كتاب آخر إلى محمد بن عمر وفيه الرد على من زعم أنه لا يصح تبديع مسلم ولا تفسيقه
[القول في أهل البدع والفسقة]
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ محمد بن عمر بن سليم سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
وصل الخط وصلك الله بما يرضيه، وسرنا طيبكم وعافيتكم جعلنا الله وإياكم من الطيبين، ونحمد إليكم الله تعالى على ما أولاه من النعم، وما صرف من النقم، نسأل الله لنا ولكم معرفة الحق، والعمل به والصبر والاستقامة، والثبات على الإسلام. وما ذكرت من الورقة التي رميت يقول صاحبها: إنكم جعلتم الناس بين مشرك ومبتدع وفاسق وجاهل ظالم، ولا سبقكم أحد بهذا الاعتقاد، فهذا ما ضر إلا نفسه، وهذه الشبهة قد تلقاها الجهال في وقت ظهور شيخنا ﵀ وهذه من أفسد شبههم لأن الذي تدخل معه يدل على جهله، وانحرافه عن دين الله، ومخالفته للكتاب والسنة، لأن الله تعالى ذكر الكفار والمشركين من هذه الأمة، وأمر بقتالهم وأباح دماءهم وأموالهم، وكذلك أهل البدع هم الكثير وهم دول، وأهل الفسوق كذلك.
وهذا الأمر ما يخفى على أبلد الناس، ولكن ما حصل إلا المسبة مثل من أغار على فريق، وأخذوه ولا أبقوا له شيئا، وصار هذا باعثا على رد هذه الشبهة، وإن كان شيخنا قد ردها في"كشف الشبهات"، لكن بسطنا الرد عليها على سبيل الاختصار، وإلا فردها يحتمل مجلدا، وصار جوابا نافعا لكل موحد، وأرسله الإمام للأحساء يقرأ في المدارس والمساجد والمجالس لأنه ربما دخل على بعض من ينتسب إلى العلم وهم جهال، وما جرى منهم، فهو خير بلا شر، وهو في الحقيقة نعمة، ووباله على من أبداه، ولا هذا بأول نار قد أضرمها علينا ناس من الأشرار، ولا ندري عنهم، ويكفيناهم الله، ولله الحمد.
وسلم لنا على الوالد، ومحمد بن عبد الله وخواص الإخوان، ومن لدينا عبد اللطيف بخير، وينهون السلام وكاتبه يسلم، وأنت سالم والسلام. ٢٧ شعبان سنة ١٢٧٧.
стр. 72
وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن
جواب سؤال عمن يجتمع للصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة في المسجد، وعن صلاة الجمعة قبل الزوال، ومسائل أخرى
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى جناب الأخ إبراهيم بن محمود، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
فهذا جواب سؤال:
المسألة الأولى: عن أناس يجتمعون ويصلون على النبي ﷺ .
فالجواب: أن هذا ليس مشروعا، وإنما المشروع الصلاة، وقراءة القرآن قبل دخول الإمام، فإذا دخل الإمام وأخذ في الخطبة وجب الإنصات للخطبة كما في الحديث"إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت" ١.
وأما تقدم الخطيب في المسجد يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة، فلا بأس به لكن ينبغي أن يكون في ناحية يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة.
[صلاة الجمعة قبل الزوال]
وأما صلاة الجمعة قبل الزوال، فهو وقت لها عند الإمام أحمد ﵀، وخالفه بعض الأئمة، وقال: وقتها بعد الزوال، فتأخيرها إلى الزوال خروجا من خلاف العلماء، لكن هذا القول الثاني مجمع عليه.
[الأمراض الحادثة]
كذلك الأمراض الحادثة وقع مثلها في وقت الصحابة ﵃ فلم يفتوا فيها، ولو كان خيرا سبقونا إليه.
[جعل الذهب في الجنبين والسيف]
وأما جعل الذهب في الجنبين والسيف، وفي خاتم رجل، فلا يجوز إلا الفضة، وأما الذهب فلا.
[صاحب السفينة وقوله: سلفني]
وأما صاحب السفينة وقوله: سلفني، فلا ولو يجعله من الأجرة، ويقدمها عليه جاز. [كفارة اليمين]
وأما كفارة اليمين، فيطعم عشرة مساكين قدرها العالي لكل مسكين مد من البر، والمد وزن ثلاثين ريالا، فإن كان شعيرا، فمدان وكذلك التمر.
стр. 73
وأما قوله: إذا حلف وقال: وعهد الله، فهو كقوله: والله.
[مسائل في الحج]
وأما الحج، فمن أخذها ليحج صح، وأما إذا حج ليأخذ، فلا يصح ١. كذلك ما يصح له أن يوكل غيره، لا في بلد الميت ولا في غيرها. فإن استأجر من يحج بدله من بلد هي أقرب إلى مكة من بلد الميت، فهذا لا يصح أيضا. وقولك من يأخذ الحجة لاشتياقه إلى البيت، ومشاعر الحج وللعمل الصالح لما فيه من زيادة الفضل، فهذا هو الذي يصح نيابته كما تقدم، فإن كان قصده التوصل إلى البيت، فلواجب لقصده ذلك، وما فعله غير المناسك التي هي أركان الحج وواجبات وسنن، فثوابه له وأما الأركان والواجبات والسنن، فثواب ذلك يرجع للذي هو نائب عنه، وفضل الله واسع.
وأما إذا أخذ مالا من عمان لصاحب له في نجد، فلا يجوز؛ لأن الواجب الحج للميت من بلده التي هي أبعد من مكة، وسلم لنا على إخوانك وعبد اللطيف وإخوانه، والإمام وأولاده والإخوان بخير، وينهون السلام، حرر سنة ١٢٨٢.
[ذكر كلام ابن القيم في حياة القلب]
جوابه عن كتاب من محمد آل عمر السليم
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم محمد آل عمر السليم -سلمه الله تعالى- من كل آفة وآمنه من كل مخافة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد:
وصل الخط، وصلك الله بما يرضيه، ونحمد إليك الله –تعالى- على ما أسبغ من نعمه الباطنة والظاهرة، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين. ونعمة الله عليكم عظيمة حيث أقامكم في ناحية، أهلها جهال بالتوحيد، ما له عندهم قدر ولا قيمة، وجعلكم تدعون إليه وتبينونه وتحملون الناس عليه، وجعل لكم أصحاب قابلين هذه
стр. 74
الدعوة١، ومحبينها ومعادين فيها. وموالين فيها، ويا أخي هذه النعمة علينا وعليكم عظيمة، واحمدوا الله وتبرؤوا من الحول والقوة، وانسبوا النعمة إلى ربكم.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر حياة القلب، وصف القلب الحي بقوله: "أن يكون مدركا للحق، مريدا له، مؤثرا له على غيره، والكتاب وصل، وشرعنا نقرأ فيه ووجدناه صحيح"٢. ولله الحمد وموافق، ولو ثمنه غالي ٣، كل ثمن يساق فيه ليس بكثير.
وسلم لنا على الوالد ومحمد، وجميع الإخوان بالتخصيص، والتنصيص ومن لدينا الإمام وتركي ومحمد وعبد اللطيف وإسماعيل وجميع العيال بخير، ويبلغون السلام وأنت سالم والسلام، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم، خطه سنة ١٢٨٤ ونقلته من خطه، وعليه ختمه. غرة ربيع أول سنة ١٣٤٥.
стр. 75
[نصيحة بالعمل بما دلت عليه الشهادتان
النصيحة لله ولكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم]
كتبها إلى أمير الأحساء وأعيانها
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإخوان الأمير محمد بن أحمد والشيخ عبد اللطيف بن مبارك وأعيان أهل الأحساء، وعامتهم، رزقنا الله وإياهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وجنبنا وإياهم سبل أهل البدع والأهواء، ووفقنا وإياهم لمعرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والنور.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد:
فإن الباعث على هذا الكتاب هو النصيحة لله، ولكتابه ورسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأوصيكم بما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله، وما تضمنته من نفي الآلهية عما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والبراءة من كل دين يخالف ما بعث الله به رسله من التوحيد.
стр. 76
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٢ وهذه الآيات وما في معناها تتضمن النهي عن الشرك في العبادة، والبراءة منه ومن المشركين من الرافضة وغيرهم، والقرآن من أوله إلى آخره يقرر هذا الأصل العظيم، فلا غنى لأحد عن معرفته، والعمل به باطنا وظاهرا.
قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣ وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله كما تقدم الإشارة إليه.
ومضمون شهادة أن محمدا رسول الله وجوب اتباعه، والرضاء به نبيا ورسولا، ونفي البدع والأهواء المخالفة لما جاء به ﷺ . فلا غناء لأحد عن معرفة ذلك، وقبوله ومحبته والانقياد له قولا وعملا، باطنا وظاهرا.
[العلم بالله وما يجب له على عباده من دينه]
ومما أوجب ذكر ذلك ما بلغنا وتحققناه من غفلتكم عن هذا الأصل العظيم الذي لا نجاة للعبد إلا بمعرفته والعمل به، فالعامة منكم ما يبالون بحقوق الإسلام ولو ضيعت، وصار اشتغال أهل العلم بالعلوم التي هي فرع عن هذا الأصل العظيم، ولا تنفع بدونه، ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالعلم بالله، وما يجب له على عباده من دينه الذي رضيه لهم، فبالقيام به صلاح الدنيا والآخرة، وفي الغفلة عنه زوال النعم، وحلول النقم، وقد وقع فيكم بسبب الغفلة عن هذا ما قد علمتم كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٤.
[جمع المدرسين وأئمة المساجد بالحضور عند قاضي البلد]
إذا عرفتم ذلك، فيلزم الأمير أن يأمر على جميع المدرسين ٥ وأئمة المساجد بالحضور عند قاضي البلد الشيخ عبد اللطيف بن مبارك، ويلزمهم القراءة فيما جمعه
стр. 77
شيخنا ﵀ في كتاب التوحيد من أدلة الكتاب والسنة، التي فيها الفرقان بين الحق والباطل، فقد جمع على اختصاره خيرا كثيرا، وضمنه من أدلة التوحيد ما يكفي من وفقه الله، وبين فيه الأدلة في بيان الشرك الذي لا يغفره الله، ويلزمهم سؤال العامة عن أصول الدين الثلاثة بأدلتها وأربع القواعد، فما أعظم نفعها على اختصارها لطالب الهدى! [تفقد الناس في المساجد] .
وكذلك يلزمهم تفقد الناس في المساجد، حتى يعرف من يتخلف عن الصلاة ويتهاون بها، ويجعل للناس نوابا في القيام على الناس بالاجتماع للصلاة في جميع البلدان والقرى، فإن هذا مما شرعه الله ورسوله، وأوجبه كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وقد ورد الزجر والوعيد للمتخلفين عن الصلوات الخمس في المساجد حيث ينادى لها، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. الصلاة لا تقام إلا بالاجتماع لها.
ومن المعلوم أن الصلاة لا تقام إلا بالاجتماع لها، والتهاون بذلك من أسباب إضاعتها، وذلك يوجب عقوبة الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ١ نسأل الله لنا ولكم العون على مرضاته، وأنتم سالمين ٢ والسلام.
стр. 78
بعض رسائل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (رسالة في الكلام على أما بالتخفيف، وإعراب: "عدد خلقة ")
...
[بعض رسائل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن]
مقدمة
رسالة في الكلام على أما بالتخفيف، وإعراب"عدد خلقه"إلخ
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن -سلك الله بنا وبه أهدى السنن-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمائه، وجزيل فضله
стр. 79
وعطائه، جعلنا الله وإياك ممن عرف نعمة الله عليه فاستعان بها على ما يقربه إليه، والخط وصل -وصلك الله بالرضى-، وما أشرت إليه صار لدينا معلوما.
[الكلام على"أما"بالتخفيف]
أما الخطوط التي تذكر أنك أرسلتها إلينا قبل هذا الخط الأخير فلم تصل، ولم يصل منك في هذا العام قبل هذا خط. وأما الجواب عن المسألتين فلا يخفى أن"أما"بالتخفيف تأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف استفتاح كما في قوله:"أما إني لم أكن في صلاة"ويكثر ذلك قبل القسم كما في قوله:
أما والذي أبكي وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
وقول الآخر:
أما والذي حجت له العيس وارتمى لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوما أدان لي على أم عمرو دولة لا أقيلها
وقال الآخر:
أما يستفيق القلب أنى بدا له ... توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن إطلالها العين إنه ... متى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشا عليها براقع وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وهذا إذا قصد به تنبيه المخاطب لما بعدها، والإشارة إلى أن ما بعدها مما يهتم به ويلتفت إليه، كما في قوله ﷺ :"ألا لعنة الله على اليهود والنصارى" ١،"ألا هل بلغت"،"ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ٢ وكقول الشاعر:
............ ... ألا لا يجهلن أحد علينا
وكما في قوله:
ألا ليت حظي من عطاياك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانع
стр. 80
والثاني: بمعنى حقا أو أحقا، وزعم بعض الناس أنها تكون حرف عرض بمعنى لولا، فتختص بالفعل، كما في قولك: أما يقول، أما يقعد، ونحوه.
وأما نحو: أما كان فيهم من يفهم؟ فالهمزة للاستفهام، وما حرف نفي وليست مما نحن فيه. فتنبه.
[في إعراب: عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه]
وأما المسألة الثانية وهي: قولك: ما وجه نصب"عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته"؟ فاعلم أن نصب هذه المصادر على أنه نعت لسبحان، لأنه اسم محذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، كقول الشاعر:
ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب
فبهرا اسم منصوب على المفعولية المطلقة لكونها هنا بمعنى عجبا، لكن فعله مهمل غير مستعمل، فلذلك حذف وجوبا، وعدد الرمل في البيت نعت له، ويحتمل أن"عدد"وما عطف عليه، نصب على المفعولية المطلقة، والعامل يقدر: سبحته أو نزهته، فهو كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ لأن سبحان علم على معنى التنْزيه والبراءة أو على لفظه، فلا يعمل في المفعول.
ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأن الاسم قد يعمل لما فيه من رائحة الفعل، ويكون النصب بسبحان، ويقويه قول ابن مالك:
بمثله أو فعل أو وصف نصب ... وكونه أصلا لهذين انتخب
وأما"زنة"فمعناها الموازنة والثقل، بخلاف ما إذا كان من بعده الفعل مستعمل كقوله:
أذلا إذا شب العدى نار حربهم ... وزهوا إذا ما يجنحون إلى السلم
وقول الآخر:
خمولا وإهمالا وغيرك مولع ... بتثبيت أسباب السيادة والمجد
تمت، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 81
حكمة الله في ابتلاء المؤمنين
...
[حكمة الله في ابتلائه المؤمنين]
بسم الله الرحمن الر حيم
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالته إلى البويري:
فمن حكمة الرب تعالى أنه ابتلى عباده المؤمنين الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي ﷺ من الدين بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع: الصنف الأول من عرف الحق فعاداه حسدا وبغيا كاليهود، فإنهم أعداء الرسول والمؤمنين كما قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
الصنف الثاني: الرؤساء أهل الأصول، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون من أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهوات الغي، فلم يعبئوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه دعوته.
الصنف الثالث: الذين نشؤوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، فهم يظنون أنهم على حق وهم على الباطل، فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشؤوا عليه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وكل هذه الأصناف الثلاثة وأتباعهم أعداء الحق من لدن زمن نوح إلى أن تقوم الساعة.
فأما الصنف الأول فقد عرفت ما قال الله فيهم، وأما الصنف الثاني فقد قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. وقال عن الصنف الثالث: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٥.
стр. 82
[شكر النعمة يوجب زيادتها
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ ١ الآية.
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان -سلمهم الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
فموجب هذا والباعث عليه هو النصح الذي يجب علينا من حقكم، وقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. فاذكروا ما من الله به عليكم وخصكم به في هذا الزمان من نعمة الدين، التي هي أشرف النعم وأجلها، وما حصل في ضمنها من المصالح التي لا تعد ولا تحصى. وقد أخبر الله تعالى عن كليمه موسى ﵇ أنه ذكر قومه هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ ٣ الآية.
فذكرهم أولا بالنعمة العظمى، وهي أن جعل فيهم أنبياء يرشدونهم إلى ما فيه صلاحهم وخلاصهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وقد امتن الله سبحانه على عباده في كتابه بهذه النعمة، وذكرهم بها في مواضع كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤.
стр. 83
وأخبر عن مراده فيما شرعه في تحويل القبلة إلى بيته الحرام، وأن ذلك قد قصد به وأراد منه إتمام نعمته، وليحصل لهم الاهتداء، وذكرهم عند ذلك هذه النعم، وأنه فعل ذلك كما منَّ عليهم قبل بمبعث الرسول فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
[أعظم نعم الله هي إرساله الرسل]
فبعث الأنبياء، وإرسال الرسل هو الذي حصل به العلم النافع والعمل الصالح، كمعرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، والاستدلال بآياته ومخلوقاته، والقيام له بما أوجب على خلقه من العبادة والتوحيد، والعمل بما يرضي الرب ويريد، فإن بهذا تحصل زكاة العبد ونموه، وصلاحه وفلاحه، وسعادته في الدنيا والآخرة.
وفي ضمن تعليمه الكتاب والحكمة من تفاصيل العلوم والأعمال والمعارف، والأمثال الدالة على وحدانيته وقدرته ورحمته وعدله وفضله، وإعادته لخلقه وبعثه إياهم، ومجازاتهم على أعمالهم، وذكر أيامه في أنبيائه وأوليائه، وما فعل ويفعل بأعدائهم وأعدائه، وإخباره بإلحاق النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه، والمثل بالمثل، ما يوجب للعبد من العلم بالله، ومعرفة قدرته، وحكمته في أقداره، ومراده من شرعه وخلقه، وغير ذلك من الأحكام الكلية والجزئية ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه.
فما أنعم الله على أهل الأرض من نعمة إلا وهي دون نعمة إرسال الرسل وبعث النبيين، خصوصا رسالة محمد سيد ولد آدم ﷺ صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود، فإنه قد حصل برسالته من عموم الرحمة لكافة العالمين، ومن السعادة والفلاح، والتزكية والهدى والرشاد لمن اتبعه ما لم يحصل مثله، ولا قريب منه ببعث غيره من الأنبياء.
فمن كان له من قبول ما جاء به والإيمان به حظ ونصيب فعليه من شكر الله على هذه النعمة، وطاعته، وإدامة ذكره، والثناء بنعمه، ما ليس على من قل حظه ونصيبه من ذلك.
стр. 84
وقد منَّ الله عليكم -رحمكم الله- في هذا الزمن الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، والتحق بعصر الفترات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين من الهدى الواضح المستبين، وهو شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-.
فبصر العدد العديد من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم ما يستبعد على أمثالكم في العادة، حتى ظهرت الحجة البيضاء، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها في باب توحيد الله بإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، والإيمان بقدره وحكمه في أفعاله.
فإنه قرر ذلك، وتصدى ﵀ للرد على من نكب عن هذا السبيل، واتبع سبل التحريف والتعطيل، على اختلاف نحلهم وبدعهم، وتشعب مقالاتهم وطرقهم، متبعا ﵀ ما مضى عليه السلف الصالح من أهل العلم والإيمان، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث.
ولم يلتفت ﵀ إلى ما عدا ذلك من قياس فلسفي، أو تعطيل جهمي، أو إلحاد حلولي أو اتحادي، أو تأويل معتزلي أو أشعري، فوضح معتقد السلف الصالح، بعد ما سفت عليه السوافي، وذرت عليه الذواري، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة.
وتصدى أيضا للدعوة إلى ما يقتضيه هذا التوحيد وما يستلزمه، وهو وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله.
وقد عمت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وأطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة، وفي كل مصر من الأمصار، وبلد من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين ما لا يحصيه إلا الله، على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم.
فمنهم من يعبد الكواكب وبخاطبها
стр. 85
بالحوائج ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات. ومنهم من لا يرى ذلك ويكفر أهله ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء والصالحين، فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات وتفريج الكربات؛ فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم والتوكل والاعتماد والدعاء والاستغاثة والاستعانة، وغير ذلك من أنواع العبادات.
[ما كانت عليه الجاهلية حين مبعث الرسول ﷺ ]
وهذا هو دين جاهلية العرب الأولى، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين، وقد بعث الله محمدا ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١.
وكانت العرب في وقته وزمن مبعثه معترفين لله بتوحيد الربوبية والأفعال، وكانوا على بقية من دين إبراهيم الخليل ﵇، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣ إلى قوله ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٤.
والآيات في المعنى كثيرة، ولكنهم أشركوا في توحيد العبادة والإلهية، فاتخذوا الشفعاء والوسائط من الملائكة والصالحين وغيرهم، وجعلوهم أندادا لله رب العالمين فيما يستحقه عليهم من العبادات، والإرادات كالحب والخضوع والتعظيم والإنابة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات؛ لأجل جاههم عند الله، والتماس شفاعتهم، والاعتقاد والتدبير والتأثير كما ظنه بعض الجاهلين.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ الآية، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
стр. 86
زُلْفَى﴾ ١ الآية.
فنهاهم رسول الله ﷺ عن هذا الشرك، وكفر أهله، وجهلهم وسفه أحلامهم، ودعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وبين أن مدلولها الالتزام بعبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبدون من دون الله.
وهذا هو أصل الدين وقاعدته، ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، والفارق بين الكافر والمؤمن من الأنام، ولها جردت السيوف وشرع الجهاد، وامتاز الخبيث من طيب العباد، وبها حقنت الدماء وعصمت الأموال.
وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعه الأكثر، وتركوا ما جاءت به الرسل من دين الله الذي ارتضاه لنفسه، وتلطف الشيطان في التحيل والمكر والمكيدة، حتى أدخل الشرك وعبادة الصالحين وغيرهم على كثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام في قالب محبة الصالحين والأنبياء، والتشفع بهم، وأن لهم جاها ومنزلة يشفع بها من دعاهم ولاذ بحماهم.
وأن من أقر لله وحده بالتدبير، واعتقد له بالتأثير والخلق والرزق فهو مسلم، ولو دعا غير الله، واستعاذ بغيره ولاذ بحماه، وأن مجرد شهادة أن لا إله إلا الله تكفي مثل هذا، وإن لم يقارنها علم ولا عمل ينتفع به، وأن الدعاء والاستغاثة والاستعانة والحب والتعظيم ونحو ذلك ليس بعبادة، وإنما العبادة السجود والركوع، ونحو هذه الزخرفة والمكيدة، وهذا بعينه هو الذي تقدمت حكايته عن جاهلية العرب.
[سبب حدوث الشرك في قوم نوح]
وذكر المفسرون وأهل التاريخ من أهل العلم في سبب حدوث الشرك في قوم نوح مثل هذه المكيدة، فإن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا تماثيلهم ويصوروا صورهم؛ ليكون ذلك أشوق إلى العبادة، وأنشط في الطاعة. فلما هلك من فعل هذا أوحى الشيطان إلى من بعدهم أن أسلافهم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم لذلك. فأصل الشرك هو تعظيم الصالحين بما لم يشرع، والغلو في ذلك.
стр. 87
فأتاح الله بمنه في هذه البلاد النجدية والجهات العربية من أحبار الإسلام وعلمائه الأعلام من يكشف الشبهة، ويجلو الغمة، وينصح الأمة، ويدعو إلى محض الحق وصريح الدين، الذي لا يخالطه ولا يمازجه دين الجاهلية المشركين، فنافح عن دين الله، ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وصنف الكتب والرسائل، وانتصب للرد على كل مبطل ومماحل، وعلم من لديه كيف يطلب العلم وأين يطلب، وبأي شيء يقهر المشبه المجادل ويغلب.
واجتمع له من عصابة الإسلام والإيمان طائفة يأخذون عنه، وينتفعون بعلمه، وينصرون الله ورسوله، حتى ظهر واستنار ما دعا إليه، وأشرقت شموس ما عنده من العلم وما لديه، وعلت كلمة الله حتى أغشى إشراقها وضوؤها كل مبطل ومماحل، وذل لها كل منافق مجادل. وحقق الله وعده لأوليائه وجنده كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ ١. وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٢ الآية.
[دعوة التوحيد في نجد]
فزال -بحمد الله- ما كان بنجد وما يليها من القباب، والمشاهد والمزارات والمغارات، وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية، من الأوتاد والتعاليق والشركيات، وألزم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت وبسائر الواجبات. وحث من لديه من القضاة والمفتين على تجريد المتابعة لما صح وثبت عن سيد المرسلين، مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين، والسلف الصالح المهديين. ونهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به، أو علم يهتدى به.
وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينْزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان، لأن ذلك فيه مشابهة للنصارى الضالين، في أعيادهم الزمانية والمكانية ما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين.
стр. 88
وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة، وضلال المبتدعة من التدين والتعبد باللهو واللعب والمكاء والتصدية، والأغاني التي صدهم بها الشيطان عن سماع آيات القرآن، وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ١. وكل من عرف ما جاء به الرسول تبين له أن هؤلاء من أضل الفرق وأخبثهم نحلة وطريقة، والغالب على كثير منهم النفاق، وكراهة سماع كلام الله ورسوله.
[هدم الشرك وآثاره في نجد]
وأنكر ﵀ ما أحدثته العوام والطغام من اعتقاد البركة والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت، الذين يترشحون لتأله العباد بهم، وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح، وأن لهم كرامات ومقامات، ونحو هذا من الجهالات، فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة.
وأنكر ﵀ ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب وأشباههم، الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم ويلحق بالمجانين.
وأرشد ﵀ إلى ما دل عليه الكتاب وسنة رسول الله ﷺ من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق، ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق.
فإن الله -جل ذكره- وصف الأبرار ونعتهم بما يمتازون به ويعرفون، بحيث لا يخفى حالهم ولا يلتبس أمرهم، وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان من الكفار والفجار، ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم، ولا يلتبس أمرهم على من له أدنى نظر في العلم وحظ من الإيمان.
وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي، وأمراء القرى والنواحي، فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك.
стр. 89
والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين وذكرهموه من بعث الأنبياء والرسل.
ومدار العبادة والتوحيد على ركنين عظيمين هما الحب والتعظيم. وبمشاهدة النعمة يحصل ذلك، ويخبت القلب لطاعة من أنعم بها عليه، وكلما: ازداد العبد علما بذلك، ومعرفة لحقيقة النعمة ومقدارها، ازداد طاعة ومحبة وإنابة وإخباتا وتوكلا، ولذلك يذكر تعالى عباده بنعمه الخاصة والعامة، وآلائه الظاهرة والباطنة، ويحث على التفكر في ذلك والتذكر، وأن يعقل العبد عن ربه، فيقوم بشكره ويؤدي حقه.
ومبنى الشكر على ثلاثة أركان: معرفة النعمة وقدرها، والثناء بها على مسديها، واستعمالها فيما يحب موليها ومعطيها. فمن كملت له هذه الثلاث فقد استكمل الشكر، وكلما نقص العبد منها شيئا فهو نقص في إيمانه وشكره، وقد لا يبقى معه من الشكر ما يعتد به ويثاب عليه.
والمقصود أن الذكرى فيها من المصالح الدينية والشعب الإيمانية ما هو أصل كل فلاح وخير.
وبدأ في هذه الآية بأعظم النعم وأجلها على الإطلاق، وهو جعله الأنبياء فيهم يخبرونهم عن الله بما يحصل لهم به السعادة الكبرى، والمنة الجليلة العظمى، وكل خير حصل في الأرض من ذلك فأصله مأخوذ عن الرسل والأنبياء، إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء، وأهل العلم عليهم البلاغ، ونقل ذلك إلى الأمة؛ فإنهم واسطة في إبلاغ العلم ونقله.
[معنى قوله تعالى ﴿وَجَعَلَكُم مُلُوكاً﴾
وأما قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ ١ فهذه نعمة جليلة يجب شكرها، وتتعين رعايتها؛ فإنها من أفضل النعم وأجلها. والشكر قيد النعمة، إن شكرت قرت، وإن كفرت فرت. ولم تحصل هذه النعمة إلا باتباع الأنبياء وطاعة الرسل، فإن بني إسرائيل إنما صاروا ملوك الأرض بعد فرعون وقومه باتباع موسى، وطاعة الله ورسوله والصبر على ذلك، قال تعالى:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
стр. 90
مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ١.
وقد حصل باتباع محمد ﷺ لمن آمن به من العرب الأميين، وغيرهم من أجناس الآدميين من الملك وميراث الأرض فوق ما حصل لبني إسرائيل، فإنهم ملكوا الدنيا من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وحملت إليهم كنوز كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وصارت بلادهم وبلاد المغرب والمشرق ولاية لهم، ورعية تنفذ فيهم أحكامهم، ويجبى إليهم خراجهم.
ومكثوا على ذلك ظاهرين قاهرين لمن سواهم من الأمم، حتى وقع فيهم ما وقع في بني إسرائيل من الخروج عن اتباع الأنبياء، وترك سياستهم، والانهماك في أهوائهم وشهواتهم، فجاء الخلل، وسلط العدو، وتشتت الناس، وتفرقت الكلمة، وصارت الدول الإسلامية يسوسها في كثير من البلاد وفي أوقات كثيرة من الملوك أهل النفاق والزندقة والكفر والإلحاد، الذين لا يبالون بسياسات الأنبياء وما جاؤوا به من عند الله، وربما قصدوا معاكستهم.
فذهب الملك بذلك، وضاعت الأمانة، وفشا الظلم والخيانة، وصار بأسهم بينهم، وسلط عليهم العدو، وأخذ كثيرا من البلاد. ولم يقنع منهم إبليس عدو الله بهذا حتى أوقع كثيرا منهم في البدع والشرك، وسعى في محو الإسلام بالكلية.
وكلما بعد عهد الناس بالعلم وآثار الرسالة، ونقص تمسكهم بعهود أنبيائهم، تمكن الشيطان من مراده في أديانهم ونحلهم واعتقاداتهم؛ ولكن من رحمة الله ومنته جعل في هذه الأمة بقية، وطائفة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
وكلما حصل لهذه الطائفة قوة وسلطان في وجهة أو بلد، حصل من الملك والعز والظهور لهم بقدر تمسكهم بما جاء به محمد ﷺ ؛ ولذلك صار لشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولطائفته وأنصاره من الملك والظهور والنصر بحسب نصيبهم
стр. 91
وحظهم من متابعة نبيهم ﷺ والتمسك بدينه، فقهروا جمهور العرب من الشام إلى عمان، ومن الحيرة إلى اليمن.
وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا كانوا أعز وأظهر، وربما نال منهم العدو وحصل عليهم من المصائب ما تقتضيه الذنوب والمخالفة، والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفو الله من ذلك أكثر وأعظم.
[كل خير حصل للناس فهو باتباع الرسول]
والمقصود أن كل خير ونصر حصل، وعز وسرور اتصل، فهو بسبب متابعة الرسول ﷺ وتقديم أمره في الفروع والأصول، وقد منَّ الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات، من النعم الدينية والدنيوية، والأمن في الأوطان.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ١ بمعرفة الله، ومحبته وطاعته وتعظيمه، وتعليم أصول الدين، وتعظيم ما جاء به الرسول ﷺ من الأمر والنهي والتزامه، والمحافظة على توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة، وسد الوسائل التي توقع في المحذور، وتفضي إلى ارتكاب الآثام والشرور.
ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
والله المسؤول أن يمن علينا وعليكم بسلوك سبيله، وأن يجعلنا ممن عرف الهدى بدليله، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 92
[كتاب منه إلى سهل بن عبد الله]
يرشده فيه إلى تدبر كتاب الله
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم سهل بن عبد الله، سلمه الله تعالى وسهل أمره، وشرح لدينه صدره.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على جزيل نعمه ووافر عطائه، والخطوط وصلت وسرت وقرت، حيث أشعرت وأخبرت بسلامة المحب وطيبه، وعمارة الأوقات بالقراءة في كتب الأصول والصحاح والتفاسير، وأن الإخوان في ازدياد، وأن الأشرار والأضداد في انقماع وانقباض.
فالحمد لله وحده، والشكر له على نصر دينه، وإظهار حجته. الله المسؤول أن يمن علينا وعليكم باليسر في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن يوزعنا شكر نعمه، وحسن عبادته، وتطلب الفائدة.
وأرشدك إلى التأمل في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ١ الآية. فاحذروا معاشرة الغر، وأخلصوا العمل لوجهه الكريم الأعلى.
وقد حدثني بعض الثقات أنه اجتمع ببعض الأفاضل من أولاد الشيخ محمد بمكة سنة ١٢٢١، قال: فشيعته لما أراد الذهاب إلى وطنه، وسألته الوصية، فقال لي- وقد ثنى رجله على رحله-: تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣، ثم ودعني وانفتلت به راحلته.
ونخبرك أن الشيخ والأولاد والإمام وأولاده وكافة الإخوان يهدوك السلام، وبلغ سلامنا الإخوان محمد ومحمد وسائر القراء والطلبة، وأنت في أمان الله وحفظه. والسلام.
стр. 93
[التحذير عن البطالة]
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب المكرم محمد بن عمر سلمه الله تعالى، وأسبغ عليه نعمه ووالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله على سوابغ نعمه، وخفي لطفه وكرمه، المحب في أنس بالاشتغال بالعلوم الشرعية، جعلها الله وصلة إلى الدرجات العلية في دار السعادة الأبدية، إلا أن بعد مثلك يشوش بعض الأحيان، ونشكو إلى الله فساد أهل الزمان، ونسأله أن يصلح الحال والشأن. والخطوط وصلت وسرت بما أبدته من أخبار سلامتك، وما يتيسر لك من الكتب المفيدة الشرعية، جعلك الله تعالى من وعاة العلم ورواته الفائزين بحسن ثواب الله ومرضاته.
فإياك إياك والبطالة والإهمال، والاشتغال بتحصيل عرض ومال. وقد قيل في المثل:"ومن خطب الحسناء لم يغله المهر"، وبلغ سلامي الوالد والأولاد، والأخ محمد وسهل ومن لديك من الإخوان. والسلام
стр. 94
[الوصية الجامعة لزوم التقوى في كل حال]
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب المكرم محمد بن عمر الرسلي -سلمه الله تعالى وسلك به الطريق المستقيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو
стр. 95
على نعمه، ومزيد إحسانه وكرمه، جعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين، وأحبابه التائبين، وسبق إليك مع أخويا ١ مهنا خطوط ولا جانا ٢ لك جواب، فلعلها وصلت وأنت بخير وعافية. وحرر هذا لإبلاغ السلام والتحية، وتذكر تلك العهود السالفة المرضية، وتعاهد الأخوة الدينية الشرعية، جعلنا الله وإياكم ممن رعاها حق رعايتها، وحفظها في ذات الله وما ضيعها.
والوصية الجامعة لزوم التقوى من حيث كنت، مع النظر في حقيقتها، وما اشتملت عليه من أعمال القلوب والجوارح، وتوقفها على العلم، ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، من باب توقف اللازم على الملزوم، والمسبب على سببه. والجملة شرحها يطول، ولكن الإشارة كافية، وهي عند اللبيب تقوم مقام العبارة الوافية.
هذا ومن حق الأخوة ملازمة الدعاء بظهر الغيب، والظن بك عدم الإهمال، وبلغ سلامي الإخوان: محمد وسهل ومطلق وابن جاسر، ومن عز عليك، ومن لدينا الوالد والأولاد وجملة الإخوان بخير، ويهدوك ٣ السلام. والسلام.
стр. 96
[كتابه إلى محمد آل عمر وفيه ذكر شرحه كتاب الكبائر]
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم محمد آل عمر بن سليم، سلمه الله تعالى وتولاه، وأسعده بالإيمان به وتقواه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخطوط وصلت، وصلك الله بما يرضيه، وجعلك ممن يخافه ويتقيه، وقد سرتني سلامتك وعافيتك
стр. 97
جعلنا الله وإياك من أهل العافية في الدنيا والآخرة-.
والمحب لم ينس عهدكم، ولم يؤخر جواب خطكم عن ريبة جفا، أو تغير مودة وصفا، كيف ولكم من المنْزلة والتكريم ما يشهد به كل مصاحب وحميم؟ لكن الأمور بأوقاتها منوطة، وبآجالها مربوطة، والمرء غالبا يؤتى من قبل التسويف، والسماحة خلق جليل شريف، وما أحسن ما قيل:
وما الود إدمان الزيارة من فتى ... ولكن على ما في القلوب المعول
والمحب والشيخ الوالد على ما تظنون من القيام بحقكم، ومراعاة غيبتكم عند الإمام وابنه، ولا ندخر الذب والحماية ما استطعنا. وما أشرت إليه من جهد شرح كتاب الكبائر، فقد هممت به، وسودت منه ما تيسر.
ونسأل الله أن يمن بالإتمام، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك، وهو على كل شيء قدير.
فإن حصل المقصود نسخنا لكم نسخة -إن شاء الله-. وبلغ سلامي محمد آل عبد الله وسهل وإبراهيم القصير وابن جاسر ومطلق ومحمد آل عثمان وعلي بن صنيع. ومن لدينا الوالد والعيال والطلبة بخير، ويهدون إليكم السلام. انتهى
стр. 98
[كتاب منه إلى صالح آل عثمان]
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ صالح آل عثمان، سلمه الله تعالى وحفظه من طائف الشيطان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أولاه من الإنعام،
стр. 99
جعلنا الله وإياك من أوليائه الذاكرين الشاكرين. والخط وصل، أوصلك الله إلى ما يرضيه، وسرنا ما أخبرت به عن نفسك من المجاهدة والعبادة، نسأل الله لنا ولك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.
وأما المسألة التي سألت عنها في معنى قوله ﷺ :"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ١.
فمن أحسن ما قيل في معناه: قول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى- في باب المعاينة من شرح المنازل- لما تكلم على ما يزعمه القوم من إدراك نفس الحقيقة والأنوار التي يجدونها، وأنها أمثلة وشواهد، قال:
وحقيقتها هي وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي، فيكون إدراكه له بمنْزلة إدراك العبد للصورة الخارجية، وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق فيه، ويغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة، ويستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج، أو في النفس والذهن.
لكن لغلبة الشهود، وقوة الاستحضار، وتمكن حكم القلب واستيلائه على القوى صار كأنه مرئي بالعين، مسموع بالأذن، بحيث لا يشك المدرك في ذلك ولا يرتاب البتة، ولا يقبل عذلا.
وحقيقة الأمر أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية تابعة للمعتقد ... إلى أن قال: وليس مع القوم إلا الشواهد والأمثلة العلمية والرقائق، التي هي ثمرة قرب القلب من الرب وأنسه، واستغراقه في محبته وذكره، واستيلاء سلطان معرفته عليه، والرب ﵎ وراء ذلك كله، منَزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته، وأنوار ذاته أو صفاته، وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد كما يقوم بقلبه شاهد الآخرة، والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما.
وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حرام يوم أحد لما قال:"واها لريح الجنة، إني لأجد ريحها دون أحد". ومنه قوله ﷺ :"إذا مررتم برياض الجنة
стр. 100
فارتعوا" ١.
وقوله:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ٢ فهي روضة لأهل العلم والإيمان؛ لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة حتى كأنها لهم رأي العين. وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة، فالعمل إنما هو على الشواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله. انتهى ملخصا.
وبه يظهر معنى الحديث، وأن اختصاص هذا المكا بكونه روضة من رياض الجنة لما يقوم بقلب العبد من المثال والشاهد الذي يقوي سلطانه هناك وتظهر ثمرته، ويجد المؤمن من لذته وروحه حتى كأنه رأي عين.
وفي هذا القدر كفاية. والله الموفق. ولا تدخر عمارة مجلسك بذكر الله، والدعوة إليه، ونشر العلم الذي أنزله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة.
стр. 101
[حسن الالتجاء إلى الله والثقة به]
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله وحده. أنشدنا شيخنا الشيخ عبد اللطيف -دامت إفادته- هذه الأبيات:
يا من له الفضل محضا في بريته ... وهو المؤمل في الضراء والباس
عودتني عادة أنت الكفيل بها ... فلا تكلني إلى خلق من الناس
ولا تذل لهم من بعد عزته ... جهي المصون ولا تخفض لهم رأسي
وابعث على يد من ترضاه من بشر ... رزقي وصنه عمن قلبه قاسي
فإن حبل رجائي فيك متصل ... بحسن صنعك مقطوعا عن الناس
أنشدنا هذه الأبيات شيخنا شرف الدين الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن -أدام الله إفادتهما-، وذكر شيخنا عبد اللطيف أن الله بعث لمنشئها رزقا بسبب فأرة خرجت من جحر وبفيها دينار، فحفره فوجد دنانير كثيرة.
نقل من خط الشيخ محمد آل عمر آل سليم. قال الشيخ محمد بن عمر آل سليم ﵀:
стр. 102
أملى على شيخنا الشيخ عبد اللطيف -دامت إفادته- هذه النصيحة، وهي:
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى جناب الإمام المكرم فيصل بن زكي، وفقه الله لقبول النصائح، وجنبه أسباب الندم والفضائح. آمين سلام عليكم ورحمة الله.
وبعد:
فلا يخفى عليك ما من الله به تعالى.
[في تعظيم أوامر الله ومجاهدة أعدائه]
في تعظيم أوامر الله ومجاهدة أعدائه، والولي في النكاح، وسؤال الله بحق نبيه
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم حمد بن عبد العزيز العريني -سلمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل. وما ذكرت من غربة الدين فالأمر أجلّ وأكبر من الغربة، أكثر أصوله وشعبه معدومة في الخواص. فكيف بالسوقة، ومن لا نهمة لهم في معرفة ما جاءت به الرسل كالغيرة لله ولحرماته، وتعظيم أوامره، ومجاهدة أعداء دينه، والبراءة من موالاة المشركين، وأعداء رب العالمين، والتحيز إلى أهل الإيمان، وموالاتهم ونصرهم، ولزوم جماعة المسلمين، وغير ذلك من حقائق الدين، وشعب الإيمان، وهذه معدومة، نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والتمسك به عند فساد الزمان.
[الولي في النكاح]
وما ذكرت من مسألة الولي، فالمشهور الذي عليه الأكثر تقديم المكلف الرشيد في تزويج مولاته على من هو أقرب منه ممن لم يبلغ التكليف، ولم يعرف مصالح النكاح.
[سؤال الله بحق نبيه أو وليه]
وأما سؤال الله بحق نبيه أو وليه، فلا تصدر إلا من جاهل بأحكام الشريعة، وما يستحب وما يكره. والأولى تنبيه هذا الخطيب على أن هذا قد منعه أئمة الإسلام، وأهل الحل والعقد في الأحكام.
تمت
стр. 103
[رسالة في القول فيما يذهب إليه الناس اليوم من العقيدة الأشعرية وإمامة من يعتقدها وتوليه القضاء .
[صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين]
بسم الله الرحمن الر حيم
ومن رسائل الشيخ رسالة أرسلها إلى محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم، وسببها أن الشيخ عبد اللطيف بن مبارك نصب في بعض مساجد الأحساء من يتهم بمذهب الأشاعرة من غيرإذن الإمام فيصل بن تركي آل سعود ﵀ قال فيها:
من عبد الله بن حسن إلى الأخوين المكرمين محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فقد وصل الكتاب، وفهمت ما تضمنه من الخطاب، وما ذكرتما من نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الأولاد الثلاثة، فالعادة أن مثل هذا يراجع فيه الإمام؛ لأن نصبه له في أمر خاص، وهو فصل القضايا بين الناس.
وأما النظر فيمن يصلح للإمامة والتدريس، فيرد إلى الإمام، وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى؛ لأن كثيرا من الناس ما تخفانا حالهم وعقائدهم، ونصب الإمام لقضاة نجد كذلك.
والشيخ أحمد بن مشرف يسامي الأكابر ومثلهم ما ينسب له، والذي نعلم منه صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين الذي جهله أكثر الطوائف، كذلك هو رجل سلفي، يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم فهم أشاعرة، والأشاعرة أخطؤوا في ثلاث مسائل من أصول الدين، منها: تأويل الصفات، وهو صرفها عن حقيقتها التي تليق بالله،
стр. 104
وحاصل تأويلهم سلب صفات الكمال عن ذي الجلال.
أيضا أخذوا ببدعة عبد الله بن كلاب في كلام الرب -تعالى وتقدس-، ورد العلماء عليهم في ذلك شهير، مثل الإمام أحمد والشافعي ... ١ وأصحابه، والخلال في كتاب السنة، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبي عثمان الصابوني الشافعي، وابن عبد البر، وغيرهم من أتباع السلف كمحمد بن جرير الطبري، وشيخ الإسلام الأنصاري.
[تقليد المتأخرين لأناس لا اطلاع لهم على التوحيد الصحيح]
وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين كالشهرستاني شيخ أبي المعالي، والغزالي، وكذلك الأشعري -قبلهم- في كتابي الإبانة والمقالات. ومع هذا وغيره فبقي هذا في المتأخرين المقلدين لأناس من المتأخرين، ليس لهم اطلاع على كلام العلماء، وكانوا يعدون من العلماء.
وأخطؤوا أيضا في التوحيد، ولم يعرفوا من تفسير"لا إله إلا الله"إلا أن معناها: القادر على الاختراع. ودلالة"لا إله إلا الله"مع هذا دلالة التزام؛ لأن هذا من توحيد الربوبية الذي أقرت به الأمم ومشركو العرب كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ الآيات. وهي كثيرة في القرآن.
يحتج تعالى عليهم بذلك على ما أنكروه من توحيد الإلهية، الذي هو معنى"لا إله إلا الله"مطابقة وتضمنا، وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة، وفي سورة آل عمران والنساء وغيرها، ودعت إليه الرسل ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٣. وهو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، ودعا إليه العرب قبلهم، كما قال أبو سفيان لهرقل لما سأله عما يقول رسول الله ﷺ قال: يقول:"اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا" ٤ وكل السور المكية في تقرير معنى"لا إله إلا الله"وبيانه.
فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله في كثير من الأمصار ما يعرفون من"لا إله إلا الله"إلا توحيد الربوبية، كمن كان قبلهم في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، اغتروا بقول بعض العلماء من المتكلمين أن
стр. 105
معنى"لا إله إلا الله": القادر على الاختراع، وبعضهم يقول: معناها: الغني عما سواه، الفقير إليه ما عداه.
[سبب عداوة أهل الأحساء للشيخ ابن عبد الوهاب]
وعلماء الأحساء ما عادوا شيخنا ﵀ في مبدأ دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهم لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص، والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن. قال تعالى عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ١، فعبر عن هذه الكلمة بمعناها، وهو نفي الشرك في العبادة، وقصرها على الله وحده. وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٢.
فإذا كان هذا التوحيد الذي هو حق الله على العباد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت، فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور؟ خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله ومحبته والدعوة إليه، وتطلب أدلته واستحضارها ذهنا وقولا وطلبا ورغبة.
فهذه نصيحة مني لكل إنسان، دعاني إليها غربة الدين وقلة المعرفة فيه، فينبغي أن تشاع وتذاع في محاضر أهل العلم، يقبلها من وفقه الله تعالى للخير، فإنها خير مما كتبت فيه بأضعاف أضعاف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
стр. 106
[فتاوى في مسائل مختلفة
في الديات والجروح ودم الذمي والمعاهد والحربي اليد إذا قطعت من المرفق]
بسم الله الرحمن الر حيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ سعيد بن أحمد.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
وصل خطك، تسأل عن اليد إذا قطعت من المرفق، ولم يبق فيها إلا جلدة يسيرة.
الجواب: أن في اليد نصف الدية ولا عبرة في الجلدة.
[تقدير الجروح في الرجل والفخذ]
المسألة الثانية: عن رجل ضرب في فخذه بسهم، فخرجت منه وأصابت الفخذ الآخر، فأبانت اللحم والجلد. والجواب: أن الجروح في الرجل والفخذ لا تقدير فيها إذا سلم العظم، ولم تتعطل منفعة العضو، ولكن فيها حكومة وهي: أن يقوَّم المجني عليه قيمة عبد، ثم ينظر ما نقصته الجروح، فإن نقصت عشر القيمة أو ثمنها مثلا فيعطى من دية الحر الخمس أو العشر.
[رجل ضرب في كفه الأيمن وحصل به عيب]
المسألة الثالثة: رجل ضرب في كفه الأيمن وحصل بالكف عيب، فإن تعطل بالكلية ففيه الدية، وإن تعطل بعض الأصابع ففي كل أصبع إذا تعطلت عشر الدية.
[قتل المسلم للمشرك الحربي]
المسألة الرابعة: لا يمنع المسلم عن قتل المشرك الحربي، ولو كان جارا للمسلم، أو معه في الطريق إلا إذا أعطاه ذمة أو أمنه أحد من المسلمين، ففي الحديث:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" ١.
[دية المشرك إذا ضرب وجرح]
المسألة الخامسة: إذا ضرب المشرك وجرح فدمه هدر، إلا الذمي والمعاهد والمستأمن؛ فديتهم إذا أصيبت نفس أحدهم ثمانمائة درهم، والجروح ينظر فيها على قدر دياتهم.
стр. 107
المسألة السادسة: المساقاة، هل يصح من كل نخلة عذقا؟ الجواب: لا تصح المساقاة بعذق معين، أو ثمرة نخلة معينة، وأما بالسدس أو السبع أو أقل أو أكثر من غير تعيين الشجر فيصح.
[أخذ الزكاة دراهم عن ثمرة النخل إذا بيعت]
المسألة السابعة: هل يصح أخذ الزكاة دراهم عن ثمرة النخل إذا بيعت؟ الجواب: أكثر العلماء لا يجيزون هذا، وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو إمام جليل –﵀.
[نفقة الحامل والمرضع]
المسألة الثامنة: نفقة الحامل والمرضع الجواب: الحامل ينفق عليها بحسب يسار الزوج وعسره، وبحسب حالها، فلا تجعل بنت الأغنياء المتنعمين مثل الفقيرة، وأما المرضع إذا لم تكن في عدة فتعطى أجرة المثل.
[ما تفعله المعتدة من الوفاة]
المسألة التاسعة: المعتدة من الوفاة ما تفعل؟ والجواب: تعتد أربعة أشهر وعشرا، تلزم فيها البيت الذي توفي زوجها عنها فيه، ولا تخرج إلا لحاجة لا بد منها، وتجتنب الزينة من الثياب والكحل والحنا والحلي والأدهان.
[حاضت المرأة حيضتين بعد الطلاق ثم تزوجت]
المسألة العاشرة: إذا حاضت المرأة حيضتين بعد الطلاق، وتزوجت قبل الثالثة فالنكاح باطل، وتعتد من الأول والثاني.
[ولاية المشرك على المسلمة]
المسألة الحادية عشرة: هل للمشرك ولاية على المسلمة؟ الجواب: ليس للمشرك على المسلمة ولاية، فإن لم يكن لها ولي مسلم، فأمرها إلى الأمير.
[امتناع المسلم عن تزويج موليته من غير وجه شرعي]
المسألة الثانية عشرة: إذا امتنع المسلم عن تزويج موليته من غير وجه شرعي فهو عاضل، تنتقل الولاية إلى أقرب عصبتها بعده، ويزوجها إذا عضل من هو أقرب منه.
[الصغير وولاية العقد]
المسألة الثالثة عشرة: الصغير قبل البلوغ لا يصح أن يلي العقد، فإن زوج يعاد العقد على يد الولي البالغ الرشيد.
[صوم الصبي]
المسألة الرابعة عشرة: متى يجب على الصبي الصوم؟
стр. 108
الجواب: العبادات كلها لا تجب إلا بعد البلوغ، وأما ولي الصغير فيجب عليه أمره وتدريبه على العبادات إذا ميز وعقلها؛ ليعتادها ويألف الخير.
[وقت دفع مال اليتيم إليه]
المسألة الخامسة عشرة: متى يدفع إلى اليتيم ماله؟
الجواب: إذا بلغ خمس عشرة سنة، أو نبتت العانة، أو احتلم مع رشده، فإذا ظهر رشده في المال دفع إليه.
[زوج ولي الأمر والأولياء حاضرون بغير إذنهم]
المسألة السادسة عشرة: إذا زوج ولي الأمر والأولياء حاضرون بغير إذنهم لم يصح العقد لحديث:"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ١ وأما إذا امتنع الولي، ولم يكن سواه من الأولياء إلا ولي الأمر، فيزوج إذا كان القريب عاضلا يمنع الكفء، أو يطلب دراهم لنفسه.
[ضمان ما أكلت الدواب]
المسألة السابعة عشرة: الخضرة أو ثمرة القطن أو غيره إذا أكلته الدواب. ما حكمه؟
الجواب: على أهل الدواب أن يحفظوها ليلا، وما أكلته بالليل فهو مضمون لصاحبه بقيمته، وما أكلته نهارا فلا ضمان فيه؛ لأن الحفظ والحراسة في النهار على أهل المزارع والخضرة، إلا إن فتح صاحب الدابة لها بابا مغلقا، أو هدم جدارا وأدخلها، فيضمن حينئذ.
[قطع الشجرة المثمرة بغير إذن مالكها]
المسألة الثامنة عشرة: الشجرة المثمرة يحرم قطعها بغير إذن المالك، وعلى من قطع الضمان بالقيمة، وكذلك إذا قطع السعف من النخل ففيه القيمة بحسب حال البلد.
[المشرك إذا أودع المسلم أو أودعه المسلم]
المسألة التاسعة عشرة: المشرك إذا أودع المسلم، أو أودعه المسلم؟
الجواب: يصح الإيداع والتوديع والرهن وشبهه، وعليه الحذر من المداهنة، والمجالسة التي يرى أو يسمع فيها المنكر.
[طلب من الثمرة عند الجذاذ]
المسألة العشرون: من طلب من الثمرة عند الجذاذ يعطى إذا كان فقيرا أو مسكينا ما يسد جوعته، وأما إذا طلب من الزكاة فيعطى بحسب الزكاة، وقدرها، وكثرة المساكين.
стр. 109
وأما الحادية والعشرون: إذا طلق على عوض هل رجعتها بيده أم لا؟ الطلاق بائن إذا كان على عوض لا رجعة له، بل لا بد من عقد جديد إن استكمل ثلاث طلقات للحر واثنتين للعبد.
الأولى بحضانة الأولاد
الثانية والعشرون: الأم أولى بحضانة أولادها إلا إذا تزوجت، فتنتقل الحضانة إلى غيرها كالجدة والأخت والخالة. واليتيم إذا كان له مال فيتولاه الوصي من جهة أبيه، فإن لم يكن هناك وصي فيجب على الحاكم الشرعي -وهو قاضي البلد أو الأمير- أن يولي على مالهم من يحفظه من أهل الأمانة والديانة.
[الوصي على صدقة الميت]
الثالثة والعشرون: الوصي على صدقة الميت فطرة أو غيرها أحق بالولاية من الورثة والعصبة؛ لأن الميت اختاره ورضيه. والله أعلم.
[زوج غير الولي]
الرابعة والعشرون: إذا زوج غير الولي فالنكاح فاسد، ولا ترث بالنكاح الفاسد. والله أعلم.
[حكم وطء الرجل مملوكة ولده]
بسم الله الرحمن الر حيم
مسألة: ما قولكم في رجل وطئ جارية ابنته ولم يتملكها قبل ذلك، وبنته محتاجة إليها، وهي قد ملكتها بالميراث من زوجها.
فأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بقوله: لا يجوز له أن يطأ مملوكة ولده ما دامت في ملك الولد، وأما إذا تملكها تملكا شرعيا، بشرط أن لا يضر بولده، ولا تتعلق بها حاجة الولد، ولا يقصد إعطاءها لولد آخر، فإذا تمت هذه الشروط وقبضها جاز له بعد الاستبراء أن يطأها. والله أعلم.
стр. 110
[رسالة في الاعتصام والاتباع والنهي عن التفرق والابتداع الاعتصام والاتباع والنهي عن التفرق والابتداع]
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٤.
فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين، وأتمه على لسان رسوله ﷺ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٦.
والرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله،