٧٤- وكما في "الصحيحين"١ الحديث: " كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق ومن ادعى لغير أبيه فقد كف، ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم".
٧٥- وإن كذلك فيمكن أن يقال: هذا دخل في مسمى الإيمان أيضا، أو يقال "بر الوالدين" إنما يجب على من له والدان فذكرهما في حديث ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود كان له والدة؛ فكان ذلك حكم من حاله كحاله.
وأما حيث لم يذكرهما فذكر ما يعم من الأعمال؛ فيدخل فيه من ليس له أبوان، ثم الجهاد إذا صار فرض عين كان أوكد من مطلق "بر الوالدين" فيجاهد في هذه الحال بدون إذنهما وإن كان عليه أن يقوم بما يجب عليه من برهما المتعين عليه وإن كان لا يجاهد إذا لم يتعين عليه إلا بإذنهما.
стр. 37
ماذا يفعل إذا تعارضت الصلاة والجهاد المتعين؟
٧٦- وأما الصلاة: فإذا تعارضت هي والجهاد المتعين؛ فإنه يفعل كلاهما بحسب الإمكان، كما في حالة الخوف الخفيف والخوف الشديد.
٧٧- قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (البقرة:٢٣٨) .
٧٨- قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء:١٠١-١٠٣) .
٧٩- فقد أمر الله بالجمع بين الواجبين – الصلاة والجهاد – لكنه خفف الصلاة في الخوف من صلاة الأمن؛ بإسقاط أمور تجب
стр. 38
في الأمن، وإباحة أفعال لا تفعل١ في الأمن.
٨٠- و"صلاة الخوف" قد استفاضت بها السنن عن النبي ﷺ وذكرها الأئمة كلهم، وقد صح عن النبي ﷺ أنه صلاها على وجوه متعددة٢.
أقوال الفقهاء في صلاة الخوف حال المسايفة
٨١- وأما حال المسايفة٣ فللفقهاء ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو قول الجمهور، أنهم يصلون بحسب حالهم مع المقابلة؛ وهذا مذهب الشافعي وغيره وظاهر ذهب أحمد.
والثاني: أنهم يؤخرون الصلاة؛ وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: أنهم يخيرون بين الأمرين وهو أحد الروايتين عن أحمد.
٨٢- وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (البقرة:٢٣٨) .
مع ما قد ثبت في الصحيح٤ عن رسول الله ﷺ أنه قال عام الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا"؛ قد احتج به وبغيره على
стр. 39
أن تأخير الصلاة في حال الخوف منسوخ بهذه الآية١.
٨٣- وأجابوا بذلك عما احتج به من جوز الأمرين؛ من قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه٢ عن ابن عمر أنه قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فصلى قوم في الطريق وقالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، وأخر قوم الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة، وقد فاتتهم الصلاة، فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين.
٨٤- فهذا الحديث حجة في جواز الأمرين لكن قال أولئك [أنه] ٣ منسوخ بالآية.
стр. 40
٨٥- فقد تبين: أن لصلاة لما كانت أوكد من الجهاد؛ فإنه عند مزاحمة الجهاد لها أخفت١ حتى لا يفوت مصلحة الجهاد٢.
٨٦- وهذا أيضا كـ"الحج" وإن كان دون الصلاة باتفاق المسلمين.
مسألة فيما ازدحم وقت الحج
٨٧- فإذا تضيق وقته وازدحم هو والمقصود، مثل أن يكون ليلة النحر وهي ليلة عرفة ذاهبا إلى عرفة؛ فإن صلى صلاة مستقر فإنه الوقوف، وإن سار ليدك عرفة قبل طلوع الفجر فاتته الصلاة.
٨٨- فللفقهاء ثلاثة أقوال:
قيل: تقديم الوقوف؛ لأن عليه من تفويت الحج ضررا عظيما.
وقيل: بل تقدم الصلاة لأنها أوكد.
وقيل: بل يأتي بهما جميعا، فيصلي بحسب الإمكان صلاة لا تفوته الوقوف.
وهذا أعدل الأقوال، وهو٣ قول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهما.
صلاة الخائف المطلوب
٨٩- والعلماء متفقون على" أن الخائف المطلوب يصلي صلاة خائف.
стр. 41
صلاة الطالب
٩٠- فأما الطالب فتنازعوا فيه، وفيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: أنه يصلي أيضا صلاة الخوف.
٩١- كما جاء في الحديث الذي رواه "أهل السنن"١ كأبي داود عن عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله.
قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة.
فانطلقت أمشي وأنا أصلي وأومئ بما نحوه.
فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟
قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك. قال: إني لفي ذاك.
فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
٩٢- ومن قال هذا القول راعى أن مصلحة الجهاد مأمور بها أيضا فلا يمكن تفويت إحداهما، وإن لم يكن من تفويت
стр. 42
الجهاد في هذا الوقت مفسدة ظاهرة كما أنه ليس في تأخير الصلاة مفسدة ظاهرة.
٩٣- ولو كان تكميل الصلاة مقدما على الجهاد لكان ينبغي أن يترك الجهاد إذا علم أنه لا بد فيه من تحقيق الصلاة.
قصر العدد وقصر العمل
٩٤- فلما ثبت في السنة المتواتر أن الجهاد يفضل مع العلم بأنه يقصر فيه الصلاة بقصر العمل الذي هو قصر العدد فإن قصر العدد سنة السفر، وأما قصر العمل فسنة الخوف١.
٩٥- ولهذا إذا اجتمع الأمران شرع القصر المطلق كما في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (النساء: ١٠١) .
٩٦- والآية على ظاهرها؛ فإن القصر المطلق المتضمن لقصر العدد وقصر العمل، إنما يكون مع الأمرين.
стр. 43
٩٧- وقد بينت السنة: أن مجرد الخوف يفيد قصر العمل ومجرد السفر يفيد قصر العدد.
٩٨- فهذا كله مما يبين أن الصلاة وإن كانت أفضل الأعمال فإنها إذا اجتمعت مع الجهاد لم يترك واحد منهما بل يصلي بحسب الإمكان مع تحصيل مصلحة الجهاد بحسب الإمكان.
٩٩- وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لأنفال:٤٥) .
فأمر بالثبات والذكر معا.
١٠٠- وكانت السنة على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه وخلفاء بني أمية وكثير من خلفاء بني العباس: أن أمير الحرب هو أمير الصلاة في المقام والسفر جميعا.
الحكمة في كونه ﷺ والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة
١٠١- وما ذكرناه يبين بعض حكمة كون النبي ﷺ والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة أفضل على أحد قولي العلماء؛ فإنهم كانوا بها مهاجرين مجاهدين مرابطين بخلاف مكة.
١٠٢- وهذا حيث كان الإنسان كذلك كان أفضل من المقام بالحرمين، حتى إن مالكا ﵁ – مع فرط تعظيمه المدينة وتفضيله لها على مكة وكراهية الانتقال منها – لما سئل
стр. 44
عمن بدار١ وهو مقيم بالمدينة يأتي الثغور كالإسكندرية وغيره.
أجاب: بأن عليه أن يأتي الثغور؛ لأن المرابطة بالثغور أفضل من مقامة بالمدينة.
ما زال الصحابة والتابعين وتابعيهم يتناوبون الثغور
١٠٣- وما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط وكان هذا على عهد أبي بكر وعثمان أكثر، حتى كان عبد الله بن٢ وغيره مرابطين.
١٠٤- وكان عمر من يسأله عن أفضل الأعمال إنما يدله على الرباط والجهاد، كما سأله عن ذلك من سأله، كالحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأمثالهم ثم كان بعد هؤلاء إلى خلافة بني أمية وبني العباس ولهذا يذكر من فضائلهم وأخبارهم في الرباط أمور كثيرة.
стр. 45
طريقتين للسلف في الرباط
١٠٥- إحداهما: أن يرابط كل قوم بأقرب الثغور إليهم، ويقاتلون من يليهم كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (التوبة: ١٢٣) .
стр. 46
١٠٧- وهذا اختيار أكثر العلماء كالإمام أحمد وغيره، ولهذا كان أصحاب مالك كابن القاسم نحوه يرابط بالثغور المصرية.
الطريقة الثانية في الرباط
١٠٨- والطريقة الثانية١: يجوزون الرباط بثغور الشام ونحوها بما فيها قتال النصارى.
١٠٩- فكان عبد الله بن المبارك يقدم من خرسان فيرابط بثغور الشام، وكذلك ابراهيم ابن أدهم ونحوهما، كما كان يرابط بها ومشايخ الشام كالأوزاعي وحذيفة المرغشي ويوسف بن أسباط وأبي اسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين وأمثالهم٢.
١١٠- وكان المسلمون قد فتحوا قبرص في خلافة عثمان وبقيت تحت حكمهم أكثر من ثلاثمائة سنة.
١١١- وكانت "سيس" ثغر المسلمين، و"طرسوس" كانت من أسماء الثغور، ولهذا تذكر في كتب الفقه وتولى قضائها أبو عبيد الأمام وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهما٣.
стр. 47
١١٢- وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: "إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية٦٩) "١.
السكن بالثغور والرباط من أعظم الأمور
١١٣- وبالجملة: أن السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم وكانت الثغور معمورة بالمسلمين علما وعملا وأعظم البلاد إقامة بشعائر الإسلام وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كل من أحب التبتل للعبادة والانقطاع إلى الله وكمال الزهد والعبادة والمعرفة يدلونه على الثغور.
سبب اختيارهم الرباط بثغور النصارى
١١٤- وإنما اختار من اختار الرباط بثغور النصارى الحديث الذي في "سنن أبي داود"٢ عن ثابت بن قيس قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابنها
стр. 48
وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة. فقالت.١: إن أرزء ابني فلن أرزء حيائي٢، فقال رسول الله ﷺ : "ابنك له أجر شهيدين".قالت: ولما ذاك؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب.
فضيلة سكنى الشام
١١٥- وهذا بعض [من الأخبار] ٣ تبين فضيلة سكنى "الشام"، فإن أهل الشام ما زالوا مرابطين من أول الإسلام لمجاورتهم النصارى ومجاهدتهم لهم، فكانوا مرابطين مجاهدين لأهل الكتاب.
١١٦- ولهذا فضل النبي ﷺ جندهم على جند "اليمن" و"العراق" مع ما قاله في أهل اليمن٤.
١١٧ ففي "سنن أبي داود"٥ وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 49
"إنكم ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا باليمن وجندا بالعراق " قال فقلت يا رسول الله: خر لي؟.
فقال: "عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره١ فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله".
قال الحوالي: ومن يتكفل الله به فلا ضيعة عليه.
١١٨- وفي "سنن أبي داود"٢ أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، تقذرهم٣ نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير".
стр. 50
أهل الغرب هم أهل الشام
١١٩- وفي" صحيح مسلم"١ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين [على الحق حتى تقوم الساعة] ".
أهل الغرب هم أهل الشام
١٢٠- قال الإمام أحمد:" أهل الغرب هم أهل الشام"٢.
١٢١- يعني: ومن يغرب عنهم، فإن التغريب والتشريق من الأمور النسبية، والنبي ﷺ تكلم بذلك وهو بالمدينة النبوية فما تغرب عنها فهو غرب المدينة كما أن"حران" و"الرمة" ونحوهما خلف مكة.
١٢٢-والكلام في هذا ونحوه يطول ويتعذر بحيث لا تحتمله هذه
стр. 51
الفتوى١ لكن هذه الأمور المتيسرة تعود إلى أفضل الأحوال الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله كما ثبت ذلك بالنصوص.
١٢٣- وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥)
الجهاد يعني تحقيق كون المؤمن مؤمنا
١٢٤- فالجهاد: تحقيق كون المؤمن مؤمنا؛ لهذا روى مسلم في "صحيحه"٢ عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغزو لم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق".
١٢٥- وذلك أن الجهاد فرض على الكفاية، فيخاطب به جميع المؤمنين عموما، ثم إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
ولا بد لكل مؤمن من أن يعتقد أنه مأمور به، وأن يعتقد وجوبه وأن يعزم عليه إذا احتيج إليه، وهذا يتضمن تحديث نفسه بفعله فمن مات ولم يغزو أو لم يحدث نفسه بالغزو نقص من إيمانه الواجب عليه بقدر ذلك؛ فمات على شعبة نفاق.
١٢٦- فإن قيل: فإذا كان الجهاد أفضل من الحج بالكتاب والسنة
стр. 52
فما معنى الحديث الذي روته عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: يا رسول الله: لا أرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟
قال: "لكن أفضل الجهاد: حج مبرور" رواه البخاري١.
الحج جهاد النساء
١٢٧- ورواه النسائي٢ وفيه: ألا نخرج نجاهد معك فإني لا أرى عملا أفضل من الجهاد٣. قال: لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله٤ حج البيت حج مبرور".
١٢٨- وقيل:"وأفضل الجهاد للنساء حج مبرور".
١٢٩- فأخبرنا النبي ﷺ أن أفضل الجهاد للنساء حج مبرور.
١٣٠- وكذلك جاء مبينا، رواه النسائي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة".
١٣١- وفي حديث آخر: " الحج جهاد كل ضعيف" ٥.
стр. 53
١٣٢- وفي حديث آخر: هل على النساء جهاد؟ قال: " جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" ١.
١٣٣- سياق الحديث المتقدم بين ذلك فإنها قالت: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد معك؟ قال: " لكن أفضل الجهاد: حج مبرور". فقد أقرها على قولها:" نرى الجهاد أفضل العمل"، ثم ذكر أن" أفضل الجهاد الحج المبرور".
١٣٤- وفي اللفظ الآخر٢: ألا نخرج فنجاهد معك فإني لا أرى عملا في القرآن أفضل من الجهاد؟ قال: "لكن أحسن الجهاد وأجمله حج مبرور".
فأقرها على قولها بفضل الجهاد، ثم لما استأذنته في الحج المعروف قال: "لا، ولكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت" وجعل فضله بكونه جهادا، ومعلوم بالحس أن الجهاد لا يقاوم الجهاد في الكفار والمنافقين، فعلم أنه أراد جهاد النساء - واللام للتعريف - ينصرف إلى ما يعرفه المخاطب.
стр. 54
١٣٥- ومقصود الناقل هنا: الجهاد الذي هو أفضل العمل له عند الله، فبين النبي ﷺ أن الجهاد الذي هو مقصوده ومطلوبه هو الحج، فإن السائل ضعيف، والحج جهاد كل ضعيف.
١٣٦- وفي "صحيح مسلم"١ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".
стр. 55
فضائل الرباط في السنة .
١٣٧- وقد جاء في فضائل الرباط أحاديث في "الصحاح" و"السنن" تبين ما ذكرناه:
حديث سهل بن سعد.
١٣٨- فروى البخاري في"صحيحه"٢ عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها"
стр. 56
حديث سلمان الفارسي.
١٣٩- وفي "صحيح مسلم"١ عن سلمان الفارسي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن العذاب".
стр. 57
حديث فضالة بن عبيد
١٤٠- وفي "السنن"١ عن فضالة بن عبيد قال، قال النبي ﷺ : "ما من ميت يموت إلا ختم له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" رواه أحمد وأبو داود وهذا لفضه والترمذي بمعناه.
وزاد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المجاهد [من جاهد] نفسه في طاعة الله" قال الترمذي:"حسن صحيح".
حديث عثمان بن عفان.
١٤١- وقد تقدم٢ حديث عثمان: " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فينا سواه من المنازل".
١٤٢-وقد جاء عن السلف آثار٣ فيها ذكر الثغور مثل "غزة" و"عسقلان" أو "الاسكندرية" و"قزوين" ونحو ذلك.
١٤٣- وأما الأحاديث المروية عن النبي ﷺ بتعيين "قزوين" و"الاسكندرية" ونحو ذلك فهي موضوعة٤، كذب بلا
стр. 58
ريب عند علماء الحديث، وإن كان ابن ماجه قد روى في "سننه"١ الحديث الذي في فضل"قزوين"، وقد أنكر عليه العلماء ذلك كما أنكروا عليه رواية أحاديث أخرى بضعة عشر حديثا من الموضوعات، ولهذا نقصت مرتبة كتابة عندهم عن مرتبة أبي داود والنسائي.
١٤٤- وقد قدمنا٢ كون البلد ثغرا صفة عارضة أو لازمة، فلا يمكن فيه مدح مؤبد، ولا ذم مؤبد، إلا إذا علم أنه لا يزال على تلك الصفة.
стр. 59
١٤٥- وإذا تبين ما في الرباط من الفضل، فمن الضلال ما تجد عليه أقواما ممن غرضه التقرب إلى الله والعبادة له بما يحبه ويرضاه يكون في الشام أو ما يقاربها فيسافر السفر الذي لا يشرع بل يكره ويترك ما هو مأمور به واجب أو مستحب.
стр. 60
الأدلة على من يقصد البيت المقدس للتعريف فى وقت الحج
الوجه الأول
...
الأدلة على ضلال من يقصد بيت المقدس للتعريف في وقت الحج.
١٤٦- مثال ذلك: أن قوما يقصدون التعريف بالبيت المقدس فيقصدون زيارته في وقت الحج ليعرفوا به، ويدعوا المقام بالثغور التي تقاربه، وهذا في الضلال والجهل والحرمان من وجوه:
١٤٧- أحدها: أن التعريف بالبيت المقدس ليس مشروعا لا واجبا ولا مستحبا بإجماع المسلمين، ومن اعتقد السفر إليه للتعريف قربة فهو ضال باتفاق المسلمين بل يستتاب فإن تاب وإلا قتل إذ ليس السفر مشروعا للتعريف إلا للتعريف بعرفات.
١٤٨- وأقبح من ذلك تعريف أقوام عند بعض قبور المشايخ والأنبياء وغير ذلك من المشاهد أو السفر كذلك.
فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين.
١٤٩- بل تنازع السلف في تعريف الإنسان في مصره من غير سفر مثل أن يذهب عشية عرفة إلى مسجد بلده فيدعو الله ويذكره.
-فكره ذلك طوائف، منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما.
стр. 61
- وخص فيه آخرون، منهم الإمام أحمد.
قال: لأن فعله ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حرب بالكوفة.
١٥٠- ومع هذا فلم يستحبه أحمد وكان هو نفسه لا يعرف ولا ينهى من عرف. وقد قيل عنه: أنه يستحب.
حكم السفر للتعريف بغير عرفة.
١٥١- وأما السفر للتعريف بغير عرفة: فلا نزاع بين المسلمين [أنه] من الضلالات لا سينا إذا كان بمشهد مثل قربى أو رجل صالح أو بعض أهل البيت، فإن السفر إلى ذلك لغير التعريف منهي عنه عند العلماء من الأئمة وأتباعهم.
١٥٢- كما قال ﷺ : "لا تشد الر حال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" ١.
١٥٣- وقد رأى بصرة بن أبي بصرة الغفاري أبا هريرة راجعا من زيارة الطور فقال:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"٢.
стр. 62
حكم زيارة المشاهد وهل يقصر في سفره الصلاة؟
١٥٤-[وقد] ١ قال من قال من هؤلاء كأبي الوفاء بن عقيل وغيره: إن المسافر لمجرد الزيارة لبعض المشاهد لا يقصر الصلاة لأنه ليس عاص بسفره، وإنما رخص في هذا السفر طائفة من المتأخرين٢ ولكن الزيارة المشروعة إذا اجتاز الرجل بالقبر أو خرج إلى ما يجاوره من القبور كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع وكما زار قبر أمه لما اجتاز بها في غزوة الفتح.
١٥٥- وقد ثبت عنه في الصحيح٣ أنه قال: " استأذنت ربي أن أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة".
стр. 63
١٥٦- وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" ١.
١٥٧- وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال:" ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇"٢.
الزيارة المشروعة للمسلم للقبور.
١٥٨- والزيارة المشروعة للمسلم: أن يسلم عليه ويدعو له كما أن الصلاة مقصودها الدعاء له.
١٥٩- ولهذا نهى الله نبيه ﷺ عن الأمرين في حق المنافقين.
стр. 64
١٦٠- كما قال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (التوبة: ٨٤) .
١٦١- ونهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، فكان في ذلك دلالة على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم.
المقصود من زيارة القبور.
١٦٢- وقد قال طوائف من السلف والخلف وهو القيام على قبورهم بالدعاء والاستغفار١.
١٦٣- فزيارة قبر المؤمن من نبي وغيره مقصودها التحية والدعاء له فأما اتخاذ القبور مساجد والإشراك بها: فذلك كله حرام بإجماع المسلمين.
الأحاديث في التحذير من اتخاذ القبور مساجد.
١٦٤- كما في"الصحيحين"٢ عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.
стр. 65
١٦٥- وفي"صحيح مسلم"١ أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله يكون لي منكم خليل، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
أمور غير مشروعة عند القبور.
١٦٦- وفي" السنن"٢ عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج".
١٦٧- وقد اتفق أئمة المسلمين على: أنه لا تشرع:
- الصلاة عند القبور، وقصدها لأجل الدعاء عندها.
- ولا التمسح بها وتقبيلها، سواء في ذلك قبور الأنبياء وغيرهم٣.بل ليس تحت أديم السماء ما يشرع التمسح به وتقبيله إلا الحجر الأسود والركن اليماني يستحب التمسح [بهما] .
стр. 66
ما يشرع مسحه وما لا يشرع.
١٦٨- وقد صح عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعون، فلم يمسحوا إلا الركنين اليمانيين، ولم يمسحوا سائر جوانب البيت ولا مقام إبراهيم الذي هناك، فكيف بمقام إبراهيم في تلك البقعة ومقام غيره من الأنبياء والصالحين.
١٦٩- وقد قال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (نوح:٢٣)
١٧٠- قال طوائف من الصحابة والتابعين: "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم لما طال عليهم الأمد صوروا صورهم، وكان ذلك مبدأ عبادة الأوثان"١.
١٧١- ولهذا قال النبي ﷺ ما رواه مالك في "الموطأ"٢: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".
стр. 67
- وفي "السنن"١ عنه أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا".
استبدال السيئات بالحسنات
١٧٣- فالسفر للتعريف ببعض المشاهد حرام فيكون بمنزله لحم الخنزير، وأما السفر للتعريف ببيت المقدس مثلا، والسفر لزيارة بعض القبور أو البقاع غير المساجد الثلاثة فهو أيضا منهي عنه، وإن كان وجد في ذلك لمن عهد إلى هذه البدع التي فيها من الشرك ما فيها، فتعبد بها وأقام بها وقصد ما يقصده من البقاع لأجلها وترك أن يقصد من البقعة أو ما هو قريب منها لأجل الرباط في سبيل الله الذي هو من أفضل الأعمال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين – أليس هو ممن استبدل السيئات بالحسنات؟!!
стр. 68
الوجه الثاني من الأدلة:
١٧٤- الوجه الثاني: أنه لو قدر أنه قصد بعض هذه البقاع قصدا مشروعا مثل السفر إلى بيت المقدس على الوجه المشروع للصلاة فيه والاعتكاف فيه، فإن هذا عمل صالح باتفاق المسلمين، وإن كان قد دخل فيه بدع كثيرة مثل البدع التي
стр. 69
تفعل هنا من السماع للمكاء والتصدية في النصف١ وعشر ذي الحجة ونحو ذلك مثل استلام بعض ما هناك من الأحجار فإنه لا يشرع أن يستلم أحد قط إلا الركنين اليمانيين للبيت العتيق ومثل اعتقادهم أن ذلك القدم المصنوع قدم النبي ﷺ وظن أهل الجهل منهم أنه قدم الله وأشباه هذه الجهالات٢.
١٧٥- فالزيارة إذا سلمت عن هذه البدع وغيرها كانت شرعية والسفر إلى الثغور للرباط أفضل منها، والعدول٣ عن الفاضل إلى المفضول مع استوائهما غير محمود.
стр. 70
الوجه الثالث من الأدلة
١٧٦- الوجه الثالث: أن من الناس من يقصد المجاورة ببيت المقدس ويدع المجاورة بالثغر الذي هو قريب منه!!
وهذا الباب من أفضل الأفضل وأجلها وهو فرض على الكفاية ومعلوم أن هذا أعظم خسرانا، وأشد حرمانا، وأبعد عن اتباع الشريعة؛ فإن المجاورة بالحرمين قد يتعسر عليه ذلك دون المرابطة لاختلاف المكانين.
١٧٧- أما مع تفاوت المكانين فالعدول عن هذه إلى هذا؛ يعني لا
стр. 71
يصدر إلا من جهل أو من ضعف إيمان اللهم إذ نذر هذا فيكون هذا معذور. وأما الكلام فيمن يقدر على الأمرين.
١٧٨- ولهذا [لما] ١ كان أهل البدع مهملين أمر الجهاد معظمين للزيارة، استولى الكفار على كثير من الثغور، حتى قتل ببيت المقدس وقتلوا فيه من المجاورين من شاء الله، وكان قد جرت فيه بدع كثيرة.
١٧٩- ومن ذلك: من يقصد بعض هذه البقاع إما جبل لبنان وإما غيره لزيارته لظنه أن فيه الصالحين من الأبدال وغيرهم ويدع أن يقصد للرباط في سبيل الله، فإن هذا أيضا من الضلال العظيم، وأصل السفر إلى الزيارة غير مشروع ولا مأمور به بل هو من البدع والضلال.
١٨٠- وكذلك السياحة لغير قصد معين ليس ذلك مشروعا لنا.
معنى السياحة في الإسلام
١٨١- قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من أمر الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين"٢.
١٨٢- والسياحة المذكورة في القرآن ليست هذه السياحة؛ فإن الله
стр. 72
قد قال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ (التحريم:٥) .
تفسير السياحة بالصيام والجهاد
١٨٣- ومعلوم أن نساء النبي ﷺ ونساء المؤمنين لا يشرع لهن السياحة. ولكن قد فسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالجهاد وكلاهما مروي عن النبي ﷺ .
١٨٤- أما الأول: فرواه عمرو بن دينار عن يحي بن جعدة، عن النبي ﷺ مرسلا١.
١٨٥- وأما الثاني: فقال أبو داود في "سننه"٢: "باب النهي عن السياحة"؛ وروي فيه حديث العلاء بن الحارث عن
стр. 73
القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة؟ قال النبي ﷺ : "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله".
١٨٦- وكذلك أيضا روي: "رهبانية هذه الأمة: الجهاد في سبيل الله"١.
لا رهبانية في الإسلام
١٨٧- إذ لا رهبانية في الإسلام، وأما ما ذكره في كتابه أن النص٣ارى ابتدعوا الرهبانية فقد٢ نهانا الله ورسوله عن البدع.
١٨٨- وثبت عنه في "صحيح مسلم"٣ وغيره عن جابر، أنه كان يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
الأمر بالتباع والنهي عن الابتداع
١٨٩- وثبت عنه في "السنن"٤ الحديث الذي صححه الترمذي
стр. 74
عن العرباض بن سارية وقال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة فإن من يعش منكم سيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".
النهي عن الغلو في العبادات في السنة
١٩٠- فكيف لما نهى الله عنه ورسوله من العبادات المبتدعة كما في"الصحيحين"١- واللفظ لمسلم- عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
стр. 75
١٩١- ولفظ البخاري١: جاء ثلاثة رهط بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها! فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا
وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله [فقال] : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
١٩٢- وفي "صحيح البخاري" عن سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
١٩٣- وفي"صحيح البخاري"٢ وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ فقالوا هذا