← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11572

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (195 стр.). Показаны 176–195 · переход к 181.

стр. 176

ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١. أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتون بقياس عقل لباطلهم إلا جاء الله بالحق، وجاء من البيان والدليل وضرب المثل ما هو أحسن كشفا للحق من قياسهم. وجميع ما يقولونه مندرج في علم الصحابة، والآية ذكرها الله بعد قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ ٢ فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسل، وأن هذا الأمر لا بد منه إلى قوله ﴿وَيَوْمَ يَعضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله ﴿خذولا﴾ . والله أرسل محمدا ﷺ إلى العالمين، وضرب الأمثال فيما أرسله به لجميعهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣ فأخبر أنه ضربها لجميعهم، وإلا فالمخاطبين بحسب الحاجات كالسلاح في القتال، فإذا كان العدو في تحصنهم على غير ما كانت عليه فارس والروم كان جهادهم على ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، كرمي أهل الطائف بالمنجنيق، وكاتخاذ الخندق. وما أمر به الرسول فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعضه، وسواء فعل على عهده ﷺ أو لا، فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين والخوارج المارقين، وفارس والروم

стр. 177

والترك وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك هو من سنته، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله". وكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب، وأقام عليهم الحجة برسالة محمد ﷺ وما حرفوا وبدلوا، وصدق بما جاءت به الرسل حتى إذا سمع ذلك العالم منهم المنصف وجده من أبين الحجة والمحاجة؛ ولا تنفع إلا مع العدل، وإلا فالظالم يجحد الحق الذي يعلمه، ويمتنع عن النظر والاستماع، وهو معرض كما أن الإحساس الظاهر كذلك. وطالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه، ولهذا سمي مجتهدا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ١ فالظالم ليس علينا مجادلته بالتي هي أحسن، فإن حرفوا الكلم أمكن معرفة ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ الآية، وإذا ذكروا حجة عقلية فهمت أيضا، وبين ما في القرآن من ردها كالنسخ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليف إما تابع للمشيئة أو للمصلحة، وعلى التقديرين فهو جائز. ثم بين سبحانه وقوعه بتحريم الحلال في التوراة، وقد أحلها لإسرائيل، وأنه تحليل بخطاب ليس لمجرد البقاء على الأصل حتى يكون نسخا كما ادعاه بعضهم. والكلام الذي يخالف القرآن

стр. 178

أو يوافقه من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين، فالقرآن فيه تفصيل كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، وتبليغه لغير العرب بالترجمة. وإذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم وجد القرآن والسنة كاشفا لأحوالهم، مبينا لحقهم، مميزا بين حق ذلك وباطله، والصحابة أعلم الخلق به، وهم أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال ابن مسعود: "من كان مستنا فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين كما يقال: من العجائب فقيه صوفي، وعالم زاهد، فإن أهل بر القلوب يقترن بهم كثير لعدم المعرفة التي توجب النهي عن الشر، والجهاد، ٢ وأهل التعمق في العلم قد يذكرون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في الغي والضلال. وأكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن به التكلف المذموم من المتكلمين والمتعبدين، وهو القول والعمل بلا علم، وطلب ما لا يدرك، خلافا لما عليه الصحابة، وهذا منٌّ من الله على هذه الأمة، كما في أثر المسيح " أهب لهم من علمي وحلمي"، وهذا من خواص متابعة الرسول، فمن كان له أتبع كان فيه أكمل،

стр. 179

كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ١ إلى آخر السورة. ثم ذكر حديثي أبي موسى وابن عمر، فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين، فكيف بغيرهم؟ والمقصود ذكر الطريقة العلمية والعملية، فمتى كان غير الرسول قادرا على علم ذلك أو بيانه أو محبة نفاذه فهو أعلم بذلك، وأحرص على الهدى، وأقدر منه على بيانه. (١٣٣) اعلم أن الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، وميز كل مسمى باسم يدل على ما يفصله من الاسم المشترك، وما يخصه دون ما سواه، ويبين به ما يرتسم معناه في النفس. ومعرفة حدود الأسماء واجبة، لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ما أنزل الله من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك. ولهذا ذم الله من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، كآلهة الأوثان. فالأسماء المنطقية سمعية، أما نفس تصور معانيها في الباطن ففطري، يُعرف بالحس الباطن والظاهر، وبإدراك الحس وشهوده يبصر الإنسان الأشياء بباطنه وظاهره، وبسمعه يعلم أسماءها، وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة. والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل، ولا في الحس، ولا في السمع، إلا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز بسائر الصفات. والله سبحانه علم الإنسان البيان كما قال تعالى:

стр. 180

﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَان َعَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ١، وقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ٢، وقال: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٣. والبيان بيان القلب واللسان، كما أن العمى والبكم يكون بالقلب واللسان، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ، وقال ﷺ : "فإنما شفاء العي السؤال " ٤. وفي الأثر: "العي عن القلب لا عن اللسان" وقال: "شر العمى عمى القلب". وكان ابن مسعود يقول: "إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، وسيأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه". وأما بيان اللسان وخطابه فيحمد منه البلاغ ويذم منه (التشدق والتفيهق) ٥ وتبين الأشياء بالقلب ضد اشتباهها عليه، كقوله: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات"، وقرئ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٦ بالرفع والنصب أي: تستبين أنت سبيلهم، فالأشياء لتستبين الأشياء، وهم يقولون بيّن الشيء، وبينته وتبين وتبينته، واستبان، واستبنته، كل هذا يستعمل لازما ومتعديا، فقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٧ هنا متعد، وقوله: ﴿فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فهنا لازم، فالبيان بمعنى تبيين الشيء، وبمعنى بينت الشيء، أي: أوضحته، وهذا هو الغالب، كقوله: "إن من البيان لسحرا" ٨

стр. 181

أو المقصود ببيان الكلام حصول البيان للقلب، والذي لا يستبين له فهو كما قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ ١، وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ٣. فأما الأشياء المعلومة التي ليس في زيادة وصفها إلا كثرة كلام وتفيهق وتشدق، والتكلم والإفصاح بما يستقبح ذكره، فهذا مما ينهى عنه، كقوله: "إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها " ٤. وفي الحديث: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق" ٥. وأما متى أدخل أحدهما الحد ما أخرجه الآخر أو بالعكس، فهذا علم يستفاد به حد الاسم، ومعرفة عمومه وخصوصه، مثل الكلام في حد الخمر هل هو عصير العنب المشتد أو كل مسكر، وحد الغيبة، ونحو ذلك. وقوله: "الكبر بطر الحق"، وغمط الناس، فقوله: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" لم يذكره للاستدلال على منازع بهذا التركيب، بل أراد أن يبين لهم أن جميع المسكرات داخلة في مسمى الخمر، فهو كقوله في حديث أبي موسى، لما سئل عن أنواع فقال: "كل مسكر حرام" ٦، فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة، وهي القضية الكلية أن كل مسكر خمر، ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن كل خمر حرام ليثبت تحريم المسكر في قلوبهم، كما صرح به في قوله: "كل مسكر حرام"، ولو اقتصر على قوله: "كل مسكر حرام" لتأوله متأول على أنه أراد القدح الآخر كما تأوله بعضهم، ولهذا قال أحمد: قوله: "كل مسكر خمر" أبلغ؛ فإنهم لا يسمون القدح

стр. 182

الآخر خمرا، ولو قال: "كل مسكر خمر" لتأوله بعضهم على أنه يشبه الخمر في التحريم فلما قال: "وكل خمر حرام" علم أنه أراد به دخوله في اسم الخمر التي حرمها الله. (١٣٤) وقال في كلامه على علم المنطق وعلم الكلام لما ذكر أن في كلامهم شيئا من الحق: وكذلك أعمالهم مع أن ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا تكفي في النجاة من عذاب الله، فضلا عن أن تكون محصلة لنعيم الآخرة. ثم ذكر الآيات منها قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ١ الآيات، وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢ إلى آخر السورة، فأخبر هنا بمثل ما في الأعراف؛ فإن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل، لما رأوا بأس الله وحده تركوا الشرك. وكذلك أخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد والرسالة، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ٣ الآيات، وهذا في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بالتوحيد بعبادته وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيء سواه أو اتخاذه إلها، ويخبر أن أهل السعادة أهل التوحيد، وأن المشركين أهل الشقاء، وبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسالة مشركون؛ فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسالة متلازمان، وكذلك الإيمان باليوم الآخر، فالثلاثة متلازمة، ولهذا يجمع بينهم في مثل قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ

стр. 183

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١، وأخبر عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر، وأخبر أن من آمن بالرسل، وأصلح من الأولين والآخرين فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية، فذكر أن المؤمنين من هؤلاء هم أهل النجاة والسعادة، وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم، وذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. فهذه الأصول الثلاثة التوحيد والإيمان بالرسل واليوم الآخر متلازمة، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ٢ الآيات، أخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف، وهو المزين بغروره به، والغرور التلبيس، وهذا شأن كل كلام، وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمين وغيرهم من الأولين والآخرين. ثم قال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ ٣، فأخبر أن كلام أعداء الرسل يصغي إليه الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان؛ فمن لم يؤمن بها صغى إلى زخرفة أعدائهم فخالف الرسل، كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمور، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الآيتين. أخبر أنهم يقولون إذا جاء تأويله:

стр. 184

جاءت رسل ربنا بالحق، وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ١ الآيات. أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ذلك، فتبين أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو التوحيد، واتباع الرسل، والإيمان بالآخرة، والعمل الصالح، وهذه الأمور ليست في حكمتهم، ليس فيها التوحيد، بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بينوا ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع، وأن صناعة الطلاسم والشرك يورث منافع ويدفع مضار، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم به لم ينه عنه، بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحا ما، فقد يرجح غيره من المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعا. فتدبر هذا فإنه نافع جدا. وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة والأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم، ما هو أصل الشرك. وإن ادعوا التوحيد، فهو بالقول لا بالعمل. التوحيد لا بد فيه من الإخلاص في العبادة، وهذا شيء لا يعرفونه. وتوحيدهم الذي يدعونه هو التعطيل، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك؛ فلو كانوا موحدين بالكلام فهو لا يكفي بالنجاة والسعادة، بل لا بد أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلها دون ما سواه، وهو معنى قول لا إله إلا الله، فكيف وهم في الكلام معطلون. وأما الإيمان بالرسل فالذين دخلوا في الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل، وكفروا ببعض، وأما اليوم الآخر فأحسنهم حالا من يقر بمعاد الأرواح، وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل ما لا يحيط به إلا الله. وإذا كان ما تحصل به السعادة والنجاة ليس عندهم كان ما يأمرون

стр. 185

به من الأخلاق والأعمال والسياسات هو كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١. والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا لا يوجب السعادة والنجاة إلا بالأصول المتقدمة، وإنما قوة الذكاء بمنْزلة قوة البدن والإرادة، فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون تلك الأصول بمنْزلة من يعطى قوة في بدنه بدونها، وأهل الرأي والعلم بمنْزلة أهل الملك والإمارة، وكل منهم لا ينفعه ذلك إلا بالأصول المتقدمة؛ فمن لم يأت بها خلد في العذاب إذا قامت عليه الحجة بالرسل، ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل وقد يتابعونهم، ذكرهم الله في كتابه في غير موضع، فذكر فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه، والملأ من قوم نوح وغيرهم، وذكر قول علمائهم كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ ٣ الآيات، إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات، ولهذا قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو الحجة" وذكر في (حم غافر) من حال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء واستكبارهم ما فيه عبرة، مثل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ ٥ وذكر في سورة الأنعام والأعراف وعامة السور

стр. 186

المكية، وطائفة من السور المدنية حالهم، فإنها تشمل على خطابهم، وضرب الأمثال والمقاييس لهم، وذكر قصصهم، وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ ١ الآية، فأخبر بما مكنوا فيه من أصناف الإدراكات والحركات، وأن ذلك لم يغن عنهم حيث جحدوا بالرسالة، ولهذا حدثني ابن الخضيري عن أبيه شيخ الحنفية في زمنه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرا ذكيا، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٢ الآية؛ والقوة تعم قوة الإدراك النظرية، وقوة الحركة العملية، وفي الآية الأخرى ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ ٣، فأخبر بفضلهم في الكم والكيف، وقال عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين للرسل: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآيات وقال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ الآيات. ومثل هذا في القرآن كثير. وذكر ما في المنتسبين إلى أتباع الرسل من العلماء، والعباد، والملوك، من النفاق والضلال في مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ ٤ الآيات، وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يستعمل لازما ومتعديا، والوصفان يجتمعان فيهم، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ

стр. 187

إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ الآية. وفي الحديث: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة" ٢ إلخ، فتبين أن في من يقرأ القرآن مؤمنين ومنافقين. وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثارهم، وأتبعهم لها، وهم الطائفة الناجية من كل أمة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة. وأهل الكلام أكثر الناس شكا، وأضعفهم علما ويقينا؛ وهذا أمر يشهدونه من أنفسهم ويشهده الناس منهم، وشواهده أعظم من أن تذكر هنا. وقيل إن الأشعري مع كونه أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم به صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة أهل الكلام، قال أبو حامد: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام، والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة لكن هو مسرف فيه، بحيث أنه يتهم في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن ثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيهم من نوع من الحق. وتوجد الردة فيهم كثيرا كالنفاق، وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش والميسر، ونحو ذلك؛ ثم تجد كثيرا من

стр. 188

رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون كالأقرع وعيينة ونحوهما، فإن فيهم من يتهم بالنفاق ومرض القلب، هم لما فيه من العلم يشبهون ابن أبي سرح لما ارتد ثم عاد إلى الإسلام. ومن صنف في المشركين، أحسن أحواله أن يكون عاد إلى الإسلام، وكثير منهم هكذا تجده تارة يرتد ردة صريحة، وتارة يعود مع مرض في قلبه ونفاق؛ والحكايات عنهم بذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة منها طرفا. وصنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسنه ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام إجماعا. (١٣٥) العلم يحصل في النفس كما يحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب وعاء وعامة ذلك من الملائكة، فإن الله ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة وغير ذلك ما يشاء، كما قال ﷺ لحسان: "اللهم أيده بروح القدس" ١، وقال تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ . وذكر ﷺ فيمن لم يطلب القضاء بعث الله له ملكا يسدده. وقال ابن مسعود: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر"، وقال: "إن للملك لمة وللشيطان لمة. فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" هذا محفوظ عنه، وربما رفعه بعضهم، وهو جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل، وذلك أن العبد له قوة الشعور وقوة الإرادة والحركة، وإحداهما أصل الثانية مستلزمة لها، والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها، فبالأولى

стр. 189

يصدق بالحق ويكذب بالباطل، وبالثانية يحب النافع ويبغض الضار. والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به، ومعرفة الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع والمحبة له، ومعرفة الضار والبغض له؛ فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة، وما كان حقا نافعا أحبته واطمأنت إليه، وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة وأبغضته وأنكرته، قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١. والإنسان حارث همام، فهو دائم يهم ويعمل، لكن لا يعمل إلا لما يرجو به منفعة أو دفع مضرة؛ لكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل إما في نفس المقصود فلا يكون نافعا ولا ضارا، وإما في الوسيلة فلا يكون طريقا إليه، هذا جهل؛ وقد يعلم أن الشيء يضره ويفعله، ويعلم أنه ينفعه ويتركه، لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع ألم آخر، فيكون جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذلك، ولهذا قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد عن قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل"، فإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا لرجاء وإن كان راهبا لم يسع إلا بما يزيل ذلك، والرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد للخير الذي هو طلب المحبوب وفوات المكروه. فكل بني آدم له اعتقاد، فيه تصديق بشيء، وتكذيب بشيء، وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه، والله خالق العبد ليصدق بالحق، ويقصد الخير فيرجوه بعمله، فإذا كذب بالحق، ولم يرج

стр. 190

الخير فيقصده ويعمل له كان خاسرا بترك التصديق بالحق وطلب الخير، فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟ فكيف إذا صدق بالباطل وأراد الشر؟ فذكر ابن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ولمة من الشيطان، فلمة الملك تصديق بالحق، وهو ما كان من جنس الاعتقاد الصحيح، وإيعاد بالخير، وهو ما كان من جنس إرادة الخير. ولمة الشيطان من جنس الاعتقاد الفاسد، وهو التكذيب بالحق وإيعاد بالشر، وهو ما كان من جنس إرادة الشر وظن وجوده، إما مع رجائه إن كان مع هوى النفس، وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها؛ وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر. فمبدأ العلم والحق والإرادة الصالحة من لمة الملك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من لمة الشيطان، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه، وقال: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية. والشيطان وسواس خناس، إذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل عن ذكره وسوس، فلهذا كان ذكر الله سببا ومبدأ لنُزول العلم والحق والإرادة الصالحة في القلب، وكانت الغفلة عن ذكر الله سببا ومبدأ لنُزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب. ومِنْ ذكر الله تعالى تلاوة كتابه، وفهمه، ومذاكرة العلم كما قال معاذ: "ومذاكرته تسبيح". وتنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقيب النظر في الدليل، وقال بعضهم:

стр. 191

ذلك على سبيل التولد، وقال آخرون: بل يفعله الله. والنظر إما متضمن للعلم، وإما موجب له، وهذا صحيح بناء على أن الله معلم كل علم، لكنه مجمل ليس فيه بيان السبب الخاص المضاف إلى الملائكة في الجملة؛ فإن الله سبحانه يدبر أمر السماء والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره، ولفظ الملائكة يدل على ذلك، وبذلك أخبرت الأنبياء، وشهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع له هذا الموضع، ولكن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركاتها هم الملائكة والشياطين. فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي التكذيب بالحق، والأمر بالشر. والتصديق والتكذيب مقرون بالنظر، كما أن الأمر والنهي مقرون بالإرادة، فإذا كان النظر في دليل هادٍ كالقرآن وسلم من معارضات الشياطين تضمن العلم والهدى؛ ولهذا أمر العبد بالاستعاذة عند القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل، والناظر يعتقد صحته بأن يكون مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل أو يكونان صحيحين لكن التأليف غير مستقيم، صار في القلب به اعتقاد فاسد، وهو غالب الشبهات المخالفة للكتاب والسنة. وإذا كان الناظر لا بد له من متصور فيه، والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علما، بل ربما حصل له بسببه أنواع من الشبهات يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة. وأما النظر المفيد للعلم هو ما كان في دليل هادٍ، والدليل الهادي على العموم هو كتاب الله وسنة نبيه. فالذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر هو ما ينفع، وهو بذكر الله وما نزل من الحق؛ فإذا أراد النظر في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب

стр. 192

ففي كتاب الله وتدبره، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ الآيتين، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ١ الآية، وأما النظر في مسألة معينة لطلب حكمها، والعبد لا يعرف ما يدله عليه، فهذا النظر لا يفيد، بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقا، وهي من إلقاء الشيطان، وقد يقع له تصديقات من إلقاء الملك. وكذلك إذا كان النظر في دليل هادٍ وهو القرآن، فقد يفهم مقصود الدليل فيهتدي، وقد لا يفهمه أو يحرفه عن مواضعه فيضل به، ويكون ذلك من إلقاء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ ٢، وقال ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ، وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ ٣. فالناظر في الدليل كالمترائي للهلال، قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك عمى القلب، فأمر الله بما ينزل على قلبه الأسباب الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة وهو ذكر الله، وذكر الله يعطي الإيمان، وهو أصل الإيمان، والله سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو معلم كل علم وواهبه. فكما أن نفسه أصل لكل موجود فذكره والعلم به

стр. 193

أصل لكل علم وذكر في القلب. والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان، كما قال جندب: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا". ولهذا كان أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ، فأمره أن يقرأ باسمه فتضمن الأمر بذكر الله، وبما أنزل من الحق، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ : ذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا، وهو الإنسان، وأنه المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان، وذكر التعليم بالقلم لأنه آخر المراتب يستلزم تعلم القول والعلم الذي في القلب. وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من الهدى، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله، كما قال: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته" ١، وكما في حديث الاستفتاح: "اللهم رب جبرائيل ... "إلخ. ولا بد أن يكون عند الناظر من العلم الثابت ما لا يحتاج إلى نظر، فيكون أصلا للتفكر الذي يطلب به معلوم آخر، ولهذا كان الذكر متعلقا بالله والتفكر في مخلوقاته، وفي الأثر: "تفكروا في المخلوقات، ولا تفكروا في الخالق"، لأن التفكير في الأمثال والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي المخلوقات، وأما الخالق ﷻ وسبحانه وتعالى فليس له شبيه، فالتفكير الذي مبناه على القياس ممتنع فيه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، وبذلك يحصل من العلم به أمور عظيمة، أعني العلم به نفسه؛ ولهذا كان كثير من أرباب العبادة يأمرون بملازمة الذكر، ويجعلونه باب الوصول إلى الحق، وهذا حسن إذا ضموا إليه اتباع القرآن والسنة واتباع ذلك. وكثير من أرباب النظر يأمرون به، ويجعلونه الطريق إلى معرفة الحق. والنظر صحيح إذا كان في دليل حق، فكل من الطريقين فيها حق، لكن يحتاج إلى الحق التي في الأخرى، ويجب

стр. 194

تنْزيه كل منهما عما دخل فيهما من الباطل، وذلك باتباع الرسل. وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع، وبينا ما جاءت به الشريعة من الطريقة الكاملة الجامعة، والمقصود هنا أن الإنسان يحس بأنه عالم كما يحس الطعام والشراب، كذلك العلم طعام القلب وشرابه كما في الحديث: "إن كل مؤدب يحب أن تؤتي مأدبته، وإن مأدبة الله هي القرآن" ١ كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٢ الآية، وكما في قوله: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث" ٣ الحديث، فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض، وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب فله ملائكة موكلة بالهدى، هذا رزق الأجساد وهذا رزق القلوب، ولهذا قال الحسن في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ : "من أعظم النفقة نفقة العلم". وقال كعب بن عجرة: "ألا أهدي لك هدية"، ثم ذكر حديث الصلاة على النبي ﷺ . وقال معاذ: "عليكم بالعلم، فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح"؛ ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شيء، وعكسه أولئك الذين يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ختم الكتاب سنة ١٢٢٧. قال كاتب الأصل: آخر ما وجدت من خط ملخصه محمد بن عبد الوهاب، ﵀ وعفا عنه بمنه وكرمه.

стр. 195

وأنا أقول: قد تم نسخه من الأصل في ش سنة ١٣٥٧?، وقد اجتهدت فيما أشكل، فشوشت عليه، وما جزمت عليه فأصلحته، فمن وجد بخطي شيئا يحتاج إلى تصليح من خطأ وغيره فجزاه الله خيرا يصلحه، وله الأجر والثواب. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين.