← Фатава

Фатава · id 11573

مسائل وفتاوى نجدية (طبع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول)

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (113 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الله: أي ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. فمن تدبر هذه الآيات ونظائرها علم أن هؤلاء القبوريين المفتونين بالأموات قد خالفوا ما أمرهم الله -تعالى- به من إفراده بالألوهية والعبودية الخاصة له، فتألهت قلوبهم غيره، وتعلقت أفئدتهم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. قال الله -تعالى-: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ١ الآية، وتقدمت، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢. فتأمل هذه الآية وما فيها من البيان والبرهان على ضلال من وجه وجهه وقلبه لغير الله بأي نوع كان من أنواع العبادة، وهذا لا يخفى إلا على من عميت بصيرته، وضل سعيه، وفسد فهمه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣. [الأرواح لا يعلم مقرها إلا خالقها] الوجه الخامس: أن المجيب ومن يقول بقوله إنما وجهوا وجوههم وقلوبهم إلى أرواح الأموات، وقد فارقت تلك الأرواح أجسادها، لا يعلم أين صارت ولا إلى ما صارت إلا الله، إلا ما ورد أن أرواح الشهداء والسعداء تسرح في الجنة. وقد جعل الله موتهم دليلا وبرهانا على بطلان عبادتهم، قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٤. ولا ريب أن من له بصيرة يعلم أن الميت لا شعور له بحاله، فكيف بغيره؟ وقد تقدم دليله. فبطل بهذه الآيات المحكمات وما في معناها كل ما تعلق به المشركون من طلب وأمل ورجاء ورغبة صرفوه لغير الله، وبين تعالى أن ذلك يعود عليهم وبالا في الدار الآخرة. نعوذ بالله من ضلال السعي والخيبة والخسران.

стр. 37

ولقد أحسن من قال: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن [الاحتجاج بأقوال المتكلمين في التوحيد دون علماء السلف] الوجه السادس: أن المجيب أجاب بما يخالف مطلوب السائل، فإن السائل إنما طلب منه قول الأئمة الذين يرجع إليهم في أصول الدين وفروعه، ممن أجمع أهل السنة على هدايتهم ودرايتهم وعلمهم وصدقهم وتمسكهم بالحق، وهم كثير في القرون المفضلة وبعدها، ولم يسأله عن قول من لا يعرف بعلم ولا ثقة ولا صدق ولا عدالة؛ وكلامه الذي نقله عن المجيب من شرحه كلام محرف للسنة، قد دخل في الكلام المذموم والفلسفة، ومثل هذا لا يحتج بقوله من له أدنى فهم ومعرفة بأحوال العلماء. فسبحان الله يا هذا! كيف تقلد في دينك من لا يعرف بعلم ولا صدق وأمانة وعدالة؟! فما أكثر من اغتر بأقوال من هو مثله ممن أخذ عن أرباب أهل البدع! فهلا أجبت بأقوال الصحابة والتابعين كالفقهاء السبعة، وكالزهري والحسن وابن سيرين والحمادين والأوزاعي والثوري والليث بن سعد، والأئمة الأربعة، وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد ومحمد بن نصر المروزي وابن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر النمري صاحب التمهيد والاستذكار، وأمثال هؤلاء من أئمة الإسلام أهل العروة الوثقى! فإنهم -بحمد الله- كثير في الأمة، يعرفهم من له إلمام بالعلم والعلماء والفضل والفضلاء، ومعاذ الله أن تجد في كلام هؤلاء وأمثالهم من يجوز تعلق القلب والهم والإرادات بغير الله، ، وتقدس عن الشرك في الإرادات والنيات والأعمال. ولو قيل لهذا المجيب: عرفنا بشارح المشارق هذا، ومن ذكره من المصنفين من أهل الجرح والتعديل، لم يجد إلى ذلك من سبيل. وعلى كل حال فليس في كلامه حجة ولا دليل، فإن كلامه يعرف بحقيقة حاله

стр. 38

والحجة التي لا تعارض ولا تدافع إنما هي فيما قاله الله ورسوله، وما كان عليه المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، قبل حدوث البدع وتشعب الأهواء واختلاف الآراء، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. [حماية النبي للتوحيد الخالص] ولا يخفى على من له دين وإلمام بالعلم النافع أن رسول الله ﷺ حمى حِمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك الأكبر والأصغر، فقد ثبت عنه أنه لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال:"أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ٢. وفي المسند عن عمران بن حصين ﵁:"أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر. فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، وإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" ٣ فانظر إلى هذه العقوبة العظيمة لمن علق قلبه بحلقة دون الله. وثبت عنه ﷺ أنه قال:"من تعلق شيئا وكل إليه" ٤ أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة. ولأحمد عن عقبة بن عامر:"من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" ٥، وفي رواية:"من تعلق تميمة فقد أشرك" ٦. [التمسك بالتوحيد وعدم التعلق بأرواح الأموات] ومن المعلوم أن التعلق بأرواح الأموات أعظم شركا من تعليق التمائم، وهذا لا يخفى على من له بصيرة في الدين، فإن الفتنة بها أعظم، والتعلق بها أشد. والعبادة عبادة حيثما صرفت: فإن قصرت على المستحق لها وهو الله فهو التوحيد، وإن صرف منها نوع فأكثر لغير الله فهو شرك بالله، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٧. والصحابة ﵃ قد تمسكوا بما علموه من حال نبيهم ﷺ من تحقيق التوحيد وحمايته عن الشرك. فقد ثبت عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا في يده خيط من

стр. 39

الحمى فقطعه وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١. [تمسك السلف بالتوحيد وفشو الشرك في الخلف] ومن المعلوم أن الشرك في عصر الصحابة ﵃ كان قليلا جدا، فإذا رأوا شيئا منه أعظموه وأنكروه. وحذيفةرضي الله عنهاستدل بهذه الآية الكريمة على أن هذا شرك بالله، فأين هذا مما وقع فيه أكثر الناس اليوم من طلب النفع ودفع الضر من الأموات، الذين لا إحساس لهم بما يطلبه الداعي منهم، ولم يدفعوا عن أنفسهم فضلا عن غيرهم؟! وأما التابعون للصحابة وأتباعهم فإنهم سلكوا سبيل النبي ﷺ ، فإنهم أبدوا وأعادوا في إنكار ما حدث من الشرك. فقد ثبت عن سعيد بن جبيررضي الله عنهأنه قال:"من قطع تميمة من إنسان كانت كعدل رقبة". فانظر إلى هذا التشديد من هذا الإمام في تعليق التميمة! فأين هذا مما قرر المجيب جوازه من التعلق بأرواح الأموات التي لا يعلم مستقرها إلا الله ولا تنفع ولا تضر؟! ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. [الإسلام لرب العالمين هو إسلام الوجه والقلب بإخلاص العبادة] وقد عرفت أن الإسلام لرب العالمين هو إسلام الوجه والقلب بإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد أشرك بالله. قال الله -تعالى-: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣ الآيات. فيا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للشرك! و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا

стр. 40

وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢. ولقد أحسن من قال في بيان التوحيد، أي توحيد الإلهية: فالقصد وجه الله بالأقوال والأ ... عمال والطاعات والشكران فبذاك ينجو العبد من إشراكه ... ويصير حقا عابد الرحمن [الشرك بالله مسبة لله] وبهذا يعلم أن الشرك بالله مسبة لله، وتنقيص له، ورغبة عنه إلى غيره، وهضم لربوبيته تعالى. فمعظم هؤلاء الجاحدون لتوحيد الله مخلوقه وعبده لتنقصهم لله تعالى، ومسبتهم له، بزعمهم أن معبوديهم صالحون وأولياء، فأنزلوهم منْزلة الله، وسلبوا لهم حقه، والنبي والصالح حقه متابعته فيما هو فيه من التوحيد، والعمل الذي صار به صالحا، فلم يقتدوا بهم في الدين ولا في العمل، فأخذوا حقهم من الاقتداء بهم في الدين واتباعهم، وحرفوه لجهال المتفلسفة، ومن أخذ عنهم كشارح المشارق، وأمثاله من المحرفين. [مشابهة الأمة للأمم السابقة] الوجه السابع: أن مما يبين خطأ المجيب وضلاله مع ما تقدم من الأوجه ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم". وفي هذا الحديث من الفوائد أن التبرك بالأشجار ونحوها شرك وتأليه لغير الله، ولهذا شبه قولهم

стр. 41

" اجعل لنا ذات أنواط" ١ بقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ٢، ومنها أن حقيقة الشيء لا تتغير بتغير الاسم، ومنها خطر الشرك والجهل، فكادوا أن يقعوا في الشرك لما جهلوه، فإذا كان هذا في عهد النبوة وإقبال الدين، فكيف لا يقع بعد تقادم العهد، وتغير الأحوال، واشتداد غربة الدين؟! ومنها مشابهة هذه الأمة لأهل الكتاب فيما وقع منهم كما في الحديث الآخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٣. فإذا تبين أن التعلق بالأشجار ونحوها عبادة لها من دون الله، ووضع للعبادة في غير موضعها، فلا فرق بين أن يصرف لشجرة أو قبر أو غير ذلك. ومعلوم أن الشجر له حياة بحسبه، مطيع لربه، يسبح بحمده، وما عبدت اللات والعزى ومناة إلا بمثل ذلك التعلق والاعتقاد، قال مجاهد: اللات كان رجلا صالحا يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس. وصح عن النبي ﷺ أنه قال:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء" ٤. فقد -والله- اشتدت غربة الإسلام حتى عاد الشرك بالله دينا وقربة يتقرب به إلى الله، وهو أعظم ذنب عصي الله به كما قال تعالى: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٧. [شبهة اتصال روح زائر القبر بروح الميت واستمداده منه] الوجه الثامن: أن هذا الذي أجازه هذا المجيب هو بعينه قول الفلاسفة المشركين، فإنهم قالوا: إن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به

стр. 42

وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بوجهه وقلبه وروحه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره؛ فكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به وشفاعته له. [رد ابن القيم على شبهة اتصال الأرواح] قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السرج وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده. وكان النبي ﷺ في شق وهؤلاء في شق، هذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة يقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به فيما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والأفضال، ينال ذلك المتعلق منه بحسب تعلقه. وهذا شر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وإباحة دمائهم وأموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم. انتهى

стр. 43

[إبطال التعلق بغير الله] قلت: وتأمل ما ذكره الله في سورة يس من قوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُون إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١ الآية. ففي هذه الآية العظيمة وما في معناها ما يكفي ويشفي في إبطال هذا المذهب الخبيث، من تعلق أهل الإشراك بغير الله، وافترائهم على الله، وإضلالهم العباد عن توحيد الله والتوجه إليه وحده بالإخلاص، الذي هو دينه الذي لا يرضى لعباده دينا سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢. ففرق تعالى في هذه الآية بين دينه الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ودين هؤلاء المشركين الذي أنكره عليهم، وأكذبهم فيما زعموه، وأكفرهم بما انتحلوه واعتمدوه من الشرك العظيم، الذي لا يحبه ولا يرضاه، وينكره ويأباه. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ٣، والأسباب هي الوصلة والمودة التي كانت بين العابد والمعبود، أخبر سبحانه أنها تتقطع يوم القيامة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٤، فهذا ما يؤول إليه أمر هؤلاء المشركين يوم القيامة. ونظائر هذه الآية كثير في القرآن كقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٥.

стр. 44

فتأمل ما يؤول إليه أمر أهل هذه التوجهات والتعلقات بغير الله، من كفرهم بمن تعلقوا عليهم، ولعنهم لهم، وجزائهم عند الله بعذاب النار، وغير ذلك مما أخبر له تعالى عن أحوالهم، فلا شافع يشفع لهم، ولا ناصر ينصرهم، فعادت تلك التعلقات الشركية، والهمم الشيطانية، والأماني الكاذبة عليهم حسرة ووبالا. هذا ما تيسر تعليقه -بحمد الله- في هدم أصول هؤلاء المشركين، وفيه الكفاية لمن نور الله قلبه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١ وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

стр. 45

[نصائح وفتاوى فقهية للشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ وأحسن إليه] مقدمة بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوان ١ صالح بن محمد الشثري، وزيد بن محمد آل سليمان، وإخوانهم -سلمهم الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فموجب الخط إبلاغكم السلام، والسؤال عن الحال، جعلنا الله وإياكم ممن عرف الحق فاتبعه، وقابل النعم بشكرها. وقد خطيت لك في أول رمضان خطا أراد الله أن الطروش ٢ فاتونا ولا راح، مضمونه بعض الإشارات النافعة، منها: إني أوصيك بتدبر أنوار الكتاب، التي هي أظهر من الشمس في نحر الظهيرة، ليس دونها قتر ولا سحاب، لا سيما دوال التوحيد، والتفكر في مدلولاته ولوازمه، وملزوماته ومكملاته ومقتضياته، ثم التفطن

стр. 46

فيما يناقضه وينافيه من نواقضه ومبطلاته. فالخطر فيه شديد، ولا يسلم منه إلا من وفق للصبر والتأييد، والفعل الحميد، والقول السديد، وخالط قلبه آيات الوعد والوعيد، وعرف الله بأسمائه وصفاته التي تجلو الريب والشك عن قلب كل مريد، واعتصم بها عن كل شيطان مريد. ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ١ الآيات. فقد عمت البلوى بالجهل المركب والبسيط ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٢. فالله الله في التحفظ على القلب بكثرة الاستغفار من الذنب، جعلنا الله وإياكم ممن نجا من ظلمة الجهالة، وأخلص لله أقواله وأعماله. وبلغ حمد والعيال والإخوان السلام، ومن لدينا العيال والإخوان بخير، وينهون السلام، وأنت سالم، والسلام.

стр. 47

[نصيحة في الزجر عن طلب العلم لغير الله] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ فايز بن علي وإخوانه من طلبة العلم -سلمهم الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصل خطك -وصلك الله بما يرضيه-، والذي أوصيكم به جميعا ونفسي بتقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوز بالأجر العظيم. وليحذر كل عاقل أن يطلب العلم للمباراة والمباهاة، فإن في ذلك خطرا عظيما، ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدنيا أو لجاهها، والترؤس بين أهلها، وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين. ولو لم يكن في الزجر عن ذلك إلا قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ

стр. 48

إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وفي حديث أنس مرفوعا:"من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار" ٢ وهذا القول كاف في النصيحة. وفقنا الله وإياكم لحسن القبول. وقد بلغني أنكم اختلفتم في مسائل أدى إلى النّزاع والجدال، وليس هذا شأن طلاب الآخرة، فاتقوا الله، وتأدبوا بآداب العلم، واطلبوا الثواب من الله في تعلمه وتعليمه، وأتبعوا العلم العمل، فإنه ثمرته في حصوله، كما في الأثر:"من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم"، وكونوا متعاونين على البر والتقوى. ومن علامة إخلاص طالب العلم أن يكون صموتا عما لا يعنيه، متذللا لربه، متواضعا لعباده، متورعا متأدبا، لا يبالي ظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، ولا ينتصر لنفسه ولا يفتخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى، ولا يركن إلى زينة الدنيا. [طواف القدوم والسعي من الحائض] وأما المسألة الأولى وهي: هل يصح من الحائض إذا قدمت مكة أن تسعى قبل الطواف أم لا؟ الجواب: لا يصح السعي إلا بعد طواف صحيح لنسك من الأنساك، أما المفرد والقارن، فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما كما يجزئ للقارن لعمرته، وأما المتمتع فيسعى بعد طواف العمرة لها، ولا يجزئه للحج إلا أن يسعى بعد طواف الإفاضة. قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده. والمختار أنه لا يطوف للقدوم، وليس إلا طواف الزيارة، وعليه أن يسعى بعده للحج، فإن سعى قبله لم يجزه. قالوا: ويجب أن يكون السعي بعد، طواف واجب أو مستحب. هذا كلام الحنابلة، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الشافعية: لو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئا من الطواف لم يصح سعيه، فيلزمه أن يأتي ببقية الطواف. فإذا أتى ببقيته أعاد

стр. 49

السعي، نص عليه الشافعي، وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة. ومما يستدل لذلك حديث عائشة وفيه:"فلما كنا في بعض الطريق حضت، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج" ١. ومعنى ارفضي العمرة رفض أعمالها، فلو صح سعي قبل الطواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك. والله أعلم. [إعادة المتيمم الصلاة عند وجود الماء] وأما السؤال الثاني: عن قوله ﷺ في شأن الرجل الذي صلى بالتيمم، فلم يعد لما وجد الماء:"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" ٢، وقال للذي أعاد:"لك أجرك مرتين". فلا شك أن الذي لم يعد أصاب الحكم الشرعي بدليل قوله ﷺ :"أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" ٣. وأما الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل، فأثيب على الصلاة الأولى والثانية؛ لكونه صلى الثانية مجتهدا، فأثيب على اجتهاده للصلاة الثانية، كما أثيب على الصلاة الأولى. ومن المعلوم أن الفريضة أفضل من التطوع من جنسه أو غير جنسه إلا في أربعة أشياء، ذكرها الجلال السيوطي ضمنها بيتين، والأخير لمحمد الخلوتي الحنبلي: الفرض أفضل من تطوع عابد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر إلا التوضؤ قبل وقت وابتدا ... ء بالسلام وإبراء للمعسر وكذا ختان المرء قبل بلوغه ... تمم به نظم الإمام المكثر [الجمع في الصلاة عند فقد الماء] وأما السؤال الثالث: فيمن نوى جمع التأخير حيث يجوز الجمع، فدخل وقت الثانية قبل أن يصلوا إلى الماء، فالأفضل في حقهم أن يؤخروا الصلاة إلى أن يصلوا إلى الماء ما لم يدخل وقت الضرورة، فإن صلوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصلاة بالتيمم، ولا إعادة عليهم. وقول السائل: فهل يكون وقت الاختيار للثانية وقتا للأولى أم لا؟ الجواب: نعم يكون وقتا لها في حق من يجوز له الجمع إذا نواه، فتنبه! والله أعلم. وصلى الله على محمد وسلم.

стр. 50

[فتاوى فقهية في خروج النساء ولبس الحرير وغير ذلك] بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ علي بن فواز -سلمه الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فهذا جواب السائل: أما خروج النساء من البيوت بالزينة، فيحرم مخافة الفتنة بالنساء، فإنهن فتنة لكل مفتون. [الضرب بالدف] وأما الدف، فيحصل الإعلام بضربه في الزفاف وقبل الدخول، في وقت من النهار، وأما ضربه في الليل، ففيه من المفاسد ما لا يخفى، ومن أقرهم على ذلك ممن له قدرة على منعهم، فقد ظلم نفسه. [الاحتكار] وأما الاحتكار، فإذا شراه أحد من الأسواق ينتظر الغلاء، فهو احتكار. [خلط البر بالشعير وتلقي الركبان] وأما خلط البر بالشعير للبيع فلا يجوز، لما ورد في ذلك من الآثار التي رواها ابن أبي شيبة في مسنده. وأما تلقي الركبان للشراء منهم ما جلبوه، فيلزم منعهم من ذلك، وأما التزعفر فقد ورد ما يدل على جوازه، فلا ينكر والحالة هذه. [مذهب الخوارج] وأما مذهب الخوارج، فإنهم يكفرون أهل الإيمان بارتكاب الذنوب ما كان منها دون الكفر والشرك. وإنهم قد خرجوا في خلافة عليرضي الله عنهوكفروا الصحابة بما جرى بينهم من القتال، واستدلوا على ذلك بآيات وأحاديث، لكنهم أخطؤوا في الاستدلال. [المعاصي التي يكفر فاعلها] فما دون الشرك والكفر من المعاصي فلا يكفر فاعله، لكنه ينهى عنه إذا أصر على كبيرة ولم يتب منها، فيجب نهيه والقيام عليه. وكل منكر يجب إنكاره، من ترك واجب أو ارتكاب محرم، لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرا دل الكتاب والسنة على أنه كفر، وكذا ما اتفق العلماء على أن

стр. 51

من فعله أو اعتقده كفر، كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدين بالضرورة، أو استحل ما هو معروف بالضرورة أنه محرم. فهذا مما أجمع العلماء على أنه كفر إذا جحد الوجوب، إلا إذا ترك الصلاة تهاونا وكسلا، فالمشهور في مذهب أحمد أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا، وأما الثلاثة فلا يكفرونه بالترك، بل يعدونه من الكبائر، وكذلك إذا فعل كبيرة كما تقدم، فلا يكفر عند أهل السنة والجماعة إلا إذا استحلها. [السفر إلى بلاد المشركين] وأما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، فقد عمت به البلوى، وهو نقص في دين من فعله لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين، فينبغي هجره وكراهته. فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب ولا ضرب، ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضرا؛ والمعصية إذا وجدت أنكرت على من فعلها أو رضيها إذا اطلع عليها. وأما المعاصي التي فيها الحدود، فلا يقيمه إلا الإمام أو نائبه، وأما الحدود إذا بلغت السلطان، فالمراد بالسلطان الأئمة والقضاة كمن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدهم. وذكرت في جوابي للربع١ إلي في خاطري مما يوجب اجتماع الكلمة والسلام.

стр. 52

[الدين النصيحة] قوله ﷺ : الدين النصيحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الملك العلام، ذي الجلال والإكرام، أحمده أن منَّ علينا بالإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الطول والإنعام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكمل به الشرائع والأحكام، وجعله مبينا لحدود الحلال والحرام، اللهم صل على محمد وأصحابه هداة الأنام وسلم تسليما.

стр. 53

أما بعد: فإنه قد صح عن النبي ﷺ من حديث تميم الداريرضي الله عنه أنه قال: "الدين النصيحة، ثلاثا، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ١ رواه مسلم فما أعظم شأن هذا الحديث، وأنفعه لمن عقله ورزق العمل به! ولقد أحسن من قال: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد وقد بعث الله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وأوجب على الخلق طاعته واتباعه كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ ٢ ...الآية، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٣ ...الآية، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ ٤ ...الآية. قال شيخ الإسلام: الإيمان به تصديقه وطاعته واتباعه انتهى. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. [النهي عن لبس الحرير] فإذا عقلت هذا الأصل، فاعلم أن الأحاديث قد تظاهرت عن رسول الله ﷺ بالنهي عن الحرير وتحريمه على ذكور هذه الأمة، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن حذيفةرضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" ٥. وأخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عنه عن أبي موسىرضي الله عنهأن النبي ﷺ قال: "أحل الذهب والحرير لأناث أمتي وحرم على ذكورها" ٦. وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عليرضي الله عنهقال:" رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي " ٧ وأحاديث هذا الباب يتعذر استقصاؤها، فنبهت ببعضها على نوعها.

стр. 54

وقد حكى الإجماع على تحريم الحرير على الذكور غير واحد من الأئمة إلا ما استثناه الشارع، كما في حديث عمر، وهو عند البخاري ومسلم وأهل السنن عن أبي عثمان النهدي:"أتانا كتاب عمر، ونحن مع عقبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام. قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام" ١ ولأبي داود في الحديث: "نهى عن الحرير إلا هكذا وهكذا، أصبعين أو ثلاثا أو أربعا" ٢. وبهذا الحديث احتج أهل العلم على أنه لا يباح من الحرير في الثوب ونحوه إلا مقدار أربع أصابع. قال في الفروع: ويباح منه العلم إذا كان أربع أصابع مضمومة فأقل، ونص عليه. انتهى. وقال في المبدع: ويباح العلم الحرير، وهو طراز الثوب إذا كان أربع أصابع مضمومة فما دون، نص عليه وجزم به في المغني والشرح. وقال في الإنصاف: ويباح علم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون. وقال في جمع الجوامع: ولبنة الجيب وسجف الفراء كالعلم في الإباحة والقدر، وفي حاشية المنتهى على قول المصنف: لا فوق أربع أصابع، يعني أن ما ذكر من العلم والرقاع والسجف ولبنة الجيب أنها تباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمومة فما دون، لا إن كان أكثر منها. انتهى. وهذا الذي ذكره هؤلاء كغيرهم من الفقهاء إنما هو فيما إذا كان الحرير منفردا متميزا سواء كان منسوجا في الثوب كالعلم، أو مجعولا فيه بعد النسج كلبنة الثوب والسجف، وسواء كان مفرقا أو مجموعا. وكذا إذا كان مشوبا بغيره على الصحيح المعتمد عند جمع من كبار الأئمة المحققين، كما صرح به شارح المنتقى، ونقله عن تقي الدين بن دقيق العيد. قال الشارح: وقد عرفت مما سلف من الأحاديث الواردة في تحريم الحرير بدون تقييد، والظاهر منها تحريم ماهية الحرير، سواء وجدت منفردة أو مختلطة

стр. 55

بغيرها، ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص، سواء وجد ذلك القدر مجتمعا كما في القطعة الخالصة أو متفرقا كما في الثوب المشوب. وقد نقل الحافظ في الفتح عن العلامة ابن دقيق العيد أنه إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة إلى جميع الثوب. اهـ. قلت: وقد قرر هذا الحافظ في فتح الباري بأدلته فقال: واستدل بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب لتفسير القسي بأنه ما خالط غير الحرير فيه الحرير، ويؤيده عطف الحرير على القسي في حديث البراء. ووقع كذلك في حديث علي عند أحمد وأبي داود والنسائي بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث عبيدة بن عمرو عن علي –﵁ قال:"نهى رسول الله ﷺ عن القسي والحرير " ١، فعلى هذا يحرم الذي يخالطه الحرير. اهـ. فهذا حافظ الدنيا في عصره صرح بتحريم لبس ما خالطه الحرير، وهذا مقتضى الدليل، وقال البخاري في صحيحه: قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي: ما القسية؟ قال:"ثياب أتتنا من الشام أو مصر مضلعة فيها حرير، وفيها أمثال الأترج". وقال جرير عن يزيد: ثياب مضلعة يجاء بها من مصر فيها الحرير. ثم ساق بسنده حديث البراء بن عازب قال:"نهانا النبي ﷺ عن المياثر الحمر والقسي" ٢ وفي رواية له:"ونهانا عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر " ٣. اهـ. وقال النسائي: القسي ثياب من كتان مخلوط بحرير، يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريب من تنيس يقال لها: القس بفتح القاف. اهـ. وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، قال في جمع الجوامع: قال شيخ الإسلام: وقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير، وليست بحرير مصمت. اهـ. وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن عمررضي الله عنه"أنه رأى حلة

стр. 56

سيراء تباع فقال: يا رسول الله، لو ابتعتها تلبسها للوفد إذا أتوك والجمعة؟ فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة" ١. قال أبو داود والنسائي: السيراء المضلع بالقز، وقال في النهاية: السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد، نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور، وأخرجه الأئمة من حديث علي ﵁. قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: حديث السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه الحرير، لأن ما فيه خيوط أو سيور لا بد أن تنسج مع غيرها من الكتان والقطن، فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها، ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من الكتان والقطن أكثر أم لا، مع أن عادته أنه أقل. انتهى. وقال: والمنصوص عن أحمد، وقدماء الأصحاب إباحة الخز دون الملحم وغيره. اهـ من جمع الجوامع. ومما يدل لما قرره هؤلاء الأئمة الحفاظ ما أخرجه البزار والطبراني عن معاذ بن جبل ﵁ قال:" رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير، فقال: طوق من نار يوم القيامة" قال الحافظ المنذري: رواته ثقاة، مجيبة بضم الميم وفتح الجيم بعدها ياء مثناة تحت مفتوحة ثم باء موحدة أي: لها جيب من حرير، وهو الطوق. انتهى. وبهذا يتبين لك أن هذه المحارم المسماة بأخضر قز ونحوها، لا يجوز استعمالها للذكور مطلقا لما فيها من الحرير الخالص الزائد على أربع أصابع بأضعاف كثيرة من باب الإضافة البيانية، وتعريفها بأخضر قز من الإضافة البيانية. والقز من الحرير، فلا يجوز استعمال ما ظهر فيه الحرير إذا زاد على القدر المستثنى في حديث عمر وتقدم تقريره، اللهم اجعلنا ممن يقبل هداك ويتبع رضاك. ولقد أحسن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيزرضي الله عنهحيث يقول: لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنه على هدى.

стр. 57

وقال أبو الوفاء بن عقيل في الفنون: من أعظم منافع الإسلام، وآكد قواعد الأديان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح، فهذا أشق ما تحمله المكلف لأنه مقام الرسل، حيث يثقل صاحبه على الطباع، وتنفر منه نفوس أهل اللذات، ويمقته أهل الخلاعة، وهو إحياء السنن وإماتة البدع ... إلى أن قال: لو سكت المحقون، ونطق المبطلون لتعود السوى ما شاهدوا، وأنكروا ما لم يشاهدوا، فمتى رام المتدين إحياء سنة أنكرها الناس فظنوها بدعة، وقد رأينا ذلك في جمع الجوامع. وكلما حرم من الثياب وغيرها، حرم بيعه وخياطته وأجرته، نص عليه كبيع عصير لمن يتخذه خمرا. قال: ويحرم بيع الحرير والمنسوج بالذهب والفضة للرجل، قطع به جماعة من أصحابنا، والمراد به إذا كان يلبسه، وكذا خياطته وأخذ أجرتها. وذكر ابن أبي المجد ما حرم استعماله من حرير ومصور وغيرهما، حرم بيعه وشراؤه وعمله وأخذ أجرته لإعانته على الإثم انتهى. وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيميةرضي الله عنهثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعرفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ، ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد، وقول كثير من أهل العلم. اهـ. وبه تمت الرسالة والله المستعان، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [تقريظ للرسالة الماضية في حكم الحرير، لبعض الأفاضل] نظرت في هذه الرسالة لوحيد دهره، وفريد عصره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فرأيت صحة ما ضمنها من تحريم المحرمة المسماة بأخضر قز -وفقنا الله وإياه للصواب- قال ذلك، وكتبه عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. ونقل ذلك

стр. 58

حمد بن عبد الله المذكور من نقل عبد الله المسطور، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما ذكره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن في هذه الرسالة من حظر المحرمة المسماة بأخضر قز هو الصواب -جزاه الله عن المسلمين خيرا- أملاه إبراهيم بن سيف وكتبه ابنه، ونقله حمد بن عبد الله من كلام شيخه من نقل ابنه، رفع الله لنا ولهم ولمشايخنا ولأئمتنا، وعامة إخواننا المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الدرجات العلى، وأسكننا أعلى الفردوس مع نبيه المصطفى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [الكتب التي يؤخذ منها التوحيد، والنهي عن الحرير] بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى من يراه من الإخوان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: طلبنا أخوكم سعد بن كسران الفائدة في أصل الدين فأجبناه، فأحسن ما نجد في بيان أصل الدين في الآيات المحكمات، فتدبر ما قص الله تعالى عن رسله، وما دعوا إليه من بعثوا إليهم يتبين لك أصل الدين، وما ينافيه من الشرك. وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كتاب"التوحيد"على اختصاره كثيرا من الأدلة المعرفة بأصل الدين، كذلك كتاب"كشف الشبهات"، و"أربع القواعد"و"معنى شهادة أن لا إله إلا الله"، فأوصيك بالاشتغال والمطالعة في كتبه، وتأمل ما فيها من الأدلة. [النهي عن الحرير] وأما المحرمة التي أخضرها حرير، فلا شك في أنها حرام، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير فقال:"إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة" ١، وقال:"من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ٢. وفي الصحيح:"أنه أخذ حريرا

стр. 59

فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في يساره، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي" ١. وفي حديث عمر:"نهى عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة" ٢، وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى، فما زاد على الأربع الأصابع حرام، سواء كان مفرقا أو مجتمعا كما عليه جماهير العلماء، وهو ظاهر الأحاديث، وفيها ما يدل على المنع منه، وإن لم يكن مجموعا. فاجتنب هذه المحرمة فإنها محرمة، فإن كان عندك شيء منها، فلا تبعها على مسلم، بعها في غير بلاد المسلمين. هذا، وبلغ سلامنا الإخوان، وكاتبه وخواص الإخوان يسلمون عليكم، وأنتم سالمين ٣ وسلام، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 60

[فتاوى ومسائل فقهية في الطلاق الثلاث وغيره] [نوى الطلاق ولم ينو الثلاث] بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، هذه مسائل سأل عنها إبراهيم بن عبيد الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀، فمنها إذا قال إنسان لزوجته: الله يرزقك بالثلاث ناويا الطلاق لكنه لم يرد الثلاث. الجواب تقع الثلاث، ولا يقبل قوله أنه لم يردها مع وجود اللفظ منه، والله أعلم. [القبول من المرأة في البيع] وسئل عن سكوت المرأة عن بيع نصيبها من العقار، هل يوجب صحة البيع، أم لا إلخ؟ الجواب: لا يجب به بيع لعدم وجود الرضى منها صريحا، وهي على ملكها، والمشتري يرجع على من باعه سواء أدرك منه الثمن أم لا، والمرأة لا رجوع عليها والحالة هذه، وما استغل من عقارها رده إليها أو مثله إن تلف. وأما طلبها بالشفعة في نصيب الباقي من الشركاء، فإن كان قد تقدم منها طلب بالشفعة وقت البيع، فلم تجب لوجود معارض، فلها الشفعة. أما إذا لم تطلب أو طلبت

стр. 61

ولا معارض، فأعرضت رغبة عنه، سقطت شفعتها. فحقق الواقعة وانظر فيها، فإن ظهر لك أحد الأمرين، وإلا فالتوقف أسلم والله أعلم. وهذه مسائل [قال الرجل لامرأته الله يرزقك] الأولى: إذا قال الرجل لامرأته: الله يرزقك، وطلعت من العدة، فلا له طريق عليها إلا بملاك، وأيضا إن كان الرجل القائل لحرمته: الله يرزقك ثلاث مرات، ونيته أنها ثلاث طلقات، فلا له طريق إلا عقب ما تأخذ رجلا آخر ويطلقها. [نفقة المطلقة] الثانية: إذا طلق امرأة زوجها الطلاق، وتبريه من النفقة وطلقها ثم طلبت النفقة، إن كانت الحرمة مبغضة للرجل يوم يطلقها البغضاء المعروفة، فلا لها عليه طريق في النفقة. وإن كان يوم تطلبه الطلاق، وهو مضيق عليها ومشين عليها الطبع، فنفقتها تلزمه إلى أن تعتد، وإن كانت حاملا فإلى أن تضع. [نشوز المرأة] الثالثة: إذا عصت المرأة، وخرجت من بيت الرجل، فالمعصية عليها، ولا نفقة عليه. [سقوط النفقة] الرابعة: إذا طلق الرجل امرأته الطلقة الثالثة، ففيما يظهر ما لها عليه نفقة. [العدل في القسمة بين الزوجات] الخامسة: إذا كان لرجل امرأتان، فالتي يأتيها الحيض، فهو يقسم لها في وقت الحيض والنفاس، في عرفنا أنها لا تشره عليه ١ أنه يقاضيها. [من طلق زوجته عدد خوص النخل] السادسة: إذا طلق الرجل امرأته عدد خوص النخل، فلا له طريق عليها. [اختلاف المأمومين في عدد الركعات] السابعة: إذا سلم الإمام فقال بعض الجماعة: نقص ركعة، وبعضهم يقول: تامة، فهو يعمل بقول الذين عليهم العمل وأكثر ظنه، إلا إن كان يلحق شك، فيعمل بقول الآخرين. [قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة] الثامنة: إذا قرأ الرجل في الركعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهيا، فلا علمنا عليه شيء. [المراجعة في العدة] التاسعة: إذا طلق الرجل امرأته مرة أو مرتين، ولو قال: أنا طايبة نفسي

стр. 62

فهو يراجعها، فإن كانت طالعة من العدة، فهو يراجعها إن اشتهته. [المطلقة قبل الدخول] العاشرة: إذا طلق الرجل امرأته عقب ما تملك قبل أن يدخل بها، فلها نصف الجهاز مثل أبناء جنسها. [يمين الظهار] الحادية عشرة: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي مثل أمي، فعليه كفارة الظهار. [قال الرجل علي الحرام] الثانية عشرة: إذا قال الرجل: علي الحرام لا فعل شيئا، ففعل ما هو حالف عنه، فعليه كفارة. [رضعت بنت من امرأة وهي أم أربع أو خمس] الثالثة عشرة: إذا رضعت بنت من امرأة، وهي أم أربع أو خمس، فهي ما تحرم. [ألفاظ الكناية في الطلاق] الرابعة عشرة: إذا قال الرجل لامرأته: الله يرزقك ثم طلقها طلقتين تتالا، فهو ينشد عن نيته هو ناو ثلاثا أو هويبي ١ يسمعها، وقصده طلقة واحدة، فإن كان قصده واحدة، فهي تحل له، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [إذا أصاب ثوب المسافر نجاسة فلم يجد الماء] وهذه مسائل الأولى إذا أصاب ثوب المسافر نجاسة، فلم يجد الماء، فإنه يصلي فيه؛ وإن وجد الماء غسله، ويزيلها بما استطاع. فإن كان عليه ثوب آخر صلى في الطاهر وترك النجس. [الذي يصلي الرواتب في البر لا ينكر عليه] الثانية الذي يصلي الرواتب في البر لا ينكر عليه، والأفضل تركه الرواتب إلا الوتر أو سنة الفجر. [تنخم الرجل في الصلاة] الثالثة إذا تنخم الرجل في صلاته، فلا يبطلها إن شاء الله تعالى. أفتى بهذا عبد الله بن الشيخ، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 63

معنى التقوى وتفسير قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ ... معنى التقوى وتفسير قول الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ... وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ وتفسير قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، وفقنا الله وإياهم لإقامة شرائع الدين، واستعملنا فيما استعمل فيه أهل الإيمان واليقين، وجعلنا من الشاكرين لنعمة الإسلام، المثنين بها عليه، ونسأله أن يتقبلها منا، ويتمها علينا بالرغبة فيما يوجب الفوز لديه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فأوصيكم وإياي بتقوى الله –تعالى- في الغيب والشهادة، قال الله –تعالى-: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٣ الآية، قال طلق بن حبيب ﵀: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. ولا وصية أعظم، ولا أنفع مما وصى الله به عباده المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤.

стр. 64

وينبغي أن نشير إلى بعض ما ورد عن السلف -رحمهم الله تعالى- في معنى هذه الوصية العظيمة المتضمنة لأصول الدين، وما يقوم عليه من الأعمال. فعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- موقوفا- وروي مرفوعا- والموقوف أشهر ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ١ أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وأصل الإسلام وأساسه أن ينقاد العبد لله –تعالى- بالقلب والأركان، مذعنا له بالتوحيد، مفردا له بالإلهية والربوبية دون كل ما سواه، مقدما مراد ربه على كل ما تحبه نفسه وتهواه، وهذا معنى قول النبي ﷺ :"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" ٢ الحديث. [ما ورد في معنى حبل الله] وحبل الله دينه الذي أمركم به، وعهده إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله. قال أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله تعالى-: وهو جامع لكل ما ورد عن السلف في معناه كما روي عن ابن مسعود قال: حبل الله الجماعة، وعن أبي العالية: اعتصموا بالإخلاص لله وحده، وعن ابن زيد قال: الحبل الإسلام، وقيل: هو القرآن لما روى ابن مردويه عن ابن مسعودرضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ :" إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه" ٣. [عليكم بالطاعة والجماعة] ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤. عن عبد الله بن مسعود أنه قال:"يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الطاعة والجماعة، هو خير مما تحبون في الفرقة". وأخرج محمد بن نصر المروزي وغيره من حديث عبد الله بن يحيى أبي عامر أن معاوية ﵁ قام حين صلى الظهر بمكة فقال: إن رسول الله ﷺ

стр. 65

قال:"إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" ١. والله يا معشر العرب إن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به. وعن ابن مسعود ﵁ قال:"اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، فكل بدعة ضلالة" ٢. [جاء الله بالإسلام فألف به بين الناس] ثم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اذكروا ما أنعم به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام، حين كنتم أعداء على شرككم، يقتل بعضكم بعضا، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بين قلوبكم تواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه. وذكر عن قتادة: كنتم تذابحون، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، فوالله الذي لا إله إلا هو إن الألفة رحمة، وإن الفرقة لعذاب. [معنى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ٣] وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ٤ يقول تعالى: وكنتم على طرف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه، فأنقذكم الله بالإيمان الذي هداكم به. وذكر عن قتادة في الآية: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكفوفين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم. لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه. من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظا، وأدق شأنا منهم. حتى جاء الله بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل به دار الجهاد، ووضع لكم به الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم. فاشكروا نعمه فإن ربكم منعم يحب الشاكرين؛ وإن أهل الشكر في مزيد من الله، فتعالى ربنا وتبارك. [قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهْتَدُون﴾ وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهْتَدُون﴾ ٥ أي: يعرفكم في

стр. 66

كل ذلك مواقع نعمه وصنائعه فيكم، ويبين لكم حجته في تنْزيله على رسوله ﷺ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها. [الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ١ الآية، قال ابن كثير في تفسيره: المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحبسه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ :"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢. وفي المسند عن حذيفة أن النبي ﷺ قال:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه، فلا يستجيب لكم" ٣ انتهى. قلت: وروى محمد بن نصر من حديث يزيد بن مرثد مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : "كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغور الإسلام، الله الله لا يؤتى الإسلام من قبلك". وروى بسنده عن الحسن بن حي:"إنما المسلمون على الإسلام بمنْزلة الحصن، فإذا أحدث المسلم حدثا ثغر في الإسلام من قبله، فإن أحدث المسلمون كلهم، فاثبت أنت على الأمر الذي لو اجتمعوا عليه لقام الدين لله بالأمر الذي أراده من خلقه". [النهي عن الاختلاف والفرقة] وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. قال ابن عباس في الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء، والخصومات في دين الله. قلت: فتأمل كيف نهى الله سبحانه في هذه الآيات عن التفرق في موضعين، وأخبر أنه من موجبات العذاب العظيم، وأرشد إلى أسباب الاجتماع على دينه وشرعه.

стр. 67

ومن أعظمها الاعتصام بكتابه ودينه علما وعملا، وأداء شكره، والقيام بما فرضه على عباده من الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. [الفساد بالإعراض عن كتاب الله والخير في اتباعه] ومن هنا تعلم أن من أعظم الفساد، الإعراض عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم، واتباع الأهواء والآراء المضلة، نعوذ بالله من ذلك، فإذا وقع ذلك ترتب عليه من أنواع الفساد ما لا يكاد يبلغه الوصف. فمن ذلك الاختلاف في الدين والتحاسد، والتدابر والتقاطع، فلا تكاد ترى إلا من هو معجب برأيه، منتقص لغيره، مخلد إلى الأرض عن تعلم العلم وتعليمه. فالواجب على من أعطاه الله شيئا من العلم أن يبذله لطالبيه، وأن يقوم بما أوجب الله –تعالى- عليه من النصيحة لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعلى الخاصة والعامة أن يعظموا كتاب ربهم ودينه وشرعه، ويقبلوا بكليتهم على ما ينفعهم من تعلم دينهم وطاعة ربهم، وترك معاصيه، وأن يقوموا بما وجب عليهم مع ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على علم وبصيرة، وأن يهتموا بما يصلح ذلك من الإخلاص لله تعالى في أمور دينهم. وعلى من نصح نفسه أن يكون حذرا من الأسباب التي تضعف الإيمان، وتجلب أسباب المآثم والعصيان، من الهلع والطمع والرضاء بالدنيا، والاطمئنان بها، وفي الحديث:"حب الدنيا رأس كل خطيئة". وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي سعيد:"أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: يا رسول الله أفيأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ ، فقيل له: ما شأنك تكلم النبي ﷺ ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينْزل عليه. قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضر إذا أكلت

стр. 68

حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحبه المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل". أو كما قال النبي ﷺ "وإن من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، فيكون شهيدا عليه يوم القيامة". انتهى. فهذا مثل ضربه رسول الله ﷺ وبين فيه أن من جمع الدنيا أو طلبها من غير حلها، وصرفها في غير حقها، صارت عليه وبالا، ومن أجمل في طلبها وأخذها من حلها، وأدى حق الله فيها، ولم يشتغل بها عن طاعة مولاه، فإنها تكون في حقه نعمة وعطية، ولغيره محنة وبلية. هذا وقد أعطاكم الله من أصناف نعمه ما تحبون، وصرف عنكم ما تكرهون، ابتلاء وامتحانا لتعرفوا نعمه وتشكروها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١. فانظروا -رحمكم الله- بماذا تقابلونها، أباستعمالها في طاعته ودينه ومراضيه؟ أم تجعلونها سلما إلى الإعراض عن دينه وارتكاب معاصيه من الظلم والبغي والأشر والبطر، واللهو، واللعب، وقول الزور، والسخرية ونحو ذلك مما لا يحبه الله ولا يرضاه؟ نسأل الله السلامة من أسباب التغيير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ ٢. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. الله الله عباد الله، قيدوا نعم الله بشكره واتباع ما يرضيه، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الله خولكم نعمه لتطيعوه ولا تعصوه، وتعملوا بدينه وشرعه

стр. 69

وتعظموه، لا لتشتغلوا بها عن ذلك أو تمتهنوه. اللهم أوزعنا شكر ما أنعمت به علينا من هذه النعم الظاهرة والباطنة، واستعملنا فيما يرضيك عنا، وعافنا واعف عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 70

كتابه إلى محمد بن عمر وفيه ذكر تآليف ابن منصور [ذكر ما في تآليف ابن منصور] بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر، عمر الله دارهم بالإيمان والقرآن، ووفقهم لاتباع داعي الإسلام والإيمان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: وصل الخط، وصلك الله بما يرضيه وسرنا طيبك وعافيتك، جعلنا الله وإياكم من الطيبين المهتدين. ومن طرف تصانيف ابن منصور، فلا يستنكر ذلك منه، كما قيل: ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا، ولا ضر إلا نفسه. رد على الشيخ -رحمه الله تعالى- في دعوته أناس متشبهون بأهل العلم، فأبطل الله كيدهم، وصار وبالا عليهم. ولكن هذا الرجل فعل فعلا ما فعله أحد قبله ممن كره هذا الدين، والله أعلم بما وافى به الله من إصرار أو توبة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن عرف لله حقه، وجرد إخلاصه وصدقه، وذلك فضله سبحانه ورحمته. فلو أنت طرشت الكتاب١ مع إبراهيم بن عبد الرحمن، ما كرهنا الإشراف عليه، وسلم لنا على الوالد ومحمد بن عبد الله وسهل وعبد الرحمن بن جاسر ومطلق وعبد الله بن ثاقب وربعة وموسى بن صالح وفرحان بن خير الله وإخوانهم الذين ما سمينا، ومن لدينا الإمام وأولاده وإخوانه، وعبد اللطيف وإخوانه وخواص الإخوان بخير، وينهون السلام. كاتبه إبراهيم يسلم على الإخوان المحبين وأنت سالم والسلام. حرر نقل سنة ١٢٨٦.

стр. 71

كتاب آخر إلى محمد بن عمر وفيه الرد على من زعم أنه لا يصح تبديع مسلم ولا تفسيقه [القول في أهل البدع والفسقة] بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر بن سليم سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: وصل الخط وصلك الله بما يرضيه، وسرنا طيبكم وعافيتكم جعلنا الله وإياكم من الطيبين، ونحمد إليكم الله تعالى على ما أولاه من النعم، وما صرف من النقم، نسأل الله لنا ولكم معرفة الحق، والعمل به والصبر والاستقامة، والثبات على الإسلام. وما ذكرت من الورقة التي رميت يقول صاحبها: إنكم جعلتم الناس بين مشرك ومبتدع وفاسق وجاهل ظالم، ولا سبقكم أحد بهذا الاعتقاد، فهذا ما ضر إلا نفسه، وهذه الشبهة قد تلقاها الجهال في وقت ظهور شيخنا ﵀ وهذه من أفسد شبههم لأن الذي تدخل معه يدل على جهله، وانحرافه عن دين الله، ومخالفته للكتاب والسنة، لأن الله تعالى ذكر الكفار والمشركين من هذه الأمة، وأمر بقتالهم وأباح دماءهم وأموالهم، وكذلك أهل البدع هم الكثير وهم دول، وأهل الفسوق كذلك. وهذا الأمر ما يخفى على أبلد الناس، ولكن ما حصل إلا المسبة مثل من أغار على فريق، وأخذوه ولا أبقوا له شيئا، وصار هذا باعثا على رد هذه الشبهة، وإن كان شيخنا قد ردها في"كشف الشبهات"، لكن بسطنا الرد عليها على سبيل الاختصار، وإلا فردها يحتمل مجلدا، وصار جوابا نافعا لكل موحد، وأرسله الإمام للأحساء يقرأ في المدارس والمساجد والمجالس لأنه ربما دخل على بعض من ينتسب إلى العلم وهم جهال، وما جرى منهم، فهو خير بلا شر، وهو في الحقيقة نعمة، ووباله على من أبداه، ولا هذا بأول نار قد أضرمها علينا ناس من الأشرار، ولا ندري عنهم، ويكفيناهم الله، ولله الحمد. وسلم لنا على الوالد، ومحمد بن عبد الله وخواص الإخوان، ومن لدينا عبد اللطيف بخير، وينهون السلام وكاتبه يسلم، وأنت سالم والسلام. ٢٧ شعبان سنة ١٢٧٧.

стр. 72

وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن جواب سؤال عمن يجتمع للصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة في المسجد، وعن صلاة الجمعة قبل الزوال، ومسائل أخرى بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى جناب الأخ إبراهيم بن محمود، سلمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فهذا جواب سؤال: المسألة الأولى: عن أناس يجتمعون ويصلون على النبي ﷺ . فالجواب: أن هذا ليس مشروعا، وإنما المشروع الصلاة، وقراءة القرآن قبل دخول الإمام، فإذا دخل الإمام وأخذ في الخطبة وجب الإنصات للخطبة كما في الحديث"إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت" ١. وأما تقدم الخطيب في المسجد يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة، فلا بأس به لكن ينبغي أن يكون في ناحية يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة. [صلاة الجمعة قبل الزوال] وأما صلاة الجمعة قبل الزوال، فهو وقت لها عند الإمام أحمد ﵀، وخالفه بعض الأئمة، وقال: وقتها بعد الزوال، فتأخيرها إلى الزوال خروجا من خلاف العلماء، لكن هذا القول الثاني مجمع عليه. [الأمراض الحادثة] كذلك الأمراض الحادثة وقع مثلها في وقت الصحابة ﵃ فلم يفتوا فيها، ولو كان خيرا سبقونا إليه. [جعل الذهب في الجنبين والسيف] وأما جعل الذهب في الجنبين والسيف، وفي خاتم رجل، فلا يجوز إلا الفضة، وأما الذهب فلا. [صاحب السفينة وقوله: سلفني] وأما صاحب السفينة وقوله: سلفني، فلا ولو يجعله من الأجرة، ويقدمها عليه جاز. [كفارة اليمين] وأما كفارة اليمين، فيطعم عشرة مساكين قدرها العالي لكل مسكين مد من البر، والمد وزن ثلاثين ريالا، فإن كان شعيرا، فمدان وكذلك التمر.

стр. 73

وأما قوله: إذا حلف وقال: وعهد الله، فهو كقوله: والله. [مسائل في الحج] وأما الحج، فمن أخذها ليحج صح، وأما إذا حج ليأخذ، فلا يصح ١. كذلك ما يصح له أن يوكل غيره، لا في بلد الميت ولا في غيرها. فإن استأجر من يحج بدله من بلد هي أقرب إلى مكة من بلد الميت، فهذا لا يصح أيضا. وقولك من يأخذ الحجة لاشتياقه إلى البيت، ومشاعر الحج وللعمل الصالح لما فيه من زيادة الفضل، فهذا هو الذي يصح نيابته كما تقدم، فإن كان قصده التوصل إلى البيت، فلواجب لقصده ذلك، وما فعله غير المناسك التي هي أركان الحج وواجبات وسنن، فثوابه له وأما الأركان والواجبات والسنن، فثواب ذلك يرجع للذي هو نائب عنه، وفضل الله واسع. وأما إذا أخذ مالا من عمان لصاحب له في نجد، فلا يجوز؛ لأن الواجب الحج للميت من بلده التي هي أبعد من مكة، وسلم لنا على إخوانك وعبد اللطيف وإخوانه، والإمام وأولاده والإخوان بخير، وينهون السلام، حرر سنة ١٢٨٢. [ذكر كلام ابن القيم في حياة القلب] جوابه عن كتاب من محمد آل عمر السليم بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم محمد آل عمر السليم -سلمه الله تعالى- من كل آفة وآمنه من كل مخافة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: وصل الخط، وصلك الله بما يرضيه، ونحمد إليك الله –تعالى- على ما أسبغ من نعمه الباطنة والظاهرة، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين. ونعمة الله عليكم عظيمة حيث أقامكم في ناحية، أهلها جهال بالتوحيد، ما له عندهم قدر ولا قيمة، وجعلكم تدعون إليه وتبينونه وتحملون الناس عليه، وجعل لكم أصحاب قابلين هذه

стр. 74

الدعوة١، ومحبينها ومعادين فيها. وموالين فيها، ويا أخي هذه النعمة علينا وعليكم عظيمة، واحمدوا الله وتبرؤوا من الحول والقوة، وانسبوا النعمة إلى ربكم. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر حياة القلب، وصف القلب الحي بقوله: "أن يكون مدركا للحق، مريدا له، مؤثرا له على غيره، والكتاب وصل، وشرعنا نقرأ فيه ووجدناه صحيح"٢. ولله الحمد وموافق، ولو ثمنه غالي ٣، كل ثمن يساق فيه ليس بكثير. وسلم لنا على الوالد ومحمد، وجميع الإخوان بالتخصيص، والتنصيص ومن لدينا الإمام وتركي ومحمد وعبد اللطيف وإسماعيل وجميع العيال بخير، ويبلغون السلام وأنت سالم والسلام، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم، خطه سنة ١٢٨٤ ونقلته من خطه، وعليه ختمه. غرة ربيع أول سنة ١٣٤٥.

стр. 75

[نصيحة بالعمل بما دلت عليه الشهادتان النصيحة لله ولكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] كتبها إلى أمير الأحساء وأعيانها بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الرحمن بن حسن إلى الإخوان الأمير محمد بن أحمد والشيخ عبد اللطيف بن مبارك وأعيان أهل الأحساء، وعامتهم، رزقنا الله وإياهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وجنبنا وإياهم سبل أهل البدع والأهواء، ووفقنا وإياهم لمعرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والنور. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن الباعث على هذا الكتاب هو النصيحة لله، ولكتابه ورسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأوصيكم بما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله، وما تضمنته من نفي الآلهية عما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والبراءة من كل دين يخالف ما بعث الله به رسله من التوحيد.
следующие страницы →