مقدمة
تقديم الكتاب
...
تقديم الكتاب
"لحضرة صاحب المعالي الأستاذ الجليل الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، وزير المعارف"
تربطني بأخي مؤلف هذه التراجم وجامعها فضيلة الشيح عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ رابطة قوية، فهو فضلا عن الصلة العائلية التي تجمعنا فنحن نلتقي دائما نتدارس كثيرا من الأمور العلمية، وعرفت فيه خلال سنوات كثيرة إلمامه الكبير بشتى العلوم، وبخاصة اللغة العربية والتاريخ، وتاريخ الجزيرة العربية بوجه خاص والتوحيد، وله ولع كبير بمطالعة الكتب العلمية وقدرة لا حد لها على سرعة مطالعة الكتب التاريخية، والعثور على ما قد تحتويه من أخطاء.
وبدافع من حبه لهذه الجزيرة وعلمائها فقد عطف منذ أكثر من عامين على جمع هذه التراجم "للعلماء" في محاولة للإبقاء علي ذكراهم، وتسجيل جهودهم وآثارهم العلمية وكفاحهم في الدعوة إلي الله، وإبلاغ شرعه للناس ولاقي في سبيل الحصول على المعلومات التي تحتويها هذه التراجم الكثير من الصعوبة والمشقة. لكنه كان يتقبل ذلك في سبيل تحقيق هدفه الذي آلي نفسه بلوغه ...
стр. 2
وأني إذ أقدم هذه المجموعة من تراجم علمائنا _ عليهم رحمة الله _ فإني أسجل بالشكر والعرفان الجهد الكبير الذي بذله فضيلة المؤلف.
وأسال الله أن يجعل في مؤلفه الفائدة التي نتوخاها جميعا وأن يهيأ _في كل زمان ومكان "لورثة الأنبياء" من يعتني بجهودهم ويبرز كفاحهم ...
والله الموفق. وعليه الاتكال ...
حسن بن عبد الله آل الشيخ
стр. 3
مقدمة المؤلف
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله احمده وأستعينه واصلي واسلم نبيه محمد وأله وصحبه وبعد، لما رأيت حركة والتأليف، وبعث التراث العلمي الإسلامي في هد العهد الزاهر قائمة على قدم وساق، ورأيت هذه النهضة العلمية التي يتعهدها بعونه ويرعاها بتقديره إمام المسلمين الذي آزر العلم وناصر الإسلام جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، أحببت المساهمة ولو بجهد المقل، فجمعت هذه الرسالة في تراجم مشاهير علماء نجد المتوقين١ ابتداء من الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلي هذه اليوم، ووضعت في أولها علماء آل الشيخ مرتبين على أقدمية الوفاة، ويليهم من عداهم من علماء نجد مرتبين أيضا على أقدمية الوفاة، ووضعت في آخرها تراجم بعض رجال النهضة من علماء الأمصار الذين تأثروا بدعوة الإسلام السلفية التي قام بتجديدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأعلنوها حربا شعواء على البدع والخرافات وهم صديق بن حسن خان وبشير السهسواني السيد محمود شكري الألوسي والسيد محمد رشيد رضا.
والله أساله الإعانة والتوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
المؤلف
стр. 4
علماء نجد وغيرهم
الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ
...
الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ
أحببت في هذه المناسبة أن أتحف القراء بوضع ترجمة في أول هذا الكتاب العلامة الكبير سماحة الشيخ عمر بن الشيخ حسين آل الشيخ، فسجلت هذه الترجمة التالية وذلك بعد أذن من سماحته أمد الله عمره ١
سماحة الشيخ عمر بن الشيخ حسن آل الشيخ:
هو العلامة المحق الجليل المتقن شيخنا الشيخ عمر ابن الشيخ حسن ابن الشيخ حسين ابن الشيخ علي ابن الشيخ حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رئيس هيئات الأمر بالمعروف في نجد والمنطقة الشرقية وخط "التابلاين""
مولده:
ولد سماحة هذا العالم الشهير بمدينة الرياض عام ألف وثلاثمائة وتسعة عشر من الهجرة ونشأ في كيف والده الشيخ حسن نشأة دينية علمية ولما بلغ السابعة من عمرة أدخله والده مدرسة تحفيظ القرآن عند مقريء بدعي إبراهيم بن عيسي بن رضيان من مشاهير حملة القرآن في زمنه، أتقن القرآن حفظا وتجويدا حيث قرأه على الشيخ البطيحي المشهور في وقته بالحفظ ومعرفة قواعد التجويد لقراءته علي الشيخ ابن سهل الذي تلقى علم القراءات والتجويد على العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فقرأ
стр. 5
سماحته القرآن على هذا المقرئ المذكور ثم قرأه عن ظهر قلب وهو في الثامنة من عمره على والده الشيخ حسن ﵀.
ابتداء طلبه العلم ومشائخه:
شرع سماحته في طلب العلم وهو في السنة التاسعة من عمره فقرأ على والده العلامة كتاب التوحيد عن ظهر قلب وكشف الشبهات وكتاب آداب المشي إلي الصلاة وقرأ عليه متن الآجرومية في النحو وأرجوزة الرحبية في الفرائض وابتدأ بعد ذلك في القراءة على الشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف فقرأ عليه مجموعة التوحيد غيبا من أولها إلي رسالة بيان النجاة والفكاك حيث وقف على هذه الرسالة بأمر شيخه ثم أعاد قراءة المجموعة على شيخه المذكور ثلاث مرات وعاود القراءة على والده الشيخ حسن فقرأ عليه قطر الندي وشرحه وقرأ عليه ألفية ابن مالك وشرح الرحبية في الفرائض وقرأ على الشيخ حمد بن فارس ملحة الأعراب للحريري وشرحها لبحرق وقرأ عليه ألفية ابن مالك في النحو وقرأ عليه مختصر المقنع وشرحه ثم قرأ على والده الشيخ حسن أصول الفقه ومختصر المقنع وشرحه من أوله إلي آخره _ ثلاث مرات وقرأ عليه رد الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن على داود بن جرجيس _ ثم عاود القراءة على سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف فقرأ عليه صحيح الإمام البخاري وجامع الترمذي وتهذيب السنن للإمام ابن القيم وقرأ عليه متن الطحاوية وشرحها وقرأ على الشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق تفسير العماد إسماعيل ابن كثير من أوله إلي آخره ومسند الإمام أحمد بن حنبل وقرأ عليه رد الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين على داود بن جرجيس وقرأ عليه فتاوى ١ شيخ الإسلام ابن تيمية وقرأ عليه مختصر المقنع وشرحه من أوله إلي الوقف وصحب سماحة أخيه الشيخ عبد الله إلي هجرة الارطاوية لإرشاد البوادي المقيمين بها وتعليمهم واجبات الإسلام والدين فقرأ
стр. 6
عليه ألفية ابن مالك وصحيح الإمام وصحيح الإمام مسلم وسنن أبي داود وقرأ عليه الروض المربع شرح زاد المستقنع من أوله إلي أخره وبعد هذه القراءات الكثيرة قرأ على والده الشيخ حسن بمزاملة أخيه ال االشيخ عبد الله متن المنتهى وشرحه وذلك عام ١٣٣٩ وكان يتولى القراءة أخوه سماحة الشيخ عبد الله وسماحة المترجم معه نسخة خطية يتابع فيها قراءة أخيه وهذه القراءة المذكورة آخر قراءة له على أشياخه.
إجازاته العلمية:
تحصل على إجازة من الشيخ أحمد الكتاني أثناء وجوده بمكة المكرمة بجميع مروياته وأسانيده المتصلة إلي مؤلفي الأمهات الست وتحصل على إجازة من الشيخ تقي الدين الهلالي بجميع مروياته.
أعمال سماحته:
تقلد وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معاونا لابن عمه الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ عبد اللطيف بتكليف من الإمام عبد الرحمن بن فيصل ﵀ عام ١٣٣٦ وعمر سماحته ذلك اليوم لا يتجاوز السابعة عشرة سنة وفي عام ١٣٤٥ _ ولاه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود رئاسة هيئات الأمر بالمعروف بنجد، فقام بواجب ما وكل إليه خير قيام، حيث كان غيورا على محارم الله، قويا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذه في الله جل وعلا لومة لائم يتتبع أهل الجرائم وينفذ فيهم بدون رأفة ولا هوادة حكم الشرع الشريف فهابه أهل الفسوق من العصاة وانزجروا _ وفي عام ١٣٧٢ هـ ضمت إلي سماحته المنطقة الشرقية وخط التابلاين وجميع بلدان نجد وقريات الملح إلي وادي الدوائر فصارت جميع هيئات هذه المناطق والبلدان تابعة لسماحته من ذلك التاريخ إلي هذا اليوم متع الله بحياته وأمده بمزيد من الإعانة التوفيق.
стр. 7
مؤلفاته:
له مجموع رسائل أجوبة علمية وجهت إليه من بلدان نجد وغيرها تبلغ ثلاثة مجلدات ونية سماحته متجهة إلي ترتيبها وطبعا إن شاء الله ولسماحته معرفة بالعروض ويقرض الشعر على طريقة العلماء _ له عدة قصائد منها قصيدة رثاء في العلامة الشيخ عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف تبلغ مائة بيت ومطلعها:
على الحبر بحر العلم شمس المعالم ... وبدر الدجا فليبك كل العوالم
بكا بدموع وكفها مترادف ... بعد هتون المد جنات السواجم
قصيدة رثاء في والده العلامة الشيخ حسن تبلغ ستعين بيتا ومطلعها:
على الحبر بحر العلم شيخي ووالدي ... وقطب رحا ذا الدين جم المحامد
وقصيدة تهنئة للملك المرحوم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود بمناسبة دخول جلالته الحرمين عام ١٣٤٣ هـ تبلغ أبياتها مئة وأثني عشر بيتا ومطلعها:
أنجم بدا في الأفق أم ذلك البدر ... أم البار العالي أضاءت له المدر
أم الشمس أضحت ليس من دون أفقها ... سحاب والاغيم هناك ولا قتر
بلى قد تبدى طالع السعد والمنى ... فضاء فضاء الدين وأنفلق الفجر
وسماحته مشهور بالتقوى، يحيي غالب الليل قراءة وتهجدا، ويتابع بين الحج والعمرة كل عام، ويلتقي بكبار علماء الأمصار الوافدين للحج، ويقيم لهم المآدب ويكرمهم، ويناقشهم في مهام الشرع وأصول الدين وفروعه ويقنعهم عند النزاع بدلائل الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، لأن الله وهبه الإحاطة والشمول وجمع له بين الحفظ والفهم وسعة الاطلاع وقوة الذاكرة، وسرعة البديهة في استحضار نصوص الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم من المفسرين والفقهاء وغيرهم الشيء الذي لا يعرفه ويتصوره إلا من قدر له ارتياد
стр. 8
مجالس سماحته والاستماع إلي ما تمليه حفظا من النصوص والأحاديث ومسائل أصول الدين والفقه وغير ذلك من أشعار العرب وشواهد اللغة وأقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم هذا إلي جانب ما يتصف به سماحته من كرم الأخلاق والتواضع الجم فهو على هدي علماء السلف الصالح وسمتهم لا يعرف الكبر إلي قلبه العامر بالإيمان سبيلا.
أبناؤه:
أنعم الله على سماحته ببنين وحفدة حيث أنجب ستة أبناء هم: الشيخ حسن، الشيخ حسين وعبد الله وعبد العزيز ومحمد وعبد المجيد _ ولكل واحد من الشيخ حسن والشيخ حسين عدة أبناء.
مد الله في عمر سماحة المترجم الشيخ عمر وجعلهم قرة عين له ومتع المسلمين ببقائه - وصلي الله على محمد وآله وسلم.
стр. 9
الشيخ محمد بن عبد الوهاب
هو الإمام العلامة الشهير والداعية الإسلامي الكبير، ظهر في أثناء القرن الثاني عشر بنجد فدعا إلي توحيد الله بالعمل والعبادة، وأفراده بالقصد والإرادة فجدد ما أندرس من أصول الملة وقواعد الدين ودعا إلي مذهب السلف الصالح والأئمة السابقين وما كانوا عليه في باب معرفة الله وصفاته من الإثبات ونفي التشبيه وعدم التكييف والتمثيل والتعطيل المصلح الديني الذي طال ما كتب عنه المؤرخون وأشاد بفضله ودعوته المنصفون شيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام صاحب النهضة الدينية والدعوة السلفية موقظ الجزيرة العربية من سبات الأوهام ومحررها _ ﵀ من عقل البدع وعبادة الأصنام الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن على بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن آد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
مولده نشأنه:
ولد - رحمة الله في بلد العيينة ١ من بلدان العارض بنجد سنة خمس عشرة ومائة
стр. 10
وألف من الهجرة، فنشأ بها وقرأ القرآن حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر ثم اشتغل بطلب العلم فقرأ مبادئ العلوم والفقه الحنبلي على والده الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن على وكان _ ﵀ _ حاد الفهم سريع الإدراك والحفظ. قال عنه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: كان أبوه يتعجب من فهمه ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه، ووالده الشيخ عبد الوهاب هو مفتي تلك البلاد وقاضيها، وجده الشيخ سليمان بن على هو مفتي جميع الديار النجدية، آثاره وتصانيفه وفتاواه تدل على غزارة علمه وفقهه، فهو مرجع أهل نجد في زمنه في الفتاوى وكان معاصرا للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي اجتمع به في مكة المشرفة فهو من بيت علم وفضل. ولما بلغ سن الرشد قدمه والده الشيخ عبد الوهاب في إمامة الصلاة فأخذ ﵀ يؤم الناس ويصلي بهم ثم طلب من والده الحج فأجابه إلى ذلك فأدى فريضة الحج واعتمر عمرة الإسلام وبعد فراغه من الحج والاعتمار قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأقام بها قريبا من شهر ثم رجع إلي وطنه العيينة وتزوج بها وشرع في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ثم بعد ذلك سافر إلي الحجاز في طلب العلم وأخذ بتردد على علماء مكة المشرفة والمدينة المنورة وأقام بها مدة يقرأ فيها على الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني وعلى العالم الشهير محمد حياة السندي المدني صاحب الحاشية المشهورة على صحيح الإمام البخاري ثم رجع إلي وطنه ومكث فيه سنة ثم رحل إلي البصرة وقرأ بها كثيرا من الحديث والفقه والنحو وكتب بها من الحديث والفقه اللغة ما شاء الله أن يكتب في ذلك الوقت ولازم في البصرة عالما من علمائها الإجلاء وهو الشيخ محمد المجموعي البصري وأخذ الشيخ مدة إقامته في البصرة يدعو إلي توحيد الله جل وعلا ونبذ الإشراك وهجر البدع وأخذ يصرح بذلك ويظهره لكثير من جلسائه بالبصرة قائلا لهم: إن العبادة كلها ولا يجوز صرف شيء منها لسواه وقد استحسن شيخه المجموعي ذلك فأخذ الشيخ محمد يقرر له توحيد العبادة ويوضح له
стр. 11
معني لا إله الله فقبل منه شيخه وانتفع به غير أن أعداء التوحيد وأنصار البدع والتقليد من علماء السوء وأحبار الضلال سعوا فيه عند ملأ البصرة وأعيانها فأخرجوه منها وقت الهاجرة في يوم صائف شديد الحر فخرج _ ﵀ _ ماشيا على قدميه فلما توسط الدرب بين البصرة والزبير أدركه العطش وأشرف من شدة الظمأ ولهيب الحر على الهلاك والموت فوافاه رجل يقال له أبا حميدان من أهل يلده الزبير وكان معه حمار فرأى على الشيخ الهيبة والوقار ورآه مشرفا على الهلاك فسقاه ماء وحمله على حماره حتى أوصله بلدة الزبير فمكث الشيخ فيها أياما وأراد السفر منها إلي الشام فقصرت به النفقة فانثنى عزمه عن المسير إلي الشام فرجع إلي نجد ومر في طريقه إليها ببلدة الأحساء وحل ضيفا على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي، ثم رجع إلي وطنه حاملا زادا كثيرا من العلم وسلاحا قويا من المعرفة وقصد بلدة حريملاء لعلمه أن والده الشيخ عبد الوهاب انتقل إليها وذلك بعدما مات عبد الله بن معمر أمير العيينة سنة ١١٣٩ هـ وتولي بعده حفيده محمد بن حمد بن عبد الله بن معمر الملقب خرفاش فوقع بينه وبين الشيخ عبد الوهاب نزاع فعزله عن القضاء وولى الشيخ محمد إلي بلدة حريملاء جلس عند والده وأخذ يقرأ عليه وبعد فراغه من القراءة على والده يخلو بنفسه ويعكس على دراسة الكتاب والسنة وتفاسير علماء السلف الإجلاء وشروحهم للحديث والسنة وذلك بتدبر وإمعان، فبلغ ﵀ _ الغاية القصوى والطريقة المثلي في معرقة معاني الكتاب والسنة واستنباط ما فيهما من الأسرار الشرعية والأحكام الدينية وأكب معهما على مطالعة مؤلفات شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ومؤلفات تلميذه محمد بن قيم الجوزية، فازداد بهما علما وتحقيقا وعرفانا وقد كتب بخط يده _ رحمة الله _ كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية لا يزال بعضها موجودا بالمتحف البريطاني بلندن وكثر منه وهو مقيم في حريملاء الإنكار
стр. 12
للبدع والشركيات الموجودة في حريملاء والمنتشرة في دلك الزمن بنجد حتى وقع بينه وبين والده كلام ووقع بينه وبين أهل بلدة حريملاء جدال وخصام ولكنه لم يصدع بالدعوة ويصرح بإنكار الشرك إلا بعد وفاة والده الشيخ عبد الوهاب سنة ألف ومائة وثلاث وخمسين من الهجرة فأشتد إنكاره على الشرك والبدع وأخذ يعلن دعوة التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلي آخرهم وأخذ ينشر شرائع الإسلام ويكاتب أهل بلدان نجد يأمرهم بعبادة الله وينهاهم عن التعلق على غير الله نم الأولياء والصالحين والأشجار والأصنام وأخذ يأمر بالمعروف وينهى هن المكر ويعاقب عليه وذلك بعد ما تبعه على الحق أناس من أهل حريملاء شدوا أزره وقاموا بامتثال أمره ونصرته فذاع خيره في بلدان نجد فتوافد عليه أناس كثيرون من أهل العارض وغيرهم من قرى نجد فأخذوا يقرأون عليه كتب الحديث والسيرة التفسير والفقه١ وصنف كتاب التوحيد فقرئ عليه في حريملاء ودرس فيه وانتشرت نسخه في نجد غير أنه حدث له _ رحمة الله تعالى _ ما أوجب انتقاله من بلدة حريملاء وذلك أنه خشي وخاف على نفسه الاغتيال بها لان رؤساء هذه البلدة قبيلتان ترجعان إلي أصل واحد من وائل وكل واحدة من هاتين القبيلتين تدعي لنفسها القوة والغلبة والكلمة النافذة ولم يكن لهم رئيس واحد يزع الجميع ويحترمون أمره ويخشونه وكان في البلدة موال لإحدى القبيلتين يسمون آل حمين كثر تعديهم وفسقهم فأراد الشيخ _ ﵀ _ أن يمنعوا عن الفساد وينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما علم هؤلاء الموالي المفسدون بذلك هموا إن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه سرا بالليل فجاءوا إليه وتسوروا عليه الجدار فعلم الناس بهم فصاحوا فيهم فهربوا فلم يطمئن الشيخ بعد هذه الحادثة إلي الإقامة في بلدة حريملاء فانتقل منها إلي بلدة العيينة فتلقاه أميرها عثمان بن حمد بن معمر بالقبول والمناصره وأكرمه غاية الإكرام وألزم الخاصة والعامة إن يمتثلوا أمره ويقبلوا
стр. 13
قوله وتزوج الشيخ عند عثمان بالجوهرة١ بنت عبد الله بن معمر وكان في العيينة وما حولها كثير من القباب والأوثان والمشاهد على قبور الصحابة ولأولياء وبها كثير من الأشجار ولأحجار التي يعظمونها ويذبحون لها كقبة زيد٢ بن الخطاب في الجبيلة وشجرة قريوه وشجرة أبي دجانة والذيبي فأخذ الشيخ _ ﵀ _ يقرر للأمير عثمان توحيد العبادة ويفسر له معنى لا إله إلا الله وما اشتملت عليه وتضمنته من نفي وإثبات ومضى يبين له الإسلام الصحيح قبل ظهور الشرك وسرب البدع ويطلب منه محو الأوثان وقطع الأشجار وهدم القباب وأزاله المشاهد فأجابه الأمير عثمان إلي ذلك فخرج الشيخ _ ﵀ _ وخرج معه لأمير عثمان _ عفا الله عنه _ وخرج معهما رجال كثيرون من جند عثمان فأتوا إلي تلك الأماكن المذكورة فقطوا الأشجار وهدموا المشاهد والقباب وكان الشيخ – ﵀ هو الذي تولى هدم قبة زيد بن الخطاب بيده فلم يبق بعد ذلك وثن في هذه البلاد التي تحت ولاية عثمان بن معمر.
وبعد هذا أتت امرأة إلي الشيخ واعترفت عنده بما يوجب الرجم وتكرر منها الاعتراف الإقرار، فسأل عنها فوجدها صحيحة القوى كاملة العقل فلقنها الشيخ الإكراه فأقرت واعترفت فأمر عليها فرجمت، فلما حصل ذلك وشاع وتناقلته الأخبار أنزعج ولاة السوء من المترفين وعلماء الضلال وهالهم محو ما ألفوه من المعابد والأوثان وإقامة ما عطلوه من الحدود الشرعية فشنعوا على الشيخ ورموه بالزور والبهتان ففند أقوالهم وأدحض حججهم بأدلة قاطعة من السنة والقرآن، فلما أعيتهم الحجة وأعجزهم البرهان عمدوا إلي المكر والحيلة فأرادوا أن يدركوا بالسيف والسنان ما عجزوا عن إدراكه من قبل
стр. 14
بالزور والبهتان فشكوه إلي شيخهم وزعيمهم سليمان بن محمد بن عريعر الحميدي حاكم الأحساء والقطيف في ذلك الزمان فأغروه به وصاحوا عنده وقالوا إن هذا يريد أن يخرجكم من ملككم ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور ويبطل المكوس والعشور فخشي ابن عريعر الحميدي أن يستفحل أمر هذا الدعوة السلفية فتلوي بحكمه وتطيح بسلطانه فكتب إلي عثمان بن معمر كتابا يأمره فيه بإخراج الشيخ من بلدته ويهدده فيه إذا هو لم يخرجه بغزوه وقطع مرتبه وكان ابن عريعر قد أجرى لابن معمر مخصصا شهريا فأنصاع ابن معمر لأمره وأمر على الشيخ بمغادرة بلدته.
خروج الشيخ من العيينة:
فخرج الشيخ منها وولي وجهه شطر الدرعية فوصلها وحل ضيفا بها على أحد تلامذته وهو الشيخ أحمد بن سو يلم العريني وذلك سنة ١١٥٨ هـ فلما علم بمقدمه أمير الدرعية محمد بن سعود بن محمد بن مقرن أسرع بالمسير إليه ودخل عليه في دار الشيخ أحمد بن سو يلم وقابله بالبشر والحفاوة العظيمة والإكرام وقال له بعد السلام أبشر أيها الشيخ بالنصر والمنعة فقال الشيخ وأنا أبشرك _ إن شاء الله _ بالأجر والعز والتمكين والغلبة وهذه كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها ونصرها غنم في الدنيا وربح في الآخرة وهي كلمة التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب ثم أخذ الشيخ يخبر الأمير محمد بن سعود بحقيقة الإسلام قبل حدوث الشرك وتسرب البدع ويبين له ما دعا إليه الرسول صلى عليه وسلم من توحيد الله وإفراده جل وعلا بالعبادة دون ما سواه، ويخبره بما نهى عنه الرسول من عباده المخلوقين من البشر وغيرهم من الأشجار والأصنام والأحجار ويذكر له إن ما عليه اليوم أهل نجد من البدع والإشراك ودعاء الأموات هو عين ما كان عليه أهل الجاهلية الأولي قبل بعثة سيد المرسلين من التعلق على غير الله من الأولياء والصالحين وغيرهم من الأصنام والأحجار ولأشجار وقد كان أهل نجد في زمن الشيخ خلعوا ربقة الإسلام والدين وعادوا إلي
стр. 15
ما كان عليه مشركوا العرب الأولين من التعلق على غير الله من الأولياء والصالحين وغيرهم من لأوثان والأصنام الأحجار ينتابون قبر زيد بن الخطاب يسألونه قضاء الحاجات وتفريج الكربات وقبرا يزعمونه قبر ضرار ١ ابن الازور وشجرة تسمى الطرفية يعتقدون فيها كما أعتقد قبلهم في ذات أنواط مشركوا الجاهلية ومغارة يسمونها مغارة بنت الأمير لها قصة زعمهم تاريخية وطاغوتا عندهم يسمى تاجا وثانيا يسمى يوسف وثالثا يسمى شمسانا٢ يعبدونهم زاعمين أن لهم تصرفا ونفعا وفحال نخل يختلف إليه نساؤهم إذا لم يلدن أو لم يتزوجن يقلن له يا فحل الفحول نريد ولدا أو زوجا قبل الحول بل كانوا شرا مما ذكرنا وأسوأ حالا مما إليه أشرنا كانوا في جاهلية جهلاء وضلالة نكراء فيهم من كفر الإتحادية٣ والحلولية وملاحدة الصوفية ما يرون أنه من الشعب
стр. 16
الإيمانية والطريقة المحمدية وفيهم من إضاعة الصلوات وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، فلهذا، لما أن بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب للأمير محمد بن سعود حقيقة الإسلام والإيمان وأخبره ببطلان ما عليه أهل نجد من عبادة الأوثان والأصنام والأشجار قال له: يا شيخ لاشك عندي أن ما دعوت إليه أنه دين الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وأن ما عليه اليوم أهل نجد من هذه العبادات الباطلة هو كما ذكرت نفس ما كان عليه المشركون الأولون من الكفر بالله والإشراك فابشر بنصرتك وحمايتك وقيام بدعوتك، ولكن أريد أن أشترط عليك شرطين نحن إذا قمنا بنصرتك وجاهدنا معك ودان أهل نجد بالإسلام وقبلوا دعوة التوحيد أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا والثاني أن لي على أهل الدرعية قانوتا آخذه منهم وقت حصاد الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا فقال الشيخ أما الشرط الأول فابسط يدك أعاهدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثاني فلعل الله أن يفتح عليك الفتوحات فيعوضك من الغنائم والزكوات ما هو خير منه، فتم التعاهد والاتفاق بينهما رحمهما لله تعالى _ في ذلك المجلس على إظهار دين الله والجهاد في سبيله وطمس مظاهر الإشراك ومحو آثاره واقتلاع جذوره وتصحيح العقائد وتطهير الإسلام وتخليصه مما علق به من الاشراك وألصق به من الخرافات وتعاهدا مع هذا على جمع كلمة أهل نجد وإصلاح فسادهم ولم شعثهم لأن نجدا لم تكن في زمنهما خاضعة لإمارة واحدة يحترمها الجميع وينضوون تحت لوائها بل كانت مفككة الأجزاء كل واحد أمير بلدته وكل واحد يرى الزعيم من في بردته وقد أدى هذا التفرق بأهل نجد إلي الفوضى واضطراب الأمن وسفك الدماء فعمل هذان الإمامان على جمع كلمة أهل نجد وتوحيد صفهم كما عملا على هدايتهم.
فلما تم التعاقد والاتفاق بين الشيخ محمد والأمير محمد بن سعود، قام الشيخ ١ ودخل مع ابن سعود البلد واستقر عبده محترما معززا، فلما استقر
стр. 17
في الدرعية توافد عليه أنصاره الذين كانوا في العيينة ومعهم أناس من رؤساء المعامرة معا كسين لعثمان بن معمر وهاجر إلي الدرعية أناس غيرهم من بلدان نجد وقراها وذلك لما علموا أن الشيخ أقام بالدرعية وعلموا مع هذا أنه منع ونصر، ولما أستوطن الشيخ الدرعية ومكث بها وجد أهلها مثل عامة قرى نجد وبلدانها قد وقعوا في الشرك والبدع والتهاون بالصلاة والزكاة وسائر شعائر الإسلام وأركانه فتصدى لهم الشيخ _ ﵀ _ بالمناصحة والتذكير وأخذ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وأمرهم وأمرهم بتعلم معني لا إله إلا الله وأخبرهم أنها تنفي جميع ما يعبد من دون الله وتثبت العبادة لله وحده دون ما سواه ثم أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول ومعرفة معنى الإسلام وأركانه الخمسة التي بني عليها ومعرفة النبي - محمد صلي الله عليه وسلم _ ومعرفة اسمه ونسبة ومبعثه وهجرته ومعرفة ما دعا إليه من الإسلام الصحيح والتوحيد، فلما ذاقوا طعم الإسلام واستقر في قلوبهم معرفة التوحيد بعد جهلهم به وبعدهم عن معرفته أسرب في قلوبهم محبة الشيخ ومحبة من هاجر إليه في الدرعية فأخذ الشيخ _ رحمة الله _ يكاتب الناس وهو مقيم في الدرعية وعلى الأخص الرؤساء والعلماء يوضح لهم معني الإسلام وحقيقة التوحيد ويحضهم على أتباع شرع الله وسنة رسوله ﷺ ويأمرهم بنبذ البدع والإشراك والإقلاع عن أخذ الرشا وأكل السحت وأخذ يزيل ما وقع في نفوسهم وقام بها من الشبهات وذلك عن طريق المراسلات والمكاتبات، فمنهم من قبل من الشيخ ودان له بدعوة الإسلام الصحيح والدين فثاب إلي الرشد وهجر البدع وتخلى عن عبادة الأوثان والأصنام ومنهم من استكبر وأبى وألب وعادى وأفتى بحل دم الشيخ ودم إخوانه الموحدين وأنصاره ووجوب غزوهم في أرضهم وعقر دارهم.
الجهاد:
فعند ذلك أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالجهاد دفاعا عن النفس والأهل والمال وردا لعادية الشرك وطغيان الضلال فحينئذ شمر الإمام محمد بن سعود
стр. 18
ابن محمد بن مقرن عن ساعد الجد ولبي نداء الواجب واستجاب الداعي الجهاد فحمل علم الإسلام ورفع راية التوحيد فأخذ يغزو أنصار الشرك ويجاهد أحزاب الضلال إحدى وعشرين سنة فما ضعف ولا استكان فأعز الله به الدين وأظهر به دعوة الإسلام والتوحيد فأبصر أهل نجد طريق الخير ولرشد ورجعوا عن الغي ودخلوا في دين الله أفواجا فأصبحوا بفضل الله ثم بفضل هذا الدعوة والجهاد المقدس بعد أن كانوا أحزابا متفرقين وأعداء متقاطعين إخوانا متآلفين تجمعهم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله تحت راية الإسلام الصحيح ولواء التوحيد المطهر فصاروا بعد ذلك مضرب المثل في الوفاء والاستقامة والدين وبعد ذلك أستأثر الله ب الإمام المجاهد العظيم محمد بن سعود بن محمد بن مقرن فتوفاه سنة ألف ومائة وتسع وسبعين من الهجرة فقام بعده في الإمامة وخلفه في مؤزرة الشيخ محمد ومناصرته ابنه الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود فسار سير والده في الدفاع عن الإسلام وحماية الدعوة ومتابعة الجهاد والغزو، ففتح الله عليه الرياض وخرج منه ابن دواس هاربا خائفا لا يلوى على أحد فدخله الإمام عبد العزيز واستولى عليه رحمة الله وملكة وذلك سنة ألف ومائة وسبع وثمانين من الهجرة، وبعد هذا الفتح دانت له نجد كلها واتسع ملكه إلي ما ورائها فملك الأحساء والقطيف والزبارة١ وملك تهامة وما يليها من اليمن والحجار ما عدا الحرمين الشريفين، فأقام العدل رحمة الله تعالى في ربوع هذه الولايات كلها وأقر الأمن فيها ورجع بأهلها إلي الإسلام الصحيح الذي يأمر بعبودية الله وحده وينهي نهيا باتا عن اتخاذ الوسائط والشفعاء وبعد مضي سبع وعشرين سنة من ولاية الإمام عبد العزيز ابن الإمام محمد بن سعود توفى الله المصلح الإسلام العظيم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذلك سنة ألف ومائتين وست من الهجرة عن واحد وتسعين عاما قضاها في تحصيل العلم ونشره والقيام بدعوة الإسلام الصحيح والتوحيد، فقد أخذ عنه _ رحمة الله _
стр. 19
العلم عدد كثير نذكر في هذه الترجمة المختصرة بعض أعيانهم وهم أبناؤه الأربعة الشيخ عبد الله والشيخ حسين والشيخ علي والشيخ إبراهيم وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين والشيخ عبد الرحمن بن نامي والشيخ عبد الرحمن بن خميس الفرضي والشيخ عبد العزيز "أبا" حسين الوهيبي التميمي والشيخ حسن بن عيدان والشيخ عبد العزيز بن سو يلم والشيخ حمد بن راشد العريني والشيخ محمد بن سلطان العوسجي، وأخذ عنه غير هؤلاء خلق كثير تولوا مناصب القضاء والإفتاء والتدريس وقاموا بواجب العلم ونشر دعوة الإسلام والتوحيد في زمنهم _ ﵀.
وقد ألف الشيخ محمد _ ﵀ _ مؤلفات كثيرة مفيدة منها: كتاب التوحيد وكتاب كشف الشبهات ومفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد وكتاب الكبائر وكتاب أصول الإيمان وفضائل الإسلام وكتاب أحاديث الفتن ومختصر السيرة النبوية ومختصر زاد المعاد ومختصر الإنصاف والشرح الكبير ومسائل الجاهلية١ ومجموع الحديث رتبة ورحمه الله على أبواب الفقه وكتاب آداب المشي إلي الصلاة واستنباط القرآن وكتاب نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين وكتب _ رحمة الله _ رسائل كثيرة في تقرير التوحيد وتوضيحه تبلغ مجلدا كبيرا أورد البعض منها الشيخ حسين بن غنام في تأريخه هذا وقد رثاه الشيخ حسين بن غنام بقصيدة مؤثرة تبلغ أبياتها زهاء تسعة وثلاثين بيتا ومطلعها:
إلي الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمين مفزع
وكذلك الإمام محمد بن علي الشوكاني لما بلغه نعي الشيخ رثاه بقصيدة طويلة تبلغ أبياتها زهاء مائة بيت ومطلعها:
مصاب دهي قلبي فأذكي غلائلي ... وأصمي بسهم الافتجاع مقاتلي
стр. 20
وكان الشيخ _ ﵀ _ متعبدا يحيي غالب الليل صلاة قراءة وتهجدا وكان _ ﵀ _ مع هذا متعففا متورعا لا يأكل من بيت المال إلا بالمعروف، وبيت المال في يده ورهن تصرفه، وكان سخيا جوادا توفي _ رحمة الله _ ولم يخلف شيئا من المال ولا العقار غير دارة التي كان يسكنها في حياته ﵀ بل كان عليه دين كثير أقترضه في إنفاقه على الغرباء والمعوزين من أهل العلم وغيرهم وقد أوفى الله عنه هذا الدين. وقد أنجب الشيخ رحمه الله تعالى ستة أبناء علماء فضلاء هم المشايخ على وحسين وعبد الله وحسن وإبراهيم وعبد العزيز رحم الله الشيخ ورضي عنه وأرضاه وجعل جنة الخلد منزله ومأواه.
وقد بارك الله في ذريته فبلغوا عددا كثيرا وهذه الذرية الكثيرة المباركة جميعهم من أبناء الشيخ الأربعة وهم الشيخ علي والشيخ حسين والشيخ عبد الله والشيخ حسن، وأما الشيخ إبراهيم والشيخ عبد العزيز أبنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب فليس لهما ذرية ولا عقب، فآل الشيخ الموجودون اليوم منحدر ون عن أبناء١ الشيخ محمد الأربعة الذين ذكرناهم آنفا رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبارك في ذريته وأحفاده وجعلهم قادة خير وهذى وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 21
الشيخ حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
هو الشيخ العالم الجليل حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ولد بمدينة الدرعية ونشأ بها وقرأ العلم على والده الشيخ محمد بن عبد الوهاب. تولى القضاء في بلدة الدرعية زمن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكان يصلي بالناس الجمعة في مسجد جامع الدرعية الكبير الواقع في محلة الطريف تحت منازل آل سعود في الجهة الغربية، ويصلي بالناس الفروض الخمسة في مسجد البجيري، وكان جهوري الصوت كفيف البصر. "وقد ورد له ذكر في كتاب لمع الشهاب".
أخذ عنه العلم جماعة منهم أبناه الشيخ على بن حسين والشيخ عبد الرحمن بن حسين والشيخ أحمد الوهيبي والشيخ سعيد بن حجي، توفي _ ﵀ _ في شهر ربيع الآخر سنة ١٢٢٤ هـ في وباء أصاب الدرعية. وخلف خمسة أبناء هم الشيخ على بن الشيخ حسين، والشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسين، والشيخ حمد ابن الشيخ حسين، والشيخ عبد الملك ابن الشيخ حسين وحسن ابن الشيخ حسين، وأحفاده يعرفون اليوم على انفراد هم بآل حسين نسبة إلي جدهم المترجم الشيخ حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏ وغفر لهم وبارك في أحفادهم وذريتهم إنه سميع مجيب.
стр. 22
الشيخ سليمان ابن الشيخ عبد الله
هو العالم النحرير، والعلامة الذكي الشهير، الفقيه المحدث الأصولي، الشيخ سليمان ابن الشيخ العلامة عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ولد هذا العالم المتبحر الفقيه سنة ألف ومائتين من الهجرة في بلدة الدرعية، وكانت الدرعية ذلك اليوم في أيام سعدها، وأوج عزها زاخرة بالعلماء الكبار، والجهابذة الحفاظ، من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الوافدين على الدرعية والمقيمين بها من العلماء الإعلام، فنشأ هذا العالم في هذا الوسط العلمي فقرأ القرآن حتى حفظه، ثم أقبل برغبته الشديدة على العلم والطلب، فقرأ على أبيه الشيخ عبد الله، وعلى الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، وعلى الشيخ عبد الله فاضل من علماء الدرعية، وعلى الشيخ محمد بن علي بن غريب. وأخذ علم الفرائض عن الشيخ عبد الرحمن بن خميس.
وكان _ رحمة الله _ نادرة في العلم والحفظ والذكاء له المعرفة المتناهية بالحديث، ورجاله وحسنه وضعيفة، يسامي في ذلك أكابر المتقدمين من الحفاظ والمحدثين، عالم بالتفسير وفقه والأصول والنحو، حسن الخط، ليس في زمنه من يخط بالقلم مثله بنجد، وقد تصدى للتدريس١ بالدرعية.
стр. 23
مع وجود والده وأعمامه فأخذ عنه العلم خلق كثير من أهل نجد وغيرهم من الوافدين على الدرعية، في ذلك الحين، ولكن مع الأسف لم يقدر لي الإطلاع على أسمائهم وقد ذكر المؤرخ الشهير عثمان بن عبد الله بن بشر في صحيفة ١٨٣ من الجزء الأول من تاريخه عنوان المجد. أن الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ابن سعود، أرسل المترجم له الشيخ سليمان قاضيا لمكة بالمشاركة مع قضاتها السابقين، الذين أقرهم الإمام سعود بن عبد العزيز على قضاء مكة، بعد ما استولى عليها وذكر ابن بشر: أن الشيخ سليمان أقام مدة يقضي بمكة ثم رجع إلي الدرعية.
وقد ألف _ ﵀ _ مؤلفات نافعة الجليلة تدل على تضلعه رسوخ قدمه في العلم، منها: "تسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" لجده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهذا الشرح من الله بطبعه ونشره بعد ما كان مخطوطا لا يرى إلا نادرا، وألف الشيخ الدلائل في عدم موالاة أهل الإشراك ورسالة في بيان عدد الجمعة، وحيدة في بابها، لم ينسج أحد على منوالها. وحاشية على المقنع في الفقه لموفق الدين محمد بن عبد الله بن قدامة المقدسي تقع في ثلاث مجلدات ضخام، وقد طبعت هذه الحاشية على نفقة صاحب السمو الشيخ علي ابن الشيخ عبد الله قاسم آل ثاني حاكم قطر سابقا. وألف كتابا سماه "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق "١ رد به على عبد الله أفندي الراوي خطيب مسجد سليمان باشا، وله غير ذلك رسائل كثيرة طبعت مفرقة في مجا ميع الرسائل والمسائل النجدية التي طبعت بمطبعة المنار بمصر أولا، وثانيا بمطبعة أم القرى.
стр. 24
وكان _ ﵀ _ مع ما ذكرنا عنه من الفضل والعلم، شديد الغيرة على حرمات الإسلام والدين، أمارا بالمعروف نهاءا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد أكرمه الله تعالى بالشهادة سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين من الهجرة، وذلك عندما وشى به بعض المنافقين، إلي إبراهيم بن محمد علي باشا، عندما إ ستولى على مدينة الدرعية سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين، فأحضره إبراهيم باشا، وتكلم عليه وأنبه تأنيا شديدا، وأحضر آلات اللهو والمنكر١ بين يديه إغاظة له، ثم أخرجه إلي المقبرة وأمر الجند أن يطلقوا عليه رصاص بنادقهم دفعة واحدة، فأطلقوه عليه فمزق جسمه وفاضت ٢ روحه إلي ربه تشكو الظلم، فنعوذ بالله من هذه الوحشية، والقسوة المجردة عن الإنسانية والرحمة.
ونسأل الله أن يتغمد ذلك الشيخ الصابر المجاهد بالرحمة والغفران، وأن يجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وصلي الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 25
الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
هو الإمام العلامة الأوحد، الثقة الثبت, التقي الورع المجاهد المحتسب, ذو الهمة العالية والشجاعة المتناهبة, الذي خلف والده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مؤازرة الإمام١ عبد العزيز بن محمد بن سعود، وخلفه في بث العلم والقيام بدعوة التوحيد ونشرها، والدفاع عنها بالقلم واللسان، والحجة والبيان، عالم نجد بعد أبيه ومفتيها، من له الفتاوى السديدة والأجوبة العديدة، والردود العظيمة من ضربت إليه أكباد الإبل من سائر بلدان نجد وتوالت عليه الأسئلة من جميع قرى نجد ومدنها الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
ولد هذا العالم الكبير في الدعية سنة ١١٦٥ هـ ونشأ بها في كنف والده نشأة دينية صالحة، وقرأ القرآن حتى حفظة ثم شرع في القراءة على والده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فتفقه في المذاهب الإسلامية، ومهر في علمي الفروع والأصول، وكان مع هذا عالما بارزا في علم التفسير والعقائد وأصول الدين، عارفا بالحديث ومعانيه، وبالفقه وأصوله وعلم النحو واللغة.
стр. 26
وله اليد الطولي في جميع العلوم والفنون، كرس جهده وأوقف حياته على تحصيل العلم وتعليمه ونشره تدريسا وتأليفا، فأخذ عنه العلم خلق كثير من فطاحلة علماء تجد وجهابذتهم، نذكر منهم في هذه الترجمة الموجزة أبناءه الثلاثة: الشيخ الإمام سليمان والشيخ عبد الرحمن والشيخ علي، وابن أخيه الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن الوهاب والشيخ علي ابن أخيه الشيخ حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن الوهاب، والشيخ محمد بن سلطان والشيخ عثمان بن عبد الجبار بن شبانة، والقاضي عبد العزيز بن حمد بن إبراهيم الوهيبي التميمي، والشيخ أحمد الوهيبي نزيل الأحساء، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر صاحب منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب، والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ جمعان بن ناصر، ومسفر بن عبد الرحمن بن جعيلان نزيل فرية العرين من عسير بوادي أبها١ والشيخ إبراهيم بن سيف ومحمد بن الشيخ عبد الله بن أحمد بن عبد القادر الأحسائي.
وكان إلي جانب قيامه بتعليم العلم وبثه ونشر مذهب السلف ودعوة التوحيد والإسلام، مرجع قضاة المملكة السعودية في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وابنه الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله، فكان في ذلك الوقت بمثابة رئيس قضاة ومفت وقد ألف مؤلفات كثيرة، منها جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية، رد به _ ﵀ _ على بعض علماء الزيدية فيما أعترض على دعوة التوحيد السلفية، وألف مختصر السيرة النبوية في مجلد ضخم، والكلمات النافعة في المكفرات والواقعة، طبعت مرارا، وآخرها بالمطبعة السلفية بمصر، وألف منسكا صغيرا للحج، وكتب رسائل وفتاوى كثيرة، لو أفردت على حدة وجمعت لبلغت مجلدا ضخما كبيرا، ولكنها.
стр. 27
طبعت مفرقة في مجاميع الرسائل والنجدية التي طبعت سابقا بمصر وأخيرا بمطبعة أم القرى وكلا الطبعتين المذكورتين الملك المغفور له عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود _ ﵀ _ تعالى.
وكان له دروس خاصة يحضرها الإمام سعود عبد العزيز وابنه الإمام عبد الله بن سعود في الدرعية، وقد صحب الأمير١ سعود بن الإمام عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود، بن محمد بن مقرن في دخوله مكة المكرمة في حياة والده الإمام عبد العزيز _ ﵀ _ وذلك في يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام ١٢١٨ سنة ألف ومائتين وثماني عشرة من الهجرة.
وكتب حال دخوله مكة المكرمة مع الأمير سعود رسالة وإجابة منه لمن سأله عما يعتقدونه ويدينون الله به، ونحن نوردها بكاملها في هذا الموضع من الترجمة لعظيم فائدتها ولاشتمالها على معاني دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودحضها كذب أعداء الإسلام ودعاة الأباطيل من أنصار الشرك وأعداء التوحيد.
قال_ ﵀ _ ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد٢ لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين..
стр. 28
أما بعد فإنا معاشر غزو الموحدين لما من الله علينا _ وله الحمد _ بدخول مكة المشرفة، نصف النهار يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام سنة ١٣١٨ هـ بعد أن طالب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود حماه الله الأمان. وقد كانوا تواطؤا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله والإقامة في الحرم، لصدروه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة له، وبذل حينئذ الأمير الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا شعارنا التلبية آمنين محلقين رؤوسنا مقصرين غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين، ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا شجرا ولم ينفروا به صيدا ولم يريقوا دما الأدم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام، على الوجه المشروع، ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير _ عافاه الله _ على العلماء ما نطلب من الناس ويدعوهم إليه، وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها تحقيق معني الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلي ذلك التوحيد، وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المكر الذي لم يبق عندهم إلا اسم، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لاسيما العلماء ويقرر لهم حال اجتماعهم _ وحال انفرادهم _ لدينا ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال.
стр. 29
اجتماعهم، بأنا قابلون ما أوضحوا برهانه من برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح كالحلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم، لقوله ﷺ : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وعن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم، إلي آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ : "خير كم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وعرفناهم أنا دائر ون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا فلم ينقموا علينا أمرا.
فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات أن بقي لديهم شبهة فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين، فرددها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه وحلفوا لنا الإيمان المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وحزم ضمائرهم، انه لم ببق لديهم شك فيمن قال: يا رسول الله. أو قال: يا ابن عباس. أو عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طاليا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا بقدر عليه إلا الله ، من شفاء المريض والنصر على العدو، والحفظ من المكروه ونحو ذلك، انه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله وان كان يعقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، متشفعا بهم ومتقربا لهم بقضاء حاجته من الله، بسرهم وبشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأن ما وضح من البناء على قبور الصالحين صار في هذه الأزمان أصناما تقصد الطلب الحاجات ويتضرع عيدها ويهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية الأولى.
وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القلعي وحسين المغربي وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع ودفع الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق
стр. 30
في البقعة المطهرة طاغوت يعبد فالحمد لله ذلك، ثم رفعت المكوس١ وكسرت آلات التنباك ونودي بتحريمه، وأحرقت أما كن الحشاشين والمشهورين بالفجور ونودي بالمواظبة على الصلاة في الجماعة، وعدم التفرق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة على أمام واحد، يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم.
واجتمعت الكلمة حينئذ وعبد الله وحده وحصلت الألفة وسقطت الكلفة وأمر٢ عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد ﵀ في التوحيد المتضمنة للبراهين وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات، والأحاديث المتواترة مما يثلج الصدور، واقتصر من ذلك على رسالة مختصرة للعوام تنشر في مجالسهم وبدرس في محافلهم ويبين لهم العلماء معانيها ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة ويتضح لهم الشرك، فينفروا عنه وهم على بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غاب ما صار، حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له فأخبر ناه بان مذهبنا في أصول الذين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي أنا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل علمها إلي الله مع اعتقاد حقائقها.
стр. 31
فان مالكا وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالي، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد. فان العبد لا يقدر على خلق أفعاله بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب عدلا لا يجب على الله لعبده شيء، وانه يراه المؤمنون في الآخرة بلا كيف ولا إحاطة.
ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة١ دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والأمامية ونحوهم. لا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا نجبرهم على تقليد أحد منا يدعيها، إلا أنا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه, وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كامام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال ولا جلوس بين السجدتين لوضوح ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض ولا مناقضة لعدم الاجتهاد.
وقد سبق جمع العلماء انه لا يمكن الوثوق المذاهب الأربعة باختيارات لهم في بعض ولا المسائل، مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه، أنا نستعين على فهم كتاب
стр. 32
الله بالتفاسير المتداولة، ومن أجلها لدينا تفسير بن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث خصوصا الأمهات الست وشروحها. ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا، وقواعد وسير ونحو وصرف، وجميع علوم الأمة ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين "١" وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق فإنه قد حرمه جمع من العلماء على أنا لا نفحص عن مثل ذلك وكالدلائل "٢" إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا اتلف عليه، وما اتفق لبعض البدو من إتلاف كتب بعض أهل الطائف، إنما صدر عن بعض الجهلة، وقد زجروا وغيرهم عن مثل ذلك، ومما نحن عليه، أنا لا نرى سبي العرب ولم نفعله ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان وغير المقاتلة.
وأما يكذب علينا سترا للحق وتلبيسا على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق إفهامنا من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ وأنا نضع من رتبة نبينا ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره. وعصا أحدنا أنفع له منه وليس شفاعة وزيارته غير مندوبة وأنه كان لا يعرف معنى لا إله الله حتى نزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مع كون الآية مدنية.
وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء فنتلف مؤلفات أهل الذاهب، لكون فيها.
стр. 33
الحق والباطل، وأنا مجسمة وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة الأ من هو على ما نحن عليه, ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه، أنه كان مشركا وأن أبوية ماتا على الشرك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا، وان من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون، وأنا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراف زوجته الشابة، لتنكح شابا إذا ترافعوا إلينا فلا وجه لذلك.
فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر "١" أولا: كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ فمن روي عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
فأنا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدا تجميع أنواع العبادة، والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب وانه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته ﷺ إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد"٢" والصلاة فيه،
стр. 34
وإذا قصد مع الزيارة فلا بأس.
ومن أنفق نفيس أوقاته بالصلاة عليه، ﵊ الواردة عنه فاز بسعادة الدارين، وكفي همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه، ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات ن بل يطلب من يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه" الحديث. وأمر ﷺ عمر وعليا بسؤال الاستغفار والدعاء له ففعلا.
وتثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا، ونسألها من المالك لها، والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعا إلي الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمد ﷺ فينا يوم القيامة، أو اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لأمتهم، فلا يقال: يا رسول الله، أو: يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها. كأدركني، أو غشني، أو اشفني أو انصرني على عدوي، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح على ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف، أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله صلى عليه وسلم.
فان قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟
قلت: ننظر إلي حال المقسم أن قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو اشد، كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه أي
стр. 35
معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبا أو شاكا، وإذا استحلف بالله فقط رصي فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعا، وإن لم يقصد الحالف التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهدا ليس بشرك اكبر فينهي عنه ويؤمر صاحبه بالاستغفار من تلك الهفوة.
أما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه بينك محمد صلي الله عليه وسلم، أو تحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهدا من أقسام البدعة المذمومة ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند الأذان.
وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على الدرعية في مثل ذلك, وعن جواز نكاح الفاطمية بغير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب محبتهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك كالجلوس في صدر المجالس والبداية بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلي موضع التكريم ونحو ذلك إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن، أو العلم وما أعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم، على من هو أمثل منه، حتى انه إذا لم يقبل يده كل ما صافحه عاتبه وضارمه، أو ضاربه أو خاصمه، فهذا مما لم يرد به نص ولا دل عليه دليل، بل منكر يجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لشيخة علم، أو في بعض أو قات أو لطول غيبة، فلا بأس به إلا أنه لما ألف من الجاهلية الأخرى: أن التقبيل صار علما لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم نهينا عنه مطلقا، لاسيما لمن ذكر حسما الذرائع الشرك ما أمكن، وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة وقبة المولد وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسما لتلك المادة، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن، لقبح شأنه، وأنه لا يغفر، وهو
стр. 36
أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق وإما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق لقوله تعالى ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية. وأما نكاح الفاطمية بغير الفاطمي فجائز إجماعا بل ولا كراهة في ذلك، وقد زوج على عمر بن الخطاب وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بيت الحسين بن علي بأربعة ليس فيهم فاطمي بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار إلا أنالا نجير أحدا على تزويج موليته ما له تطلب هي أو تمتنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض.
فما أعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر وطلب التعظيم، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير كما ورد، بل يجوز الإنكار لغير الكفء وقد تزوج زيد _ وهو من الموالي _ زينب أم المؤمنين وهي قرشية، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب. انتهى.
فان قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال: يا رسول الله، أسألك الشفاعة، أنه مشرك مهدر الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة، ولاسيما المتأخرين ولتصريح علمائهم المعتبرين، أن ذلك مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك.
قلت: لا يلزم ذلك لان لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة وان قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك، ونحن نقول فمن مات ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا كأغلب من نجاهدهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات.
وغير الغالب إنما نجاهد هـ لنصرته لمن هذه حاله ورضاه به ولتكثيره سواد من ذكر والتغليب معه فله حينئذ حكمه في حل جهاده.
стр. 37
وتعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك ممنوع قطعا ومن شن الغارة فقد غلط، ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه كمثل عمر بن الخطاب ﵁ فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك في سيرته بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا ﷺ بين أظهرهم، سار فيهم نوره فقالوا: أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فان قلت: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة وأطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرا على ذلك حتى مات.
قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول أنه كافر ولا كما تعدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمان المؤلفين المذكورتين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن أطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه، لم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك إلا من شاء الله منهم.
هذا وقد رأى معاوية وأصحابه ﵃، منابذة أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله منهم عنه، بل وقتاله ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا، بل ولا تفسيقه بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وإن كانوا مخطئين، كما ذلك مشهور عند أهل السنة.
ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده، وحسنت سير ته وبلغ من نصحه للأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وان كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي فانا نعرف كلامه في "الدر المنظم" ولا ننكر سعة علمه، ولهذا
стр. 38
نعتني بكتبه "كشرح الأربعين "و "الزواجر "وغيرهما، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين.
هذا ما نحن عليه مخاطبين به له عقل أو علم، وهو متصف بالإنصاف، خال من الميل إلي التعصب والاعتساف، ينظر إلي ما يقال لا إلي من قال، وأما من شانه لزوم مألوفه وعادته، سواء كان حقا أو غير حق ن فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال، لا الرجال بالحق، لا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصح معوجه، وجنود التوحيد بحمد الله ومنصورة وراياتهم بالسعد والإقبال مشهورة ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
هذا ومما نحن عليه أن البدعة _ وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة _ مذمومة مطلقا خلافا لمن قال حسنة وقبيحة، ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا أن أمكن الجمع بأن بقال: الحسنة ما عليه السلف الصالح، شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة، ويكون تسميتها بدعة مجازا، والقبيحة: ما عدا ذلك شاملة للمحرمة، والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع فمن البدع المذمومة التي ننهي عنها رفع الصوت في موضع الأذان بغير الأذان سواء كانت آية أو صلاة على النبي ﷺ ، أو ذكرا أو غير ذلك بعد أذان أو في ليلة جمعة أو رمضان أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب انه بدعة.
ومنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة، فقد صرح شارح الجامع الصغير انه بدعة
стр. 39
ومنها: الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف اعتقادا انه قربة مطلوبة، دون علم السير، فان ذلك لم يرد.
ومنها: اتخاذ المسابح، فآنا ننهى عن التظاهر باتخاذها.
ومنها: الاجتماع على راتب المشايخ ورفع الصوت وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما، بل قد يستمل ما ذكر على شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فان سلموا من أرشدوا إلي أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة، فان أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعا، وأما أحزاب العلماء المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها والمواظبة عليها، فان الأذكار والصلاة على النبي ﷺ والاستغفار وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شاعا، والمعتني بها مأجور فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا لكن على الوجه المشروع من دون تقطيع ولا تغيير ولا تحريف ن وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وقد ذكره النووي في جمعه كتاب الأذكار، فعلى الحريص على ذلك به ففيه الكفاية للموفق.
ومنها: ما أعتيد في بعض البلاد من قراءة مولد النبي ﷺ بقصائد بالحان، وتخلط بالصلاة عليه، وبالأذكار والقراءة ويكون بعد الصلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك وأما صلاة التراويح فسنة لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
ومنها: ما أعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعا، فيزجرون من ذلك أشد الزجر.
ومنها: رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت وعند رش القبر بالماء وغير ذلك، مما لم يرد عمن سلف، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابا
стр. 40
نفيسا سماه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"واختصره أبو شامة المغربي، فعلي المعتني بدينه بتحصيله، وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينا وقربة، وأما ما لا يتخذ دينا ولا قربة، كالقهوة وإنشاد قصائد الغزل ومدح الملوك، فلا ننهى عنه ما لم يختلط بغيره، أما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة، لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقال قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر، ويحل كل لعب مباح لأن النبي ﷺ ، أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد، في مسجده ﷺ ، ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة فيه، كطبل الحرب دون آلات الملاهي، فإنها محرمة، والفرق ظاهر ولا بأس بدف العرس وقد قال ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة، ليعلم يهود أن في ديننا فسحة"
هذا، وعندنا أن الإمام ابن القيم إماما حق من أهل السنة وكتبهم عبدنا من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا محمدا ﷺ ، ومعلوم مخالفتنا لابن القيم وشيخه في عدة مسائل. منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فأنا نقول به تبعا للأئمة الأربعة، ونرى الوقف صحيحا والنذر جائزا ويجب الوفاء به في غير المعصية ومن البدع المنهي عنها قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم، على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلي الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فان الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي ﷺ منه بقوله: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم أنك أنت علام الغيوم" وينبغي المحافظة على هذه الكلمات والتحرز من الشرك ما أمكن فان عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنما تنقض عرى الإسلام