← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11572

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (195 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم بعد أن تقرر أن تعقد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مؤتمرا باسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، شكلت أمانة للإعداد لهذا المؤتمر وتقديم تصور مفصل عنه، ثم وضعه موضع التنفيذ. وقد بدأت الأمانة عملها بتحديد الهدف العام للمؤتمر بأنه التعريف بالشيخ وتجلية حقيقة دعوته على مستوى العالم الإسلامي، وكشف الشبهات التي أثيرت حولها في بعض البلدان الإسلامية وفي ظل ظروف تاريخية معينة. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف – بصورة علمية صحيحة - رأت الأمانة ضرورة جمع كافة ما كتبه الشيخ من مؤلفات، وتحقيق نسبتها إليه، وتوثيقها ثم نشرها في طبعة خاصة باسم الجامعة، لترسل نسخ منها بعد ذلك إلى الهيئات والباحثين الذين ستوجه إليهم الدعوة للإسهام في المؤتمر. وقد راعت الأمانة في ذلك أن كثيرا من الباحثين في البلدان الإسلامية لا تتوافر لديهم مؤلفات الشيخ وآثاره العلمية مما يكون له أثر واضح بلا شك في قصور أو نقص أو خطأ بعض ما قد يكتبونه عن دعوة الشيخ، ومن ثم

стр. 2

فلا بد أن تتوافر لديهم آثار الشيخ الصحيحة بصورة موثقة حتى يمكنهم التعرف على حقيقة دعوته والكتابة الموضوعية العلمية عنها. ومن ثم انطلقت الأمانة تجمع كل ما تيسر لها من مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة وتبحث عنها في كافة مظانها عند أفراد من أسرة الشيخ، وفي المكتبات العامة والخاصة في أنحاء المملكة وخارجها. وفي هذا المجال نشير بصفة خاصة إلى المجموعة الكبيرة من مخطوطات مؤلفات الشيخ التي وجدت في المكتبة السعودية بدخنة بالرياض، وقد قامت الأمانة بتصوير هذه المخطوطات. كما قامت باستحضار نسخ من مؤلفات الشيخ المطبوعة وذلك بطريق الشراء والهبة، وبطريق الاتصال الشخصي والاستعارة من الأفراد والهيئات بالنسبة لبعض المطبوعات التي يقل وجودها أو يندر. وأيضًا قامت بالاتصال الشخصي ببعض الأفراد الذين لهم اهتمام خاص بالشيخ ودعوته ومؤلفاته أو كتبوا فيها شيئا ذا قيمة. كما قام بعض أعضاء الأمانة في إجازة صيف ١٣٩٦هـ (١٩٧٦م) بمراجعة المكتبات الهامة في مصر وغيرها للتعرف على ما قد يكون للشيخ فيها من مؤلفات، ثم العمل على استحضار ما ييسر للأمانة مهمتها من هذه المؤلفات.

стр. 3

ومن حصيلة ذلك كله تجمعت في أمانة المؤتمر نسخ كثيرة من مؤلفات الشيخ مطبوعة ومخطوطة وفي صورة ميكروفيلم. فألفت من بين أعضائها لجنة لتصنيف هذه المؤلفات، تضمنت مهمتها ما يلي: (أ) النظر في كل مؤلف أو مخطوط والاستيثاق من أنه حقا من مؤلفات الشيخ. (ب) حصر الموجود من نسخه المطبوعة والمخطوطة، ووصف كل نسخة. (ج) تسجيل القسم الذي يوضع فيه (العقيدة – الفقه - السيرة – الرسائل ... ) . وأيضا ألفت عدة لجان للتصحيح تضمنت مهمتها ما يلي: (أ) مقابلة النسخ المخطوطة والمطبوعة من كل مؤلف بعضها على بعض، للحصول على نسخة كاملة متكاملة هي التي تعد للطبع. (ب) ترقيم الآيات، وذكر سورها، وضبطها شكلا. (ج) وضع علامات الترقيم والبدء بالفقرات وإبراز العناوين حسب النظام الحديث في الكتابة والطبع. (د) تحقيق الأمر في صحة نسبة المؤلفات التي تقدم لجنة التصنيف شكًّا حول صحة نسبتها. وقد حرصت أمانة المؤتمر على أن تؤلف كل لجنة من لجان التصحيح من العلماء المتخصصين ذوي الصلة الوثيقة بنوع وطبيعة المؤلف الذي يراجعونه،

стр. 4

كما حرصت على أن تجمع كل لجنة عددًا من العلماء ذوي الخبرات المتكاملة في مجموعها من حيث صلتها بمهمة التصحيح وإتقانها قدر الاستطاعة. وفي هذا استعانت الأمانة ببعض العلماء ذوي الخبرة من غير أعضائها. ... وبعد فهذه مؤلفات الشيخ تقدمها أمانة المؤتمر متكاملة موثقة كأول ثمرة من ثمار تكوينها وعملها. وقد قصدتْ بجهودها فيها تجلية حقيقة دعوة الشيخ وتيسير الاطلاع عليها ومراجعتها من مجموع ما كتبه دون إضافة أو حذف أو تعليق، لتتيح للدارسين المنصفين الباحثين عن الحقيقة في ذاتها أن يصلوا بأوثق طريق، بعيدًا عن كل تزييف أو تشويه أو ادعاء باطل يحاول صاحبه أن يلبسه ثوب الحق. وترجو الأمانة أن تكون قد وفقت في عملها هذا كفاء ما بذلته من جهود. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى خير سبيل. أمانة المؤتمر

стр. 5

(هذه مسائل) لخصها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فقد كلفتنا الأمانة العامة لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمراجعة كتاب الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه من كلام الإمام أبي العباس تقي الدين بن تيمية الحراني الدمشقي ﵀، وقد راجعنا النسخة المصورة من مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، ويوجد أصلها في المكتبة السعودية بدخنة في المخطوطات برقم ٦٧٨ / ٨٦ والكتاب شامل لمسائل عديدة في التوحيد بجميع أنواعه وفي الفقه وأصوله والتفسير وعلومه، لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب من غالب كتب شيخ الإسلام. وقد تبين لنا من خلال قراءة الكتاب أنه غير منتظم العبارات، ويوجد فيه انقطاع في بعض الكلام، ويرجع ذلك والله أعلم إلى تصرف بعض الناسخين. وقد قمنا بإصلاح ما قدرنا على إصلاحه بمراجعة بعض كتب شيخ الإسلام، وجعلنا ذلك بين مربعين صغيرين، كما قمنا بترقيم الآيات، وبعض التعليقات اليسيرة.

стр. 6

والله نسأل أن يجعل عملنا خالصا لوجهه مقربا إليه وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد. ١٠ / ٥ / ١٣٩٨? محمد بن عبد العزيز النمي فهد بن حمين الفهد

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) إن قوله: "إنما الأعمال بالنيات" ١ عام خلافا لما عليه أكثر الشراح. (٢) قوله في العزل: "لا عليكم" ثم ذكر القدر أن هذا لا حجة فيه على ترك السبب. لأن الحمل يحصل مع العزل. (٣) قوله: "لا يصيب المؤمن قضاء إلا كان خيرا له" ٢ ورد عليه المعاصي، فأجاب بأن المراد ما أصاب العبد لا ما فعله، وأنه يصير بعد التوبة خير منه قبل الخطيئة. (٤) قوله: "من سعادة ابن آدم الاستخارة والرضاء ... إلخ" ٣ مع ما تقدم قبله قال: الاستخارة قبله، والرضى بعده. وهذا أعلى من الضر والصبر. فلذلك ذكر فيه الرضى. (٥) ذكر أن الصدق لا يكون إلا بالإيمان النافي للريب والجهاد قال: وهذا هو العهد المأخوذ على الأمم له ﷺ "ليؤمنن به ولينصرنه." (٦) ذكر أن أصل الإيمان الصدق، وأصل النفاق الكذب وذكر أنه يكون في الأقوال وفي الأعمال أيضا، كما يقال حملة صادقة. (٧) حديث محاجة آدم وموسى ... أن موسى إنما لام على المصيبة لا على الخطيئة.

стр. 8

(٨) قوله "عصفور من عصافير الجنة" ١مع أن الأطفال المسلمين في الجنة أن المراد الفرق بين المعين وغيره كما يقال: المؤمنون في الجنة ولا يشهد لمعين. (٩) بكاؤه ﷺ عند موت الطفل، وضحك الفضيل عند موت ابنه ... الأكمل الصبر مع الرحمة.. بخلاف من يبكي على فوات حظه من الميت. (١٠) قال: " إن السلف جعلوا سورة الإخلاص أصلا في الرد على المشبهة والمعطلة من قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢. (١١) قوله: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله.." ٣ إلخ الذي ينفع هو العبادة، أو مباح يستعان به عليها، وكذلك "إن الله يلوم على العجز" ٤ إلخ. (١٢) قراءته ﷺ على أبي لم تكن قراءة إبلاغ له بخصوصه. (١٣) اليهود تشبه الخالق بالمخلوق، والنصارى تشبه المخلوق بالخالق. (١٤) ذكر أن محبة الله أكثر ما تجيء باسم العبادة ... وإلا فقد ذكر الله محبته في القرآن في مواضع، ومحبة الصالحين من محبته، وإن كانت المحبة التي لا يستحقها غيره، فلهذا جاءت مذكورة بما يختص به من العبادة والإنابة والتبتل ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبته، وكما أنها أصل الدين فكماله بكمالها، كقوله: "وذروة سنامه الجهاد" ٥ وهو

стр. 9

لازم المحبة الكاملة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ١ الآية وقال في صفة المحبين: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢. وهم الذين يرضى الله لرضاهم، ويغضب لغضبهم، كما قال لأبي بكر: "لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك" ٣، إذ هم إنما يرضون لرضاه، ويغضبون لغضبه. وقال: "ما ترددت في شيء ... " ٤ إلخ؛ لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده، ويكره ما يكره، وقد قضى بالموت وهو يريد إماتته، فسماه ترددا. (١٥) كل مولود على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله (، وإلا فكل ما أحبه المحب يحبه في نفسه لكن قلبه يطلب سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويضمه إليه، ويطمئن إليه، ويرى ما يشبهه من أجناسه. ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٥. (١٦) "أين المتحابون بجلالي" تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه مع التحاب، وهؤلاء هم الذين جاء فيهم "وجبت محبتي للمتحابين في والمتباذلين في. إلخ" ٦ قاله: ردا على من ترك الخوف مع المحبة. ٧ (١٧) رؤيته ﷺ ربه بعيني رأسه، لم يثبت عنه، ولا عن أحد من الصحابة، ولا الأئمة المشهورين لا أحمد ولا غيره، لكن ثبت

стр. 10

عن الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما وأحمد بن حنبل أنه رآه بفؤاده كما في صحيح مسلم عن ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين". وثبت عن عائشة الإنكار، فمن العلماء من قال: أنكرت رؤية العين فلا منافاة، ومنهم من جعلها قولين، فمن قال: لا يرى في الآخرة فهو جهمي ضال، ومن قال يرى في الدنيا بالفؤاد لغيره ﷺ فهو مبتدع ضال، ومن قال إنه ﷺ رآه بعينه فهو غالط، والحلولية والاتحادية يجمعون بين النفي والإثبات. (١٨) قال في الرد على متصوفة ينتسبون إلى التحقيق والتوحيد ويجرون مع القدر: سبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدَّر عليه خلافه، كما ضاق نطاق القدرية عنه، فأثبتوا الأمر والنهي فقط، وأولئك أثبتوا القضاء فقط. وفي حق من شهد القدر: وهؤلاء شر من القدرية، ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، ولا ريب أن المشركين يترددون بين بدعة تخالف الشرع وبين احتجاج بالقدر على مخالفة الأمر. فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين، وفيهم من يجمع بين الأمرين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية. وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوا من الدين الذي فيه تحليل الحرام، والعبادة التي لم تشرع في الأنعام والأعراف، وعمدة الكل اتباع آرائهم وأهوائهم، وجعلهم ذلك حقيقة، نظير جعل المتكلمين ما ابتدعوا حقائق عقلية. وأصل ضلال الكل تقديم القياس على النص، واختيار الهوى على اتباع الأمر.

стр. 11

(١٩) عطف الخاص على العام يكون لأسباب، تارة لكونه له خاصة ليست لسائر أفراد العام، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ ١ الآية. وتارة يكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم كقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ٢ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ٣ الآية. (٢٠) العبادة يدخل فيها الدين كله ولهذا كانت ربوبية الله سبحانه عامة وخاصة. ولهذا كان الشرك أخفى من دبيب النمل، وفي الصحيح: "تعس عبد الدينار". إلخ. ووصفه بأنه إذا أعطي رضي، وإن منع سخط. وهذا في المال والجاه والصور، وغير ذلك. قال الخليل ﵇: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ٤الآية. ودلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع. وكلما قوي طمع العبد في فضل الله قويت عبوديته له، كما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، ويأسه يوجب غنى قلبه عنه؛ وإعراض قلبه عن الطلب من الله يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق. وإذا ذاق طعم الإخلاص انقهر له هواه بلا علاج. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٥. وإذا قلت٦:

стр. 12

المحبة استلزمت إرادة المحبوبات، فإن قدر عليها حصلها، وإن فعل المقدور عليه. فله كأجر الفاعل (كمن دعي إلى هدر) . وكقوله: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا إلا وهم معكم، حبسهم العذر" ١. فإذا ترك المقدور من الجهاد دل على ضعف المحبة، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال إلا باحتمال المكروهات، كما في أهل الرياسة والمال. ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله. والإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فمن أسلم لله ولغيره فمشرك، ومن لم يسلم فمستكبر. والكبر ينافي العبودية كما قال: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما عذبته". فهما من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة.. فلهذا جعلها كالرداء. والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود. وفي الصحيح: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا" ٢. إلخ قاله قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته، فإن فيه من تمام تحقيق مخالته لله التي أصلها محبة الله العبد، خلافا للجهمية. ومن ذلك تحقيق توصية الله ردا على أشباه المشركين، وفيه رد على من بخس الصديق حقه ٣ (وهم أضل) المنتسبين إلى القبلة، وهم شر البشر. والحديث الذي فيه: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" ٤ إلخ. جعله بثلاثة أمور تكمل المحبة، وتفريغها، ودفع ضدها. وكره من كره من أهل

стр. 13

العلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية.. ولهذا وجد في المتأخرين من (أفضى به) ذلك إلى ما ينافي العبودية، ومديد إلى نوع من الربوبية، ويدعي أحدهم ما يتجاوز حدود الأنبياء، ويطلب من غير الله ما لا يصلح إلا لله، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل، وحررها الأمر والنهي الذي جاؤوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ فإن تعذيبهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين، لأن من أحبه الله استعمله فيما يحبه، لأن فعل الكبائر واحد، فإن الله يبغض منه ذلك، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه، فهو كمن ظن أن السم لا يضره من مداومته عليه لصحة مزاجه. ولو تدبر الأحمق ما قصه الله في كتابه من توبة الأنبياء، وما جهر لهم من البلاء الذي فيه تطهير لهم (دل) على ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كانوا أرفع الناس. واتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله، وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع. فإن دعوى هذه محبة من جنس دعوى اليهود والنصارى، بل قد تكون شرا منها. بل فيهم من النفاق الذي يكون به في الدرك الأسفل من النار. وفي التوراة والإنجيل من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى أن عندهم إذ ذلك أعظم وصايا الناموس. ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا

стр. 14

المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة لما فيه من الزهد والعبادة، وهم برآء من محبة الله، إذ لم يتبعوا ما أحب الله، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. وكثير من الذين اتبعوا أشياء من الزهد والعبادة وقعوا في بعض ذلك من دعوى المحبة مع مخالفة الشريعة وترك الجهاد، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن معصوما، وكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لم يوافق شرعه، لم يكن له، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين. قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١ الآية. وقال ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢، وقال: "إنما الأعمال بالنيات" ٣. وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وهي قطب الدين الذي تدور عليه رحاه. والشرك غالب على النفوس، كما في الحديث: أخفى من دبيب النمل، وكثير ما يخالط النفوس من الشهوات ما يفسد عليها تحقيق ذلك، كما قال شداد بن أوس: "أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية" ٤ قال أبو داود: هي حب الرياسة، وفي الحديث:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" ٥

стр. 15

يبين أن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة الإخلاص لم يكن شيء أحب إليه منه، فيصير القلب منيبا إلى الله خائفا منه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ١. وإذا أخلص العبد اجتباه ربه فأحيا قلبه، وجذبه إليه، بخلاف القلب الذي لم يخلص، فإن فيه طلبا وإرادة، تارة إلى الرياسة فترضيه الكلمة ولو كانت باطلا، وتغيظه الكلمة ولو كانت حقا، وتارة إلى الدرهم والدينار، وأمثال ذلك، فيتخذ إلهه هواه. ومن لم يكن مخلصا لله بحيث يكون أحب إليه مما سواه، (وإلا) استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين. وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفا وإلا كان مشركا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ٢ الآيتين. وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للحنفاء، كما جعل آل فرعون أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم. (٢١) بعث الله محمدا ﷺ إلى ذوي أهواء متفرقة وقلوب متشتتة، فألف الله به بين القلوب، وجمع به الشمل، ثم إنه سبحانه بين أن هذا الأصل وهو الجماعة عماد دينه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ

стр. 16

اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١ إلى قوله ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ ٢ إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣. فبرأ الله نبيه منهم. وقد كره ﷺ من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق، فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: "أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم؟ " إلخ. ثم ذكر ثلاثا وسبعين فرقة، ثم قال: في وصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. (٢٢) مسألة رؤية الكفار ربهم في القيامة انتشر الكلام فيها بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأمسك عن الكلام فيها قوم من العلماء، وتكلم فيها آخرون؛ فاختلفوا على ثلاثة أقوال، والكلام فيها قريب من مسألة محاسبة الكفار. هل يحاسبون أم لا؟ والحساب يراد به عرض الأعمال على الكفار وتوبيخهم وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ونقصه، فهذا ثابت بالاتفاق. ويراد به وزن الحسنات والسيئات ليتبين أيهما أرجح. فالكافر لا حسنات له، وإنما توزن أعماله لتظهر خفة موازينه؛ هذا المراد بالحساب. هل الله يكلمهم أم لا؟ فالقرآن والحديث يدل على أنه يكلمهم كلام توبيخ، فيكاد الخلاف يرتفع. والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار: أحدها: أن الكفار لا يرونه بحال، لا المُظْهِر ولا المُسِرّ، وهو قول أكثر المتأخرين. الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمن ومنافق، قاله

стр. 17

ابن خزيمة وغيره. الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعذيب كاللص إذا رأى السلطان، ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم، وهذا مقتضى قول من فسر اللقاء في كتاب الله بالرؤية. ومن أقوى ما يتمسكون به ما روى مسلم عن أبي هريرة: "قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكره. وفيه: فيلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: لا. وفيه: ثم ينادي مناد: ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد" ١ فيقال: ظاهره أن الخلق كلهم يرونه، لكن قال ابن خزيمة: اللقاء هنا غير الترائي، وهؤلاء يقولون أخبر النبي ﷺ أن الكافر يلقى ربه فيوبخه، ثم تتبع كل أمة ما كانت تعبد، ثم يراه المؤمنون، يبينه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وفيه: "فيأتيهم في صورته التي يعرفون، وليس فيه الرؤية إلا بعد تتبع كل أمة" ٢ إلخ. وفي حديث ابن مسعود الطويل: "أن المؤمنين يقولون: إن لنا ربا ما رأيناه بعد"، ففيه أنهم لم يروه قبلها، والآخرون يقولون معناه لم نره في هؤلاء الآلهة التي يتبع الناس، ويدل عليه أن في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد: "فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة" ٣ ففيه أنهم رأوه قبل ذلك، وهي الرؤية العامة. وأبين من هذا كله أن الرؤية الأولى عامة كما في حديث أبي رزين: "فتنظرون إليه وينظر إليكم، فقلت: كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض؟ " ٤ إلخ. ففيه أنه لعموم الخلق كما دل عليه السياق. والرؤية متباينة تباينا عظيما لا يكاد ينضبط طرفاها، ولا يجوز إطلاق القول بأن الكفار يرونه من غير تقييد، لأن الرؤية قد صار يفهم منها الكرامة، ففي إطلاقها إيهام، وليس لأحد أن يطلق ما يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثورا..

стр. 18

ولأن الحكم إذا كان عاما وفي تخصيص بعضه خروجا عن القول الجميل لم يُقَل؛ فإن الله خالق كل شيء ولا يقال: يا خالق الكلاب مثلا، فلا يخرج أحد عن الألفاظ المأثورة، وإن وقع نزاع في بعض معناها فإن هذا لا بد منه في الأمة كما أخبر به النبي ﷺ . (٢٣) وإذا اشتبه عليه هل هذا الفعل مما يهجر المسلم عليه أم لا. فالواجب ترك العقوبة لقوله: "أدرؤوا الحدود بالشبهات، فإنك أن تخطئ في العفو خير لك من أن تخطئ في العقوبة". (٢٤) ذكر في حديث الإفك نفقة أبي بكر على مسطح لأن أمه بنت خالته وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ ١ الآية. فجعله من ذوي القربى وهو من بعد من ذوي الأرحام الذين ليس لهم فرض ولا تعصيب. فيستدل به على أحد القولين في مذهب أحمد أن ذوي الأرحام يستحقون النفقة. فإن سبب النفقة القرابة المورثة، وكل قرابة مورثة على المشهور، لكن أصلا أو بدلا، فمن لا فرض له ولا تعصيب ورث بدلا، والحديث نص في أنهم من ذوي القربى، فيدخلون في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ٢ ونظائرها، وأقل ذلك النفقة على المحتاج. وقد ذكر الله الوفاء بالعهد وصلة الرحم في آيات متعددة، فهذه العمومات توجب صلة كل رحم قريبة أو بعيدة، كما أن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ٣ يعم ميراث كل ذي رحم، ولا فرق، بل في الإحسان

стр. 19

والنفقة أولى. وعلى هذا ما ورد من حمل الخال للعقل، وقوله: (ابن أخت القوم منهم) . وقوله: (مولى القوم منهم) . ونحن في أحد القولين نورث المولى من أسفل إذا عدم من هو أولى منه، ونظيره في الولاء قولنا في أحد القولين بالتوريث بالعهد عند انتفاء الرحم كما كان ﷺ يورث بين المهاجرين والأنصار، ثم نسخ تقديمهم على ذوي الرحم. فأما مع عدمهم فليس في الكتاب والسنة ما ينسخ ذلك.. بل قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ١ يقتضي توريثهم، وهو قول كثير من فقهاء العراق وغيرهم، فعقد المؤاخاة نظير عقد النكاح، وإسلامه على يديه نظير إعتاقه له، واشتراكهم في الديوان وهو التناصر والجهاد كاشتراكهم في النسب. (٢٥) اتفق على أن الأرض لا تخلو عن خراج وعشر لكن قال أبو حنيفة: لا يجتمعان، والجمهور يقولون: العشر حق الزرع لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ٢؛ والخراج عند أبي حنيفة هي التي يملك بيعها وهبتها وتورث.. والجندي لا يملك ذلك اليوم في أرض مصر، فمن قال أنها خراجية لا عشر عليها فقد أخطأ على أبي حنيفة وخالف الإجماع، ومن أفتى بخلو الأرض عن العشر والخراج استتيب، فإن تاب وإلا قتل. ومن زعم أن الجهاد الذي على الجند يعوض عن الخراج فقد أخطأ؛ لأنهم لا يملكون بيعها ولا هبتها، وأيضا ما يعطونه ليس خراجا ولا أجرة بل لجندهم

стр. 20

المستحقون للخراج. وإن قيل الإمام أسقط عنهم لقتالهم، قيل هذا لا يسقط الزكاة لوجوه: منها أن ذلك لو جعلها كالخراجية لملكوا بيعها وهبتها، ومنها أن غايتهم أن يكونوا بمنْزلة الملاك، ومعلوم أن كل أرض أسلم عليها أهلها أنه لا خراج عليهم مع وجوب العشر وتعيين الجهاد عليهم من تلك الأموال، كما تعين الجهاد على الأنصار، وكان ﷺ يوجب عليهم العشر في الزرع والثمار، ويوجب عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، ولم يكن لهم رزق من بيت المال، فإذا كان جهادهم بأموالهم لا يسقط عنهم العشر الواجب لأهل الصدقات، فكيف يسقط عن هؤلاء؟ ولو أسقط الجهاد العشر لكانوا أحق، لما كانوا فيه من قلة المال وكثرة العدو وتعدد المغازي. (٢٦) صلاته ﷺ بالأنبياء ببيت المقدس قيل إنها اللغوية، وهي الدعاء والذكر، وقيل الصلاة المعروفة، وهذا أصح؛ لأن اللفظ يحمل على حقيقته الشرعية. وكانت الصلاة واجبة قبل الإسراء، وكان واجبا قيام بعض الليل، كما في سورة المزمل، ثم نسخ بعد سنة بما ذكر الله في آخر السورة: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ١. ثم نسخ قيام الليل ليلة الإسراء ووجبت الخمس. (٢٧) زين الشيطان لأهل الضلالة اتخاذ عاشوراء مأتما لإثارة الفتن والفساد، ولم يعرف في طوائف الإسلام أكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار على المسلمين من الرافضة. وهم شر من الخوارج، وهؤلاء قال فيهم ﷺ "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" ٢ وأولئك يعاونون اليهود والنصارى على أهل بيت رسول الله ﷺ

стр. 21

وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك على ما فعلوه ببغداد وغيرها بأهل البيت من ولد العباس وغيرهم، فعارضهم قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، فوضعوا آثارا في توسيع النفقة على العيال وغير ذلك، وإن كان أولئك أشر قصدا، وأعظم جهلا وأظهر ظلما، لكن الله يأمر بالعدل والإحسان. (٢٨) المطالبة في الآخرة لصاحب المال المغصوب منه لا لورثته، كما في الصحيح "من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فللورثة يخلفونه في الدنيا، فما أمكن استيفاؤه في الدنيا فالورثة، وما لم يمكن فليتحلله منه" إلخ، فبين أن المطالبة للمظلوم نفسه ولم يجعلها لورثته، فالطلب للمظلوم نفسه. (٢٩) ثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، بل العالم يعلم الشيء ويكتبه ويتكلم به وليس لذاته في الخارج وجود، وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه المذكور في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، وغير ذلك، وهو معنى قوله "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ١ أي: كنت نبيا حينئذ. وهذا والله أعلم لأن هذه الحال فيها يقع التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق قبل نفخ الروح، كما في حديث ابن مسعود. فلما أخبر أن الملك يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد حينئذ، وآدم هو أبو البشر، كان من المناسب أن يكتب بعد خلق جسده ما يكون منه ومحمد سيد ولده. وقد جاء هذا المعنى مفسرا في حديث العرباض: "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم

стр. 22

وبشارة عيسى ورؤيا أمي" ١ إلخ ... وقوله منجدل أي: مطروح على وجه الأرض، وهذا العلم والكتاب هو الذي ينكره القدرية الذين كفرهم الأئمة ٢، وقد بينه الكتاب والسنة، وأجاب النبي ﷺ عن السؤل الوارد عليه، وهو ترك العمل لأجله. (٣٠) لكل شيء أربع مراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، ولهذا أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ٣ إلخ. فذكر الجميع بوجودها العيني عموما، ثم خصوصا، ثم قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ٤ إلخ. فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم وهو الخط، وهو مستلزم التعليم للفظ؛ فإن الخط يطابق، وتعليم اللفظ هو البيان، وهو مستلزم لتعليم العلم، لأن العبارة تطابق المعنى، فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث الرسمي واللفظي والعلم، بخلاف ما لو أطلق التعليم وذكر تعليم العلم فقط لم يكن مستوعبا للمراتب. (٣١) اعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يمكن الناقل أن ينقله على وجه متصور تصورا حقيقيا فإن هذا لا يكون إلا للحق، فأما القول الباطل فبيانه يظهر فساده، حتى يقال: كيف اشتبه على أحد؟ ويتعجب من اعتقاده، ولا ينبغي للإنسان أن يتعجب، فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وذهب إليه فريق، ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات، وأنهم صم بكم، وأنهم في قول مختلف، وأنهم لا يعقلون.

стр. 23

(٣٢) قوله: "مثل أمتي كمثل الغيث" إلخ. تكلم في إسناده، وبتقدير صحته أنه يكون في آخرها من يقارب أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير، كطرفي الثوب، (مع القطع) بأن الأول خير من الآخر، ولهذا قال: (لا يدرى) ، ومعلوم أن هذا السلب ليس عاما، فإنه لابد أن يكون معلوما أيهما أفضل. (٣٣) الآية مثل العلامة، والدلالة. أخبر أنه جعل في هذه المصنوعات آيات، وتارة يسميها أنفسها آية كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ ١. فإذا قيل: تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف، كان صحيحا، ولكنه غير مأثور، وفيه إبهام وإجمال، فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور العيني وهو مذهب الاتحادية، فالذي في القرآن هو الحق. (٣٤) قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢ دلت على علمه بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي: أحدها: أنه خالق لها، والخلق هو الإبداع بتقدير، فتضمن تقديرها في العلم قبل تكوينها. الثاني: أنه مستلزم للإرادة والمشيئة فيلزم تصور المراد، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام. الثالث: أنها صادرة عنه وهو

стр. 24

سببها التام، والعلم بالأصل يوجب العلم بالفرع، فعلمه بنفسه يستلزم العلم بكل ما يصدر عنه، الرابع: أنه لطيف يدرك الدقيق، خبير يدرك الخفي، وهذا هو المقتضي للعلم بالأشياء؛ فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام. (٣٥) قوله: "حجابه النور" إلخ. فمَن سُبُحَاته تحرق السموات والأرض لولا الحجاب، أيكون نوره يحفظ بالسماء؟. ١ (٣٦) قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلخ. وذكر آيات، ثم قال: وقد ثبت في الصحاح أنه يقبض السموات والأرض بيده، فمن يكونان في قبضته وكرسيه وُسْعهما، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ٢ فبأمره يقومان، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجا إليهما؟. (٣٧) قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ ٣ إلخ. هكذا يريد هؤلاء المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين، فيدعون من دون الله ما لا ينفع ولا يضر من كل عبد من دون الله، ويريدون أن يرتد المؤمنون على أعقابهم عن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويصيرون حائرين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

стр. 25

(٣٨) تكليم الله للعباد على ثلاثة أوجه: ١. من وراء حجاب كموسى. ٢. وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء. ٣. وبالإيحاء، وهذا للأولياء فيه نصيب والمرتبتان الأوليان للأنبياء خاصة. (٣٩) قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ١ إلخ. أخبر أنهم ابتدعوا أسماء لا حقيقة لها؛ فيعبدون أسماء لا مسميات لها؛ لأنه ليس في المسمى من الألوهية ولا العزة ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانا بهذه الأسماء. (٤٠) قوله: "كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" ٢ ينفي وجود المخلوقات من السموات والأرض وما فيهما، لا ينفي وجود العرش، ولهذا ذهب كثير من السلف إلى أن العرش متقدم على اللوح والقلم، مستدلين بهذا الحديث، وحملوا قوله: "أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب" ٣ إلخ. على هذا الخلق المذكور في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٤. هذا نظير حديث أبي رزين: "أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء" ٥ فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العماء؛ وذكر بعضهم أن هذا

стр. 26

هو السحاب المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ ١ إلخ. وفيه آثار معروفة. (٤١) العبد مأمور بالصبر على المقدور، وأن يطيع المأمور، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ﴾ ٢ الآية. فمن احتج بالقدر على ترك الأمر، وجزع مما يكره من القدر، فقد عكس الإيمان والدين، وإن ادعى أنه من أكبر الأولياء المحققين. تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر، وأذل الناس إذا قهر، وأعظمهم جزعا، لما جربه الناس من أصناف الناس، والمؤمن إذا قدر عدل وأحسن، وإذا قهر صبر واحتسب، كما قال كعب: ليسوا مفاريحا إن نالت رماحهم. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ٣ الآية، وكذلك في آخر السورة وفي وسطها وفي يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ ٤ الآية. فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى فعل المأمور وترك المحظور، فمن جمع هذا وهذا فقد جمع له الخير، بخلاف من عكس. (٤٢) لأهل التعطيل شبهات في العلو يعارضون بها الكتاب والسنة، والإجماع والفطر، والدلائل العقلية؛ فإنها متفقة على أنه سبحانه فوق

стр. 27

مخلوقاته، وقد فطر الله على ذلك العجايز والصبيان، كما فطرهم على الإقرار بالخالق، قال ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة" ١ إلخ. هذا معنى قول عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، أي: أن الله فطرهم على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة، وتقديرها، وأعداؤهم يريدون تغييرها، ويوردون شبهات لا يفهمها كثير من الناس. (٤٣) ليس لأحد أن يتبع عورات العلماء، ولا له أن يتكلم فيهم؛ فمن عدل عن الحجة إلى الظن والهوى فهو ظالم، وكذلك كل من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. ومن عظم حرمات الله، وأحسن إلى عباد الله، فهو من أولياء الله. (٤٤) الذين استحلوا الدرهم بدرهمين يدا بيد، أجل قدرا ممن استحل النبيذ فهؤلاء فهموا من الربا نوعا، وهؤلاء فهموا من الخمر نوعا، وهكذا من فهم من الميسر نوعا، وشمول الميسر لأنواعه كشمول الربا والخمر لأنواعهما. (٤٥) رجح ﵀ فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي. الأمر بتحية المسجد عام، ونهيه عن الصلاة فيه عموم، لكن رأيناه نهى عن الصلاة عند الخطبة وهو متفق عليه، وهذا أشد من النهي في الأوقات، فأمره بعد أن قعد أن يقوم ويركع ركعتين ثم بين العموم بقوله: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" ٢ والمنازع من أصحاب ٣ يوافق عليهما، ولكن أصحاب أبي حنيفة ومالك طردوا قولهم فمنعوهما

стр. 28

ولكن كلام الرسول ﷺ حجة لكل أحد وعليه، بنصه وشبيهه، فدل نصه على التحية وقت الخطبة، وقياس الأولى على التحية بعد البردين، ١ وعلى أن الأمر بالركعتين مخصص كما خصص هنا وأولى، وفي الصحيحين أنه قال: لجابر "صل ركعتين" ٢ أي تحية المسجد، فقد أمره بالصلاة ولم يعلله بالقعود، وقوله في الآخر فلا يقعد لأن العادة أنه يقعد، واحتج النسائي على عدم وجوبهما بحديث كعب بن مالك، وفيه: فلما سلمت قال: "تعال فجئت فجلست" إلخ، ثم ذكر حديث الرجلين اللذين لم يعيدا في مسجد الخيف، وهذا يبين أن هذا متأخر، وأنه ليس بمنسوخ، بل لو قدر التعارض لكان هو الناسخ، ويبين أن قوله: مسجد جماعة المراد به الجماعة الراتبة، سواء كانت تفعل في ذلك المكان دائما أو أحيانا، فإن مسجد الخيف إنما يصلى فيه في الموسم، فهذا نص صحيح صريح خاص أنه أمره بالإعادة وأخبر أنها نافلة، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي، والإمام أحمد أعلمهم بالنصوص، وأتبعهم لها، فلا يكاد يخالف نصا صريحا، وإنما قوله حيث فقد ذلك فقضى بالعامة على الخاصة من غير نزاع، واختلف فيما عدا ذلك، بخلاف غيره الذين لم يبلغهم ما بلغه، وقوله لا صلاة في يوم مرتين يؤكد ما قلنا، فإنه إذا نهى عن ذلك، وثبت عنه في الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن إعادة الصلاة نافلة لسبب، وأمره بإعادتها لسبب، وجب اتباع أمره كله، ولم يجز أن نؤمن ببعضه، ونكفر ببعضه، فنجعل السنة عضين.

стр. 29

(٤٦) المنهي عنه من العادات والعبادات ثلاثة أنواع: أحدها: ما لا يباح بحال كالكفر بالقلب، ومن هذا لو أكره على محرم كالميتة، وقلنا يباح كقول الأكثر وهو الأصلح، وقيل لا تباح الأفعال المحرمة بالإكراه، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ أي لمن يكره على الفاحشة، لكن اعتقاد التحريم والكراهة للفعل لا بد منها، فإن إنكاره للمنكر من فعل غيره - بالقلب لا بد منه، فكيف فعله؟ ولهذا يكره الإنسان ابتداء على ذلك ثم يفعلها باختياره، كما في الإكراه على الحق؛ فإن الحربي يقاتل حتى يسلم، ثم ينشرح صدره للإسلام، فينفعه هذا دون الأول. كذلك الإكراه على المعاصي وهذا أصل عظيم يجب مراعاته. الثاني: ما يباح عند الضرورة كالميتة، وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ، ولا يكرهها. الثالث: المباح للحاجة كالحرير للنساء، ويسيره للرجال، والله أرسل رسوله رحمة للناس، فإذا كان من المحرمات ما يحتاج إليه ورجحت المصلحة أبيح، فالصلاة وقت النهي من هذا القسم؛ فإن جنسها مباح بالإجماع، كالعصر عند الغروب، والجنايز بعد الفجر والعصر، فامتنع أنه من الذي لا يباح بحال، أو يباح ضرورة، فإذا كانت الحاجة لمصلحة دنيوية يكون حاجة، فالدينية أولى، فإن ما يفوت الزوجة من عدم لباسها الحرير لا نسبة إلى ما يفوته من مصالح هذه العبادات، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢ الآية، وبهذا يظهر الفرق بين ذات السبب

стр. 30

وغيرها، فإنه يمكن تأخيره بلا فوات مصلحة؛ لأنه لا يمكن ولا يشرع استيعاب الأوقات بالصلاة، فأحق ما اعتبره للترك الوقت الذي فيه مفسدة مشابهة المشركين. (٤٧) النّزول في القرآن ثلاثة: نزول مقيد بأنه منه، فهذا لم يرد إلا في القرآن، ونزول مقيد بالسماء، وهي اسم جنس كل ما علا، فإذا قيد بمعين تعين، ونزول مطلق، كالسكينة والميزان، والجمهور على أنه العدل، وعن مجاهد ما يوزن به، ولا منافاة، وإنزال هذا هو إنزاله في القلوب، والملائكة تنزل على قلوب المؤمنين بما يجعل فيها. (٤٨) شريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم، كما سنه رسول الله ﷺ وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإخلاصية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، كما سمى قيوم عبد القيوم. (٤٩) قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية، يعم البخل كل ما ينفع في الدين والدنيا من مال وعلم وغير ذلك، فالبخيل بالعلم الذي يمنعه، والمختال إما يختال فلا يطلبه، وإما يختال على بعض الناس فلا يبذله، وهذا كثيرا ما يقع؛ وضده التواضع في طلبه، والكرم ببذله. (٥٠) قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية بعد قوله

стр. 31

﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لو اقتصر على الجمع أعرض العاصي عن ذم نفسه، والتوبة من الذنب، والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس فلم تزده إلا طردا، كما زادت المشركين ضلالا حين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ١. ولو اقتصر على الفرق لغابوا به عن التوحيد والإيمان بالقدر، واللجاء إلى الله في الهداية، كما في خطبته ﷺ "الحمد لله نستعينه ونستغفره" ٢ فيشكره ويستعينه على طاعته، ويستغفر من معصيته، ويحمده على إحسانه، ثم قال "ونعوذ بالله من شرور أنفسا" ٣ إلخ. لما استغفر من المانع استعاذ من الذنوب التي لم تقع، ثم قال: "ومن سيئات أعمالنا" أي من عقوباتها ثم قال: "من يهده الله فلا مضل له" إلخ. شهادة بأنه المتصرف في خلقه، ففيه إثبات الصفات الذي هو نظام التوحيد، كل هذا مقدمة بين يدي الشهادتين، فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته واستغفاره واللجاء إليه والإيمان بأقداره، فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان. (٥١) كون الحسنات من الله إلى عبده فخلق الحياة وأرسل الرسل وحبب إليهم الإيمان، وإذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال. الثالث: أن الحسنة تضاعف. الرابع: أن الحسنة يحبها الله ويرضاها، فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع، ولهذا تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ٥. الخامس: أن الحسنة مضافة إليه، لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة. السادس: أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة،

стр. 32

لأنها إما فعل مأمور، أو ترك محظور، والترك أمر وجودي؛ فتركه لما عرف أنه ذنب، وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا الوجه. وقد جعل ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك؛ وكذلك براءة الخليل قومه من المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا بل صادرا عن بغض وعداوة. وأما السيئات، فمنشأها من الجهل والظلم، وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعله فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة والغفلة؛ والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ١ الآية. السابع: إن ابتلاءه بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه. الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه، يحصل بعمله وبغير عمله، وعمله من إنعام الله عليه، فيرجع في ذلك إلى الله ولا يرجو إلا هو؛ فهو مستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره، وإنما يستحق غيره من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه، لكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، ٢ فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق ونعمة المخلوق منه أيضا، وجزاه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله. فإذا عرف أن ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده. وإذا علم

стр. 33

ما يستحق من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار [الشرك كله له] ١، والشر انحصر سببه في النفس، فعلم من أين يؤتى، فتاب واستعان بالله، كما قال بعض السلف: "لا يرجونّ عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه " وقد تقدم قول السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا من فوائد تخصيص الخطاب، لئلا يظن أنه عام مخصوص. والتاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة كما قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ ٢ الآية، قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين وقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (وقال) : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث فحملها ما يناسبها، فمن أراد أن يجعل الحيَّاتِ يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح، بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى تصلح للجنة كما في الصحيح من حديث أبي سعيد وفيه: "حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" ٤. فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل تحقيق قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٥، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ٦ إلخ، وعلم أن الرب حليم، عليم، رحيم، عدل، وأفعاله على قانون العدل والإحسان، كما في الصحيحين: "يمين الله ملأى ... إلى قوله: والقسط بيده الأخرى"،

стр. 34

وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل إلى أن قال: ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا، كما يوجد في كلامه وكلام غيره، أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي مما يوجب أن يكون عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؛ ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي، وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر أو كافر، ويقولون هذه موهبة، يظنونها من الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ وصح قوله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم" ٢ فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره، واتبع ما تتلو الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ولا يوالي من أمر القرآن بموالاته؛ ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق. ثم منهم من يعرف أنه من الشيطان لكن يعظمه لهواه، ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء كفار كما قال الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٣ الآية. (٥٢) قوله: ﴿من نفسك﴾ فمن الفوائد أن المتعلم لا يطمئن إلى نفسه، ولا يشتغل بملام الناس وذمهم، بل يسأل الله أن يعينه على طاعته، ولهذا

стр. 35

كان أنفع الدعاء وأعظمه الفاتحة، وهي مفتاح إلى الهدى كل لحظة، ويدخل فيه من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه؛ ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا في القرآن قصة إلا لنعتبر، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، فلولا أن في النفوس ما في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١ وقوله: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ وقوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ولهذا في الحديث "لتسلكن سنن من كان قبلكم" الحديث. وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة له، وكلا هذين وقع، قال بعضهم ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون؛ وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس رأى من يبغض نظيره وأتباعه حسدا كما فعلت اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى، ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون كما قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ الآية وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ الآية. (٥٣) قوله في الحديث الذي في الترمذي وصحيح الحاكم "للجن أحسن ردا منكم" ٤ إلخ يذكر تعالى آياته الدالة على قدرته وربوبيته، وآياته

стр. 36

التي فيها إحسانه إلى عباده، وآياته المبينة لحكمته، وهي متلازمة، فكلما خلق فهو نعمة ودليل على قدرته وحكمته، لكن نعمة الرزق في المأكل والمشرب واللباس والسكن ظاهر لكل أحد، فلهذا استدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم، وكل ما خلقه فهو نعمة على المؤمنين يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه، وهو من آلائه، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ١، وكذلك ختم كل آية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢ فجميع المخلوقات أنعام من جهة أنها آيات بها هدايتهم التي يسعدون بها في الدارين، فتدلهم عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، وهذه أفضل النعم نعمة الإيمان، قال ابن قتيبة: (لما ذكرهم آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين ليفهمهم النعم ويقروا هم بها) . (٥٤) إذا كان الحمد لا يقع إلا نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر؛ فهو أول الشكر، والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال على نعمته، وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته، فصار المجموع داخلا في الشكر، ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. (٥٥) المؤمن يرى أن عمله لله، لأنه إياه يعبد، وأنه بالله، لأنه إياه يستعين فلا يطلب جزاء ولا شكورا من غير الله، ولا يمن ولا يؤذي لعلمه أن الله هو المان عليه، ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يجزيه

стр. 37

بطاعة أو تعظيم أو غيره، فلا عمل لله، ولا بالله، فهو كالمرائي، وقد أبطل الله صدقة المنان والمرائي. (٥٦) أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر وأما نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء أعظم. وفي الحديث: "أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى" ١ والفقر يصلح عليه خلق كثير ولا يصلح على الغنى ألا أقل منهم، ولهذا أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون. وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، ولكن لما كان في السراء اللذة والضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ ٢ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ الآية. فصاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإنّ صبر هذا واجب إذا ترك استحق العقاب، وكذلك شكر ذاك. وأما صاحب السراء فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجبا لكن لإتيانه بالشكر يغفر ما يغفر. وكذلك صاحب الضر قد يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من السابقين المقربين، وقد يغفر له ما قصر في الشكر لإتيانه بالصبر، فإن اجتماع الصبر والشكر جميعا يعسر على كثير من الناس. (٥٧) أمر الله الرسل أن يكون دينهم واحدا لا يتفرقون فيه ولهذا يصدّق بعضهم بعضا لا يختلفون مع تنوع شرائعهم، فمن كان من المطاعين من العلماء والأمراء متبعا للرسل أمر بما أمروا به ودعا إليه،

стр. 38

وأحب من دعا إليه، لأن قصده عبادة الله وحده وأن يكون الدين لله، ومن كره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، وله نصيب من حال فرعون، ومن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. (٥٨) جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله؛ فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير، والبر، والتقوى، والحسنات، والقربات، والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة، ولا تتم المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا اجتمعوا فلا بد من أمور يفعلونها لمصلحتهم، وأمور يجتنبونها لدفع المفسدة، ويكونون مطيعين للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر وناهٍ، وإذا كان لا بد من ذلك فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لها الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث خير له. وأخبر أنه أنزل الكتاب بالحق والميزان وأنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط، ولهذا أمر ﷺ أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يؤدوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم؛ فلأبي داود عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" ١، وله عن أبي هريرة مثله، ففيه تنبيه على الوجوب فيما هو أكثر من ذلك. (٥٩) من المتولين من هو بمنْزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه الصدق، مثل ولاية الأموال، والعريف الذي يخبر ولي الأمر بالأحوال، ومنهم من هو بمنْزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه الصدق، وبالصدق في الأخبار،

стр. 39

والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ١، وقال في الحديث "من صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم" ٢ إلى آخره. (٦٠) الأدلة العقلية الشرعية إنما تدل على الحق، وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، لأن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، يبقى الكلام في أعيان الأدلة، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الإجمال. والمقصود هنا شيء آخر، وهو أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه تبين أنه يدل على فساد قول المبطل في نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية، والمقصود هنا أن الأدلة العقلية كذلك. فأما السمعية فقد ذكرت أمورا مما احتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٣ وبينت أنها تدل على نقيض مطلوبهم، وهذا مبسوط في الرد على الرازي في كتاب تأسيس التقديس، فإني لم أر لهم مثله، جمع فيه عامة حججهم. وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقولهم له: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٤، وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥، ونحو ذلك. وكذلك احتجاج الشيعة بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ الآية وبقوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى" ٦ ونحو ذلك كما بسط في منهاج أهل السنة. والمقصود هنا

стр. 40

العقليات؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على الإثبات. وأما الرافضة فعمدتهم على السمعيات، لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير منها على أهل السنة، وعسر تمييزها إلا على الأئمة العارفين بعلل الحديث متنا وسندا. كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أهل السنة إلا على قليل ممن له خبرة بذلك. والصفات والقدر، ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما فيه في الأصول، والحاجة إليهما أعم، ومعرفة الحق فيها أنفع. (٦١) الأقوال التي ترغب في الفجور وتهيج القلوب إليها، وكل ما فيه إعانة على الفاحشة وترغيب فيها حرام أعظم من تحريم الندب والنياحة، لأن ذلك يثير الحزن وهذا يثير الفسق، والحزن قد يرخص فيه بخلاف الفسق، بل هذا من جنس القيادة، وفي الصحيح "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" ١، وبلغ عمر أن نصرا تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه، فكيف لو رأى من يغني بهذه الأقوال المروية في المردان مع كثرة الفجور؟! فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله، ولدينه، يدعون إلى ما نهى الله عنه، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا. والمخالط لهم إذا ادعى السلامة لم يقبل منه، فإنه إما أن يفعل معهم، وإما أن يقرهم، وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة. وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز
следующие страницы →