضعيفة ما يركبونه لتحقيق مآربهم وتحقيق استعمارهم.
* بالأمس اشتركت بعض دولنا العربية فيما سمي بمؤتمر باندونج الذي خرج على الناس بما سمي بالحياد الإيجابي، واستبشر الناس خيراً أن ظهر في العالم قوة ثالثة تقف على الحياد في صراع الدول الكبرى، ولكن سرعان ما تحول هذا الحياد الإيجابي إلى شيء لا حقيقة له، ففي ظله وقعت مصر مع الهند ضد باكستان لتحرم شعب كشمير المسلم من أن ينضم حسب رغبته إلى باكستان. ووقفت
стр. 39
أيضاً مع الطائفة اليونانية ضد الطائفة التركية المسلمة التي كانت تعاني كل ألوان الاضطهاد والظلم والقتل الجماعي، وساندت مصر أيضاً في عهد الحياد الإيجابي هيلاسيلاسي الطاغية ضد شعب إريتريا المغلوب على أمره آنذاك.
* ليس صحيحاً أننا قطع على رقعة الشطرنج الدولية وذلك أننا نستطيع أن نقوم بما لا تقوم به الأحجار الصماء، نستطيع أن نخرج أنفسنا من لعبة الأمم وأن نعلن حيادنا في هذا العالم المصارع ونعلن التزامنا بالموقف الخلقي الذي يمليه علينا ديننا وعقيدتنا من إنصاف المظلوم والوقوف مع الضعيف، ومد يد العون للمحتاج، ونعلن رفضنا لنكون مخالب قطط بأيدي المتصارعين الكبار.
ولكننا لن نستطيع أن نفعل ذلك إلا إذا تناسينا خلافاتنا الجانبية ومددنا أيدينا لنكون أخوة متحابين، وعمقنا مشاعر الود والإخاء بين شعوبنا، وأزلنا هذه الحواجز التي صنعها الاستعمار: الحدود السياسية، والنفسية، والجوازات وقوانين العمل والهجرة، وما يسمى باختلاف المصالح. وحققنا الوحدة الاقتصادية والسياسية ولكن هل سيسمح لنا المستعمرون لنفعل ذلك وهم الذين يستثمرون هذه الخلافات ويستخدمونها للوصول إلى أهدافهم ومصالحهم.
باختصار شديد نستطيع أن نخرج أنفسنا من إطار اللعبة الدولية إذا أزيلت الحواجز بين الشعوب والقادة وأفسح المجال لسماع الآراء الصادقة التي تهدف انتشال هذه الأمة أن تكون دولها ألعوبة بيد الشرق أو الغرب، واعتمدنا بعد الله على خيرات بلادنا فقط ولم نمد أيدينا إلى أعدائنا بطلب معونة، وكان العيش في عزة من الجوع والفقر أحب إلينا من العيش في ذلة مهما كانت المغريات.
٦ مايو ١٩٧٧م
стр. 40
الجانب الروحي في قضايانا السياسية
* لا نستطيع القول إن أمتنا تعيش بلا آمال في العزة والسيادة والنصر على الأعداء، هذا بالرغم من محاولات الصرف الهائلة عن هذه الآمال المتمثلة في إغراق السوق الإعلامي بفرق المضحكين والهازلين والهواة والعابثين من كل لون وجنس، وبالمحاولات الحكومية في كافة أقطارنا الإسلامية بتمجيد بطولات الكرة والرقص والموسيقى وبالصرف الباذخ جداً على كل هؤلاء وحرمان الجادين والمؤمنين من أي عون ينعش جسدهم ويقوي إيمانهم، أقول بالرغم من كل ذلك فإن الأمة مازالت متعلقة بأماني العزة والسيادة والنصر على الأعداء.
* ولكن هذه الآمال ضائعة بين فريقين: فريق يمثله زعماء سياسيون ماديون لا يقدرون قوة الإيمان ولا يحسبون لها حساباً، وبنظرهم المادي يرون البون الشاسع بين آمال الأمة، وواقعها المرير من تسلط الأعداء عليها، وتأخرها في مضمار الحضارة والقوة فلا يرون حلاً إلا الاستسلام والإذعان للواقع، والرضى من الأمر بما يقسمه العدو، ثم وصف الذين يرون إمكانية تحقيق آمال الأمة بالخبال
следующие страницы →