← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة فضيلة الدكتور/ خالد بن علي المشيقح الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد قرأت في هذا المؤلف للشيخ: عبدالله بن حمود الفريح [المنح العليَّة في بيان السنن اليومية]. فقد ألفيته مؤلفاً مفيداً عمل على استقصاء السنن اليومية الفعلية والقولية في الليل والنهار المنفردة والتابعة لغيرها مما ثبت بالدليل. فجزاه الله خيراً، ونفع بمؤلفه آمين، وبالله التوفيق. كتبه/ د. خالد بن علي المشيقح

стр. 2

مقدمة الطبعة العشرين الحمد لله الذي امتن على عباده بعظيم العطايا والهبات، وأرشدنا إلى خيري الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهداية للعالمين، دعا لتوحيد الله تعالى، وفرائضه وبين سنته قولًا وعملًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد … إليك - أخي القارئ - الطبعة الجديدة من هذا الكتاب والتي عملت فيها على تصحيحات يسيرة لبعض الأخطاء المطبعية السابقة، مع إضافة سنية قراءة سورة الإخلاص كل ليلة والكلام على ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ الله عَنِ اللَّهُ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ»، وإنني أحمد الله تعالى على تعدد طبعات هذا الكتاب، حيث طبع الكتاب في عدة دُوْرٍ في الوطن العربي، وبلغت ترجماته لأكثر من ثلاثين لغة حول العالم، وهذه هي الطبعة العشرون للكتاب الذي أرجو بره وذخره يوم لقاء الله تعالى، كما أنني أرجو ثوابه لكل من شاركني فيه برأي أو توجيه، أو طباعة، أو ترجمة أو فكرة أو تدريس له، أو دلالة عليه، أو نشر شيء منه، والله تعالى أسأل أن يجعله من العلم النافع المورث للعمل الصالح، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه د. عبد الله بن حمود الفريح ١٤٤٢/ ٧/١ هـ

стр. 3

مقدمة الحمد لله القائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، والحمد لله الذي أرسل لنا خير رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، وهيَّأ للوحيين حملة من الصحابة، ومن تبعهم من السَّلَف الذين حملوهما، وأوصلوهما بأقوالهم، وما سطَّره التاريخ من أفعالهم، فكانوا خير حامل لخير محمول، فجاءت نماذجهم مُشرقة، ومعبرة عن حُبِّهم لنبيهم ﷺ . ثُمَّ الصَّلاة والسَّلام على خير الورى، من بلَغتْ سنتُه الخليقة والأُلى، وخير من صلَّى وصام ودعا، وخير من بيَّن لأمته طريق الهدى، فتركها على محجة بيضاء نجا بها كل من سمع ووعى، صلَّى الله عليه وعلى آله، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدِّين. ثم أمَّا بعد … أخي القارئ: أسْطُر وصفحات، فيها سُنَن وعبادات، سُنَن مأثورة، وعبادات مجهولة ومعلومة، وأخرى مهجورة، إنها مِنَحٌ من الله -جلَّ في علاه- لهذه الأمَّة؛ ليستزيدوا من الطاعات، وهي مِنَحٌ؛ لِمَا فيها من مضاعفة الأجور التي لم تكن للأمم السَّابقة، منحها جلَّ وعلا هذه الأمَّة، واستودع فيها ثمرات عظيمات لمن سارع إليها، فهي مِنَحٌ عالية الفضل،

стр. 4

جليلة القدر، عظيمة الثمرة، اقترح عليَّ كتابتها أحدُ الإخوة الفضلاء -جزاه ربي خير الجزاء- وكان دافعاً لي في تسطيرها سببان رئيسان: أولهما: ما مجَّ سمع كل مسلم، وأحزن قلب كل موحِّد، وأبكى عين كل مُحِب لخليل الله نبينا ﷺ حينما نيل منه، ورُسم عنه من قِبَل مَنْ سخروا منه، واستهزؤوا برسم كاريكاتيرات ساخرة تُسيء له -فداه أبي وأمي- وإلى يومنا هذا ما زلنا نسمع بمثل هذا من بلد وآخر، ولا عجب من ذلك؛ فقد تبع هؤلاء جميعاً كفار قريش، وغيرهم حينما آذوه وسخروا منه، فنال الصحابة -رضوان الله عليهم- ممن نال وآذى رسول الله ﷺ ، والدفاع عن حقِّ رسول الله ﷺ دَيْنٌ على كل الأمَّة حتى يُردَّ حقُّه ﷺ . ومِنْ أهم أنواع الدِّفاع عنه: الدِّفاع عن سنته، وإظهار أخلاقه ﷺ التي شوَّهها الغرب، والتعريف بهديه والحث على تطبيقه بنشر الكتب في ذلك، وأولى النَّاس تطبيقاً لهديه ﷺ ، والمسارعة لسنَّتِه هم أهل دينه، فإنَّ من يردّ عن عِرض النَّبي ﷺ بقوله ينبغي أن يكون من أحرص الناس على الامتثال لأوامر النَّبيِّ ﷺ وهديه، وتطبيق سُنَنِه بفعله أيضاً، فيحيي سُنَّة النَّبي ﷺ في نفسه، وفي مجتمعه، وبين أهله وأولاده، وطلابه، وإخوانه. والسبب الثاني: هو ما يشهده واقعنا اليوم من التفريط في سُنَّة النَّبي ﷺ وامتثالها، بِحُجة أنها مما يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولو تتبعت -أخي القارئ- سُنَّة النَّبي ﷺ لَمَا وجدت فيها أنَّ الصحابة -في غالب أمرهم- يُفرِّقُون في الأوامر بين الواجبات، والمستحبات من حيث السؤال والتطبيق، بل هم أحرص الناس على الخير، وأشدهم أسفاً لفواته ولو كان نافلة، بينما في واقعنا تجد من يعرف فضائل عديدة، وعظيمة في سُنَن كثيرة عَلِمَها ولم يعمل بها، ولو لمرَّة واحدة، ولربما رأيت من تظهر عليه مظاهر الصَّلاح والاستقامة، وحُبُّ الخير، ويُرى

стр. 5

مفرِّطاً في كثير من السُّنن بل جُلِّها!! فلا تجد سُنَّة النَّبي ﷺ ظاهرة عليه في سَمْتِه، وأخلاقه، وتعامله، وعبادته، بل ربما كان هذا شأن بعض مَنْ طَلَبَ العلم وحَرِصَ عليه، ثم تراه متراجعاً في عمله وحرصه على السُّنَّة، مع معرفته بكثير من المسائل العلميَّة، والسُّنَن النبويَّة، ولئن كان السلف يعرِّفون العلم: بالخشية التي تورث زيادةً في الطاعات، والعبادات، والحرص عليها، فما مدى تأثير عِلْمِنا، ومعرفتنا بالخلاف، وأدلة كثير من المسائل، في تطبيق كثير من السُّنَن، والعبادات؟ قال أحدهم لآخر يستكثر من العلم و لا يعمل: «يا هذا إذا أفنيتَ عمرك في جمع السلاح فمتى تقاتل؟!». ولقد كان السَّلَف ﵏ يذمُّون من يعلم ولا يعمل، وكذا من يجمع العلم بلا عمل، ولمَّا بكَّر أصحاب الحديث مرَّةً على الأوزاعي التفت إليهم، فقال: «كم من حريصٍ، جامعٍ، جاشعٍ ليس بمنتفعٍ، ولا نافعٍ»، ولمَّا رأى الخطيب البغدادي ﵀ كثرة من يهتم برواية الحديث، وحفظه، مع قِلَّة العمل، ألَّف رسالة قيِّمة، عنوانها: [اقتضاء العلم العمل]. فما تقدَّم هو حال كثير منَّا، ولا أنكر أنَّ هناك نماذج مشرقة في واقعنا، لكن مظاهر التفريط بالسُّنَّة كثيرة، وتأمل -أخي المبارك- ما سيأتي من بعض النَّماذج للرَّعيل الأول -الذين اقتربوا من سُنَّة النَّبيِّ ﷺ حِسَّاً وعملاً- ومن تبعهم من السَّلَف ﵏ جميعاً-، وهي كثيرة في هذا الباب، ولكن ذكرت في التمهيد بعضها؛ لعل فيها ما يستنهض هِمَّتي وهِمَّتك؛ لتطبيق السُّنَّة.

стр. 6

أسأل الله - تعالى- بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، أن يجعلني وإياك مِمن يتبعون السُّنَّة، ويتمسكون بها في أقوالهم، وأفعالهم، وجميع أحوالهم، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. كتبه الفقير إلى عفو ربه: عبد الله بن حمود الفريح (١)forih@hotmail.comEmail:

стр. 7

تمهيد • معنى السُّنَّة: السُّنَّة في الأصل، هي: كل ما أُضيف للرسول ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقِيَّة، أو خُلُقِيَّة، هذا هو معنى السُّنَّة، ففي الأصل هي: الطريقة، ومنه قول النَّبي ﷺ : «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١)، من حديث العرباض بن سارية ﵁، فكل ما كان على طريقته ﷺ فهو من سنَّتِه، فقد يكون المأمور به في سنَّته مستحباً، أو واجباً حسب ما تقتضيه الأدلة. ثُمَّ شاع عند المتأخرين أنَّ السُّنَّة هي بمعنى: المستحب، والمندوب، وهو الذي جرى عليه عمل أهل الأصول، والفقه، وهذا المعنى هو المراد في هذه الورقات، فالسُّنَّة على هذا المقصود: هي ما أمر بها الشَّارع ليس على وجه الإلزام، وثمرتها: أنه يُثاب فاعلها، ولا يُعاقب تاركها. • نماذج من حرص السَّلَف على السُّنَّة: ١. روى مسلم في صحيحه حديث النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ

стр. 8

تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (١). قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ ، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ». وَقال النُّعمانُ بْنُ سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ». ٢. حديث عَلِي ﵁: أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَى مَكَانِكُمَا» فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْراً مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكبِّرا اللّهَ أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، وَتُسبِّحَاهُ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» (٢). وفي رواية: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (٣). ومعلومٌ أنَّ ليلة صِفِّين ليلة دارت فيها معركة، كان عليٌّ ﵁ قائداً فيها، ومع ذلك لم ينشغل عن هذه السُّنَّة. ٣. كان ابن عمر ﵄ يُصلِّي على الجنازة، ثُمَّ ينصرف، ولا يتبعها

стр. 9

ظانَّاً أنَّ هذا هو كمال السُّنَّة، ولم يعلم بالفضل الوارد في اتباعها حتى تُدفَن، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة ﵁ ندم على فوات السُّنَّة، وتأمَّل ماذا قال؟! عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِداً عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، إذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ! أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الأجر مِثْلُ أُحُدٍ؟» فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ خَبَّابَّاً إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ: وَأَخَذَ ابْن عُمَرَ ﵄ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجِعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، فَضربَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ بِالْحَصى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ (١). قال النَّووي ﵀: «وفيه ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسُّف على ما يفوتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه» (٢). ٤. حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر ﵁ أَنَّ قَرِيباً لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللّهِ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ:

стр. 10

«إنَّهَا لَا تَصيدُ صيداً وَلَا تَنْكَأُ عَدُوّاً، وَلكِنَّهَا تَكْسر السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ فَعَادَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً (١). والخذف هو: رمي الإنسان بحصاة، أو نواة ونحوهما، يجعلها بين أصبعيه السبابتين، أو الإبهام والسبابة. والنَّماذج في حفاظهم على السُّنَّة وتعظيمها كثيرة، ولا عجب، فقد كانوا أحرص النَّاس على الخير، وهكذا تأثَّر بهم مَنْ بعدهم من السَّلَف والقرون المفضلة، وأصبح التأريخ يُسَطِّر لنا ممن تبع أولئك الرجال في التمسك بالسُّنَّة نماذج تُشجِّع النفس على الحرص على السُّنَّة واقتفائها. فهذا الإمام أحمد ﵀ وضع في كتابه المسند فوق أربعين ألف حديث، وعمل بها كلها، فقال: «ما تركت حديثاً إلا عملت به»، ولمَّا قرأ: أنَّ النَّبي ﷺ احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجَّام ديناراً، قال: «احتجمتُ، وأعطيت الحجَّام ديناراً»، والدينار: أربعة غرامات وربع من الذَّهب، لكن لأجل تطبيق الحديث بذلها الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، والنّماذج في هذا الصَّدد كثيرة. نسأل الله أن يُحيي سُنَّة نبينا ﷺ في قلوبنا؛ لتنال من الفضائل، والمِنَحِ، والقُرْبِ من الله ما استودعه في سُنَّة نبيه ﷺ ، فباتباع السُّنَّة ينال الإنسان شرف المتابعة، ونور القلب وحياته. قال ابن القيَّم ﵀: «قال ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السُّنَّة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه» (٢). وقال أيضاً: «ترى صاحب اتِّباع الأمر والسُّنَّة قد كُسي من الرَوح، والنور وما يتبعهما من الحلاوة، والمهابة، والجلالة، والقبول ما قد

стр. 11

حُرِمه غيره، كما قال الحسن: إن المؤمن من رُزق حلاوةً ومهابة» (١). • من ثمرات اتِّباع السُّنَّة: لاتباع السُّنَّة -أخي الحبيب- ثمرات كثيرة، منها: ١) الوصول إلى درجة المحبة، فبالتقرب لله بالنوافل تنال محبة الله للعبد. قال ابن القيِّم ﵀: «ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهراً وباطناً، وصدَّقته خبراً، وأطعته أمراً، وأجبته دعوةً، وآثرته طوعاً، وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تتعنَّ، وارجع من حيث شئت، فالتمس نوراً فلست على شيء» (٢). ٢) نيل معيَّة الله -تعالى- للعبد، فيوفقه الله -تعالى- للخير، فلا يصدر من جوارحه إلا ما يرضي ربه ؛ لأنه إذا نال المحبة نال المعيَّة. ٣) إجابة الدعاء المتضمِّنة لنيل المحبة، فمن تقرَّب بالنوافل نال المحبة، ومن نال المحبَّة نال إجابة الدعاء. ويدلّ على هذه الثمرات الثلاث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الَّله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصرهُ الَّذِي يُبْصر بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي

стр. 12

يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١). ٤) جبر النَّقص الحاصل في الفرائض، فالنوافل تجبر ما يحصل في الفرائض من خَلَل. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسر، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شيءٌ، قَالَ الرَّبُّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» (٢). ٥) حياة القلب كما تقدّم، فالعبد إذا كان محافظاً على السُّنَّة كان لِمَا هو أهم منها أحفظ، فيصعب عليه أن يفرِّط بالواجبات أو يقصر فيها، وينال بذلك فضيلة أخرى، وهي: تعظيم شعائر الله -تعالى-، فيحيا قلبه بطاعة ربه، ومن تهاون بالسُّنَن عوقب بحرمان الفرائض. ٦) البعد والعصمة من الوقوع في البدعة؛ لأنَّ العبد كلما كان متبعاً لِمَا جاء في السُّنَّة كان حريصاً ألَّا يتعبد بشيء إلا وفي السُّنَّة له دليل يُتَّبع، وبهذا ينجو من طريق البدعة. وللحفاظ على السُّنَّة ثمرات كثيرة، قال ابن تيمية ﵀: «فكل من

стр. 13

اتبع الرسول ﷺ فالله كافيه، وهاديه، وناصره، ورازقه» (١)، وقال تلميذه ابن القيِّم ﵀: «فمن صحب الكتاب والسُّنة، وتغرَّب عن نفسه وعن الخلق، وهاجر بقلبه إلى الله فهو الصادق المصيب» (٢). قبل الشروع في المقصود: أخي القارئ: وقبل الشروع في المقصود، وعرض ما تيسر لي جمعه من السُّنَنِ اليومية، أفيدك بما يلي: أولاً: جمعتُ في هذه الورقات كل ما تتبعته من السُّنَنِ اليومية، وقد أُغفل بعض السُّنَنِ عمداً للخلاف في ثبوتها؛ لضعف دليل، أو لخلاف في فهم الاستدلال على السُّنَّة، وقد حرصتُ على تقييد ما صحّ به الخبر من السُّنَّة النبويَّة على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تحيَّة. ثانياً: هناك من السُّنَن التي تتبع الأحوال، أو الأماكن، أو الأزمان، تُعدُّ لأشخاص من السُّنَنِ اليومية بخلاف غيرهم، لم أذكرها عمداً؛ لأن غالب النَّاس لا تتكرر عليهم، فمثلاً: من كان في مكة، أو المدينة فإنه يستطيع كل يوم أن يزور المسجد الحرام، أو النَّبوي، ويصلِّي فيه فينال فضيلة مضاعفة الصَّلاة، وكذا هناك بعض السُّنَن لا تكون إلا للأئمَّة، أو المؤذنين، ونحو ذلك من السُّنَن التي تتعلَّق بأمر معيَّن، ربما لا تتأتَّى لكثير من النَّاس، وهناك سُنَن تختلف باختلاف الحال: كالزيارة الأخوية في الله -تعالى-، وعبادة التفكُّر، والشُّكر، وعيادة المريض، والصلاة على النَّبيِّ ﷺ ، وزيارة المقابر، وصِلة الرَّحم، وطلب العلم، والصدقة،

стр. 14

وسُنَن الاغتسال ونحوها من السنن التي أغفلتها عمداً؛ لعدم الجزم بأنها سُنَن يومية، مع استطاعة العبد الإتيان بها متى شاء من أيامه، ولكن كما سبق حرصتُ على الذي يتكرر في اليوم والليلة. ثالثاً: اعلم -أيُّها المفضال- أنَّ اتِّباع هديه ﷺ يشمل اتِّباع أخلاقه، وتعامله، وأدبه مع ربه -تعالى-، ومع سنَّته، ومع النَّاس، فلا تغفل -أيها المبارك- عن هذا المطلب المهم، فالأخلاق عماد مهم يحتاجه واقعنا اليوم كثيراً. نسأل الله -سبحانه- أن يهدينا لأحسن الأخلاق، ويصرف عنَّا سيئها. • واعلم أنَّ التقرُّب لله -تعالى- بالفرائض مقدَّم على النوافل وأعظم أجراً، فالله يقول: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». رابعاً: إنني أخاطب بهذه السُّنَن نفسي المقصرة؛ لأنفعها بعرض السُّنَن اليومية أمام عينيَّ، والنظر فيما كنت مقصراً فيه؛ لأحملها على الإصابة من هذه السُّنَن، والمحافظة على هدي النَّبيِّ ﷺ ، ومن ثَمَّ نفع إخواني، وحثهم على اقتفاء هدي المصطفى ﷺ . فبادر أخي لاغتنام العمر، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، بالاستكثار من السنن وصالح العمل؛ لتحمد العاقبة يوم اللقاء، بعظم الجزاء، في دار البقاء؛ لحسن اقتفائك الأثر، باتباع هدي سيد البشر ﷺ . وأخيراً … أوصيك أخي في تعاملك مع السُّنَن بوصيتين ذكرهما النَّووي -رحمه الله تعالى-: الأولى: لا تدع سُنَّة من السُّنَن إلا وقد كان لك منها نصيب، ولو لمرة واحدة.

стр. 15

قال النَّووي ﵀: «اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرَّة واحدة، ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقاً؛ لحديث: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَشيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ (١)» (٢). والثانية: إذا أنعم الله عليك بطاعة، وكنت من أهلها المواظبين عليها، وفاتت عليك يوماً، فحاول أن تأتي بها إن كانت مما تُقضى، فإنَّ العبد إذا اعتاد على التفويت وتساهل فيه ضيع العمل. يقول النَّووي ﵀ في فائدة قضاء الذِّكر: «ينبغي لمن كان له وظيفة من الذِّكر في وقتٍ من ليلٍ، أو نهار، أو عقب صلاة، أو حالةً من الأحوال ففاتته، أن يتداركها، ويأتي به إذا تمكَّن منها، ولا يهملها فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها» (٣). أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن يتبعون هدي النَّبي ﷺ ظاهراً وباطناً، ويقتفون أثره ويحشرون في زمرته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

стр. 16

السُّنَنُ الْمَوْقُوتَةُ نقصد بالسُّنَن الموقوتة: هي السُّنَن المؤقتة بأوقات معينة في اليوم والليلة، وقسَّمتها إلى سبعة أوقات: ما قبل الفجر، ووقت الفجر، ووقت الضُّحى، ووقت الظهر، ووقت العصر، ووقت المغرب، ووقت العشاء.

стр. 17

أولاً: وقت ما قبل الفجر وهذا هو الوقت الأول باعتبار الاستيقاظ من النَّوم، فإنَّ النصوص دلَّت على عِدَّة أعمال كان يفعلها النَّبيُّ ﷺ قبل الفجر، ويمكن تقسيم السُّنَن في هذا الوقت إلى قسمين: القسم الأول: الاستيقاظ من النوم وما يعقبه من أعمال كان يفعلها النَّبيُّ ﷺ -: ١ - يَشُوصُ فاه بالسِّواك، أي: يدلكه بالسِّواك. عن حُذيفةَ ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (١)، ولمسلم في رواية: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (٢). والشَّوص: دلك الأسنان عرضًا بالسواك. ٢ - يقول الذكر الوارد عند الاستيقاظ من النَّوم. وهو ما جاء في صحيح البخاري من حديث حذيفة ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا». وَإِذَا

стр. 18

اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (١). ٣ - يمسح النوم عن وجهه. ٤ - وينظر إلى السماء. ٥ - ويقرأ الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران. وهذه ثلاث سُنَن جاءت في حديث ابن عباس ﵄ المتفق عليه: «أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشر الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي» (٢). وفي رواية لمسلم (٣): «فَقَامَ نَبِيُّ اللّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ إِلى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلَا هذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ١٩٠]. يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ: أي يمسح عينيه بيده؛ ليمسح أثر النوم. والشَّنُّ: هي القِرْبَة.

стр. 19

وفي رواية مسلم بيانٌ لِمَا يقرأه من أراد تطبيق هذه السُّنَّة، فإنه يبدأ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إلى خاتمة آل عمران. وفي قراءة النَّبيّ ﷺ لهذه الآيات قبل الوضوء دليل على جواز قراءة القرآن على غير طهارة من الحدث الأصغر. ٦ - غسل اليدين ثلاثاً. لحديث أبِي هريرة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الإِنَاء حتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (١). اختلف أهل العلم في حكم غسل اليدين ثلاثاً بعد الاستيقاظ من نوم الليل، على قولين: القول الأول: ذهب الحنابلة إلى أنَّه واجب، وهو من مفردات الحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز في شرحه على عمدة الأحكام. واستدلوا بـ: الحديث السَّابق، فالنَّبيّ ﷺ نهى عن غمسهما قبل غسلهما، والأصل في النَّهي التحريم ولا صارف للنَّهي عن التحريم والنَّبي ﷺ يقول: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (٢). والقول الثاني: أنه مستحب، وبه قال جمهور العلماء. واستدلوا بِ: أ. عموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 20

ووجه الدلالة: أنَّ الله أمر بالوضوء من غير غسل الكفين، والآية عامَّة لمن قام من نوم الليل، وغيره. ب. قول النَّبيّ ﷺ : «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، تعليل يدل على الاستحباب؛ لأن نجاسة اليد مشكوك فيها، والأصل أنها طاهرة فهو اليقين، واليقين لا يزول بالشك. ويحتاط المسلم فيأخذ بالقول الأول؛ لقوة دليلهم، ولعدم الصارف عن الوجوب، وأمَّا الاستدلال بالآية فهو عام في الوضوء مطلقاً، بخلاف استدلال أصحاب القول الأول، فهو في حالة مخصوصة. ٧ - الاستنشاق، والاستنثار بالماء ثلاثاً. لحديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشيمِهِ» (١)، وفي رواية البخاري: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا … » (٢). اختلف أهل العلم في حكم الاستنثار ثلاثاً بعد الاستيقاظ من نوم الليل، على قولين: القول الأول: قالوا بالاستحباب، للعِلَّة الواردة في الحديث: «فَإِنَّ الشيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشيمِهِ». ووجه الدلالة: قالوا: إنَّ بيات الشيطان هنا لا يُحدِث نجاسة حتى يؤمر الإنسان بإزالتها على وجه الإلزام. والقول الثاني: أنَّ الاستنثار واجب؛ لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف يصرفه عن الوجوب، وما ذكره أصحاب القول الأول

стр. 21

ليس صارفاً تقوم به الحجة يصرف الأمر عن الوجوب؛ لأنَّ الحكمة من الأمر بالاستنثار قد تكون مخفيَّة، وليست النجاسة. ويحتمل أن يُحمل المطلَق على المقيَّد، ففي حديث الباب الأمر بالاستنثار ثلاثاً عند الاستيقاظ من النوم، وجاء في رواية البخاري ما يُقَيِّدُ هذا الأمر بحال الوضوء، فإمَّا أن يُحمل المطلَق على المقيَّد فيكون المقصود بالأمر هو: حال الوضوء، أو يُعمل بالحديثين، فيكون الاستنثاران واجبين -والله أعلم-. فائدة: قوله ﷺ : «فَإِنَّ الشيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشيمِهِ». اختُلف في معناه: قيل: إنَّ بيات الشيطان ليس حقيقة، وإنما المراد به ما يكون في الأنف من أذى يوافق الشيطان. وقيل: هو على ظاهره، وأنَّ الشيطان يبيت حقيقة؛ وذلك لأنَّ الأنف أحد منافذ الجسم التي يُتوصَّل إلى القلب منها، والمنافذ كلها لها غَلْقٌ، إلا الأنف، والأذنين فيدخل منها الشيطان، وفي حديث ابن مسعود ﵁ المتفق عليه: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ ﷺ : «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشيطَانُ فِي أُذُنَيْهِ»، أَوْ قَالَ: «فِي أُذُنِهِ «(١). - وأمَّا الفم فله غَلْقٌ أيضاً، ولذلك حثَّ النَّبيُّ ﷺ على كظم الفم عند التثاؤب؛ لئلا يدخل الشيطان، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشيطَانَ يَدْخُلُ» (٢).

стр. 22

وفي رواية: «فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» (١)، وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: «فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشيطَانُ» (٢). وعلى كل حال الواجب على المسلم الإيمان، والتصديق، والامتثال، والطاعة سواء علم حقيقة وحكمة ما أُمر به، أو خفي عليه ذلك، فيكون ذلك من جملة ما خفي عليه من علم الله -جل وعلا- الذي أحاط بعلمه كل شيء سبحانه. ٨ - الوضوء. لحديث ابن عباس ﵄ المتقدِّم حينما أراد النَّبيُّ ﷺ الصَّلاة، قام إلى قِرْبة معلَّقة فتوضأ منها. وعند الوُضوء، نقف وقفة نبيِّن فيها سُنناً في الوُضوء على وجه الاختصار والعَدِّ، لا على وجه التفصيل، وإنما أذكِّر بها؛ إتماماً للسُّنَن. فمن سُنَنِ الوضوء: ١. السِّواك. وذلك قبل البدء بالوضوء، أو قبل المضمضة، وهذا هو الموضع الثاني الذي يُسَنُّ فيه السِّواك -وتقدَّم الموضع الأول- فيُسَنّ لمن أراد الوضوء أن يستاك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٣).

стр. 23

ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فيَبْعَثُهُ الله مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي … » (١). ٢. التسمية. لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله» (٢)، والحديث ضعيف، ضعَّفه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن القطَّان ﵏ والإمام أحمد ﵀ وقال: «لا يثبت في هذا الباب شيء». وله شواهد عن جمع من الصحابة، وكل هذه الشواهد فيها ضعف، وذهب جماعة من العلماء ﵏ إلى أن الحديث بمجموع الطرق يرتقي إلى درجة الحسن. قال ابن حجر ﵀: «الظاهر: أنَّ مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا» (٣)، وإن احتُج بالحديث فإنه يُحمل على الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء ﵏، وحديث أبي هريرة ﵁ بمجموع طرقه حسَّنه غير واحد من أهل العلم (٤). ٣. غسل الكفين ثلاثًا. لحديث عثمان ﵁ في صِفة وضوء النَّبي ﷺ وفيه: «دَعَا

стр. 24

بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ … »، ثم قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا» (١). والصارف عن الوجوب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ [المائدة: ٦]، حيث لم يذكر غسل الكفين. ٤. التَّيامن في غسل اليدين، والقدمين. لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَأُوا بِأيَامِنِكُمْ» (٣). قال ابن قدامة ﵀: «لا خلاف بين أهل العلم -فيما علمناه- في استحباب البداءة باليمنى» (٤). ٥. البداءة بالمضمضة، والاستنشاق. لحديث عثمان ﵁ في صِفة وضوء النَّبي ﷺ : « … فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ … » (٥)، فإن أخَّر المضمضة والاستنشاق بعد غسل الوجه جاز.

стр. 25

٦. المبالغة في المضمضة، والاستنشاق لغير الصائم. لحديث لقيط بن صبرة ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال له: «أَسْبِغ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَيْنَ الأصَابِعِ، وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً» (١)، وأُخِذَت المبالغة في المضمضمة من قوله: «أَسْبِغ الوُضُوءَ». قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «المبالغة في المضمضة: أن تحرِّك الماء بقوة، وتجعله يصل كلَّ الفَم، والمبالغة في الاستنشاق: أن يجذبه بنفس قوي … والمبالغة مكروهة للصائم؛ لأنها قد تؤدي إلى ابتلاع الماء، ونزوله من الأنف إلى المعدة» (٢). قوله: «أَسْبِغ الوُضُوءَ». المراد بالإسباغ: إيصال لكل عضو حقه من الوضوء، وهذا إسباغ واجب. والإسباغ المستحب: هو الإتيان بما يتم الوضوء بدونه من السُّنَن، والإسباغ أجره عظيم لاسيما حال المكاره، كأن يكون الماء بارداً في الشتاء ليس عنده غيره، أو حاراً في الصيف ليس عنده غيره، فإذا أسبغ الوضوء كان أرفع لدرجاته وأمحى لسيئاته. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ علَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسْاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ» (٣).

стр. 26

٧. المضمضة، والاستنشاق من كفٍّ واحدة. لحديث عبد الله بن زيد ﵁ في صِفة وضوء النَّبي ﷺ قال: « … أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفِ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذلِكَ ثَلَاثاً … » (١). قال ابن القيِّم ﵀: «ولم يجئ الفصل بين المضمضة، والاستنشاق في حديث صحيح البتة … ، وكان يستنشق بيده اليمنى، ويستنثر باليسرى» (٢). ٨. في مسح الرأس تُسَنُّ الصِّفة المسنونة. وهي أن يبدأ في مسحه لرأسه فيضع يديه في مقدَّم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفا رأسه، ثم يرجعهما للمكان الذي بدأ منه، والمرأة أيضاً تفعل هذه السُّنَّة بنفس الطريقة، وما زاد من الشعر عن عنق المرأة فإنه لا يُمسح. ويدلّ عليه: حديث عبد الله بن زيد ﵁ في صِفة وضوء النَّبيّ ﷺ وفيه: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» (٤). ٩. التثليث في غسل الأعضاء. الغَسْلَة الأولى واجبة، وأمَّا الثانية، والثالثة فهي سُنَّة، ولا يُزاد على ثلاث.

стр. 27

ويدلّ عليه: ما ثبت عند البخاري ﵀ من حديث ابن عباس ﵄: «أنَّ النَّبيّ ﷺ تَوَضَأَ مَرَّة، مرَّة» (١). وثبت عند البخاري أيضا من حديث عبد الله بن زيد ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّتَيْنِ» (٢). وثبت في الصحيحين من حديث عثمان ﵁: «أنَّ النَّبيّ ﷺ توضأ ثلاثا» (٣)، ولذا فمن الأفضل التنويع أحياناً، فأحياناً يتوضأ مرَّة، مرَّة، وأحياناً مرَّتين، مرَّتين، وأحياناً ثلاثاً، ثلاثاً، وأحياناً يخالف في العدد، فيغسل مثلاً الوجه ثلاثاً، واليدين مرتين، والقدمين مرَّة، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ﵁ في رواية أخرى (٤)، ولكن الأغلب أن يأتي بالكمال ثلاثاً، ثلاثاً، فهو هدي النَّبي ﷺ . ١٠. الدعاء الوارد بعد الوضو ء. عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبِغُ- الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلهَ أَلاَّ اللّهُ، وَأَنَّ مُحمَّداً عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٥). أو ما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «من توضأ ففرغ من وضوئه فقال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إلَيْكَ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِطَابِع (٦)، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْش

стр. 28

فَلَمْ تُكْسر إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (١)، وصحح إسناده ابن حجر ﵀ (٢)، وبيَّن أنه إن لم يصحّ مرفوعاً فهو موقوف، ولن يضره ذلك؛ لأن له حكم الرفع؛ لأنه مما لا مجال فيه للرأي. وليستحضر المسلم حينما يُقْدِم على الوضوء، بأنه أقدم على عبادة فيها ثلاث فضائل عظيمة، فهي سبب في محبة الله تعالى له، وسبب في مغفرة الذنوب، وسبب في أن يُكسى يوم القيامة حُلَلاً في مواضع وضوئه، فعندها يستشعر ما أقبل عليه؛ لاستشعاره ما تورثه هذه العبادة من فضائل، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ -أَوِ الْمُؤْمِنُ- فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ» (٣)، وعنه قال: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ» (٤). وتقدم في حديث عمر ﵁ أنها سبب في فتح أبوا بالجنة الثمانية، نسأل الله من فضله الواسع.

стр. 29

القسم الثاني: القيام للّيل، والوتر، وفيه عِدَّة أعمال هي من هدي النَّبي ﷺ -: ١ - من السُّنَّة أن يصلِّي صلاة الليل في وقتها الأفضل. فإن قيل: ما أفضل وقت لصلاة الليل؟ فالجواب: معلوم أنَّ وقت صلاة الوتر يبتدئ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وعليه فصلاة الوتر محلها ما بين صلاة العشاء والفجر. ويدلّ عليه: أ. حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» (١). متفق عليه. ب. حديث عائشة ﵂ قالت: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ ، مِنْ أَوَّلِ الليل وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٢). قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أنَّ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر» (٣). - أمَّا عن أفضل وقت لصلاة الليل فهو: ثلث الليل بعد نصفه.

стр. 30

والمقصود: أنَّ الإنسان يُقَسِّم الليل نصفين، ويقوم في الثلث من نصف الليل الثاني، وفي آخر الليل ينام -أي أنه يقوم في السدس الرابع، والخامس، وينام في السدس السادس-. ويدلّ عليه: حديث عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّ الصيامِ إِلَى اللّهِ صيامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» (١). - لو أراد الإنسان تطبيق هذه السُّنَّة؛ فكيف يكون حسابه للّيل؟ يحسب الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثُمَّ يقسمه إلى سِتَّة أقسام، ثلاثة الأقسام الأولى هذه النصف الأول من الليل، يقوم بعدها -أي يقوم في السدس الرابع، والخامس- لأن هذا يعتبر ثلث، ثُم ينام في السدس الأخير، وهو السدس السادس، ولهذا عائشة ﵂ قالت: «ما أَلْفَاهُ السَّحَرُ -أي النَّبي ﷺ عِنْدِيْ إِلا نَائِمَاً» (٢). وبهذه الطريقة يقوم المسلم في أفضل وقت للصلاة بالليل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السَّابق. وهل يكون بذلك أدرك وقت النزول الإلهي، وهو الثلث الآخر من الليل؟ الجواب: نعم يكون أدركه في السدس الخامس، وذلك حينما قسَّم الليل سِتَّة أقسام، فإن السُّدس الأول، والثاني يعتبر ثُلُث الليل الأول، والسُّدس الثالث، والرابع يعتبر ثلث الليل الثاني، والسُّدس الخامس، والسادس يعتبر ثُلُث الليل الآخر وهو وقت النزول الإلهي، والذي يقوم

стр. 31

الثلث الذي بعد منتصف الليل سيكون مدركاً للثُّلث الآخر في السُّدس الخامس، والنَّبي ﷺ هو الذي أرشدنا إلى هذا الوقت، كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السَّابق فقال: «وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (١)، وهو الذي أرشدنا إلى فضل الليل الآخر بأنَّ فيه نزولاً يليق بالله -جلَّ وعلا-، فيكون الجمع بين هذين الحديثين بما مضى، فمن لم يستطع انتقل إلى المرتبة الثانية في الأفضلية، فيقوم في الثُّلث الآخر من الليل. وملخَّص الكلام: أنَّ الأفضلية في وقت قيام الليل على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن ينام نصف الليل الأول، ثُم يقوم ثُلثه، ثم ينام سدسه-كما مضى- ويدلّ عليه: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الذي تقدَّم قريباً (٢). المرتبة الثانية: أن يقوم في الثُّلث الآخر من الليل. ويدلّ عليها: حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» (٣)، وكذلك حديث جابر ﵁ وسيأتي. فإن خاف ألّا يقوم من آخر الليل انتقل إلى المرتبة الثالثة. المرتبة الثالثة: أن يصلِّي أول الليل، أو في الجزء الذي يتيسر له

стр. 32

من الليل. ويدلّ عليها: حديث جَابِرٍ ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ الليْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْل، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفَضَلُ» (١). وأيضاً يُحمل عليه وصية النَّبيّ ﷺ لأبي ذر (٢)، وأبي الدرداء (٣)، وأبي هريرة (٤) ﵃، فكل واحد يقول: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ»، وذكر منها: «وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ». ٢ - السُّنَّة أن يقوم بإحدى عشرة ركعة. وهذا الأكمل لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، عَلَى إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً» (٥). وورد أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى ثلاث عشرة ركعة، روى مسلم في صحيحه حديث عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشرةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شيءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهَا» (٦)، وجاء في حديث ابن عباس ﵄: «فَصَلَّى النَّبيُّ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثَلَاثَ عَشرةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ » (٧).

стр. 33

واختلف العلماء في الركعتين في روايات (الثلاث عشرة)؛ لأن عائشة أخبرت بأنه ﷺ كان لا يزيد على أحدى عشرة ركعة: فقيل: هما سُنَّة العشاء. وقيل: المراد بهما سُنَّة الفجر. وقيل: هما ركعتان خفيفتان كان النَّبيّ ﷺ يفتتح بهما صلاة الليل، كما جاء في الحديث، ورجَّحه ابن حجر ﵀ (١). والأظهر -والله أعلم-: أنَّ هذا من باب تنوِّع الوتر، فالغالب من وتره ﷺ ، أنه كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، وكان يوتر أحيانا بثلاث عشرة ركعة، وبهذا نجمع بين الأحاديث الواردة. ٣ - من السُّنَّة أن يستفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين. لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّه ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» (٢). ٤ - من السُّنَّة أن يأتي بالاستفتاحات الواردة في صلاة الليل، ومن ذلك: أ. ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ -أي النَّبي ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صراطٍ مُسْتَقِيم» (٣). ب. ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال:

стр. 34

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسررْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). ٥ - من السُّنة أن يطيل قيامه، وركوعه، وسجوده فتكون جميع أركان الصلاة الفعلية قريبة من السواء. ٦ - وأن يأتي بالسُّنَن الواردة في قراءته، ومن ذلك: أ. أن يقرأ مترسِّلاً، والمقصود: أنه لا يحدر، أو يهذَّ القراءة هذَّاً. ب. أن يُقَطِّعَ قراءته آية، آية والمقصود: أنه لا يَصِلُ آيتين، أو ثلاث من دون توقف، بل يقف عند كل آية. ج. إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بآية سؤال سأل، وإذا مرَّ بآية تعوُّذ تعوَّذ. ويدلّ على ما تقدم: حديث حذيفة ﵁ قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ

стр. 35

بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً، قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ (١). ولِما رواه أحمد ﵀ في مسنده، من حديث أم سلمة ﵂: «أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً، آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾» (٢). قال ابن القيِّم ﵀: «وكان ﷺ يقطع قراءته، ويقف عند كل آية … ، وكان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية يرددها حتى الصباح» (٣)، وقال: «وكان رسول الله ﷺ يُسر بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر بها تارة، ويُطيل القيام، ويخفِّفه تارة، ويوتر آخر الليل وهو الأكثر، وأوله، وأوسطه» (٤). ٧ - من السنة أن يُسَلِّم من كل ركعتين. لحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: «قَامَ رَجُلٌ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى، مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (٥).

стр. 36

والمقصود بـ: (مَثْنَى، مَثْنَى) أي: يُصلِّي اثنتين، اثنتين، فيُسلِّم من ركعتين، ولا يُصلِّي أربعاً جميعاً. لحديث عائشة ﵂ الذي تقدَّم، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» (١). ٨ - من السُّنَّة قراءة سور معيَّنة في آخر ثلاث ركعات. يقرأ في الركعة الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط. ويدلّ عليه: حديث أُبَيَّ بنِ كعب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبَّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّها الكَافِرُوْن، وَقُلْ هُوَ الله أَحَدْ» (٢). ٩ - من السنة أن يقنت في وتره أحياناً. قال ابن القيِّم ﵀: «فإنَّ القنوت يُطْلَق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع» (٣)، والمقصود به هنا: الدعاء، وذلك في الركعة الثالثة التي يقرأ فيها سورة الإخلاص، والقنوت في الوتر من السُّنَّة فعله أحياناً، وتركه أحياناً، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والأولى أن يكون الترك أكثر من الفعل. والتعليل: لأنها جاءت أحاديث كثيرة تصف وتر رسول الله ﷺ عن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس وحذيفة، وابن مسعود ﵃، وليس في

стр. 37

شيء منها أنه قنت في الوتر، وعائشة ﵂ من الملازمين للنَّبيِّ ﷺ ومع ذلك لم تنقل أنه قنت في وتره. مسألة: هل ثبت القنوت في الوتر من قول النَّبيِّ ﷺ ، أو فعله؟ القول الأول: أنه ثابت عن النَّبيِّ ﷺ من قوله، وفعله، واستدلوا: أولاً: من فعله: بحديث أُبَيَّ بن كعب ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» (١). ثانياً: ومن قوله: حديث الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في الوتر: «اللهمَّ اهدنيِ فيمنْ هَدَيْتَ، وعَافِنِي فِيمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فيمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شر ما قضيتَ، فَإِنكَ تَقْضي ولا يُقْضى عليكَ، وإنه لا يذِلُّ من واليْتَ، تباركتَ رَبَّنا وتعاليْتَ» (٢). والقول الثاني: أنه لم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ قنوت الوتر، لا من قوله، ولا من فعله. - وأمَّا حديث أُبَيّ بن كعب السابق فهو حديث ضعيف، ضعَّفه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر ﵏. - وأمَّا حديث الحسن بن علي السابق فحديث صحيح، إلا لفظة (قنوت الوتر) في الحديث فهي شاذَّة، رواها أهل السُّنن من طريق: أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن به. - وأمَّا الإمام أحمد فروى الحديث عن: يحي بن سعيد، عن

стр. 38

شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ: «كان يعلمنا هذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت … » (١)، وقالوا: هذا هو المحفوظ؛ لأنَّ شعبة أوثق من كل من رواه عن بريد، فتُقدَّم روايته على غيره. قال ابن خزيمة ﵀: «وهذا الخبر رواه شُعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر، قال: وشعبة أحفظ … ، ولو ثبت الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر، لم يجز عندي مخالفة خبر النَّبيّ ﷺ ، ولست أعلمه ثابتاً» (٢). وقبله قال الإمام أحمد ﵀: «لا يصحّ فيه عن النَّبيِّ ﷺ شيء … » (٣). وهذا القول هو الأظهر -والله أعلم-، إلا أنه ثبت عن الصحابة القنوت في الوتر، وسئل عطاء عن القنوت، فقال: «كان أصحاب النَّبيّ ﷺ يفعلونه»، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵄ كما عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن»، وثبت عن ابن عمر ﵄ عند ابن أبي شيبة. وهل القنوت يكون قبل الركوع، أو بعده؟ اختلف أهل العلم ﵏ في ذلك، وسبب الاختلاف: أنه لم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الباب شيء، وقاسه أهل العلم على قنوت النَّوازل. فقيل: قبل الركوع. واستدلوا بـ: ما رواه عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال: «صَلَّيْتُ

стр. 39

خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ … » (١). وقيل: بعد الركوع. واستدلوا بـ: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ … (٢). وأيضاً حديث أنس ﵁ عند البخاري، وفيه: «بعد الركوع» (٣). والأظهر-والله أعلم-: أنَّ الأمر في ذلك واسع، فيجوز قبل الركوع، وبعده في الركعة الأخيرة، وقد بوَّب البخاري ﵀: [باب القنوت قبل الركوع، وبعده]، لكن القنوت بعد الركوع أكثر في الأحاديث النبوية، كما نصَّ على ذلك جماعة من أهل العلم ﵏ فيُغلَّب على ما قبل الركوع. قال الإمام أحمد ﵀: «وبعد الركوع أحب إلي» (٤)، ويكون هذا من باب تنوع السُّنَّة، فتارة يقنت قبل الركوع، وتارة بعده. قال شيخ الإسلام ﵀: «وأمَّا القنوت، فالناس فيه طرفان ووسط: منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأمَّا فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوِّزون كِلَا الأمرين؛ لمجيء السُّنَّة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثر وأقيس، فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن

стр. 40

حمده، فإنه يشرع الثناء على الله قبل دعائه كما دلَّت فاتحة الكتاب على ذلك أولها ثناء، وآخرها دعاء» (٤). مسألة: وهل يرفع يديه في قنوت الوتر؟. الصحيح: أنه يرفع يديه، وبه قال جمهور العلماء ﵏؛ لثبوت ذلك عن عمر ﵁ كما عند البيهقي وصحَّحه (٥)، وقال البيهقي ﵀: «إن عدداً من الصحابة ﵃ رفعوا أيديهم في القنوت» (٦). مسألة: بأي شيء يبدأ قنوته في الوتر؟. قيل: أنه يبدأ بالدعاء الذي علَّمه النبيُّ ﷺ الحسنَ: «اللهم اهدني فيمن هديت». واستدلوا بِـ: حديث الحسن ﵁ السَّابق، وتقدم أنَّ الحديث صحيح بدون ذكر (قنوت الوتر)، وأيضاً لو صحَّت هذه اللفظة، فليس في الحديث استحباب ابتداء قنوت الوتر بدعاء الحسن ﵁. والقول الراجح -والله أعلم-: أنه يبدأ بحمد الله تعالى، والثناء عليه، ثم يُصلَّي على النَّبيِّ ﷺ ثُم يدعو؛ لأنّ هذا أقرب للإجابة. ويدلّ عليه: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو في صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النبيِّ ﷺ فقالَ النبيُّ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ، فقالَ لَهُ ولِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ الله، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليُصَلِّ عَلَى النبيِّ، ثُمَّ ليَدْعُ بَعْدُ ما شَاءَ» (٧). قال ابن القيِّم ﵀: «المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي
следующие страницы →