← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1158

شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي - ت أبو العينين

علاء الدين مغلطاي

Полный текст (1 969 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبيه العجائب، وممن ضعفه أيضا: يعقوب بن طاهر، وذكر الحاكم في كتاب المدخل: أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث عمرو بن عبسة، ولم يرد ذلك عبد الغني بن سعيد فيما ردّه، فكأنه قرّره، وتتبع ذلك عليهما الحافظ أبو محمد بن يربوع الشنتريني، فزعم أن مسلما تفرد بحديثه دون البخاري، والله أعلم. ١٩ - حدثنا محمد بن يحيى، نا هشام بن عبد الملك، نا حماد، عن عاصم، عن رز بن حبيش، أنّ عبد الله بن مسعود قال: قيل: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غر محجلون، بلق من آثار الطهور. خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا كامل بن طلحة، نا حماد به، ولفظ أحمد في مسنده: من آثار الوضوء. وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرني، وفيه حديث جابر بن عبد الله أيضا، وقال: لم يروه عن الأعمش، يعني عن أبي مسلم، عن جابر إلا يحيى بن يمان. وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة يرفعه: أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض الحديث. وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة مم هي؟ إذ هي في الأحاديث السابقة مجملة عن عبد الله بن

стр. 37

بسر مرفوعا: أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٢٠ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني شقيق بن سلمة، حدثني حمران مولى عثمان، قال: رأيت عثمان بن عفان قاعدا في المقاعد، فدعا بوضوءٍ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه. وقال رسول الله ﷺ : ولا تغتروا. ٢١ - حدّثنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، نا الأوزاعي، حدثني يحيى، حدّثني محمد بن إبراهيم، حدثني عِيسى بن طلحة، حدثني حمران، عن عثمان، عن النبي ﷺ نحوه. هذا حديث إسناده صحيح؛ لأن الوليد إنما نحذر منه التدليس أو التسوية، وهنا أمِنا ذلك لتصريحه بسماعه، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له - وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق - وهما ثقتان، فلا يضر ذلك الحديث، ويكون محمد سمعه منهما، أو يكون القول في ذلك قول الوليد لتقدمه به على عبد الحميد، فإن بعضهم، وهو أبو حاتم، يزعم أنَّه ليس بصاحب حديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، ويكون أراد ذكر شقيق، فوهم إلى عيسى، والله تعالى أعلم. وله أصل في الصحيحين من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن حمران من غير زيادة ولا تغتروا، وهي في صحيح أبي حاتم البستي. قال:، ثنا ابن سلم، ثنا عبد الرحمن به. ولفظه: قال رسول الله ﷺ : من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ثم قال ﵇: ولا تغتروا، وفي حديث مسلم زيادة: وكانت صلاته

стр. 38

ومشيه إلى المسجد نافلة. [وفي الباب غير حديث، من ذلك حديث أبي أمامة يرفعه: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، رواه الطبراني في معجمه الكبير عن شهر بن حوشب عنه، وفي آخره: قال أبو ظبية: وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بمثل هذا الحديث، حدث، فذكر كما ذكر أبو أمامة، وحديث سلمان الخير مرفوعًا: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، رواه من حديث ابن جدعان عن أبي عثمان عنه، وحديث كعب بن مرة البهزي يرفعه: إذا توضأت، فغسلت كفيك خرجت خطاياك من كفيك، فإذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك … الحديث، رواه ابن جرير عن منصور عن سالم عنه، وحديث أبي أيوب يرفعه: مَنْ توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غُفِرَ له ما تقدم من عمل، أكذلك يا عقبة بن عامر؟ قال: نعم. رواه عن ابن عبد الحكم عن قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، ثنا أبو الزبير، عن سفيان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن سفيان الثقفي عنه، وحديث جابر مرفوعًا: أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لم يرو هذا عن الأعمش يعني عن أبي مسلم عنه إلا يحيى بن يمان]. قوله: واستنشق، يعني حرك الماء، بريح الأنف، قال القزاز: النشق مصدر نشقت الشيء أنشقه نشقا، إذا شممته، واسم ما يستنشقه النشوق، والشيء منشوق ومستنشق، وتقول: نشق الرجل بمعنى استنشق؛ ولذلك قال المتلمس:

стр. 39

ولو أن محموما بخيبر مدنفا … تنشق رباها لأقلع صالبه أي: وجد ريحها، وتقول للرجل: استنشق يا فلان هذه الريح، وهذه ريح مكروهة النشق، أي الرائحة، ومنه قول رؤبة: كأنه مستنشق من الفرقِ … حرا من الخردل مكروه النشق وفي الغريبين: أي يبلغ الماء خياشيمه. وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف، ويشبه أن يكون وهِم؛ لأنّ أهل اللغة فرّقوا بي هما، وفي نفس الحديث: فليجعل في أنفه ثم لينتثر، فدلَّ أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا، وقد أنكر ذلك عليه غير واحد من الأئمة. قوله: أشفار عينيه، يعني حروف أجفانه، واحدها شُفر بضم الشين، كذا ذكره ثعلب، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب. وفي الجامع: شفير كلّ شيء حدّه، وفي المحكم: وشافره أيضا، وأما الفراء فَحَكَى فيه الضم، وأنكره بعضهم. قوله: خرت خطاياه، قال في الجمهرة: خر يخر خرًّا، إذا هوى من علو إلى سفل، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ، يخر خرًّا، وكذلك الرجل إذا سقط وهو قائم على وجهه. وقال الهروي: سقط يخر خرورا بضم الخاء، وبنحوه قال الجوهري. قوله: غرة، يريد البياض في الوجه، والغرَّة بياض في وجهة الفرس تفوق الدرهم، يقال: فرس أغر، والأغر الأبيض، وقوم غرّان، قال امرؤ القيس: ثياب بني عوف طهارى نقية … وأوجههم عند المشاهد غران ورجل أغر: أي شريف، وفلان غُرةُ قومه: أي سيدهم، وغُرَّةُ كل شيء أوّله وأكرمه، ذكره صاحب الصحاح، وفي الجمهرة: وكلّ شيء بدا لك من وضوءٍ أو صبح، فقد بدت لك غرته. وقال القزاز: الأغر والغراء: الأبيض والبيضاء، ومنه

стр. 40

قول الأعشى: غراء فرعاء مصقول عوارضها … تمشي الهوينا كما يمشي الوَجِي الوَحِل وقيل: الغراء الواسعة الجبهة، وقيل: هي البيضاء النقية العرض. وقالت الأعراب: هي التي تتسع جبهتها وملاح ما بين عينيها، وتتباعد قصبتها من جبينها. وقيل: هي البيضاء العينين، وهذا امرؤ غر محجّل، أي واضح، ولذلك قال الشاعر: ألا حييا ليلى وقولا لها هلا … لقد ركبت امرأ أغر محجلا وفي كتاب النبات لأبي حنيفة: الغراء من نبات التبر، ولها زهرة بيضاء شديدة البياض ناصعة. وقال أبو نصر: الغراء ثمرة بيضاء، يعني بالثمرة الزهرة، قال أبو حنيفة: ونباتها مثل نبات الجزر، وحبّها كحبّه، وهي طيبة الريح، وخالف ذلك أبو زياد، أنشد أبو العباس للقلاخ، يقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير، لما زوج أخته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان: لله درّ جياد كنت سائسها … ضيعتها وبها التحجيل والغرر وفي الكناية: وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك، فذلك القرحة، والفرس أقرح، فإذا جاوز ذلك فهو الغرة، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَاء لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو محجل، فإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعصم. وذكر الأصمعي أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد، قال: ومنه الحجل. وفي الصحاح: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين، فإن كان بإحدى رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل الرجل اليمنى أو اليسرى، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون يد، فهو محجل ثلاث

стр. 41

مطلق يد أو رجل، فلا يكون التحجيل واقعا بيد أو يدين، ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان، فإن كان محجل يد ورجل من شق فهو ممسك الأيامن، مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن. وأما المقاعد فذكر القاضي في المشارق أنَّها موضع عند باب المسجد. وقيل: مصاطب حوله. وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان. وقال الداوودي: هي الدرج. وفي سنن الدارقطني: هي عند مصلّى الجنائز عند المسجد.

стр. 42

باب السواك ٢٢ - ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو معاوية وأبي، عن الأعمش (ح)، وثنا علي بن محمد، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور وحصين، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يتهجد يشوص فاه بالسواك. أخرجاه في صحيحيهما. ٢٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة. أخرجاه في الصحيح. ٢٤ - حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك. رواه النسائي في الصلاة، عن قتيبة، عن عثام، وبذلك صح إسناده؛ لأن سفيان ضعيف، ومنهم من اتهمه بالكذب، وهو أبو زرعة الرازي. وقال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها. وقال النسائي: ليس بشيء. وقال ابن حبان: قيل له في أشياء لقنها، فلم يرجع عنها، فاستحق الترك لإِصراره. وقال ابن عدي: كان إذا لقن يلقن، وبنحوه قال أبو حاتم الرازي، وعثام ممن احتج به في الصحيح، ووصف مع ذلك بالثقة والصدق، وزعم أبو القاسم ابن عساكر ﵀ في كتاب الأطراف أنّ ابن ماجه خرّج هذا الحديث بهذا الإِسناد في كتاب السنة، وتبعه على ذلك

стр. 43

الحافظ المزي، وما قدّمناه يقضي على قولهما وقد استظهرت النسخ من السنن، فوجدته كذلك. وقال الحاكم عندما خرجه من حديث محمد بن حيان، نا عثام: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كما زعم لكونه على شرط البخاري وحده؛ لتفرّده بعثمان فيما ذكره ابن سرور وغيره عندما رواه عن محمد بن عبد الله بن بزيغ، نا عثام، فذكره مختصرا، وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن الأعمش إلَّا عثام بن علي، وهو ثقة. ٢٥ - حدّثنا هشام بن عمار، نا محمد بن شعيب، نا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم، مرضاة للربِّ، ما جاءني جبريل إلا وصاني بالسّواك، حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى إني لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي. هذا حديث إسناده معلل بأشياء منها: عثمان بن أبي العاتكة سليمان أبو حفص الأزدي الدمشقي القاص، قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو أحمد الحاكم: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، مع أن دحيما كان يثني عليه، وينسبه إلى الصدق، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد إلا من قبل علي. وقال أبو حاتم: لا بأس به، بليته من كثرة روايته عن علي، وأما ما روي عن غيره فمقارب. ومنها علي بن يزيد أبو عبد الملك الألهاني الدمشقي، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة. وقال النسائي والأزدي والدارقطني: متروك. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث. وقال أحمد: هو ضعيف. ولما ذكره أبو مسهر قال: ما أعلم إلا خيرا، وذكر أبو عبد الله في مستدركه حديثا من رواية يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: إن أغبط الناس عندي لمؤمن خفيف الحاذ،

стр. 44

ثم قال: هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم، ولم يخرجاه - يعني الشيخين - وليس كما زعمه لما أسلفناه، ولما قاله ابن حبان وغيره من أنّ هؤلاء إذا اجتمعوا في إسناد، كان ذلك الحديث من عمل أيديهم، وكأنه اعتمد على قول أبي مسهر في علي والبخاري في ابن زحر، والله أعلم يقصد في هذا الكلام اثنان هما: عثمان بن أبي العاتكة، وعلي بن يزيد. ومنها القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى خالد بن يزيد بن معاوية، وهو إن قال فيه الكوفي: شامي تابعي، يكتب حديثه وليس بالقويّ. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: هو ثقة إذا روى عن الثقات. وقال الحربي في كتاب العلل: من ثقات المسلمين، توفي سنة ثنتي عشرة ومائة. وقال الجوزجاني في تاريخه: كان خيارا فاضلا. وقال الفسوي: ثقة. وسئل عنه أبو حاتم، فقال: حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنما ينكر عليه من قبل الضعفاء، فقد قال فيه الإِمام أحمد بن حنبل: منكر الحديث، حدث عنه علي بن يزيد بأعاجيب، وما أراها إلا من قبله. وقال أبو حاتم البستي: كان يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات. وفي سؤالات الآجري عن أحمد بن صالح تضعيفه، وفي الأوسط للبخاري: روى عنه المعلى وغيره أحاديث مقاربة، وأما من يتكلم فيه مثل علي بن يزيد ونحوه ففي حديثه ثَمَّ مناكير واضطراب، ومع ذلك ففي متنه أشياء لها أصول صحيحة وشواهد حسنة. أما قوله: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب فهو حديث عائشة عند ابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان، وذكره البخاري تعليقا. وقال البغوي في شرح السنة:

стр. 45

هذا حديث حسن، وعند ابن حبان أيضا من حديث أبي هريرة، قال ﷺ : عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم … الحديث، وعند القاضي أبي بكر أحمد بن علي المروزي في مسند أبي بكر الصديق من حديثه، عن ابن أبي خيثمة، نا يونس بن محمد، نا حماد، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر سمعت النبي ﷺ يقول: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، وسنده صحيح. وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: عليكم بالسواك؛ فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب، ذكره في طبقات الموصل من حديث ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع عنه، وقوله: ما جاءني جبريل ﵇ إلا أوصاني بالسواك. شاهده عند ابن خزيمة في صحيحه، عن عبد الله بن حنظلة: كان ﵇ أمر بالوضوء لكل صلاة؛ طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على النبي ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة. وقوله: لقد خشيت أن يفرض علي، شاهده ما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس، قال ﵇: لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي قرآن أو وحي. وعنده أيضا عن واثلة، قال ﵇: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي. وذكر أبو نعيم من جهة محمد بن مسلمة أن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن صهيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن حلحلة، ورافع بن خديج، قالا: قال رسول الله

стр. 46

- ﷺ : السواك واجب، السواك واجب. وقوله: لفرضته شاهده حديث تمام بن عباس ﵄ قال ﵇: ما لي أراكم تأتون قلحا، استاكوا، لولا أن أشقَّ على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرض عليهم الوضوء. رواه أحمد، وعلّله ابن القطان، وفيما أعلَّه به نظر، ولما رواه في الأفراد من حديث جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه، عن العباس قال: هذا حديث غريب من حديث الثوري، عن منصور، تفرد به أبو خالد عبد العزيز بن أبان عنه، ولا نعلم حدّث به عنه غير الحسن بن مكرم، وحديث أبي هريرة: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما [جميعًا، وليس له علة، وله شاهد بهذا اللفظ، فذكر حديث تمام بن عباس بنحوه، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن عمرو البجلي عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن صرد، عن النبي ﷺ قال: استاكوا، وتنظفوا، وقال: لم يروه عن الحسن إلا إسماعيل، ولا يروى عن سليمان إلا بهذا الإسناد، وحديث جعفر بن أبي طالب: كانوا يدخلون على النبي ﵌ قلحًا، فقال: استاكوا رواه الدارقطني]. وفي الكامل لابن عدي قال ﵇: لولا أن أشق على أمتي، لجعلت السواك

стр. 47

عليهم عزيمة. وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك لأبي عبد الله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة. وفي الصحيح: لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وقوله: حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي، شاهده حديث عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال ﵇: لقد أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني، قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن عطاء إلا الحسين بن واقد، وحديث جبير بن مطعم مرفوعا: لقد أمرت بالسواك، حتى لقد خشيت أن يدردني، من عند أبي نعيم، وقد رُوي مرسلًا، ورواه عن غير واحد من الصحابة، وحديث عطاء عن عائشة قلت: يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك؟ قال: نعم، قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه. قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن عطاء إلا عيسى بن عبد الله الأنصاري، تفرد به الوليد بن مسلم، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد، فقد ظهر لك بمجموع ما ذكر صحة المتن، وعرفان مخرجه، وضعف الإِسناد، والله أعلم. ٢٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك، عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قلت: أخبريني بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل عليك؟ قالت: كان إذا دخل يبدأ بالسواك

стр. 48

رواه مسلم في صحيحه، وذكر أبو عبد الله ابن منده الإِجماع على صحته، وفيما قاله نظر لأمرين: الأول: إن أراد إجماع أهل العلم قاطبة فمتعذر، وإن أراد إجماع الأئمة المتعاصرين أصحاب الليث - وهو الأشبه بمصطلحه؛ لأنه بيّن في غير موضع أنه يريد ذلك - فغير صواب أيضا؛ لأنه لم يخرجه أحد منهم زيادة على من ذكرناه غير النسائي، والسجستاني في رواية ابن داسة فقط، فأي إجماع مع مخالفة البخاري والترمذي؟! وعند ابن خزيمة وأبي عوانة، وسيأتي له تتمة عند أحمد - رحمه الله تعالى - إذا دخل بيته. ٢٧ - حدثنا محمد بن عبد العزيز، نا مسلم بن إبراهيم، نا بحر بن كنيز، عن عثمان بن ساج، عن سعيد بن جبير، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن أفواهكم طرق القرآن؛ فطيبوها بالسواك. هذا أثر إسناده ضعيف؛ لضعف بحر راويه مولى باهلة السقاء، قال فيه يزيد بن زريع: لا شيء. وقال يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، كل الناس أحب إلي منه. وقال النسائي وابن الجنيد والدارقطني: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الحربي في العلل: ضعيف. وفي كتاب الآجري: سئل أبو داود عنه، فقال: ضعيف، وسئل عنه مرة أخرى وعن عمران، فقال: عمران فوق بحر، بحر متروك. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن سعد: مات سنة ستين ومائة، وكان ضعيفا. وقال البخاري في التاريخ: ليس عندهم بقوي. الثاني: الجهالة بحال عثمان، وإن كان ابن أبي حاتم قد وصفه بالرواية عن خصيف، وبرواية المعتمر بن سليمان، ومحمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عنه،

стр. 49

ووصفه البخاري بأنه من الجزيرة، فلم أر أحدا تعرّض للمعرفة بحاله، وهو وبحر مما يستدرك ذكرهما على ابن سرور، وكذلك يستدرك الحديث على ابن عساكر. وزعم بعض المتأخرين أنّ عثمان بن ساج هذا هو عثمان بن عمرو بن ساج، نسبه إلى جدّه أخذا من طبقات الجزريين لأبي عروبة، وما علم أن أبا محمد بن أبي حاتم فرّق بينهما، ولا نعدل عن كلامه إلا ببيان واضح. الثالث: محمد بن عبد العزيز أيضا لا يُدرى من هو؛ لأنَّ ابن سرور ذكر فيمن روى عنه ابن ماجه اثنين، يقال لكل منهما: محمد بن عبد العزيز. الأول: المعروف بابن أبي رزمة، والثاني: لم يصفه برواية ابن ماجه عنه، فالله أعلم أيهما هذا، فإن كان ابن أبي رزمة وما إخاله، فهو مشهور بالثقة، وإن كان الآخر فهو مجهول، وبنحو ما ذكرهما به ذكره الشيخ جمال الدين، ولم يذكر أحدا منهما برواية عن مسلم بن إبراهيم، وكذلك الخطيب في تاريخه على كثرة تعدادهما للمشائخ. الرابع: انقطاع ما بين سعيد وعلي؛ فإن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل: سئل أبو زرعة، عن سعيد بن جبير عن علي، فقال: مرسل، وفي التاريخ الأوسط: عن أبي معشر، عن سعيد بن جبير قال: رأيت عقبة بن عمرو، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث نحوه، ثنا يحيى قال: مات أبو مسعود أيام علي، ولا أحسبه حفظ؛ لأن سعيد بن جبير لم يدرك أيام علي. انتهى. وقول البخاري: ولا أحسبه حفظ؛ يعني وفاة أبي مسعود؛ لأنه هو صرح في ذلك بسماع سعيد منه، ويكون مولد

стр. 50

سعيد على ما ذكره هو وغيره بعد موت علي ﵁ بست سنين؛ لأنه قتل سنة خمس وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين، والله أعلم. وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا من طريق سالمة من المذكورين، أنا بهذا المعمر أبو التقى صالح بن مختار - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع، أنا المسند أبو العباس بن عبد الدائم بقراءة والدي عليه، أنا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي قراءة عليه، أنا أبو القاسم الجوزي، أنا أبو الحسين، أنا الربيع، نا عمر بن نعيم وكيل المتقي من أصل سماعه، نا حمدون بن الحارث بن ميمون المقري، نا العباس بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، نا شعبة، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا قام يصلي وقد تسوك، أتاه الملك فقام خلفه، ولا يخرج منه شيء إلا دخل جوف الملك، فطهروا أفواهكم بالسواك. أخبرنا المسند المعمر أبو زكريا يحيى المقدسي ﵀ عن العلامة ابن بنت الحميري، أنا شهدة، أنا أبو عبد الله الحسين بن طلحة، أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله، نا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل، نا عبيد الله بن سعد الزهري، نا عمي، نا أبي، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن سالم بن عبد الله، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، أنها حدثته أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضؤون. وروى مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، قال ﵇: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليغسل يده من الغمر، ما قام عبد إلى الصلاة قط إلا التقم ملك فاه، فلا يخرج من فيه آية إلا في فم الملك. ذكره التقي يحيى بن أبي الرضا في كتاب نصرة الصحاح من تأليفه.

стр. 51

وفي مجموع الرغائب لابن عساكر، عن أبي هريرة: كان أصحاب النبي ﷺ أسوكتهم خلف آذانهم يستنون لكل صلاة. [وروى السواك والتسوك جماعة من الصحابة، منهم: عامر بن ربيعة عند أبي داود، وابن مسعود في مسند الموصلي، وبهز وربيعة ذكرهما الطبراني، إلا ربيعة بن أكثم، ذكره أبو عمر، ومليح بن عبد الله في تاريخ ابن أبي خيثمة، وجبير بن مطعم، وسعد، وعباس بن عبد المطلب عند أبي نعيم الحافظ، ورزين عند الكجي، وسليمان بن صرد في الأوسط لأبي القاسم، وعبد الله بن جراد عند أبي نعيم، وابن حلحلة، ورافع بن خديج عند أبي نعيم، وأبي بن سهل بن سعد، وجابر، وأبو هريرة، وابن محيريز، وأسامة، وأُبي، ومثل ذلك أنس وأبو سعيد الخدري في علل الرازي، ومعاذ بن جبل في المعجم الأوسط، وكثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وأبو خيرة الصباحي في تاريخ البخاري، وابن أبي ليلى عن أصحاب محمد عند أبي نعيم ﵃ أجمعين].

стр. 52

السواك والمسواك: ما يدلك به الأسنان من العيدان. قال القزاز: استعمل منه سكت الشيء، أسوكه سوكا، إذا دلكته، ومنه اشتقاق السواك، تقول: ساك فمه، يسوكه سوكا، إذا دلكه بالمسواك، فإذا قلت: استاك؛ لم يذكر الفم، والمسواك يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر، وهو نفس العود الذي يستاك به، وأصله الشيء الضعيف، يقال: جاءت الغنم والإِبل تستاك هزالا، أي ما تحرك رؤوسها، وقد تساوكت الإبل وغيرها: أصابها الهزال، قال عبيد الله بن الحر الجعفي: إلى الله أشكو ما أرى بجيادنا … تساوك هزلى مخهن قليل والسواك: مشي الجائع، وفي الصحاح: ويجمع على سوك، مثل كتاب وكتب، قال الشاعر: أغر الثنايا أحمر اللثاث … تمنحه سوك الإسحل وشرع السواك لتعظيم شأن العبادة وشأن المناجى؛ ليكون على كمال من الطهارة والنظافة؛ لأنه مزيل للقلح، مضعف للأجر، مطيب للنكهة، مسكن للصداع، مذهب لوجع الأضراس، يزيد صاحبه فصاحة، مذهب البلغم، مجلٍّ للبصر. جاء ذلك في آثار مرسلة ذكرها أبو نعيم والطبراني. ومذهب الجمهور عدم وجوبه للصلاة، خلافا لإسحاق وداود إذ أوجباه، وبالغ إسحاق فأبطل الصلاة بتعمد تركه. قال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه، والصلاة عند الجميع بسواك أفضل منها بغير سواك، حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء. ويتأكد عند إرادة الصلاة، وعند الوضوء، وقراءة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وعند تغيّر الفم، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السحر. والأولى الاستياك بالأراك والبشام، والزيتون؛ لمجيئه في حديث معاذ مرفوعا: نعم السواك الزيتون، من شجرة

стр. 53

مباركة، يطيب الفم، ويذهب الحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي. ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الرحمن بن غنم عنه، وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا ابن محصن، ثم بكل ما يجلو الأسنان؛ إذا لم يكن فيه صبغ ولون، خلا الريحان والقصب، واستضعف ابن العربي الأول، وقاسه على الكحل، وحمل بعض الحنفية السواك للصلاة على صلاة المتيمم، أو من لم يجد ماء ولا ترابا حتى لا يخلو المصلي من سواك، إن لم يكن عند الوضوء فعند الصلاة؛ جمعا بين الأحاديث، أو يحمل على ما في حديث يوسف السمتي، عن الأعمش، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يستاك بفضل وضوئه. وحمل بعض العلماء: يشوص على دلك السن بالأصابع وهو في حديث ضعفه البيهقي، عن أنس مرفوعا: يجزئ من السواك الأصابع، وفي حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال ﵇: الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك. قال أبو القاسم في كتابه الأوسط: لم يروه عن كثير إلا أبو غزية محمد بن موسى، تفرد به هارون بن موسى الفروي؛ دلالة على ذلك أيضا. وبعضهم يزعم أنّه الدلك عرضا، وقال بعضهم: هو الغسل. وقيل: التنقية، قاله أبو عبيد. وقيل: هو الحك، قاله ابن عبد البر. ويستحب الاستياك طولا؛ لحديث أبي موسى عند أحمد: دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق.

стр. 54

قال حماد: ووصفه لنا غيلان كأنه يستن طولا. وحديث بهز وربيعة بن أكثم وعطاء بن أبي رباح: كان ﵇ يستاك عرضا، ضعَّفها البيهقي. وحديث عائشة مرفوعا: كان يستاك عرضا ولا يستاك طولا ذكره أبو نعيم وهو ضعيف. وزعم بعضهم أنه ليس بين حديث أبي موسى وما ذكرناه تعارض، فإن حديث أبي موسى يدل على أن تسوك اللسان والحلق طولا، وحديث بهز ومن تابعه في الأسنان عرضا. وفي قوله ﵇: لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة يقتضي جواز الاستياك للصائم؛ أخذا بعموم اللفظ، يوضحه حديث عامر بن ربيعة: رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم، قال فيه الترمذي: حسن. وحديث عائشة يرفعه: من خير خصال الصائم السواك، وحديث أنس: لا بأس بالسواك للصائم، وحديث ابن عمر: كان ﵇ يستاك آخر النهار وهو صائم، ذكره ابن طاهر في التذكرة، وضعفه على معارضة غيرهم لهم في ذلك، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. وما قدمناه أحسن دلالة ممن قال ذلك يؤخذ من قول عائشة: بأي شيء كان ﵇ يبدأ إذا دخل عليك بيتك؟ قالت: بالسواك؛ لأن الحديث إنما جاء في دخوله البيت ليلا، فلا حجة فيه، بيانه: رواية شريح قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ ﵇ إذا دخل عليك بيتك؟ قالت: يبدأ بالسواك، ويختم بركعتي الفجر، ذكره الإِمام أبو حاتم في صحيحه.

стр. 55

باب الفطرة ٢٨ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وقص الشارب. خرجاه في صحيحيهما، وأما سعيد بن أبي سعيد فرواه عنه مالك في موطئه، عن أبي هريرة موقوفا به، ورواه أكثر رواة الموطأ إلا بشر بن عمر، فإنه رواه عنه مرفوعا، ولفظ ابن حبان قال: من فطرة الإِسلام: الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب، وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها، وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم. ٢٩ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني: الاستنجاء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.

стр. 56

رواه مسلم في صحيحه والترمذي، وقال: حسن. وقد اختلف في رفعه ووقفه؛ فرواه مرفوعا مصعب منفردا به عن طلق. ورواه سليمان التيمي وجعفر بن إياس، عن طلق، قال: كان يقال: عشر من الفطرة، كذا في كتاب النسائي، ورواية الرفع انفرد بها ابن أبي زائدة، عن مصعب، واختلف في تصحيحه؛ فأباه الإِمام أحمد بن حنبل فقال: مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير، منها عشر من الفطرة، والنسائي. وقال: حديث التيمي أشبه بالصواب من حديث مصعب، ومصعب منكر الحديث. وفي موضع آخر: وحديث التيمي وأبي بشر أولى، كذا ذكره في سننه، وقال في المجتبى: ومصعب بن شيبة في حديثه شيء، وهذا غير الأول، والله أعلم، حيث قال: التيمي، وابن إياس أثبت منه وأصح حديثا، وأبو الحسن الدارقطني حيث قال: التيمي وابن إياس أثبت منه، وأصح حديثًا، وأبو عبد الله بن منده الأصبهاني، حيث قال: خرجه مسلم وتركه البخاري وهو حديث معلول، رواه التيمي عن طلق مرسلا. وقيل: الرفع صحيح اعتبارا بتوثيق مصعب عند ابن معين، والعجلي، وابن خزيمة لذكره حديثه هذا في صحيحه من حديث محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب، وحديث محمد بن رافع، نا ابن نمير، عن زكريا لم يذكر العاشرة، لا يتيقن ولا يشك، وفي حديث عبده: العاشرة لا أدري ما هي إلَّا أن تكون المضمضة، وهي مدرجة، ومذهب مسلم بن حجاج وغيرهما، وستأتي أحاديث متابعة له وشاهدة. ٣٠ - حدّثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر أن

стр. 57

رسول الله ﷺ قال: من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح، والاختتان. هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال: هذا حديث ضعيف، ولم يبيّن سبب ذلك، وهو ما ذكره أبو داود حين تخريجه عن موسى بن إسماعيل، وداود بن رشيد، قال: ثنا حماد عَن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد، قال موسى: عن أبيه. وقال داود: عن عمار، فعلى قول موسى يكون الحديث مرسلا؛ لأن أباه لم يذكر أحد أن له صحبة، وعلى قول داود يكون منقطعا؛ لأن حديثه عن جدّه، قال ابن معين: مرسل. وقال البخاري: لا يعرف أنّه سمع منه. وقال عنه: لم يره، ومع ذلك فحاله مجهولة، لم نر أحدا تعرض لذكرها، وإن كان أبوه هو: محمد بن عمار بن ياسر، والد سلمة بن محمد قد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقد تابع داود حجاج بن منهال، وأبو عمر الضرير، وهدبة بن خالد فيما ذكره الطبراني في المعجم الكبير، فهذا كما ترى متابع لحديث طلق، ومنه ما ذكره أبو داود فيما رواه عنه ابن العَبد، قال: روي نحوه عن ابن عباس، قال: خمس كلها في الرأس، منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية. ورُوي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد عن بكر المزني قولهم: لم يذكروا إعفاء اللحية، وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ ، وفيه إعفاء اللحية، وعن إبراهيم النخعي نحوه ذكر إعفاء اللحية، والختان، ولفظ الطيالسي عن حماد عن النبي ﷺ قال: الفطرة .. فذكره. وفي حديث يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد - وهو مختلف في صحبته - قال

стр. 58

- ﵇: السواك من الفطرة. وفي حديث ابن عباس المذكور عند أبي نعيم من جهة إسماعيل بن عياش عن النبي ﷺ : أنّ جبريل أبطأ عليه، فذكر ذلك له، فقال: كيف لا نبطئ عنكم وأنتم حولي لا تستنون، ولا تقَلِّمون أظفاركم، ولا تنقون شواربكم، ولا تحفون من حواجبكم؟. وحديث ابن عمر عند أبي أمية الطرسوسي، نا مكي بن إبراهيم، عن عاصم، عن نافع عنه: إن الفطرة قص الشارب وحلق العانة، حدثنا جعفر بن أحمد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد مثله. ٣١ - حدثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: وقّت لنا في قصّ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة. هذا حديث صحيح رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة، كلاهما عن جعفر به، قال ابن منده عند تخريجه إياه من حديث جعفر: وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وتركه البخاري من هذا الوجه. ورواه هشيم وغيره، عن صدقة الدقيقي، عن أبي عمران، عن أنس قال: وقت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب … الحديث، وقال: هذا إسناد صحيح على رسم البخاري. انتهى. وفيِما قاله نظر، وذلك أن صدقة بن موسى أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلمي الدقيقي البصري ليس من شرط البخاري في شيء، وأنى ذلك مع قول ابن معين فيه: ليس بشيء، وفي موضع آخر: ضعيف، وبنحوه قاله النسائي. وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مما يتابع عليه، وبعضها مما لا يتابع عليه، وهو ضعيف. وقال ابن حبان: كان شيخا صالحا إلَّا أنّ الحديث لم يكن صناعته؛ فكان إذا روى قلب الأخبار، فخرج عن حد الاحتجاج به، ولما خرّج الترمذي حديثه هذا خرج بعده

стр. 59

حديث جعفر. وقال: هذا أصح من الأول، وهو في ذلك كما قيل: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا … خراش وبعض الشر أهون من بعض لأن جعفر بن سليمان تكلّم فيه غير واحد، وإن كان مسلم قد خرج حديثه منفردا به، منهم سليمان بن حرب، وابن المديني، وابن سعد، وابن عدي، ويحيى بن سعيد وغيرهم، والله أعلم. ولما ذكره البزار من جهة جعفر، قال: لا نعلم أحدا مشهورا رواه عن أنس إلا الجوني، وصدقة ليس عندهم بالحافظ، ولا نعلم رواه عن النبي ﷺ إلَّا أنس بن مالك. الأصل في الفطرة: الفطر وهو: المصدر مفتوح الفاء، وهو الابتداء والاختراع، يقال: فطره الله تعالى، أي: ابتدأه واخترعه، وكذلك افتطر فيما ذكره الزمخشري في أساس البلاغة، قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، وهي لفظة تقال بالاشتراك على الخلقة والجبلة التي خلق الله تعالى الخلقَ عليها، وفي الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، قيل: على نوع من الجبلة والطبع المنتهي لقبول الدين، فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها وعلى معرفة الله - تعالى - والإقرار به، أي: يولد على ما كان أقر به لما خرج من ظهر آدم. حكى ذلك القزاز في تفسير غريب البخاري، وزعم أنّ الأول أولى الوجوه فيها. وقال الخطابي: فسّره أكثر العلماء بالسنة، وقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا: من السنة: قص الشارب، ونتف الإِبط، وتقليم الأظفار، وفي صحيح ابن حبان من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: من السنة: قص الشارب، من لم يأخذ من شاربه فليس

стр. 60

منا. وفسرها آخرون بالدين، منهم الماوردي، ويدلّ عليه وروده صريحا في بعض الروايات. وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها، قال الجوهري: عفا الشعر والنبت وغيرهما: كثر. زاد ابن سيده في المحكم: وطال. قال الجوهري: ومنه قوله حتى عفوا أي كثروا، عفوته، وعفيته، لغتان، والعافي: الطويل الشعر، وفي كتاب الأضداد لابن السكيت: عفا الشعر، إذا وفا، وعفا إذا درس، قال الهروي: ومنه قوله ﵇: فعلى الدنيا العفا أي الدروس، كره لنا أن نعفها كفعل بعض الأعاجم، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن. وأما الأظفار، فهو جمع ظفر، مضموم الظاء والفاء، وبضم الظاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء وسكون الفاء، وأظافير جمع أظفور لغة في الظفر، ورجل أظفر: طويل الأظفار عريضها، وظفر حديد الظفر. قاله في الأساس. والبراجم: واحدها برجمة، بضم الباء، وهي عقد الأصابع ومفاصِلها، وبه سميت البراجم من تميم وعبد القيس. وقال أبو عبيد: البراجم والرواجب جميعا: مفاصل الأصابع. وأبى ذلك غيره؛ فقال الرواجب: هي ما بين العقد من داخل، واحدها راجبة، والبراجم من ظهور الأصابع. والإِبط: باطن المنكب، يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى، والجمع آباط. قال الجواليقي: وبعض المتحذلقين يقوله بكسر الباء، والصواب سكونها. انتهى. يشهد لقائل ذلك قول الراجز فيما أنشده القزاز: كان هواء في خواء إبطه … ليس بمهل البروك فرشطة وأما المبرد فزعم أن ذلك للاتباع كقول عبد مناف بن ربع الهذلي: إذا تأوب نوح قامتا معه … ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا

стр. 61

والعانة: النابت من الشعر حول القبل، وقيل: منبت الشعر هناك، وتصغيرها عوينة. وانتقاص الماء، بقاف وصاد مهملة، فُسر بالاستنجاء، ويؤيّده ورود ذلك صريحا في الموقوف عن ابن عباس، والحديثان واحد في تعداد خصال الفطرة، والمعنى: انقطاع البول بالماء عند الغسل، قاله أبو عبيد. وقد قيل: الماء يذهب الماء، وزعم ابن الأثير أنّ الصواب بفاءٍ وصاد مهملة، والمراد: نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح الدّم القليل نفصة، وجمعها نفص، والأول أعرف. والختان قال الأزهري: أصله القطع، ويطلق على قطع الغُلفَة من القبل تارة، وعلى موضع القطع أخرى، والمراد الأول، ويقال فيه: الختانة، قاله الجوهري، يقال: ختن الغلام والجارية يختِنهما ويختُنهما ختنا وختانا، فيما قال أبو زيد، وقال: الختن للرجال، والخفض للنساء، والختين: المختون والمختونة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، وحكم ذلك يذكر في بابه إن شاء الله تعالى. وفي قوله: إلا أن تكون المضمضة، قال عياض ﵀: ولعلها الختان، وهو أولى؛ لأنه في حديث أبي هريرة مذكور، واستضعف ذلك لوجهين: أحدهما: أنّ خصال الفطرة لم ترد على جهة الحصر، ولهذا اختلف تعدادها في الأحاديث، وجاءت بصيغة التبعيض بالنص على شيء منها في حديث الخمس، لا يدل على فرد معنى نسيه راوٍ في حديث العشر. الثاني: ما رجّح بعينه، بوروده في حديث أبي هريرة، معارض بورود ما تقدّم في حديث عمار وعبد الله بن عباس. ويرجّح ذلك لأمرين: أحدهما: في حديث عمار وابن عباس مع حديث عائشة كالمتن الواحد من جهة تعداد العشر، فما قصر في ضبطه بعض رواته يقرب إتمامه من ضبط الآخر؛ ولهذا

стр. 62

أوردهما ابن ماجه في باب واحد، وكذلك غيره. الثاني: المضمضة والاستنشاق قريبان؛ فورود المضمضة يقرب ورود الآخر، واختلف في الناسي لذلك؛ فعند وكيع عن زكريا أنه مصعب، كما في الكتاب، وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه: إنه هو. روى ذلك مسلم في صحيحه. وقيل غير ذلك كما أسلفناه من صحيح ابن خزيمة.

стр. 63

باب ما يقول إذا دخل الخلاء ٣٢ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. حدثنا جميل بن الحسن العتكي، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة (ح)، وثنا هارون بن إسحاق، نا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قال … فذكر الحديث. هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن بشار، ومحمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد يعني ابن الحارث، ثنا شعبة، وثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عدي، ثنا شعبة، وثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، فذكره. وقال: هذا حديث بندار، غير أنّه قال: عن النّضر بن أنس. وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي عدي عن النضر بن أنس. قال أبو عيسى في كتاب الجامع: في إسناده اضطراب، فذكر ما تقدّم، وزاد: وقال معمر: عن النضر بن أنس، عن أبيه، زاد البزار: وقال حسام بن مصك، عن قتادة، عن القاسم بن عوف عن زيد، قال: وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده، عن قتادة. وفي كتاب العلل للترمذي: وسألت محمدا عنه، وقلت له: أي الروايات عندك أصح؟ فقال: لعلّ قتادة سمع منهما جميعا عن زيد، ولم يقض في هذا

стр. 64

بشيء، وفي قوله: عن زيد؛ إشارة إلى عدم صحة حديث النضر، عن أبيه، وقد جاء ذلك مصرحا به من كلام الإِمام أحمد فيما ذكره البيهقي، وأنّ تعليل الحديث بالاضطراب على قتادة ليس قادحا، لاحتمال سماعه منهما كما قال البخاري، وهما ثقتان، فسواء كان عنهما أو عن أحدهما، وإلى كونه صحيحا عنهما قال أبو حاتم البستي، فرواه في صحيحه من جهة عيسى بن يونس، عن شعبة، عن قتادة، عن القاسم، وقال: هذا الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعا، وهو مما تفرد به قتادة، أنا عمر بن محمد، نا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، سمعت النضر بن أنس يحدث عن زيد فذكره، ورواه الحاكم من جهة عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن النضَّر، عن زيد بلفظ: فإذا دخل أحدكم الغائط فليقل: أعوذ بالله من الرجس النجس، الشيطان الرجيم، ثم قال: قد احتج مسلم بحديث لقتادة، عن النضر، عن زيد، واحتج البخاري بعمرو بن مرزوق، وهذا الحديث مختلف فيه عن قتادة، ورواه شعبة، عن القاسم، عن زيد، وكلا الإسنادين من شرط الصحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وزعم الإشبيلي أنه اخَتلف في إسناده، قال: والذي أسند ثقة؛ وفيما قاله نظر؛ لأن الحديث لم يرم بالإِرسال حتى يكون الحكم للثقة المسند، إنما رمي بما ذكرناه آنفا، والله أعلم. ٣٣ - حدثنا محمد بن حميد، ثنا الحكم بن بشير بن سليمان، ثنا خلاد الصَّفَّار، عن الحكم النصري، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، عن النبي ﷺ : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: باسم الله.

стр. 65

هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي: غريب، ولا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقد روي في هذا الباب - يعني التسمية عند دخول الخلاء - حديث، وليس إسناده بذاك، وقال الترمذي عندما خرجه عن محمد بن حميد: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي، ولا أدري ما الموجب لذلك؟ لأن جميع من في إسناده غير مطعون عليه بوجه من الوجوه فيما رأيت، بل لو قال فيه قائل: إنّ إسناده صحيح، لكان مصيبا، والله أعلم. وبيان ذلك أنَّ محمد بن حميد قال فيه يحيى: ليس به بأس، كيس. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: ثقة. وسئل عنه الذهلي فقال: ألا ترى أني هو ذا أحدث عنه؟! وقيل للصغاني: تحدّث عن ابن حميد؟ فقال: وما لي لا أحدّث عنه وقد حدّث عنه الإمام أحمد وابن معين؟! وأما الحكم فروى عنه إبراهيم بن موسى، وزنيج ومحمد بن مهران الجمال، ويحيى بن المغيرة، وعمرو بن رافع، وابنه عبد الرحمن بن الحكم، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، وأما خلاد الصَّفّار أبو مسلم الكوفي فروى عنه عمرو بن محمد وحسين الجعفي، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، والحكم بن عبد الله النصري، حديثه في صحيح مسلم، ووصف مع ذلك بالثقة. ٣٤ - حدثنا عمرو بن رافع، ثنا إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث. أخرجه الجماعة في كتبهم، وذكره البزار في مسنده من حديث إسماعيل بن

стр. 66

مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس أن النبي ﷺ قال: إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل … الحديث. وإسماعيل ضعيف، وفي كتاب أبي داود من طريق ابن العبد: أنه حدّث عبد العزيز. وقال وهيب: فليتعوذ بالله تعالى، وقال فيه الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وفي كتاب الذخيرة لابن طاهر بزيادة عن أنس: كان ﵇ إذا دخل الكنيف قال: باسم الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك قال: رواه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف، عن أبي طلحة عنه، وفيهَ ردّ لما ذكره الإِمام أحمد بن حنبل لما سأله مهنأ عن هذا الحديث: تعرفه عن أحد من غير وجه عبد العزيز؟ قال: لا، وكفاك بعبد العزيز بن صهيب؛ فإنه ثقة، قلت: بصري؟ قال: نعم. وهو في كتاب الأفراد لأبي الحسن، رواه عدي بن أبي عمارة، عن قتادة، عن أنس، وهو غريب من حديث قتادة، تفرد به عدي عنه، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عنه. وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح، تفرد به إبراهيم بن حميد الطويل. ٣٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم. قال أبو الحسن القطان: نا أبو حاتم، ثنا ابن أبي مريم، فذكره، ولم يقل في حديثه: الرجس النجس وإنّما قال: من الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم. هذا الحديث إسناده ضعيف لضعف رواته، وقد تقدم ذكرهم قريبا.

стр. 67

وفي الباب حديث رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، أنبأ به المسند شرف الدين المقرئ، أنا الإِمام بهاء الدين إجازة، أنا الأميرة قراءة عليها، أنا ابن هراشة، أنا ابن البزار، أنا إسماعيل بن نصر، عن عبد الله بن محمد بن ياسين صاحب حديث، نا أحمد بن عبد الجبار السكوني، ثنا أبو يوسف القاضي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الغائط قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث. وأشار الترمذي إلى حديث جابر، وأعل حديث أبي أمامة هذا، وحديث بريدة من عند ابن عدي في كامله، وضعفه بحسين بن عمر، قال أبو سليمان الخطابي: الخبث بضم الباء: جماعة الخبيث، والخبائث: جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث مسكنة الباء، وهو غلط، والصواب مضمومة الباء. وفيما قاله نظر؛ لأنّ الذي أنكره هو الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والفارابي في كتاب ديوان الأدب، فلا إنكار على المحدثين إذًا، والله أعلم. وأيضا ففعل - بضم الفاء والعين - تسكن عينه قياسا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك. وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ أصله في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. قال ابن الأنباري: الخبث: الكفر، والخبائث الشياطين. وقال غيره: الخبث: الشيطان، والخبائث: المعاصي، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي: وقيل الخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة، وليس ذلك بزيادة لدخوله في معنى كلامه. وقوله: (إذا دخل الخلاء)، يريد إذا أراد دخول الخلاء، كما في صحيح البخاري، وكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول، ويبنى عليه من

стр. 68

دخل ونسي التعوذ، هل يتعوذ أم لا؟ كرهه ابن عباس وغيره، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، أخذا بقول عائشة ﵂: كان يذكر الله على كل أحيانه. وقد نقل القولان عن مالك. هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء، وهو ظاهر في لفظة: دخل. والحَشّ والحُشّ: البستان، والجمع حشان، كضيف وضيفان، والحَشِّ والحُشِّ: المخرج أيضا؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع حشوش، والمحشة - بالفتح - الدبر، ونهي عن إتيان النساء في محاشهن، وربما جاء بالسين كما في الصحاح وفي الجمهرة، ويسمى أيضا الحائش، قال الشاعر: فقلت أثل زال عن حلاحل … ومثمر من حائش حوامل وفي المغيث: واحد الحشوش حش، ويجمع حشنان، كبطن وبطنان، فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير، سمي للجمع فيه، وكل شيء جمعته فقد حششته، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري، وكلامه صريح في الرد على أبي موسى، والله أعلم.

стр. 69

باب ما يقول إذا خرج من المخرج ٣٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، نا إسرائيل، نا يوسف بن أبي بردة، سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول: كان رسول الله ﷺ يقول إذا خرج من الغائط: غفرانك. قال أبو الحسن بن سلمة: أنبأ أبو حاتم، ثنا أبو غسان النهدي، ثنا إسرائيل نحوه. خرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة، عن النبي ﷺ . وفيما قاله نظر من وجوه: الأول: قوله: لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة: إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة؛ منها: حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجه، وحديث أبي ذر: كان ﵇ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، من عند النسائي، وذكر فيه خلاءه، وذكره أبو حاتم في كتاب العلل وضعفه، وحديث ابن عمر يرفعه: الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه. وحديث طاوس من سنن الدارقطني، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: فليقل: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني، وحديث سهل بن أبي

стр. 70

حثمة بنحوه، ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، وإن أراد قول: غفرانك فيتجه له قوله. الثاني: استغرابه إيَّاه من غير تصحيح، وإن كانت الغرابة لا تنافي الصحة، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك، بل ذكره في صحيحه، وكذلك ابن حبان والحاكم، وخرجه ابن الجارود في المنتقى، وقال أبو حاتم الرازي: هو أصح شيء في هذا الباب، وإن كانت هذه اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا، وتشعر بأن في الباب غيره، بخلاف ما قاله الترمذي. الثالث: الجمع بين قوله: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، وبين قوله: لا نعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة، فإنه أثبت له غرابة السند بتفرد إسرائيل عن ابن أبي بردة، وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره، ثم وصفه بعد ذلك بالحسن، ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد؛ لما عارضت في ذلك، وأما أنه لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن إنه يُرْوَى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر. فهذا الحديث قد يوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه، فيحتاج الجواب على ذلك، فنقول: لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي نحتاج فيه إلى أن يروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته ولا ارتقى إلى أن تدخل في الصحيح مع المتابعة روايته، فهناك نحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل بمجموع ذلك إلى الدرجة، وأما هذا فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح، فإن إسرائيل

стр. 71

المنفرد به متفق على إخراج حديثه عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث، ولم يتابع عليه لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى درجة الحسن؛ بل تفرده مردود، فكذلك هذا الحديث، لو وجد شاهدا لما وقف عند مرتبة الحسن، وربما لم نقف عندها لما بينا من تصحيح من صححه، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعا عنده، لا بكل أنواعه، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه وكلام الخليلي والحاكم وغيرهما من الحفاظ؛ فعلى هذين القولين ينبني كلام الترمذي، أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث؛ إذ الغرابة والحسن في المتن لا تجتمعان. وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ الخلاء بدلا من الغائط، ولفظ الغائط تفرد بها هاشم بن القاسم، عن إسرائيل، وحديث ابن ماجه المذكور يقضي على قوله؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما ينفي التفرد، والله أعلم. ٣٧ - حدثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس بن مالك: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني. هذا حديث ضعيف؛ لضعف راويه إسماعيل بن مسلم المخزومي المكي أبي ربيعة، قال فيه سفيان: كان يخطئ في الحديث، وضعفه ابن المبارك. وقال فيه أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مختلطا، وليس بشيء، كان يحدّث بالحديث على ثلاثة ضروب. وقال ابن المديني: ضعيف، لا يكتب حديثه، أجمع أصحابنا على ترك حديثه. وقال النسائي وابن الجنيد: متروك

стр. 72

الحديث. وقال الحربي: في حديثه شيء. وقال السعدي: واهي الحديث جدا. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي. وقال الفلاس: كان يرى القدر، وهو ضعيف، يحدث عن الحسن وقتادة بأحاديث بواطيل، وهو متروك الحديث، وقد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنّما يحدّث عنه من لا ينظر في الرجال. وقال يعقوب وابن معين: لا شيء. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز، والكوفة، والبصرة، إلَّا أنه ممن يكتب حديثه، قال أبو الفرج ابن الجوزي: وجملة من يجيء في الحديث إسماعيل بن مسلم خمسة، هذا أحدهم. والثاني: أبو محمد العبدي، سمع أبا المتوكل والحسن. والثالث: مولى بني مخزوم، يروي عن ابن جبير. والرابع: ابن أبي فديك دينار، مولى بني الديل. والخامس: مولى رفاعة الزرقي، يروي عن محمد بن كعب، لم نعلم في أحد منهم طعنا إلَّا في الأول. انتهى كلامه. وقد أغفل إسماعيل بن مسلم السكوني شامي، قال فيه الدارقطني: يضع الحديث. وإسماعيل بن مسلم اليشكري حدّث عن ابن عون حديثا منكرا، ذكره العقيلي، وإنما ذكرت ذلك انتصارا لابن عدي؛ لأنه ذكر في كامله أنهم ثلاثة، فزاد أبو الفرج اثنين، ولو تتبعنا ذلك حق التتبع لألفينا أكثر من ذلك، ولله الحمد، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من إسماعيل هذا، ذكرها الحاكم في تاريخ بلده، فقال:

стр. 73

ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد، ثنا أبو بكر محمد بن ياسين، ثنا أبي، ثنا عبد السلام بن نهشل بن سعيد، عن أبيه، عن قرّة، عن الحسن، عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبث، الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. وأما الغفران فمصدر كالمغفرة، قال الخطابي: نصبه بإضمار الطلب، وقيل في تأويل قوله ذلك قولان: الأول: أنه استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدّة لبثه على الخلاء. الثاني: قيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه، فأطعمه ثم هضمه، ويحتمل أن يكون فعله ﵇ ذلك للتشريع والتعليم، فحق من خرج سالما معاذا مما استعاذ من الخبث والخبائث، أن يؤدي شكر نعمة الله عليه في إعاذته وإجابة سؤاله، وأن يستغفر الله خوفا ألا يؤدي شكر تلك النعمة، وهو قريب من حمد العاطس على سلامته. ويحتمل أن تكون لما كانت حالة التخلي محظورا فيها الذكر والتوجه إلى الله تعالى، حَسُن أن يكون الذكر والاستغفار أوّل ما يصدر منه عند الخروج، كما كان آخر ما ختم به عند الدخول، كقول الشاعر: وآخر شيء أنت أول هجعة … وأول شيء أنت عند هبوبي ونص جماعة من الفقهاء منهم أحمد، على أنه يسن قول ذلك إذا خرج المتخلي، وعند غيرهم: من الآداب، والله تعالى أعلم.

стр. 74

باب ذكر الله على الخلاء والخاتم في الخلاء ٣٨ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن عبد الله البهي، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه. رواه الترمذي عن أبي كريب، ومحمد بن عبيد، ثنا يحيى، عن أبيه. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وزعم بعض المتأخرين من العلماء أن في كلام الترمذي ما يقتضي أن يحيى بن زكريا تفرد به عن أبيه، وليس كذلك؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق رواه عن زكريا أيضا، قال: ولكنه بيحيى أشهر. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث إن الترمذي لم يبيّن أي بني زائدة تفرّد به، ويحيى وأبوه يصدق على كل منهما ابن أبي زائدة؛ فيحتمل أن يكون المعني به عنده بالتفرد زكريا لا ابنه، ويحتمل الآخر، وإذا كان كذلك، فليس لنا أن نقول: أراد واحدا بعينه؛ إذ لم يبيّن هو بنفسه ذلك، وإذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال. وفي قول الترمذي: حسن غريب، يريد بذلك تفرد به ابن أبي زائدة، وكان ينبغي أن يكون على رأيه صحيحا لا حسنا؛ لأن تفرد ابن أبي زائدة لا يحطه عن درجة الصحيح؛ ولذلك لم يعتمده مسلم؛ بل خرجه في صحيحه، وأيضا فرجاله عند الترمذي ممن يصحح أحاديثهم دائبا. ٣٩ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فممن صححه أبو حاتم البستي في

стр. 75

صحيحه، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما خرجا حديث نقش الخاتم فقط، وزعم أبو عبد الرحمن النسائي أنه غير محفوظ، وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ : اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، زاد في التفرد: نخاف أن يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ. وفيه نظر من وجوه: الأول: قوله: هذا حديث منكر، وهو مردود بما أسلفناه. الثاني: قوله: لم يروه إلا همام، مردود برواية يحيى بن المتوكل، ذكره الحاكم عن علي بن حمشاذ، ثنا عبيد الله بن عبد الواحد، ثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري به. ورواه أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفيما قاله نظر؛، وأظن - والله أعلم - أن تضعيف يحيى هو الذي ألجأ البغوي إلى أن قال فيه حين رواه في شرحه من جهة إسحاق بن الخليل عنه: هذا حديث غريب، والبيهقي في قوله: هذا شاهد ضعيف.
следующие страницы →