← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11572

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (195 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيعذر القاتل، لأنه مأمور بقتاله فيسقط عنه الدم وتجب الكفارة وهو قول الشافعي، وقيل: هو من أسلم ولم يهاجر، وهو قول أبي حنيفة، وسواء عرف أنه مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر، وهذا ظاهر الآية. وقيل في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ١ الآية، نزلت في ابن سلام وأصحابه كما نقل عن ابن زيد وغيره؛ وبعضهم قال في مؤمني أهل الكتاب فإن أراد من كان في الظاهر معدودا منهم فهو القول الأول، وإن أراد العموم فهو الثاني، وهو ضعيف؛ فإن هؤلاء لا يقال فيهم: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ لأنهم من جملة الصحابة، ولهم أجور مثل أجور المؤمنين، بل يؤتون أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع الشرائع، فأمرهم أعظم من أن يقال لهم أجرهم عند ربهم، وأيضا فإن أمرهم ظاهر معروف، فأي فائدة في الإخبار بهم، وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام - فيهم منافق لا يصلى عليه كما نزل في ابن أبيّ وأمثاله، وأن من هو في أرض الكفر قد يكون مؤمنا يصلى عليه كالنجاشي، وشبه هذا قوله ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢ الآية. قيل: ابن سلام وأصحابه، وهذا والله أعلم من نمط الذي قبله، لأن المقصود من هو منهم في الظاهر، وهو مؤمن كمؤمن آل فرعون، ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، ولهذا قال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً﴾ وهذا عائد إلى جميعهم، لا إلى أكثرهم، ولهذا قال: ﴿يولوكم الأدبار﴾ وقد يقاتلون وفيهم من يكتم إيمانه، وهو مكره على القتال، ويبعث يوم القيامة على نيته كما في الصحيح في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف

стр. 142

بهم كلهم، ويبعثون على نياتهم، وهذا في ظاهر الأمر، وإن قتل وحكم عليه بحكم الكفار، فإنه يبعث على نيته، كما أن المنافقين منّا يبعثون على نياتهم، فالجزاء يوم القيامة على ما في القلوب. ولا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الحرب وقد آمن وعجز عن الهجرة لا يجب عليه ما يعجز عنه، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم وجوب الصلاة أو الزكاة وبقي مدة لم يفعل لم يجب القضاء في أظهر القولين، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وكذلك سائر الواجبات، ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد بإجماع المسلمين، وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو ميسر ثم تبين له التحريم بعد القبض، وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادته ثم تبين له أنه أخل ببعض شروطه كمن تزوج في عدة. وأصل هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلم أم لا تلزم إلا بعد العلم؟ أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد. ومن صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه بالنهي هل يعيد؟ فيه روايتان عن أحمد. والصواب في هذا كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها؛ فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور، وبعد قيام الحجة. (١٢٢) العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب. والظلم من المنكر الذي تبغضه القلوب وتذمه. والله سبحانه أرسل الرسل؛ ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله نبيه أن يحكم بالقسط،

стр. 143

وبما أنزل الله، فدل على أن القسط هو ما أنزل الله. ولكن العدل يتنوع بتنوع الشرائع، ولهذا قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الآية، فذكر أنه أنزل القرآن، وأن يحكم بينهم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل لكل شيء شرعة ومنهاجا. جعل له ﷺ ما في القرآن من الشرعة والمنهاج، وأمره أن يحكم به، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما فيه، وأخبر أن ذلك حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣. لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم به فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وتأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه كإبراهيم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم كسوالف البادية، وأمر المطاعين، ويرونه أنه هو الذي يبتغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر إذا عرفوا ما أنزل الله فلم يلتزموه، بل استحلوا الحكم بغيره فهم كفار، وإلا كانوا جهالا كما تقدم. وأما من كان ملتزما لحكم الله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنْزلة أمثاله من العصاة. وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر يحكمون بغير ما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس على ما يطول ذكره هنا، والذي ذكرته يدل عليه سياق الآية.

стр. 144

والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقا، والحكم بما أنزل الله على محمد هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل، فمن لم يلتزمه فهو كافر. وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية، والعملية، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ١ الآية. (١٢٣) الرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق والهوا بعضهم وغلوا فيه، وبعضهم غلوا في معاداته. وقد سلك ما يشبه هذا كثير من الناس في أمرائهم وعلمائهم وشيوخهم، فيحصل منهم رفض في غير الصحابة. فهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ ٣ الآيات. قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة"، ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج. وقد أمر الله المؤمنين أن يعتصموا بكتابه وبدينه وبالإسلام وبالإخلاص، وبعهده، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين، وكلها صحيحة. فالقرآن يأمر بدين الإسلام وذلك عهده، والاعتصام به جميعا إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص. ثم المعاصي الذي يعرف صاحبها أنه عاص يتوب، والمبتدع الذي يظن أنه على حق ضرره على المسلمين أعظم من ضرر الظلمة الذين

стр. 145

يعلمون أن الظلم محرم، فنهى ﷺ عن قتال الأمراء الظلمة، وأمر بقتال الخوارج، وهذا مما يستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز قتاله. ومن أسباب ذلك أن الظالم الذي يستأثر بالمال والولايات لا يقاتل في العادة إلا لأجل الدنيا، فلم يكن قتالهم ليكون الدين كله لله، ولا من جنس قتال قطاع الطريق الذين قال فيهم: "من قُتل دون ماله فهو شهيد"؛ لأن أولئك معادون لجميع الناس، وجميع الناس يعينون على قتالهم، ولو قدر أنه ليس كذلك، فليسوا ولاة أمر قادرين على الفعل، بل يريدون أموال الناس ودماءهم، فهم مبتدون الناس بالقتال بخلاف ولاة الأمور، فإنهم لا يبدؤون الرعية بالقتال، وفرق بين من تقاتله دفعا وبين من تقاتله ابتداء. ولهذا هل يجوز في الفتنة قتال الدفع؟ فيه عن أحمد روايتان؛ لتعارض الآثار والمعاني. وبالجملة فالعادة المعروفة أن الخروج على ولاة الأمور لطلب ما في أيديهم من المال، والإمارة، وهذا قتال على الدنيا، ولهذا قال أبو برزة في فتنة ابن الزبير والقراء مع الحجاج، وفتنة مروان: إنما يقاتلون على الدنيا، وأما أهل البدع كالخوارج فهم يريدون إفساد دين الناس، فقتالهم قتال عن الدين لتكون كلمة الله هي العليا. (١٢٤) تواتر النقل، وعُلم بالاضطرار من دين الرسول واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، ومنه يصير الكافر مسلما والعدو وليا، ثم إن كان من قلبه دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام. وكما أنهما أصلا الدين فهما أيضا تمام فروعه، فهما الفرق بين أهل الجنة

стр. 146

وأهل النار، قال تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١. وقال النبي ﷺ لما ذكر منازل عالية في الجنة قيل: "يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. فقال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" ٢. وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ ٣ الآيتين. وقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ الآيتين. ثم ذكر آيات كثيرة. ثم قال: وذلك أن المقصود الذي خلق له الخلق عبادة الله وحده، والطريق إلى ذلك هم رسل الله؛ فبالإيمان بالله ورسله يتم المقصود والوسيلة، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك. فمن لم يهتد بنور الرسالة، واكتفى برأيه ورأي من جنسه، فإنه في الشبهات والضلالات والتفرق والاختلاف الذي لا يحيط به إلا الله، كما تجده في الخارجين عن حقيقة الرسالة من الكفار والمسلمين، وهم الذين تفرقوا على الأنبياء كما قال: "إنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم" ٤، وقال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ٥ الآية، وقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٦ الآية، وقال: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ٧، وقال:

стр. 147

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١، وكذلك في سورة الأنبياء، وقال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ ٢، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ٣ الآية. وهذا المعنى قد ثناه الله في كتابه، بين فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسله بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وهو الذي أمر به الأولين والآخرين، فمن خرج عنه كفر بجميع الرسل ولو آمن ببعض الرسالة دون بعض، أو ببعض الكتب والرسل كما عليه المبتدعة في الإسلام وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من أهل التحريف والتبديل في المسلمين. ويدخل في هؤلاء السبعون فرقة في اليهود والأحد والسبعون في النصارى، واثنتان والسبعون في المسلمين، كما قال ﷺ في أحاديث متعددة، وقال في الناجية: "وهي الجماعة"، وفي رواية: "هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ٤. فوصفهم بالاجتماع واتباع الصحابة، وهذا هو السنة والجماعة، فمن خرج عنه فهو من أهل التفرق والاختلاف الذين اختلفوا في الكتاب واختلفوا على الأنبياء، والله أعلم. (١٢٥) سئل ﵀ عن رجل متمسك بالسنة، ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على عليّ لقوله ﵇ له: "أنت مني وأنا منك " ٥، وقوله: "أنت مني بمنْزلة هارون من موسى" ٦ وقوله: "لأعطين الراية

стр. 148

رجلا يحب الله ورسوله" ١.. إلخ وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ما عاداه. إلخ" ٢، وقوله: "أذكركم الله في أهل بيتي" ٣، وقوله سبحانه: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٥ الآية، ولقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ الآية. فأجاب: يجب أن يعلم أولا أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره. وإذا كان كذلك ففضائل الصديق التي ميز بها لم يشركه فيها غيره، وفضائل علي مشتركة، وذلك أن قوله: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ٦، وقوله: "لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر" ٧، وقوله: "إن أمنّ الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر" ٨. وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد: أنه ليس لأحد منهم عليه في صحبته وماله مثل ما لأبي بكر. الثانية: قوله: لا يبقين في المسجد.. إلخ. وهذا تخصيص له دون سائرهم، وأراد بعض الكذابين أن يروي لعلي مثل ذلك، والصحيح لا يعارضه الموضوع. الثالثة: قوله: "لو كنت متخذا خليلا" نص في أنه لا أحد من البشر استحق الخلة لو أمكنت إلا هو، ولو كان غيره أفضل منه لكان أحق بها لو تقع. وكذلك أمره له أن يصلي بالناس مدة مرضه من الخصائص.

стр. 149

وكذلك تأميره له من المدينة على الحج ليقيم السنة ويمحو آثار الجاهلية، فإنه من خصائصه. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: "ادع لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا" ١. وأمثال هذه الأحاديث كثيرة تبين أنه لم يكن في الصحابة من يساويه. وأما قوله: "أنت مني وأنا منك" ٢ فقد قالها لغيره، وقالها لجليبيب والأشعريين. وقال تعالى ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله: "من غشنا فليس منا" ٤، "ومن حمل علينا السلاح فليس مني " ٥ يقتضي أن من يترك هذه الكبائر يكون منا، فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي والنبي منه. وقوله في ابنة حمزة: "أنت مني وأنا منك" ٦ وقوله لزيد: "أنت أخونا ومولانا" ٧ لا يختص بزيد بل كل مواليه كذلك، وكذلك قوله: "لأعطين الراية" إلخ. هو أصح حديث يروى في فضله، وزاد فيه بعض الكذابين أنه أخذها أبو بكر وعمر فهربا. وفي الصحيح أن عمر قال: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" ٨ فهذا الحديث رد على الناصبة الواقفين في علي، وليس هذا من خصائصه، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٩ وهم الذين قاتلوا أهل الردة، وإمامهم أبو بكر، وفي الصحيح: "أنه سأله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها" ١٠ وهذا من خصائصه. وأما قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى" ١١ قاله في غزوة تبوك لما استخلفه على المدينة، فقيل: استخلفه لبغضه إياه. وكان النبي

стр. 150

صلى الله عليه وسلم إذا غزا استخلف رجلا من أمته، وكان بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين، وفي غزوة تبوك لم يأذن لأحد، فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو إلا عاصٍ، فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا فطعن به المنافقون بهذا السبب، فبين له أني لم استخلفك لنقص عندي، فإن موسى استخلف هارون وهو شريكه في الرسالة، أفما ترضى بذلك؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله، وكانوا منه بهذه المنْزلة، فلم يكن هذا من خصائصه. ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على علي، ولما لحقه يبكي، ومما يبين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع. وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه، لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته، أي الشخص من عترته ينبذها حصل المقصود، ولكنه أفضل بني هاشم بعد رسول الله ﷺ فكان أحق الناس بالتقدم من سائرهم. فلما أمر أبا بكر بعد قوله: "أما ترضى" إلخ، علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنْزلة هارون من كل وجه، وإنما شبهه به في الاستخلاف خاصة، وذلك ليس من خصائصه، وقد شبه النبي ﷺ أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى ﵈، لما أشارا في الأسرى، وهذا أعظم من تشبيه عليّ بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنْزلة أولئك الرسل؛ والتشبيه بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب. وأما قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه" ١ إلخ، فهذا ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي، وليس فيه إلا من "كنت مولاه فعلي مولاه"، وأما الزيادة فليست في الحديث؛ وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية. ولا ريب

стр. 151

أنها كذب لوجوه: أحدها أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي ﷺ . وأما قوله يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" ١ فليس من الخصائص، بل هو مساو لجميع أهل البيت. وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة؛ فإنهم يعادون العباس وذريته، بل يعادون جمهور أهل البيت ويعينون الكفار عليهم. وأما آية المباهلة فليست من الخصائص، بل دعا عليا وفاطمة وابنيهما، ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة، بل لأنهم أخص أهل بيته كما في حديث الكساء: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا" ٢، فدعا لهم وخصهم، والأنفس يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ ٣ وقال ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي يقتل بعضكم بعضا. وقوله: "أنت مني وأنا منك" ٤ ليس المراد أنه من ذاته، ولا ريب أنه أعظم الناس قدرا من الأقارب، فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد لبقية القرابة، فدخل في ذلك المباهلة، وذلك لا يمنع أن يكون في غير الأقارب من هو أفضل منه، لأن المباهلة وقعت في الأقارب. وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلخ. فهي مشتركة بين علي وحمزة وعبيدة، بل سائر البدريين يشاركونهم فيها. وأما سورة ﴿هَلْ أَتَى﴾ فمن قال: إنها نزلت فيه، وفي فاطمة

стр. 152

وابنيهما، فهذا كذب، لأنها مكية، وزواج علي وفاطمة في المدينة، يكذب هذا القول، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. وبتقدير صحته فليس فيه أن من أطعم مسكينا، ويتيما، وأسيرا أفضل الصحابة، بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل هذا، وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل، مع أن غيره من الأعمال من الإيمان بالله والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه. (١٢٦) ذكر ﵀ حديث: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل ... إلى قوله: فليسجد سجدتين" ١. أخبر أن هذا التذكير والوسواس من الشيطان، وذكر قبله سورة الناس وأمره بالسجدتين ولم يؤثمه، والوسواس الخفيف لا يبطلها إجماعا، وإذا كان الأغلب فهل يعيد؟ اختاره ابن حامد، والصحيح الذي عليه الجمهور لا إعادة، فالحديث عام مطلق في كل وسواس، ولم يأمر بالإعادة، لكن ينقص أجره بقدر ذلك، قال ابن عباس: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" وذكر حديث عمار أن "الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا عشرها إلا تسعها إلا ثمنها، حتى قال: إلا نصفها" ٢، وهو حجة على ابن حامد. وأداء الواجب له مقصودان: أحدهما: براءة الذمة بحيث يندفع العقاب، فهذا لا تجب عليه الإعادة؛ فإن مقصود الإعادة حصول الثواب المجرد وهو شأن التطوع، ولكن حصول الحسنات الماحية للسيئات مع القبول الذي عليه الثواب يكفر عنه، وما لا ثواب فيه لا يكفر، وإن برئت منه الذمة، كما في الحديث: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب" ٣

стр. 153

ولم يحصل له منفعة لكن برئت الذمة فاندفع العقاب، فكان على حاله لم يزدد بذلك خيرا، والصوم شرع لتحصل التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ١ الآية، وقال ﷺ : "الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل. فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم" ٢. قيل: يقول في نفسه، وقيل: بلسانه، وقيل: يفرق بين الفرض والنفل، والصحيح أنه بلسانه كما دل عليه الحديث، وهو زجر لمن بدأه بالعدوان. وفي الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ٣ بين أن الله لم يحرم عليه الأكل لحاجته إلى ترك الطعام، كما يحرم السيد على عبده بعض ماله، بل المقصود محبة الله، وهي حصول التقوى، فإذا لم يأت به فقد أتى ما ليس فيه محبة ورضى، فلا يثاب عليه، لكن لم يعاقب عقوبة التارك. والحسنات المقبولة له تكفر السيئات، وفي الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"٤ ولو كفر الجميع بالخمس لم يحتج إلى الجمعة، لكن التكفير بالحسنات المقبولة، وغالب الناس لا يكتب له من الصلاة إلا بعضها، فيكفر ذلك بقدره، والباقي يحتاج إلى تكفير، ولهذا جاء: "إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله الصلاة، فإن كملت وإلا قيل: انظروا هل من تطوع. فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة. ثم يصنع في سائر الأعمال كذلك" ٥. وتكميل الفرائض بالتطوع مطلق، فإنه إذا ترك بعض الواجبات استحق العقوبة، فإذا كان له من جنسه تطوع سد مسده، فلا يعاقب.

стр. 154

وإن كان ثوابه ناقصا وله تطوع سد مسده، فيكمل به ثوابه، وهو في الدنيا يؤمر بالإعادة حيث تمكن، أو يجبره بما ينجبر به كسجدتي السهو، وكالدم فيما ترك من واجبات الحج، وكمثل صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وذلك لأنه إذا أمكنه أن يأتي بالواجب كان ذلك عليه، ولم يكن برئ من عهدته، بل هو مطلوب به كما لو لم يفعل، بخلاف ما إذا تعذر يوم الجزاء، فإنه لم يبق هناك إلا الحسنات؛ ولهذا كان الجمهور على أن من ترك واجبا من الصلاة عمدا فعليه الإعادة ما دام يمكن فعلها، وهو إعادة في الوقت، وفي حديث المسيء: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ١، فدل على أن من ترك الواجب لم يكن ما فعل صلاة بل يؤمر بالصلاة، لأنها لم تكن بمقامة المأمور بها في قوله ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢. فإن قيل ففي حديث رفاعة الذي في السنن أنه جعل ما ترك يؤاخذ بتركه فقط، قيل: وكذلك نقول يثاب على ما فعل، وليس كالتارك، ويؤمر بالإعادة لدفع العقوبة. فإن قيل: فإذا لم يكن فعله مفردا طاعة لم يثب عليه، قيل: فعله وهو لم يثب عليه يعلم أنه لا يجوز، أو كان ساهيا كالذي يصلي بلا وضوء ويسهو عن القرآن فيثاب، ولا يعاقب، ولكن يؤمر بالإعادة لأنه لم يفعل ما أمر به، وكالنائم إذا استيقظ، وأما إذا أمر بالإعادة فقد علم أنه لا يجوز فعله مفردا فلا يؤمر به مفردا. فإن قيل: فإن ترك الواجب عمدا؟ قيل: هذا مستحق للعقاب، وقد يكون إثمه كإثم التارك للصلاة، والمسلم لا يصلي إلى غير قبلة، أو بغير وضوء، ومع هذا فقد يمكن إذا لم يفعله استخفافا بل مع الاعتراف بأنه مذنب

стр. 155

أن يثاب على ما فعل، كمن ترك بعض واجبات الحج. فإن قيل: الفقهاء يقولون بطلت صلاته، قيل: الباطل في عرفهم ضد الصحيح، والصحيح عندهم ما حصل المقصود وبرئت به الذمة. فإن قيل في سؤال يؤمرون بالإعادة، ومن ترك شيئا من واجبات الإيمان لا يؤمر بالإعادة، قيل: ليس الأمر بالإعادة مطلقا، بل يؤمر بالممكن، فإن أمكنت الإعادة وإلا أمر بفعل الحسنات، كتارك الجمعة، فإنه لو أمر بالظهر فلا يسد مسدها، ولا يزول الإثم، وكذلك من ترك واجبا في الحج عمدا فإنه يؤمر به إن أمكن في الوقت، وإلا أمر بالدم، ولا يسقط عنه الإثم مطلقا، بل هذا يمكنه من البدل، وعليه أن يتوب منه توبة تغسل إثمه. ومن ذلك أن يأتي بحسنات تمحوه، وكذلك من فوت واجبا لا يمكنه استدراكه، وأما إذا أمكن استدراكه فعله بنفسه. وهكذا نقول فيمن ترك بعض واجبات الإيمان، بل كل مأمور تركه فقد ترك جزءا من إيمانه، فيستدركه بحسب الإمكان، فإن فات وقته تاب وفعل حسنات غيره، ولهذا اتفقوا على إمكان إعادة الصلاة في الوقت الخاص والمشترك، كمن يصلي الظهر بعد دخول العصر، ويؤخر العصر إلى الاصفرار فتصح صلاته، وعليه إثم التأخير، وهو من المذمومين في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ رضي الله عنهالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ ٢ فإنه تأخيرها عن وقتها الذي يجب فعلها فيه، فإنه إضاعة لها، وسهو عنها بلا نزاع أعلمه، وجاءت به الآثار عن الصحابة والتابعين، وقال ﷺ في

стр. 156

الأمراء الذين يؤخرونها: "صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" ١؛ وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى الاصفرار، وهم مذمومون، لكن ليسوا كمن تركها، أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر ﷺ بقتالهم ونهى عن قتال أولئك، فدل على صحة صلاتهم. وفي الصحيح عنه: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " ٢ مع أن في الصحيح عنه: "تلك صلاة المنافق.." إلخ.. واتفقوا على أن من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ويقضي على الفور عند الجمهور، والشافعي يجعله على التراخي، ومن نسي بعض واجباتها فهو كمن نسيها، كما فعل عمر وعثمان لما صلوا بالناس ثم ذكروا أنهم جنبا، فأعادوا ولم يأمروا الناس بالإعادة. وأما من فوتها عمدا عالما بوجوبها، أو فوت بعض واجباتها التي يعلم، ففيه نزاع، قيل: يصليها وهو قول الجمهور، ومالك وغيره من أهل المدينة يقولون: ما لم يكن فرضا واجبا، وهو الذي يسمونه سنة يعيد في الوقت، كمن صلى بالنجاسة، وأما الفرض كالركوع والطهارة فيعيد بعد الوقت. (١٢٧) قوله ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال" ٣، جوابا للسائل في بيان ما يحبه الله ويكرهه من الأفعال، فإنة قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، والكبر من كسب العبد، فخاف السائل أن يكون ما يتجمل به الإنسان فيكون أجمل به ممن لم يعمل مثله من الكبر، فقال: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، وحسن ثوبه ونعله حاصل بفعله، ليس كصورته فقال: "إن الله جميل يحب الجمال"، ففرق بين الكبر الذي ذمه الله وبين الجمال الذي يحبه الله، والله إذا خلق شخصا

стр. 157

أعظم من شخص إما في جسمه أو قوته أو عقله لم يكن هذا مبغضا لأنه بغير اختيار العبد، وبخلاف ما إذا تكبر بذلك أو بغيره فإنه من عمله. فإنه إذا خلق جميل الصورة لم يكن ذلك من عمله يحمد عليه أو يذم، كما أنه إذا خلق أسود أو قصيرا لم يحمد على ذلك ولم يذم، ولهذا لما كان المنافقون لهم جمال في الصورة بدون الإيمان شبههم بالخشب المسندة اليابسة التي لا تثمر. وقد تكون الصورة عونا على الإيمان كالقوة والمال فيحمد إذا استعان بهما على الطاعة، ويكون فيه الجمال الذي يحبه الله، والأسود إذا فعل ما يحبه الله من الجمال كان فيه الجمال الذي يحبه الله، والمقصود بيان ما يحبه الله، ويكرهه. وأول من أنكر المحبة والتكليم الجعد بن درهم، وطوائف أقروا أنه يحب، وأنكروا أنه يحب غيره، ومحبة المؤمنين لربهم أمر موجود في الفطر والقلوب، وثبت أن التذاذهم يوم القيامة بالنظر إلى الله أعظم لذة في الجنة، والإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله، وذكر محامده وآلائه، وعبادته من اللذة ما لا يجده بشيء آخر. وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما هي؟ قال: مجالس الذكر"١، ومن هذا قوله: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ٢، فإن هذا كان أعظم مجالس الذكر. والمنكرون للرؤية ينكرون هذه اللذة، وقد يفسرها من يتأول الرؤية بمزيد العلم على لذة العلم، كالذي في الدنيا بذكره لكن تلك أكمل، وهذا قول متصوفي الفلاسفة، والنفاة، كالفارابي وكأبي حامد وأمثاله. وأما أبو المعالي وابن عقيل ونحوهما فمنكرون أن يتلذذ أحد بالنظر إليه سبحانه، وقال أبو المعالي: يمكن أن يحصل مع النظر إليه لذة ببعض المخلوقات، وهذا ونحوه

стр. 158

مما أنكر على ابن عقيل؛ فإنه كان فاضلا ذكيا، ولكن تتلون آراؤه في هذه المواضع، ولهذا يوجد في كلامه كثيرا مما يوافق فيه المعتزلة والجهمية وهذا من ذاك. وكذا أبو المعالي بنى هذا على أصل الجهمية الذي وافقهم فيه الباقلاني والقاضي أبو يعلى وغيرهما، أن الله لا تحب ذاته، ويزعمون أن الخلاف في ذلك مع الصوفية. والسلف كلهم متفقون على أن الله سبحانه يستحق أن يحب، وليس شيء أحق بأن يحب من الله سبحانه، بل لا يصلح أن يحب غيره إلا لأجله، وكل ما يحب المؤمن من طعام وشراب وغيره لا ينبغي له أن يفعله إلا ليستعين به على عبادته. وما من مؤمن إلا وفي قلبه حب الله، وهو يجد نفسه محتاجة إلى الله في تحصيل مطالبه، ويجد في قلبه محبة لله غير هذه، فهو محتاج إليه من جهة أنه ربه، ومن جهة أنه إلهه، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فلا بد أن يكون العبد عابدا لله، ولا بد أن يكود مستعينا به، ولهذا فرض الله على كل مسلم أن يقولها في صلاته، وهي بين العبد والرب. وروي عن الحسن: "أن الله أنزل مائة كتاب، وأربع كتب جمع سرها في الأربعة، وجمع سر الأربعة في القرآن، وجمع سر القرآن في الفاتحة، وجمع سر الفاتحة في هاتين الكلمتين" ولهذا ثناها الله سبحانه في كتابه في غير موضع، كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٢، فأخبر أن المؤمنين أشد

стр. 159

حبا لله من المشركين لآلهتهم، وأنهم يحبونهم كحب الله، ومعلوم أنهم يحبون آلهتهم محبة قوية، كما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ ١. وإذا عرف أنه متصف بصفات الكمال، كان حبه أشد مع قطع النظر بلغ عن نفعه ٢. (١٢٨) الله سبحانه يحب عباده المؤمنين فيريد الإحسان إليهم، وهم يحبونه فيريدون طاعته، وفي الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده" ٣ إلخ. وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه للرسول ﷺ محبة لا توجد لغيره، حتى إنه إذا سمع محبوبا له يسبه هان عليه عداوته ومهاجرته، بل قتله، وإن لم يفعل ذلك لم يكن مؤمنا، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ الآية؛ بل قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ٥ الآية، فتوعد من كان الأهل والمال أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. وفي الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" ٦ إلخ. هذه الحلاوة لا يكون من محبة العوض الذي لم يحصل بعد، بل الفاعل الذي لا يعمل إلا للكراء لا يجد حال العمل إلا التعب. فلو كان لا معنى لمحبة الله ورسوله إلا محبة ما يصير إليه لم يكن هناك حلاوة يجدها المؤمن في قلبه، وهو في دار التكليف، وهذا خلاف الشرع والفطرة. فالله فطر العباد على ملة إبراهيم الحنيفية، وأصلها محبة الله وحده، فما من

стр. 160

فطرة لم تفسد إلا وهي تجد فيها محبة الله تعالى. ولكن قد تفسد الفطرة إما لكبر وغرض فاسد كفرعون، وإما بأن يشرك معه غيره في المحبة كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١. وأما أهل التوحيد ففي قلوبهم محبة لله لا يماثله فيها غيره، ولهذا كان الرب محمودا حمدا مطلقا على كل ما فعله، وحمدا خاصا على إحسانه إلى الحامد، فهذا حمد الشكر، والأول حمده على ما فعله كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ٢ الآية. والحمد ضد الذم، والحمد خبر من محاسن المحمود مقرون بمحبته، والذم خبر بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة. وأول ما نطق به آدم " الحمد لله رب العالمين " وأول ما سمع من ربه يرحمك ربك، وآخر دعوى أهل الجنة "الحمد لله رب العالمين"، وأول ما يدعى إلى الجنة الحمادون، ونبينا صاحب لواء الحمد; آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب المقام المحمود، فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا حمد إلا بحب المحمود، وهو سبحانه المعبود المحمود. وأول نصف الفاتحة الذي للرب حمده، وآخره عبادته، وقال ﷺ : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ٣، فجمع بين التوحيد، والتحميد، كما قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤. والخُطَب لا بد فيها من الحمد والتوحيد، وكذلك

стр. 161

التشهد أوله ثناء، وآخره الشهادتان. وإذا كان العباد يحبونه ويثنون عليه فهو سبحانه أحق بحمد نفسه، والثناء على نفسه، والمحبة لنفسه، كما قال أفضل الخلق: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فلا ثناء من مثنٍ أعظم من ثناء الرب على نفسه، ولا حب لمحبوب من محبه أعظم من محبة الرب لنفسه. وكل ما يحبه من عباده فهو تابع لحبه لنفسه. فالمؤمن إذا كان يحب ما يحبه لله فهو تبع لمحبة الله، فكيف الرب تعالى فيما يحبه من مخلوقاته؟ إنما يحبه تبعا لحبه لنفسه، وخلق المخلوقات لحكمته التي يحبها، فما خلق شيئا إلا لحكمة، فهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه، وقال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١. وليس في أسمائه إلا اسم مدح، ولهذا كلها حسنى، والحسنى خلاف السوأى. والحسن محبوب ممدوح، فالمقصود بالخلق ما يحبه، ويرضاه، وذلك ممدوح، ولكن قد يكون من لوازم ما يحبه وسائله، فإن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع، كما يمتنع وجود العلم، والإرادة بلا حياة، ولهذا إذا ذكر باسم خاص قرن بالخير، كالضار النافع، فيجمع بين الاسمين لما في العموم والشمول الدال على وحدانيته، وأنه وحده يفعل هذه الأشياء، ولهذا لا يدعى بأحدهما وحده، بل يذكران جميعا؛ ولهذا كل نعمة منه فضل، وكل نعمة منه عدل، والإحسان بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى، وكلتا يديه يمنى مباركة؛ والمقسطون يوم القيامة على يمينه. والمقصود أنه سبحانه إذا خلق ما يبغضه لحكمة يحبها فهو مريد لكل ما خلقه وإن كان مما خلق ببغضه إنما خلقه

стр. 162

لغيره، والفرق بين المحبة والمشيئة مذهب السلف. (١٢٩) الناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان وطريق شرعي: فالشرعي النظر فيما جاء به الرسول والاستدلال بأدلته، والعمل به، فلا يكفي علم بلا عمل، ولا عمل بلا علم، بل يكفي أحدهما، وهي متضمنة الأدلة العقلية، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما يتوقف. وأما المبتدعان فأحدهما طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي؛ فإن فيه باطلا كثيرا. وكثير من أهله يفرطون فيما أمروا به من الأعمال، فينحرفون إلى اليهودية الباطلة. والثاني طريق أهل العبادة البدعية فينحرفون إلى النصرانية، فهم في فساد من جهة العمل ومن نقص العلم. وكثير ما يقدح أحدهما في الأخرى، والكل يدعي اتباع الرسول ولا يوافق هؤلاء، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ ١ الآية. ما كان الرسول على طريقة هؤلاء، ولا هؤلاء. وكثير من أهل النظر يزعمون أن العلم يحصل به بلا عبادة. وكثير من أهل العبادة يزعمون أن طريق الرياضة يحصل للعارف بلا تعلم، وكلا الفريقين غالط؛ فإن لتزكية النفس تأثيرا عظيما في حصول العلم، لكن لا بد من النظرة والتدبر. ولو تعبد الإنسان ما عسى أن يتعبد، ولم يعرف من جهة محمد ما خصه

стр. 163

الله به لم يعلم، وكذلك لو نظر لم يحصل له المطلوب إلا بالتعلم من جهته، ولا يحصل العلم النافع إلا مع العمل، وإلا فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ١، وذكر آيات، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيات، وذكر آيات، وقال تعالى للرسول الذي كان أزكى الناس نفسا، وأكملهم عقلا قبل الوحي: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٢ الآية وقال: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ ٣، وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ..الآيات.? وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ٤ الآيتين، قال المفسرون: يعش عنه: لا يلتفت إليه. فكل من عشي عن القرآن قيض له شيطانا يضله، ولو تعهد، قال ابن عباس: يعمى، وقال أبو عبيدة: تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة، والعشا: ضعف البصر، ولهذا قال: ﴿يعش﴾ ، وقول من قال: يعرض صحيح من جهة المعنى؛ فإن يعش مضمن يعرض، ولهذا عدي بعن، كما يقال أنت أعمى عن محاسن فلان، إذا أعرضت فلم تنظر إليها، فقوله ﴿يعش﴾ أي: يكون أعشى عنها، وهو دون الأعمى، فلم ينظر إليها إلا نظرا ضعيفا، وهذا حال أهل الضلال الذين لم ينتفعوا بالقرآن، فإنهم لا ينظرون فيه كنظرهم في كلام أئمتهم، لأنهم يحسبون أنه لا يحصل المقصود، ولهذا لا تجد في كلام من لم

стр. 164

يتبع الكتاب والسنة بيان الحق لكثرة ما فيه من وساوس الشياطين، كما قال بعضهم في كتاب المحصل للرازي: محصل في أصول الدين حاصله من بعد تحصيله أصل بلا دين أصل الضلالات والشد المبين وما فيه فأكثره وحي الشياطين (١٣٠) المنحرفون في الصحابة وغيرهم صنفان: القادحون بما يغفره الله، والمادحون الذين يجعلون السعي المغفور من السعي المشكور. وعثمان تقابلت فيه الخوارج والشيعة وطائفة من بني أمية وغيرهم، لكن الغالين فيه أقل غلوا من الغالين في علي؛ وفي غالب الأمور تجد بدع هؤلاء أشنع من بدع أولئك. وعقوبة الآخرة تندفع بعشرة أسباب: الأول: التوبة. والثاني: الاستغفار الذي من جنس الدعاء. الثالث: الأعمال الصالحة؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، لكن الحسنات على حسب ما في قلب صاحبها من الإيمان، وربما مثل أحد ذهبا ينفقه الإنسان ولا يصير مثل مُدّ. الرابع: الدعاء للمؤمنين، مثل صلاة المسلمين على الميت ودعائهم له. والخامس: دعاء النبي ﷺ واستغفاره في حياته وبعد مماته، كشفا عنه يوم القيامة. السادس: ما يهدى للميت من العمل الصالح. السابع: المصائب التي تكفر الخطايا. والصحابة أصيبوا بمصائب منها الفتن مع أنهم أقل فتنا ممن بعدهم، فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والاختلاف، ولهذا لم يحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل تفرقوا، وحدثت بدعتان: بدعة الخوارج وبدعة الروافض. ثم في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية. ثم لما كان في آخر

стр. 165

عصر التابعين حدثت بدعة الجهمية وبدعة المشبهة. ولم يكن على عهد الصحابة شيء من هذا. وكذلك فتن السيف، فإنهم في ولاية معاوية متفقون يغزون العدو، فلما مات قتل الحسين، وحوصر ابن الزبير بمكة، وفتنة الحرة. ثم لما مات يزيد جرت فتنة بالشام بين مروان والضحاك بمرج راهط، ثم وثب المختار على ابن زياد فقتله، وجرت فتنة مصعب بن الزبير، وقتل المختار، وجرت فتنة. ثم ذهب عبد الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة. ثم أرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره ثم قتله، وجرت فتنة. ثم تولى الحجاج العراق فخرج عليه ابن الأشعث وكانت فتنة كبيرة، وهذا كله بعد موت معاوية. ثم جرت فتنة ابن المهلب بخراسان، وقتل زيد بن علي بالكوفة في فتن أخر. ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان وجرت حروب وفتن يطول وصفها. ثم هلم جرا، فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية. وروى الأثرم عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية، لقال أكثركم هذا المهدي. ثم ذكر مثله عن مجاهد والأعمش. وفضائله، وعدله، وحسن سيرته كثير، وفي الصحيح أن ابن عباس قال لمن قال له: إن معاوية أوتر بركعة: "أصاب، إنه فقيه". وقال أبو الدرداء: "ما رأيت أشبه صلاة بصلاة رسول الله من إمامكم هذا، يعني معاوية". فهذا كلام ابن عباس وأبي الدرداء وهما هما. والمقصود أن الفتن التي بين الأمة والذنوب التي لها بعد الصحابة أكثر وأعظم، ومع هذا فمكفرات الذنوب موجودة. وأما الصحابة فأكثرهم ما دخل في فتنة، قال أحمد ثنا ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال "هاجت الفتنة والصحابة عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" وهذا من أصح إسناد

стр. 166

على وجه الأرض، وابن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل. وقال أحمد: ثنا إسماعيل ثنا منصور بن عبد الرحمن قال الشعبي: "لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب" وقال أحمد: ثنا أمية بن خالد قال: "قيل لشعبة: إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهد صفين من أهل بدر سبعون. فقال: كذب والله، لقد ذاكرت الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة". قلت: هذا النفي يدل على قلة من حضرها، وقيل حضرها سهل بن حنيف وأبو أيوب. وروى ابن بطة عن بكير عن الأشج: "أن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا لقبورهم". التاسع ١: ما يحصل في الآخرة من كرب يوم القيامة. العاشر ٢: المقاصة في القنطرة بعد الصراط كما في الصحيحين. فهذه الأسباب لا تفوت المؤمنين كلها إلا القليل فكيف الصحابة؟ ووصى العلماء بالإمساك عما شجر بينهم، لأنا لا نسأل عن ذلك، قال عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب بها لساني". لكن إذا قدح فيهم مبتدع بالباطل، فلا بد من الذب عنهم بعلم وعدل، وقوله: زاد في الأذان يوم الجمعة وهو بدعة، فعلي ممن وافق على ذلك ولم يغيره في ولايته كما غير غيره، ولو أزاله لنقل، فإن قيل: لأن الناس لا يوافقونه، قيل: فهو دليل على أن الناس وافقوا على استحسانها، ولو قدر أن في الصحابة

стр. 167

من أنكره، فهو من مسائل الاجتهاد. وقوله: هي بدعة، إن أراد أنه لم يفعل قبله، فقتال أهل القبلة كذلك. فإن قيل: بل البدعة ما فعله بغير دليل شرعي، قيل: من أين لكم أن عثمان فعله بغير ذلك؟ وعلي أحدث في خلافته العيد الثاني بالجامع، وابن عباس عرف بالبصرة في خلافة علي ولم يذكر عنه أنه أنكره، والنداء الأول اتفق عليه الناس، كما اتفقوا على ما سن عمر من جمع الناس في رمضان على إمام واحد. وأما ما سنه علي من العيد ففيه نزاع، وأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه، وآخرون من العلماء كمالك وغيره لا يتبعون عليا فيما سنه، وكلهم متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه. ومن هذا الباب ما يذكر مما فعله عمر من تضعيف الصدقة التي هي جزية في المعنى على نصارى بني تغلب، وأمثال ذلك. (١٣١) لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح جنس تحته نوعان: الإسالة وغيرها، تقول العرب: تمسحت للصلاة، فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص الآخر باسم المسح. ولهذا نظائر مثل لفظ: "ذوي الأرحام" يعم العصبة وغيرهم، ثم لما كان للعصبة وذوي الفروض اسما يخصهما بقي لفظ "ذوي الأرحام" مختصا في العرف، لا يرث بفرض ولا تعصيب. وكذلك لفظ الجائز والمباح يعم ما ليس بحرام، ثم قد يختص بأحد الأقسام الخمسة. وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان ثم قد يخص بغيره. ومثل هذا كثير، ومنه لفظ المسح، وفي القرآن ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الخاص، فإنه قال ﴿إلى الكعبين﴾ ، ولم يقل إلى الكعاب كما قال إلى المرافق، فدل على أنه ليس في

стр. 168

كل رجل كعب، بل كعبان؛ فيكون أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل؛ فإن من يسمح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين. وفي ذكره الغسل في العضوين الأولين، والمسح في الآخرين تنبيه على أن هذين يجب فيهما المسح العام، فتارة يجزئ الخاص كما في العمامة والخفين، وتارة المسح الكامل. وتواتر عنه ﷺ غسل الرجلين، والمسح على الخفين. وفيه تنبيه على قلة الصب في الرجل، لأن السرف يعتاد فيها وفية اختصار الكلام، فإن المعطوف والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفي بذكر أحدهما كقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ إلى قوله ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ وهن لا يطاف لهن لكن المعنى يؤتى بهذا، وبهذا. وهم قد يحذفون ما يدل الظاهر على جنسه لا على نفسه، كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ١ والمعنى يعذب الظالمين، والآية فيها قراءتان، ومن قرأه بالخفض يكون المعنى فامسحوا برؤوسكم، وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين. فقوله: مسحت الرجل ليس مرادفا لمسحت بالرجل، فإذا عدي بالباء أريد به معنى الإلصاق أي ألصقت بها شيئا، وإذا قيل مسحتها لم يقتض ذلك بل مجرد المسح، وهو لم يرد مجرد المسح باليد إجماعا، فتعين أنه أراد المسح بالماء وهو مجمل فسرته السنة. وبالجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه إيجاب المسح، فلو قدر أن السنة أوجبت قدرا زائدًا على القرآن لم يكن دفعا لموجب القرآن، فكيف إذا فسرته السنة والسنة تفسر القرآن، وتقضي على ما يفهمه بعضهم من ظاهر القرآن؟ وقولهم: إن الفرض مسح الرجلين

стр. 169

إلى الكعبين مجتمع الساق والقدم، لا يدل عليه القرآن بوجه من الوجوه، فإنه أوجب المسح بالرؤوس وبالأرجل إلى الكعبين مع إيجاب غسل الوجوه والأيدي إلى المرافق، فظاهره أن في كل يد مرفقا، وفي كل رجل كعبين، فهذا على قراءة الخفض. وأما على قراءة النصب فالعطف إنما يكون على المحل إذا كان المعنى واحدا، كقول الشاعر: معاوي إننا بشر فاسمح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فلو كان معنى مسحت برأسي ورجلي مسحت رأسي ورجلي لأمكن كونه على المحل، والمعنى مختلف، فعلم أن قوله: ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب عطف على ﴿وأيديكم﴾ ، فعلم أنهم لم يتمسكوا بظاهر القرآن، وهذا حال سائر أهل الأقوال الضعيفة إذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة، كقول الخوارج لا يصلى في سفر الأمن إلا أربعا، ومن قال: لا يحكم بشاهد ويمين وبين أن ما دل عليه ظاهر القرآن حق، وأنه ليس بعام مخصوص، فإنه ليس هناك عموم لفظي، بل مطلق كقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإنه عام في الأعيان مطلق في الأحوال، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ . وقال في آية المتعة: ليس في الآية لفظ صريح يحلها، فإنه قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الآية. فقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ يتناول كل مدخول بها تعطى جميع الصداق، بخلاف المطلقه قبل الدخول، وليس لتخصيص الآية بالموقت معنى بل في المؤبد أولى، فلا بد من

стр. 170

دلالتها عليه إما بالتخصيص وإما بالعموم، يدل عليه ذكره بعد نكاح الإماء، فدل على أنه في كل نكاح الحرائر مطلقا. فإن قيل: ففي قراءة طائفة "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، قيل: أولا: ليست متواترة، فإن كان هذا نزل فهو منسوخ، ونزوله لما كانت مباحة؛ فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل حلال، فإنه لم يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل قال: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية، فتتناول ما وقع من الاستمتاع سواء كان حلالا أو وطء شبهة، ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق. فإذا اعتقد حل المتعة وفعلها فعليه المهر، وأما الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية. والقرآن إنما أباح الزوجة وملك اليمين، فإنها لو كانت زوجة لتوارثا، ولوجبت عليها عدة الوفاة، ولحقها الطلاق الثلاث؛ والمتمتع بها ليست زوجة ولا ملك فتكون حراما بنص القرآن. وقال في آية الميراث: ليس في عمومها ما يدل على أنه ﷺ يورث، لأن الخطاب شامل للمقصودين به، وليس فيه أنه ﷺ مخاطب بها، وإن لم يعلم أن المعين مقصود لم يشمله، وكاف الجماعة في القرآن تارة تكون للنبي وللمؤمنين، وتارة تكون لهم دونه كقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ الآية، وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٣، فلم لا يجوز

стр. 171

أن تكون الكاف في ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ مثل هذا؟ فإن قيل: ما ذكر فيه ما يقتضي اختصاص الأمة، فإنه لما خاطبهم بطاعته علم أنه ليس داخلا، وقيل: وكذلك آية الفرائض، لما قال: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ ، وكذلك قوله: ﴿غير مضار﴾ ، ولهذا قال ﷺ : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ١ واتفقت الأمة عليه حتى ظن بعض الناس أن آية الوصية نسخت به. وأما السلف والجمهور فقالوا: الناسخ آية الفرائض; إن الله قدر فرائض محدودة منع من تعديلها، والآية لم يقصد بها بيان من يرث، ومن لا يرث، ولا بيان صفة الموروث والوارث، وإنما قصد بها أن المال الموروث يقسم بين الوارثين على هذا التفصيل، ولهذا لو كان الميت مسلما وهؤلاء كفارا لم يرثوا إجماعا، وكذلك بالعكس، وكذلك لو كان عبدا وهم أحرار، والعكس، وإذا علم أن في الموتى من يرثه أولاده ومن لا يرثه ولم يذكر صفة الوارث والموروث، علم أنه لم يقصد بها بيان ذلك، وهذا كقوله: "فيما سقت السماء العشر" ٢ قصد به الفرق بين ما يجب فيه العشر ونصفه، فلا يحتج به على صدقة الخضروات، وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٣ قصد به الفرق بينهما، ما يجوز بيعه وما لا يجوز، فلا يستدل به على جواز بيع كل شيء، ولو قدر العموم فقد خص منه الولد الكافر والعبد والقاتل بأدلة أضعف من خروجه ﷺ منها. وبالجملة فإذا خصصت بنص أو إجماع خصت بنص آخر إجماعا، وفي تخصيص عموم القرآن إذا لم يكن مخصوصا بخبر الواحد خلاف، ومن سلك هذا

стр. 172

قال: عموم مخصوص، ومن سلك الأول لم يسلم ظهور العموم. فهي عامة في الأولاد والموتى مطلقة في الموروثين، والشروط لم تتعرض لها الآية كقوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ عام في الأشخاص، مطلق في المكان والأحوال. فالخطاب المقيد لهذا المطلق خطاب مقيد مبين لحكم شرعي. وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ١، وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ٢ يدل على جنس الإرث لا على إرث المال، فالاستدلال به عليه جهل بوجه الدلالة. وأما آية الطهارة فليس فيها أن الله أذهب عنهم الرجس كلهم، ومن قاله فقد كذب على الله؛ وأيضا إنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم، وذهاب الرجس عنهم، فإن الإرادة فيها كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية، وكقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ٣، ومعناها الأمر والمحبة، ليست إرادة لمشيئته المستلزمة لوقوع المراد، وهذا على قول هؤلاء الشيعة القدرية أظهر، فعندهم أنه يريد ما لا يكون، وحديث الكساء يرد عليهم من وجهين: أحدهما: الدعاء بذلك، ولو وقع لأثنى على الله بوقوعه، وشكره لا يقتصر على الدعاء. والثاني: أنه قادر على إذهاب الرجس عنهم. ومما يبين تضمنها للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية، فدل على أنه أمر ونهي، وأن أزواجه من أهل بيته، فالسياق في خطابهن، ويدل

стр. 173

على أنه عم غيرهن لذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خصوا بكونهم من أهل البيت فلهذا خصهم بالدعاء، كما أن مسجد قباء أسس على التقوى فتناول اللفظ لمسجده أولى. واختلف هل أزواجه من آله؟ هما روايتان عن أحمد: أصحهما أنهن من آله، لما في الصحيحين: "اللهم صلِّ على محمد، وعلى أزواجه، وذريته" إلى آخره، وتحريم الصدقة، من التطهير الذي أراده الله، لأنها أوساخ الناس. وقوله في آية المودة غلط، ابن عباس من كبار أهل البيت، وأعلمهم بتفسير القرآن يدل عليه أنه لم يقل إلا المودة لذوي القربى كما في آية الخمس، والرسول لا يسأل أجرا أصلا، وإنما أجره على الله، وعلى المسلمين موالاتهم، لكن بأدلة أخرى، والآية مكية قبل تزوج علي بفاطمة. وأما آية الابتهال فخصهم لأنهم أقرب إليه من غيرهم، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك، وبناته لم يبق منهن إلا فاطمة، فإن المباهلة سنة تسع، وهي تدل على كمال اتصالهم به لحديث الكساء، ولا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ولا أعلم؛ لأن ذلك بكمال الإيمان والتقوى، لا بقرب النسب. وحديث المؤاخاة موضوع وقوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله لعلي: "أنت مني وأنا منك" ١ قاله لغيره، وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ فالقائلون بوجوب الجزاء على المخطئ يستدلون بالسنة والآثار، والقياس على القتل خطأ ويقولون: خص الله

стр. 174

المتعمد لذكره من الأحكام ما يختص به من الانتقام، ومثله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ أراد قصر العدد والأركان، وهو يتعلق بالسفر، والخوف؛ ولا يلزم من اختصاص المجموع بالأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين، وله نظائر. (١٣٢) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢، فإن المماثل له إما أن يقول: الله أوحى إلي، أو يقول: أوحي إلي، أو ألقي إلي، ولا يسمى القائل، أو يضيفه إلى نفسه؛ فإنه إذا جعله من الشياطين لم يقبل، ومن جعله من الملائكة داخل فيما يضيف إلى الله؛ فتبين كيف جعل الأولين في حيز الذي جعله وحيا من الله، أو وحيا ولم يسم الموحي، فإنهما جنس واحد، في ادعاء جنس الأنباء، وجعل الآخر في حيز بهؤلاء الثلاثة المدعون لجنس النبوة، وقد تقدم قبلهم الكذب لها، فهذا يعم جميع أصول الكفر، وهذه هي أصول البدع التي تردها. وهذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة كما قال الزهري: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وقال مالك: السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وذلك أنها هي الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله، والرسول هو الهادي الخريت. ومن أصول الإيمان: الله ٣

стр. 175

يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ١ الآية، والكلمة أصل العقيدة، فالاعتقاد الكلمة التي يعتقدها المرء، وأطيب الكلم كلمة التوحيد، وأخبث الكلم كلمة الشرك، ولهذا قال سبحانه: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ . ولهذا كلما بحث الباحث، وعمل العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وعلما ببطلانها، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ ٢ الآية وهؤلاء يعيبون منازعهم، إما بعدم التمييز بين الحديث الصحيح وغيره، وإما لأن اتباع الحديث في مسائل الأصول لا يفيد ذلك، أو لا يفي به، فالأمر يرجع إلى أحد أمرين: إما ريب في الإسناد، أو أن ما فهموه لا يعلم من اللفظ لما فيه من الاحتمال. ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق منافق يبطل العلم الذي بعث الله به رسله، تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوه، وتارة يقول: لا نعلم ما أرادوا بهذا القول، ولمعنى انتفاء العلم بقولهم لم نستفد علما من جهتهم، فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول آمنا أن نعارض بآثار الأنبياء، وهذا عين الطعن في النبوة. ولما بلغ الإمام أحمد عن ابن أبي قتيلة أنه قال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أحمد وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق؛ فإنه عرف مغزاه. وعيب المنافقين للعلماء وبما جاء به الرسول قديم، من المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ فإنهم يدعون القراء فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء إلخ. والصحابة يعلمون ما جاء به، وفيه بيان الحجة على بطلان كفر كل كافر، وبيان

стр. 176

ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١. أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتون بقياس عقل لباطلهم إلا جاء الله بالحق، وجاء من البيان والدليل وضرب المثل ما هو أحسن كشفا للحق من قياسهم. وجميع ما يقولونه مندرج في علم الصحابة، والآية ذكرها الله بعد قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ ٢ فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسل، وأن هذا الأمر لا بد منه إلى قوله ﴿وَيَوْمَ يَعضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله ﴿خذولا﴾ . والله أرسل محمدا ﷺ إلى العالمين، وضرب الأمثال فيما أرسله به لجميعهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣ فأخبر أنه ضربها لجميعهم، وإلا فالمخاطبين بحسب الحاجات كالسلاح في القتال، فإذا كان العدو في تحصنهم على غير ما كانت عليه فارس والروم كان جهادهم على ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، كرمي أهل الطائف بالمنجنيق، وكاتخاذ الخندق. وما أمر به الرسول فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعضه، وسواء فعل على عهده ﷺ أو لا، فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين والخوارج المارقين، وفارس والروم

стр. 177

والترك وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك هو من سنته، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله". وكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب، وأقام عليهم الحجة برسالة محمد ﷺ وما حرفوا وبدلوا، وصدق بما جاءت به الرسل حتى إذا سمع ذلك العالم منهم المنصف وجده من أبين الحجة والمحاجة؛ ولا تنفع إلا مع العدل، وإلا فالظالم يجحد الحق الذي يعلمه، ويمتنع عن النظر والاستماع، وهو معرض كما أن الإحساس الظاهر كذلك. وطالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه، ولهذا سمي مجتهدا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ١ فالظالم ليس علينا مجادلته بالتي هي أحسن، فإن حرفوا الكلم أمكن معرفة ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ الآية، وإذا ذكروا حجة عقلية فهمت أيضا، وبين ما في القرآن من ردها كالنسخ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليف إما تابع للمشيئة أو للمصلحة، وعلى التقديرين فهو جائز. ثم بين سبحانه وقوعه بتحريم الحلال في التوراة، وقد أحلها لإسرائيل، وأنه تحليل بخطاب ليس لمجرد البقاء على الأصل حتى يكون نسخا كما ادعاه بعضهم. والكلام الذي يخالف القرآن

стр. 178

أو يوافقه من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين، فالقرآن فيه تفصيل كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، وتبليغه لغير العرب بالترجمة. وإذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم وجد القرآن والسنة كاشفا لأحوالهم، مبينا لحقهم، مميزا بين حق ذلك وباطله، والصحابة أعلم الخلق به، وهم أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال ابن مسعود: "من كان مستنا فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين كما يقال: من العجائب فقيه صوفي، وعالم زاهد، فإن أهل بر القلوب يقترن بهم كثير لعدم المعرفة التي توجب النهي عن الشر، والجهاد، ٢ وأهل التعمق في العلم قد يذكرون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في الغي والضلال. وأكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن به التكلف المذموم من المتكلمين والمتعبدين، وهو القول والعمل بلا علم، وطلب ما لا يدرك، خلافا لما عليه الصحابة، وهذا منٌّ من الله على هذه الأمة، كما في أثر المسيح " أهب لهم من علمي وحلمي"، وهذا من خواص متابعة الرسول، فمن كان له أتبع كان فيه أكمل،

стр. 179

كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ١ إلى آخر السورة. ثم ذكر حديثي أبي موسى وابن عمر، فدل الكتاب والسنة على أن الله يؤتي أتباع الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين، فكيف بغيرهم؟ والمقصود ذكر الطريقة العلمية والعملية، فمتى كان غير الرسول قادرا على علم ذلك أو بيانه أو محبة نفاذه فهو أعلم بذلك، وأحرص على الهدى، وأقدر منه على بيانه. (١٣٣) اعلم أن الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، وميز كل مسمى باسم يدل على ما يفصله من الاسم المشترك، وما يخصه دون ما سواه، ويبين به ما يرتسم معناه في النفس. ومعرفة حدود الأسماء واجبة، لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ما أنزل الله من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك. ولهذا ذم الله من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، كآلهة الأوثان. فالأسماء المنطقية سمعية، أما نفس تصور معانيها في الباطن ففطري، يُعرف بالحس الباطن والظاهر، وبإدراك الحس وشهوده يبصر الإنسان الأشياء بباطنه وظاهره، وبسمعه يعلم أسماءها، وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة. والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل، ولا في الحس، ولا في السمع، إلا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز بسائر الصفات. والله سبحانه علم الإنسان البيان كما قال تعالى:

стр. 180

﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَان َعَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ١، وقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ٢، وقال: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٣. والبيان بيان القلب واللسان، كما أن العمى والبكم يكون بالقلب واللسان، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ، وقال ﷺ : "فإنما شفاء العي السؤال " ٤. وفي الأثر: "العي عن القلب لا عن اللسان" وقال: "شر العمى عمى القلب". وكان ابن مسعود يقول: "إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، وسيأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه". وأما بيان اللسان وخطابه فيحمد منه البلاغ ويذم منه (التشدق والتفيهق) ٥ وتبين الأشياء بالقلب ضد اشتباهها عليه، كقوله: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات"، وقرئ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٦ بالرفع والنصب أي: تستبين أنت سبيلهم، فالأشياء لتستبين الأشياء، وهم يقولون بيّن الشيء، وبينته وتبين وتبينته، واستبان، واستبنته، كل هذا يستعمل لازما ومتعديا، فقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٧ هنا متعد، وقوله: ﴿فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فهنا لازم، فالبيان بمعنى تبيين الشيء، وبمعنى بينت الشيء، أي: أوضحته، وهذا هو الغالب، كقوله: "إن من البيان لسحرا" ٨
следующие страницы →