يصدر إلا من جهل أو من ضعف إيمان اللهم إذ نذر هذا فيكون هذا معذور. وأما الكلام فيمن يقدر على الأمرين.
١٧٨- ولهذا [لما] ١ كان أهل البدع مهملين أمر الجهاد معظمين للزيارة، استولى الكفار على كثير من الثغور، حتى قتل ببيت المقدس وقتلوا فيه من المجاورين من شاء الله، وكان قد جرت فيه بدع كثيرة.
١٧٩- ومن ذلك: من يقصد بعض هذه البقاع إما جبل لبنان وإما غيره لزيارته لظنه أن فيه الصالحين من الأبدال وغيرهم ويدع أن يقصد للرباط في سبيل الله، فإن هذا أيضا من الضلال العظيم، وأصل السفر إلى الزيارة غير مشروع ولا مأمور به بل هو من البدع والضلال.
١٨٠- وكذلك السياحة لغير قصد معين ليس ذلك مشروعا لنا.
معنى السياحة في الإسلام
١٨١- قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من أمر الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين"٢.
١٨٢- والسياحة المذكورة في القرآن ليست هذه السياحة؛ فإن الله
стр. 72
قد قال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ (التحريم:٥) .
تفسير السياحة بالصيام والجهاد
١٨٣- ومعلوم أن نساء النبي ﷺ ونساء المؤمنين لا يشرع لهن السياحة. ولكن قد فسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالجهاد وكلاهما مروي عن النبي ﷺ .
١٨٤- أما الأول: فرواه عمرو بن دينار عن يحي بن جعدة، عن النبي ﷺ مرسلا١.
١٨٥- وأما الثاني: فقال أبو داود في "سننه"٢: "باب النهي عن السياحة"؛ وروي فيه حديث العلاء بن الحارث عن
стр. 73
القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة؟ قال النبي ﷺ : "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله".
١٨٦- وكذلك أيضا روي: "رهبانية هذه الأمة: الجهاد في سبيل الله"١.
لا رهبانية في الإسلام
١٨٧- إذ لا رهبانية في الإسلام، وأما ما ذكره في كتابه أن النص٣ارى ابتدعوا الرهبانية فقد٢ نهانا الله ورسوله عن البدع.
١٨٨- وثبت عنه في "صحيح مسلم"٣ وغيره عن جابر، أنه كان يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
الأمر بالتباع والنهي عن الابتداع
١٨٩- وثبت عنه في "السنن"٤ الحديث الذي صححه الترمذي
стр. 74
عن العرباض بن سارية وقال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة فإن من يعش منكم سيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".
النهي عن الغلو في العبادات في السنة
١٩٠- فكيف لما نهى الله عنه ورسوله من العبادات المبتدعة كما في"الصحيحين"١- واللفظ لمسلم- عن أنس بن مالك أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
стр. 75
١٩١- ولفظ البخاري١: جاء ثلاثة رهط بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها! فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا
وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله [فقال] : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
١٩٢- وفي "صحيح البخاري" عن سعد بن أبي وقاص قال: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
١٩٣- وفي"صحيح البخاري"٢ وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: ما هذا؟ فقالوا هذا
стр. 76
أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يجلس، ولا يستظل وأن يصوم فقال:" مروه فليجلس، وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
حكم نذر المعصية.
١٩٤- فلما كان هذا الناذر نذر ما هو سنة وما هو بدعة أمره بالوفاء بالسنة دون البدعة كما في"صحيح البخاري"١ عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه".
١٩٥- وهذا متفق عليه بين أئمة الدين، لكن تنازعوا هل كفارة يمين أو نذر ما ليس مشروعا، بعد اتفاقهم على أنه لا يفعله؟ فقيل: لا شيء عليه، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه ليس في هذا الحديث وغيره أنه أمر له بالتكفير. وقيل: بل عليه كفارة يمين، وهو ظاهر مذهب أحمد٢.
١٩٦-لما ثبت في"صحيح مسلم"٣، عن النبي ﷺ أنه قال:" كفارة النذر كفارة اليمين".
стр. 77
١٩٧- وفي السنن١ عنه أنه قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين".
النهي عن صيام الدهر
١٦٨- وقد ثبت في الصحيح٢ عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه".
١٩٩- وقد استفاض عنه في الصحيح أنه نهى عن مداومة الصيام والقيام وقراءة القرآن في كل ثلاث٣.
٢٠١- كما جاء في الحديث: "أحب الدين إلى [الله] الحنيفية السمحة" ٤.
стр. 78
لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه
٢٠٢- وفي الصحيح١ عنه أنه قال: "إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا".
٢٠٣- وفي" الصحيحين"٢ عنه أنه قال: " أكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا".
٢٠٤- وفي السنن٣ عنه أنه قال: " لكل عامل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن أخفاها فقد ضل".
стр. 79
٢٠٥- وفي لفظ: " ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه".
٢٠٦- فقيل: للحسن البصري لما روى هذا الحديث: إنك إذا مررت بالسوق فإن الناس يشيرون إليك؟ فقال:" لم يرد ذلك وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في دنياه".
الفترة نوعان.
٢٠٧- وهو كما قال الحسن ﵁، فإن من الناس من يكون له شدة ونشاط وحدة واجتهاد عظيم في العبادة، ثم لابد من فتور في ذلك.
٢٠٨- وهم في الفترة نوعان:
٢٠٩- منهم: من يلزم السنة فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهي عنه بل يلزم عبادة الله إلى الممات، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩) .يعني الموت ١.
٢١٠- قال الحسن البصري:" لم يجعل الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت"٢.
стр. 80
٢١١- ومنهم: من يخرج إلى بدعة في دينه أو فجور في دنياه حتى يشير إليه الناس، فيقال: هذا كان مجتهدا في الدين ثم صار كذا وكذا.
٢١٢- فهذا مما يخاف على من بدل عن العبادات الشرعية إلى الزيادات البدعية.
٢١٣- ولهذا قال أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود:" اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"١.
٢١٤- ومع هذا فجنس الجهاد أفضل، بل قد روى أبو هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته.
فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم
стр. 81
ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة".
قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"١.
و"فواق الناقة":ما بين الحلبتين.
شروط العمل.
٢١٥- وجماع الأمر: ما قاله الفضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: ٢) . قال:" أخلصه وأصوبه".
قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟
قال:" إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة"٢.
стр. 82
٢١٦- وهذا كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: من الآية١١٠) .
٢١٧- وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول:" اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا"١.
تعريف العمل الصالح
٢١٨- والعمل الصالح: هو المشروع.
وهو: طاعة الله ورسوله.
وهو: فعل الحسنات التي يكون الرجل به محسنا٢.
٢١٩- قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء:١٢٥) .
٢٢٠- وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:١١٢) .
стр. 83
لا بد في سائر الأعمال الشرعية من السنة
٢٢١- ولابد في الرباط والهجرة والجهاد وسائر الأعمال الشرعية من السنة التي هي روح العمل.
٢٢٢- كما في"الصحيحين"١ عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
٢٢٣- وفي"الصحيحين٢ عنه أنه قيل له: يا رسول الله يقاتل الرجل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
٢٢٤- قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (لأنفال:٣٩) .
٢٢٥- فالله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه لنا من الأحوال والأعمال الباطنة والظاهرة ويجنبنا ما يكرهه لنا من ذلك كله.
стр. 84
٢٢٦- وأعظم من ذلك: أ، يتشاغل المسلمون بقتال بعضهم بعضا كما يجري بين أهل الأهواء، من القبائل وغيرها كقيس ويمن وحرم وتعلب ولحم وجذام وغيرها، مع مجاورتهم للثغور، فيدعون الرباط والجهاد الذي هو سعادة الدنيا والآخرة- كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة: من الآية٥٢) . يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة- ويشتغلون بقتال الفتن والأهواء الذي هو خسارة الدنيا والآخرة.
٢٢٧- وفي"الصحيحين"١ عن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه [قال] : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار".
فقيل يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟
قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
٢٢٨- وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِك َ
стр. 85
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢-١٠٧) .
٢٣٠- وهذه الفتيا لا تحتمل البسط في هذه الورقة، وإنما نبهنا على النكت الجامعة.
الحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
وحسبنا الله ونعم الوكيل.