← Сира

Сира · id 11576

مصادر السيرة النبوية

ضيف الله الزهراني

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ . أما بعد: فلرسول الله ﷺ حق علينا باتباع سنته وهديه وإحياء سيرته العطرة التي هي لنا أسوة حسنة، فإحياء سيرته والعناية بها يجعلنا أكثر تقديراً لحقه علينا، فالله سجل الكثير من مشاهد السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية، ثم إن سنته وسيرته ﷺ كانت توضيحاً لبعض ما ورد في القرآن، لذلك فالعلاقة وثيقة جداً بين القرآن وسيرته ﷺ ، ولاسيما إذا علمنا أن السيرة هي عهد النبوة والرسالة. وتأتي كتابة السيرة النبوية في الأهمية بعد كتابة السنة النبوية أي الحديث النبوي، ولعل أول من بدأ بالكتابة لحياة الرسول الكريم ﷺ هو عروة بن الزبير (ت٩٢ هـ) ، ثم أبان بن عثمان بن عفان (ت١٠٥هـ) ، ثم وهب بن منبه (ت١١٠هـ) ، ثم شرحبيل بن سعد (ت١٢٣هـ) . ثم ابن شهاب الزهري (١٢٤هـ) . ثم بعد ذلك تنامى الاهتمام بكتابة السيرة النبوية إلى درجة الإتقان والوضوح والشمول وكان على رأس ذلك الجيل الفقيه محمد بن إسحاق (ت١٥٢هـ) ؛ لذلك يعد ابن إسحاق من أوثق من كتب في سيرة المصطفى ﷺ ، وقد ضاع قسم كبير من كتابه، إلا أن ابن هشام (ت٢١٨هـ) قدَّم لنا عملاً جليلاً بروايته للسيرة من خلال كتاب (المغازي) لابن إسحاق، فقدمها لنا مشروحةً ومهذبة ومنقحة، وهي السيرة المعروفة بسيرة ابن هشام.

стр. 2

ومن هذا المنطلق جاء هذا البحث الذي بين أيدينا بعنوان >، إذ اشتملت هذه الدراسة على عدة محاور نذكر منها: أن الدراسة ركزت على المصادر الأساسية للسيرة وقسمتها إلى قسمين كبيرين، فكان القسم الأول عن المصادر الأساسية (المباشرة) . ثم مرحلة التأليف المباشر في السيرة النبوية، وقد اشتمل هذا البحث على دراسة تتبعية مختصرة لبعض مصادر السيرة النبوية عبر القرون الإسلامية، واشتمل أيضاً على دراسة مختصرة عن حياة المؤلف ثم عرض موجز عن مكونات كتابه، ثم دراسة نقدية مختصرة لبعض إيجابيات ذلك الكتاب وسلبياته، وقد عرضت الدراسة في هذا البحث مجموعة مختارة من مصادر السيرة النبوية. أما مرحلة التأليف غير المباشر أو الثانوي، فقد عرضت الدراسة لمحة سريعة ومعلومات مفيدة ومهمة عن السيرة النبوية. أما القسم الثاني من هذه الدراسة فقد خصص للدراسات التكميلية التي تناولت السيرة النبوية، مثل: كتب الأدب نثراً وشعراً، وكتب الرحلات، وكتب الجغرافيا التاريخية، وبعض المصنفات الأخرى. وفي هذا البحث حسبنا أننا ساهمنا بجزء بسيط عن أهم مرحلة تاريخية في حياتنا وهي مرحلة التأليف في السيرة النبوية، والله الموفق.

стр. 3

مصادر السيرة النبوية أقسام مصادر السيرة النبوية: تنقسم مصادر السيرة النبوية إلى قسمين كبيرين هما: القسم الأول: مصادر أصلية، وتتمثل فيما يلي: (أ) القرآن الكريم. (ب) كتب الحديث النبوي. (ج) كتب السيرة المختصة. (د) كتب الشمائل والدلائل. القسم الثاني: مصادر تكميلية، وتتمثل فيما يلي: كتب التراجم، والرجال، والأنساب، وكتب الفقه، ودواوين الأدب وغيرها مما يورد عرضاً حديثاً عن سيرة الرسول ﷺ . وإذا ما أردنا الحديث عن هذه المصادر جميعها، فإن الأمر يصعب حصره في كتابة بحث أو مقالة مختصرة.

стр. 4

القسم الأول: مصادر أصلية القرآن الكريم ... مصادر السيرة النبوية "دراسة تحليلية نقدية لبعض مصادر السيرة النبوية" الدكتور: ضيف الله بن يحيى الزهراني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الأول: المصادر الأصلية القرآن الكريم يعرَّف القرآن الكريم بأنه هو كلام الله المنزل على نبيه ﷺ عن طريق الوحي (١) ، وهذا القرآن، عني " بالنبوة والرسالات والرسل، والذين يقرؤونه قراءة فهم وتدبر، وبحث متعمق في معانيه، وحقائقه الكونية، وعقائده، وتشريعاته، ونظمه الاجتماعية، وأخلاقياته.... فلا تكتمل حقيقة إيمان مؤمن، إلا بمعرفة النبوة والإيمان بها، وتقديرها حق قدرها" (٢) . وقد تعددت صور حياة الأنبياء في كثير من سور القرآن الكريم، وقد يمتد الحديث إلى الرسل والرسالات، وقد يطول وقد يقصر حسب مقتضيات الأحداث. "والقرآن الكريم، وهو كتاب هداية وعبرة في وزنه للحياة، وتدبيره لحقائقها، يقصد في قصص الأنبياء والرسل فيما يقصد إليه من معان وحقائق إلى تنبيه العقول والأفكار إلى ما وقع في التاريخ البشري من غمط ظالم لأعظم حقائق الحياة" (٣) . وعندما نقول إن القران الكريم يعد مصدرا أصلياً في سيرة الرسول ﷺ فإننا نعني بذلك أن القرآن الكريم "تضمن بيان العقيدة الإسلامية، والشريعة

стр. 5

الإسلامية، وترد فيه آيات الأحكام ذات الأهمية الكبيرة في بيان النظم الإسلامية، ونشأتها، فهي تلقي ضوءاً على التشريعات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، التي عمل بمقتضاها النبي ﷺ في إدارة الدولة الإسلامية الأولى» (١) . وقد ورد في القران الكريم ذكر لبعض غزوات الرسول ﷺ مثل غزوات بدر، وأحد، والخندق، وحنين. ولتأكيد تلك الأحداث يجدر بنا أن نضرب أمثلة من الآيات القرآنية على ورود تلك الغزوات في القرآن الكريم. فقد قال الله تعالى في غزوة بدر الكبرى التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: آية ١٧] . وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران آية: ١٢٣-١٢٦] . وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: آية ١٢]

стр. 6

وقال الله تعالى مصوراً بعض أحداث غزوة أحد التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة النبوية، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: آية ١٥٥] . وقال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: آية ١٥٣] . وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: آية ١٥٤] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: آية ١٦٩] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: آية ١٣٩] . وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: آية ١٤٠] . وقال الله تعالى مصوراً بعض أحداث غزوة الأحزاب التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة النبوية: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب: آية ١٢] . ولقد بينت سورة الأحزاب الموقف المشين للمنافقين في هذه الغزوة المباركة، وقد ذكر الله ذلك في تلك السورة من الآية (١٣ الى٢٠) .

стр. 7

وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: آية ٢٠] . وقد وصف القرآن الكريم حال المسلمين في تلك الغزوة فقال : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: آية١٠-١١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الأحزاب: آية٩] . وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب: آية٢٥] . وقال تعالى مصوراً بعض مشاهد من غزوة حنين التي وقعت في أواخر السنة الثامنة للهجرة النبوية: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة: آية ٢٥] . وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة التوبة آية: ٢٦] . وبعد، فإن القرآن حفل بالكثير من الآيات حول غزوات الرسول ﷺ مثل فتح مكة، وغزوة تبوك وغيرها.

стр. 8

ثم نجد أن القرآن الكريم قد صور حال الرسول ﷺ وما وجده من أذى وتعب في سبيل نشر العقيدة الإسلامية. فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية:٢١٤-٢١٦] . وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: آية: ٩٤-٩٦] . ولقد صور القرآن سيرة الرسول ﷺ منذ بداية الدعوة إلى الله وقد ورد ذلك في سور العلق، والمدثر، والمزمل، والضحى. ولقد توجت هذه الصور الجميلة في القرآن الكريم عن سيرته ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: آية٤] .

стр. 9

كتب الحديث النبوي: كما نعلم أن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وهي التي جمعت أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخلقية، ونظرا للارتباط القوي بين السنة النبوية والسيرة النبوية، فإننا نجد عدداً كبيراً من كتب الأحاديث النبوية اهتمت بسيرة الرسول ﷺ ، "والذين ألفوا في السنة لم تخل كتبهم غالباً من ذكر ما يتعلق بحياة الرسول ﷺ ومغازيه، وخصائصه، ومناقبه ... " (١) .

стр. 10

فلو نظرنا في المصنفات التي ألفت في السنة، والتي أعطت حيزاً كبيراً لسيرة الرسول، لوجدنا أن موطأ الإمام مالك (ت١٧٩هـ) ، يقع على رأس تلك المؤلفات، فقد ذكر طرفاً من أخبار الرسول ﷺ ، وأخبار غزواته وذكر طرفاً من حياته الشخصية. وهناك الصحيحان للبخاري (ت٢٥٦هـ) ومسلم (ت٢٦١هـ) ، فقد ذكرا في صححيهما قدراً كبيراً يتعلق بخصائص الرسول ﷺ ، وفضائله، وحياته قبل البعثة، والجهاد، والغزوات، والسرايا والبعوث وغير ذلك من حياته الشخصية ﷺ . ثم ما ذكرته بقية الكتب الستة في الأحاديث الصحيحة عن سيرة الرسول ﷺ وهي: سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي، وهناك أيضا بعض كتب المسانيد التي أَوْلَتْ سيرة الرسول ﷺ قدراً مهماً من الأحاديث، مثل: مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) ، وسنن الدارمي (ت٢٥٥هـ) . وغير ذلك من المؤلفات التي تخصصت في السنة النبوية الشريفة، إلا أن الأمر الذي يجب التنويه به، "أن مادة السيرة في كتب الحديث موثقة، يجب الاعتماد عليها، وتقديمها على روايات كتب المغازي، والتواريخ العامة، وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث، ونقده سنداً ومتناً، وهذا النقد والتدقيق الذي حظي به الحديث لم تحظ به الكتب التاريخية، ولكن ينبغي التفطن إلى أن كتب الحديث -بحكم عدم تخصصها-؛ لا تورد تفاصيل المغازي، وأحداث السيرة بل تقتصر على بعض ذلك، مما ينضوي تحت شرط المؤلف أو وقعت له روايته، وينبغي إكمال الصورة من كتب السيرة المختصة، وإلا فقد

стр. 11

يؤدي ذلك إلى لبس كبير" (١) .

стр. 12

كتب السيرة المختصة: وهذا القسم من مصادر السيرة النبوية مر بالمراحل التالية: (أ) وهي مرحلة أولية من مراحل الاهتمام بالسيرة النبوية عن طريق الرواية الشفهية، ثم عن طريق التدوين الأولي للسيرة. (ب) وهي مرحلة تالية من مراحل التأليف والتدوين في كتب خاصة، ومختصة بالسيرة النبوية، ومن أجل ذلك لابد أن نقف على كل مرحلة لنرى مدى الاهتمام بسيرة المصطفى ﷺ . القسم الأول: مرحلة اهتمام الصحابة وبعض التابعين بسيرة الرسول ﷺ . لقد عاش صحابة رسول الله ﷺ في كنف الرسول، فتأدبوا بآدابه، وتخلقوا بأخلاقه، وعايشوه في جميع أمور حياته القولية والفعلية، وشاركوه في بعوثه وسراياه، وغزواته، وعرفوا عن قرب منه سيرته الذاتية في أزواجه، وذراريه، ومسكنه، وملبسه، ومأكله، وفراشه، وفي نومه، وفي صلاته وعبادته، ونظافته وكل شؤون حياته، لذلك " فالصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة؛ لأنهم عاشوا أحداثها، وشاركوا فيها، وكانت محبتهم لرسول الله وتعلقهم به، ورغبتهم في اتباعه، وأخذهم بسنته في الأحكام، سبباً في ذيوع أخبار السيرة، ومذكراتهم فيها، وحفظهم لها ... فقد اشتهر عدد من الصحابة باهتمامهم

стр. 13

الكبير بموضوع السيرة " (١) . ونذكر منهم على سبيل المثال (لا الحصر) : ١- عبد الله بن عباس، ﵁، فكان يروي للناس معازي الرسول ﷺ (٢) . ٢- عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁، " الذي كان من أبرز الصحابة اهتماماً بتدوين أحاديث الرسول ﷺ حتى إنه كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله ﷺ " (٣) . ٣- البراء بن عازب، ﵁، فقد أملى في مجلسه العلمي شيئاً كثيراً من مغازي رسول الله ﷺ ، وخاصة فيما يتعلق بالهجرة النبوية، وبعض الغزوات، كغزوة بدر وأحد، والخندق، والحديبية، وفتح مكة، وحنين (٤) . هؤلاء الثلاثة هم الذين ورد ذكرهم من حيث الاهتمام بسيرة الرسول ﷺ وإملاؤها على تلاميذهم، وأتباعهم، والناس كافة، فحفظوا لنا شطرا كبيرا ومهما من أخبار السيرة النبوية. أما جيل التابعين، فقد برز منهم عدد غير قليل في الاهتمام بأحداث السيرة، ونذكر منهم على سبيل المثال (لا الحصر) . ١- عروة بن الزبير (ت ٩٣هـ) ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد اهتم بأخبار السيرة النبوية اهتماماً كبيراً، وكان كثير الحديث، وقد نقل عنه الطبري في كتابه (تاريخ الرسل والملوك) . وابن حجر في كتابه (فتح الباري) .

стр. 14

وقد امتدحه ابن كثير بقوله «كان عروة فقيهاً عالماً حافظاً ثبتاً حجة عالماً بالسير، وهو أول من صنف في المغازي " (١) . ومنهجه في كتابه (المغازي) ، يتمثل فيما يلي: "الاستشهاد بالآيات القرآنية، ويستعمل الأشعار لكن بقلة، ويهتم كثيراً بالأنساب وله عناية بإيراد الوثائق والكتب التي كتبها رسول الله ﷺ كما أنه قليل الاستعمال للأسانيد" (٢) . ٢- عامر بن شراحيل الشعبي (ت١٠٣هـ) . وهو محدث ثقة، ألف كتاب (المغازي) ، وكان يحدث الناس من خلاله وقد مر على مجلسه عبد الله ابن عمر فقال: " قد شهدت القوم فهو أحفظ لها وأعلم بها " (٣) . وكان ينقل أخبار سيرة الرسول ﷺ بكل صدق وأمانة، فقد وصف بأنه محدث ثقة (٤) . ٣- أبان بن عثمان بن عفان، ﵁ (ت١٠٥هـ) . تولى ولاية المدينة المنورة مدة سبع سنوات في خلافة عبد الملك بن مروان وقد اهتم بأخبار غزواته وسراياه وقد أخذ عنه المغيرة بن عبد الرحمن مغازي رسول الله ﷺ ، فكان أبان بن عثمان يعلمها للناس ويأمرهم بتعليمها (٥) . ٤- شرحبيل بن سعد المدني (ت١٢٣هـ) ، وهو محدث، صدوق قال ابن عيينة: "لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه" (٦) ، ولم تصرح

стр. 15

المصادر بأن شرحبيل قد ألف في السيرة ولكنه احتفظ بقوائم فيها أسماء أهل بدر، وأسماء المهاجرين الأوائل (١) . ٥- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت١٢٤هـ) ، وهو من كبار المحدِّثين الذين اهتموا بالمغازي وبسيرة الرسول ﷺ ، وهو ثقة، "وهو أول من استخدم طريقة جمع الأسانيد ليكتمل السياق وتتصل الأحداث دون أن تقطعها الأسانيد" (٢) ، وتعد كتاباته أول كتابات في السيرة (٣) "وهي من أوثق السير وأهمها، ويعتمد عليه ابن إسحاق كثيرا في السيرة" (٤) . ٦- عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري (ت١٢٩هـ) ، تربى في بيت علم وأدب، فجده كان من صحابة رسول الله ﷺ ، ووالده من العلماء الأفذاذ، وهو نقل عن جده ووالده، "فكان راوياً للعلم، وله علم بالمغازي والسير، كان يجلس في مسجد دمشق، ويعلم الناس بالمغازي، وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن إسحاق والواقدي" (٥) . ٧- موسى بن عقبة (ت١٤٠هـ) ، له كتاب في (المغازي) يقع في مجلد مختصر، ويعده العلماء من أصح كتب المغازي (٦) وهو محدث ثقة،

стр. 16

يعد من تلاميذ الزهري، لذلك فقد استفاد منه فائدة كبيرة (١) . ٨- سليمان بن طرخان التيمي (ت١٤٣هـ) ، يعد من علماء الجرح والتعديل، وهو محدث، ثقة من التابعين له كتاب"السيرة الصحيحة" وهو مفقود إلا بعض أجزائه (٢) . ٩- محمد بن إسحاق (ت١٥١هـ) ، أصله فارسي، تربى وتلقى العلم في المدينة المنورة، ويعد من أعلم الناس بالمغازي، "لكن مروياته لاترقى إلى درجة الصحيح، بل الحسن بشرط أن يصرح بالتحديث لأنه مدلس " (٣) ، وقد ذكر أكرم العمري في شأن حجية ابن إسحاق ما ورد عن ابن عدي قوله"وقد فتشت أحاديثه، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعيف، وربما أخطأ، أو وهم، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به" (٤) . وقد ألف ابن إسحاق كتاباً في السيرة النبوية اشتمل على "حياة الرسول ﷺ قبل البعثة، وشيء من أخبار الجاهلية، ثم سيرته ﷺ بعد البعثة حتى الهجرة، ثم حياته في المدينة، ومغازيه، وبعوثه حتى وفاته" (٥) ، وكتابه في السيرة النبوية مفقود، إلا أن ابن هشام قام بتهذيب ذلك الكتاب، محافظاً على النصوص التي أوردها ابن إسحاق.

стр. 17

ومنهج ابن إسحاق يقوم في جملته على"إيراد الأخبار بالأسانيد التي وصلته، وهذه الأسانيد منها الموصول، ومنها المنقطع والمنفصل، في حين أن بعض الأخبار يوردها بدون إسناد، ويظهر هذا على نحو واضح في القسم الأول من السيرة" (١) ، ويمكن الاطلاع على ذلك في كتابه فتجده يقول: حدثني بعض أهل مكة ... إلخ. ولأن الكتاب لازال مفقوداً (٢) فلن نسترسل في الحديث عنه ونكتفي بهذه الإلماحه. وقد أورد أكرم العمري مجموعة من أسماء العلماء والفقهاء الذين كان لهم النصيب الأكبر في إيضاح سيرة الرسول ﷺ وهذه الفئة السابق ذكرها لم نجد لمؤلفاتهم ذكراً إلا من خلال التراجم والسير الخاصة بهم، وهي في غالب الأمر مفقودة، ومن أولئك نذكر ما يلي: ١/ أبو معشر السندي (ت١٧١هـ) ، له كتاب المغازي (٣) . ٢/ عبد الله بن محمد بن أبي بكر المدني (١٧٦هـ) صنف في المغازي (٤) . ٣/ يحيى بن سعيد الأموي (ت١٩٤هـ) صنف في المغازي (٥) . ٤/ الوليد بن مسلم الدمشقي (ت١٩٦هـ) (٦) .

стр. 18

٥/ يونس بن بكير (ت١٩٩هـ) أحد رواة سيرة ابن إسحاق (١) . ٦/ محمد بن عائذ الدمشقي (٢٣٤هـ) ، صنف في المغازي (٢) . ٧/ علي بن محمد المدائني (ت٢٣٥هـ) ، صنف موضوعًا في السيرة (٣) . ٨/ صالح بن إسحاق الجرمي النحوي (ت٢٣٥هـ) له "كتاب في السيرة عجيب" (٤) . ٩/ إسماعيل بن جميع (ت٢٧٧هـ) له كتاب "أخبار النبي ومغازيه وسراياه" (٥) . ١٠/ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (ت٢٤٩هـ) صنف في المغازي (٦) . ١١/ أحمد بن الحارث الخراز (ت٢٥٨هـ) له كتاب "مغازي النبي وسراياه وأزواجه" (٧) . ١٢/ عبد الملك بن محمد الرقاشي (ت٢٧٦هـ) له كتاب "المغازي" (٨) . ١٣/ إبراهيم بن إسماعيل العنبري (ت٢٨٠هـ) له كتاب "المغازي" (٩) .

стр. 19

١٤/ إسماعيل بن إسحاق القاضي (ت٢٨٢هـ) له كتاب "المغازي" (١) . ثم هناك مجموعة أخرى من التابعين وأتباعهم ذكرتهم المصادر في ثنايا المعلومات باهتمامهم بالسيرة وبأخبار الرسول ﷺ ، وهؤلاء لم تصرح المصادر بتأليفهم في السيرة بل أشارت إلى عنايتهم، واهتمامهم بالتحديث بها. ونذكر منهم معتمدين على ما أورده أكرم العمري في ذلك (٢) . ١- عكرمة مولى ابن عباس (ت١٠٧هـ) . ٢- أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي (ت١٢٧هـ) . ٣- يعقوب بن عتبة بن المغيرة (ت١٢٨هـ) . ٤- داود بن الحسين الأموي (ت١٣٥هـ) . ٥- عبد الرحمن بن عبد العزيز الحنيفي (ت١٦٢هـ) . ٦- محمد بن صالح بن دينار (ت١٦٨هـ) . ٧- عبد الله بن جعفر المخرمي المدني (ت١٧٠هـ) . وبذلك نقف على نهاية المرحلة الأولى من مراحل تدوين السيرة والاهتمام بها في عهد الصحابة، والتابعين ومن تبعهم من تلاميذهم وغيرهم، وقد أكدت جل المصادر أن مؤلفات هؤلاء العلماء الذين سبق ذكرهم يعد معظمها أو كلها مفقوداً، إلا ما ندر من بعض الأجزاء الصغيرة، أو الوريقات المبعثرة في بعض كتب من ألف في السيرة أو في كتب التاريخ العام. وهذه المرحلة السابق ذكرها، تميز علماؤها بأمرين هما،: (العدالة، والضبط) ، وهما شرطان عند العلماء لتوثيق الرواة، وإن كانوا قد وثقوا عند

стр. 20

المحدثين رغم دقة شروطهم في التوثيق، ورغم نظرتهم لهم بأنهم محدثون مادتهم الأحاديث، وليسوا إخباريين مادتهم الأخبار، والنقاد يتشددون في مادة الحديث كثيراً، ويتساهلون في قبول الأخبار، فإن هذا التوثيق يعطي كتاباتهم في السيرة قيمة علمية كبيرة. لقد حفظ الله تعالى سيرة نبيه ﷺ من الضياع والتحريف، والمبالغة والتهويل، بأن هيأ لها جهابذة المحدثين ليعنوا بها، ويدونوا أصولها الأولى، قبل أن تتناولها أقلام المؤرخين، والقصاصين. وهذه ميزة لمصادر السيرة لم تتوافر لغيرها من كتب التاريخ والأخبار وتبرز هذه الميزة لكون المحدثين ثقات مأمونين في الرواية، لكونهم علماء لهم مناهج واضحة في نقد الروايات سنداً ومتناً، ولهم أسلوب يتسم بالجدية والبعد عن الحشو والمبالغة (١) حقاً لقد كانت المرحلة الأولى من مراحل الاهتمام بالسيرة النبوية، مرحلة التأسيس العلمي الأصيل لمصادر وأوعية معلومات السيرة النبوية، واتسمت هذه المرحلة بالرواية الشفهية، وبث أخبار السيرة عن طريق التلقي في الكتاتيب أو في المساجد أو في المجالس العلمية. ثم تلت هذه المرحلة مرحلة التأليف المبكر في السيرة، والتي فقدت أغلب مؤلفاتها، ولكن جاءت مرحلة تالية حفظت لنا سيرة الرسول ﷺ . القسم الثاني: مرحلة التأليف في السيرة النبوية، وهذه المرحلة تنقسم إلى قسمين كبيرين ومهمين، هما:

стр. 21

أ - مرحلة التأليف المباشر. ب - مرحلة التأليف غير المباشر، (أو التأليف الثانوي) . وبعون الله وتوفيقه نبدأ بالحديث عن مرحلة التأليف المباشر. أ. مرحلة التأليف المباشر: ونقصد بذلك أن مؤلفات من سنذكرهم وصلت إلينا مباشرة، وكانت مباشرتها في السيرة النبوية، ولم تتناول تلك المؤلفات أي موضوعات أخرى سوى مغازي الرسول ﷺ وأخباره في جميع أمور حياته الخاصة والعامة، وسوف نذكر تلك المؤلفات على النحو التالي مع التأكيد أن السرد القادم ليس حصراً، وإنما هو مجرد أمثلة لواقع التأليف في سيرة الرسول ﷺ : ـ كتاب "المغازي" لمحمد بن عمر الواقدي (ت٢٠٧هـ) . ولد بالمدينة المنورة، وطلب العلم في الحجاز والشام والعراق، وعاش في كنف الدولة العباسية في عصرها الأول، وتولى منصب القضاء في عهد الخليفة هارون الرشيد، وكذا في عهد الخليفة المأمون، كان من العلماء المرموقين، ألف ما يربو على ثلاثين كتاباً في التاريخ والحوادث (١) ، وقد انتقده غير واحد في منهجيته في تأليف كتبه، فقال عنه الذهبي "جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالورد الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم....وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج ... " (٢) .

стр. 22

وقال ابن كثير: "الواقدي عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا؛ فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار" (١) ، وقال عنه ابن سيد الناس، "إن سعة العلم مظنة لكثرة الإغراب، وكثرة الإغراب مظنة للتهمة، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم، فكثرت غرائبه" (٢) . أما كتاب الواقدي في السيرة النبوية فقد أسماه "المغازي" (٣) فهو مصدر أساس في السيرة النبوية، تحدث الواقدي في كتابه هذا عن غزوات الرسول وسراياه، يذكر تاريخ معظم الغزوات والسرايا، واسم قائدها، والوجهة التي ذهبت إليها، وذكر ذلك بقوله في كتابه"فكانت مغازي النبي ﷺ التي غزاها بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، وقاتل في تسع ثم ساقها، وكانت السرايا سبعاً وأربعين سرية" (٤) . أما منهجه في كتابه، فإنه"يذكر أحياناً الأسانيد مجموعة في أول كل غزوة أو سرية، وأحياناً لا يذكرها اعتماداً على ما ذكره في أول الكتاب، ويكتفي بقوله: قالوا" (٥) ، ومن منهجه أيضاً عنايته واهتمامه"بالضبط التاريخي للوقائع والغزوات، كما أنه يعتني بذكر الرجال الذين لهم إسهامات معينة في الغزوة من إنفاق وبذل، أو مشورة ورأي، أو موقف بطولي، ويذكر الأسرى، والشهداء من المسلمين، والقتلى من الكفار ويرتبهم حسب

стр. 23

قبائلهم" (١) ، وقد انفرد الواقدي عن ابن إسحاق الذي سبق في التأليف في المغازي، بروايات في وصف سير المعارك العسكرية، وفي وصف السرايا، وبعض الحوادث الجانبية (٢) . وكذلك خالف الواقدي ابن إسحاق في الابتعاد عن طريقة المحدثين، وعدم الالتزام بالأسانيد، وألفاظ الرواة، وساق المغازي في نسق واحد مترابط الأحداث في أسلوب قصصي واضح العبارة مما ييسر حفظها على عامة الناس (٣) . وقد ذكر الخطيب البغدادي بأن الواقدي يركب الأسانيد (٤) ، ومن هنا يتضح سبب اتهام المحدثين النقاد له بالكذب والوضع، وحكمهم عليه بأنه متروك (٥) ، فمغازي الواقدي من المصادر الأساسية في دراسة سيرة النبي ﷺ . ـ كتاب "السيرة النبوية" لأبي محمد، عبد الله بن هشام الحميري المعافري (ت٢١٨هـ) . نشأ ابن هشام في البصرة، ثم رحل إلى مصر (٦) ، ويعد من أعلام النحو واللغة، وله من الكتب «شرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب» ، وكتاب «أنساب حمير وملوكها» (٧) ، والكتاب الذي اشتهر به هو كتاب

стр. 24

"السيرة النبوية"، وهو تنقيح وتهذيب، وتصويب لكتاب (المغازي) لابن إسحاق."حيث حذف ابن هشام كثيراً من الإسرائيليات والأشعار المنتحلة، وأضاف معلومات في اللغة والأنساب ... ومعظم المؤلفات بعده أخذت منه. والحق أن الصورة التي تعطيها مغازيه عن حياة الرسول ﷺ تقترب إلى حدٍ كبير مما أوردته كتب الحديث الصحيحة مما يعطي سيرته توثيقاً كبيراً" (١) ، ويقع الكتاب في أربعة أجزاء، يبدأ في ذكر نسب الرسول ﷺ ، وينتهي بمرثية حسان بن ثابت في الرسول ﷺ ، وقد توافر على تحقيقه مجموعة من الباحثين، والذي يقع بين أيدينا من الكتاب الطبعة الثانية١٣٧٥هـ/١٩٥٥م. ولقد نالت السيرة النبوية لابن هشام -التي هي في الأصل كتاب المغازي لابن إسحاق -عناية بعض العلماء، فتناولوها بالشرح والتعليق ونذكر منهم: السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله، أبو القاسم (ت٥٨١هـ) نشأ في الأندلس، ورحل إلى مراكش، وشرح السيرة النبوية لابن هشام في كتاب أسماه «الروض الأنف» (٢) . أما الشخصية الثانية التي تناولت سيرة ابن هشام فهو: أبو ذر الخشني واسمه: مصعب بن محمد المعروف بابن أبي الركب، الجياني، نسبة إلى بلدة واسعة بالأندلس (المتوفى سنة٦٠٤هـ) له كتاب مطبوع أسماه" شرح غريب سيرة ابن إسحاق" (٣) . واللافت للنظر أن الذين اهتموا بسيرة ابن هشام هما من علماء الأندلس.

стр. 25

-كتاب "أزواج النبي ﷺ " لمحمد بن الحسن بن زَبَالة (ت١٩٩هـ) (١) ، رواية، الزبير بن بكار (٢) (ت٢٥٦هـ) . وابن زَبَالة من أهل المدينة المنورة، ذو باع طويل في حفظ الأخبار ووصف الأماكن والديار، اعتمد عليه السمهودي في تأليف كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" (٣) ، وخاصة فيما يتعلق بخطط المدينة المنورة. أما كتاب ابن زبالة هذا الذي يعدُّ من مصادر سيرة الرسول ﷺ ، فهو يتحدث عن أزواج النبي ﷺ (٤) وهو كتاب صغير الحجم وردنا من طريق رواية الزبير بن بكار عن طريق مجموعة من الأسانيد، ذكرها محقق الكتاب (٥) وقد عرض ابن زبالة في كتابه هذا لأزواج النبي ﷺ بدءاً من أم المؤمنين خديجة ﵂، وقد أفاض المؤلف في الحديث عنها، وكذا أفاض في حديثه عن قصة زواج عائشة بنت أبي بكر الصديق، ﵂، واستمر المؤلف في سرد قصة زواج كل زوجة من أزواج النبي ﷺ حتى (١) يلاحظ أن هذا المصدر جاء خلاف ما جرى عليه تنظيم هذا البحث من حيث السياق التاريخي لسرد المصادر الوارد ذكرها والسبب في ذلك يعود لكون كتاب ابن زَبَالة (الأصل) مفقود واعتمدنا رواية الزبير بن بكار المتوفى ٢٥٦هـ، وهذا يأتي ضمن السياق التاريخي للبحث، باعتبار أن الزبير بن بكار هو الذي أخرج الكتاب إلى النور، ومن هنا اعتمدنا تاريخ وفاته وهو الأصل في السياق التاريخي. (٢) الزبير بن بكار القرشي الأسدي (١٧٢-٢٥٦هـ) ، هو أحد كبار الأدباء والإخباريين والنسابين، له كتاب"جمهرة نسب قريش وأخبارها" وله بعض المؤلفات الأخرى. انظر: ابن زبالة: أزواج النبي ﷺ ، مقدمة التحقيق، ص.٣٠

стр. 26

آخر امرأة ذكرها وهي مارية القبطية، وختم ابن زبالة كتابه بموضوع «ما جاء فيما أوتي النبي ﷺ من القوة في الجماع» (١) . والملاحظ على هذا الكتاب كثرة الأسانيد، وقلة المعلومات، فكان يوثق معلوماته بهذه الأسانيد، وقد أفاض في الشرح في زواج أمهات المؤمنين (خديجة وعائشة، وميمونة بنت الحارث) ، والكتاب يعول عليه في دراسة أزواج النبي ﷺ ؛ لأنه أقدم كتاب وصل إلينا عن أزواج النبي ﷺ . ـ كتاب "تركة النبي ﷺ والسبل التي وجهها فيها" (٢) . ألفه، حماد بن إسحاق بن إسماعيل (ت ٢٦٧هـ) . وهذا العالم ينتمي إلى أسرة علمية عاشت في العراق «وقد اشتهر العديد من رجالات هذا البيت بالعلم وجلالة القدر والسؤدد في الدين والدنيا» (٣) . فقد تولى القضاء في مدينة بغداد، وحدث بها، وألف مجموعة من الكتب، فقدت ما عدا هذا الكتاب الذي بين أيدينا، ومن كتبه المفقودة (كتاب المهادنة، كتاب الرد على الشافعي) (٤) . وكانت علاقاته جيدة مع دار الخلافة، ما عدا الخليفة المهتدي العباسي الذي جرى بينهما خلاف لم تذكره المصادر، إذ جرت عليه محنة، وضُرب بالسياط. أما كتاب "تركة النبي ﷺ " فهو من أجلِّ مصادر السيرة النبوية، اعتمد المؤلف في تأليفه على ثمانية وعشرين شيخاً أغلبهم من مشاهير العلماء

стр. 27

من أئمة الحديث، والكتاب في جملته صغير الحجم، لكنه عظيم الفائدة فهو يتحدث عن خيل الرسول ﷺ ، ودوابه، وسلاحه، وكسوته، وسريره، ومنائحه ولقاحه وخدمته. وعندما تقرأ هذه الموضوعات تجد فيها الزهد والتواضع، وعدم حب الدنيا ومظاهرها فكان يسأل ربه الكفاف، وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفير نعيم الآخرة، وإيثاراً لما يبقى على ما يفنى (١) . "ولو كان العوز وضيق ذات اليد سبب زهده، لتغير حاله عندما جاء الله بالغنى، ولكنه آثر الزهد وخشونة العيش، وقلة الطعام لنفسه وآل بيته؛ تجافياً، وترفعاً، وإيثاراً وكراهة للشبع" (٢) . وقد اعتمد في تأليفه كتابه هذا على أحاديث رسول الله ﷺ ، ثم استفاد أيضا من كتاب (المغازي) للواقدي، وحماد بن إسحاق لم يأخذ الحديث عن الواقدي؛ لأنه متروك في ذلك، ولكن أخذ عنه بعض المعلومات في الأخبار، وكذا المعلومات التي لم يجدها عند المحدثين" فروايات الواقدي تتناول ما اتخذه رسول الله ﷺ من الملابس والإبل والغنم والخيل والسراج، وما يشبه ذلك مما يتساهل في روايته ... وقد اعتمد حماد بصورة أساسية على الواقدي في هذا القسم من كتابه" (٣) . وكتاب تركة النبي ﷺ كتاب جليل القدر عظيم المنفعة، لا يستغني عنه من أراد الاطلاع على سيرة الرسول ﷺ .

стр. 28

ـ كتاب "جوامع السيرة"، للإمام الحافظ، أبي محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) . وهو ابن حزم الظاهري ولد في قرطبة بالأندلس، وفيها عاش وتربى تربية دينية فحفظ الحديث والفقه، واستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وكان متفنناً في علوم جمة، عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا (١) ، وكان طبيباً، شاعراً له في مجال الطب والأدب عدة رسائل. وقد ألف مجموعة كبيرة من المصنفات العلمية منها: ١- الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لحمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع. ٢- الإحكام في أصول الأحكام. ٣- الفصل في الملل والأهواء والنحل. ٤- مراتب العلوم. قال عنه ابن بشكوال: "كان أبو محمد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعة في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، والمعرفة بالسير والأخبار" (٢) . وقال عنه ابن خلكان: "ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين" (٣) . أما كتابه"جوامع السيرة" فهو كتاب محقق، ومطبوع، وقام بتحقيقه مجموعة من الباحثين (٤) . وقد اشتمل الكتاب على موضوعات في السيرة بدءاً

стр. 29

من نسبه ﷺ ، ومولده وحجه، وغزواته وصفاته ونسائه، وأولاده وأخلاقه، إضافة إلى الهجرة وأعماله ﷺ في المدينة المنورة، وتفاصيل كثيرة في سراياه وغزواته. إضافةً إلى الحديث عن إسلام بعض الوفود التي وفدت على الرسول ﷺ وهو بالمدينة، ثم انتهى حديث ابن حزم عن حجة الوداع، ثم وفاة الرسولصلى الله عليه وسلم (١) . والمتأمل لكتاب السيرة لابن حزم يلمس أن المؤلف مال إلى الاختصار لكي يسهل على طلاب العلم الإفادة من علمه على نحو كبير، لذلك نجده جرد كتابه من ذكر الأسانيد ما عدا روايات محدودة نقلها عن ابن عبد البر، وخليفة بن الخياط، وأبي حسان الزيادي، وكذلك جرد كتابه من الأشعار والقصص (٢) ، ونجده غالباً ما يرجح بين الروايات، ويحقق في تواريخ الأحداث (٣) . ولقد تميز كتابه هذا بالعناية البالغة في فصلين هامين هما: أعلام الرسول، وخلقه وشمائله؛ لأن ذلك يمثل الجانب العملي في الكمال الخلقي للرسول ﷺ (٤) . وقد اشتمل كتاب "جوامع السيرة" على معلومات جيدة من كتب مختصة بالسيرة النبوية، وقد امتاز الكتاب بالدقة البالغة في تحليل النص المنقول (٥) ، كما امتاز بالشرح والتحليل لغزوات الرسول ﷺ فعقد لها فصولاً مطولة، وأدلة بينة وواضحة.

стр. 30

ـ كتاب "الدرر في اختصار المغازي والسير" للحافظ، يوسف بن عبد البر النمري (ت٤٦٣هـ) . ولد ابن عبد البر في قرطبة من الأندلس، ونشأ وتربى في بيت علم وأدب ومعرفة، إذ كان والده من فقهاء قرطبة ومحدثيها، فقد توجَّه منذ صغره لدراسة العلوم الدينية والعربية، وتتلمذ على عدد من العلماء، وتعلم الفقه، والحديث، والتاريخ، والمغازي، والأخبار، والأنساب (١) . بعد أن ساءت الأحوال في قرطبة شدّ به الرحيل إلى شرق الأندلس، ونزل دانية، ثم بلنسية، ثم شاطبة، واتصل بالملك المظفر بن الأفطس فأكرمه هو وابنه، وولاه ولاية القضاء في الأشبونة، وشنترين (٢) . وتتفق مصادر المعلومات بأن ابن عبد البر من علماء الأندلس الأفذاذ، وأن له عدداً من المؤلفات نذكر منها: ١- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. ٢- الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار. ٣- الاستيعاب. ٤- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله. ٥- العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم. ٦- قبائل العرب وأنسابهم. ٧- بهجة المجالس وأنس المجالس (٣) .

стр. 31

أما كتابه (الدرر في اختصار المغازي والسير) ، فهو كتاب محقق ومطبوع (١) ، اختص بسيرة الرسول ﷺ وقد اشتمل على عدة أبواب في السيرة نذكر منها: باب في خبر مبعثه ﷺ ، ودعاء الرسول الناس للإسلام ذكر الهجرة إلى الحبشة، ذكر دخول بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، ثم باب الهجرة إلى المدينة، وتحت هذا الباب سرد ابن عبد البر مغازي رسول الله ﷺ وبعوثه، وأفرد لها مساحة شاسعة من كتابه، تناول في ذلك جميع الغزوات والسرايا والبعوث، وإسلام القبائل ووفودها، ثم تناول حجة الوداع، وأفرد بابا خاصاً بذكر وفاة الرسول ﷺ . ويتضح من عنوان الكتاب أنه يميل إلى الاختصار في السيرة، وقد استبعد الحشو والأشعار والقصص، فاكتفى باختيار الفوائد والدرر من المعلومات المفيدة والمهمة، قال عنه الحميدي: "كان من أضبط الناس لكتبه وأفهمهم لمعاني الرواية" (٢) . وكان يندر التزامه بالأسانيد، ويختصرها في كثير من المواضع" فلا يذكر سلسلة رواتها كاملة، بل يكتفي بمثل قوله: روي عن عبادة بن الصامت، أو قال ابن شهاب الزهري ... " (٣) . وقد اعتمد ابن عبد البر على ثلاثة مصادر رئيسة في كتابه وهي مغازي موسى بن عقبة، وسيرة ابن إسحاق، وتاريخ ابن أبي خيثمة، إضافة إلى الأحاديث النبوية الصحيحة. ونستطيع القول بأنه اعتمد على نحو مباشر على

стр. 32

روايات ابن إسحاق وقد أوضح ذلك ابن عبد البر في خطبة كتابه هذا وبين بشكل واضح مصادر معلوماته في كتابه، وأصبح كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير مرجعاً علمياً لمن جاء بعده، وبخاصة ابن حزم الذي اعتمده مصدراً أساساً في كتابه (جوامع السيرة) . كذلك ابن سيد الناس في كتابه (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) . فكتاب "الدرر في اختصار المغازي والسير" كتاب جليل القدر عظيم المنفعة، ويعد مصدراً لا غنى عنه لدارسي السيرة النبوية. ـ كتاب "الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء"، للإمام أبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي (ت٦٣٤هـ) . من علماء الأندلس، ولد وعاش وتربى في مدينة بلنسية، فتعلم الحديث وعلومه إلى أن وصل إلى منزلة رفيعة في علوم الحديث (١) ، وقال عنه ابن الأبَّار في ذلك: "وانتفعت به في صناعة الحديث كل الانتفاع، وأفادني مالم يفد أحداً مما كان عنده من الغرائب" (٢) ، وكان أديباً وخطيباً مفوهاً ولي خطابة بلنسية، وله خط حسن وجميل، وله استبحار في الأدب والبلاغة (٣) ، " والحق أن أبا الربيع الكلاعي كان نمطاً فريداً في عصره، فهو حافظ محدث وأديب متقن، وشاعر رقيق، أنيق الشارة حسن الزي" (٤) ، أما مؤلفاته فقد توزعت بين علمي الحديث والأدب، ونذكر منها على سبيل المثال:

стр. 33

١- مصباح الظلم من حديث رسول الله صلى الله علي وسلم. ٢- الأربعين حديثاً. ٣- السباعيات المخرجة من أحاديث أبي علي الصدفي. ٤- الإعلام بأخبار البخاري الإمام. ٥- المسلسلات من الأحاديث والآثار والإنشادات. ٦- نكتة الأمثال ونفثه السحر الحلال. وغير ذلك من المؤلفات التي ضاع غالبها (١) . أما كتابه هذا "الاكتفاء في مغازي رسول الله، ومغازي الثلاثة الخلفاء"، فالكتاب محقق ومطبوع (٢) ، وينقسم إلى قسمين، الأول عن سيرة الرسول ﷺ وهذا الذي يعنينا بالدراسة، والثاني عن مغازي الخلفاء الراشدين الثلاثة، أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃. وقد اشتمل كتاب (الاكتفاء) على موضوعات عديدة ومتنوعة في السيرة النبوية، فقد بدأ بذكر نسب رسول الله ﷺ ، ثم تحدث عن الهجرة، فالسرايا، والغزوات وما صاحبها من تطورات في الميدان العسكري، والتنظيمي للدولة الإسلامية، ولا ينفرد الكتاب بموضوعات جديدة في السيرة، وإنما هو سرد تاريخي لسيرة الرسول ﷺ ، استقى الكلاعي معلوماته من كتب موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق، والواقدي، والزبير بن بكار، وابن أبي خيثمة، واعتمد على نحو مباشر على كتاب ابن إسحاق، إذ قصد إلى تجريده من

стр. 34

اللغات وكثير من الأنساب والأشعار (١) . وقد بين الكلاعي أسباب تأليفه لكتابه هذا في أمرين، أولهما: دافع ديني، ثم إفادة الناس بأخبار نبيِّهم ﷺ حيث قال في مقدمة كتابه: "وكل ذلك يشهد أن المراد فيه بالقصد الأول وجهه الكريم ... ثم القصد الثاني، متوفر على إيثار الرغبة في إيناس الناس بأخبار نبيهم ﷺ " (٢) ، فالكلاعي هنا قام بتمحيص الكتب التي استفاد منها ورتب معلوماتها واستكمل النقص وهو بذلك قام بجمع معلومات السيرة في كتابه هذا، ويتضح لنا أن الكلاعي تجنب الإسناد في رواياته للأخبار من كتب المغازي السابقة، وبالغ في دقة المعلومات والإحاطة بدقائق الأمور. فالكتاب مصدر من مصادر السيرة النبوية لا غنى عنه. ـ كتاب "الرسالة الكاملية في السيرة النبوية"، لعلاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي الشافعي ابن النفيس (ت ٦٨٧هـ) . نشأ بدمشق وبها تربى وتعلم فنون العلم والمعرفة، وقد اشتهر بالذكاء المفرط، والذهن الخارق (٣) ، وقد صار إماماً في الطب لا يضاهى في معرفته وإدراكه" (٤) ، ويعد شيخ الطب بالديار المصرية فلم يكن على وجه الأرض مثله، ولا جاء بعد ابن سينا مثله، وقد درس الفقه في المدرسة المسرورية بالقاهرة، وكان له

стр. 35

مجلس في داره يحضره جمع من الناس من مختلف فئاتهم (١) أما مؤلفاته فهي كثيرة ومتنوعة، وقد احتل الطب الصدارة بين تلك المؤلفات، ونذكر منها على سبيل المثال: ١- كتاب الشامل في الطب (٢) . ٢- كتاب المهذب. ٣- كتاب شرح القانون في الطب لابن سينا. ٤- المختصر في القانون. ٥- شرح كتاب الهداية لابن سينا. ٦- وله تصانيف كثيرة في الفقه وأصوله، وفي العربية والجدل والبيان (٣) . أما كتابه في السيرة فقد أسماه" الرسالة الكاملية في السيرة النبوية"؛ إذ بنى كتابه على منهج الفلاسفة، وجعله في ثمانية فصول، تناول أغلب موضوعات السيرة النبوية، وقد بين منهجه في ذلك بقوله: "فإن قصدي في هذه الرسالة اقتصاص ما ذكره فاضل بن ناطق عن الرجل المسمى بكامل فيما يتعلق بالسيرة النبوية، والسنن الشرعية على طريق الإجمال" (٤) ، وقد علق على هذا الفن من التصنيف في السيرة، صالح الضويحي بقوله" وهي من محاولات الفلاسفة تقريب معاني الشرع، وأصول الدين، كالنبوة، والوحي، والرسالة،

стр. 36

والشرائع إلى المفاهيم المثالية الفلسفية، وربط معاني الكمال الفلسفية بالمصطلحات الشرعية وتلبسها بها، توهيماً للعامة عند الفلاسفة وهم الأنبياء وأتباعهم" (١) . ولا يعد هذا المصدر من المصادر الميسرة في دراسة السيرة؛ لأنه بطبعه يميل إلى فلسفة الأمور وشرحها بطريقة تصعب على المتلقي العادي، لذلك فهذا المصدر قد يهمّ طائفة دون أخرى من المتلقين نظراً لصعوبة مادته العلمية. فهو ليس كبقية المصادر التي تشرح موضوعات السيرة بطريقة بينة وواضحة ومكشوفة بدون تأويل ولا فلسفة في غالب الأحيان تضر ولا تنفع. ـ كتاب "مختصر السيرة النبوية" لعماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي (ت٧١١هـ) ، ولد بواسط، ونشأ وتربى في أسرة علمية، اتجه إلى حفظ القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ وتفقه على علماء واسط (٢) ، كانت له رحلات واسعة في عدد من مدن العالم الإسلامي، فقد رحل إلى بغداد، ثم جاور بمكة المكرمة ثم رحل إلى القاهرة، ثم إلى الإسكندرية، ثم قدم إلى دمشق واستقر به المقام في دمشق حتى وفاته، " أقبل على مطالعة كتب السيرة، وكتب الحديث والسنة والآثار، وأخذ من جميع طرائقه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول ﷺ وهديه، واعتنى بأمر السنة أصولاً وفروعاً" (٣) . ولعماد الدين الواسطي مجموعة من المؤلفات في علوم الدين والسيرة النبوية نذكر منها على سبيل المثال: ١- شرح منازل السائرين (للهروي) ولم يتمه.

стр. 37

٢- البلاغة والإقناع في حل شبهة مسألة السماع. ٣- مدخل الفقه واللسان. ٤- مفتاح طريق المحبين وباب الأنس برب العالمين. ٥- مختصر السيرة لابن إسحاق. ٦- مختصر دلائل النبوة للبيهقي. ٧- العقيدة الواسطية (١) . أما كتابه "مختصر السيرة النبوية" (٢) ، فقد أشار الواسطي أن هذا الكتاب هو مختصر لكتاب ابن إسحاق "مغازي الرسول ﷺ ". وقد ذكر الواسطي في كتابه هذا مجموعة كبيرة من الموضوعات التي تتعلق بجوانب كبيرة بالسيرة، وموضوعات أخرى ذات صلة بالسيرة النبوية، ولكنها صلة غير مباشرة كذكر المؤلف لإسلام بعض الشخصيات وبعض من قصص العرب في الجاهلية وخلاف ذلك، وقد ابتدأ الواسطي كتابه هذا بذكر نسب رسول الله ﷺ ، ثم ولادته ورضاعته، وزواجه من أم المؤمنين خديجة ﵂، وذكر أولاده، ومبعثه، ثم غزواته وبعض من أخلاقه وآدابه وشمائله صلى الله عليه سلم (٣) . وبما أن الواسطي كان من علماء السلف الصالح وممن وصف بالورع والتقوى، وعزوف عن الدنيا، وهو بذلك جنَّدَ نفسه داعية إلى الله فقد انعكست هذه المفاهيم على مؤلفه هذا،

стр. 38

فحاول تجريده من معظم الأشعار التي لا يرى ضرورة في بقائها في كتاب سيرة ابن إسحاق، كذلك رأى كثرة الأنساب التي طغت على معظم موضوعات الكتاب فقام بحذف معظم الأنساب، ثم اتجه إلى زيادة بعض الموضوعات الأساسية في الكتاب، وكذا ترجم لبعض الأعلام الوارد ذكرهم في السيرة، فهو كتاب مفيد، ويعد من مصادر السيرة النبوية. ـ كتاب "الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم ﷺ " للحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي (ت٧٦٢هـ) . ولد في مصر وبها نشأ وتربى، ورحل إلى بلاد الشام، والتحق بحلق العلم ومجالس العلماء، "وقد اجتهد في طلب العلم والحرص عليه بنفسه فأكثر جداً من القراءة والسماع، وحصل من المسموعات ما يطول عدُّه، وانتقى وخرج وتفقه وأفاد، وكَتَبَ الطباق (١) ، وقرأ النسائي بنفسه ... ، واشتغل بالكتابة حتى صارت له مشاركة جيدة في فنون العلم، وأكثر جداً من جمع الكتب حتى حصَّل مكتبة ضخمة، وكتب بخطه الكثير" (٢) ، وكان له اطلاع واسع بالحديث وعلومه، وكذا بالأنساب وبالأدب والشعر (٣) . وقد اشتغل بالتدريس ونشر العلم في القاهرة وذلك في مدارس عديدة، وأيضا في حلقات العلم في المساجد (٤) . وقد وصف " بالحفظ، والإمامة، وسعة الاطلاع وكثرة التصانيف" (٥) .

стр. 39

وهذه الصفات جعلت له مكانة علمية متميزة، واتضح ذلك من خلال ثناء العلماء عليه وعلى فضله وكثرة إنتاجه. أما مؤلفاته فهي كثيرة جداً اتسمت بالنقولات الكثيرة، وكثرة الاستدراك والتعقيب والتتميم، والتنوع في التأليف، ومعظم مؤلفاته مفقودة ونذكر منها: - الأحكام مما اتفق عليه الأئمة الستة. - الإشارة إلى سيرة المصطفى ومن بعده من خلفاء. - الإعلام بسنته ﵊. - الاكتفاء بتنقيح كتاب الضعفاء. - إكمال تهذيب الكمال. - الإمامة. - الإيصال في اللغة. - خصائص المصطفى ﵊. - دلائل النبوة (١) . أما كتابه الذي بين أيدينا فهو: "الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم ﷺ " فقد حقق الجزء الأول منه في رسالة علمية بجامعة أم القرى لسنة١٤٢١هـ، وبقية الكتاب لا زالت بحاجة إلى تحقيق ونشر. أما موضوعات الكتاب فهي تتناول سيرة الرسول ﷺ ، وقد ابتدأ كتابه هذا بحديث أول من تكلم باللغة العربية، ثم تناول طرفاً من سير بعض الرسل

стр. 40

والأنبياء، ثم تحدث عن أصل العرب وأنسابهم، وتحدث عن بعض الشخصيات في الجاهلية، ثم عن وقعة الفيل وما ورد فيها من أقاويل وأخبار، ثم تحدث عن بعض أعلام المسلمين، ثم بعد ذلك تحدث عن الرسول ﷺ وولادته والبشارة بنبوته ثم نسبه، ثم زواجه من خديجة رضى الله عنها، ثم هجرته ﷺ إلى المدينة، وتحدث مغلطاي عن سرايا الرسول وغزواته وحياته الشخصية وغير ذلك من موضوعات السيرة (١) . وقد اعتمد في تأليف كتابه هذا على سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام، وقد انتقد سيرة ابن إسحاق ووضع عليها ملاحظات وتقويمات نقدية، والملاحظ على كتاب: "الزهر الباسم" أن المؤلف يسرد في كتابه موضوعات كثيرة لا علاقة لها بسيرة الرسول ﷺ ، والمتمعن في الكتاب يدرك هذا الأمر. وقد اعتنى بسرد أقوال العلماء في الحوادث التاريخية وموضوعات السيرة التي يقع فيها الخلاف، ثم بين أهمية علم النسب، ورد على من زعم أنه علم لا ينفع، ثم بين الألفاظ الغريبة واشتقاقاتها اللغوية التي وردت في السيرة (٢) ، ثم إنه أورد أشعاراً كثيرة في موضوعات متعددة في السيرة، وهذا بخلاف من سبقه من علماء السيرة الذين يحاولون تجريدها من الأشعار والقصص والأخبار الغريبة. وقد اهتم كثيراً بأمر الاستدراك سواء في الحديث أو التاريخ أو النسب أو اللغة أو الشعر وخلاف ذلك، وجاء تنوع مادة الكتاب العلمية وخروجه عن السيرة النبوية نظراً لتعدد مصادر المعلومات فقد
следующие страницы →