Полный текст (1 969 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
في كتابه مصححا له من طريق عند أبي داود مختصرا.
وفي تصحيحه له نظر، وذلك أنّ أبا داود رواه في سننه عن هشام وابن مثنى قالا: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كثير، حدّثني محمد بن عبد الرحمن، عن قيس قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال قيس: فرد سعد ردًّا خفيًا، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟ قال: ذره يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا، ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًا خفيًا لتكثر علينا من السلام، قال: فانصرف معه رسول الله ﷺ وأمر له سَعْد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عُبادة، قال: ثم أصاب النبي ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارًا قد وطئ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله ﷺ فقال قيس: فقال رسول الله ﷺ : اركب، فأبيت، فقال: إما أن تركب وإما أن تنصرف، قال: فانصرفت.
قال أبو داود: رواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة، عن الأوزاعي مرسلا، لم يذكرا قيسا، فهذا كما ترى سقط من هذه الطريق محمد بن شرحبيل الذي لم يتصل والله أعلم.
ورواه النسائي من طريق ابن أبي ليلى، فقال عمرو بن شرحبيل، عن قيس بنحوه. وعن محمد بن حاتم، عن حبان، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن النبي ﵇ مرسل. زاد البزار فقال: اللهم صلِ على
стр. 422
الأنصار وعلى ذرية الأنصار وعلى ذرية ذرية الأنصار، ثم أوكف سعد حمارًا له عليه قطيفة فقال لابنه: اذهب فرد الحمار فقال رسول الله ﷺ : اركب على صدر حمارك فإنك ربه، قال: هو لك يا رسول الله.
وذكر هنا حديث ميمونة في اغتساله من الجنابة، وسيأتي ذكره، وفي معناه حديث وائل بن حجر من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن جدّه عنه مرفوعا. فذكر الوضوء، وفيه: ولم أره تنشف.
وحديث عبد الله بن جعفر: ذهب ﵇ إلى الحائط فقضى حاجته ثم توضأ فأقبل والماء يقطر من لحيته على صدره.
ذكرهما أبو علي الحسن بن علي بن شبيب العمري في كتاب ما ينبغي للرجل أن يستعمله في يومه وليلته.
١٩٦ - حدّثنا العباس بن الوليد وأحمد بن الأزهر قالا: حدّثنا مروان بن محمد، ثنا يزيد بن السمط، ثنا الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن سلمان الفارسي: أن رسول الله ﷺ توضأ فقلب جُبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه.
هذا حديث قال عنه أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن الوضين إلا ابن السمَطَ، تفرّد به مروان الطاطري.
يعني: الوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع الخزاعي، أبا كنانة الدمشقي، وإن كان قد قال فيه أحمد بن حنبل: هو ثقة، وفي موضع: ما كان به بأس، كان يرى القدر، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وكذلك قاله دُحَيم،
стр. 423
وقال أبو داود: صالح الحديث، قيل له: هو ثقة؟ قال: نعم ثقة. وتكلّم فيه السعدي بقوله: واهي الحديث.
وقال الحربي: غيره أوثق منه.
وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال: نا أحمد بن يحيى، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا الوليد بن مسلم قال: رأيت الوضين وكان صاحب خُطب، ولم يكن في حديثه بذاك، وذكره الساجي في كتاب الضعفاء، وزعم أنّ عنده حديثًا منكرًا، وهو: وكاءَ السه العينان، ورد ابن عدي هذا الحديث به.
وقال ابن عدي: القول فيه قول دحيم؛ لأنه أعرف به، وضعفه أبو الحسن بن القطان، وما أرى بحديثه بأسا، وكذلك البلخي، ولما ذكر الترَمذي حديث عائشة، عن سفيان بن وكيع، ثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة عنها، قالت: كان للنبي ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.
قال: وفي الباب عن معاذ، نا قتيبة، ثنا رشدين، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين وابن أنعم يضعفان في الحديث.
وقال ابن القاسم في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإِسناد تفرّد به رشدين، قال أبو عيسى: وحديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف عند أهل الحديث. انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه:
стр. 424
الأول: أبو معاذ يقولون فيه: هو ابن أرقم، يعني تخرّصًا لا يقينًا، وقد أبى ذلك الإِمام أحمد بن حنبل حين سأله مهنأ عنه، فقال: هو حديث منكر منكر، وأبو معاذ ياسين بن معاذ وهو ضعيف وهو أقوى من سليمان بن أرقم.
وأما عبد الله الحاكم فإنه لما ذكر ٥ في مستدركه، قال: أبو معاذ هو الفضل بن ميسرة، روى عنه يحيى بن سعيد وأثنى عليه، وهذا حديث صحيح، وقد روي عن أنس وغيره ولم يخرجاه، فليس قوله بأولى من قوليهما.
الثاني: قوله: ولا يصحّ عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء - مردود بحديث أم هانئ، لو لم يكن في الباب غيره، على رأي من لم يفرق بين التنشُّف من الغسل والوضوء.
الثالث: اقتصاره على ذكر حديث معاذ وأغفل ما أسلفناه، وكذا حديث أبي بكر ﵁: أن النبي ﷺ كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.
قال البيهقي: إسناده غير قوي، قال: وإنما رواه أبو عمرو بن العلاء، عن إياس بن جعفر أن رجلا حدّثه: أن النبي ﷺ كانت له خرقة أو منديل يتنشف بها بعد الوضوء وهو المحفوظ.
وقال الدارقطني في كتاب الأفراد والغرائب: هكذا رواه الصولي، عن أبي العيناء، عن سعيد بن أوس عنَ أبي عمرو بن العلاء، عن أنس بن مالك عنه.
ورواه عون بن عمارة، عن أبي عمرو، عن إياس بن صبيح، عن رجل: أن النبي ﷺ كانت له خرقة أو منديل.
وقال غيره: عن أبي عمرو، عن إياس بن جعفر، عن رجل، عن النبي ﷺ .
стр. 425
وحديث أنس بن مالك قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشرانّ، أنا ابن السماك، أنا حنبل بن إسحاق، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: سألت عبد الوارث عن حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي ﷺ كان له خرقة أو منديل فإذا توضأ مسح وجهه، فقال: كان في قطينة، فأخذه ابن علية فلست أرويه، قال الشّيخ: وهذا لو رواه عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس لكان إسناده صحيحا إلَّا أنه امتنع من روايته، ويحتمل أنه كان عنده بالإسناد الأوّل، يعني إسناد حديث أبي العلاء بن العلاء المتقدّم.
ولما سئَل أبو حاتم عنه قال: رأيته في بعض الروايات، عن عبد العزيز: أنه كان لأنس خرقة. وموقوف أشبه، ولا يحتمل أن يكون مسندا.
وحديث منيب الأزدي، أنا به المسند المعمر أبو بكر بن علي الحميري بقراءتي عليه، أخبركم المشائخ أبو المفاخر المخزومي وابن الشمعة وغيرهما، أنا عبد العزيز بن أبي الفتح بن عمر، أنا أبو زرعة، أنا والدي الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، أنا الحسن بن أحمد السمرقندي، أنا أبو العباس جعفر بن محمد الخطيب، أنا الخليل بن أحمد، أنا بن ديزل، ثنا يحيى بن يونس، حدثني أبو الحسن سنبل الشامي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن التيمي، ثنا عتبة بن حماد الحكمي، ثنا مُنِيبْ بن مدرك الأزدي، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية وهو يدعو الناس إلى التوحيد والإِيمان وهم يردون عليه ويسفون التراب على وجهه حتى تعالى النهار، فأقبلت جارية تحمل قدحا ومنديلًا فأخذ النبي ﷺ القدح فغسل وجهه، يعني توضأ، ومسح بالمنديل وجهه ثم قال: يا بنية .. فذكر حديثًا طويلا. قال ابن طاهر: رواه أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، عن سليمان التيمي مختصرًا، وعلونا
стр. 426
فيه إليه.
وحديث أبي مريم إياس بن جعفر بن الصلت، عن فلان، رجل من الصحابة: أن رسول الله ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ رواه النسائي في كتاب الكنى، عن إبراهيم بن يعقوب، ثنا سهل بن حماد، ثنا أبو عمرو بن العلاء، أخبرني أبو مريم .. فذكره.
وروى مَسعَر، عن سويد مولى عمرو بن حُريث: أن عليًا اغتسل فأتي بثوب فدخل فيه، يعني تنشف به، وهذه رواية وكيع، عن مسعر.
ورواه أبو نعيم، عن سُوَيد مولى عمرو بن حُريث، عن عمرو بن حُريث: أنه أتى عليًا وقد اغتسل فأخذ ثوبًا فلبسه، أو قال: دخل فيه ذكرهما أبو بكر الإِسماعيلي في جَمعه حديث مُسعَر.
وقد اختلف الناس في التمندل: فأمّا ابن المنذر فذكر أنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان والحسن بن علي وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود، ورخّص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا.
وروينا عن جابر أنه قال: إذا توضّأت فلا تتمندل. وكره ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن المسيب والنخعي ومجاهد وأبو العالية، وعن ابن عباس كراهيته في الوضوء دون الغسل من الجنابة.
ورخص فيهما آخرون، قال أبو بكر: ذلك كلّه مباح.
قال أبو عيسى: إنما كرهه من كرهه من قبل أنه قيل إن الوضوء يوزن.
روي ذلك عن ابن المسيب والزهري، ثنا محمد بن حميد، ثنا جرير، حدّثنيه علي بن مجاهد وهو عندي ثقة، عن ثعلبة، عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء؛ لأن الوضوء يوزن.
وفي تاريخ الموصل: ثنا العلاء بن أيوب، ثنا سليمان بن محمد
стр. 427
ابن حيان، ثنا يحيى بن عنبسة، عن حميد، عن أنس قال ﵊: لا يتوضأ أحدكم موضع استنجائه فإن الوضوء يوضع مع الحسنات.
وذهب أبو محمد إلى أنه يكره للمغتسل أن يتنشف في ثوب غير ثوبه الذي يلبس، فإن فعل فلا حرج، ولا يكره ذلك في الوضوء.
وأما المنديل فنونه وياؤه زائدتان، وميمه مكسورة، قاله الجوهري، تقول منه: مندلت بالمنديل وتمندلت، وأنكرها الكسائي.
وتمدل بالمنديل لغة في تندل، وفي الجامع: والندل: المسح بالمنديل من غير استعمال، ولا يقال: مدلت؛ لأن المنديل مفعيل من ندلت يده ندلا؛ إذا غمرت، فقيل: منديل؛ لأنه يمسح به ذلك، ويقال: مندل في معنى منديل، وحكى ابن جني فتح الميم، قال: واشتقاقه من الندل وهو الجذب.
وأبو مرة اسمه زيد لزم عقيلًا فنسب إليه وإنما هو مولى أم هانئ، وأم هانئ اسمها فاختة، وصححه الكلاباذي، وقيل: هند، وقال بعضهم: جمانة، قال ابن الحذاء: وهو خطأ، إنما جمانة أمها، وهي شقيقة علي، وفي ذلك نظر؛ لأنّ أم علي لا خلاف في أن اسمها فاطمة إلَّا أن يكون جمانة لقبها، والله أعلم.
стр. 428
باب ما يقال بعد الوضوء
١٩٧ - حدّثنا موسى بن عبد الرحمن، ثنا الحسين بن علي وزيد بن الحبُاب، (ح) وثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، وثنا إبراهيم بن نصر، ثنا أبو نعيم، قالوا: ثنا عمرو بن عبد الله بن وهب أبو سليمان النخعي، ثنا زيد العُمي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ فتح له ثمانية أبواب الجنة، من أيّها شاء دخل.
هذا حديث إسناده ضعيف لضعف روايه زيد العمي المتقدّم الذكر، ولما ذكره الحاكم شاهدًا ضعفه، وكذلك ابن أبي حاتم في علله حين سأل أبا زرعة عنه، وخرجه ابن منده في كتاب الوضوء من تأليفه من حديث عمرو بن عبد الله بن موهب، عن زيد.
وذكر القشيري أن المستغفري خرجه في الدعوات، وقال: هذا حديث حسن.
١٩٨ - حدّثنا علقمة بن عمرو الرؤاسي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء البجلي، عن عقبة بن عامر الجهني، عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء.
هذا حديث خرجه أبو عيسى من حديث أبي إدريس وأبي عثمان، عن عمر، وقال: هذا حديث في إسناده اضطراب، قال الدارقطني: رواه عبد الله بن عطاء.
стр. 429
وقيل: عن ابن عطاء، عن سَعْد بن إبراهيم، عن زياد بن مخراق، عن شَهْر بن حَوشب، ففسّد الحديث عند شعبة لما فحص عنه.
وفي كتاب العلل للحربي: ثنا المثنى، عن معاذ قال: قلت لأبي: لم ضربت على حديث عقبة بن عامر هذا من كتاب شعبة؟ فقال: سل بشر بن المفضل عنه، فسألته فقال: ثنا شعبة قلت لأبي إسحاق: ممن سمعت حديث عقبة هذا؟ قال: من الأسود الذي يجالسنا، فذكر أسود ليس بشيء، فسألت أسود، فقال: سمعته من ابن المنكدر، فلقيت ابن المنكدر في الحج فسألته فقال: حدّثني به زياد ن مخراق، فرجعت إلى البصرة فسألته فقال: بلغني عن شهر. ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.
وفيما قاله نظر؛ لأنّ مسلما - رحمه الله تعالى - ذكر في صحيحه: حدّثني محمد بن حاتم، ثنا ابن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة، يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، وحدّثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإِبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث الناس فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلى ركعتين فيقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة.
قال: فقلت: ما أجوّد هذه، فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال لي: قد رأيتك جئت آنفا، قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو يسبغ - وضوءه ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
وثناه أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن حُباب، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن جبير بن نُفير، عن عقبة به.
ولما خرجه أبو عوانة في صحيحه بين أنّ معاوية بن صالح هو القائل: وحدّثني ربيعة بن يزيد، ولما خرجه ابن منده قال: هذا حديث
стр. 430
مشهور من طرق عن عقبة وعن عمر، والعجب من أبي عيسى في إخراجه حديث أبي إدريس وتركه حديث غيره وهو قد سأل البخاري في كتاب العلل، عن حديث أبي إدريس فقال: هذا خطأ إنّما هو معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن عقبة، عن عمر ومعاوية عن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر، وليس لأبي إدريس سماع من عمر، قلت: من أبو عثمان هذا؟ قال: شيخ لم أعرف اسمه.
فالذي يصححه يجعل رواية أبي إدريس وأبي عثمان مرسلة، ويأخذ بالزيادة في إثبات عقبة بن عامر بين أبي إدريس وعمر، وإثبات جبير بن نفير بين أبي عثمان وعمر، فإن الأخذ بالزائد أولى.
وفي علل أبي الحسن: رواه عن عقبة، عن عمر: أبو إدريس وجبير وليث بن سليم الجهني وابن عم زهرة بن مَعْبد ومحمد بن ثابت القرشي، وممطور والقاسم أبو عبد الرحمن وأبو الأحوص حكيم بن عُمير وحميد بن هلال، ولم يسمع من عقبة.
وأحسن أسانيده ما رواه معاوية، عن ربيعة، عن أبي إدريس وأبي عثمان عن جبير، عن عقبة.
وحديث يحيى بن حمزة، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة - ليس به بأس أيضًا.
ورواه يزيد بن أبي منصور، عن دخين أبي الهيثم، عن عقبة، عن أبي بكر الصديق، وذكره ابن أبي غرزة في مسند عقبة من تأليفه، عن أبي نعيم، ثنا خالد بن إياس، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن عقبة، وذكره أبو جعفر أحمد بن سنان في مسنده، عن يعقوب بن محمد الزهري، ثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت، حدّثني أبي، عن عقبة قال: حدثني عمر بن الخطاب بنحوه مختصرا، وذكره أبو القاسم في الأوسط، يعني اللفظ الذي سقناه مطولًا عن عقبة
стр. 431
قال: جئت في اثني عشر راكبًا حتى حللنا بالنبي ﷺ فقال أصحابي: من يرعى إبلنا وننطلق نحن نقتبس من النبي ﷺ فإذا راح أقبسناه ما سمع من النبي ﷺ فقلت: أنا، ثم قلت في نفسي: لعلي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع، فحضرت يوما فسمعت رجلا يقول: قال نبي الله: من توضأ وضوءا كاملا ثم قام إلى صلاته كان من خطيئته كيوم ولدته أمه، فتعجبت من ذلك، فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشدّ عجبًا، فقلت: اردد علي جعلني الله فداك، فقال عمر: إن نبي الله قال: من مات لا يشرك بالله شيئًا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، ولها ثمانية أبواب، فخرج علينا نبي الله ﷺ فجلست مستقبله فصرف وجهه عني ثلًاثا، فلما كانت الرابعة قلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لم تصرف وجهك عني؟ فأقبل علي فقال: أواحدٌ أحب إليك أو اثنا عشر؟ مرتين أو ثلاثًا، فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي.
فال أبو القاسم: لم يروه عن الوضين - يعني: عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة - إلا يحيى بن حمزة.
وأما قول الترمذي: وفي الباب عن أنس وعقبة، فقد أغفل حديثًا رواه ثوبان مرفوعًا: من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة، يدخل من أيّها شاء.
ذكره البزار في كتاب السنن، عن ابن مثنى، عن شجاع بن الوليد، ثنا أبو سعد، عن أبي سلمة عنه. وقال: لا نعلمه يروى عن ثوبان إلا من هذا الوجه.
وفيما قاله نظر؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث مسور بن مورع العنبري، ثنا الأعمش، عن سالم أبي الجعد، عن ثوبان مرفوعًا بلفظ: فساعة يفرغ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم اجعلني من
стр. 432
التوابين واجعلني من المتطهرين .. الحديث.
وقال: لم يروه عن الأعمش إلا مسور، وحديثًا ذكره النسائي في كتاب اليوم والليلة من حديث يحيى بن كثير أبي غسان، عن شعبة، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك؛ كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة.
ثم رواه عن ابن بشار، عن محمد عن شعبة، عن أبي هاشم سمعت أبا مجلز يُحدث عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، قال: ما من مسلم .. موقوفا.
وفي مسائل حرب: ثنا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، عن أبي هاشم، فذكره مرفوعا بلفظ: من توضأ فقال عند فراغه. ثم قال: طبع على طابع، فيرفع تحت العَرش فلا يقضي إلى يوم القيامة.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث يحيى عن شعبة، وقال: لم يرو هذا الحديث مرفوعا عن شعبة إلا يحيى.
وفي فوائد المزكي تخريج الدارقطني حديث روح بن القاسم، عن أبي هاشم مرفوعا بلفظ: من توضأ ففرغ من وضوئه فقال: سبحانك اللهم وبحمدك .. الحديث.
قال: غريب عن روح، تفرد به عيسى بن شعيب، عن روح، وقد رواه ابن منده في كتاب الوضوء بزيادة البسملة في أوله، وقد تقدّم ذكره،، عن سليمان، عن شقيق، عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : إذا فرغ أحدكم من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله،
стр. 433
ويصل علي، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الرحمة.
، ثنا الأعمش بزيادة: إذا تطهر أحدكم فليذكر الله؛ فإنه يطهر جسده كلّه، فإن لم يذكر أحدكم اسم الله على طهوره لم يطهر إلا ما مرّ عليه، وإذا فرغ .. الحديث.
ولما ذكره أبو موسى في كتاب الترغيب والترهيب قال: هذا حديث مشهور له طرق: عن عمر وعقبة وثوبان وأنس، وليس في شيء منها ذكر الصلاة إلا في هذه الرواية، وحديثا ذكره أبو الحسن البغدادي من حديث صالح بن عبد الجبار، أنبأنا ابن البيلماني، عن أبيه عبد الرحمن بن البيلماني، عن عثمان بن عفان يرفعه: من توضأ هكذا ولم يتكلم ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله .. الحديث. وفيه: غفر له ما بين الوضوءين.
وفي مسند عثمان للقاضي أحمد بن علي: من توضأ فغسل يديه ثلاثًا ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح برأسه، ثم غسل رجليه .. الحديث رواه عن القواريري، ثنا محمد بن الحارث الحارثي عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني.
وأما الدعاء عند غسل كل عضو فمروي عن علي عن النبي ﷺ من طرق، وفي كلّها ضعفاء ومجاهيل، وفي بعضها مع ذلك انقطاع.
ذكر منها ابن عساكر طرفا في أماليه وابن الجوزي، والله أعلم.
ولما دخلت حمص سنة تسع وسبعمائة أفادني بها بعض الفضلاء جزءًا من الحديث لا أدري الآن من خرّجه ولا ما سنده، فيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ عند فراغه من وضوئه سورة القدر، ثم يرفع رأسه فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله .. الحديث.
стр. 434
باب الوضوء في الصفر
١٩٩ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن الماجشون، ثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد صاحب النبي ﷺ قال: أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صُفر فتوضأ به.
هذا حديث خرجه البخاري وخرج مسلم أصله ولم يذكر التور.
٢٠٠ - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه، عن زينب بنت جحش أنه كان لها مُخضَبٌ من صُفر قالت: كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ فيه.
هذا حديث إسناده صحيح، إبراهيم وثقه ابن حبان وأبوه محمد روى عنه أيضًا مولاه أبو كثير.
وقال ابن أبي حاتم: له صحبة، قتل أبوه يوم أحد وهو غير مطابق لما ترجم له أبو عبد الله، والذي رواه أحمد في مسنده مطابق فكان أولى بالذكر قالت: إن النبي ﷺ كان يتوضأ في مخضب من صفر، ولفظه في الأفراد: توضأ النبي ﷺ في مخضبي هذا مخضب من صفْر.
ورواه من حديث الدراوردي، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه عنها، وعن الدراوردي، عن إبراهيم بن عبد الله بن جحش عنها، وقال: اختلفا في إسناده وهو حديث غريب تفرد به الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، ولفظه عند أبي عبيد: إن زينب كانت تغسل رأس النبي ﷺ في مخضب
стр. 435
من صفر، قال العمري: وقد رأيت ذلك المخضب.
٢٠١ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ توضأ في تور.
هذا حديث إسناده صحيح، وهو غير مطابق أيضا؛ إذ التور يكون من غير الصفر، والله أعلم.
وفي الباب أيضا حديث عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبّه ذكره أبو داود.
وقال أبو القاسم الطبراني: لم يروه عن شعبة - يعني: عن هشام عن أبيه - إلا حماد بن سلمة، ولا عنه إلا حوثرة بن أشرس، تفرد به عبد الله.
وفي صحيح ابن خزيمة من حديثها أيضًا قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس وسكبنا عليه الماء .. الحديث.
ثم قال: ثنا به محمد بن يحيى، سمعت عبد الرزاق، يذكر عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحوه، غير أنه لم يقل: من نحاس، حين جعل الحديث عن عروة بلا شك.
وخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي كتاب البيهقي، عن عائشة من طريق فيها ضعف، ولكنها متصلة، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ في تور من شبه.
وذكره أبو داود من طريق منقطعة، وفي الأوسط عن جابر: توضأ ﵇ -
стр. 436
في طست فأخذته فصببته في بئر لنا.
وقال: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد، ابن المبارك، أنبأنا عمر بن سلمة بن أبي مزيد المديني، عن أبيه، عن جابر تفرّد به ابن المبارك.
وفي كتاب الطهور لأبي عبيد بن سلام، ثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: كانت الخلفاء يتوضئون في الطست في المسجد.
وعن الحسن قال: رأيت عثمان يصب عليه من إبريق. وعن عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: حدّثني حسن بن علي بن محمد بن علي، ورأيته يتوضأ في تور، فذكر وضوءه، ثم قال: أخبرني أبي، عن أبيه: أنّ عليا كان يتوضأ هكذا.
قال أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر الأشياء.
يروى عن ابن عمر من الكراهة، ثنا حجاج، عن شعبة، عن عبد الله بن جبر الأنصاري قال: جاء ابن عمر إلى بني عبد الأشهل فطلب وضوءا فأتيته بتور من ماء فقال: رده وائتني به في قصعة أو ركوة.
وفي كتاب الإشراف: توضأ أنس بن مالك من طست.
ورخص كثير من أهل العلم في ذلك، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور، وما علمت أني رأيت أحدًا كره الوضوء في آنية الصفر وكذا النحاس والرصاص وما أشبه ذلك، وبه نقول، والأشياء على الإِباحة، وليس يحرم ما هو مباح بموقوف ابن عمر.
وكان الشافعي وإسحاق وأبو ثور يكرهون الوضوء في آنية الذهب والفضة، وبه نقول، ولو توضأ فيه متوضئ أجزأه وقد أساء، وحكي عن أبي حنيفة أنه كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة، وكان لا يرى بأسًا بالمفضّض، وكان لا يرى بالوضوء منه بأسًا.
وفي قوله: ما علمت
стр. 437
أحدًا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس - نظر؛ لأن الصفر هو النحاس.
وفي قول أبي عبيد: لا نعلم أحدا كرهه إلا عن ابن عمر - نظر؛ لما ذكره في الإشراف عن معاوية أيضا.
وأمّا الصّفر: فهو النحاس بالضم، حكاه ثعلب في فصيحه، وروى المطرّز عنه: النّاس كلّهم يقولون: صفر، وأبو عبيدة يكسره، يعني الصاد.
وقال ابن درستويه: سُمّي النحاس صفرا لصفرته، وهو الذي يصنع بالنوشادر ويقال له الشبه؛ لأنه يشبه الذهب.
وفي الجامع: هو النحاس الجيد، والمخضب المركن، وهي الإِجانة التي تغسل فيها الثياب، كذا في الصحاح، وفي الغريب: شبه المركن، والله أعلم.
стр. 438
باب الوضوء من النوم
٢٠٢ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ.
قال الطنافسي: قال وكيع: تعني وهو ساجد.
هذا حديث إسناده على شرط الشيخين.
٢٠٣ - حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج، عن فضيل بن عمرو، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ نام حتى نفح ثم قام فصلى.
هذا حديث إسناده صحيح على شرط مسلم، ولفظ أبي عبد الله أحمد بن إبراهيم الدورقي في مسند ابن مسعود: كان ﵇ ينام وهو ساجد، وكنا نعرف ذلك بنفخه، ثم يقوم فيمضي في صلاته.
رواه عن محمد بن الصلت، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن إبراهيم، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا حجاج، عن فضيل، يعني الفقيمي، عن إبراهيم نحوه.
قال حجاج: فسألت عطاء، فقال: النبي ﵇ ليس كغيره.
ولما ذكره في الأوسط، قال: لم يروه عن الأعمش إلا منصور، وفي سنن الدارقطني عن ابن محمود السمعي، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا أبو خيثمة، عن محمد بن حازم، عن حجاج، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: كان النبي ﷺ ينام مستلقيًا حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ.
стр. 439
٢٠٤ - حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا ابن أبي زائدة، عن حريث بن أبي مطر، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة الأنصاري، عن سعيد بن جبير، عن أبن عباس قال: كان نومه ذلك وهو جالس.
كذا فيما رأيت من النسخ، وفي الأطراف لأبي القاسم زيادة من نفس السنن، يعني النوم الذي لم يتوضأ منه.
ولما رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي هبيرة، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نام وهو قاعد ثم قام فصلى ولم يتوضأ. قال: لم يروه عن أشعث، عن أبي هبيرة عن سعيد إلا شريك.
ورواه غيره عن أشعث، عن أبي هبيرة، عن ابن جبير، وفي موضع آخر: فأخر العشاء حتى نام القوم واستيقظوا، ثم ناموا واستيقظوا، فصلى بهم ولم يذكر أنهم توضئوا.
وقال: لم يروه عن يونس بن عبيد، يعني: عن عطاء عنه، إلا حماد بن سلمة، تفرّد به يونس المؤدب وابن عائشة، وهو حديث إسناده ضعيف لضعف روايه حريث أبي عمرو الحناط الفزاري، فإنه ممن قال فيه البخاري: فيه نظر، وفي رواية عنه: ليس عندهم بالقوي.
وقال عمرو بن علي: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء قط، وهو حريث بن عمرو وهو ضعيف الحديث بابه عبيدة الضبي وعبد الأعلى الجرار ونظرائه، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي وابن عدي.
وقال يحيى بن معين: لا شيء، وفي رواية: ضعيف.
وقال النسائي: متروك الحديث، وكذا قاله علي بن الجنيد.
وقال الحربي في كتاب العلل: ليس هو بحجة، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء.
وقال الساجي: ضعيف الحديث عنده مناكير، ومَعْنى حديثه هذا في صحيح مسلم، بل هو هو، وأوضح في الدلالة من حديث ابن عباس، قال: بت ليلة عند خالتي ميمونة، فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ -
стр. 440
فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني في شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا، فلما تبيّن له الفجر صلى ركعتين خفيفتين.
وفي مسند الإِمام أحمد بن حنبل: ثنا معتمر، ثنا حميد، عن عبد الله بن عبيد، عن رجل قال: رأيت نبي الله ﷺ نام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ.
وسئل عمن نام وهو جالس، فقال: عليه الوضوء، ذكره في تاريخ الموصل من جهة المغيرة بن زياد، عن ابن أبي رباح عنه.
وقد ورد في نوم القاعد غير ما حديث، من ذلك حديث ابن المبارك: ثنا معمّر، عن قتادة، عن أنس قال: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون.
قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشّافعي. انتهى كلامه.
وهو محتمل لما قالوه، لكن وردت زيادة تمنع من هذا التأويل، وتردّه على من أوله، ذكرها أبو محمد بن حزم مصححًا لها، وذكرها أيضًا أبو الحسن بن القطان من رواية يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون الصلاة، فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقوم إلى الصلاة.
قال قاسم بن أصبغ: نا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا ابن بشار، ثنا يحيى بن سعيد .. فذكره.
وهو كما ترى صحيح من رواية إمام، عن شعبة فاعلّمَه.
ورواه البزار من حديث عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أنّ أصحاب النبي ﷺ -
стр. 441
كانوا يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ.
قال الأثرم: قال أبو عبد الله عند ذكر حديث عبد الأعلى: يضعون جنوبهم - ما في هذا أحسن من حديث أنس: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون هكذا قال شعبة. وقال هشام: يخفقون برءوسهم.
وقال ابن أبي عروبة: فيضعون جنوبهم، فتبسم أبو عبد الله، وقال: هذا مرّة، يضعون جنوبهم.
وفي كتاب ابن عدي من حديث محمد بن سليم الراسبي، عن قتادة، عن أنس قال: كنا ننام في مسجد النبي ﷺ فلا نُحْدِثُ لذلك وضوءا.
وقد أكد حديث شعبة ما في الصحيح من حديث ابن عباس ونومه عند النبي ﵇ قال: ثم اضطجع فنام حتى نفخ ولكن قد قال: هو أنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي.
وقال سفيان: هذا للنبي ﷺ خاصة، وكذا قاله عكرمة، فعلى هذا لا حجة فيه على التأكيد، وقد روي ذلك عن عائشة وأنس وجابر وأبي هريرة، وقد روى يزيد بن أبي زياد وهو منكر الحديث، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: وجب الوضوء على كلّ نائم إلا من خفق خفقة برأسه.
قال البيهقي: هكذا رواه جماعة، عن يزيد موقوفا، وروي ذلك مرفوعا ولا يثبت رفعه.
وقال ابن المنذر: حديث ابن عباس هذا لا يثبت.
وفي السنن أيضًا من حديث ابن الجعد: أنبأنا شعبة، عن الجُريري، عن خالد بن غلاق، عن أبي هريرة قال: من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء، وفي لفظ: فسألناه عن استحقاق النوم، فقال: هو أن يضع جنبه. قال البيهقي: وروي ذلك مرفوعا ولا يصح.
وفي كتاب أبي داود، عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء
стр. 442
الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون.
قال أبو داود: زاد فيه شعبة عن قتادة، قال: على عهد النبي ﵇. وفي رواية معمر، عن قتادة: حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا.
وفي كتاب الترمذي من حديث عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أنه رأى رسول الله ﷺ نام وهو ساجد حتى غطّ أو نفخ ثم قام فصلى، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت، قال: إنّ الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله.
قال أبو عيسى: رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه، ولما ذكره دعلج في مسند ابن عباس من تأليفه، قال: سمعت موسى بن هارون يقول: هذا حديث منكر لا نعلم أحدا رواه إلا الدالاني.
والمعروف عن ابن عباس أن النبي ﷺ نام حتى نفخ، ثم صلى، ولم يتوضأ، وليس فيه زيادة على هذا الكلام، ورواه البيهقي من جهة إسحاق بن منصور السلولي عن عبد السلام بلفظ: لا يجب الوضوء على مَنْ نام جالسًا، أو راكعًا، أو ساجدًا حتى يقع جنبه، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله، قال البيهقي: تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني.
ولما رواه أبو داود قال: قوله الوضوء على من نام مضطجعا هو منكر، لم يروه إلا الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة، عن ابن عباس، لم يذكروا شيئا من هذا، وكان النبي ﷺ ..
وقال شعبة: إنّما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن مَتَّى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس حدثني رجال مرضيون.
قال: وذكرت حديث يزيد للإِمام أحمد، فقال: ما للدالاني يدخل
стр. 443
على أصحاب قتادة، ورأيته لا يعبأ بهذا الحديث، وقال في التفرّد، يعني أبا داود: لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية ولم يجئ به إلا يزيد، قال البيهقي: يعني به أحمد، ما ذكره البخاري من أنه لا يعرف لأبي خالد سماع من قتادة.
ولما ذكره ابن أبي داود في كتاب الطهارة من السنن، قال: هذا الحديث معلول، لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا أربع أحاديث معروفة، ليس هذا منها، وهذا مرسل بين قتادة وأبي العالية يحتاج رجلا آخر، وهذه سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الكوفة من غير صحة.
وفي كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء، رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولا نعرف لأبي خالد سماعا من قتادة.
وقال الدارقطني: تفرّد به الدالاني ولا يصح.
وقال البيهقي: وأمّا هذا الحديث فقد أنكره على أبي خالد جميع الحفاظ.
وقال الخزرجي في كتابه تقريب المدارك: حديث أبي العالية هذا منكر، وليس بمتصل الإسناد.
وقول من قال: إنه تفرّد بهذا اللفظ، أعني الدالاني، نظر؛ لما نذكره من متابعة يعقوب عن مقاتل له بعد، والله أعلم.
وفي الاستذكار: حديث أبي خالد هذا عند أهل الحديث منكر، لم يروه غير أبي خالد عن قتادة.
ولما ذكر ابن الجوزي في التحقيق كلام الدارقطني، قال: قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول من وقف الحديث احتياطا، وليس هذا
стр. 444
بشيء، وقول الدارقطني: لا يصح؛ لأنه دعوى بلا دليل، وقد ذكرت هذا الحديث مستوفيا العلل في كتابي المسمى بالسنن في الكلام على أحاديث السنن، ولله الحمد والمنّة.
وفي كتاب الدارقطني من حديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ﷺ قال: من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء.
ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ليث عن عمرو قال: لم يروه عنه إلا الحسن بن أبي جعفر، تفرد به عبد القاهر بن شعيب، ولما ذكره ابن المنذر ضعفه بعمر.
وذكره ابن عدي في كامله من حديث مقاتل بن سليمان المتهم بالوضع عند النسائي عنه.
وفي تاريخ نيسابور من حديث الجارود بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن ابن المسيب عنه يرفعه: الوضوء من سبعة: من إقطار البول، والدم السائل، والقيء، ومن دسعة يملأ بها الفم، والنوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، ومن خروج الدم.
وفي الكامل أيضا من حديث معاوية بن يحيى، وهو واهي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إذا وضع أحدكم جنْبه فليتوضأ.
قال الحربي: هذا حديث منكر، وفيه من حديث قزعة بن سويد، عن يحيى بن كنيز وهو منكر الحديث، عن ميمون الخياط، عن أبي عياض، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنت في مسجد المدينة جالسا أخفق، فاحتضنني رجل من خلفي، فالتفت فإذا النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله، هل وجب علي وضوء؟ قال: لا، حتى تضع جنبك.
قال البيهقي: تفرّد به بحر السقاء، وفيه أيضًا حديث ابن عباس مرفوعًا: وجب
стр. 445
الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين.
قال الدارقطني: إنما يروى عن ابن عباس من قوله، وقد تقدّم.
٢٠٥ - حدّثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا بقية، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ.
هذا حديث لما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء في ترجمة الوضين قال: عنده حديث واحد منكر، وذكر هذا ثم قال: ورأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن ولا أراه وضعه إلا وهو صحيح عنده، ولما سئل أحمد عن هذا الحديث وحديث معاوية، قال: حديث علي أثبت وأقوى.
وفي الخلافيات نحوه، ولما ذكره أبو محمد الفارسي قال: هذا أثر ساقط، وقال أبو محمد الإشبيلي: حديث علي ليس بمتصل، وقال ابن القطان: هو كما قال ليس بمتصل، ولكن بقي عليه أن يبيّن أنه من رواية بقية، وهو ضعيف عن الوضين وهو واهي، قاله السعدي، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، وهو مجهول الحال عن علي، ولم يسمع منه، فهذه ثلاث علل سوى الإِرسال، كل واحدة تمنع من تصحيحه مسندًا كان أو مرسلًا، وفيما قاله نظر، حيث قال عن ابن عائذ مجهول الحال، وليس كذلك؛ فإنه ممن ذكره ابن حبان في كتابه، ومع ذلك فهو ممن لا يحتاج إلى معرفة حاله ولا الكشف
стр. 446
عنها لكونه صحابيًا مشهورًا بذلك، قد ذكره في الصحابة جماعة، منهم البغوي ابن بنت منيع وأبو نعيم الأصفهاني والعسكري.
وقال: كان من أصحاب النبي ﵇ وأصحاب أصحابه، وكان من حملة العلم، وذكر له حديثًا فيه: سمعت النبي ﷺ يقول: لو حلفت يمينًا لبَررْت أنه لا يدخل الجنة قبل الرعيل الأول من أمتي قبل خمسة عشر إلا إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وإسحاق والأسباط وعيسى وموسى ومريم ابنة عمران.
وقال أبو عمر: عبد الله بن عبد، ويقال: عبد بن عبد أبو الحجاج الثمالي، ويقال: عبد الله بن عائذ من الأزد، يُعدّ في الشاميين، حديثه عند بقية بن الوليد.
ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال: يقال: إن له صحبة، قاله صفوان بن عمرو السكسكي.
وفي قول أبي محمد الإشبيلي: حديث علي ليس بمتصل - نظر، إن أراد الحديث الذي من رواية عبد الرحمن بن عائذ فمسلم، على أن ابن حبان ذكر أنه روى عن علي، قال: وقد قيل: إنه لقي عليا، روى عنه أهل الشام وإن أراد نفس الحديث فغير مسلم؛ لما أسلفناه من رواية غير عبد الرحمن والله أعلم.
وفي رواية البيهقي من حديث بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس، عن معاوية قال ﵇: العين وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء.
قال: ورواه مروان بن جناح والوليد بن مسلم، عن عطية، عن معاوية موقوفا، والوليد ومروان أثبت من أبي بكر بن أبي مريم، وبمثله قاله ابن عدي في الكامل، ولما ذكره في الخلافيات من حديث ابن عباس وأبي هريرة قال: حديث علي الذي يرويه الوضين أثبت منه في هذا الباب.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ، وأبو محمد بن حزم: حديث علي ومعاوية ضعيفان، زاد أبو عمر: ولا حجة فيهما من جهة النقل.
ولما رواه عبد الله بن أحمد وجادة في كتاب أبيه بخط يده، قال: كان في المحنة، وقد ضرب على هذا الحديث في كتابه، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة، عن حديث
стр. 447
علي ومعاوية قالا: ليسا بقويين. ولما ذكره ابن أبي داود في سننه من حديث الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية، قال: هذه سنة تفرد بها أهل حمص، وقال ابن الجوزي: فيهما مقال.
٢٠٦ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن صفوان بن عسال قال: كان النبي ﷺ يأمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.
هذا حديث رواه ابن ماجه في موضع آخر، ورواه ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان مطولًا بلفظ: أتيت صفوان بن عسال، أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم، فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، قلت: إنه حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي ﵇ فجئت أسألك: هل سمعت في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنّا سفرا - أو مسافرين - أن لا ننزع خفافنا بعد ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم، قال: قلت: هل سمعته يذكر في النجوى شيئا؟ قال: نعم، كنا مع النبي ﷺ في السفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد، فأجابه رسول الله ﷺ بصوت على نحو من صوته: هاؤم، قلنا: ويحك اغضض من صوتك، فإنك عند النبي ﵇ وقد نهيت عن هذا، فقال: والله لا أغضض صوتي، قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، قال النبي ﷺ : المرءُ مع من أحب يوم القيامة، فما زال يحدّثنا حتى ذكر بابا من قبل المغرب مسيرة سبعين عامًا عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا.
قال سفيان: قبل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا،
стр. 448
يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه.
ورواه الترمذي، عن أحمد بن عبدة، ثنا حماد بن زيد، عن عاصم، وقال: حسن صحيح.
وخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن أحمد بن عبدة، ثنا حماد وعن علي بن خشرم، نا ابن عيينة والحافظ أبو حاتم البستي، عن الحسين بن محمد بن أبي معشر، ثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي، ثنا زهير بن معاوية، عن عاصم، ونا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف، ثنا سفيان، وأنا عبد الله بن محمد الأزدي، نا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن عاصم، وأنا ابن خزيمة، ثنا محمد بن يحيى وابن رافع، أنا عبد الرازق .. فذكره.
ولما ذكره الحاكم في مستدركه قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وخرجه ابن الجارود في منتقاه، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، ثنا سفيان، وصححه أبو محمد بن حزم.
وفي كتاب ابن السكن ما يرد على الحاكم قوله، وهو: وقال الصعق بن حزن، عن علي بن الحكم، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن ابن مسعود قال: جاء رجل من مراد يقال له صفوان .. فذكر هذا الحديث.
وفي معجم الطبراني من جهة عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زر بقصة المسح. والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة قال ﵇: من وضع جنبه فنام فليتوضأ، فإن الحربي لما ذكره في علله قال: هذا منكر لم يروه عن الزهري إلا معاوية بن يحيى.
السَّه: اسم من أسماء الدبر. وقيل: هي حلقة الدبر فيما ذكره الهروي، والوكاء:
стр. 449
الحبل الذي يشد به القربة، قال:
ولا القرب وكاء الزاد أحسبه … لقد علمت بأن الزاد مأكول
وفي بعض الأمالي: حفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء.
قال أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف: واختلفوا في الوضوء من النوم، فكان الحسن يقول: إذا خالط النوم قلب أحدكم فليتوضأ، وهو قول سعيد بن المسيب وإسحاق وأبي عُبيد، وروينا معناه عن أبي هريرة وابن عباس وأنس.
وقال الزهري وربيعة ومالك: إن نام قليلًا قاعدًا لم ينتقض وضوؤه، وإن تطاول ذلك توضأ.
وقال الأوزاعي معنى ذلك، وبه قال أحمد، وكان حماد بن أبي سليمان والحكم وسفيان وأصحاب الرأي يقولون: إنّ من نام قائمًا أو قاعدًا فلا ينتقض وضوؤه، وإذا نام مضطجعًا أو متكئًا انتقض وضوؤه، واحتجوا بحديث عن ابن عباس لا يثبت.
وفيه قول رابع: وهو أن من نام ساجدًا في صلاة فليس عليه وضوء، فإن نام ساجدًا في غير صلاة توضأ، وإن تعمّد النوم ساجدًا في الصلاة فعليه الوضوء، وهو قول ابن المبارك.
وفيه قول خامس: وهو أن من زال عن حدّ الاستواء قاعدًا أو نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا فعليه الوضوء وهو قول الشافعي.
وفيه قول سادس: وهو أن الوضوء لا يجب من النوم على أي حال كان حتى يحدث حدثًا غير النوم، روي معنى هذا القول عن أبي موسى الأشعري.
قال في شرح السنة: وهو قول الأعرج، قال ابن المنذر: وعن ابن المسيب أنه كان ينام مرارًا مضطجعًا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء، قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول استدلالًا بالسنة، وبإجماعهم على أنّ من زال عقله بغير النوم فعليه الوضوء، والنائم زائل العقل أو في معناه.
وقال ابن حزم: والنوم في ذاته حدث ينقض الوضوء سواء قلّ أو كثر، قاعدًا أو قائمًا، في صلاة أو غيرها، أو راكعًا أو ساجدًا أو متكئًا أو مضطجعًا، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا، برهان
стр. 450
ذلك حديث صفوان، فعم ﵇ كل نوم، ولم يخص قليله من كثيره ولا حالًا من حال وسوى بينه وبين الغائط والبول، وهذا قول أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن وابن المسيَّب وعكرمة والزهري والمزني وغيرهم، وذهب الأوزاعي إلى أن النوم لا ينقض كيف كان، ويرده ما أسلفناه من عند ابن المنذر.
قال أبو محمد: وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة، وعن ابن عمر ومكحول وعبيدة، وذكر حديث فيضعون جنوبهم، وحديث ينامون ثم يصلون، قال: لو جاز القطع بالإِجماع فيما لا يتيقن أنه لم يشذ عنه أحد؛ لكان هذا يجب أن يقطع فيه بأنه إجماع، لا تلك الدعاوى التي يدعونها، وذهب داود بن علي إلى أنّ النوم لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع فقط، وهو قول روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر، وصح عنه، وصح عن النخعي وعطاء والليث والثوري والحسن بن حي.
وذهب أبو حنيفة إلى قول - يعني ما تقدم - لا نعلمه عن أحد من المتقدّمين إلَّا أن بعضهم ذكر ذلك عن ابن أبي سليمان والحكم، ولا نعلم كيف قالا، وأمّا قول الشّافعي فما نعلم تقسيمه يصح عن أحد من المتقدّمين، إلا أنّ بعض الناس ذكر ذلك عن طاوس وابن سيرين، ولا نحققه. انتهى كلامه.
وفيما حكاه أنه رواه البيهقي من جهة يزيد بن أبي زياد، قال: وقد روي مرفوعا، والمرسل إذا عُضِّده مرسل آخر أو قول صحابي كان عند جماهير المحدثين أقوى من مسندٍ لو عارضه. والله أعلم.
стр. 451
باب الوضوء من مس الذكر
٢٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بُسرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ.
هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فأما أبو عيسى الترمذي فإنه لما رواه من جهة يحيى بن سعيد، عن هشام، أخبرني أبي، عن بسرة قال فيه: حسن صحيح.
قال: وهكذا روى غير واحد مثل هذا، عن هشام، عن أبيه، عن بُسرة، وقد روى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام عن أبيه عن مروان عن بسرة، ورواه أبو الزناد، عن عروة، عن بُسرة، ولما سأل البخاري عنه في كتاب العلل، قال: أصح شيء عندي في مس الذكر حديث بسرة، وال حيح عروة، عن مروان، عن بسرة.
وذكر البيهقي، عن إسماعيل القاضي قال: سمعت ابن المديني يقول، وذكر حديث شعيب بن إسحاق، عن هشام الذي يذكر فيه سماع عروة من بسرة، فقال علي: هذا مما يدّلك أنّ يحيى بن سعيد قد حفظ عن هشام، عن أبيه، أخبرتني بسرة، وقال ابن عدي في كامله: إنّما رواه عروة عن بسرة، ولما سأل داود بن عبد الرحمن أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قلت: حديث بسرة ليس بصحيح في مسّ الذكر، قال: بلى هو صحيح، وذلك أنّ مروان حدثهم ثم جاءهم الرسول عنها بذلك، وروى يعقوب بن سفيان، عن أحمد أنه سئل عن حديث بسرة، فقال: هو صحيح، وأنا أذهب إليه، قيل له: على الاختيار أو على الوجوب؟ قال: على الاختيار.
وفي كتاب الميموني: قلت لابن معين: أي حديث عن النبي ﵇ أثبت في الوضوء من
стр. 452
مسّ الذكر قال: حديث بسرة صحيح من أثبتها، وإنّما يطعن عليه من لا يذهب إليه، قلت: فلم لا تتوضأ أنت منه؟! قال: لأنيْ رأيت أصحاب النبي ﷺ لا يتوضأ بعضهم، قلت: فإذا اختلف الصحابة في شيء وأنت تجده عن النبي ﵇ تدعه؟
ولما سأله مضر بن محمد قال: ما صح فيه شيء إلا حديث بسرة وحديث بسرة فيه شيء، ولما خرجه الحافظ أبو بكر بن إسحاق السلمي في صحيحه من حديث هشام، عن أبيه، عن مروان عنها، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أنا ابن وهب، عن مالك قال: أرى الوضوء من مس الذكر استحبابًا لا أوجبه، وكان الشّافعي يوجب الوضوء من مس الذكر اتباعا لخبر بسرة لا قياسا.
قال أبو بكر: وبقول الشافعي أقول؛ لأنّ عروة قد سمع خبر بسرة منها، لا كما توهمه بعض الناس من أنّ الخبر واهي لطعنه في مروان.
ولما ذكره ابن حبان في صحيحه من جهة عروة سمعت بُسرة؟ قال: معاذ الله أن نحتج بمروان. وخرجه ابن الجارود في منتقاه من حديث عروة، عن مروان، وفي آخره: قال عروة: فسألت بسرة فصدقته.
ولما ذكره في المعرفة قال: إذا ثبت سؤال عروة بسرة له كان صحيحًا على شرط البخاري ومسلم جميعًا.
ولما خرجه ابن البيع في مستدركه من جهة خلف، عن حماد بن زيد، عن هشام أنّ عروة كان عند مروان، فسئل عن مس الذكر، فقال عروة: إن بسرة حدّثتني أنّ النبي ﵇ قال: إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فلا يصل حتى يتوضأ، فبعث مروان حرسيا … الحديث.
قال: هكذا ساق ابن زيد هذا الحديث، وذكر فيه سماع عروة من بسرة، وخلف بن هشام ثقة، وهو أحد أئمة القراء، ومما يدل على صحة روايته رواية الجمهور من أصحاب هشام، عن أبيه، عن
стр. 453
بسرة، منهم: أيوب السختياني وقيس بن سعد المكي وابن جريج وابن عيينة، وعبد العزيز بن أبي حازم ويحيى بن سعيد وحماد بن سلمة ومعمر وهشام بن حسان وعبد الله بن محمد أبو علقمة وعاصم بن هلال ويحيى بن ثعلبة المازني وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي وعلي بن المبارك وأبان العطار ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري، والدراوردي ويزيد بن سنان وعبد الرحمن بن أبي الزناد وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وجارية بن هرم الفقيمي وأبو مَعْشر وعباد بن صهَيب وغيرهم.
وقد خالفهم فيه جماعة، فرووه عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، منهم: الثوري ورواية عن هشام بن حسان ورواية عن حماد بن سلمة ومالك ووهيب بن خالد وسلام بن أبي مطيع وعمر بن علي المقدمي وعبد الله بن إدريس وعلي بن مُسهر وأبو أسامة وغيرهم.
وقد ظهر الخلاف فيه على هشام من أصحابه، فنظرنا فإذا القوم الذين أثبتوا سماع عروة من بسرة أكثر، وبعضهم أحفظ من الذين جعلوه عن مروان، إلا أنّ جماعة من الأئمة الحفاظ ذكروا عن مروان، منهم: مالك والثوري ونظراؤهما، فظن جماعة ممن لم يمعن النظر في هذا الاختلاف أنّ الخبر واهي، لطعن أئمة الحديث على مروان، فنظرنا فوجدنا جماعة من الثقات الحفاظ رووه عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، ثم ذكروا في رواياتهم أنّ عروة قال: ثم لقيت بعد ذلك بسرة فحدّثتني بالحديث كما حدّثني مروان عنها؛ فدّلنا ذلك على صحة الحديث وثبوته على شرط الشيخين، وزال عنه الخلاف والشبهة، وثبت سماع عروة من بسرة.
فممن بين ما ذكرنا من سماع عروة منها: شعيب بن إسحاق
стр. 454
الدمشقي وربيعة بن عثمان التيمي والمنذر بن عبد الله الحزامي وعنبسة بن عبد الواحد القرشي وأبو الأسود حميد بن الأسود الثقة المأمون.
وقد رواه عن عروة جماعة، منهم: عبد الله بن أبي بكر وابن شهاب وأبو الزناد ومحمد بن عبد الله بن عروة ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري والحسن بن مسلم بن يناق وغيرهم من التابعين وأتباعهم.
ورواه عن بسرة جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وابن أبي مليكة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وسليمان بن موسى.
ولما سئل أبو داود عن أصح حديث في مسّ الذكر، قال: حديث عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، ولما ذكره أبو محمد الفارسي في كتابه محتجا به مصححا له، قال: فإن قيل: إن هذا رواه الزهري عن عروة، وعن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، قلنا: مرحبا بهذا، عبد الله ثقة، والزهري لا خلاف في أنه سمع من عروة وجالسه، فهذا قوة للخبر، والحمد لله تعالى، ولما ذكره الإشبيلي صححه، وكذلك ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك.
وقال البغوي في شرح السنة: هو حديث حسن.
وقال أبو بكر الحازمي: حديث بسرة - وإن لم يخرجاه - لاختلاف يقع في سماع عروة؛ إذ هو عن مروان عنها، فقد احتجا بسائر رواة حديثها مروان فمن دونه، وكلامه يقتضي أنهما خرجا لمروان، وليس كذلك؛ لأنه معدود في أفراد البخاري، وبنحو ما قلناه نبّه عليه البيهقي في المعرفة وصححه أيضا ابن السكن وأبو عمر وابن وضاح، وقال ابن
стр. 455
الجوزي في التحقيق: هذا السند لا مطعن فيه.
وأما الذين ضعفوه فالدارقطني لما ذكره في كتاب العلل قال بعد كلام: فلما ورد الاختلاف على هشام أشكل أمر هذا الحديث، وظن كثير من الناس ممن لم يمعن النظر في الاختلاف أن هذا الحديث غير ثابت؛ لاختلافهم فيه؛ لأن الواجب في الحكم أن يكون القول قول من زاد في الإِسناد؛ لأنهم ثقات، والثقات زياداتهم مقبولة، فحكم قوم من أهل العلم بضعف الحديث لطعنهم على مروان، وقال الفلاس: حديث قيس عندنا أثبت من حديث بسرة. وقال ابن معين: أي حديث، حديث بسرة لولا أن قاتل طلحة في الطريق، وكان ابن المديني يقول نحو ذلك، وفي كتاب الدبوسي: قال ابن معين: ثلاثة أخبار لا تصح عن النبي ﵇ منها حديث من مس ذكره فليتوضأ.
قال الحربي في كتاب العلل: حديث بسرة يرويه شرطي عن شرطي، عن امرأة، وهو مخالف لما قدمناه عن ابن معين.
وروى الدارقطني في سننه: ثنا محمد بن الحسن النقاش، ثنا عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، نا رجاء بن مرجا الحافظ، قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فتناظروا في مسّ الذكر، فقال يحيى: يتوضأ منه، وقال علي بقول الكوفيين، وتقلد قولهم، واحتج ابن معين بحديث بسرة، واحتج علي بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلّد إسناد بسرة، ومروان أرسل شرطيًا حتى ردّ جوابها إليه؟ فقال يحيى: وقد أكثر النّاس في قيس بن طلق، ولا يحتجّ بحديثه، فقال أحمد: كلا الحديثين على ما قلتما.
فقال يحيى: مالك عن نافع، عن ابن عمر: أنه توضأ من مس الذكر.
فقال علي: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه، وإنما هو بضعة من جسدك، فقال يحيى: من قال: سفيان، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن عبد الله، فإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر،
стр. 456
واختلفا، فابن مسعود أولى أن يتبع، فقال له أحمد: نعم، ولكن أبو قيس لا يحتج بحديثه فقال: حدّثني أبو نعيم، ثنا مُسعَر، عن عمير بن سعيد، عن عمار بن ياسر فقال: ما أبالي مسسته أو أنفي، قال أحمد: ابن عمر وعمار استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا.
وذكر الخطابي أنّ هذه المناظرة كانت بين أحمد ويحيى وأنّ أحمد احتج بحديث ابن عمر ولم يرفعه يحيى.
فلعلّهما واقعتان، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي في شرحه من جهة عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بلفظ: فأرسل إليها مروان شرطيا، قال: هذا عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسا، وذلك لأنها عنده في حال من لا يؤخذ ذلك عنها، ففي تضعيف من هو أقل من عروة لبسرة ما يسقط به حديثها، وقد تابعه على ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وقال: لو وضعت يدي في دم أو حيض ما نقض وضوئي، فمس الذكر أيسر أم الدم؟ وكان يقول لهم: ويحكم مثل هذا يؤخذ به ويعمل بحديث بسرة، والله لو أن بسرة شهدت على هذا الفعل لما أجزت شهادتها، فلم يكن في الصحابة من يقيم هذا الدين إلا بسرة، قال ابن زيد: على هذا أدركنا مشيختنا، ما منهم واحد يرى في مس الذكر وضوءا، وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا؛ لأنّ مروان ليس عنده في حال من يجب القبول من مثله، فإنّ خبر شرطي مروان عن بسرة دون خبره عنها، فإن كان خبر مروان في نفسه عند عروة غير مقبول فخبر شرطيه إيّاه عنها بذلك أحرى أن لا يكون مقبولا، وأيضا فهذا الحديث لم يسمعه الزهري من عروة، إنّما دلّس به عن عبد الله بن أبي بكر عنه، فصار الأثر إنما هو عن الزهري، عن عبد الله بن عروة، فقد حطّ بذلك درجة؛ لأنّ عبد الله في حديثه عن عروة كحديث الزهري، عن عروة، ولا عبد الله في حديثه عندهم بالمتقن، لقد حدّثني يحيى بن عثمان، ثنا ابن وزير
стр. 457
سمعت الشّافعي سمعت ابن عيينة يقول: كنّا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عن واحد من نفر سماهم، منهم: عبد الله بن أبي بكر سخرنا منه؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث، وأنتم قد تضعفون الحديث، ما هو مثل هذا بأقل من كلام ابن عيينة.
وقال آخرون: الذي بين الزهري وعروة في هذا الحديث أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فإن قالوا: فقد روى هذا الحديث هشام عن أبيه، فليس ممن تكلّم في روايته بشيء، قيل له: إنّ هشاما لم يسمع هذا من أبيه، إنما أخذه من أبي بكر أيضًا، فدلس به عن أبيه، ثنا بذلك سليمان بن شعيب، ثنا الخصيب، ثنا همام، عن هشام، قال: حدّثني أبو بكر بن محمد، عن عروة، فإن قالوا: فقد رواه عن عروة غير الزهري وهشام وهو ما رواه ابن لهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة به، فقيل لهم: كيف تحتجون في هذا بابن لهيعة وأنتم لا تجعلونه حجة لخصمكم فيما يحتج به عليكم؟ ولم أرد بشيء من ذلك الطعن على عبد الله بن أبي بكر ولا ابن لهيعة ولا غيرهما، ولكني أردت بيان ظلم الخصم، فثبت وهاء حديث الزهري بالذي دخل بينه وبين عروة، ووهاء حديث الزهري أيضا وهشام بالذي بين عروة وبسرة؛ لأن عروة لم يقبل ذلك، ولم يرفع به رأسا، وقد يسقط الحديث بأقل من ذلك، فإن احتجوا في ذلك بحديث يحيى بن أبي كثير أنه سمع رجلا يحدّث في مسجد النبي ﵇ بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن بسرة سألت النبي ﵇ … الحديث، قيل لهم: أنتم تزعمون أنّ عمرا لم يسمع من أبيه شيئا، إّنما حدّيثه صحيفة، فهذا على قولكم منقطع والمنقطع لا يجب به عندكم حجة. انتهى قوله.
وعليه فيه مآخذ:
الأول: قوله: إنّ عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسًا، وذلك أنها عنده في حال من لا يؤخذ عنها فغير صحيح؛ لكونها صحابية معروفة الصحبة، ومن كانت بهذه المثابة فأجدر بأن يرفع لحديثها الرءوس، قال الحاكم: هي من سيدات قريش، قال
стр. 458
فيها مالك بن أنس: أتدروّن من هي؟ هي جدّة عبد الملك أم أمه، فاعرفوا هذا، وذكر مُصْعب الزبيري أنها من المبايعات وورقة بن نوفل عمّها، وليس لصفوان بن نوفل عقب إلا من قبلها، وهي زوج المغيرة بن أبي العاص، روى عنها جماعة، وروينا لها عن النبي ﷺ خمسة أحاديث غير هذا الحديث، فقد ثبت بما ذكرنا اشتهارها، وأنّ اسم الجهالة مرتفع عنها بهذه الروايات، وذكر الشّافعي أنّ لها سابقة وهجرة قديمة وصحبة بالنبي ﷺ قال: وقد حدثت بهذا الحديث في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون، فلم يدفعه منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها، منهم: عروة بعد إنكاره ذلك وعبد الله بن عمر بن الخطاب.
وفي الاستيعاب: ولدت للمغيرة معاوية وعائشة وكانت عائشة تحت مروان، وفي كتاب الزبير بن بكار: هي أم معاوية وجدّة عائشة بنت معاوية وعائشة هي أم عبد الملك وكانت من المبايعات، وبنحوه ذكره ابن الكلبي في جامعه، وزعم البرقي أنها من كنانة، قال أبو عمر: وليس ذلك بشيء، والصواب أنها من بني أسد بن عبد العزى، انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لأنّ أسد بن عبد العزى لا مخرج له عن نسب كنانة، فكأن البرقي نسبها إلى الجذر لا إلى الفصيلة، والله أعلم.
ولما ذكرها ابن سعد قال: بسرة بنت صفوان بن نوفل بن عبد العزى بن قُصي أمهّا سالمة بنت أمية بن حارثة بن الأوقصي بن مرّة بن هلال بن فالج بن ذكّوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُلَيم، وأخوها لأمها عقبة بن أبي معيط، وابنها معاوية قتل منصرف النبي ﷺ من أحد، وهو جدّ عبد الملك.
وقال ابن حبان: هي من المهاجرات، وخديجة أم المؤمنين عمة أبيها.
وقال أبو محمد الأموي: وصح أن بسرة صحابية مشهورة.
وقال ابن شبة في كتاب أخبار المدينة على ساكنها الصلاة والسلام: قال محمد، يعني ابن طلحة بن الطويل التيمي: صلى عليه الصلاة
стр. 459
والسلام في دار بسرة بنت صفوان ﵂. وأما ما قاله الحافظ ابن سرور: من أنها خالة مروان فشيء لم أره لغيره، وأيضًا فقد أسلفنا أنه أخذ عنها هذا الحديث نفسه، وحدث به عنها بغير واسطة كما سبق، فدل أنها عنده أهل وموضع للرواية، لا كما زعم، لا سيما عمله بما روته له ورجوعه إليه بعد إنكاره ذلك.
الثاني: قوله: إن هشامًا لم يسمعه من أبيه، ولعمري لقد قال ذلك قبله شعبة، فيما حكاه عنه الإمام أحمد في تاريخه الذي رواه عن ابنه أبو بكر الحضرمي: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث مس الذكر من أبيه، قال يحيى: فسألت هشامًا، فقال: أخبرني أبي، ثم رواه في مسنده أخبرني يحيى، عن هشام قال: حدثني أبي أن بُسرة أخبرته .. فذكر الحديث.
وقد أسلفنا قول ابن المديني في ذلك أيضًا، ويشبه أن يكون مستند من قال ذلك رواية داود العطار عنه، ووهم في ذلك، وقال الحاكم أبو عبد الله: وروى داود العطار، عن هشام، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة حديث بسرة، وهو واهم. وقال في موضع آخر: ما روي من وجه يعتمد.
وفيما قاله نظر؛ لما رواه أبو القاسم في الأوسط: عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، عن همام بن يحيى، عن هشام، عن عبد الله بن أبي بكر به، وهؤلاء كلّهم ثقات، ويحمل ذلك على أنه سمعه منه أولًا، ثم شافهه به آخرا لصحة الروايتين عنه بذلك، ولئن كان ما قاله أبو جعفر صحيحًا فلا وجه لإعلال الحديث به؛ لأن عبد الله ممن خرج الشيخان حديثه في صحيحيهما.
وقال مالك النجم فيه: كان رجل صدق.
وقال أحمد بن حنبل: حديثه شفاء.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالمًا، ووثقه ابن معين وأبو حاتم الرازي وابن حبان والعجلي والبرقي وغيرهم، فعلى هذا يتأول ما نقله عن ابن عيينة، وأنه ليس بطعن يردّ به حديثه
стр. 460
فسواء أبرز أو لم يُبرز لعدالته وثقته، ولعدم افتقارنا إلى وجوده، ولما ذكرنا من سماع هشام له من أبيه، وسماع الزهري من عروة كما سبق بيانه من عند ابن حزم وغيره.
الثالث: قوله: لأن مروان عنده ليس في حال من يجب القبول من مثله إلى آخره.
قد بينا أنّ مروان ليس له ولا لشرطيه في هذا الحديث مدخل، ولسنا ممن يعتمد على قول البيهقي في المعرفة: ولولا ثقة الحرسي عند عروة لما قبله لعدم صحة هذا الكلام؛ لأنا لا نقبل ذلك إلا بعد معرفة عينه وحاله، أو ما يقوم مقامهما كما بيناه من أن عروة مشى إلى بسرة فشافهته به، فذكر أولئك ضرب من التشغيب الذي لا طائل تحته، ولئن سلمنا ما قاله، فمروان ليس ممن ترد به الأحاديث؛ لأنه ممن ذكره في الصحابة جماعة من الأئمة، وروى له البخاري في صحيحه حديثا محتجًا به، عن علي بن أبي طالب وفاطمة وآخر مقرونًا بالمسوَر بن مخرمة، وأما ما قُذف به من قتل طلحة فشيء لم يثبت عليه، ولم يأت إلَّا على لسان مؤرخ مقدوح في عدالته كأبي مخنف وهشام وغيرهما، والله أعلم، وسيأتي ذكر من سمّاه المهاجري على بعده إن شاء الله تعالى.
وَمَنْ قال في حديث بسرة: إنه عن حرسي - جاهل متعسف، لا يدري، وذلك أنه اعتل بعلة لو تدبرها أمسك عنها، ولهذا قال ابن حزم: ومروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، ولم يرو عروة هذا عنه إلا قبل خروجه على أخيه، لا بعد خروجه، هذا ما لا شك فيه، والله تعالى أعلم.
الرابع: ما حكاه عن ربيعة - مردود بما سنذكره بعد من رواية جماعة من الصحابة لذلك كروايتها.
الخامس: ذكره حديث عمرو بن شعيب وادّعاؤه فيه الانقطاع - مردود بما أسلفناه
следующие страницы →