Полный текст (1 969 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قال الشّافعي: قد سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته في الحديث وتثبته.
وقال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنّه لا يحتج بحديثه، وأُعلّ أيضا باختلاف الرواة في ألفاظه، فيما ذكره الحازمي.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء، حكم بصحتها جماعة؛ منهم: الإمام أبو حاتم البستي، فإنه ذكره في كتابه الصحيح: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا نصر بن علي، ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدْر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ ، فجاء رجل، فقال: يا نبي الله، الحديث. ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو، وأخبرنا محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري - بمكة -، ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، نا حسين بن الوليد، عن عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق، عن أبيه: أنّه سأل النبي ﷺ عن الرجل يمس ذكره، فقال: لا بأس، إنه كبعض جسدك.
ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: ثنا محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا الفراء، قال: تفّرد به الحسين بن الوليد الثقة المأمون عن عكرمة، ومنهم الحافظ أبو محمد الفارسي في كتابه المحلّى، ورجحه ابن منده على حديث بسرة، وحكى نحو ذلك عن الفلاس وابن المديني.
وقال أبو عيسى عندما رواه في جامعه من حديث ابن بدر عن قيس: وهذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر، وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة،
стр. 492
وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، وأمّا قول أبي عمر: وملازم بن عمرو ثقة، وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي، وكل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري، فإنهما عنده متعارضان معلولان، وعند غيره هما صحيحان، ففيه نظر؛ لأنّ مسلما لم يخرّج واحدا منهما، وكذا ابن خزيمة لم يخرّج حديث طلق، وهما ممن يخرج في الصحيح.
وأمّا قول البيهقي في المعرفة والخلافيات: حديث عكرمة بن عمار عن قيس منقطع؛ لأنه قال عن قيس: إن طلقا سأل، وقيس لم يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمّار أقوى من رواه عنْ قيس، وإن كان هو أيضا مختلفا في عدالته؛ فاحتج به مسلم في غير هذا الحديث وتركه البخاري، وتبعه على ذلك الحازمي فغير صواب منهما؛ لما قدّمناه من عند ابن حبان من أنّ روايته متصلة لا شكّ فيها، وإذا صحّ للحديث طريق وسلم من شوائب الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين.
ورجحه أيضا محمد بن يحيى الذهلي، بقوله: نرى الوضوء من مس الذكر استحبابا لا إيجابا؛ لحديث عبد الله بن بدْر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ .
حكاه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه، وذكره أيضا ابن الجارود في كتاب المنتقى، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وسكت عنه أبو محمد الأزدي،
стр. 493
وذلك مشعر بصحّته عنده، وتتبع ذلك أبو الحسن عليه، وقال: هو حسن لا صحيح. وقال أبو عمر بن عبد البر: أحسن أسانيده من جهة ملازم، وأشار الطبراني - رحمه الله تعالى - إلى صحته.
وأما تضعيف من ضعفه بقيس فغير صحيح؛ لأنه ممن ذكره غير واحد في جملة الصحابة، وعلى تقدير ألا يكون صحابيّا فقد وثقة ابن معين فيما حكاه ابن الجنيد وغيره، ولا معارضة بينه وبين ما حكيناه عنه من أنّه لا يحتج به؛ لاحتمال أن يكون أحد الأمرين قبل الآخر، أو يكون الحجة عنده فوق الثقة، ووثقه أيضا أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى عنه جماعة؛ منهم: عبد الله بن بدْر، ومحمد بن جابر، وعبد الله بن النعمان السّحيمي، وابن أخيه عجيبة بن عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن قيس، وعكرمة بن عمار، وأيوب بن عتبة، وأيوب بن محمد، وموسى بن عُمير الثمالي، وسراج بن عقبة، وعيسى بن خيثم، وفي ذلك رد لقول من قال: قد سألنا عنه فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره؛ لأنّ هؤلاء عرفوه فرووا عنه، وأولئك عرفوا حاله فأخبروا عنها، ولولا عرفانها لما جاز لهم تصحيح خبره، والله أعلم.
ومن كان بما وصفناه كان حديثه صحيحا لا علّة فيه، حسنا بغير شبهة تعتريه؛ أمّا الصحة فقد تقدّم سببها، وأمّا الحسن فلعرفان مخرجه بما يأتي بعد، إن شاء الله تعالى.
٢ - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، ثنا مروان بن معاوية، عن جعْفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: سئل رسول الله ﷺ عن مس
стр. 494
الذكر، فقال: إنما هو جزء منك.
وفي مصنف وكيع بن الجرّاح: إنما هو جِذْوةٌ منك.
هذا حديث معلّل بأمرين:
الأول: جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي، وقيل: الحنفي العابد الشامي.
قال علي ابن المديني: سمعت يحيى وذكره، فقال: لو شئت أن أكتب عنه ألفا لكتبت، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا، وضعفه يحيى جدا، وقال يزيد بن هارون: كان جعفر بن الزبير وعمران بن حدير في مسجد واحد، وكان الزحام على جعفر، وليس عند عمران أحد، فكان شعبة يمرّ بهما، فيقول: عجبا! الناس اجتمعوا على أكذب الناس، وتركوا أصدق الناس، قال يزيد: فما أتى علينا إلا القليل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران، وتركوا جعفرا ليس عنده أحد. وقال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار، قيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ فقال: أذهب وأستعدي على هذا - يعني: جعفرا - وضع على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث كذب.
وقال يحيى بن معين: جعفر ضعيف، وفي رواية: ليس بثقة.
وقال الفلاس: متروك الحديث، كثير الوهم، [وقال أبو حاتم: كان واهي الحديث، لا أرى أن أحدث عنه، وهو متروك الحديث]. وقال أبو زرعة: اضربوا على حديثه، لا أحدّث عنه بشيء، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري: متروك الحديث، وفي التاريخ الأوسط: أدركه وكيع ثم تركه، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد والأزدي: متروك الحديث، وقال أبو أحمد: وعامة أحاديثه لا يتابع عليها، والضعف على حديثه بيّن، وتركه الإمام أحمد، وفي موضع
стр. 495
آخر: ضرب على حديثه، وفي كتاب العلل عنه: أن اضرب على رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنّما كانت رواية عن القاسم، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء، وذكر العقيلي عن محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط.
الثاني: أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية، ويقال: مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد، ويقال: مولى جويرية بنت أبي سفيان، قال أبو زرعة الدمشقي: وهو أحبّ القولين إلي.
وقال الطبراني: مولى معاوية بن أبي سفيان، وإن كان قد وثقه يعقوب بن سفيان وابن معين والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما رأيت أحدا أفضل منه.
وقال الجوزجاني: كان خيارا فاضلا، فقد قال الإمام أحمد، وذكره، فحمل عليه، وقال: يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكّلم فيها، وقال: ما أرى هذا الأمر إلا من قبل القاسم، وهو منكر الحديث، وفي كتاب العقيلي: هذه الأحاديث المناكير يقولون: من قبل القاسم، وسئل عنه أبو حاتم، فقال: حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنمّا ينكر عليه الضعفاء.
وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، وقال الكوفي: يكتب حديثه، ول س بالقوي، وقال إبراهيم بن الجنيد: سمعت ابن معين يقول: القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات، أرسلوا ما رفع هؤلاء.
стр. 496
وفي رواية البرقي عنه: ضعيف، ذكرها أبو العرب، وفي الأوسط للبخاري: وروى عنه العلاء بن الحارث وكثير بن الحارث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى بن الحارث، وابن جابر أحاديثه مقاربة.
وأمّا من يتكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم، ففي حديثهم مناكير واضطراب. وفي كتاب العقيلي: لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة: ألحقوه به، وقال أبو داود: هو أبو عبد الرحمن، ومولى عبد الرحمن، وأهل الشام ينكرون أن يكون ابن عبد الرحمن، ويقولون: هو سبي، قال أبو داود: وهم أعلم به.
قال الآجري: وسمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: إنما هو القاسم عن مولى أدخل بينه وبين أصحاب النبي ﷺ أبا أمامة وعمرو بن عبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم، فضعف لحال هذا، والله أعلم.
وذكره الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء، وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما يوهمه كلام أبي عيسى؛ من ذلك: حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن مالك الخطمي - وكان من الصحابة - أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنِّي احتككت في الصلاة، فأصابت يدي فرجي، فقال ﷺ : وأنا أفعل ذلك.
رواه الدارقطني عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، قال: ثنا أحمد بن محمد بن رشدين، عن ابن عفير، عن الفضل بن المختار، عن الصلت
стр. 497
ابن دينار، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب، وعن عبيد الله بن موهب، عن عصمة.
والصلت، قال أحمد وعمرو بن علي وعلي بن عمر: ليس بالقوي، وفي رواية عن أحمد: ترك الناس حديثه، وقال علي بن الجنيد: متروك.
والفضل بن المختار، قال ابن عدي: أحاديثه منكرة، وعامتها لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم الرازي: مجهول، وأحاديثه مُنكرة، يُحدثُ بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث جدا، ولما ذكرها البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله بينهما.
وحديث جري الحنفي: أن رجلا أتى رسول ﷺ ، فقال: [إني ربما أكون في الصلاة، فتقع يدي على فرجي]، فقال النبي ﷺ : وأنّا ربما كان ذلك، امض في صلاتك.
رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن منده في كتاب معرفة الصحابة، عن عبدوس بن الحسين النيسابوري، عن محمد بن المغيرة الهمداني، عن القاسم بن الحكم العرني، عن سلام الطويل، عن إسماعيل بن رافع، عن حكيم بن سلمة، عنه.
وسلام بن سلم، وقيل: ابن سليمان، وقيل: ابن سالم، أبو عبد الله السعدي الخراساني، سكن المدائن، قال فيه يحيى: ضعيف، لا يكتب حديثه، وقال مرّة: ليس بشيء، وضعفه ابن المديني جدا، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث،
стр. 498
وقال البخاري والرازي: تركوه، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المتعّمد لها.
وإسماعيل بن رافع أبو رافع مات بالمدينة قديما، وكان كثير الحديث ضعيفا، وهو الذي روى حديث الصور بطوله، قاله ابن سعْد.
وقال أحمد ويحيى: ضعيف الحديث، وفي رواية عن يحيى: ليس بشيء.
وقال الفلاس: منكر الحديث، وقال النسائي وعلي بن الجنيد: متروك الحديث، انتهى.
ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة منقطعا؛ لأني لم أر أحدا ذكر أنه سمع من صحابي، إنما وصف بالرواية عن التابعين، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمه، قال: هذا منقطع، والله أعلم.
وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه، أنّه وفد على رسول الله ﷺ ، فسأله عن مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك.
رواه ابن بنت منيع الحافظ في معجمه عن محمد بن خلف المقرئ: ثنا أحمد بن محمد بن شماس، ثنا عبد الرحمن بن عمرو، قال: سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه مرثْد بن الصلت، ثم قال: وهذا حديث منكر، والذي حدث به عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو ضعيف الحديث جدا.
وحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: مسست ذكري وأنا في الصلاة، فقال: لا بأس.
ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير إسناد، ويشبه أن يكون
стр. 499
ضعيفا؛ لأنا قدمنا ضعفه قبل.
وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن مسّ الذكر، فقال: ما أبالي مسسته، أو مسست أنفي، ذكره البيهقي في الخلافيات، وقال: هذا حديث منكر، روينا خلافه عنها، وحديث رجل من بني حنيفة بنحوه، ذكره أيضا ورماه بالانقطاع.
وحديث أبي ليلى ذكره البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن عمران، حدّثني ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى، قال: كنّا عند النبي ﷺ فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ عليه، فرفع عن قميصه وقبل زبيبته.
ذكره إثر حديث طلق، ثم قال: هذا إسناد غير قوي، وليس فيه: أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ.
اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث، ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر.
روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقّاص - في إحدى الروايتين -، وعمر بن الخطاب في رواية، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر الصديق، وأبي
стр. 500
هريرة - في إحدى الروايتين عنه - وأبي أيوب، وعائشة - في إحدى الروايتين عنهما.
قال أبو عمر بن عبد البر: والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات، انتهى كلامه.
وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين؛ لأن حديث ابن مسعود تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما قبل، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه، وكذلك حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما، وحديث عمران مشكوك في اتصاله؛ لأنه من رواية الحسن عنه، وغير واحد يزعم أنه منقطع.
وقال به أيضا ابن المسيب، والشعبي، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وطاوس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، ومكحول، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وشريك، والحسن بن حر، وعبيد الله بن الحسن، قال أبو عمر: جمهور العلماء العراقيين، مضى على ذلك أسلافُهم، ويحيى بن معين وابن المبارك.
وخالفهم في ذلك آخرون؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر، فممن روي عنه ذلك: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأم حبيبة، وبُسرة بنت صفوان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وجابر بن زيد، والزهري،
стр. 501
ومصعب بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، وسعيد بن المسيب، قال الحازمي في أصّح الروايتين عنه: وهشام بن عروة، والأوزاعي، وأكثر أهل الحديث، وجماعة أهل الشام والمغرب، والشّافعي، وأحمد، وإسحاق، والمشهور من قول مالك، ومجاهد، وعبد الرحمن بن القاسم، وحُميد الطويل، وسليمان التيمي، وأبو العالية، والشعبي.
قال أبو عمر بن عبد البر، عن الثوري، قال: دعاني وابن جريج بعض الأمراء، فسألنا عن مسّ الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ من مسّ الذكر، وقلت أنا: لا وضوء على من مسّ ذكره، فلما اختلفنا قلت لابن جُريج: أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني؟ قال: يغسل يده، فأيما أنجس المني أم الذكر؟ قال: المني، قلت: فكيف هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانك إلا شيطان.
قال أبو عمر: يقول الثوري: إذا لم يجب الوضوء من مس المني فأجدر أن لا يجب من مس الذكر، وإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب من الطاهر، وإنما ساغت المناظرة، وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة لاختلاف الآثار فيها عن النبي ﷺ ، واختلاف الصحابة ﵃، ومن بعدهم في ذلك، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له وقالوا به.
قال أبو بكر بن حازم: ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ حديث طلق [على تقدير ثبوته] منسوخ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو؛ لتأخّرهم في الإسلام. وقال بعض من ذهب إلى الرخصة: المصير إلى حديث طلق أولى لأسباب؛ منها: اشتهار طلق بالصحبة،
стр. 502
ومنها: طول صحبته وكثرة روايته، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة، فمن أين لكم ادعاء النسخ في ذلك؛ إذ ليس في حديث بُسرة ما يدل على النسخ؟ بل أولى الطرق أن يجمع بين الحديثين، كما حكاه لوين عن ابن عيينة، فإنه قال: تفسير حديث النبي ﷺ : من مس ذكره فليتوضأ، معناه: أن يغسل يده إذا مسّه، وردّ ذلك ابن حزْم، فقال: هذا باطل، لم يقل أحدٌ: إنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس الفرج، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم، ويقال لهم: إن كان كما تقولون فأنتم أول مخالفين للأمر، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا لوضوء الصلاة، وقد أنكر ﵇ إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء للصلاة، لما أتى من الغائط فأتي بطعام، فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: لم أصل فأتوضأ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة: فليتوضأ وضوءه للصلاة، وقال ابن حبّان: خبر طلق منسوخ؛ لأن قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سني الهجرة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر، وأبو هريرة أسلم سنة سبْع، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين، ثم قال: ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته تلك.
قال: أنا أبو خليفة، نا مسدد، ثنا ملازم، نا عبد الله، عن قيس، عن أبيه، قال: خرجنا سنة وفد إلى النبي ﷺ خمسة من بني حنيفة، ورجل من بني ضبيعة بن ربيعة، حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وجلسنا معه، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض، وصبّ لنا في إداوة، ثم قال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها من هذا
стр. 503
الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا: يا رسول الله، البلد بعيد، والماء ينشف، قال: فأمدوه من الماء، فإنّه لا يزيده إلا طيبا، فخرجنا، فتشاححنا على حمل الإداوة، أيّنا يحملها، فجعل النبي ﷺ ذلك نوبا، لكل رجل يوما وليلة، فخرجنا بها، حتى قدمنا بلدنا، فعلمنا الذي أمرنا، وراهب ذلك القوم رجل من طيء فنادينا بالصلاة، فقال الراهب: دعوة حق، ثم ذهب فلم ير بعد.
قال أبو حاتم: في هذا الخبر بيان واضح أن طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا، قال: ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك، فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي ببينة مصرحة، ولا سبيل له إلى ذلك.
وبنحوه قاله البيهقي والبغوي في شرح السنة، وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبراني: نا الحسن بن علي الفسوي، ثنا حماد بن محمد الحنفي، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق، عن النبي ﷺ ، قال: من مس فرجه فليتوضأ.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان، يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بسرة وغيرها، فسمع الناسخ والمنسوخ، انتهى.
وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى، فإن الإيجاب وعدمه لا يتأتى في أيام قليلة غالبا، لما قيل عنه، من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا، نص على ذلك الأئمة.
وأيضا فقد قيل: إن بسرة من مسلمة الفتح، وإذا كان كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ، ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمها عليه، وممن قال ذلك:
стр. 504
إسماعيل بن سعيد الفقيه، والاحتياط في ذلك أبلغ، يروى عن النبي ﷺ بإسناد صحيح، أنه: نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه، أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولو كان ذلك بمنزلة الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا، فكيف يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك؟! فلو كان شرعا سواء لكان سبيله في المسّ سبيل ما سمّينا، ولكن هاهنا علّة قد غابت عنا معرفتها، ولعل ذلك أن يكون عقوبة؛ لكي يترك الناس مس الذكر، فيصير من ذلك إلى الاحتياط، انتهى كلامه.
وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر؛ لإغفاله قوله ﷺ : وهو يبول؛ لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء بها، والله أعلم.
وقال أبو محمد بن حزْم: خبر طلق صحيح إلا أنه لا حجة فيه لوجوه؛ أحدها: أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مسّ الفرج، هذا ما لا شك فيه، وهو كذلك، فحكمه منسوخ يقينا، حين أمر ﵇ بالوضوء منه، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ، والأخذ بما تيقّن أنّه منسوخ.
وثانيهما: أن كلامه ﵇: هل هو إلا بضعة منك؟! دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل ﵇ هذا الكلام؛ بل كان يبيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا، وأنّه كسائر الأعضاء.
وقال الخطابي: وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس، ودونه جائز، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة: أنّه سأله عن مسّه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه، انتهى.
стр. 505
وفي قوله: والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر؛ لما ذكره أبو عمر من حديث أبي الوليد الطيالسي، نا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن عمر بن الخطاب: أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم كما أنتم، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد.
وفي الإسرار: ومطلق اللمس: اسم للمس بلا حائل، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان، فشاور الصحابة، فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها، وقالوا: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، يعْنُون بُسرة.
ومعنى قولهم: كتاب ربنا: بين الأحداث في كتابه، وكانت نجسة: من دم حيض ومني وغائط، وشرع الاستنجاء بالماء بقوله: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾.
فكانوا يتبعون الحجارة بالماء والاستنجاء بالماء، لا يتصور إلا بمس الفرجين جميعا، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا بخبر غريب تعم به البلوى، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد؛ ولأنه ورد بخلاف القياس، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس بحديث، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث ما عرف في موضعه.
قال أبو محمد بن حزْم: وقول من قال: تعظم به البلوى، ولو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى.
وقد رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف، وهو مما تكثر به البلوى، ولم يعلم ذلك جمهور العلماء، ورأى الوضوء من ملء الفم من القلس، ولم يره في أقل من
стр. 506
ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم يعلم ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم ﵇ والله أعلم.
وأما الوضوء من مسّ الإبط، فقد جاء في حديث رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، عن عمر: أنه أمر رجلا يتوضأ من مسّ الإبط.
قال البيهقي: هذا مرسل، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به، ويمكن أن يكون أمره بغسل اليد تنظفا.
وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة: ثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر: إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء.
قال: وعن ابن عباس: ليس عليه إعادة، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى.
وأما الوضُوء من مسّ الصنم: فذكر المدائني في سيره، من حديث محمد بن الوليد، عن يعلى بن عبيد، عن صالح بن حيان، عن ابن بُريدْة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بريدة - وقد مس صنما - فتوضأ.
وفي مصنف عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن أبي عمرو
стр. 507
الشيباني: أن علي بن أبي طالب لما استتاب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه، فلما دخل في الصلاة قدم رجلا، ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه، ولكنّه من مس هذه الأجداث، فأحببت أن أحدث وضوءا.
وفي الأوسط للطبراني: نا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا معاوية بن هشام، ثنا شيبان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: كنا نتوضأ من الأبرص إذا مسسناه.
لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن نُمير، ولم نكتبه إلا عن الحضرمي، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل.
ومن حديث بقية، عن عمرو بن أبي عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، قال ﷺ : الحدث حدثان؛ حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج، ومنهما الوضُوءُ.
وقد روي عن ابن عباس موقوفا، وروى داود بن المحبّر القائل فيه ابن المديني: ذهب حديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: يتوضأ من الحدث، وأذى المسلم، وقالت عائشة: يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه؟!.
وعن إبراهيم النخعي: إني لأصلّي الظهر والعصر والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث، أو أقول منكرا، الوضوء من الحدث وأذى المسلم،
стр. 508
وعن عبيدة السلماني نحوه.
وفي كتاب الترهيب لأبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني: ثنا محمد بن سعيد الشافعي، عن محمد بن عامر، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا عثمان بن مظفر، عن أبي عبيدة، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه. وعن ابن مسعود: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب.
ذكره ابن حزم، وعلّل الجميع، قال: وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة إبراهيم النخعي، وأوجب الوضوء في الإنعاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة بعض المتأخرين.
وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن عمرو، وعن مجاهد الوضوء من تنقية الأنف، وقد صح عن عروة: الوضوء من مس الأنثيين، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن ذر إيجاب الوضوء من قص الأظفار وقص الشعر، والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر: وبه قال الحكم وحمّاد، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء.
стр. 509
باب الوضُوءِ مما غيرت النّار
٣ - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: توضئوا مما غيرت النار، فقال ابن عباس: أتوضأ من الحميم؟ فقال: يا ابن أخي، إذا سمعت عن رسول الله ﷺ حديثا فلا تضرب له الأمثال.
هذا حديث روى مسلم في صحيحه مرفوعه من حديث ابن شهاب.
أخبرني عمر بن عبد العزيز، أنّ عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره: أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار.
ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر: ثنا سفيان بن عيينة فذكره، وفيه: فقال ابن عباس: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من اللحم؟! ولم يحكم عليه بشيء، والذي رأيت في مسند ابن أبي عمر: ثنا الدراوردي وابن عيينة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : توضئوا مّما مست النار، ولو من أثوار أقط، فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة، أنتوضأ من الحميم؟ فقال له أبو هريرة، الحديث.
وفي مسند أبي العباس السراج من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، قال: اجتمع أبو هريرة وابن عباس، فقال ابن عباس: ليس في طعام وضوُء، وقال: أكل ابن عباس طعاما ولم يتوضأ، قال: فتناول أبو هريرة كفا من حصباء، فقال: سمعت رسول الله ﷺ عدد هذه الحصباء، يقول: توضئوا مما غيرت النار، وفي لفظ:
стр. 510
ولو من ثور أقط، وفي لفظ: مما أنضجت النار، وفي لفظ: قال ابن عباس: أتوضأ من طعام أجده حلالا في كتاب الله ؛ لأن النار محشته؟!.
وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير: وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة - يعني هذا - معلول بفتواه بعد وفاة النبي ﷺ بألا وضوء منه، انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ لما علم من مذاهب المحدثين بأنّ العبرة بما روى لا بما رأى، خلافا للحنفيين.
٤ - حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أنا يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قال رسول الله ﷺ : توضئوا مما مسست النار.
هذا حديث لم يسمعه ابن شهاب من عروة، بيان ذلك في كتاب مسلم وغيره: قال مسلم: ثنا عبد الملك بن شعيب، حدثني أبي، عن جدّي، حدّثني عقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الوضوء مما مست النار.
قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن عبد العزيز أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت من رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار.
قال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وأنا أحدثه هذا
стр. 511
الحديث، أنه سأل عروة بن الزبير عن الوضوء مما مست النار، فقال عروة: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: قال رسول الله ﷺ : توضئوا مما مست النار.
وفي مسند السراج: ثنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب: أن سعيد بن خالد أخبره أن عروة أخبره، فذكر الحديث.
وفي كتاب ابن شاهين من حديث ثواب بن يحيى: ثنا أبي، عن الزهري، عن القاسم، سمعتُ عائشة تقول: ما ترك رسول الله ﷺ الوضوء مما مست النار حتى قبض.
قال محمد بن عمر الحافظ: وروي عن الزهري عن عروة عن عائشة، وقيل: عن الزهري عن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان عن عروة عنها، وقيل: عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي ﷺ ، وقيل: عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي ﷺ ، ولما ذكر الحربي حديث الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه، قال: إن كان معمر يقول: لم يزل عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن يقول: إنه رواه في كتابه، وقد وافقه صالح، وابن أبي ذئب، ويونس، وشعيب، وعقيل، وعبد الرحمن بن خالد. وأما قول ابن لهيعة: عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه، فالقول قول ليث؛ لأنه رواه كما رووه.
٥ - حدثنا هشام بن خالد الأزرق، ثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: كان يضع يديه على أذنيه، ويقول: صُمَّتا، إن لم أكن سمعت
стр. 512
رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار.
هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن يزيد - يعني: عن أنس - إلا ابنه خالد بن يزيد، انتهى [وهو مع الغرابة إسناده ضعيف لضعف راويه: وذلك أن هماما رواه عن مطر عن الحسن عن أنس عن أبي طلحة، قال ﵊: الوضُوء مما غيرت النار لونه.
أنا بذلك الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف المنبجي ﵀ بقراءتي عليه، أخبرتكم المسندة أم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحرانية، أنا أبو حفص بن طبرزد، أنا أبو غالب بن البناء، أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو القاسم بن حبابة، أنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ، قال: أنا محمد بن المؤمل، ثنا بشر
стр. 513
ابن عمر، ثنا همام، فذكره، وإسناده صحيح.
ورواه السراج في مسنده عن إسحاق بن إبراهيم، ثنا بشر، فذكره، [رواه كذلك عن عبد الله بن عمر، ورواه النسائي في كتاب الكنى عن عبيد الله بن سعيد، ثنا حرمي بن عمارة، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، سمعت يحيى بن جعدة، ورواه أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح عن إسماعيل، ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكره] ورواه أبو عبد الرحمن، وفي الباب غير ما حديث؛ من ذلك: حديث زيد بن ثابت، خرجه مسلم في صحيحه، وقد تقّدم ذكره، وحديث أم حبيبة، وشرب عندها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد سويقا: يا ابن أختي توضأ، فإن رسول الله ﷺ قال: توضئوا مما مست النار.
خرجه أبو داود، وإسناده صحيح، وقال الحربي: رواه عن الزهري ثلاثة عشر، وقالوا أربعة أقاويل؛ فقال يزيد بن زريع عن معمر: دخل عليها سعيد بن سفيان بن المغيرة، وهذا مما أوهم فيه معمر بالبصرة.
وقال عبد الرزاق عنه: فدخل عليها أبو سفيان بن المغيرة ولم يصب أيضا، إنما هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس، وأسقط عثمان بن حكيم أبا سلمة بن عبد الرحمن - يعني: شيخ الزهري -. وقال الماجشون عن عبيد الله: وهذا وهم منه لا شك فيه، وليس كقول من قال: عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن المغيرة، وفي الأوسط: لم يروه عن بكر إلا جعفر بن ربيعة، وذكر عن الزهري أنّ أبا
стр. 514
سفيان ابن أخت أم حبيبة.
وحديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، خرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وإسناده جيِّد، وصححه ابن حزْم.
وحديث عبد الله بن عمر، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم المهري، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، يرفعه: توضئوا مما مست النار، فقال أبي: هذا خطأ، ولم يبيِّن الصواب ما هو وما علّة ذلك، والصحيح ما رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه موقوف، ورواه شعيب بن أبي حمزة وابن أبي ذئب وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن ابن قارظ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقد توبع عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم، ذكر القشيري في تاريخ الرقة: ثنا هلال، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا العلاء بن سليمان الرقي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، مرفوعا.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عقيل عن ابن شهاب، وقال: لم يروه عن عقيل إلا خال أبي الطاهر، واسمه موسى بن ربيعة.
وحديث سلمة بن سلامة
стр. 515
وكان آخر أصحاب رسول الله ﷺ إلا أن يكون أنس بن مالك، فإنه قد بقي بعده، أنهما دخلا وليمة، وسلمة على وضوءٍ، فأكلوا ثم خرجوا، فتوضأ سلمة، فقال له جبيرة: ألم تكن على وضُوء؟ قال: بلى، ولكن رأيت رسول الله ﷺ ، وخرجنا من دعوة دعينا لها، ورسول الله ﷺ على وضُوء، فأكل ثم توضأ، فقلنا له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: بلى، ولكن الأمر يحدث، وهذا مما حدث.
خرجه الحافظ أبو بكر ن أبي داود في سننه: عن عبد الملك بن شُعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني زيد بن جُبيرة بن محمود بن أبي جُبيرة الأنصاري ثم الأشهلي، عن أبيه جبيرة بن محمود، عنه.
وحديث عبد الله بن زيد، قال رسول الله ﷺ : لا وضوء إلا مما مست النار، أو حدث، أو ريح.
رواه ابن شاهين عن الحسين بن أحمد بن صدقة، نا أحمد بن سعيد، ثنا يوسف بن عدي، ثنا ابن المبارك، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه، فذكره، ورواه أبو حاتم.
ورواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن رشدين، ثنا يوسف بن عدي، ثم قال: لا يروي هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن أبي حفصة، تفّرد به ابن المبارك. وحديث زيد بن ثابت مرفوعا: توضئوا مما مست النار.
قال الدارقطني: ورواه في الأفراد.
стр. 516
تفرد به المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جنادة بن سلم، عن عبيد الله، عن الزهري، عن حمران بن أبان، عنه.
وحديث بسرة بنت صفوان: أن النبي ﷺ قال: توضئوا مما أنضجت النار.
وذكره ابن عدي في كامله، من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة، عن سليمان بن داود الرقي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنها، وضعفه بأحمد وسليمان، وقال: إسناد غير محفوظ.
وحديث رجل من الصحابة، قال: كنا نتوضأ ممّا غيرت النار، ونتمضمض من اللبن، ولا نمضمض من التمر.
رواه الكجي في سننه عن حجاج، ثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عنه.
وحديث أبي سعيد الخير الأنصاري، ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم [في تاريخه، فقال: ثنا دحيم]، ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، ثنا فراس الشعباني، سمعت أبا سعيد الخير، سمعت النبي ﷺ يقول: الوضوء مما مسته النار، وغلت المراجل.
وحديث أبي موسى الأشعري، ذكره حرب في مسائله.
وحديث أم سلمة - زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : توضئوا مما مست
стр. 517
النار.
رواه الكجي في سننه: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن عبد الله، وهو مشكل بما نذكره عنها بعد - إن شاء الله تعالى - أو يكون قد روت الأمرين الناسخ والمنسوخ جميعا، والله تعالى أعلم.
стр. 518
باب الرخصة في ذلك
٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أكل نبي الله ﷺ كتفا، ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام إلى الصلاة فصلى.
هذا حديث خرجاه في صحيحيهما من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار.
وخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس، ثم قال: خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد، غلطنا في إخراجه، فإن بين هشام بن عروة وبين محمد بن عمرو وهب بن كيسان، كذلك رواه يحيى بن سعيد وعبدة بن سليمان، ورواه وهب عن محمد بن عمرو، ولفظه: ويتمضمض، ولم يمس ماء.
وقال ابن عبد البر: وعند عطاء في هذا الباب أيضا حديث أم سلمة، أنّها أخبرته: أنها قربت لرسول الله ﷺ جنبا مشويا، فأكل ثم صلى، ولم يتوضأ.
قال: وليس هذا باختلاف على عطاء في إسناده، وهما حديثان صحيحان مسندان.
وفي مسند السراج عن قتيبة عن الدراوردي عن زيد بزيادة: ولم يتمضمض.
стр. 519
ولما خرج أبو عيسى حديث عطاء من جهة ابن جريج، قال: حسن صحيح، قال ابن عساكر: كذا رواه روح عن ابن جريج، ورواه خالد بن الحارث وأبو عاصم عن ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان - يعني: ابن يسار -.
قال أبو عيسى: رواه ابن سيرين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعطاء، وعكرمة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغير واحد عن ابن عباس.
وفي مسند الإمام أحمد: ثنا حفص بن عمر، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ انتهش من كتف، ثم صلى، ولم يتوضأ.
ورواه أيضا عن يحيى عن ابن جريج حدثني سعيد بن الحويرث.
وفي كتاب السراج: ثنا زياد بن أيوب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا هُشيم، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، كلهم عن ابن عباس بنحوه، وفي المصنف من حديث محمد بن عمرو بن عطاء: أكل من عظم، أو تعرق من ضلع.
وفي حديث أبي جعفر: مر بقدر تفور فأخذ منها عرقا - أو كتفا - فأكله، ثم تمضمض، ولم يتوضأ.
وفي سنن أبي داود: قال ابن عباس: فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء، ثم قام إلى الصلاة.
стр. 520
وفي مسند ابن عباس، تصنيف القاضي إسماعيل بن إسحاق من حديث حجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه: أن النبي ﵇ أكل في بيت ضباعة بنت الحارث كتفا.
وقال: هكذا رواه أبو معاوية عن حجاج، وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن حجاج: دخل على ضباعة بنت الزبير، فأكل عندها كتفا من لحم، الحديث.
وفي تاريخ بحْشل من حديث سعيد بن جبير: أكل ابن عباس لحما، ثم صلى ولم يتوضأ، ولم يثن من البساط شيئا.
٧ - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: أكل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضئوا.
هذا حديث رواه الترمذي عن ابن أبي عمر، ثنا ابن عيينة، ثنا ابن عقيل، سمع جابرا، قال سفيان: ثنا ابن المنكدر، عن جابر، قال: خرج النبي ﵇ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتته بعُلالة من علالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر، ولم يتوضأ.
ولم يحكم عليه بشيء، وفيه نقص عما رواه له شيخه، والذي في مسنده: ففرشت لنا تحت صوْر لها - والصوْر: النخلات المجتمعات - وفي آخره: وشهدت أبا بكر دخل على أهله، فقال: هل من طعام؟ قالوا: لا، قال: فأين شاتكم الوالد؟ فأتي بها فحلبها، ثم
стр. 521
أمر بلبانها فطبخ فأكل منه، ثم صلى ولم يتوضأ، وشهدت عمر بن الخطاب، وأتي بجفنتين، فوضعت إحداهما بين يديه والأخرى من خلفه، فأكل وأكلنا معه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وقال فيه الجوزقاني: حديث صحيح.
رواه عن ابن المنكدر جماعة، وخرجه أبو حاتم البُستي في صحيحه، عن عبد الله بن محمد الأزدي، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبو علق ة عبد الله بن محمد بن أبي فروة، حدثني محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: رأيت النبي ﵇ أكل طعاما مما مسته النار، ثم صلى قبل أن يتوضأ، ثم رأيت بعد النبي ﷺ أبا بكر أكل طعاما مما مسته النار، ثم صلى قبل أن يتوضأ، ثم رأيت بعد أبي بكر عمر أكل طعاما مما مسته النار، ثم صلى قبل أن يتوضأ، وفي لفظ: دعت امرأة رسول الله ﷺ فأكل هو وأصحابه، وحضرت، فتوضأ رسول الله ﷺ وصلى، ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا، فحضرت العصر فلم يتوضأ النبي ﷺ . وفي لفظ: أكل النبي ﷺ لحما ومعه أبو بكر وعمر، ثم قاموا إلى العصر فصلوا ولم يتوضئوا.
وفي صحيح ابن خزيمة: ثنا موسى بن سهْل الرملي، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر، قال: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار.
стр. 522
ولما خرجه ابن حبان في صحيحه عنه، قال: هذا خبر مختصر من حديث طويل، اختصره شُعيب متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقا، إنما هو نسخ لإيجاب الوضوءِ مما مست النار خلا الجزور فقط.
وقال أبو داود عند تخريجه: هذا اختصار من الحديث الأول، ولفظ الحاكم في التاريخ عن ابن عقيل عنه: أكلت مع النبي ﷺ من شاة صنعت له قبل العصر، فحضرت الصلاة، فصلى ولم يمس ماء، ثم حضرت عمر في ولايته، فأتي بجفنة فيها ثريد ولحم، فأكلها مع ناس من المهاجرين، وحضرت الصلاة ولم يمس عمر ولا أحد ممن أكل معه ماء.
وقال الدارقطني في الأفراد: تفرد به شعيب، ولا أعلم رواه عنه غير علي بن عياش، ورواه في موضع آخر منه بلفظ: بينما نحن مع النبي ﷺ فأكل مما مست النار.
هذا حديث غريب من حديث ابن عيينة عن الثوري.
تفرد به طاهر بن الفضل الحلبي عن ابن عيينة.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش: كان آخر الأمرين؟ فقال: هذا حديث مضطرب المتن، إنّما هو أن النبي ﷺ أكل كتفا ولم يتوضأ.
كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويمكن أن يكون شعيب حدّث به من حفظه فوهم فيه، وقال في موضع آخر: إنّما هو أنّ النبي ﷺ أكل كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ.
стр. 523
ولقائل أن يقول: الذي سلف من عند أبي داود وابن حبان أقرب مما ذكره الرازي؛ لتباعد لفظ المتنين، ولعدم جواز التعبير بأحدهما عن الآخر، والانتقال من أحدهما إلى الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة يبعد عنها شعيب، وقول أبي داود أقرب؛ لأنّه يمكن أن يعبر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأولى، ولقائل أن يقول أيضا: المراد بآخر الأمرين ما ذكره جابر أولا، من أنه أكل لحما وخبزا، ثم توضأ، ثم أكل فضل طعامه وصلى، ثم لم يتوضأ، فكان الآخر من الفعل الأول ترك الوضوء، فصحّ إذا الاختصار، كان جائزا فهم من التابع الراوي عنه أنّه عرف روايته للحديث الأوّل، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع، والله أعلم.
وعلى هذا لا تعلق لمن ادّعى النسخ بقوله: آخر الأمرين.
وأمّا ابن حزم فزعم بعد تصحيحه حديث آخر الأمرين أنّ من قال: إنّه مختصر من الأول، قول بالظن، والظن أكذب الحديث، بل هما حديثان اثنان كما وردا؛ حديث ابن المنكدر وحده، ولفظ ابن أبي داود في كتاب الطهارة: أن امرأة اشترت حائطا، فسألت النبي ﷺ أن يأتيه ويدعو فيه بالبركة … الحديث.
وفي لفظ: كنّا زمان النبي ﷺ وما نجد من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدنا لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ.
وفي سنن الكجي: جئنا امرأة من الأشراف، وهي جدة خارجة بن زيد بن ثابت، وفيه عنه أن النبي أخذ بكفه جرعة فمضمض من غبر الطعام، انتهى.
وفي الحديث علّة خفيت على من صححه، ذكرها البخاري في التاريخ الأوسط، فقال: ثنا علي، قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر، عن جابر: أكل النبي
стр. 524
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتوضأ، فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر قال: أخبرني من سمع جابرا: أكل النبي ﷺ ، وقال بعضهم عن ابن المنكدر: سمعت جابرا، ولا يصح، فهذا حكم منه بعدم صحته متصلا، وإن كان قد صرح في التاريخ الكبير بسماعه من جابر، ولا منافاة بين القولين؛ لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع منه هذا بخصوصه، وإن كان قد سمع منه غيره؛ كما قاله لما سأله الترمذي عن حديث ابن عباس: الشاهد واليمين.
قال: لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس، مع تصريحه في صحيحه بسماعه من ابن عباس غير ما حديث، وما ذكره الشافعي إثر رواية له في سنن حرملة عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج مختصرا، قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنّما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.
قال البيهقي: وهذا الذي قاله الشافعي محتمل؛ وذلك لأنّ أصحاب صاحب الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده من شرطهما، ولأنّ ابن عقيل قد رواه أيضا عن جابر، ورواه عنه جماعة، إلا أنّه قد روي عن حجاج بن محمد وعبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابرا، فذكروا هذا الحديث.
فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهما من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط
стр. 525
صاحبي الصحيح - والله أعلم - انتهى كلامه.
وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعي، وركون إلى قول من صرح بالسماع، وذهول عن قول الجعفي - رحمهم الله تعالى - ويزيده وضوحا أيضا: رجوع ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره.
ذكر أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن شعيب بن أبي حمزة: أنّ الزهري ناظر ابن المنكدر، فاحتج ابن المنكدر بحديث جابر، واحتج الزهري بحديث عمرو بن أميّة في الوضوء مما مست النار، قال: فرجع ابن المنكدر عن مذهبه إلى مذهب الزهري، انتهى.
ولقائل أن يقول: لو أخذه ابن المنكدر عن جابر شفاها لما رجع عنه، ولا ساغ له ذلك، ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيف رجع عنه مسرعا، وقد رواه عن جابر أبو الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
ذكر ذلك الحاكم في تاريخ نيسابور، فقال: ثنا أبو حامد الحافظ، أنا أبو حاتم، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا الجارود بن يزيد عن عبد الله بن زياد بن سمعان، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ، قال لنا: يأتيكم رجل من أهل الجنة، [فجاء أبو بكر، ثم قال: يأتيكم رجل من أهل الجنة] فجاء عمر، ثم قال: ليأتينكم رجل من أهل الجنّة، اللهم إن شئت جعلته عليا، فجاء علي.
ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، ثنا بشر بن محمد القارئ، ثنا ابن المبارك، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر: أن النبي ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
وقد تقدم حديث ابن عقيل عنه، ورأيت بخط سعْد الخير: أنا ابن فراس، أنا ابن بشران، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا ابن أبي الدنيا، عن محمد بن موسى بن الصباح، ثنا رشدين بن سعْد، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام أربع عشرة، في كلها أقول: يا رسول الله، ثنا ابن شهاب عنك: أن توضئوا مما غيرت النار، فيقول لي: لا يا رشدين.
стр. 526
٨ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا الزهري، قال: حضرت عشاء الوليد أو عبد الملك، فلما حضرت الصلاة قمت لأتوضأ، فقال جعفر بن عمرو بن أمية: أشهد على أبي أنه شهد على رسول الله ﷺ أنه أكل طعاما مما غيرت النار، ثم صلّى ولم يتوضأ. وقال علي بن عبد الله بن عباس: وأنا أشهد على أبي بمثل ذلك.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وخرج البخاري حديث عمرو فقط، وفي كتاب ابن أبي داود إثره: ثم أخبر رجال من أصحاب النبي ﷺ وسائر أزواجه أنّ رسول الله ﷺ قال: توضئوا مما غيرت النار.
قال ابن أبي داود: فوهنت تلك في الناس قول الزهري: رواه عن عمرو بن عثمان، ثنا شعيب عنه.
٩ - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: أتي رسول الله ﷺ بكتف فأكل منه وصلى، ولم يمس ماء.
هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر في صحيحه، ورواه النسائي في الكبير من حديث ابن جُريج: حدثني محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: دخلت على أم سلمة، فحدثتني أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبا من غير احتلام، ثم يصوم.
وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته أنها قربت، الحديث.
وأنبأ ابن المثنى، ثنا يحيى، ثنا جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين، ولفظه: أكل كتفا فجاء بلالُ فخرج
стр. 527
إلى الصلاة، ولم يمس ماء، وقد تقدّم كلام أبي عمر بأن سنده صحيح، وتقدّم أيضا ما يعارضه.
١٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، ثنا سويد بن النعمان الأنصاري: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كانوا بالصهباءِ صلى العصر، ثم دعا بأطعمة، فلم يؤت إلا بسويق فأكلوا وشربوا، ثم دعا بماء فمضمض فاه، ثم قام فصلى بنا المغرب.
هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه من حديث مالك عن يحيى ابن سعيد، وقال مسلم في الوحدان: لم يرو عن سويد غير بشير.
١١ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة فمضمض، وغسل يديه، وصلى.
هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن أحمد بن عبدة، ثنا عبد العزيز - يعني: الدراوردي - عن سُهيل، عن أبيه، ولفظه: أنه رأى النبي ﷺ يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
وهو مشكل لما أنا به الإمام العلامة محمد بن محمد المغربي ﵀ أنبأتنا أم محمد سيدة، عن أبي روح، وابن الصفار، وإسماعيل القارئ، وزينب الشعرية، وغيرهم، قال أبو روح وزينب: أنبأنا العسكري في كتابه من حديث الجعيد بن عبد الرحمن عن الحسن بن
стр. 528
عبد الله بن عُبيد الله عنه.
وحديث عمة هند ابنة سعيد بن أبي سعيد الخدري، وقيل: بنت أبي سعيد، وقيل: تكنى أم عبد الرحمن: أن النبي ﷺ زارهم، فأكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
ذكره المديني من حديث يعقوب بن حميد، عن الدراوردي، عن محمد بن أبي حميد، عن هند، عنها.
وحديث عمرو بن عبيد الله، قال: رأيت النبي أكل كتفا، وصلى ولم يتوضأ.
رواه زاهر، وابن الصفار، والفارسي.
أنبأنا المسند وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي، قراءة عليه، ونحن نسمع، أنبأنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، قراءة عليه، أنبأنا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف، قراءة عليه، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهدي بن مهران الثقفي السراج، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا وكيع، ثنا سفيان أبو عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، قال: شهدت أبا هريرة يقول لمروان: توضئوا مما مست النار، فأرسل مروان إلى أم سلمة رسولا فسألها، فقالت: نهش رسول الله ﷺ عندي من كتف، ثم قام فصلى ولم يتوضأ، انتهى.
وهو سند صحيح، وبيان إشكاله: كيف يأمر بالوضوء بعد موته ﵇ مع ما شاهده من فعله الذي رآه؟! وقد تقدّم كلام البيهقي في ذلك، والله أعلم.
стр. 529
وقد روى الرخصة في ذلك عن النبي ﷺ غير من تقدم؛ منهم: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: وضع لنا طعام في عهد رسول الله ﷺ في الصفة فأكلنا، ثم أقيمت الصلاة، فصلينا ولم نتوضأ.
وهو حديث ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، وخرجه أبو ذر الهروي في كتابه، وقال ابن منده: تفرد به المصريون، وخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه، ورواه أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، عن عقبة بن مسلم، عنه، وقال في الأوسط: لم يروه عن عقبة إلا حيوة بن شريح.
ولفظ أبي داود: لقد رأيتني سابع سبعة - أو سادس ستة - مع النبي ﷺ في دار رجل، فمرّ بلال، فناداه بالصلاة، فخرجنا فمررنا برجل وبرمته على النار، فقال النبي ﵇: أطابت برمتك؟! فقال: نعم بأ ي أنت وأمي، فتناول منها بضعة، فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة، وأنا أنظر إليه.
رواه عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، ثنا عبد الملك بن أبي كُريمة، حدثني عُبيد بن ثمامة عنه، وبنحوه ذكره أبو زكريا بن منده في كتاب آخر من مات من الصحابة، وفيه رد لما قاله أبو القاسم الطبراني، والله تعالى أعلم؛ لأن الحديث واحد، وإن اختلفت ألفاظه، فكله يدور على معنى واحد؛ وهو اصطلاح المخرجين، وعائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يأكل خبزا وكتفا، فأقام المؤذن للصلاة، فأراد القيام، فقلت له: ألا تتوضأ يا رسول الله؟ قال: من الأطيبين
стр. 530
أتوضأ؟ ثم قام فصلى، ولم يتوضأ.
رواه الحافظ أبو العباس السراج في مسنده بإسناد صحيح.
وأبو رافع قال: أشْهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن شْاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
رواه مسلم في صحيحه، ولفظ السراج في مسنده، قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة، وأمرني فطبخت له من بطنها، فأكل منه، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ.
في سنده عباد من ولد أبي رافع - وهو مجهول - ولما رواه ابن الأشعث من حديث سلمة بن الفضل، ثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن شرحبيل، عن أبي رافع مطولا، قال: هذا حديث غريب، وأبو بكر الصديق ﵁ روى حديثه ابن أبي داود، عن عمرو بن عثمان، ثنا عقبة بن علقمة، عن الأوزاعي، قال: كان مكحول يتوضأ مما مست النار، حتى أتى عطاء بن أبي رباح، فأخبره عن جابر بن عبد الله: أن أبا بكر أكل ذراعا - أو كتفا -، ثم صلى ولم يتوضأ، فقيل له: أتركت الوضوء؟ فقال: لأن يقع أبو بكر من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يخالف أمر رسول الله ﷺ .
وفي لفظ عن مكحول: أخبرني ثقة عن جابر: رأيت أبا بكر أتي بطعام مسته النار قبل صلاة المغرب، فأكل، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ.
وفيه: رأيت النبي ﷺ عام الأول في مثل هذا اليوم أكل في مثل هذا الموضع مما مست النار قبل صلاة المغرب، ثم صلى ولم يتوضأ، ففعلت كما فعل.
قال زيد بن واقد: فقلت: أخبرك ثقة؟ قال: نعم.
ولما رواه البزار من حديث أسيد الجمال، ثنا عمرو بن أبي المقدام، ثنا عمران بن أبي مسلم، عن ابن غفلة، عن بلال، قال: حدثني مولاي أبو بكر، قال: سمعت النبي
следующие страницы →