← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11572

مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (195 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التي فيها إحسانه إلى عباده، وآياته المبينة لحكمته، وهي متلازمة، فكلما خلق فهو نعمة ودليل على قدرته وحكمته، لكن نعمة الرزق في المأكل والمشرب واللباس والسكن ظاهر لكل أحد، فلهذا استدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم، وكل ما خلقه فهو نعمة على المؤمنين يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه، وهو من آلائه، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ١، وكذلك ختم كل آية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢ فجميع المخلوقات أنعام من جهة أنها آيات بها هدايتهم التي يسعدون بها في الدارين، فتدلهم عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، وهذه أفضل النعم نعمة الإيمان، قال ابن قتيبة: (لما ذكرهم آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين ليفهمهم النعم ويقروا هم بها) . (٥٤) إذا كان الحمد لا يقع إلا نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر؛ فهو أول الشكر، والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال على نعمته، وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته، فصار المجموع داخلا في الشكر، ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. (٥٥) المؤمن يرى أن عمله لله، لأنه إياه يعبد، وأنه بالله، لأنه إياه يستعين فلا يطلب جزاء ولا شكورا من غير الله، ولا يمن ولا يؤذي لعلمه أن الله هو المان عليه، ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يجزيه

стр. 37

بطاعة أو تعظيم أو غيره، فلا عمل لله، ولا بالله، فهو كالمرائي، وقد أبطل الله صدقة المنان والمرائي. (٥٦) أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر وأما نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء أعظم. وفي الحديث: "أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى" ١ والفقر يصلح عليه خلق كثير ولا يصلح على الغنى ألا أقل منهم، ولهذا أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون. وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، ولكن لما كان في السراء اللذة والضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ ٢ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ الآية. فصاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإنّ صبر هذا واجب إذا ترك استحق العقاب، وكذلك شكر ذاك. وأما صاحب السراء فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجبا لكن لإتيانه بالشكر يغفر ما يغفر. وكذلك صاحب الضر قد يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا يصير به من السابقين المقربين، وقد يغفر له ما قصر في الشكر لإتيانه بالصبر، فإن اجتماع الصبر والشكر جميعا يعسر على كثير من الناس. (٥٧) أمر الله الرسل أن يكون دينهم واحدا لا يتفرقون فيه ولهذا يصدّق بعضهم بعضا لا يختلفون مع تنوع شرائعهم، فمن كان من المطاعين من العلماء والأمراء متبعا للرسل أمر بما أمروا به ودعا إليه،

стр. 38

وأحب من دعا إليه، لأن قصده عبادة الله وحده وأن يكون الدين لله، ومن كره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، وله نصيب من حال فرعون، ومن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. (٥٨) جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله؛ فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير، والبر، والتقوى، والحسنات، والقربات، والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة، ولا تتم المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا اجتمعوا فلا بد من أمور يفعلونها لمصلحتهم، وأمور يجتنبونها لدفع المفسدة، ويكونون مطيعين للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر وناهٍ، وإذا كان لا بد من ذلك فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لها الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث خير له. وأخبر أنه أنزل الكتاب بالحق والميزان وأنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط، ولهذا أمر ﷺ أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يؤدوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم؛ فلأبي داود عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" ١، وله عن أبي هريرة مثله، ففيه تنبيه على الوجوب فيما هو أكثر من ذلك. (٥٩) من المتولين من هو بمنْزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه الصدق، مثل ولاية الأموال، والعريف الذي يخبر ولي الأمر بالأحوال، ومنهم من هو بمنْزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه الصدق، وبالصدق في الأخبار،

стр. 39

والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ١، وقال في الحديث "من صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم" ٢ إلى آخره. (٦٠) الأدلة العقلية الشرعية إنما تدل على الحق، وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، لأن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، يبقى الكلام في أعيان الأدلة، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الإجمال. والمقصود هنا شيء آخر، وهو أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه تبين أنه يدل على فساد قول المبطل في نفس ما احتج به عليه، وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية، والمقصود هنا أن الأدلة العقلية كذلك. فأما السمعية فقد ذكرت أمورا مما احتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٣ وبينت أنها تدل على نقيض مطلوبهم، وهذا مبسوط في الرد على الرازي في كتاب تأسيس التقديس، فإني لم أر لهم مثله، جمع فيه عامة حججهم. وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقولهم له: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٤، وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥، ونحو ذلك. وكذلك احتجاج الشيعة بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ الآية وبقوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى" ٦ ونحو ذلك كما بسط في منهاج أهل السنة. والمقصود هنا

стр. 40

العقليات؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على الإثبات. وأما الرافضة فعمدتهم على السمعيات، لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير منها على أهل السنة، وعسر تمييزها إلا على الأئمة العارفين بعلل الحديث متنا وسندا. كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أهل السنة إلا على قليل ممن له خبرة بذلك. والصفات والقدر، ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما فيه في الأصول، والحاجة إليهما أعم، ومعرفة الحق فيها أنفع. (٦١) الأقوال التي ترغب في الفجور وتهيج القلوب إليها، وكل ما فيه إعانة على الفاحشة وترغيب فيها حرام أعظم من تحريم الندب والنياحة، لأن ذلك يثير الحزن وهذا يثير الفسق، والحزن قد يرخص فيه بخلاف الفسق، بل هذا من جنس القيادة، وفي الصحيح "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" ١، وبلغ عمر أن نصرا تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه، فكيف لو رأى من يغني بهذه الأقوال المروية في المردان مع كثرة الفجور؟! فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله، ولدينه، يدعون إلى ما نهى الله عنه، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا. والمخالط لهم إذا ادعى السلامة لم يقبل منه، فإنه إما أن يفعل معهم، وإما أن يقرهم، وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة. وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز

стр. 41

أقوام يشربون الخمر، فقيل إن فيهم صائما، فقال: ابدؤوا به فاجلدوه، ألم يسمع قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ١ الآية. فنهى سبحانه عن القعود مع الظالمين، فكيف بمعاشرتهم؟ والرسول بعث بإصلاح العقول والأديان، وتكميل نوع الإنسان، وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان. (٦٢) الوسواس في الصلاة نوعان: أحدهما لا يمنع من تدبر الكلام الطيب والعمل الصالح، بل بمنْزلة الخواطر فلا يبطل، لكن من سلم منه فهو أفضل ممن لم يسلم منه. الأول شبه حال المقربين. والثاني: شبه حال المقتصدين. وأما الذي يمنع الفهم بحيث يصير الرجل غافلا، فلا ريب أنه يمنع الثواب، كما في حديث عمار. وغيره، والنصوص والآثار إنما تدل على أن الثواب مشروط بالحضور، ولم تدل على وجوب الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا، كما في حديث الصوم: "من لم يدع قول الزور والعمل".. إلخ وهذا هو المأثور عن أحمد وغيره من الأئمة. (٦٣) لم يكن أحد من الأنبياء نبيا قبل أن ينبأ وقوله: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ٢ وذلك أن في الصحيح أن الجنين إذا خلق كتب الملك رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد قبل نفخ الروح فيه، فبين خلقه ونفخ روحه. بقدر حاله في صحف الملائكة في تلك الحال ما سيكون من

стр. 42

أمره، وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ١ الآية، وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ٢ وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٣. ففي هذه النصوص وغيرها يخبر بإنعامه عليه؛ وبه يتبين عظم نعم الله عليه، وعظم قدرة الله سبحانه. (٦٤) الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة، يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله. بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله سنة. (٦٥) كل اسم مجهول ليس لأحد أن يرقأ به، فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه كره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص فيه لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ العجمية شعارا فليس من دين الإسلام. (٦٦) من اعتدى على شريف أو غيره عوقب بالقصاص والتعزيز، أو حد القذف ويعاقب المعتدي أيضا وإن كان شريفا. فما يشرع فيه القصاص لا فرق فيه بين الشريف وغيره، لقوله ﷺ "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم " ٤. (٦٧) ما ذكر من حياة الشهداء ورزقهم قيل إنه مختص بهم، والصحيح الذي عليه الأئمة أنه ليس مختصا كما دلت عليه النصوص وخص الشهيد

стр. 43

بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد، كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق. (٦٨) اختلف في ولاية أبي بكر هل هي بنص أو إجماع؟ والتحقيق أنه ﷺ دلهم عليها بأمور متعددة من أقواله، وأفعاله، وأخبر بها إخبار راض حامد، وعزم أن يكتب بها عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون، ولهذا قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ١ لأن النّزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد، وكلاهما منتف، وهذا أبلغ من العهد، فصارت ثابتة بالنص والإجماع، المستند إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله له، وأنه أحق، وأن الله أمر بها وأن المؤمنين يختارونها. (٦٩) خلق الله الخير والشر لما له في ذلك من الحكمة التي باعتبارها كان فعله حسنا متقنا كقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٢، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣ فلهذا لا يضاف إليه الشر مفردا إلا أن يدخل في العموم، كقوله ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤، أو يضاف إلى السبب كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٥، أو يحذف الفاعل كقوله ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ٦ الآية، وقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٧ فذكر أنه فاعل النعمة، وحذف فاعل الغضب، وأضاف

стр. 44

الضلال إليهم، فالرب تعالى لا يمثل بخلقه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، بل له المثل الأعلى. (٧٠) وقال في احتجاج الرافضة بآية الميراث: ليس في عمومها ما يقتضي أنه ﷺ يورث، ولا قصد بها بيان صفة المورث والوارث، وإنما قصد بها أن المال الموروث يقسم بين الوارثين على هذا التفصيل؛ ولهذا لو كان الميت مسلما وهؤلاء كفارا لم يرثوا بالاتفاق، وكذلك بالعكس في قول الجماهير، وكذلك القاتل عند عامة المسلمين. وهب أن لفظ الآية عام مخصوص بأدلة أضعف من كونها لم تعمه ﷺ يعني في المسائل المتقدمة آنفا، وإذا خصت بنص أو إجماع خصت بنص آخر بالإجماع، وقد ثبت أنه لا يورث بالسنة المقطوع بها بإجماع الصحابة، وقد جرت العادة بأن الملوك الظلمة إذا تولوا بعد من أحسن إليهم وقد انتزعوا الملك منهم أعطوهم ما يكفيهم عنهم، وأما منع الميراث فلا يعلم أن أحدا من الملوك فعله، فعلم أن ما جرى خارج عن العادة الطبيعية في الملوك، كما خرج عن العادات الشرعية في المؤمنين لاختصاصه ﷺ بما لم يخص به غيره. وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ١ لا يدل على محل النّزاع، لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع، فيستعمل في إرث العلم والنبوة وغير ذلك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ٢ الآية. وداود له أولاد غير سليمان فلا يختص بماله، والمراد إرث العلم والنبوة ونحو ذلك، وإرث المال من الأمور المشتركة كالأكل

стр. 45

والشرب فلا يقص مثله عن الأنبياء. وقوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ١ كذلك، لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم، والنبي لا يطلب ابنا ليرث ماله، وهذا لا يصدر إلا ممن هو أقل الناس عقلا ودينا. (٧١) قوله: "ما أقلت الغبراء ... "إلخ بتقدير ثبوته لم يرد به أنه أصدق الناس، فإنه يلزم أن يكون أصدق منه ﷺ ، ولكن معناه: ليس غيره أكثر تحريا للصدق منه، والصادق شيء والصديق شيء ليس لكونه صادقا، بل لكونه صدق الأنبياء. فالصديق ليس فضيلته في مجرد الصدق، بل إنه علم ما جاء به النبي ﷺ جملة وتفصيلا، وصدق ذلك تصديقا كاملا في العلم والقصد والقول والعمل. وأبو ذر لم يعلم ما أخبر به ﷺ كما علمه أبو بكر فإنه أعرف منه، وأعظم حبا لله ورسوله، وأعظم نصرا لله ورسوله، وأعظم جهادا بنفسه وماله، إلى غير ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية. (٧٢) وقال في قول الرافضي: إذاعة سر رسول الله ﷺ : أهل السنة في هذا الباب قائمون بالقسط شهداء لله، قولهم لا يتناقض، وأما أهل البدع ففيهم من التناقض ما ننبه على بعضه؛ وذلك أن عندنا أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين، لكن ليس من شرط ذلك سلامتهم من الخطأ والذنوب، فما يذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه؛ وما قدر أنه ذنب فهو مغفور إما بتوبة أو حسنات، أو غير ذلك، فإنه قد قام الدليل على أنهم في الجنة؛

стр. 46

ولو لم يقم لم يجز لنا القدح في استحقاقهم الجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين، والكلام بلا علم حرام، ولهذا كان الإمساك عما شجر بينهم خير من الخوض فيه بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كثير منه أو أكثره بغير علم، وهو حرام، لو لم يكن فيه هوى ومعارضة للحق. وقال: "القضاة ثلاثة" ١ إلخ فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال وكثيره، فكيف بين الصحابة في أمور كثيرة؛ فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق استوجب الوعيد، ولو تكلم بحق للهوى أو عارض به حقا آخر استوجب الوعيد. فمن سلك سبيل أهل السنة استقام، وإلا وقع في كذب وجهل وتناقض. ثم ذكر إنكار الرافضة توبة الأنبياء والأئمة، وخطبة علي لابنة أبي جهل، وغضبه ﷺ يوم الحديبية لمّا لم يحلقوا، ثم قال: والرافضة تعمد إلى قوم متقاربين تريد أن تجعل أحدهم معصوما والآخر مأثوما، فيظهر جهلهم وتناقضهم، ومن عمد إلى التفريق بين المتماثلين أصابه مثل هذا كأتباع العلماء والمشايخ. (٧٣) مذهب أهل السنة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله فيصلى خلفهم، ويجاهد معهم، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه. وإن أمكن تولية بر لم يجز تولية فاجر، فيجتهدون في الطاعة بحسب الإمكان، كما قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، ويعلمون أن الله بعث محمدا ﷺ بصلاح العباد، فإذا اجتمع صلاح وفساد رجحوا الراجح

стр. 47

منهما، وقل من خرج على دين سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم من الخير، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا، وإن كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، وهذا مما يبين أن ما أمر به ﷺ من الصبر على جور الأئمة هو الأصلح. فالشارع أمر كلا بما هو أصلح له وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر بالصبر على استيثارهم، ومنازعتهم الأمر والفتن في كل زمان بحسب رجاله، والفتنة تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه، ففيهما من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس، ومن الشهوات ما يمنع قصد الحق، ومن قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا يقال: " فتنة عميا صما ". (٧٤) لآله ﷺ على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش، وقريش يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل، كما أن جنس العرب يستحقون من ذلك ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم. على هذا دلت النصوص: تفضيل الجملة على الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد، كالقرن الأول على الثاني، والثاني على الثالث. وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله للمعين وكرامته عنده فهذا لا يؤثر فيه النسب، وهذا لا ينافي ما ذكرنا قبله، كما قال: "الناس معادن" ١ ... إلخ. فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة فالأول خير لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين، فإن تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج الفضة أفضل منه، ولهذا كان في بني هاشم النبي ﷺ الذي لا يماثله أحد في قريش، وفي قريش الخلفاء وغيرهم ما لا نظير له في العرب، وفي العرب من السابقين الأولين ما لا نظير له

стр. 48

في سائر الأجناس. فالأصل المعتبر هو الإيمان والتقوى، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ودون من ظن أن الله مفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في التقوى؛ وكلا القولين خطأ وهما متقابلان، فالفضل بالنسب للمظنة والسبب، وبالتقوى لليقين والتحقيق والغاية؛ فالأول سبب وعلامة، والثاني يفضل به لأنه تحقيق وغاية. والثواب يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، ولهذا كان رضى الله عن السابقين أفضل من الصلاة على آل محمد، لأن الأول إخبار بما حصل، والثاني سؤال ما لم يحصل. ومحمد أخبر الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته، فالفضيلة بنوع لا يستلزم الأفضلية مطلقا، ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، كإبراهيم وداود وأمثالهم، وعيسى ويحيى أفضل من أكثر الأغنياء. (٧٥) إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين، وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ١. وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان هذا قد نُهِيَ صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو هوى؟ والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه، والظلم مما اتفقوا على ذمه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة،

стр. 49

ودعا المؤمنون بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١ فقال قد فعلت، فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن المخطئ والناسي لا يؤاخذ، وقال ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ ٢ الآية، فمن آذى مؤمنا حيا أو ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان مجتهدا لا إثم عليه فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن أذنب وتاب أو غفر له بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب. (٧٦) ذكر غير واحد الإجماع على أن الصديق أعلم الأمة، وهذا بين؛ فإنهم لم يختلفوا في مسألة في ولايته إلا فصلها بحجة من الكتاب والسنة، كما بين لهم موته ﷺ وموضع دفنه، وقتال مانعي الزكاة، وأن الخلافة في قريش، واستعمله ﷺ على أول حجة حجت من مدينته، وعلم المناسك - أدق العبادات - ولولا سعة علمه بها لم يستعمله، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ أخذه أنس من أبي بكر، وهو أصح ما روي فيها. وفي الجملة لا يعرف مسألة غلط فيها، وعرف لغيره مسائل كثيرة، وتنازعوا بعده في مسائل الجد والإخوة، والعمريتين والعول، وغير ذلك من مسائل الفرائض ومسألة الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة، والخلية، والبرية، والبتة، وغير ذلك من مسائل الطلاق، وفي مسائل صارت نزاعا إلى اليوم، لكنه في خلافة عمر نزاع محض، وقوي النّزاع في خلافة عثمان حتى حصل كلام غليظ من بعضهم لبعض، وفي خلافة علي صار النّزاع

стр. 50

بالسيف، ولم يعلم أنه استقر بينهم نزاع في خلافة أبي بكر في مسألة واحدة، وذلك لكمال علمه، ثم التي خولف فيها بعد موته قوله فيها أرجح. (٧٧) مذهب أبي ذر ﵁ أن الزهد واجب، وأن ما أمسك عن الحاجة فهو كنْز، واحتج بآية براءة. فلما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا جعل أبو ذر ذلك من الكنْز، وخالفه الجمهور، واستدلوا بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ١. إلخ ولا يحول الحول على مال عند أحد إلا وهو فضلة عن حاجة، وقالوا الكنْز: المال الذي لا تؤدي حقوقه، وقد قسم الله المواريث في القرآن، وقد كان غير واحد له مال على عهده ﷺ ، وكان غير واحد من الأنبياء لهم مال، وكان أبو ذر يريد أن يوجب ما لا أوجبه الله، مع أنه مجتهد في ذلك. وكان عمر يقوم رعيته فلا يتعدى لا الأغنياء ولا الفقراء، فلما كان في خلافة عثمان ﵁ توسع الأغنياء في الدنيا، وتوسع أبو ذر في الإنكار، وهذا من أسباب الفتن بين الطائفتين. (٧٨) الغاية الممكنة ذكر الأمور الكلية كما قال ﷺ "بعثت بجوامع الكلم" ٢، ثم النظر في دخول الأعيان فيها، أو دخول نوع خاص تحت أعم منه لا بد فيه من نظر المتولي، وقد يصيب تارة ويخطئ أخرى، فنص ﷺ على الكليات، كما جاء فيما يحرم ويحل من النساء، وكذلك الأشربة حرم كل مسكر، وأمثال ذلك، بل قد حصر المحرمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ٣ الآية. فكل ما يحرم تحريما

стр. 51

عاما مطلقا ذكره فيها، وما سواه وإن حرم في حال أبيح في أخرى، كالدم. إلخ، وجميع الواجبات في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ ١، فلا مصلحة في عصمة الإمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول، ولله الحمد والمنة، وكل من كان إلى اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كان مصلحتهم في الدين والدنيا أكمل، ومن كان أبعد كان بالعكس. ولما كانت الشيعة من أبعد الطوائف عن اتباع المعصوم تجدهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم، حتى يوجد من هو تحت سياسة أظلم الملوك أحسن حالا منهم، ولهذا أشبهوا اليهود في أحوال كثيرة، منها أنهم ضربت عليهم الذلة، فلا يعيشون إلا أن يتمسكوا بحبل بعض الولاة الذي ليس بمعصوم، فالرافضة وحدهم لا يقوم أمرهم كاليهود. (٧٩) قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ الآية. الذي يهدي إلى الحق مطلقا هو الله تعالى، والذي لا يهدي صفة كل مخلوق، وهذا هو المقصود بالآية، فإنه افتتح الآيات بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢ إلخ. (٨٠) حديث الكسا صحيح، ولا دليل فيه على العصمة ولا الإمامة لأن الإرادة نوعان: إرادة دينية كقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

стр. 52

وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ١، وإرادة كونية كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ ٢ الآية. أخبر الله أنه يريد أن يتوب على المؤمنين، وأن يطهرهم، وفيهم من تاب ومن لم يتب، ومن تطهر ومن لم يتطهر، فلا يلزم بالآية ثبوت دعوى العصمة والإمامة، ثم أزواجه ﷺ مذكورات بالآية والخطاب، وتنازعوا في آل محمد قيل: أمته، وقيل المتقون منهم، والصحيح أنهم أهل بيته وأزواجه من آله. وفي الصحاح أنه قال: "وددت أني رأيت إخواني. قالوا: أو لسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني" ٣ وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الإيمان، والقرابة الدينية أعظم من القرابة الطينية، والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان، ومن كان فاضلا من آله فهم أولياؤه بهذا الاعتبار، لا لمجرد النسب، والقرآن لا يدل على ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس، ودعاؤه ﷺ يدل على وقوعه، فإن دعاءه مجاب، ولفظ الرجس أصله القذر، ويراد به الشرك كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ٤، ويراد به الخبائث المحرمة، كقوله ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٥. ونحن نعلم أن الله أذهب عنهم الرجس والخبائث، وقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ٦ سؤال مطلق، فمن تاب أو وقع ذنبه مكفرا أو مغفورا، فقد طهره الله تطهيرا.

стр. 53

(٨١) قول موسى ﵇ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي﴾ قاله قبل أن يبلغ الرسالة، ليعاونه عليها، ونبينا ﷺ بلغ الرسالة وحده، وكان أبو بكر أول من آمن به، ودعا معه إلى الله، وأسلم على يده ستة من العشرة، ومع هذا فما دعا أن يشد أزره به، بل قام مطيعا لربه متوكلا عليه، صابرا له كما أمره بقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١. (٨٢) وقال في الكلام على ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ : نفى عنهم عبادة معبوده، لأنهم إذا أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده، وأيضا لو عينوا الله بما ليس هو وقصدوا عبادة الله معتقدين أنه هو كأصحاب العجل، والذين عبدوا عيسى والدجال، والذين يعبدون أهواءهم، ومن عبد من هذه الأمة غير الله فهم عند أنفسهم إنما يعبدون الله، لكن هذا المعبود ليس هو الله، وإن قصد العابد الله، وأيضا إذا وصفوه بما هو بريء منه كالصاحبة والولد وعبدوه كذلك فهو بريء من هذا المعبود، فإنه ليس هو الله، كما قال ﷺ : "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمما" ٢، كذلك عبادة أمثالهم واقعة على موصوفهم، أيضا من لم يؤمن بما وصف به الرسول ربه، فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول. وقس على هذا، فلنتأمل هذه المعاني ولنتهذب. (٨٣) وقال في دعاء آخر البقرة: الذنوب والمعاصي قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية السمحة، فلا يعلم أنه مرفوع عنه، أو لعدم من يفتيه بالرخصة

стр. 54

فلا يكون مقتضى هذا الدعاء حاصلا في حقه، لعدم العلم، لا لنسخ الشريعة؛ كما يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام الطيب ما هو موجود، وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، قد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١. وهذا مما يعلم به قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٢، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ٣ الآية. وفي آخر خلافة عثمان فصاروا في فتنة قال الله فيها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٤ إلخ. وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات، وصاروا يختصمون في متعة الحج ونحوها، وبعضهم يعاقب من تمتع، وكل منهم لا يعتقد مخالفة الرسول، لكن خفي العلم بسبب الذنوب. والنّزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر، وإن كان الحق واحدا فقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه، لما في ظهوره من الشدة، ويكون من باب قوله: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ٥ إلخ، وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب. (٨٤) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وما قبله فيه ثلاثة أصول: الأول: لا تزر وازرة وزر أخرى. الثاني: ليس له إلا ما سعى. الثالث: أن سعيه يرى ويجزاه الجزاء الأوفى. وهذه أصول

стр. 55

الإيمان بالوعد والوعيد، وهي نتيجة الإيمان بالأمر والنهي، بل نتيجة الجزاء في الدارين. وقد غلط فيها من غلط، أخفهم من غلطكم في الأصل الأول، فأنكر أن الميت يعذب ببكاء الحي لتوهّمهم أن الميتيجمل أوزار النائحة، وليس كذلك، بل يصل إليه ألم بنياحتها، كما يعذب الإنسان بالرائحة المؤذية والأمور المفزعة، والحكم فيه كسائر ما يعذب به بعد الموت، مثل مسألة منكر ونكير، وأعظمهم غلط من غلط في الثالث، فأحبط حسانته بالكبيرة الواحدة، وأوسطهم من غلط في الأوسط، فظنوا أنه لا ينتفع إلا بسعيه، ومعلوم أنه ينتفع بالصلاة عليه والدعاء له وغير ذلك، وليس مناقضا للآية ولا مخصصا، وهو شامل لنا، وإلا لم يكن في قوله ﴿أم لم ينبأ﴾ . إلخ. فائدة، وأيضا فإنه خبر، والأخبار لا تنسخ. وقال ابن عباس في الآية، وفي رواية الوالبي: فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة، ولم يذكر نسخا، ولو ذكره فمراده نسخ ما يلقي الشيطان في معنى الآية على غير الصواب، فبين أنه لم يرد أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، وهذا أحسن ما قيل فيها، وسائر الأقوال ضعيفة جدا، والله سبحانه يرحم العباد بغير سعيهم أكثر مما يرحمهم بسعيهم. (٨٥) قوله تعالى ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ الآية: لولا: هلا; هذا قول أئمة العربية، وعن ابن عباس لم يكن; فذكر أنه لم يكن قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، وهذا حق. وقتادة ظن أن المعنى أنه نفعهم دون غيرهم، وليس كذلك، بل غيرهم لم يؤمن إيمانا ينفع، وهؤلاء آمنوا إيمانا ينفع، والاستثناء حجة لنا، لأنه منقطع، ولو اتصل

стр. 56

لرفع، وهو كالاستثناء في قوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ ١ الآية. ومما يبين ذلك أنها تخصيص وذم لمن لم يفعل، وهو يقتضي أن القرى لو آمنوا نفعهم، لكن لم يؤمنوا؛ وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآيات فأخبر أن هذه سنته، وسنته لا تبديل لها. وقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٢ الآية، وهذا نفي عام، فلو استثني أحد لكان أمة نبي التوبة، وقد وسع لهم في التوبة ما لم يوسع على بني إسرائيل، وهاتان الأمتان فضلوا على العالمين. وأيضا فإنه سبحانه عدل لا يفرق بين متماثلات، وكشف العذاب عنهم حق رأوه أم لا، فإنه نوعان نوع يتيقن معه الموت، ونوع لا يتيقن، ومن تاب كشف عنه هذا العذاب، والمريض تقبل توبته ما لم يغرغر، وإن كان مرضا مخوفا. وقوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٣ يبين أن المكشوف عذاب في الدنيا ولو لم يفسر فهو مجمل، والقرآن فرق بين النوعين، فقوم يونس آمنوا إيمانا نفعهم وآمنوا قبل حضور الموت، وغيرهم إما أن يكون كاذبا في إيمانه كقوم فرعون، وإما بعد حصول الموت كالذين قال فيهم: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ ٤ الآية. وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٥ الآيات، وفسر الازدياد كفرا بالإصرار

стр. 57

إلى الموت، فلم تقبل توبتهم عند الموت لأنه لا يمكن الرجوع عن السيئات، فينقص أو يذهب، فقوله ازدادوا كقوله: استمروا. ونظيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ١ الآية. فهنا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ٢، وهناك قال: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ فإنه لو تاب من ردته قبلت توبته، فإذا ارتد ثانية حبط الإيمان الذي غفر به ذلك الكفر، فبقى عليه إثم الكفر الأول والثاني، فازداد كفرا وأصر إلى الموت لم يغفر له. وذكر في أولها الذي ازداد كفرا بعد الكفر الأول، فذكر الكفر المفرد، والمكرر بينهما ازدياد. ولما قال هناك ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عند الموت ففيه تنبيه على أن الثاني لا يغفر بطريق الأولى، ولما ذكر في الثاني أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا كان مفهومه أنهم لو تابوا قبل الازدياد قبلت توبتهم وإن كرروا، فدل على أن قوله في الأول: (ازدادوا) أراد به الإصرار، وإلا لكان من كفر وأقام مدة ثم تاب لم تقبل، وهو خلاف قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، وخلاف مفهوم آية التكرير. فإن قيل: ازدياده أن يأتي بما يغلظ ردته كابن أبي سرح وابن خطل، قيل هذا من مسائل الاجتهاد، والكلام فيه في غير هذا الموضع، وابن آدم لم يكن ندمه ندم توبة، وثمود قيل إنهم موعودون بالعذاب إذا عقروها، وعذاب الدنيا لا يندفع بمثل هذه التوبة، فإن أصحاب العجل توبتهم بقتل أنفسهم، وهم لم يتوبوا إلا خوفا من عذاب الدنيا، أو يقال توبتهم من جنس توبة آل فرعون إذا رفع عنهم العذاب نكثوا، فقوله نادمين لا يدل على توبة صادقة ثابتة، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ الآيات، لم يذكر توبة بل اعترافا بالظلم. والكفار

стр. 58

والعصاة يعرفون أنهم ظالمون مع الأحرار، ومجرد العلم ليس توبة، بل رجوع القلب عن الذنب إلى الله وطاعته، والتوبة عند نزول العذاب لا تكون صادقة، بل كآل فرعون باللسان من غير عمل. وقال بعض العلماء فيمن تاب عند السيف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١ الآيات وهؤلاء كآل فرعون أو هذا العالم رأى معاينة القتل المتحتم مثل معاينة الملك، ولكن هذا مثل من قطعت حشوته فأيقن بالموت، وهذا تقبل توبته على الصحيح، وتنفذ وصاياه، فإن عمر أوصى في هذه الحال، وغايته أنه أيقن بالموت بعد زمن، وكل أحد موقن بالموت بعد زمن طويل أو قصير، إلا أن يقال من هؤلاء من يضطرب عقله فلا يمكنه توبة صحيحة، ومن المذنبين من لا يتوب صادقا بعد معاينة عذاب الآخرة، فكيف بعذاب الدنيا؟ قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ٢ الآيتين. ومن الناس من يقول: إن من الذنوب ما لا يزول بالتوبة، كالذين أعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، والذين قيل لهم: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ ٣. وقال الأكثرون إن ذلك لكونهم لم يتوبوا توبة تمحو مثل ذلك؛ فقوله: ﴿ (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٤، وقال أيوب السختياني وغيره: المبتدع لا يرجع، واضح بحديث الخوارج؛ وهذا حال من أعقبهم نفاقا في قلوبهم، ولكن ليس وصف جميعهم، فليست البدعة أعظم من الردة، لكنه مظنة، كالذين أسلموا منهم، كان الصحابة يحذرون منهم خوفا من بقايا الردة. فهذا هو العدل في هذا الموضوع، وقد تاب خلق كثير من رأي الخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم،

стр. 59

لكن التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له يحتاج إلى ما يقابله من المعرفة والعلم والأدلة. ومما يناسب هذا قوله: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً﴾ ١ الآية وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢ يدل على أنه سبحانه يعلم من القلوب ما يناسب هذا، وهو حكيم في حكمه أنه لا يزال بنيانهم. إلخ، والذنوب لا بد فيها من توبة أو تعذيب ولو بنقص الحسنات. وكثير من الذنوب يحتاج صاحبها إلى معالجة قلبه ومجاهدة نفسه كحال الثلاثة الذين خلفوا، فكيف غيرهم؟ (٨٦) قال ﵀ هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا توجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ: منها قوله تعالى ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والآية بعدها: أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة، وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر أن، والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنا نفعل بهم هذا، لم يكن قسمهم صدقا، بل قد يكون كذبا. وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية، ولو كان "ونقلب" إلخ كلام مبتدأ ألزم أن كل من جاءته آية قلب فؤاده، وليس كذلك، بل قد يؤمن كثير منهم. ومنها قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الصواب عطفه على قوله ﴿من لعنه الله﴾ فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ومضمرا، وهذا الفاعل اسم " من عبد الطاغوت " وهو

стр. 60

الضمير في عبد، ولم يعد حرف (من) لأن هذه الأفعال صفة لصنف واحد وهم اليهود. ومنها قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ١، ظن طائفة أن (ما) نافية وهو خطأ، بل هي حرف استفهام؛ فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم في غير موضع، فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون، لا أنهم يتبعون وإنما يتبع الأئمة، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ٢ ولو أراد النفي لقال إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء، بل بين أن المشرك لا علم معه، إن هو إلا الظن والخرص، كقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ٣. ومنها قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٤ حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف قال مجاهد: الشيطان، وقال الحسن: هم أولى بالشيطان من نبي الله، فبين المراد وإن لم يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الاختصار مع البلاغة وفهم المعنى. وقال الضحاك: المجنون، فإن من كان به الشيطان ففيه الجنون. وعن الحسن: الضال، وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي، بل لأن النبي خالف أهل العقل في نظرهم، كما يقال: " ما لفلان عقل "، ومثل هذا رموا به أتباع الأنبياء، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ ٥ ومثله في هذه الأمة كثير يسخرون من المؤمنين، ويرمونهم

стр. 61

بالجنون والعظائم التي هم أولى بها منهم. قال الحسن: لقد رأيت رجالا لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين، ولو رأوا أخياركم لقالوا هؤلاء لا خلاق لهم، ولو رأوا شراركم لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون بيوم الحساب. وهذا كثير في كلام السلف يصفون أهل زمانهم وما هم عليه - من مخالفة - من تقدم، فما الظن بأهل زماننا؟! والذين لم يفهموا هذا قالوا الباء زائدة، قاله ابن قتيبة وغيره، وهذا كثير كقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ ١، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ ٢ الآيات، ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ٣ الآية. ومنها قوله: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ﴾ ٤ الآية وما في معناها: التحقيق أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حسنا في النسب، كما في حديث هرقل: من نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه، قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٥، فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفي عن القبول منهم، ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحا. وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع، وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر،

стр. 62

والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلا أن تقر به، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ٢، فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق، كلاهما عرفوه بالوحي. وما ذكر أنه ﷺ بغضت إليه الأوثان لا يجب أن يكون لكل نبي، فإنه سيد ولد آدم، والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى، وبالنص والقهر، كما كان نوح وإبراهيم، ولهذا يضيف الله الأمر إليهما في مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٣ الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ الآية؛ وذلك أن نوحا أول رسول بعث إلى المشركين، وكان مبدأ شركهم من تعظيم الموتى الصالحين، وقوم إبراهيم مبدؤه من عبادة الكواكب، ذاك الشرك الأرضي وهذا السماوي، ولهذا سد ﷺ ذريعة هذا، وهذا. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ ٥ الآية: بين سبحانه وصف أهل النجاة والسعادة من الأولين والآخرين، وهو الذي يدل عليه اللفظ، ويعرف به معناه من غير تناقض، ومناسبته لما قبلها وما بعدها، ويعرف به قدرها، وهو المعروف عن السلف. ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها، فروى ابن أبي حاتم بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن أبي نجيح

стр. 63

عن مجاهد قال سلمان: "سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم فذكر من عبادتهم فنَزلت ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار"، كما روي بأسانيد ضعيفة، وهذا هو الصحيح كما في مسلم: إلا بقايا من أهل الكتاب، والنبي ﷺ لم يكن يجيب بما لا علم عنده، وقد ثبت أنه أثنى على من مات في الفترة، كزيد بن عمرو وغيره، ولم يذكر ابن أبي حاتم في الآية خلافا عن السلف، لكن ذكر عن ابن عباس: ثم أنزل الله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً﴾ ١ الآية، ومراده أن الله بين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين. وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه، فإن من المعلوم بالاضطرار من دون الرسل أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر، فلا يتناوله قوله: ﴿من آمن بالله﴾ إلخ. لكن ظن بعض الناس أن الآية فيمن بعث إليهم محمد خاصة، فغلطوا؛ ثم افترقوا على أقوال متناقضة ومنها قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ٢ الآية. ذكر أن المشهور عن السلف أن الحسنة " لا إله إلا الله "، وأن السيئة الشرك. ثم ذكر عن السدي قال: ذلك عند الحساب ألقى بدل كل حسنة عشر سيئات، فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا أن يغفر الله له. قلت تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح، وأن السيئة مثلها، وأن الهم بالحسنة حسنة، والهم بالسيئة لا يكتب؛ فأهل القول الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في التوحيد؛ فإنه عبادة الله بما أمر به، كما قال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى:

стр. 64

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ١ الآية، فالكلمة الطيبة هي التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك. فإن الإنسان حارث همام لا بد له من عمل، ولا بد له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شرك، والذنوب من الشرك؛ فإنها طاعة للشيطان، قال: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢ الآية، و ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ ٣ الآية، وفي الحديث: "وشر الشيطان وشركه" ٤، لكن إذا كان موحدا وفعل بعض الذنوب، نقص توحيده كما قال: "لا يزني الزاني" إلخ. ومن ليس بمؤمن فليس بمخلص، وفي الحديث: "تعس عبد الدينار" ٥ إلخ، وحديث أبي بكر "قل: اللهم أني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم" إلخ، لكن لم يعدل بالله غيره فيحبه مثل حب الله، بل الله أحب إليه، وأخوف عنده، وارجأ من كل مخلوق، فقد خلص من الشرك الأكبر. ومنها قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ٦ الآية، ذكر أن المشهور أن السيئة الشرك، وقيل: الكبيرة يموت عليها، قاله عكرمة. قال مجاهد: هي الذنوب فتحيط بالقلب، قلت: الصواب ذكر أقوال السلف، وإن كان فيها ضعيف فالحجة تبين ضعفه، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة، وهم ينقلون عن بعض السلف أن هذه

стр. 65

أحد رجلين، إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي مقبل على عبادة ما استحسنه من نجم أو قبر أو تمثال أو وثن أو غير ذلك، والناس في مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، فهدى الله الناس بما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن الوصف. ثم إنه بعثه بدين الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وفرض علينا أن نسأله هدايته في كل يوم وليلة في صلاتنا، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم، ودل القرآن على معنى هذا. ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة جماعها: أن كفر اليهود من عدم العمل، والنصارى من عدم العلم. ومع أن الله حذرنا سبيلهم فقضى قضاء نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ولفارس والروم وهم الأعاجم. وكان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات، وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام والشراب والاجتماع والافتراق وغير ذلك. (٩٢) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته؛ فطائفة ظنت أنه نفي الصفات، وسمو أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار

стр. 66

ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ١: عملوا الشرك، لأنه وصفهم بهذا فقط، ولو آمنوا لكان لهم حسنات. وكذا لما قال: ﴿كسب سيئة﴾ لم يذكر حسنة، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ ٢ أي فعلوا الحسن، وهو ما أمروا به؛ كذلك السيئة تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك. (٨٧) تواترت الأحاديث بخروج من قال: "لا إله إلا الله" من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال: "لا إله إلا الله"، لكن جاءت مقيدة بالإخلاص واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال. وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت. وغالبهم إنما يقولها تقليدا أو عادة؛ وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث: "سمعت الناس يقولون شيئا فقلته"، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو اقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٣ الآية؛ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها

стр. 67

شيء من السيئات فترجح بها الحسنات، كما في حديث البطاقة، وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأن معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول "لا إله إلا الله"، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهادي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة. فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون مصرا على سيئة، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناتهم، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين. (٨٨) سورة تبت نزلت في هذا وامرأته وهم من أشرف بطنين في قريش، وهو عم علي بن أبي طالب، وهي عمة معاوية، اللذان تداولا الخلافة في الأمة، هذان البطنان بنو أمية وبنو هاشم، وأما أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعد عنه ﷺ ، واتفق في عهدهما ما لم يتفق بعدهما. وليس في القرآن ذم من كفر به ﷺ باسمه إلا هذا وامرأته. ففيه أن الأنساب لا عبرة بها، بل صاحب الشرف يكون ذمه على تخلفه عن الواجب أعظم، كما قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ ١ الآية قال النحاس: ﴿تبت يدا﴾ دعاء عليه، ﴿وتب﴾ خبر، وفي قراءة عبد الله: ﴿وقد تب﴾ ، وقوله: ﴿وما كسب﴾ أي: ولده، فإن قوله: ﴿وما كسب﴾ يتناوله، كما في الحديث: "ولده من كسبه"، واستدل بها على جواز الأكل من مال الولد. ثم أخبر أنه سيصلى، أخبر بزوال الخير وحصول الشر، والصلي الدخول والاحتراق جميعا، وقوله: ﴿حمالة الحطب﴾ إن كان

стр. 68

مثلا للنميمة لأنها تضرم الشر، فيكون حطب القلوب. وقد يقال: ذنبها أعظم، وحمل النميمة لا يوصف بالحبل في الجيد، وإن كان وصفا لحالها في الآخرة، كما وصف بعلها هو يصلى، وهي تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر، فيكون من حشر الأزواج. وفيه عبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما. ويكون القرآن قد عم الأقسام الممكنة في الزوجين وهي الأربعة، كإبراهيم وامرأته، وإما هذا وامرأته، وإما فرعون وامرأته، وإما نوح ولوط. ويستقيم أن يفسر حمل الحطب بالنميمة بحمل الوقود في الآخرة كقوله: "من كان له لسانان" إلخ. (٨٩) قوله (: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيتين: لفظ الإنزال في القرآن يرد مقيدا بأنه منه كالقرآن، وبالإنزال من السماء، ويراد به العلو كالمطر، ومطلقا فلا يختص بنوع بل يتناول إنزال الحديد من الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان، وغير ذلك. فقوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ بيان لنُزول جبريل به من الله كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ أي: أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص، فإن الخائن قد يفتري الرسالة. وفيها دلالة على أمور منها: بطلان قول من زعم خلقه في جسم، كالجهمية من المعتزلة وغيرهم؛ فإن السلف يسمون من قال بخلقه، ونفى الصفات والرؤية جهميا. فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك، فله مزية المبالغة، والابتداء بكثرة إظهاره، وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك، لكن المعتزلة وإن وافقوه في البعض

стр. 69

فهم يخالفونه في مثل مسائل الإيمان والقدر، وبعض الصفات. وجهم يقول: إن الله لا يتكلم، أو يتكلم مجازًا، وهم يقولون: يتكلم حقيقة؛ ولكن قولهم في المعنى قوله، وهو ينفي الأسماء كالباطنية والفلاسفة. ومنها بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره، وهذا أعظم كفرا وضلالا من الذي قبله. ومنها إبطال قول الأشعرية أن كلام الله معنى، وهذا العربي خلق ليدل عليه، سواء قالوا خلق في بعض الأجسام، أو ألهمه جبريل، أو أخذه من اللوح، فإن هذا لا بد له من متكلم تكلم به أولا، وهذا يوافق قول: أنه مخلوق، لكن يفارقه من وجهين: أحدهما: أن أولئك يقولون: المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون: إنه كلام مجازًا، وهذا أشر من قول المعتزلة بل هو قول الجمهية المحضة، لكن المعتزلة يوافقونهم في المعنى. الثاني: أنهم يقولون: لله كلام قائم بذاته، والخلقية يقولون: لا يقوم بذاته، فالكلامية خير منهم في الظاهر، لكن في الحقيقة لم يثبتوا كلاما له غير المخلوق. والمقصود أن الآية تبطل هذا، والقرآن اسم للعربي، لقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ١. وأيضا فقوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ ٢؛ فالذي نزله الله هو الذي نزله روح القدس. وأيضا قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ ٣ الآية، وهم يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، لقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ ٤ إلخ. فعلم أن محمدا لم يؤلف نظمه، بل سمعه من روح القدس، وروح القدس نزل به من الله، فعلم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو. ونظيرها

стр. 70

قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ ١. والكتاب اسم للقرآن بالضرورة والاتفاق، فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه. ولفظ الكتاب يراد به المكتوب فيه، فيكون هو الكلام، ويراد به ما يكتب فيه، كقوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ ٣ وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٤ إخبار مستشهد بهم، فمن لم يقر به منا فهم خير منه من هذا الوجه. وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره أنه أنزل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح قبل نزوله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبرائيل أو بعده؛ فإذا أنزله جملة إلى بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله يعلم ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون. وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن يعملوها، ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها، فيقابل بين الكتابة المتقدمة والمتأخرة، فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره. فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه، فكيف لا يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم؟ ومن قال إن جبرائيل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه: منها أنه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده، فبنو إسرائيل أخذوا كلامه من الكتاب الذي كتبه، ومحمد عن جبرائيل عن الكتاب، فهم أعلى

стр. 71

درجة، ومن قال: إنه ألقى إلى جبرائيل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ألهمه إلهاما، وهذا يكون لآحاد المؤمنين كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ ١، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ ٢، فيكون هذا أعلى من أخذ محمد. وأيضا فإنه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤، وهذا يدل على أمور: على أنه يكلم العبد تكليما زائدا على الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص؛ فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى: عام وخاص؛ فالتكليم العام هو المقسوم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً﴾ ٥ الآية؛ فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص، لا قسما منه؛ وكذلك الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص، كقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ٦، ويكون قسيما له كما في الشورى. وهذا يبطل قول أنه معنى واحد قائم بالذات، فإنه لا فرق بين العام، وما لموسى، وفرق سبحانه في الشورى بين الإيحاء، وبين التكليم من وراء حجاب، وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء. (٩٠) ثبت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأن يجمع بين المرأة وعمتها، وخالتها، فقال طائفة: هذا نسخ للقرآن؛ فإن أرادوا النسخ العام الذي هو تقييد المطلق فصحيح، وإن أرادوا النسخ الذي هو رفع الحكم فضعيف، فإنه لم يثبت أن الله أراد بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ

стр. 72

ذَلِكُمْ﴾ ١ تحليل ذلك. فإن قيل هو عام بين الدليل المخصص أن الله لم يرد تلك الصور كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢ الآية، لم يرد به الأمة، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣ لم يرد الحامل، ولا التي لم يدخل بها، ولم يثبت أن السنة نسخت القرآن، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ٤ الآية، فالقرآن لا ينسخه إلا مثله. وقال كثير: السنة خصت القرآن وهم أكثر، وأفضل من أولئك، وقد يقال: السنة فسرت القرآن؛ ولهذا في حديث معاذ وكلام عمر وابن مسعود وغيرهما أن يحكم بكتاب الله، فإن لم يوجد فبسنة رسول الله. فلو كان في السنة ما يقدم على دلالة القرآن لم يكن كذلك، بل السنة تفسر المراد منه، وذلك أن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ٥ كما يحتمل الاختصاص فقد يحتمل التنبيه على ما يحرم من النسب، وكذلك الجمع بين الأختين؛ وذلك أن نكاح الأخت والجمع بين الأختين شرع لبعض الأنبياء، فإن يعقوب جمع بينهما، وآدم كان يزوج ذكر هذا البطن بأنثى الآخر، ولم ينقل أنه زوج أحدا بعمته، أو خالته، لأنها بمنْزلة الأم، والعمة كالعم، والعم والد لقوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ ٦ الآية، فنكاح العمة والخالة أفحش من نكاح الأخت، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها أقرب إلى القطيعة

стр. 73

من الجمع بين الأختين، فإنهما يتماثلان، وكذلك نكاح العمة والخالة من الرضاع أفحش من نكاح الأخت. والقرآن دل على تحريم نكاح الأم والأخت والبنت أيضا من وجهين: من جهة أن الأم لا تنكح ابنها من الطرفين ليس كالإرث قد يكون من أحد الجهتين، فالمرأة يرثها عمها وابن أخيها ولا ترثهما، وإذا لم يكن لها أن تنكح ولدها، فكذلك الأب. الثاني: أن ﴿أخواتكم من الرضاعة﴾ يتناول الأخت من الجهات، وصحت الأحاديث بتحريم لبن الفحل، فتبين أن قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١ يتناول أخته من أبيه، فإذا حرمت عليه فهي على أبيه أولى، فذكر سبحانه الأخت ينبه بها على غيرها. ويتبين أن هذا ليس مختصا بالأم كتحريم أمهات المؤمنين، فلو ذكرت الأم وحدها لظن هذا، فلما ذكرت الأخت دل على تعديه لأقارب الأم وأقارب الأب أيضا، حيث كانت الأخت بالأم تارة، وبالأب أخرى. ولما ذكر التحريم بالولادة وهو الأصل استوفي الكلام، فلما ذكر ما هو فرع عليه وشبيه به اختصر الكلام؛ فذكر الأم والأخت لما ذكرنا، ودلالة القرآن على هذا لم نستقل بفهمها بل السنة بينت ذلك، وهي لا تخالف القرآن بل توافقه، فكون قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ من الجوامع الذي لا تخصيص فيه أحسن وأدل على عظمة الكتاب من التخصيص، ولفظ الورى بمنْزلة الخلق، وهو يشعر بالتأخر والبعد، فيكون أصله دون ما ذكر وهو متأخر عنه، فلم يكن ما ذكرنا داخلا فيما وراء ذلكم لما ذكرنا من أنه أفحش؛ وهذا عرف ببيان الرسول ثم تفطن له من تفطن كما في نظائره إذ كان وجوه دلالات القرآن يخفى كثير منها على كثير من الناس، لكن السنة بينته. والقرآن

стр. 74

هو الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وقد جاء عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أنهم إذا سمعوا حديثا عنه ﷺ طلبوه من القرآن، قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، لكن علمنا قصر عنه، وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي القرآن بيانها. وكذلك أحاديث المسح لا تخالف القرآن بل تفسره، وذلك أنه أمر القائم إلى الصلاة بما ذكر، ولو قدمه قبل القيام جاز، ذكره أحمد إجماعا؛ فيجب الوضوء عند القيام على المحدث، ولو لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا. واللابس على طهارة قد غسل رجليه وأتى بالمأمور به في القرآن، فإذا أحدث فقد بينت السنة أن مسحه على الخف الملبوس على طهارة يجزيه؛ فأجزأته الطهارة المتقدمة مع هذا المسح. وهذا كما بينت السنة أن المستحاضة ليس خروج الدم منها حدثا، وكذلك من به سلس البول والمذي، فقد فرق في جنس هذا تارة ينقض وتارة لا، إذا كان فيه عسر. وذكره لفظ المسح في الرجلين يشعر بتخفيف الأمر فيهما، لكن التقييد بالكعبين دل على أنه أراد الغسل إذا كانا ظاهرين، ومن نعم الله على عباده أن هذه المواضع التي تظهر فيها المخالفة لبعض الناس قد تواترت فيها السنة بما جاءت فيه، فلم يمكن أحد أن يترك السنة إلا من لا يعرفها. وأما المواضع التي تظن فيها المخالفة وهي غلط، كالحكم بشاهد ويمين، فتلك لما لم تكن متواترة لم يكن ظاهر القرآن مخالفا للسنة، بل أنكر قول من زعم المخالفة، وهذا يحقق وجوب العمل بما ثبت من السنة، فإنه لا يخالف الكتاب بل يفسره. (٩١) أرسل الله رسوله ﷺ وقد مقت أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب، وماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه، والناس إذ ذاك

стр. 75

أحد رجلين، إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي مقبل على عبادة ما استحسنه من نجم أو قبر أو تمثال أو وثن أو غير ذلك، والناس في مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، فهدى الله الناس بما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن الوصف. ثم إنه بعثه بدين الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وفرض علينا أن نسأله هدايته في كل يوم وليلة في صلاتنا، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم، ودل القرآن على معنى هذا. ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة جماعها: أن كفر اليهود من عدم العمل، والنصارى من عدم العلم. ومع أن الله حذرنا سبيلهم فقضى قضاء نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ولفارس والروم وهم الأعاجم. وكان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات، وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام والشراب والاجتماع والافتراق وغير ذلك. (٩٢) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته؛ فطائفة ظنت أنه نفي الصفات، وسمو أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار
следующие страницы →