Полный текст (1 969 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال الإمام العلامة أبو عبد الله ابن ماجه، رحمه الله تعالى:
كتاب الطهارة
باب ما جاء في مقدار الوضوء والغسل من الجنابة
١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي ريحانة، عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
هذا حديث رواه مسلم في صحيحه، وخرج هو والدارمي في مسنده بسماع إسماعيل من أبي ريحانة، وفي بعض طرقه: أو قال يطهره المد.
قال: وقد كان كبر، وما كنت أثق بحديثه، ولفظ العسكري: كان النبي ﷺ يغسله الصاع من الجنابة، ويوضئه المد.
وقال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، ونحوه قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وفيه علة خفيت على من صححه، وهي الانقطاع المنافي
стр. 2
للصحة فيما بين أبي ريحانة وسفينة، نص على ذلك أبو حاتم البستي، فإنه لما ذكره في الثقات تردد في سماعه من سفينة بعد وصفه إياه بالخطأ، وبنحوه ذكره الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فإن محمد بن موسى لما سأله عنه قال: ما أعَلم إلا خيرا، قلت: سمع من سفينة؟ قال: ينبغي، هو قديم، سمع من ابن عمر، فهذا من أبي عبد الله ظن وحسبان، لا قطع ببرهان، ولا كل من سمع من شخص ينبغي له السّماع من قرينه، هذا الزهري سمع جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، ولم يسمع من بعض التابعين، والحسن سمع من علي وأبي عثمان، ولم يسمع ممن توفي بعدهما بنحو من ثلاثين سنة، والله أعلم.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث مرجى بن رجاء، ثنا أبو ريحانة، ثم قال: ولم يروه عن مرجى إلا يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
هذا حديث إسناده صحيح متصل، وإلى هذا أشار أبو عيسى، وفي كتاب أبي داود: رواه أبان، عن قتادة، قال: سمعت صفية. يعني بذلك ما رواه أبو بكر البيهقي في السنن الكبير: ثنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئ، ثنا أحمد بن سلمان، نا جعفر بن شاكر، ثنا عفان، نا أبان به، وفي سنن الدارقطني: بنحو المد
стр. 3
وبنحو الصاع، وقال في العلل: رواه عن قتادة: الدستوائي، وابن أبي عروبة، وعمران القطان، والجماعة عن أبي الزبير.
وقيل: عن شعبة، كلّهم عن قتادة، عن صفية، وقال عمرو بن عامر: عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عائشة، وقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة، وقال شيبان: عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة. وأصحها قول من قال: قتادة عن صفية.
ورواه أبو حصين وإبراهيم بن المهاجر، عن صفية، وقال: وهو غريب بهذا الإِسناد.
ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التمييز بإسناد صحيح، عن محمد بن عبيد، نا يحيى بن زكرياء، عن موسى بن عبد الله الجهني - وكان ثقة - قال لي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال.
وقال: أخبرتني عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل بمثل هذا.
وفي مسند أحمد بن منيع البغوي: حزرته ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال.
وفي هذا الإسناد بيان لصحة سماع مجاهد من عائشة، وسيأتي بيان ذلك بعد إن شاء الله تعالى، وفي قول الدارقطني: قال حماد، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة نظر؛ لما رواه الكجي في سننه، عن أبي عمر، ثنا حماد، عن قتادة، عن صفية أو معاذة - شَك حماد- عن عائشة، فهذا كما ترى حماد لم يقل عن واحدة منهما جزما، والله أعلم.
٣ - حدثنا هشام بن عمار، نا الربيع بن بدر، نا أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
هذا حديث في إسناده علّتان:
стр. 4
الأولى: ضعف الربيع بن بدر الملقب عليلة، فإن أبا إسحاق الجوزجاني وهاه.
وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث.
وقال النسائي والأزدي والدارقطني: متروك الحديث.
وقال البستي: كان يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات المقلوبات، وعن الضعفاء الموضوعات.
وقال أبو داود: لا يكتب حديثه.
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه الكبير: لا يُكتب حديثه.
وقال في موضع آخر: ضعيف متروك.
وقال البخاري في الأوسط: يخالف.
وذكره الساجي، والعقيلي، والبلخي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو العرب القيرواني، وأبو إسحاق الحربي في الضعفاء.
الثانية: الاختلاف في سماع محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير، من جابر، حتى قال أبو الحسن بن القطان وغيره: كل ما لم يصرح فيه بالسماع، ولم يكن من رواية الليث عنه منقطع.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث الربيع بن صبيح، عن أبي الزبير، وقال: لم يروه عن الربيع إلا الوليد بن مسلم.
تفرد به محمد بن أبي السري، ومن حديث أبي جَعفر محمد بن علي بن الحسين، عن جابر بمثله.
وقال: لم يروه عن شعبة - يعني عن مخول بن راشد - عن جعفر عنه إلا سعيد بن عامر الضبعي.
ولفظه عن جابر في المعجم الكبير: يجزئ من الغسل صاع، ومن الوضوء مد، وأرسله ابن أبي شيبة في المصنف. رواه عن:
стр. 5
عبد الرحيم بن سليمان، عن الحجاج، عن أبي جعفر به، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سوى ما أسلفناه، ذكرها أبو عبد الله في مستدركه، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا هارون بن إسحاق، نا محمد بن فضيل، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه بهذا اللفظ.
ولما ذكره أبو داود في سننه من حديث أحمد، ثنا هشيم، نا يزيد بن أبي زياد، عن سالم به، ضعفه أبو محمد المنذري بيزيد، بقوله: لا يحتج به، وفيما قاله نظر في موضعين:
الأول: اضطرابه في يزيد؛ فتارة يحسن حديثا هو فيه، وتارة يضعفه، كما فعل هنا، وتارة يسكت عنه موهما صحته، وسنبيّنه - إن شاء الله تعالى - في أليق المواضع به، وليس لقائل أن يقول: فعله ذلك لما يعضده من متابع أو شاهد أو عدمهما، لما أسلفناه من متابعة الربيع بن بدر، وابن الحسين، وحصين.
الثاني:، رواه عن يزيد وحصين عن سالم، فسلم الحديث من طعن إن كان في يزيد، ذكر ذلك أبو بكر البيهقي، عن الحاكم، أنا أبو العباس، نا أحمد بن عبد الجبار، نا ابن فضيل به، وعلى البيهقي في هذا الإسناد استدراك؛ لأجل ضعف أحمد بن عبد الجبار، وعدوله عن حديث الحاكم المذكور قبل هذا، ورويناه في كتاب الحافظ أبي بكر بن خزيمة الصحيح عن هارون بن إسحاق الهمذاني من كتابه، نا ابن فضيل عنهما، فذكره.
стр. 6
٤ - حدثنا محمد بن المؤمل بن الصباح وعباد بن الوليد قالا: حدثنا بكر بن يحيى بن زبان، نا حبان بن علي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه قال رسول الله ﷺ : يجزئ من الوضوء مد، ومن الغسل صاع، فقال رجل: لا يجزئنا، فقال: هذا كان يجزئ من هو خير منك وأكثر شعرا، يعني النبي ﷺ .
هذا حديث في إسناده ضعفاء.
الأول: حبان بن علي العنزي أبو علي الكوفي، ﵀ وغفر له، روى عن التابعين، قال فيه حجر بن عبد الجبار: ما رأيت فقيها بالكوفة أفضل منه.
وقال يحيى بن معين: صدوق، وفي رواية: ليس حديثه بشيء.
وقال ابن نمير: في حديثه وحديث أخيه مندل بعض الغلط.
وقال أبو زرعة: ليّن.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وسئل عنه ابن المديني فضعفه.
وقال الدارقطني: متروك. ومرة قال: ضعيف، ويخرج حديثه.
وقال أبو الحسان الزيادي: توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، ويقال: سنة إحدى، فإن مولده سنة إحدى عشرة.
وقال البخاري: ليس هو عندهم بالقوي.
وقال النسائي: ضعيف، وكذلك قاله ابن سعد.
وقال العجلي: صدوق.
وقال الخطيب: كان رجلا صالحا دينا.
وقال أبو داود: لا أحدّث عنه.
وقال المرزباني: قال حبان لأخيه مندل، وكان يسمى عمرا:
عجبا يا عمرو من غفلتنا … والمنايا مقبلات عنقا
قاصدات نحونا مسرعة … يتخللن إلينا الطرقا
وإذا أذكر فقدان أخي … أتقلب في فراشي أرقا
وأخي أين أخ مثل أخي … قد جرى في كل خير سبقا
وقال ابن قانع: ضعيف، وبنحوه قال ابن طاهرٍ.
стр. 7
الثاني: يزيد بن أبي زياد، وقد اختلف فيه.
فأمّا البخاري في الأوسط فإنه قال: ابن زياد أو ابن أبي زياد، وفي الكبير، قال: ابن زياد عن الزهري منكر الحديث، وتتبع ذلك عليه أبو محمد ابن أبي حاتم، فقال: قال أبو زرعة: إنّما هو يزيد بن أبي زياد، وسمعت أبي يقول كما قال. انتهى.
فعلى ما أسلفناه في التاريخ الأوسط لا وهم عليه، وكذا فرّق النسائي بين ابن زياد وابن أبي زياد.
وقال في ابن زياد: متروك الحديث.
وقال الآجري: سألت أبا داود، عن ابن أبي زياد فقال: ثبت، لا أعلم أحدا يترك حديثه، وغيره أحب إليّ منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب.
وقال ابن المديني وابن معين: ضعيف الحديث لا يحتج به.
وقال ابن المبارك: ارْمِ به.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، كل أحاديثه موضوعة وباطلة.
وقال ابن حبان: كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغيّر، وكان يتلقّن ما لقن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، وبنحوه ذكره اساجي.
وذكر ابن الجوزي يزيد بن زياد، وقيل: ابن أبي زياد، ويقال: أبو زياد اسمه، واسم أبيه: ميسرة، في ترجمة واحدة، وبنحوه ذكره ابن سرور المقدسي، وذكر أنّ مسلما روى له.
وقال ابن نمير: ليس بشيء.
وقال الترمذي: ضعيف في الحديث.
الثالث: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد الهاشمي المدني، سمع جماعة من الصحابة، كان أحمد بن حنبل وإسحاق يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين عندهما، قاله الحاكم.
وقال ابن سعد: منكر الحديث لا يحتج بحديثه، وكان كثير العلم، ومات سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال أبو معمر: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه.
وقال ابن معين: ليس بذاك، وفي رواية: ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليّن الحديث ليس ممن يحتج بحديثه، يكتب حديثه، وهو أحب
стр. 8
إلي من تمام بن نجيح، وسئل عنه أبو زرعة، فقال: يختلف عليه في الأسانيد.
وقال العجلي: جائز الحديث.
وقال الترمذي: صدوق، ولكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه.
وقال الفسوي: صدوق وفي حديثه ضعف.
وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
وقال الترمذي: صدوق، لكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يحدث على التوّهم، فيجيء بالخبر على غير سننه، فوجب مجانبة أخباره.
وأما الحاكم فإنه صحّح حديثه في مستدركه، وذكره أبو عبد الله البرقي في كتاب الطبقات، في باب من ينسب إلى الضعف في الرواية ممن يُكتب حديثه.
وروي لنا عن القطان أنه قال: عاصم عندي نحو ابن عقيل في الضعف.
الرابع: أبو عبد الله محمد بن عقيل، وهو مجهول لا يُعرف حاله، ولا نعرف له غير روايته عن أبيه ورواية ابنه عنه، والله أعلم.
ومع هذا فباعتبار مجموع الأحاديث المتقدّمة يكون حسنا؛ لما أسلفناه من الاختلاف في رجال إسناده، وفيه زيادة على ما قاله الترمذي عند حديث سفينة، وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك، وأغفل أيضا حديث أم سلمة من رواية الحسن عن أمه عنها، ذكره الطبراني في الأوسط. وقال: لم يروه عن أشعث بن عبد الملك - يعني عن الحسن - إلا سيف بن محمد، تفرد به جمهور بن منصور، وحديث أنس عند البخاري: يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمدّ، وحديث ابن عباس من عنده أيضا مرفوعا: يجزئ في الوضوء مد، وفي الغسل صاع.
وقال: لم يروه غير خصيف، عن عكرمة عنه إلا عبد العزيز بن عبد الرحمن الباسلي.
تفرّد به لوين، وذكره أبو الحسن الدارقطني في كتاب الأفراد من حديث إسرائيل، عن مسلم
стр. 9
الأعور، عن مجاهد، وأشار إلى تفرّد إسرائيل به، وحديث أم عمارة، عن أبي داود يرفعه: أتي بماء قدر ثلثي المد وإسناده صحيح، وحديث زينب بنت أبي سلمة بمعناه. ذكره القشيري.
وحديث أبي أمامة ذكره الطبراني في المعجم الكبير وابن عدي في الكامل من حديث الصلت بن دينار، عن شهر بن حوشب، وضعفه بهما، وحديث أبي سعيد مرفوعا من مسند ابن أبي أسامة من حديث عطية عنه، وحديث الربيع بنت معوذ، ذكره الدارقطني في سننه من جهة ابن عقيل عنها، وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: الوضوء مد، والغسل صاع، ذكره ابن الأثير في معرفة الصحابة، وحديث ابن عمر ذكره أبو محمد عبد الحق، وضعفه، وحديث أبي روح، ذكره في المصنف عن عبيدة، عن عبد الملك بن عمير بنحوه.
وكان الشافعي وأحمد يقولان: ليس معنى هذا الحديث على التوقيف أنه لا يجوز أكثر منه، ولا أقل منه؛ بل هو بقدر ما يكفي، والله أعلم.
стр. 10
لا يقبل الله صلاة بغير طهور
٥ - ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا محمد بن جعفر (ح)، ونا بكر بن خلف أبو بشر ختن المقرئ، نا يزيد بن زريع، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه أسامة بن عمير الهذلي، قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، ولا يقبل صدقة من غلول.
٦ - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد بن سعيد، وشبابة بن سوار، عن شعبة نحوه.
في مسند أبي داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت أبا المليح يحدث عن أبيه فذكره.
وهو حديث صحيح، خرجه ابن حبان في كتابه من جهة قتادة.
وقال البغوي فيما رويناه عنه في شرح السنة: هذا حديث صحيح، ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، وخرّجه الإسفرائيني في صحيحه، وفي كتاب البيهقي: إن الله لا يقبل … ، وأبو المليح اسمه عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن أقيشر، واسمه عمير، خرجا حديثه في صحيحيهما، قال ابن سعد: توفي سنة اثنتي عشرة ومائة.
وقال الفلاس: توفي سنة ثمان وتسعين.
وذكر مسلم في كتاب الوحدان
стр. 11
والعسكري والطبري في المذيل: أنه لم يرو عن أبيه غيره، وكذلك قال ابن بنت منيع في معجمه، وابن عبد البر.
٧ - نا علي بن محمد، نا وكيع، نا إسرائيل، عن سماك (ح)، وحدّثنا محمد بن يحيى، نا وهب بن جرير، نا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول.
في كتاب مسلم، عن سماك، عن مصعب: دخل ابن عمر على ابن عامر - يعني عبد الله - يعوده وهو مريض فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول … فذكره، وفي آخره: وكنت على البصرة، وفي صحيح ابن خزيمة عنه: فجعلوا يثنون عليه وابن عمر ساكت، فقال: أما إني لست بأغشهم ولكن النبي ﷺ قال … فذكره، وفي سنن الكجي: فقال ابن عامر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تقول؟ ولما ذكره الترمذي قال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، وأحسن شيء. وذكره أبو القاسم، في الأوسط من حديث مندل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه بلفظ: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد، وقال: لم يروه عن ابن عمر إلا مندل، ولا عن مندل إلا حسن بن حسين، تفرد به حسين بن الحكم الحبري الكوفي.
٨ - ثنا سهل بن أبي سهل أبو زهير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
стр. 12
هذا حديث خرجه أبو عوانة في صحيحه، من حديث سهل بن أبي سهل، واسمه زنجلة، روى عنه جماعة.
وقال أبو حاتم: صدوق، وأبو زهير بن عبد الرحمن بن مغراء بن الحارث بن عياض بن عبد الله بن وهب الكوفي قاضي الأردن، سئل عنه وكيع فقال: طلب الحديث قبلنا وبعدنا.
وكان أبو خالد الأحمر يحسن الثناء عليه.
وقال أبو زرعة: صدوق، وتكلّم ابن المديني في روايته عن الأعمش، وسنان بن سعد لما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال: حدّث عنه المصريون، وهم يختلفون فيه، يقولون: سنان بن سعد، وسعد بن سنان، وسنان بن سعيد، وأرجو أن يكون سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روي عن سعد بن سنان فيه المناكير، فكأنهما - والله أعلم - اثنان، وصحح البخاري قول من قال: سنان، وكذلك ابن يونس، وسئل عنه ابن معين، فقال: ثقة، وكذلك قاله الدارقطني.
وقال النسائي في كتاب التمييز: ضعيف، وبنحوه قال الإمام أحمد.
وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سمع أنسا؟ فغضب من إجلاله له.
وقال العجلي: سعد بن سنان مصري تابعي ثقة.
٩ - نا محمد بن عقيل، نا الخليل بن زكريا، نا هشام بن حسان، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
هذا حديث قال ابن عدي: رواه الخليل بن زكريا، عن هشام، عن الحسن.
ورواه عن هشام أيضا المنهال بن بحر، وبه يعرف، والخليل أضعف من منهال، وذكره في باب محمد بن عبد العزيز الدينوري، عن منهال.
قال: هذا بهذا الإِسناد باطل، فذكر محمد عن منهال. ورواه الخليل، والمنهال خير من الخليل.
ولما ذكره أبو نعيم في كتابه قال: هذا حديث مشهور لا يعرف إلا من حديث ابن عقيل بهذا اللفظ من حديث علي. انتهى، وهو معلَّل بأشياء منها: محمد بن
стр. 13
عقيل، وإن كان الحاكم قال فيه: هو من الثقات النبلاء، مات سنة سبع وخمسين ومائتين، فقد ذكر أنه أُنْكِرَ عليه حديثان، والخليل وإن قال فيه جعفر الصائغ: كان ثقة مأمونا، فقد كذبه القاسم بن زكريا.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير.
وقال العقيلي: يحدث بالبواطيل.
وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، وسماع الحسن من أبي بكرة مختلف فيه، فممن أنكره أبو الحسن الدارقطني، قال: هو عن أبي بكرة مرسل لم يسمع منه، ذكره في سؤالات الحاكم له.
وفي صحيح البخاري في كتاب الفتن: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول، فذكر حديثا. وفي كتاب الصلح أيضا قال: سمعت أبا بكرة يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
قال أبو عبد الله: قال ابن المديني: إنما يثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث، وفي كتاب ابن بطال: وزعم الداودي أنّ راوي هذا عن أبي بكرة إنما هو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ وفي كتاب المراسيل لابن أبي حاتم: عن بهز: سمع الحسن من أبي بكرة شيئا؟ قال: لا.
قال الباجي في أسماء رجال البخاري: أخرج البخاري حديثا فيه: قال الحسن: سمعت أبا بكرة، فأولّه الدارقطني وغيره من الحفاظ على أنه الحسن بن علي؛ لأن الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة، ولما ذكره الحاكم في التاريخ رواه عن محمد بن علي بن عمر، ثنا محمد بن عقيل، نا الخليل به، وزاد بعد قوله: ولا صدقة من غلول، وابدأ بمن تعول، وفيه ردّ لما قاله الترمذي وزيادة عليه،
стр. 14
وكذا حديث عمران بن حصين، قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول رواه الحاكم في تاريخ بلده، عن أبي الفضل محمد بن أحمد القاضي، نا أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسين، نا أحمد بن عبد الله، نا زيد بن حباب، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي السوار عنه، وحديث علي نحوه، ذكره ابن أبي غرزة في مسنده، وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه، ذكره الحافظ أبو بكر بن خزيمة - رحمه الله تعالى - فيما رويناه عنه في صحيحه، فقال: ثنا أبو عمار الحسين بن حريث، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير، وهو ابن زيد، عن الوليد، وهو ابن رباح، عن أبي هريرة، فذكره.
ولما ذكر ابن عدي هذا الحديث من جهة أبي سلمة وابن سيرين قال: لا أعلم من رفعه إلَّا غسّان بن عبيد الموصلي.
ورواه غسان عن أبي حذيفة مرفوعا، وغيرهما أوقفه، وهذا بهذا الإِسناد باطل. انتهى.
وما أسلفناه من عند ابن خزيمة يرد قوله، ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال: لم يروه عن الأعمش، يعني عن أبي حازم عنه إلا أبو مريم وابن فضيل، ولم يروه عن ابن فضيل إلا السري بن عاصم، وأغفل أيضا حديث جابر بن عبد الله، ذكره الطبراني في المعجم الأوسط من حديث سليمان بن قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عنه مرفوعا، أنا المقرئ الصالح موسى الحنفي الكردي ﵀ أنا أبو نصر، نا زنجويه، نا محمد بن أسلم، نا يعلى بن عبيد، نا يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
ورواه ابن المنذر في كتاب
стр. 15
الإقناع، عن الربيع أنبأنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، أخبرني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه، وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور.
رواه الإسفرائيني في صحيحه وأبو القاسم في الأوسط من حديث مكحول، عن رجاء بن حيوة عن. وقال: لم يروه عن مكحول إلا محمد بن سليمان بن أبي داود، تفرد به محمد بن عبيد الله بن يزيد القردواني، عن أبيه، ورواه ابن أبي شيبة في مسنده، عن محمد بن فضيل، عن أبي سُفيان السعدي، عن أبي نضرة عنه، ولفظه: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، وفي كل ركعتين تسليمة، ولا صلاة لكل من لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة وغيرها.
وحديث أبي بكر الصديق، قال ﵇: لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور، وابدأ بمن تعول، ذكره أبو عوانة في صحيحه.
وحديث عبد الله بن عباس ذكره أيضا من حديث نافع مولى يوسف السلمي، عن عطاء عن ابن عباس يرفعه، وقال: لم يروه عن عطاء غير نافع، ولا عن نافع إلا سعدان بن يحيى، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن، ولا يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإِسناد. انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ لما ذكره ابن أبي شيبة أيضا في مصنفه عن أبي خالد الأحمر، عن ابن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا.
стр. 16
ولما ذكره الحاكم في تاريخ بلده: نا أبو بكر الجيزي، نا إبراهيم بن محمد بن يزيد السكري، نا عبد العزيز بن منيب المروزي، نا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، فذكره، وحديث الزبير بن العوام عنده أيضا، وقال: لم يروه عن الليث بن سعد، يعني عن هشام عن أبيه عن الزبير إلا أبو قتادة الحراني، ولا يُرْوَى عن الزبير إلا بهذا الإِسناد.
[وفي المعجم الكبير حديث أبي مسعود البدري، وفي مصنف ابن أبي شيبة: حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان عن جدته عن أبيها بمعناه، وهو حديث ضعيف. ابن عرفة: غل في المغنم، يَغُل غلولًا: إذا سرق من الغنيمة، سُمي بذلك، لأن الأيدي مغلولة عنه، أي: ممنوعة، وفي الصحاح: أغل، يغل، غلَّ]، وقال القزاز: سمي بذلك لأن الرجل كان إذا أخذ منه شيئا ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال، ومغل من هذا، يعني قوله: يغل الماء والسيل يغل غللا وغلولا، إذا جرى من الشجر، وغللت الشيء أغلّه غلا: سترته، والطهور بالفتح: الماء الذي يتطهر به، وبالضم الفعل، وقال سيبويه: بالفتح يقع على الماء والمصدر معا، وقال الخليل: الفتح في الفعل والماء، ولم يعرف الضم، وحكي الضم فيهما جميعا.
стр. 17
مفتاح الصلاة الطهور
١٠ - ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه ﵁ قال رسول الله ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
هذا حديث خرجه الترمذي من حديث سفيان، عن ابن عقيل، وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن،.
وقد تقدّم الكلام في ابن عقيل قبل، وذكر حديثه هذا الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة من حديث وكيع، عن سفيان عنه، وخرّجه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن وكيع، وشرطه معروف.
وقال ابن العربي في الأحوذي: إسناد أبي داود أصح من سند الترمذي، ولا وجه لما قاله؛ لأن مداره على ابن عقيل، وقد جاء التكبير في غير ما حديث، عن أبي هريرة في الصحيحين: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم. وفي حديث المسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، وحديث عمران بن حصين وابن عباس، وكلهم في الصحيح، وابن عمر عند النسائي، وابن مسعود، صححه الترمذي، والتسليم كذلك
стр. 18
رواه ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وهما في الصحيح، وسهل بن سعد عند أحمد، ووائل بن حجر، وحذيفة وغيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -، ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان: مفتاح الصلاة الوضوء.
١١ - ثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، عن أبي سفيان طريف السعدي (ح)، ونا أبو كريب، نا أبو معاوية، عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.
وخرجه الترمذي بزيادة: ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها.
هذا حديث رواه بحشل في تاريخ واسط، عن محمد بن حسان البرجلاني، نا محمد بن يزيد، نا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، عن أبي سفيان، ولفظه: مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وأذنها التسليم، ولا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن أو بغيرها من القرآن، وإذا ركع فليضع يده على ركبتيه، وليسوي ظهره، ولا يدبح تدبيح الحمار.
وحديث علي أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد، وخالف ذلك الحاكم؛ لما ذكره من جهة الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة به، قال: هذا
стр. 19
حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وشواهده عن أبي سفيان، عن أبي نضرة كثيرة، فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات وأبو مالك النخعي، وأشهر إسناد فيه حديث ابن عقيل، انتهى.
وفيما قاله نظر؛ وذلك لأن أبا طريف لم يخرج مسلم له شيئا، وسيأتي الكلام على ضعفه، ورواه البزار في مسنده، عن علي بن المنذر، نا محمد بن فضيل، نا أبو سفيان به زاد: في كل ركعة قرأ بفاتحة الكتاب وسورة، قال: وهذا الكلام لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو سعيد بهذا الإِسناد، وإن كان همّام قد روى عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ أمر أن نقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب وما تيسر، فحديث همام يؤيّد حديث أبي سفيان، وإن كان بغير لفظه. انتهى.
وخرّجه الدارقطني بلفظ: مفتاح الصلاة الوضوء.
أبو سفيان اسمه طريف بن شهاب الأشل. وقال البخاري: كان عطارديا، وقال أيضا: أبو معاوية طريف بن سعد، ويقال: طريف بن سفيان، وجمع أبو عمر بين السع ي والعطاردي، وهو الصحيح؛ لأن عطارد هو من عوف بن كعب بن سور بن زيد مناه بن تميم، وقال: أجمعوا على أنّه ضعيف الحديث. انتهى.
وأبو إسحاق الحربي يفهم من كلامه غير ما قاله أبو عمر، وذلك أنه لما ذكره في كتاب العلل، قال: ليس هو أوثق الناس، وتقدّم تصحيح الحاكم حديثه.
وقال ابن عدي: أسانيده مستقيمة، وفي كتاب الدارقطني: حديث عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، عن النبي ﷺ مثل حديث ابن عقيل، وإسناده لا بأس به، وذلك أنه رواه عن محمد بن عمرو بن البختري، قال الخطيب: كان ثقة ثبتا عن أحمد بن الخليل، وقد وثّقه النسائي والحاكم، ومحمد بن نعيم الضبيّ، عن الواقدي
стр. 20
محمد بن عمر، وقد أثنى عليه مالك، ووثقه غيره من الأئمة، وسيأتي الكلام عليه مستوفى - إن شاء الله تعالى - عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وهو مذكور في كتاب الثقات لابن حبان، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به.
ورواه البيهقي في كتاب السنن الكبير، عن أبي عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا الحسن بن علي بن زياد، نا إبراهيم بن موسى الرازي، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، نا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم.
وقاله أبو زرعة الرازي بسند متابع لما تقدّم، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط، قال: تفرّد به الواقدي، ولا يروى عن ابن زيد إلا بهذا الإِسناد، وحديث أم عمارة أصح، يعني الحديث المذكور من عند أبي داود قبل، والله أعلم.
وخالف ذلك الحافظ أبو بكر بن خزيمة؛ فرواه في صحيحه، عن أبي كريب، نا يحيى فذكره بلفظ: أتي بثلثي مد فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفيه رد لما ذكره أبو عيسى من أن حديث علي أصح شيء في الباب، وفيه ردّ عليه أيضا في قوله: وفي الباب عن علي وعائشة، وكذا حديث جابر بن عبد الله المذكور عند أبي نعيم في تاريخه من حديث أبي داود عن سليمان بن معاذ الضبي عن أبي يحيى القتات، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث سليمان بن قرم،
стр. 21
عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد عنه يرفعه: مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء، وقال ابن العربي: أصح شيء في هذا الباب وأحسن حديث مجاهد عن جابر، وفيه نظر، فما أسلفناه من الأحاديث أصح منه، وحديث ابن عباس مرفوعا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم المذكور عنده من حديث نافع مولى يوسف السلمي، عن عطاء عنه.
وقال: لم يروه عن عطاء إلا نافع، ولا عن نافع إلا سعدان بن يحيى، تفرّد به سليمان بن عبد الرحمن، ولا يُرْوَى عن ابن عباس إلَّا بهذا الإِسناد، وأما الصحابة فقد روي عن جماعة منهم ذلك موقوفا، منهم: ابن مسعود وابن عباس، وإسناد حديثهما صحيح، وعائشة.
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنّ الرجل إذا انصرف من صلاته بغير تسليم فصلاته باطلة، وخالفهم في ذلك آخرون، وافترقوا على قولين؛ فمنهم من قال: إذا قعد مقدار التشهد فقد تمّت صلاته وإنْ لم يسلم، ومنهم من قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته، وإن لم يتشهّد ولم يسلم، فكان من الحجة للفريقين على أهل المقالة الأولى ما روي عن النبي ﷺ من قوله: تحليلها التسليم، إنما روي عن علي، وقد روي عنه من رأيه في مثل ذلك ما يدل على أن معنى ذلك عنده على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، وهو ما رواه أبو عوانة، عن الحكم، عن عاصم، عن علي، قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة، فقد تمت صلاته.
وقد روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: إذا رفع رأسه من آخر السجود فقد مضت
стр. 22
صلاته إذا هو أحدث وفي بعض ألفاظه: إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتمّ معه الصلاة قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمّت صلاته، فلا يعود فيها.
قال أبو جعفر: فهذا معناه غير معنى الحديث الأوّل، وقد روي بلفظ آخر: إذا رفع المصلي رأسه من آخر الصلاة، وقضى تشهده ثم أحدث، فقد تمت صلاته، فلا يعود.
واحتج الذين قالوا: لا تتم الصلاة حتى يقعد قدر التشهد، بما نا فهد، نا أبو نعيم وأبو غسان قالا: ثنا زهير، عن الحسن بن الحر، حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي فحدّثني أنَّ ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله ﷺ أخذ بيده فعلّمه التشّهد، وقال فيه: فإذا فعلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتكم، إنْ شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد.
وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل على أنَّ ترك التسليم غير مفسد للصلاة، وهو أنه ﷺ : صلى الظهر خمسا، فلما أخبر بصنيعه ثنى رجله فسجد سجدتين، فهذا النبي ﷺ أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة، ولو رأى ذلك مفسدا لها لأعادها، فلما لم يعدها، وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم؛ دَلَّ ذلك على أن السلام ليس من صلبها، ألا ترى أنّه لو كان جاء بالخامسة وقد بقي عليها مما قبلها سجدة، كان ذلك مفسدا للأربع؛ لأنه خلطهن بما ليس منهن، ولو كان السلام واجبا كوجوب السجود لكان حكمه أيضا كذلك، ولكنّه بخلافه فهو سنّة. انتهى.
وعليه فيه مآخذ:
الأول: قوله: إنما روي عن علي، يريد أنه لم يرو غيره، وقد قدمنا حديثين من غير روايته، أحدهما صحيح.
والثاني: ردّه المرفوع بالموقوف الذي هو من رواية عاصم بن ضمرة وهو متكلّم فيه، حتى قال ابن عدي: تفرد عن علي بأحاديث باطلة، لا يتابعه الرواة عليها،
стр. 23
والبلية منه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيرا، فلما فحش ذلك منه استحق الترك.
وعلى تقدير صحته يكون العمل بروايته، لا برأيه، هذا هو مذهب أكثر العلماء.
الثالث: ابن أنعم وابن رافع ضعيفان، وحديث عبد الرحمن عن ابن عمرو منقطع فيما ذكره ابن أبي حاتم، مع ضعفه ونكارة حديثه فيما قاله البخاري، وبكر بن سوادة، وإن كان ثقة، فحديثه عن ابن عمرو لم أر أحدا صرح به، ولا ذكر له رواية عنه فيما أعلم، والذي وصفه به ابن يونس: روى عن سهل بن سعد والتابعين.
الرابع: حديث ابن مسعود: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك. وهي زيادة ذكر الخطيب وغيره أنها مدرجة، وليست من كلام النبي ﷺ .
стр. 24
المحافظة على الوضوء
١٢ - ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال رسول الله ﷺ : استقيموا ولا تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
هذا حديث قال فيه أبو عبد الله النيسابوري لما خرّجه من حديث منصور، عن سالم، ومن حديث الأعمش، عن سالم بلفظ: واعلموا أن خير دينكم الصلاة: صحيح على شرط الشيخين.
ولم أعرف علة من العلل يُعَلَّل مثلها هذا الحديث، إلَّا وهم من وهم أبي بلال الأشعري؛ فإنه وهم منه على أبي معاوية فيما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، ثنا الحسين بن يسار الحناط، نا أبو بلال الأشعري، نا ابن خازم، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال النبي ﷺ : استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يواظب على الوضوء إلا مؤمن. انتهى كلامه، وليس كما قال، فإن هذا حديث منقطع، والمنقطع ليس صحيحا، وممن صرح بذلك الإِمام أحمد، فإنه قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة. وقال أبو حاتم الرازي: لم يدركه، وبنحوه قاله ابن حبان.
وأما تحسين الترمذي حديثه عن ثوبان يرفعه: والذين يكنزون الذهب والفضة، فالكلام معه كالكلام مع الحاكم، وقد وقع له أيضا حديث ثوبان متصل بسند صحيح، ذكره أبو حاتم بن حبّان في كتابه الصحيح، فقال: نا أبو يعلى، نا سريج بن يونس وأبو خيثمة، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، نا ابن ثوبان، نا حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدّثه أنّه سمع ثوبان، قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، قال أبو حاتم: خبر سالم عن ثوبان منقطع، فلذلك
стр. 25
تنكبناه، وفي مسند الطيالسي إشارة إلى حديث ابن حبان هذا، وإنه لما ذكر خبر سالم، قال: ويروى هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن حسان، عن أبي كبشة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ ، ورواه الدارمي، عن يحيى بن بشر، نا الوليد، فذكره.
١٣ - نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، نا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال رسول الله ﷺ : استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
هذا الإِسناد لا بأس به؛ لأن إسحاق هذا قال فيه أحمد: صدوق.
وقال الدارقطني: ثقة مأمون.
وتابعه على ذلك الحسين بن علي عند ابن أبي شيبة في مسنده، عن زائدة، عن ليث، ومحمد بن أبي شيبة عند ابن طاهر في كتاب صفة التصوف، وليث بن أبي سليم حاله في الضعف مشهورة، ومع ذلك قال عبد الغني: خرّج حديثه الشيخان، ومجاهد فمنصوص على سماعه من ابن عمرو، والله أعلم.
١٤ - ثنا محمد بن يحيى، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، حدثني إسحاق بن أسيد، عن أبي حفص الدمشقي، عن أبي أمامة يرفع الحديث، قال: استقيموا، ونعما إن استطعتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن.
إسحاق بن أسيد وإن كان مذكورا في كتاب الثقات لابن حبان، فقد وصفه بالخطأ مع ذلك.
وقال ابن حبان: ليس بالمشهور ولا نشتغل به.
وقال أبو أحمد
стр. 26
ابن عدي: هو مجهول، يعني بذلك جهالة الحال، لا العين.
وذلك أنه روى عنه جماعة، منهم حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وسعيد بن أبي أيوب، وعقبة بن نافع، ويحيى بن أيوب، ذكر أبو محمد بن سرور أنّ الجماعة رووا حديثه إلَّا مسلما، وروى ذلك أبو الحسن بن القطان، فقال: هو ممن يجب على مسلم إخراج حديثه، وأيضا فالبخاري لم يخرج حديثه محتجا به، إنّما روى عنه تعليقا، بَيَّنَ ذلك أبو نصر الكلاباذي - رحمهم الله تعالى - وأبو حفص الدمشقي، ولم يذكره ابن أبي حاتم ولا البخاري، وذكر أبو عمر في كتاب الانتقاء: أنّه روى عن مكحول، قال: وروى عنه إسحاق بن أسيد حديثا منكرا، وقد قيل: إنّه عثمان بن أبي العاتكة، وليس ممن تقوم به حجة. انتهى.
فعلى هذا تكون روايته عن أبي أمامة منقطعة مع ضعفها.
قال أبو عمر: يعني استقيموا على الطريقة النهجة؛ التي نهجت لكم، وسددوا وقاربوا، فإنكم لن تطيقوا الإِحاطة في أعمال البر، ولا بدّ للمخلوق من ملال وتقصير في الأعمال، فإن قاربتم ووفقتم كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم.
стр. 27
باب الوضوء شطر الإِيمان
١٥ - ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، أخبرني معاوية بن سلام، عن أخيه أنه أخبره عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله ملء الميزان، والتسبيح والتكبير ملء السماوات والأرض، والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كلّ الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
خرجه مسلم، عن إسحاق بن منصور، نا حبان بن هلال، نا أبان، نا يحيى أن زيدا حدّثه أن أبا إسلام حدّثه، عن أبي مالك به، وتتبع ذلك الدارقطني، وزعم أن الصواب ما قاله معاوية بن سلام، يعني بذلك المذكور عند ابن ماجه والنسائي والترمذي، وما عند مسلم منقطع، قال المازري: يحتمل قوله: الطهور شطر الإِيمان وجهين:
الأول: أنه ينتهي تضعيف الأجر به إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات في قوله ﵇: إن قَل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن.
стр. 28
الثاني: أن يكون معناه أن الإِيمان يجُب ما قبله من الآثام، وقد أخبر ﵇ أن الوضوء يذهب عن الإنسان به الخطايا، إلا أنه قد قام الدليل أنَّ الوضوء لا يصح الانتفاع به إلا مع مضَامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلا مع مضامة شيء ثان، ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدّمة عليه بانفراده، صار الطهور في التشبيه كأنه على الشَطر منه، وفي هذا الحديث حجة على من يرى أن الوضوء لا يفتقر إلى نية.
стр. 29
باب ثواب الطهور
١٦ - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : إنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد.
أخرجاه في الصحيح بلفظ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، وذلك أنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، ولا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة في حبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه.
قوله: لا ينهزه، أي: لا يبعثه، ولا يشخصه إلا ذلك، ومنه انتهاز الفرصة، وهو الانبعاث لها والمبادرة، وهي بفتح الياء، نهز الرجل ينهز، وحُكي فيه ضم الياء، ومنه أنّ هذه المعاني أسباب الدرجات، وأضيف إلى ذلك أمور أخر وردت في ذلك من الدعاء عند دخول المسجد، والخروج منه، والسلام على أهل المسجد وتحيته، وغير ذلك، نقل أن التضعيف لمجرّد الجماعة، وهي كلّها زيادة على الدرجات.
١٧ - نا سويد بن سعيد، ثنا حفص بن ميسرة، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن رسول الله ﷺ قال: من توضأ فتمضمض واستنشق، خرجت خطاياه من فيه وأنفه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه،
стр. 30
حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه، فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة.
هذا حديث مختلف في إرساله واتصاله، وقد خرج مسلم معناه من حديث عمرو بن عبسة، وفيه طول، وفي آخره: فحدَّث عمرو بهذا الحديث أبا أمامة صاحب النبي ﷺ فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عنبسة، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: لقد كبر سني ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على النبي ﷺ ولا على الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدا، ولكني سمعته أكثر من ذلك، وكما رواه حفص هنا رواه عن مالك في الموطأ يحيى بن يحيى والقعنبي وجمهور الرواة.
وقالت طائفة، منهم مطرف، وإسحاق بن عيسى الطباع عن مالك، عن زيد، عن عطاء، عن أبي عبد الله الصنابحي، واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك، فقالت طائفة عنه ما قال مالك في أكثر الروايات عنه.
وقالت طائفة أخرى: عن زيد، عن عطاء، عن أبي عبد الله الصنابحي.
قال أبو عمر: وما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم، والصواب قول من قال فيه:، وروى زهير بن محمد، عن زيد، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت
стр. 31
رسول الله ﷺ يقول، فذكر قوله: إنّ الشّمس تطلع ومعها قرن الشيطان .. الحديث، وهو خطأ عند أهل العلم، والصنابحي لم يلق رسول الله ﷺ قاله أبو عمر -، وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره، قاله أبو عمر وقد روي عن ابن معين أنه سئل عن عبد الله الصنابحي يروي عنه المدنيون، فقال: يشبه أن يكون له صحبة، وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي، عن النبي ﷺ فقال لمن سأله: ليست له صحبة، وبنحوه قاله الترمذي في كتاب العلل الكبير، عن البخاري، رحمهما الله تعالى.
وأما قول أبي عمر: إن زهير بن محمد لا يحتج به، فليس كذلك؛ لأنه ممن خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما، ومن كانت هذه حاله لا يقال فيه ما ذكره، لا سيما مع عدم الحالة المصرَح بها، بل هو في المعنى متابع مالكا، وفي ذلك غنية، والله أعلم.
، وإنما فيهم الصنابح بن الأعسر الأحمسي كوفي، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث، وفي الباب أيضا أحد يقال له عبد الله الصنابحي،.
قال ابن إسحاق: عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة، قال: لم يكن بيني وبين وفَاة النبي ﷺ إلا خمس ليال، توفي وأنا بالجحفة، كذا زعم أبو عمر أن الذي يروي عنه مرثد هو الذي يروي عنه عطاء، وأبو حاتم يخالف ذلك،، والذي يروي عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، روى عن أبي بكر،، وفي هذا أيضا توهيم من ادّعى أن مالكا وهم في تسميته عبد الله، وقد قيل ذلك له، فلم يرجع؛ بل أصر عليه، وزعم أن كذلك حفظ، ووجده كذلك في كتابه، ففي هذا دلالة أنه لم يرجع إلى ما قيل له؛ لعلمه أنّه غير صواب؛ إذ لو كان صوابا لكان أسرع الناس رجوعا إليه، مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه.
ذكر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني في كتاب سماه الحث على اقتباس الحديث: قال إبراهيم بن المنذر: سمعت معن بن عيسى يقول: قلت لمالك بن أنس: إن الناس يقولون: إنك تخطئ في أسامي الرجال، تقول: عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي، وتقول: عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو بن عثمان، وتقول: عمر بن الحكم السلمي، وإنما هو معاوية بن الحكم! فقال مالك: هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومَنْ يسلم من الخطأ؟!
ويزيد ذلك وضوحًا أيضًا ما ذكره الحاكم في المستدرك من حديث مالك عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس له علة، وإنما خرجا حديث عثمان، وأبي هريرة غير تام، وعبد الله الصنابحي صحابي مشهور،.
وترجم ابن قانع في معجمه حرف العين المهملة باسم عبد الله الصنابحي،
стр. 32
وكذا ترجم عليه غيره من المؤلفين، وأما النسائي فإنه ذكر في كتاب مسند حديث مالك هذا الحديث عن قتيبة، ثم قال: عن الصنابحي، ولم يسمه، وهو ما أغفل ذكره أبو عمر، قال أبو الحسن بن القطان: ونسبة الوهم إلى مالك أو مَنْ هو فوقه خطأ، ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة، ومالك لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد، بل قد وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف أحد الثقات المخرج لهم في الصحيحين، وفي كتاب أبي جعفر البغوي، ثنا أبو أحمد، أنا أبان البجلي، حدثني أبو مسلم قال: دخلت على أبي أمامة وهو يتفلى في المسجد، فذكر حديثا فيه: مَنْ توضأ فأسبغ الوضوء، وغسل يديه ووجهه، ومسح على رأسه وأذنيه، ثم قام إلى صلاة مفروضة، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه، وقبضت عليه يداه، وسمعته أذناه، ونظرته عيناه، وحدث به نفسه من سوء، وقال: سمعته من النبي ﷺ ما لا أحصيه، قال: ثنا الحسن بن موسى، ثنا شيبان عن معاوية، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة السلمي، أن النبي ﷺ قال: إذا توضأت فغسلت كفيك، خرجت ذنوبك من كفيك، فذكره مطولًا، فهذا كله يوضح لك أن ما قاله مالك ومَنْ تبعه صواب، وما قاله أبو عمر عكسه، وذكر البخاري في الأوسط: وحدثني يوسف بن راشد، ثنا إسحاق الطباع، أخبرني مالك، عن زيد، عن عطاء، عن الصنابحي بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : إذا توضأ، وهذا عندي أصح، وفي كتاب التمهيد: أجمع العلماء على أن غسل الوجه، واليدين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، لأمر الله تعالى به، لا خلاف علمته في شيء من ذلك، إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه بعد هذا في بابه إن شاء الله تعالى، وقد استدل بعض مَنْ لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بهذا الحديث لخروج الخطايا معه،
стр. 33
فوجب التنزه عنه، لأنه ماء الذنوب، وهذا عندي لا وجه له، لأن الذنوب لا تنجس الماء، لأنها لا أشخاص لها، ولا أجسام تمازج الماء، فتفسده، وإنما معنى قوله: خرجت الخطايا مع الماء إعلامًا منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم.
وقد اختلف الفقهاء في الماء المستعمل: فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يتوضأ به، ومَنْ توضأ به أعاد، لأنه ليس ماء مطلقًا ويتيمم واجده، لأنه ليس بواجد ماءً، وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج، وهو قول الأوزاعي، وأما مالك فقال: لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء، ولا خير فيه، ثم قال: إذا لم يجد غيره توضأ به، ولم يتيمم، لأنه ماء طاهر، لم يغيره شيء.
وقال أبو ثور وداود: الوضوء بالمستعمل جائز، لأنه ماء طاهر، لا ينضاف إليه شيء، وهو ماء مطلق، واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة، وإلى هذا ذهب محمد بن نصر المروزي، ورُوي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، والنخعي، ومكحول، والزهري، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه، فوجد في لحيته بللًا أن يمسح بذلك البلل رأسه.
فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل، وأما مالك والشّافعي وأبو حنيفة ومن قال بقولهم، فلا يجوز ذلك عندهم، ولو فعل لم يجزه، وكان عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء؛ لأنه قد أُدِّيَ به فرض، فلا يؤدى به فرض آخَر كالجمار وشبهها.
قال أبو عمر: الجمار مختلف فيه.
وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة، واحتج بظاهر حديث الصنابحي، وبمثله من الآثار، وبقوله: فما ترون ذلك يُبْقِي من ذنوبه، وهذا جهل
стр. 34
بيّن، وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها، وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وقوله ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا َ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في آي كثيرة، ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه ولا قَاصد إليه، ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر الله تعالى بالتوبة معنى، ولكان كلّ من توضأ وصلى، يشهد له بالجنة بإثر سلامه من صلاته، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية، وقال ﵇: الندم توبة. وقال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وهذا يبيّن لك ما ذكرنا، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر، فيكون على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ﴾، كفرنا عنكم الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض، وإن لم تجتنبوا الكبائر، ولم تتوبوا منها، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر، إذا واقعتم الموبقات المهلكات، وهذا كله قبل الموت، وبهذا قال جماعة المسلمين، وجاءت به الآثار الصحاح، ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه؛ لعلم أنّها الصغائر في الأغلب، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر.
دليله: قوله ﵇: العينان يزنيان، والفم يزني، ويصدق ذلك كله الفرج، أو يكذبه. يريد - والله أعلم - أن الفرج بعمله يوجب الهلكة، وما لم يكن كذلك فأعمال البر تغسل ذلك كلّه، والله أعلم.
١٨ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار قالا: ثنا غندر محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا توضأ فغسل يديه خرت
стр. 35
خطاياه من يديه، فإذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، فإذا غسل ذراعيه ومسح برأسه خرت خطاياه من ذراعيه ورأسه، فإذا غسل رجليه خرت خطاياه من رجليه.
هذا الحديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن ابن عبسة، وقال فيه: صحيح الإِسناد على شرطهما ولم يخرجاه، وأبو عبيد تابعي كبير، لا ينكر سماعه من عمرو. وفي الحديث صحة سماعه، وله شاهد على شرط مسلم، عن عمرو بن عبسة، وفي الأوسط من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي أمامة مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم حط ما أصاب بفيه … الحديث، وفي موضع آخر من حديث شهر بن حوشب عنه: إن العبد إذا غسل يديه خرجت خطايا يديه … الحديث، وقال: لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي إلا أبو فروة يزيد بن سنان، وأما حديث ابن ماجه ففي إسناده ضعف، وقد تقدَّم معناه من كتاب مسلم، وسبب ضعفه عبد الرحمن بن البيلماني الأنباري، والبيلمان: هي خرق تعمل منها القلوع. وقال الرشاطي: بيلمان من بلاد السند، قال فيه أبو حاتم الرازي: لين، وبنحوه قاله الإشبيلي، وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله! وقال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، روى عن ابن عمر بواطيل، ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال: لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه، إذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه يضع على
стр. 36
أبيه العجائب، وممن ضعفه أيضا: يعقوب بن طاهر، وذكر الحاكم في كتاب المدخل: أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث عمرو بن عبسة، ولم يرد ذلك عبد الغني بن سعيد فيما ردّه، فكأنه قرّره، وتتبع ذلك عليهما الحافظ أبو محمد بن يربوع الشنتريني، فزعم أن مسلما تفرد بحديثه دون البخاري، والله أعلم.
١٩ - حدثنا محمد بن يحيى، نا هشام بن عبد الملك، نا حماد، عن عاصم، عن رز بن حبيش، أنّ عبد الله بن مسعود قال: قيل: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غر محجلون، بلق من آثار الطهور.
خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا كامل بن طلحة، نا حماد به، ولفظ أحمد في مسنده: من آثار الوضوء.
وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟
قال: لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرني، وفيه حديث جابر بن عبد الله أيضا، وقال: لم يروه عن الأعمش، يعني عن أبي مسلم، عن جابر إلا يحيى بن يمان.
وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة يرفعه: أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض الحديث.
وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة مم هي؟ إذ هي في الأحاديث السابقة مجملة عن عبد الله بن
стр. 37
بسر مرفوعا: أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء.
قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
٢٠ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني شقيق بن سلمة، حدثني حمران مولى عثمان، قال: رأيت عثمان بن عفان قاعدا في المقاعد، فدعا بوضوءٍ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقال رسول الله ﷺ : ولا تغتروا.
٢١ - حدّثنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، نا الأوزاعي، حدثني يحيى، حدّثني محمد بن إبراهيم، حدثني عِيسى بن طلحة، حدثني حمران، عن عثمان، عن النبي ﷺ نحوه.
هذا حديث إسناده صحيح؛ لأن الوليد إنما نحذر منه التدليس أو التسوية، وهنا أمِنا ذلك لتصريحه بسماعه، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له - وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق - وهما ثقتان، فلا يضر ذلك الحديث، ويكون محمد سمعه منهما، أو يكون القول في ذلك قول الوليد لتقدمه به على عبد الحميد، فإن بعضهم، وهو أبو حاتم، يزعم أنَّه ليس بصاحب حديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي، ويكون أراد ذكر شقيق، فوهم إلى عيسى، والله تعالى أعلم.
وله أصل في الصحيحين من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن حمران من غير زيادة ولا تغتروا، وهي في صحيح أبي حاتم البستي. قال:، ثنا ابن سلم، ثنا عبد الرحمن به. ولفظه: قال رسول الله ﷺ : من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ثم قال ﵇: ولا تغتروا، وفي حديث مسلم زيادة: وكانت صلاته
стр. 38
ومشيه إلى المسجد نافلة.
[وفي الباب غير حديث، من ذلك حديث أبي أمامة يرفعه: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، رواه الطبراني في معجمه الكبير عن شهر بن حوشب عنه، وفي آخره: قال أبو ظبية: وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بمثل هذا الحديث، حدث، فذكر كما ذكر أبو أمامة، وحديث سلمان الخير مرفوعًا: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، رواه من حديث ابن جدعان عن أبي عثمان عنه، وحديث كعب بن مرة البهزي يرفعه: إذا توضأت، فغسلت كفيك خرجت خطاياك من كفيك، فإذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك … الحديث، رواه ابن جرير عن منصور عن سالم عنه، وحديث أبي أيوب يرفعه: مَنْ توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غُفِرَ له ما تقدم من عمل، أكذلك يا عقبة بن عامر؟ قال: نعم. رواه عن ابن عبد الحكم عن قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، ثنا أبو الزبير، عن سفيان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن سفيان الثقفي عنه، وحديث جابر مرفوعًا: أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لم يرو هذا عن الأعمش يعني عن أبي مسلم عنه إلا يحيى بن يمان].
قوله: واستنشق، يعني حرك الماء، بريح الأنف، قال القزاز: النشق مصدر نشقت الشيء أنشقه نشقا، إذا شممته، واسم ما يستنشقه النشوق، والشيء منشوق ومستنشق، وتقول: نشق الرجل بمعنى استنشق؛ ولذلك قال المتلمس:
стр. 39
ولو أن محموما بخيبر مدنفا … تنشق رباها لأقلع صالبه
أي: وجد ريحها، وتقول للرجل: استنشق يا فلان هذه الريح، وهذه ريح مكروهة النشق، أي الرائحة، ومنه قول رؤبة:
كأنه مستنشق من الفرقِ … حرا من الخردل مكروه النشق
وفي الغريبين: أي يبلغ الماء خياشيمه.
وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف، ويشبه أن يكون وهِم؛ لأنّ أهل اللغة فرّقوا بي هما، وفي نفس الحديث: فليجعل في أنفه ثم لينتثر، فدلَّ أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا، وقد أنكر ذلك عليه غير واحد من الأئمة.
قوله: أشفار عينيه، يعني حروف أجفانه، واحدها شُفر بضم الشين، كذا ذكره ثعلب، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب.
وفي الجامع: شفير كلّ شيء حدّه، وفي المحكم: وشافره أيضا، وأما الفراء فَحَكَى فيه الضم، وأنكره بعضهم.
قوله: خرت خطاياه، قال في الجمهرة: خر يخر خرًّا، إذا هوى من علو إلى سفل، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ، يخر خرًّا، وكذلك الرجل إذا سقط وهو قائم على وجهه.
وقال الهروي: سقط يخر خرورا بضم الخاء، وبنحوه قال الجوهري.
قوله: غرة، يريد البياض في الوجه، والغرَّة بياض في وجهة الفرس تفوق الدرهم، يقال: فرس أغر، والأغر الأبيض، وقوم غرّان، قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية … وأوجههم عند المشاهد غران
ورجل أغر: أي شريف، وفلان غُرةُ قومه: أي سيدهم، وغُرَّةُ كل شيء أوّله وأكرمه، ذكره صاحب الصحاح، وفي الجمهرة: وكلّ شيء بدا لك من وضوءٍ أو صبح، فقد بدت لك غرته. وقال القزاز: الأغر والغراء: الأبيض والبيضاء، ومنه
стр. 40
قول الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها … تمشي الهوينا كما يمشي الوَجِي الوَحِل
وقيل: الغراء الواسعة الجبهة، وقيل: هي البيضاء النقية العرض.
وقالت الأعراب: هي التي تتسع جبهتها وملاح ما بين عينيها، وتتباعد قصبتها من جبينها.
وقيل: هي البيضاء العينين، وهذا امرؤ غر محجّل، أي واضح، ولذلك قال الشاعر:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا … لقد ركبت امرأ أغر محجلا
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة: الغراء من نبات التبر، ولها زهرة بيضاء شديدة البياض ناصعة.
وقال أبو نصر: الغراء ثمرة بيضاء، يعني بالثمرة الزهرة، قال أبو حنيفة: ونباتها مثل نبات الجزر، وحبّها كحبّه، وهي طيبة الريح، وخالف ذلك أبو زياد، أنشد أبو العباس للقلاخ، يقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير، لما زوج أخته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان:
لله درّ جياد كنت سائسها … ضيعتها وبها التحجيل والغرر
وفي الكناية: وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك، فذلك القرحة، والفرس أقرح، فإذا جاوز ذلك فهو الغرة، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَاء لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو محجل، فإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعصم.
وذكر الأصمعي أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد، قال: ومنه الحجل. وفي الصحاح: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين، فإن كان بإحدى رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل الرجل اليمنى أو اليسرى، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون يد، فهو محجل ثلاث
следующие страницы →