← Общие книги

Общие книги · id 11570

أضواء على أوضاعنا السياسية

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (214 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تزييف كل تاريخنا كله وبالتالي تضيع آمالنا وأمانينا في العزة والنصر، ويجب أن نعلم أن إسرائيل باطل واقع وأنها "كانت" بفعل التزييف والتهويش والفرقة، وأنها ستزول عندما نواجه الحقائق ولا نزيفها ولا نضخمها ويوم نعمل لإزالتها متحدين متكاتفين وسيكون هذا إن شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ٢٠ مايو ١٩٧٧م

стр. 37

ما دورنا في لعبة الأمم ؟ * على أكتاف الآخرين استعمر الإنجليز في وقت ما أكثر من ربع المعمورة، وفي أعظم مواجهاتهم مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية جندوا كل الشعوب المستعمرة بجميع أجهزتها وإمكانياتها لحرب الألمان، ودخلت تلك الشعوب المغلوبة على أمرها حروباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولم يكسبوا بعد هزيمة الألمان ونصر الإنجليز وحلفائهم إلا تعزيز السيطرة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية ثم الأمريكية التي أزاحت بعد مدة هاتين الدولتين عن مواقعهما وحلت مكانهما. ولقد كانت الشعوب العربية جزءاً مهماً من وقود هذه الحروب التي استهدف مؤججوها السيطرة على الضعفاء في هذا العالم، وأتهم كل صوت نادى بالوقوف على الحياد في صراع الذئاب الكبرى بالخيانة والعمالة للألمان ولم يكتف الإنجليزي عندما استعمروا معظم بلادنا العربية بإدخالنا في هذه الحروب، بل جندوا الجنود من أبنائنا للقضاء على جميع الحركات التي قامت من أجل السيطرة الاستعمارية، فقد استخدم الجيش المصري، في القضاء على الثورة المهدية في السودان التي قضت على النفوذ الإنجليزي هناك، وكذلك استخدم الجيش المصري أيضاً في القضاء على أعظم ثورة

стр. 38

إسلامية إصلاحية في العصر الحديث وهي الحركة الوهابية وبذلك تم القضاء على الدولة السعودية الأولى ثم الثانية. * وهذا اللعب الإنجليزي بالأمم والشعوب ليس بدعاً في التاريخ، وعلى خطاه يسير الآن الاستعمار الأمريكي والروسي، فأمريكا قد جرت معها سبع دول من حلفائها لحرب الفيتناميين، ولم تنسحب من هناك إلا بعد أن تململ حلفاؤها من فقدهم لشبان بلادهم بلا مردود وهذا هو السبب الرئيسي لانسحاب الأمريكيين من فيتنام، وهو أن العنصر البشري الذي يركبون عليه إلى النصر غير موجود، والشباب الأمريكي ليس أهلاً للحرب. * وفي أفريقيا الآن يعبر الروس إلى هذه القارة على أكتاف الكوبيين الفقراء، وأيضاً على أكتاف الشعب الأنجولي الذي تحرر بالأمس من سيطرة البرتغاليين، ليجند اليوم في خدمة الشيوعيين!! وأمريكا لم تجد من ترسله اليوم لحماية مصالحها هناك إلا الجنود المغاربة المسلمين والجنود المصريين المسلمين. وهكذا يستطيع الأقوياء في كل عصر أن يجدوا من الشعوب الفقيرة والضعيفة ما يركبونه لتحقيق مآربهم وتحقيق استعمارهم. * بالأمس اشتركت بعض دولنا العربية فيما سمي بمؤتمر باندونج الذي خرج على الناس بما سمي بالحياد الإيجابي، واستبشر الناس خيراً أن ظهر في العالم قوة ثالثة تقف على الحياد في صراع الدول الكبرى، ولكن سرعان ما تحول هذا الحياد الإيجابي إلى شيء لا حقيقة له، ففي ظله وقعت مصر مع الهند ضد باكستان لتحرم شعب كشمير المسلم من أن ينضم حسب رغبته إلى باكستان. ووقفت

стр. 39

أيضاً مع الطائفة اليونانية ضد الطائفة التركية المسلمة التي كانت تعاني كل ألوان الاضطهاد والظلم والقتل الجماعي، وساندت مصر أيضاً في عهد الحياد الإيجابي هيلاسيلاسي الطاغية ضد شعب إريتريا المغلوب على أمره آنذاك. * ليس صحيحاً أننا قطع على رقعة الشطرنج الدولية وذلك أننا نستطيع أن نقوم بما لا تقوم به الأحجار الصماء، نستطيع أن نخرج أنفسنا من لعبة الأمم وأن نعلن حيادنا في هذا العالم المصارع ونعلن التزامنا بالموقف الخلقي الذي يمليه علينا ديننا وعقيدتنا من إنصاف المظلوم والوقوف مع الضعيف، ومد يد العون للمحتاج، ونعلن رفضنا لنكون مخالب قطط بأيدي المتصارعين الكبار. ولكننا لن نستطيع أن نفعل ذلك إلا إذا تناسينا خلافاتنا الجانبية ومددنا أيدينا لنكون أخوة متحابين، وعمقنا مشاعر الود والإخاء بين شعوبنا، وأزلنا هذه الحواجز التي صنعها الاستعمار: الحدود السياسية، والنفسية، والجوازات وقوانين العمل والهجرة، وما يسمى باختلاف المصالح. وحققنا الوحدة الاقتصادية والسياسية ولكن هل سيسمح لنا المستعمرون لنفعل ذلك وهم الذين يستثمرون هذه الخلافات ويستخدمونها للوصول إلى أهدافهم ومصالحهم. باختصار شديد نستطيع أن نخرج أنفسنا من إطار اللعبة الدولية إذا أزيلت الحواجز بين الشعوب والقادة وأفسح المجال لسماع الآراء الصادقة التي تهدف انتشال هذه الأمة أن تكون دولها ألعوبة بيد الشرق أو الغرب، واعتمدنا بعد الله على خيرات بلادنا فقط ولم نمد أيدينا إلى أعدائنا بطلب معونة، وكان العيش في عزة من الجوع والفقر أحب إلينا من العيش في ذلة مهما كانت المغريات. ٦ مايو ١٩٧٧م

стр. 40

الجانب الروحي في قضايانا السياسية * لا نستطيع القول إن أمتنا تعيش بلا آمال في العزة والسيادة والنصر على الأعداء، هذا بالرغم من محاولات الصرف الهائلة عن هذه الآمال المتمثلة في إغراق السوق الإعلامي بفرق المضحكين والهازلين والهواة والعابثين من كل لون وجنس، وبالمحاولات الحكومية في كافة أقطارنا الإسلامية بتمجيد بطولات الكرة والرقص والموسيقى وبالصرف الباذخ جداً على كل هؤلاء وحرمان الجادين والمؤمنين من أي عون ينعش جسدهم ويقوي إيمانهم، أقول بالرغم من كل ذلك فإن الأمة مازالت متعلقة بأماني العزة والسيادة والنصر على الأعداء. * ولكن هذه الآمال ضائعة بين فريقين: فريق يمثله زعماء سياسيون ماديون لا يقدرون قوة الإيمان ولا يحسبون لها حساباً، وبنظرهم المادي يرون البون الشاسع بين آمال الأمة، وواقعها المرير من تسلط الأعداء عليها، وتأخرها في مضمار الحضارة والقوة فلا يرون حلاً إلا الاستسلام والإذعان للواقع، والرضى من الأمر بما يقسمه العدو، ثم وصف الذين يرون إمكانية تحقيق آمال الأمة بالخبال

стр. 41

والمزايدة والغوغائية والهوس الديني، هذا إذا أحسنَّا الظن بهم. وفريق آخر لا يحسب للأسباب حساباً، ولا يقدر الواقع الذي نعيش فيه، ويظن أننا نعيش في فراغ وأن مجرد انتسابنا إلى الإيمان ورغبتنا في الخير أن ذلك كاف للوصول إلى أمانينا وتحقيق أحلامنا.. ومثل هؤلاء مثل الذين يحملون روحاً بلا جسد وأمنية بلا واقع، ومثل أولئك مثل الذين يحملون جسداً بلا روح ووسيلة بلا هدف ولا غاية. * ولهذا السبب يحدث الشقاق كثيراً فبينما يرى أصحاب النظرة المادية فقط أننا لا نملك من الوسائل ما نستطيع أن نقف به على أقدامنا ولا نملك من السلاح ما نستطيع أن نشهره في وجوه أعدائنا، يرى الآخرون أننا نستطيع أن نسمع الدنيا كلها أصواتنا، بل ونستطيع أن نخضعها لسيادتنا وسلطاننا. * وإذا تعمق الخلاف بين الفريقين اتهم الماديون مخالفيهم بالسير في ركاب الاستعمار، والتمسح في الدين من أجل السيادة والحكم، واتهم الآخرون أهل السيادة بالسير في ركاب الأعداء، والتشبث بالكراسي وتضليل الأمة عن أهدافها ودفعها إلى الذل والهوان خدمة لأعدائها. * والحق أننا في حاجة إلى سياسة إسلامية خلقية تعتمد الوسيلة المناسبة للموقف المناسب، ونملأ الأمة بروح الإيمان الذي يحيي شبابها، ويفتق وعيها، ويدفعها إلى البذل والتضحية نحن في حاجة إلى جسم سليم وروح سليم.. أيضاً.. إلى جيش مدرب جيد الإعداد يحمل روحاً وثابة وخلقاً كاملاً وإيماناً حقيقياً، وهذه الروح هي التي ستحول الوسيلة في أيدينا، وإن قلت عن وسائل الأعداد إلى

стр. 42

وسيلة فعالة، وسلاح فتاك، وأمتنا في تاريخها الطويل المجيد ما كانت لتحقق نصراً لولا أنها جمعت بين الجسد والروح، بين السعي المطلق وبذل الوسع إلى أقصاه لاتخاذ الوسيلة المناسبة، وبين التوكل المطلق واليقين الكامل أن النصر من عند الله ، وأن الوسائل لا تساوي شيئاً إن أراد الله شيئاً آخر. وهذا واضح كامل الوضوح في سيرة النبي ﷺ فلو جئت تنظر إليه في حركته السياسية بدعوته وكيف كان يتخذ الأسباب ويعد لكل أمر عدته لقلت أنه لا يؤمن بشيء فوق الأسباب وأنه لا يتعمد إلا عليها، ولو جئت تنظر إليه وهو يسعى إلى أمر لا تبلغه الأسباب المادية مطلقاً لقلت أنه لا يؤمن بشيء يسمى الأسباب وأنه يتوكل على ربه توكلاً مطلقاً، وهكذا كان الصدر الأول على الخصوص من المسلمين، آخذون بأسباب النصر والعزة والتمكين مستفيدين بذلك إلى أبعد الحدود ثم هم مؤمنون متوكلون يحملون آمالاً عريضة إلى أبعد الحدود. * واليوم تسقط أمتنا بين دفع الماديين الذين فقدوا إيمانهم وأرواحهم، وبين دفع المتهورين الذين فقدوا عقولهم وبصيرتهم فمتى تنشأ في الأمة روح جديدة تملؤها سعادة ونشوة، ومحبة وغيرة، وتجعلها تستفيد من هذه الإمكانيات الضخمة الهائلة التي ذخرها الله في هذه الأرض، متى نستفيد من شبابنا الخلاق لو عرف الطريق.. ومن نسائنا المخلصات الوفيات المجاهدات لو علمن الطريق.. ومن بترولنا المتدفق لو أحسنا استخراجه وتصنيعه ومن أموالنا وموقعنا ومن تراثنا العزيز متى نستفيد من كل إمكانياتنا المهدرة وشبابنا الضائع. * متى يعرف صناع القرار السياسي في بلادنا كيف

стр. 43

يوالون أمتهم، ويحبون شعوبهم، متى يعرف هؤلاء القادة والزعماء أن العز والسيادة لهم في الدنيا والآخرة طريقها الإيمان والعمل الصالح، وأن اللعنات ستلاحقهم إلى قبورهم إن هم تخلوا عن مهمتهم التي خولهم الله إياها. متى نجعل من هذا الشهر منطلقاً إلى الإيمان والعمل الصالح؟ وهل هناك عمل صالح أكبر وأجدى من قرار حكيم يصدر من أمام عادل، ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لادخرتها للسلطان لأن بصلاحه صلاح الأمة، فهل يتجه أهل السياسة في بلاد المسلمين إلى إدخال الروح في قضايانا السياسية؟ ١٩ أغسطس ١٩٧٧م

стр. 44

لماذا يجب علينا أن نرفض الصلح والسلام مع اليهود ؟ هذا الصخب الإعلامي العربي الذي بات يصور الصلح والسلام مع اليهود على أنه إنجاز العصر، وغاية النصر لا يجوز أن يعمينا عن الحقائق وأن يصرفنا عن معرفة الأخطار الهائلة التي تنتظرنا إثر توقيع أكبر مؤامرة عرفها التاريخ، وأني لصادق. وهاكم نزراً يسيراً من هذه الأخطار: أولاً: عندما جاء اليهود إلى فلسطين بعد شتات بلا وطن استمر زهاء ثلاثة آلاف عام أتوا بناء على وعود قديمة زعموها في التوراة على لسان إبراهيم ﵇، ولم يستطع الداعون منهم والمخططون لهذه العودة إغراء اليهود والمجيء بهم من أرض الشتات إلى أرض الميعاد (فلسطين) إلا بهذا الوعد الديني، فلقد كان معظم اليهود يعيشون عيشة هادئة هانئة في أوطانهم التي نشأوا فيها، وعندما وضع المخططون لدولة إسرائيل مخططاتهم في أواخر القرن التاسع عشر وفي سنة ١٨٩٧م بالتحديد، كان حلمهم وأهدافهم أن تكون حدود هذه الدولة من الفرات إلى النيل، وأن تحقيق السيطرة لا على العالم العربي وحده، وإنما على العالم بأسره

стр. 45

الذي يكون قد أنهك بفعل المؤامرات والحروب والفساد الذي خططوا له في بروتوكولاتهم، وأن يتحقق هذا كله في ظرف مائة عام فقط.. ولقد مضى الآن ثمانون عاماً -بالتحديد- على وضع هذه الفكرة التي كانت محض خيال في وقتها وقد تحقق منها سبعة أعشارها تماماً وأمام اليهود الآن ثلاثون سنة فقط لتحقيق نهاية آمالهم وغاية مكرهم، والذي يريد أن يقول إن اليهود لا يملكون هذا الزعم ولا يبيتون هذه النية فلا يستحق أن نناقشه لأنه في ضلال بعيد يحتاج معه إلى دهر طويل ليتعلم أوليات القراءة والكتابة ليفك الحروف المكتوبة على صدر (الكنيست) الإسرائيلي. باختصار نحن أمام دولة قد أعلنت أهدافها النهائية في كتبها ونشراتها وتعليمها لأبنائها، وفي الأسرار التي انتشرت على الرغم منها وأول أهداف هذه الدولة أن تجعل منا عبيداً (لشعب الله المختار) .. والذي يقول إن اليهود لا يستطيعون تحقيق هذا الحلم مخطئ ويرد عليه أن اليهود استطاعوا تحقيق ثلاثة أرباع مخططهم الرهيب.. فمن كان يظن قبل ثلاثين عاماً فقط أنه ستولد لليهود دولة في فلسطين وأنها ستنتصر على سبع دول عربية، وأنها في ظرف عشرين عاماً فقط من ١٩٤٧م-١٩٦٧م ستدق علمها ذا النجمة السداسية على بعد مائة كيلومتر من القاهرة وعلى مشارف مدينة دمشق، لو أن قائلاً قال هذا قبل أن يحدث هذا لاتهم بالخبل والجنون. وإذا كان في قومنا الآن من يقول إن تحذيراتنا هذه نوع من الخبل والخبال فإنما نذكرهم بذلك فقط. أقول يجب علينا أن نسلم بأن هذا حدث وأن إسرائيل

стр. 46

الآن حقيقة واقعة وأنها ساعية لا محالة إلى أهدافها التي رسمتها وعقدت العزم عليها، وإذا كان يحق لنا أن نعترف بهذا فإنه ينبغي أن نعلم أيضاً أن اليهود لم يقطفوا بعد ثمار نصرهم التي يرجونها، ولم يحققوا بعد غاية وجودهم في هذه الأرض، فلم يكن هدف اليهود إيجاد دولة وكفى أو البحث عن مجرد هوية وجنسية لرعاياهم أو مجرد تجميع اليهود من أرض الشتات إلى أرض الميعاد، بل إن هدفهم النهائي هو أن تكون دولتهم الحية والثعبان الذي يلتف على عنق هذه الأمة ويمتص خبراتها، ويستبعد شعوبها، ويحقق تعاليم تلمودها وما افتراه شياطينهم نسبوه لله زوراً وبهتاناً. وإن الذي يتحتم علينا الإقرار به ومعرفته أن معركة السلم والسيطرة الاقتصادية والسياسية لا نستطيع أن نجاري اليهود فيه بحال، إننا كأمة عربية ورثت الإسلام حاربنا اليهود ونستطيع أن ننتصر عليهم في المعارك، بل إن الحرب هي صناعتنا وحرفتنا منذ فجر التاريخ، وما هزمنا أمام اليهود إلا خيانة لا جبناً، ولن ينتصر اليهود علينا في حرب آتية إلا بالخيانة لا بالشجاعة بل إن يهود فلسطين لو علموا -يقيناً- أننا عازمون على حربهم لما بقي منهم في مقامهم أحد، ولكن صناعة السلاح، وحرفة الاقتصاد فلسنا فيها في قليل ولا كثير، فاليهود هم فرسانها ورجالها في كل جبل وعلى كل أرض، وأما نحن العرب فبالرغم من أننا أغنى شعوب العالم إمكانيات وثروات فنحن أفقرها انتفاعاً بهذه الثروات والخزائن، إننا أمة ما زلنا ولا نزال مشهورين بغبائنا الاقتصادي وتخبطنا الإعلامي والسياسي، وذلك أن فنون الحيل والغش والكذب لا نجيدها ولا نعرفها وإن عرفناها فلا نستطيع أن نمارسها. اليهود هم أساطين المال والفساد في الأرض فبالرغم

стр. 47

من شتاتهم في الأرض دهوراً طويلة وإقامتهم دولة فقيرة في الإمكانيات، فإن الاقتصاد العالمي أمس واليوم وغداً في قبضتهم وهم مع هذا تجار الفساد والانحلال في كل بقعة من بقاع العالم. لقد حاولت الدول العربية يوماً أن تجاري اليهود في أسلوب من أساليبهم فاستخدموا كما قال محمد حسنين هيكل بعد هزيمة ١٩٦٧م - النساء في المخابرات للتجسس على اليهود يقول هيكل: "فوقف هؤلاء الذين أرسلناهم في هذه المهمة عند حد الوسيلة"!! وهذه شهادة رجل كان يوماً ما أكبر مطلع على خفايا السياسة العربية. باختصار، إن الذين يحلمون بسلام مع اليهود يريدون أن يقدموا أوطاننا جميعها لا فلسطين فقط، وأموالنا جميعها، وشبابنا كله ليكونوا في خدمة هذا الأخطبوط الفريد فاتقوا الله يا من وليتم شؤوننا، واعلموا أنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة - كما قال النبي ﷺ إلا من أخذها بحقها ووضعها في حقها، فهل أذن لكم الله وأذنا لكم أن تصنعوا هذا بنا؟!! ١٤ يناير ١٩٧٧م

стр. 48

دروس من الحرب اللبنانية يبدو أن الجسم العربي قد أصبح ميتاً إلى الحد الذي لا تؤثر فيه الجراح، بدليل أن شعورنا بآلام جزء من هذا الجسم في لبنان وفلسطين قد مات أو تلاشى إلى الحد الذي لا نحس به، ولذلك يبدو أن عرضي للدروس المستفادة من هذه الحرب دون الإحساس بها والشعور بألمها ضرب من إلقاء الكلام في غير مقامه، وسوقه إلى من لا يسمعه ولا يحس به، ولكن هل يكون سوقي لهذه الدروس نوعاً من الإحياء والإشعار بخطورة هذه النتائج التي أوصلتنا لها هذه الحرب؟ أرجو أن يكون ذلك. الذين تابعوا الأحداث في هذه الحرب وكان لهم إلمام بالبناء الاجتماعي والسياسي للمجتمع اللبناني عرف أن هذه الحرب عندما انطلقت شراراتها كان المستهدف هو المقاومة الفلسطينية، وأن دخول العوامل الأخرى من الصراع من المسلمين والنصارى، ثم استغلال الصراع بين الأغنياء والفقراء، ثم استغلال الصراع بين التكتلات السياسية والفئات الطائفية إنما كانت بمثابة الاستغلال لهذه التناقضات التي كانت موجودة في المجتمع اللبناني، ولكنها كانت تناقضات

стр. 49

كامنة لا تجد متنفسها في السلاح، وإنما في الكلام والصراعات الخفية فقط، وقد فتحت المجابهة الفلسطينية المارونية الأبواب لدخول هذه الصراعات دخولاً مسلحاً دموياً، والذين لم يتابعوا هذه الحرب، ولم يعلموا طبيعة التركيب الاجتماعي والسياسي للبنان أعماهم تشابك هذه الحرب وتناقضاتها ونسبوا أسبابها إلى أسباب وهمية هامشية ومن هذا نستفيد جملة دروس: * أولاً: أن اليهود قد أعلنوا أكثر من مرة إن وجودهم في فلسطين مرتبط بعدة أمور منها: أ) أن ينتهي شعور المسلمين باستردادها، وقد استطاعوا ذلك ونجحوا فيه نجاحاً عظيماً. ب) أن ينتقل العرب من شعورهم القومي إلى مشاعرهم الإقليمية وأن ينزوي كل إقليم بمشاكله الخاصة حتى لا يبقى له تفكير جدي فيما سواه وقد نجح اليهود في هذا أيما نجاح. ج) أن ينتهي هذا الشعب الفلسطيني الذي يطالب بفلسطين رغم أن هذا الشعب قد قبل كما أعلنت أكبر منظماته على أنه على استعداد لأن يعيش مع اليهود في دولة لا دينية - ولكن اليهود يريدون دولة يهودية خالصة، ومعنى أن ينهي هذا الشعب يعني أن يفقد الشعور والأمل بالعودة إلى فلسطين وذلك باستحالة هذا ومن ثم ينصرف إلى العيش والرضا به في أي مكان آخر، ولقد كانت الحرب اللبنانية هي الحلقة التي يبدو أنها الأخيرة أو التي يراد لها ذلك على الأقل لإقناع الفلسطينيين بأنه لا أمل في العودة إلى تلك الأرض، والدرس الأول من الحرب اللبنانية يعني أن اليهود جادون في أن يجعلوا فلسطين وطناً لهم وأنهم باذلون في ذلك

стр. 50

ما يستطيعون ويعني أيضاً أن كثيراً من المسلمين والعرب كانوا هازلين!! وإلا فكيف فقدت هذه المشكلة وجهها الإسلامي!! ثم كيف فقدت هذه المشكلة حرارتها العربية، ثم كيف سكت الذين لم تصبهم نيران هذه الحرب عن كل ما حدث فيها؟ * وأما الدرس الثاني من هذه المقدمة فهو إحساسنا أكثر من قبل أن استقلال أوطاننا من المستعمر لم يتحقق منه إلا الاستقلال العسكري فقط، وأما الاستقلال السياسي، والاقتصادي فلم يتحقق، فبالرغم من أن هذه المنطقة داخلة في إطار الوطن العربي الإسلامي إلا أن المسير الفعلي للأحداث فيها كان الدول الكبرى ولذلك قالوا الحل بيد أمريكا، الحل بيد فرنسا، الحل بيد روسيا، الحل بيد الدول الكبرى، ومعنى أن يكون الحل في بلادنا بيد غيرنا أن استعمارنا السياسي قائم وأن همنا الديني يجب أن ينصرف إلى التحرر من الاستعمار السياسي، كما قادت الحركات الدينية قديماً الحملات ضد الاستعمار العسكري.. وبالطبع هراء أن نستقل سياسياً ونحن على هذا الحال من التشتت والإقليمية ولذلك كانت الدعوة إلى الوحدة في ظل الإسلام كعقيدة سامية تؤمن بها شعوبنا هي بداية العودة إلى الاستقلال السياسي. إن كانت الحرب اللبنانية قد وضعت أوزارها فلا يجوز بتاتاً أن تمر دون عظة واعتبار وقد قدمنا في الأسبوع المنصرم في هذه الزاوية درسين مستفادين من هذه الحرب خلاصتهما أن استقلالنا العسكري يجب أن ندعمه باستقلال سياسي، وأنه يستحيل علينا الاستقلال السياسي في هذه الفترة من التاريخ دون وحدة تجمع بين دولنا وتؤلف بين شعوبنا وإلا فنحن المسلمين بهذا التجزؤ والتفكك لا وزن لنا، وكذلك يجب أن نعلم أن اليهود جادون في بقائهم في فلسطين

стр. 51

وأن بقاءهم مرتبط بتمزيقنا والقضاء على أمل الشعب الفلسطيني في العودة إلى دياره. * الدرس الذي يجب أن نستفيده من هذه الحرب هو العلم بخطأ الشعارات التي رفعتها بعض فصائل من المقاومة والتي لا علاقة لها بتحرير فلسطين.. فالشتات والعمى عن الهدف الذي أصاب طائفة ممن توظفوا في العمل الفدائي كان له النصيب الأول في تعجيل القضاء على العمل الفدائي في الأردن ثم في لبنان، فالمقاتل الفلسطيني الصادق هو من يضع نصب عينيه تحرير فلسطين، ولا يقل عن هذا العمى عن الهدف حمل بعض فصائل المقاومة لما يسمى بالأيديولوجية الشيوعية زعماً أنه لابد من كل ثورة من "أيديولوجية"، فالذين استغلوا شوق الفلسطيني للعودة إلى أرضه فحملوه مع هذا الشوق هذه الشجرة الملعونة زعماً بأن هذه العقيدة هي التي ستثير حماسه وتؤلف بينه وبين إخوانه مخطئون، فنبتة الشيوعية والإلحاد لا مجال لها إن شاء الله - ولا ثمار لها في هذه الأرض الطيبة أرض الإسلام. إن المقاتل الفلسطيني يحمل غاية شريفة وهي أن يرفع الظلم عن نفسه وأن يعود عزيزاً إلى دياره وأن يضم دولته في أرضه ووطنه هذه الغاية الشريفة لا يجوز بتاتاً أن تضيع في صراعات جانبية تبعد عن الهدف ولا تقرب منه، ثم لا يجوز بتاتاً أن يكون المقاتل الفلسطيني المسلم الذي يحارب من أجل هذه الغاية الشريفة وسيلة وأداة لمن يريدون أن يبذروا بذورهم الخبيثة وينشروا أفكارهم الهدامة في هذه الأرض الطيبة المقدسة. فهل تعي المقاومة هذا الدرس وتصحح مسيرة العودة إلى الأرض التي باركها الله؟

стр. 52

كيف نستعد للجولة الخامسة ؟ أولاً: الاستعداد السياسي: ستبدو الخسائر التي خسرناها طيلة الحروب الأربعة السابقة مع اليهود تافهة جداً إذا قيست بكارثة حقيقية للأمة كلها إذا فاجأها اليهود بحرب خامسة لم نستعد لها استعدادها المطلوب. وهذا هو الجو المسموم والمشبع بحمى "السلام" مع اليهود الذين نعيشه الآن في غاية الخطورة على عقول أبناء أمتنا فيما لو شن اليهود هذه الحرب. والعقل السليم يحكم بأنه لابد من افتراض كل الاحتمالات ثم الاستعداد لكل احتمال بما يناسبه. وإذا كان احتمال بقاء حالة الحرب مع اليهود احتمالاً وارداً، بل كل مطلع على مسلسل إقامة الدولة اليهودية في هذه الأرض لا يجد مفراً من أن يحكم بأنه لا احتمال غيره مع اليهود، لذلك وجب علينا أن نضع كافة الاستعدادات لمقابلة هذا الاحتمال الأقوى الاحتمال الحتمي الذي لا مناص منه. * ومثلي كفرد -والقدرة الفردية دائماً محدودة- لا يضع ولا يخطط لأمة بأسرها ولا لمشكلة بهذه الضخامة والتعقيد

стр. 53

ومهما تكلمت عن المستقبل والاستعداد فإنما هي رؤية فردية أضعها في متناول الذين يملكون اتخاذ القرارات لتكون على الأقل من باب التحذير والتنبيه وليضم ما فيها من خير -إن وجد- إلى جملة الآراء الخيرة التي لم تعدمها الأمة بعد، ونستطيع أن نلخص الاستعدادات الواجبة في هذا المجال كالآتي: * أولاً: الاستعداد السياسي: الهيكل السياسي في أي أمة من الأمم أو دولة من الدول هو عامل النصر الأول كما أنه عامل الفشل الأول في أي تحد يواجه الأمة، فإذا كان صناع القرار عند مستوى المسؤولية فهما ودراية وحزماً وقد أمنوا ظهورهم وسار الشعب من ورائهم فلا شك أنهم سيستفيدون فائدة كاملة بكل إمكاناتهم ومقدراتهم، بل سيفجرون في الأمة طاقات الإبداع والتضحية والفداء، وأما إذا كان العكس فإن الاتهام المتبادل والشك الذي يساور كلا الطرفين تجاه الآخر سيمنع كل منهما أن يبذل شيئاً. ومسلسل الانقلابات والانقلابات المضادة ثم الانقلاب على الانقلاب وثورات التصحيح والتعديل التي مرت بها الأمة جعل المواطن في هذه المنطقة يعيش حالة التوجس ويسيء النية دائماً ويفسر كلام الحكام بخلفياته ومراميه لا بنصوصه ومعانيه، ويشجع الأفراد على هذا المنحى الانفصال الظاهر بين القول والعمل، بين الأهداف المعلنة والسلوك الفعلي أو بالأحرى بين ما يلزم الحاكم به شعبه وما يلتزم به هو وما يسمح لنفسه بأن يفعله، وقد أدى هذا بالطبع إلى تبديد إمكانات الأمة، فالأموال -ونحن أغنى شعوب الأرض الآن- هربت من بلداننا إلى أوروبا وأمريكا لأنها أكثر استقراراً وأمناً، وعلماء المادة (والتكنولوجيا) هربوا إلى هناك أيضاً لأنهم

стр. 54

هناك أكثر أمناً على أنفسهم وأعظم استفادة بعلومهم وإمكاناتهم وعلماء الأخلاق والفضيلة كبتوا في أماكنهم أو شردوا في غير أوطانهم والشباب في حيرة سياسية وفي فوضى فكرية، فهو لا يعلم إلى أين يسير وماذا يراد له وماذا يريد الحكام منه، ومثله العليا ضائعة ورغبته في الانتماء والاحتماء مكبوتة، وهويته التي يريد أن يحملها ويدافع من أجلها مزورة!! فالشاب يقول لك: من أنا!! ومن نحن؟ هل نحن عرب؟ فالشاب يقول لك: من أنا!! ومن نحن؟ فلماذا هذا النفاق بل هذه الغربة الكاملة للإسلام؟ أم هل أنا مصري فقط؟ وعراقي فقط؟ وكويتي فقط؟ وفلسطيني فقط؟ هذه الأسئلة التي يتحدد على أساسها الانتماء والهواية لا يجد شبابنا جواباً عليها، وإن وجد الجواب النظري فوجئ بأن التطبيق العملي يخالف هذا تماماً. الاستقرار السياسي ضرورة ملحة واليهود لم ينتصروا علينا في أي معركة، إلا في وقت لم نكن ننعم فيه باستقرار سياسي، بل أمتنا على امتداد أربعة عشر قرناً من الزمان لم تهزم أمام التتار أو الصليبيين أو الفرنج في إسبانيا إلا في عهود الفرقة والخصام والانفصام بين الحكام والشعوب، ولم نستطع أيضاً أن نحقق نصراً إلا في عهود اجتمعت فيها كلمتها ووحدت فيها صفوفها ووقفت شعوبها صفاً متراصاً خلف حكامها. ولذلك السعي الأول في سبيل الاستعداد للحرب الخامسة يجب أن يكون في سبيل الاستقرار السياسي، ويستحيل أن ينعم الحاكم والمحكوم باستقرار سياسي، في ظل الإرهاب والبطش ومصادرة الأفكار الطيبة الخيرة، وفي ظل استغلال النفوذ والأثرة وحب الذات، بل في ظل التسامح والمرحمة وإفساح الصدر للرأي المخالف وأن نشترك

стр. 55

جميعاً في الرغيف الواحد، وأن نتقاسم الجوع إذا فرض علينا أن يجوع البعض، وليس ما أقوله هنا الآن مثالية خيالية فعيب علينا أن يستطيع الإنجليز في الحرب العالمية الثانية أن يوزعوا كميات الطعام على الشعب جميعاً بالتساوي حتى أن أفراد الأسرة المالكة يحصل كل منهم على عدد من البيض مساو تماماً للعدد الذي يحصل عليه كل فرد في الدولة، أقول عيب علينا أن يفعل غيرنا في الأزمات هذا، ونحن أولى الناس بهذه الأخلاق لأنها إن كانت عند غيرنا فضلاً ومكرمة، فهي في ديننا حق واجب لا مكرمة وتطوعاً. أقول الاستقرار السياسي يستلزم أيضاً البحث عن آمال الأمة وأحلامها والسعي الجاد لتحقيقها. وآمال الأمة إنما هي في تحقيق العدل الاجتماعي، والانتصار من عدوها الذي أذلها ومرغ عزتها وكبرياءها فيكف ننتظر استقراراً سياسياً والاتجاه العام في بلادنا الآن يسير نحو الظلم الطبقي والسياسي، وتكريس الذل التاريخي بتمكين اليهود في هذه الأرض التي أتوا إليها مسالمين متعايشين. * حقاً نحن اليوم في أمس الحاجة إلى استقرار سياسي يلم شمل كل شعب في منطقتنا حول قائده وزعيمه ويشيع روح المحبة والألفة والتراحم. ولكن دون ذلك باختصار شديد التوافق الكامل بين القول والعمل. والاشتراك الفعلي في الجوع والشبع. والأفراح والأحزان. والبحث عن آمال الأمة في العدل والمرحمة والعزة والنصر. وبدون ذلك سيظل الإرهاب والمصادرة والثورة أثر الثورة والانقلاب بعد الانقلاب ثم نصحو بعد كل جولة مع اليهود على كارثة جديدة. فإلى متى؟ ١١ فبراير ١٩٧٧

стр. 56

ثانياً: السلم بين البلاد العربية قبل السلم مع إسرائيل إسرائيل بقوتها الحالية تستطيع مواجهة القوة العسكرية العربية بل تملك في نواح كثيرة تفوقاً بعيداً، والقول بأن أي دولة عربية تستطيع منفردة مجابهة إسرائيل والتصدي لها قول بعيد عن الصواب، ولذلك فالوحدة الإسلامية شرط أساسي لأي نصر حازم مع اليهود سواء في حرب شاملة أو حرب محدودة والحرب الرابعة مع اليهود التي لم تكن على الأقل هزيمة للدول العربية التي اشتركت: مصر وسوريا والعراق والمغرب والقوات الفلسطينية والكويتية، هذا إلى جانب الشعور العام الذي غمر العالم الإسلامي بفرحة الوحدة وفرحة المجابهة مع العدو الأبدي لهذه الأمة، ولهذا الشعور أثره في شد عزائم جنودنا وتثبيط عزائم العدو.. ويستحيل مستقبلاً أقدام أي دولة عربية منفردة على مجابهة اليهود لأسباب كثيرة لا تغيب عن الصبيان فضلاً عن أهل الرأي والمشورة. ولذلك فإن اليهود وأعوانهم يرمون بكل ثقلهم لتوهين الرابطة الأخوية والدينية والتاريخية

стр. 57

والمصيرية التي تربط بين كل دولة عربية وأختها. وذلك لأن أعظم خطر من الممكن أن تواجهه الصهيونية وإسرائيل هو أن يصبح المسلمون في هذه الأرض قوة واحدة وأن يكون بينهم تعاون أو حتى مجرد تنسيق في قضاياهم الأمنية أو الاقتصادية أو حتى السياسية الشكلية، ولذلك فالباحثون عن الفرقة في أوطاننا إنما يخدمون أمن إسرائيل وسلامها وبقاءها في هذه الأرض المغتصبة فإن كانوا جاهلين بذلك فهي مصيبة وإن كانوا عالمين فالمصيبة أدهى وأعظم. ولقد صحت الدول العربية الإسلامية بعد انفراط عقد الخلافة العثمانية (الشكلية) التي كانت تجمع بينها، صحت على تمزيق أوطانها على هذا النحو في هذه الخريطة السياسية الملونة بعشرين لوناً إلى الوقت الحاضر، والتي من الممكن أن تستقبل ألواناً كثيرة أخرى في كل هزة وطنية كما حدث في لبنان. هذا الواقع السيء الذي استيقظت هذه الأمة عليه هو أفضل واقع يبشر إسرائيل بالخير والأمن والاستقرار، وبالرغم من أنه قد ظهر في المحيط السياسي والاجتماعي دعوات وصرخات وأحزاب كثيرة تنادي بالوحدة السياسية على أساس العروبة أحياناً والدين أحياناً أخرى ودعوات أخرى على المستوى العسكري فقط وعلى المستوى الاقتصادي فقط، إلا أن كل هذه الدعوات قد جوبهت بما يجعلها مجرد حبر على ورق أو أمان فارغة تجد من المثبطات والعراقيل أضعاف ما تجد من المروجات والتسهيلات، فالدول العربية الإسلامية ما زالت إلى اليوم فاشلة فشلاً ذريعاً أمام وحدة اقتصادية حقيقية أو وحدة عسكرية حقيقية أو حتى تنسيق سياسي موحد يظهر المسلمين جميعاً برأي واحد في المحافل الدولية وأمام الرأي العام العالمي، ولا تتعدى العلاقات السياسية

стр. 58

والاقتصادية بين الدول العربية شبيهتها من العلاقات مع الدول الأجنبية إلا في قضايا شكلية (بروتوكولية) لا تسمن ولا تغني.. والادهى من ذلك كله أن الفكر الإقليمي العنصري قد بدأ يأخذ مجرى آخر في تعميق الخلافات وإظهار الفروق وتنافر المصالح بين الدول العربية، وهذا الفكر الإقليمي السيء قد كان فكراً نشازاً قبل أعوام فقط، ولكنه الآن فكر بدأ يأخذ طابع الرسمية والرضى العام ويطالعنا كل يوم على صفحات الجرائد والمجلات فقد ظهر الآن من يقول بأن مصالح مصر تتعارض مع مصالح العرب، ومن يقول مصالح الكويت الغنية تتعارض مع مصالح الفقراء من العرب ومن يطالب صراحة لا تلميحاً بانصراف كل أقاليم من هذه الأقاليم الإسلامية العربية إلى معالجة مشاكله بعيداً عن المشاكل العامة التي تهدد الجميع، وهذه الإقليمية من أكبر عوامل الخطر المستقبلي على هذه الأمة ابتدأت تنزلق من أقلام الكتاب (العميان أو العملاء) إلى قلوب الجهلة والغوغاء ويوشك إن ظل الحبل على الغارب أن يتحول هذا الفساد إلى رأي عام تضيع في وسطه، الآراء القليلة الصائبة التي لم تعمها بعد عصبية الإقليم عن الخطر الواحد الذي يهددنا جميعاً. وليس هناك من خطر أكبر من إسرائيل يهدد الأمة وإذا لم نفلح أمام هذا الخطر في أن نوحد صفوفنا فليس هناك أمل قط في أن نجتمع على كلمة واحدة إزاء أي خطر مستقبلي. ومنذ تصدع الخلافة العثمانية -ولسنا بصدد بيان إيجابياتها وسلبياتها على الأوطان العربية- والعرب يعيشون على أمل الوحدة والاتحاد، وكل التجارب الوحدوية التي مورست عبر نصف القرن الماضي لم تحقق أهدافها وذلك أما

стр. 59

لأنها أهملت العامل الأول التي ألف الأمة العربية قديماً وهو الإسلام، أو لأنها نقلت جرثومة (الاشتراكية العلمية) وهي دعوة أممية تتناقض مع القوميات ولذلك كان الداعون إليها إلى جانب القومية العربية متناقضون، وأما لأنها وقعت بيد الانتهازيين الشعوبيين الذين لا يدينون أصلاً بالولاء للعروبة وإنما اتخذوها مطية لمآربهم في الانفصال والسيادة. وبالرغم من هذا أيضاً فقد جوبهت هذه الدعوات للوحدة بتحزب الغرب والشرق ضدها وذلك لأنه من أكبر الخطر على كلا المعسكرين قيام دولة منافسة أو على الأقل قوية تكتفي بنفسها في هذا الجزء المهم من العالم. وما دمنا بصدد التنبيه والتحذير من حرب خامسة مع اليهود، فإننا نقول إن الأمر الثاني في هذا الاستعداد لهذه الحرب هو تحقيق نوع من الوحدة إزاء هذا الخطر، ولا شك أننا نيأس سريعاً إذا علقنا النصر في الحرب الآتية مع اليهود على الوحدة وذلك لتصورنا أن الوحدة الآن أمر متعذر أو مستحيل وذلك بالنظر إلى تجاربنا المريرة السابقة، ولكن إذا أصبحت هذه الوحدة هدفاً دينياً وقومياً وهاجساً وجدانياً عند كل من يحمل ضميراً في هذه الأمة وارتقى شعورنا من الإحساس الإقليمي العنصري إلى الإحساس الديني الوحدوي، فلن يكون هذا بعيداً أبداً، بل إن هذا لا يحتاج فقط إلا إلى صدق القادة وإيمانهم عندما يطلقون صراخ الوحدة لمجابهة العدو المشترك، فهذه الصيحة الصادقة وحدها كافية لإزالة كل هذه التناقضات والعراقيل التي تمنعنا من أن نجابه عدونا صفاً واحداً. وإذا كان لنا أن نطالب بمطلب دون هذا فإننا نطالب الذين (يفلسفون) ثمار الصلح والسلام مع اليهود في أن يستخدمون بلاغتهم الجهنمية في بيان ثمار الصلح والسلام

стр. 60

بين البلاد العربية وذلك حتى يجتمع رأس المال العربي مع الخبرة العربية وتلتقي الوفرة الاقتصادية مع الوفرة البشرية وبذلك يكون هناك بركات حقيقية تعود علينا بالخير.. على الذين ينادون بالصلح مع إسرائيل أن يستخدموا بلاغتهم في إرساء قواعد الصلح بين البلاد العربية حتى لا يطرد عربي من مكان في بلاد العرب إلى مكان آخر، لأن حكومتين قطعت العلاقات وطردت الرعايا.. بل علينا أيضاً أن ننهي حالة الحرب بين البلاد العربية بعضها البعض قبل أن نفكر، -ولا يجوز بتاتاً أن نفكر- في إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل علماً بأن التفسير الإسرائيلي لإنهاء حالة الحرب هو الكف عن السباب والشتائم والاتهام والتحريض، فهل نطمع أولاً في إرساء قواعد السلم بين البلاد العربية قبل أن يتحول هذا (الخبث) الإعلامي إلى شعور عام بالكراهية والنفور وبذلك نعمق الإقليمية والانفصالية ولا تخدم بهذا إلا الشعوبية واليهودية..

стр. 61

ثالثاً: البناء الاقتصادي (أ) مفهوم المال العام خسائر الحرب في العصور الحالية خسائر خيالية سواء للمنتصر أو المنهزم فنفقات الحرب أصبحت نفقات باهظة، فالطائرة الواحدة أصبحت ببضعة عشرات من ملايين الدولارات والقذيفة الواحدة بعدة آلاف، والحرب بالنسبة إلينا شر لابد منه، وهي مفروضة علينا سواء سعينا إليها أو هربنا منها، فالأعداء والطامعون فينا حولنا من كل جانب، والكل يتربص فترة ضعف لينقض على جزء من أوصالنا فيقتطعه ولهذا فنحن ملزمون أن نوفق بين ما نملك من ثروات وما ينبغي أن يكون لدينا من وسائل دفاع، والذين رفعوا رايات السلم أو الاستسلام البيضاء كان من أقوى حججهم أن الحرب أصبحت أكبر منا وأنها أكلت منا أضعاف ما ربحناه من ورائها، وبالرغم من أننا نملك مجتمعين كعرب ومسلمين أعظم ثروات الأرض وإمكاناتها إلا أننا متفرقون نبدو وكأننا لا نملك شيئاً إطلاقاً وذلك بسبب التخلف الهائل لسياساتنا الاقتصادية، ولن نستطيع مستقبلاً أن نكسب حرباً حقيقية مع العدو إلا بتعديل هذه السياسة وبناء اقتصادنا بناء سليماً نستطيع أن نواجه به نفقات الحرب

стр. 62

وتكاليفها وهذه بعض الخطوط العامة التي يجب مراعاتها لوضع هذه السياسة: ١- في الرقعة العربية كلها يبدو أن دولنا لم تحدد بعد مفهوم (المال العام) وأنه يحرم الاعتداء عليه وتبديده والأنفاق منه إلا في وجوه النفع العام ولكن الحال أن المال العام في دولنا جميعاً إلا ما شاء الله يوزع ويقسم بالمحسوبية وبالهوية والجنسية بالمبدأ المشهور (شيلني وأشيلك) ، فمن أعظم ما تعاني منه الدول العربية والغنية سواء ما يسمى (بالتضخم الوظيفي) وذلك أن الحكومات تعتقد أو هكذا تنفذ أن كل فرد من الدول يحمل (جنسيتها) فله حق في التوظيف وبالتالي (الأكل) من المال العام ولا تسأل الحكومة نفسها إن كان هذا الفرد الموظف في أجهزة الدولة سيؤدي نفعاً عاماً بقدر ما يأكل من المال العام أم لا؟ وذلك أنها تعتقد أنه مادام مواطناً يحمل الجنسية فله الحق في هذا المال العام. لقد طبقت هذه القاعدة في كثير من بلادنا العربية، وكان هذا من أكبر عوامل فساد الجهاز الوظيفي والحكومي وذلك أن الموظف الذي يوضع في مكان ولا عمل له إلا الدوام يشكل بذاته عائقاً حقيقياً للعمل والبناء وذلك أن التوظيف بلا سبب يستدعي إيجاد عمل وحيث إنه لا عمل إذن فلابد أن يكون هناك ما يسمى (بالروتين) وهذا (الروتين) معناه التعقيد، والتعقيد يعني أن ندور بلا سبب وجيه لنحصل على هدف ما فإذا أضيف إلى ذلك وضع موظف غير مناسب في مكان غير مناسب كانت الكارثة كأن نضع الشرطة والجنود في المصانع بدلاً من الأمن والدفاع، ونضع المهندسين في التعليم والمعلمين في الزراعة وهكذا.. أننا بهذا سنحصل في النهاية على آلة ضخمة معقدة جداً ولكن كل قطعة منها قد وضعت في

стр. 63

غير مكانها فهي من البعد تشبه الآلة المعدة للإنتاج ولكنها في حقيقتها آلة جوفاء تصدر أصواتاً متنافرة ولا تنتج شيئاً أو كما قال أسلافنا العرب وصدقوا "نسمع جعجعة ولا نرى طحناً"، والعجب أن هذه الآلة في النهاية تكون قوة حارقة للاقتصاد وغير موفرة أو منتجة له، تماماً كما لو كان عندك بقرة تأكل كثيراً ولا تنتج من الحليب إلا شيئاً يسيراً ثم تغافلك وترضع نفسها. من أغرب الغرائب أننا في البلاد العربية نتبع سياسة عرجاء أو عمياء في الاقتصاد فبينما يرتفع الشعار في الدول الاشتراكية: "لا طعام دون عمل" ونرى الناس هناك يندفعون إلى العمل في تلك الآلة الضخمة التي يراعي القائمون عليها الإنتاج قبل الإنسان، وكذلك في النظام الرأسمالي لا طعام أيضاً دون عمل وإنتاج وإن كانت الآلة هناك آلات متعددة خاصة، (مؤسسات رأسمالية) لا وجود لإنسان في واحدة منها إلا بإنتاج يساوي أضعاف أضعاف ما يأخذه من راتب، أقول بينما نعيش في عالم على هذا النحو في جناحيه الرأسمالي والشيوعي فإننا نعيش في بلاد الشعار فيها (لا طعام دون وظيفة ومركز) ، والوظيفة معناها (الدوام) والدوام عندنا لا يرتبط بالإنتاج كماً ولا كيفاً، وإنما يرتبط بالزمن فقط، وهكذا نملك صورة الإنتاج لا حقيقته وشكل الآلة لا مضمونها، نملك بقرة لكنها بدلاً من أن تُرضع أولادها تُرضع نفسها، والعجب بعد ذلك ممن يصرخون هنا وهناك كالببغاوات مرددين أن النظام الرأسمالي كفر والنظام الشيوعي كفر، ونظامنا (هذا) هو الإسلام أو قريباً من الإسلام والحال أن النظام الاقتصادي القائم في دولنا العربية والإسلامية لا يمت إلى الإسلام بوشيجة ولا قربى، فإن من أعظم المحرمات في الإسلام المال العام ولا يجوز الأخذ منه إلا

стр. 64

بحق فإذا لم يكن الموظف ويسمى في النظام المالي الإسلامي (العامل) منتجاً وأميناً فلا حق له في المال العام وعندنا الآن المال العام غنيمة والشطارة هي في التحايل للأخذ منه، ويردد العامة في الأمثال (إن فاتك الميري أتمرغ في ترابه) أي وإن تركك العمل الحكومي فتهافت على أي شيء فيه، وذلك أنه عمل يشعر الفرد فيه أنه صاحب حق في الراتب وليس مطالباً بالإنتاج. وهكذا بسوء فهمنا لقضية المال العام نصل في النهاية إلى انهيار كامل لا في الاقتصاد وحده وإنما أيضاً في المثل والأخلاق، وذلك أن الموظف الذي يقبض ولا ينتج غاش لأمته وهو لص أيضاً ومحاسب على هذا المال الذي أخذه دون وجه حق، ثم إن شبابنا الآن يركض في السلم التعليمي للحصول على الوظيفة لا على العلم، لأنه يعلم أن الشهادة هي جواز المرور إلى الوظيفة، وفي الوظيفة لن يسأل عن الإنتاج وإذن فالمهم هو الشهادة والعلم سبيل طويل وطريق شاق للشهادة والغش أسهل وأقرب من التحصيل ولذلك فأقولها بيقين العارف المطلع "الغش الآن هو القاعدة والتحصيل والعلم هو الشذوذ"، وهذا يعني الكارثة الوطنية والقومية والدينية. في كل بلاد العالم يتعلم الناس وفي بلادنا نعطي شهادات، وإذا وصل غير الكفء إلى المنصب فإن همه كله سينصب على محاربة الأكفاء لأن الأكفاء هم أخطر الناس على وظيفته ومنصبه، وبذلك تبدأ حرب قذرة على العاملين والمنتجين وهم القلة المخلصة وتبدأ الترقيات والهبات للمنافقين والدجالين وذلك أنهم المسايرون والراضون وهكذا تطحن هذه الآلة الفاسدة المخلصين من أبنائها، ويشعر هؤلاء المخلصون بالضياع والغربة لأنهم قلة من الأشراف والأمناء في مجتمع من الذئاب، وهكذا ترضع البقرة نفسها ويموت الصغار!!

стр. 65

وهكذا تتسلل القضية وتتشابك، وذلك أن البناء الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي يمسك بعضه بخناق بعض وذلك أن المجتمع كل متماسك ترتبط فيه كل قضية بالأخرى. وإصلاح هذه القضايا المجتمعة يبدأ من تحيد مفهوم (المال العام) ومن له الحق فيه، وكيف يؤخذ وفيم ينفق فإذا وصلنا إلى مفهوم واضح محدد استطعنا بعد ذلك أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح وعند ذلك سنجد أننا نملك وفرة هائلة من الإنتاج والرفاه نستطيع أن نوفر جزءاً منها لإقامة صناعة حربية متطورة تتناسب مع إمكانياتنا وحجم الطامعين فينا، ودون ذلك ستظل الساقية تدور والماء يعود إلى البئر، ونظل نسمع جعجعة ولا نرى طحناً. ١١ مارس ١٩٧٧

стр. 66

(ب) مفهوم المال الخاص * يبدو أننا لا نجهل فقط قضية (المال العام) في الإسلام بل نجهل أيضاً قضية (المال الخاص) فالناس هنا يظنون أنهم بحصولهم على المال بطريقة ما فقد أصبحوا مالكين له وأيضاً فهم أحرار في التصرف فيه وهذا المفهوم للحرية في التصرف في المال الخاص مفهوم في غاية السوء وبالرغم من مجافاته للإسلام فهو مجاف أيضاً لجميع الأنظمة الاقتصادية المعاصرة فليس الفرد في النظام الشيوعي الاشتراكي ولا في النظام الرأسمالي حر في التصرف في ماله الخاص بمفهوم الحرية الشائع في بلادنا والممارس فعلاً. فالمال في الإسلام سواء كان خاصاً أو عاماً فهو مال الله والناس مستخلفون فيه فقط، ومحاسبون أمام الله على كسبه وإنفاقه وله طرق محددة في الكسب والإنفاق، وقد ناقشنا في الحلقة الماضية طريقة الكسب عن طريقة التوظيف الحكومي وأنها تمارس بطريقة مجافية لحرمة المال العام في الإسلام، واليوم نناقش بعض الجوانب في طرق الإنفاق والاستثمار الخاص. على الرقعة العربية الواسعة نمارس طرقاً في المال

стр. 67

الخاص في غاية التناقض والاختلاف فبينما تمارس بعض الحكومات (اغتيال) الجهود الخاصة الفردية المنتجة وذلك بما يسمى بالتأميم فتضم مشروعات خاصة في غاية النجاح والنفع للمجتمع وتلحقها بالماكينة الحكومية الصدئة المتضخمة التالفة، نجد أن حكومات أخرى تسمح (للصوص) بسرقة المال العام إلى جيوبهم، ثم تتساهل ويسمح لهم بإنفاقه أيضاً خارج الدولة، وبذلك ترتكب الدولة معهم خطأين، خطأ سرقة المال العام دون وجه حق، وخطأ نقله إلى خارج الأمة لتقوية الأعداء.. ونحن هنا بين إفراط وتفريط، إفراط في الزعم بالمحافظة على المال العام فنكبت كل شعور بالتنافس الشريف والاستثمار الناجح للمجتمع، وبين تفريط مع اللصوص الذين يسرقون أموال الأمة العاملة ويلقون بها في بنوك الغرب ومؤسساته للإسهام في هذه الآلة الرأسمالية الاستعمارية التي تقوم بدورها بامتصاص ثرواتنا ودمائنا، أو يذهبون لينفقوها على موائد الفساد والقمار، ويظنون بهذا أنهم (أحرار) في استثمار ثرواتهم وأموالهم. والحق أن الحرية الشخصية في التصرف في المال الخاص حرية محدودة ملتزمة بالسياسة العامة للأمة وأهدافها وهذه السياسة العامة يجب أن تنبع من إيمان الأمة بالإسلام والتزامها بأحكامه وآدابه، هذا الإسلام الذي يبني الأمة وفق نظام رباني يقوم على العزة التي كتبها الله لنفسه ولرسوله وللمؤمنين ويقوم على المرحمة والعدل بين الناس، وليس من العزة أن تبدد ثرواتنا الخاصة وأن نلقي بها في أيدي الأعداء ليحرقوننا بها، وليس من المرحمة والعدل أن نغتال الجهود الفردية المخلصة ولا أن نسمح لكل من حاز مالاً أن ينفقه كيفما أراد وحيثما يشاء. وأول حق لله في المال الخاص هو حق الإنفاق على

стр. 68

النفس والأهل بالمعروف، وليس من المعروف ما نمارسه الآن من إهدار ثروات الأمة على هذه الرياش والزينة والزخرف والترف الذي بلغ كل حد ووصف، فأواني الذهب والفضة، والأثاث الخيالي الخرافي والحمامات المزودة بصنابير الذهب، والسيارات الخيالية التي استغنى الغرب الرأسمالي عن استعمالها لتكاليفها الباهظة وابتدأ يصدرها إلى (أغنياء النفط) والمساكن (والفيلات) الخيالية وإهدار الطعام والشراب، والتنافس في الاستحواذ على المجوهرات والمصوغات الباهظة، ثم اللوحات (الفنية) التافهة، وحفلات الظهور السخيفة كل هذا ينذر بكارثة لا يعلم إلا الله مآلها ومنتهاها. فالترف هو من أكبر عوامل الفساد والتحلل والانهيار والحضارات البائدة جميعها حضارات بادت بسبب الترف أو كان الترف أهم أسباب سقوطها، فهذا الترف يسبب الأمراض النفسية والجسمية ويملأ المجتمع بالحقد والكراهية والتفكك فمن من هؤلاء لا يفكر إلا في (ربع) الفساد والانحطاط وصدق الله : ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً﴾ . وليس بالضرورة يكون التدمير بكارثة من السماء أو الأرض فالحضارة المترفة الفاسدة يدمر بعضها بعضاً لأنها تحمل عوامل سقوطها ودمارها وتلك سنة الله . إننا نحتاج إلى تقييم آخر لقضية المال الخاص فنطلق أيدي المخلصين العاملين المنتجين، ونضرب على أيدي السفهاء المنحرفين وذلك أن مثل المجتمع الواحد في ترابطه وتأثر

стр. 69

أفراده بعضهم ببعض أشبه بأصحاب سفينة واحدة، فإن عمد بعض أفراد السفينة إلى خرق مكانهم في السفينة لم يغرقوا وحدهم وإنما غرق الجميع، فهل ينتبه (ربان) السفينة العربية الإسلامية إلى الذين يهدمون في جدار هذه السفينة قبل أن نغرق جميعاً؟ ١٨ مارس ١٩٧٧

стр. 70

البحث عن السلام عند تجار الحروب كانت الحرب ومازالت وسيلة من أعظم وسائل الكسب وذلك بالنسبة للغالب، فالغالب يحتل الأرض وفيها الثروات والكنوز وعليها يعيش البشر الذين يسخرون ويستخدمون في خدمة السيد المنتصر وفي تحقيق مآربه وأعراضه، فما روما في التاريخ لولا الحروب، وما فرنسا وما هولندا التي كانت تستعمر شعوباً يفوق عدد رجالها بمائة مرة؟ وتستغل كنوزاً لا تساوي كنوز أرضها بالنسبة إليها شيئاً يذكر. ولم تنته الحرب العالمية الثانية التي ما قامت إلا تنافساً بين الدول الاستعمارية على استغلال خيرات الشعوب الفقيرة المنهوكة إلا وقد نشأ نوع جديد من أنواع الحروب ولون جديد من ألوان الاستعمار، إنه إشعال الحروب بين الشعوب الفقيرة لاستعمارها واستنفاذ ثرواتها. ولقد عمدت روسيا وأمريكا إلى هذه الحروب القذرة بعد أن تحقق لديهما أن لا طاقة لأحد منهما بمجابهة الآخر فإذا كان لابد من التوسع وجني ثمرات الحروب فلتكن بأيدي الآخرين وهذا ما يحدث الآن: تحريك العملاء من كلا الطرفين للقتال المحسوب والمقدر (وهذا في أوقات الاتفاق

стр. 71

والوفاق) ، وتربية العملاء وتدجينهم ليكونوا في خدمة المستعمر والدخول بهم في حرب الآخرين (وهذا في أوقات الاختلاف والضغوط) والمهم أن يبقى القتال والحرب إلى الحد الذي لا يجر دول الذرة إلى الدخول في الصراع، فما الذي تستفيده الدول الكبرى من الحروب الآن؟ ان الحرب أعظم وسيلة لإتلاف أموال الفقراء ولإنهاك اقتصادهم ولترويج صناعة السلاح التي لا يحسنها الا الدول الفتية القوية وكل هذه مطالب استعمارية جهنمية. ثم إن الحرب هي الوسيلة المثلى لتجريب أنواع الأسلحة بصورة واقعية وذلك لإجراء التحسينات والتعديلات تماماً كما تستخدم وذلك لإجراء التحسينات والتعديلات تماماً كما تستخدم الأطباء أنواع الفيران والحيوانات لتجريب المبيدات وزرع (الميكروبات) وإذا علمنا أن سياسة العصر خالية من الأخلاق علمنا إلى أي حد لا يجد أولئك المستعمرون أي حرج أو مساءلة ضمير في فعل ما يفعلون. أليس من الغرابة والعجب أن تسمع الآن أن (هانوي) تقيم علاقة طيبة مع أمريكا وهي التي عاشت قرابة ست سنوات تحت القصف والدمار الأمريكي، وأن روسيا تفكر الآن جادة في إرجاع علاقاتها بإسرائيل، كما كانت قبل أن تقطع، بل إن الرئيس بريجنيف لم يلق خطابه السياسي الأخير الذي رد فيه على خطاب كارتر بشأن فلسطين إلا بعد عرضه على حكام إسرائيل، وهذه الروسيا هي التي زودت العرب بأسلحة طوال ربع قرن موهمة إياهم أنها تريد إزالة إسرائيل، وما الغاية التي يحارب من أجلها الجندي المغربي (المسلم) في زائير؟ هذه الحروب المفتعلة بتحريك الدول الكبرى لعملائها لا

стр. 72

يراد بها إلا الحصول على الغايات الآنفة من بيع السلاح، وإشغال العالم، واستنفاد الثروات والحصول عليها للمستعمر بيد أبنائها وبدماء أهل الأوطان أنفسهم وهذا أخبث أنواع الاستعمار منذ أن وجدت الدنيا. وأما تلك الحروب التي يشعلها المظلومون لاسترداد حقوقهم فسريعاً ما يستغلها سماسرة الحروب وتجار السلاح فيأتون للمسكين والمظلوم والمضطهد ويظهرون له أنهم معه وأنهم مؤيدون لحقه ويبيعونه السلاح وقد يمدون له في الأجل ويضاعفون عليه الديون والربا إلى أن يقع نهائياً في أحابيلهم واستعمارهم، وهم مع ذلك يساعدون عدوه ويبيعون السلاح له أيضاً ويؤيدونه ثم يكتشف المتحاربون في نهاية المطاف أنهم لم يكسبوا شيئاً وأنهم فقدوا كل شيء، وهذه حالتنا في حربنا مع اليهود، والاختلاف فقط في أن اليهود يجدون من يعطيهم مجاناً ولا نجد نحن إلا من يضحك منا ويستغل جهدنا و (عبطنا) واليوم يسعى رؤساؤنا بعد ربع قرن من البحث عن النصر والجري وراء اقتلاع اليهود من هذه الأرض إلى البحث عن السلام ووضع عصى التسيار والركون إلى الدعة والسلم، والعجيب أن ساستنا يبحثون عن السلام عند تجار الحروب تماماً كالذي يذهب ليشتري سم الفيران من عند متعهد بيع الفيران وتصديرها والذي يتوقف دخله وحياته عليها، أمريكا وروسيا أعدى أعداء السلام في الأرض لأن السلام يعني لهما أن لا بيع للسلاح ولا حصول على خيرات الآخرين، وليسوا على استعداد ليتحول مال البترول إلى صناعة تقطع الطريق على بيع صناعاتهم وتصديرها إلينا، فهم ليسوا أغنياء إلى هذا الحد، إلى الحد الذي يفقدون فيه أسواقهم وتجاراتهم ورفاه شعوبهم وتسلبهم متعتهم بعذاب الآخرين (ولا أخلاق للسياسة) .

стр. 73

واليوم ليس أمام ساستنا إلا طريق واحد وهو أن يتحول السلاح المستورد إلى مصانع للسلاح في بلادنا وأن نتجه إلى حرب اليهود، كما ينبغي أن تكون الحرب لا كما يفرضها علينا ويحددها لنا تجار السلاح، واليوم الذي يعلم يهود فلسطين أننا لن نتخذ إلا الحرب وسيلة معهم فلن يبقى في فلسطين أحد منهم ودون حرب، واليهود أصلاً لم يأتوا إلى فلسطين إلا بمظلة إنجليزية ولم يبقوا فيها كل هذه المدة إلا بمظلة أمريكية، وإذا اتخذنا الحرب سبيلاً لاسترداد حقوقنا انقشعت هذه المظلة الأمريكية ولا بد وذلك أن أمريكا لا تلعب معنا إلا بلعبة السلام ولكن أين الحكام الذين لا يخافون على كراسيهم وأعناقهم من المخابرات المركزية الأمريكية؟ وهناك طريق آخر تنادي به إسرائيل الآن وهي أكفر الناس به وهي أن يجلس العرب معهم إلى مائدة مفاوضات فإقرار السلام وإذا كان الساسة العرب يأنفون من هذا الآن، فإنهم واصلون إليه حتماً ولكن في الوقت الذي سيصلون إليه سترفضه إسرائيل، لأن السلام هو أكبر عقبة في تحقيق أحلامها وبلوغها مآربها النهائية في الوقت الذي ستمتد اليد العربية لتصافح اليد الإسرائيلية، ستجد اليد العربية أن اليهود قد سحبوا أيديهم، وعند ذلك قد تأخذنا بقايا النخوة العربية وعند ذلك سنلجأ إلى السلاح، ولكن سيكون الوقت قد فات. وأما الطريق الثالث الذي نمارسه، الآن وهو الجري وراء تجار الحروب من الروس والأمريكان لنطلب منهم السلام، فأقل ما يُقال فيه إنه طلب للشيء من غير مصدره. والعجب أن تجار الحروب قد أتقنوا هذه التجارة إتقاناً عجيباً، فهم يفجرون الحرب في الوقت الذي يناسبهم تماماً، وبالحجم الذي يناسبهم أيضاً وإذا اختل توازن هذه اللعبة وأراد عميل أن يتغلب وينتظر على آخر تدخلوا في الحال

стр. 74

ولبسوا لباس المصلحين الصالحين، وناشدوا الأطراف بضبط النفس وإيثار الحكمة والعقل، ثم إذا ضمد المجروحون جراحاتهم ودفنوا موتاهم، وعاد الدم إلى عروقهم افتعل التجار الحرب الأزمات وراجت سوق السلاح ونفخوا الغضب في عروق العلماء وأعلنت الحرب. ٢٧ أبريل ١٩٧٧

стр. 75

إلى متى نطلب حل مشكلاتنا من الخارج ؟ تشهد هذه الأيام سباقاً بين ساسة الدول العربية للحصول على التأييد المادي والمعنوي من ساسة الدول الكبرى، وقد شهدت موسكو ونيويورك وباريس ولندن وبون عدداً من الزيارات قام بها الساسة العرب لهذه العواصم. وبالرغم من صدور تصريحات مختلفة بل متناقضة أحياناً حول هذه الزيارات ونتائجها نجاحاً أو فشلاً كالاختلاف في تحديد سنة الحل أو الحسم أو السلام والاختلاف حول التأييد المادي الذي انتهت به الزيارة فإن هذا ليس هو موضوع هذا المقال، وإنما السؤال المطروح الآن.. ما هي المنفعة الحقيقية التي يمكن أن نحصل عليها؟ وما التأييد المادي أو المعنوي الذي تستطيع به دولة من دولنا العربية أن تخرج به كنتيجة لزيارة رئيسها إلى دولة من تلك الدول؟ وإذا كنا أكثر تحديداً قلنا: ما نوع التأييد المعنوي الذي يمكن أن تقدمه لنا الدول الكبرى في حربنا مع إسرائيل؟ والجواب أننا لا نعلم أصلاً في تاريخنا الحديث موقفاً واحداً وقفته الدول الكبرى معنا في حربنا مع اليهود قالت فيه كلمة الحق لأجل الحق أو التزاماً بالأخلاق وجميع
следующие страницы →