← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمقصود بـ: (مَثْنَى، مَثْنَى) أي: يُصلِّي اثنتين، اثنتين، فيُسلِّم من ركعتين، ولا يُصلِّي أربعاً جميعاً. لحديث عائشة ﵂ الذي تقدَّم، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» (١). ٨ - من السُّنَّة قراءة سور معيَّنة في آخر ثلاث ركعات. يقرأ في الركعة الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط. ويدلّ عليه: حديث أُبَيَّ بنِ كعب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبَّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّها الكَافِرُوْن، وَقُلْ هُوَ الله أَحَدْ» (٢). ٩ - من السنة أن يقنت في وتره أحياناً. قال ابن القيِّم ﵀: «فإنَّ القنوت يُطْلَق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع» (٣)، والمقصود به هنا: الدعاء، وذلك في الركعة الثالثة التي يقرأ فيها سورة الإخلاص، والقنوت في الوتر من السُّنَّة فعله أحياناً، وتركه أحياناً، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والأولى أن يكون الترك أكثر من الفعل. والتعليل: لأنها جاءت أحاديث كثيرة تصف وتر رسول الله ﷺ عن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس وحذيفة، وابن مسعود ﵃، وليس في

стр. 37

شيء منها أنه قنت في الوتر، وعائشة ﵂ من الملازمين للنَّبيِّ ﷺ ومع ذلك لم تنقل أنه قنت في وتره. مسألة: هل ثبت القنوت في الوتر من قول النَّبيِّ ﷺ ، أو فعله؟ القول الأول: أنه ثابت عن النَّبيِّ ﷺ من قوله، وفعله، واستدلوا: أولاً: من فعله: بحديث أُبَيَّ بن كعب ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» (١). ثانياً: ومن قوله: حديث الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في الوتر: «اللهمَّ اهدنيِ فيمنْ هَدَيْتَ، وعَافِنِي فِيمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فيمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شر ما قضيتَ، فَإِنكَ تَقْضي ولا يُقْضى عليكَ، وإنه لا يذِلُّ من واليْتَ، تباركتَ رَبَّنا وتعاليْتَ» (٢). والقول الثاني: أنه لم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ قنوت الوتر، لا من قوله، ولا من فعله. - وأمَّا حديث أُبَيّ بن كعب السابق فهو حديث ضعيف، ضعَّفه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر ﵏. - وأمَّا حديث الحسن بن علي السابق فحديث صحيح، إلا لفظة (قنوت الوتر) في الحديث فهي شاذَّة، رواها أهل السُّنن من طريق: أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن به. - وأمَّا الإمام أحمد فروى الحديث عن: يحي بن سعيد، عن

стр. 38

شعبة حدثني بريد بن أبي مريم بلفظ: «كان يعلمنا هذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت … » (١)، وقالوا: هذا هو المحفوظ؛ لأنَّ شعبة أوثق من كل من رواه عن بريد، فتُقدَّم روايته على غيره. قال ابن خزيمة ﵀: «وهذا الخبر رواه شُعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر، قال: وشعبة أحفظ … ، ولو ثبت الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر، لم يجز عندي مخالفة خبر النَّبيّ ﷺ ، ولست أعلمه ثابتاً» (٢). وقبله قال الإمام أحمد ﵀: «لا يصحّ فيه عن النَّبيِّ ﷺ شيء … » (٣). وهذا القول هو الأظهر -والله أعلم-، إلا أنه ثبت عن الصحابة القنوت في الوتر، وسئل عطاء عن القنوت، فقال: «كان أصحاب النَّبيّ ﷺ يفعلونه»، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵄ كما عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وقال: «حديث حسن»، وثبت عن ابن عمر ﵄ عند ابن أبي شيبة. وهل القنوت يكون قبل الركوع، أو بعده؟ اختلف أهل العلم ﵏ في ذلك، وسبب الاختلاف: أنه لم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الباب شيء، وقاسه أهل العلم على قنوت النَّوازل. فقيل: قبل الركوع. واستدلوا بـ: ما رواه عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال: «صَلَّيْتُ

стр. 39

خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ … » (١). وقيل: بعد الركوع. واستدلوا بـ: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ … (٢). وأيضاً حديث أنس ﵁ عند البخاري، وفيه: «بعد الركوع» (٣). والأظهر-والله أعلم-: أنَّ الأمر في ذلك واسع، فيجوز قبل الركوع، وبعده في الركعة الأخيرة، وقد بوَّب البخاري ﵀: [باب القنوت قبل الركوع، وبعده]، لكن القنوت بعد الركوع أكثر في الأحاديث النبوية، كما نصَّ على ذلك جماعة من أهل العلم ﵏ فيُغلَّب على ما قبل الركوع. قال الإمام أحمد ﵀: «وبعد الركوع أحب إلي» (٤)، ويكون هذا من باب تنوع السُّنَّة، فتارة يقنت قبل الركوع، وتارة بعده. قال شيخ الإسلام ﵀: «وأمَّا القنوت، فالناس فيه طرفان ووسط: منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأمَّا فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوِّزون كِلَا الأمرين؛ لمجيء السُّنَّة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثر وأقيس، فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن

стр. 40

حمده، فإنه يشرع الثناء على الله قبل دعائه كما دلَّت فاتحة الكتاب على ذلك أولها ثناء، وآخرها دعاء» (٤). مسألة: وهل يرفع يديه في قنوت الوتر؟. الصحيح: أنه يرفع يديه، وبه قال جمهور العلماء ﵏؛ لثبوت ذلك عن عمر ﵁ كما عند البيهقي وصحَّحه (٥)، وقال البيهقي ﵀: «إن عدداً من الصحابة ﵃ رفعوا أيديهم في القنوت» (٦). مسألة: بأي شيء يبدأ قنوته في الوتر؟. قيل: أنه يبدأ بالدعاء الذي علَّمه النبيُّ ﷺ الحسنَ: «اللهم اهدني فيمن هديت». واستدلوا بِـ: حديث الحسن ﵁ السَّابق، وتقدم أنَّ الحديث صحيح بدون ذكر (قنوت الوتر)، وأيضاً لو صحَّت هذه اللفظة، فليس في الحديث استحباب ابتداء قنوت الوتر بدعاء الحسن ﵁. والقول الراجح -والله أعلم-: أنه يبدأ بحمد الله تعالى، والثناء عليه، ثم يُصلَّي على النَّبيِّ ﷺ ثُم يدعو؛ لأنّ هذا أقرب للإجابة. ويدلّ عليه: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو في صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النبيِّ ﷺ فقالَ النبيُّ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ، فقالَ لَهُ ولِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ الله، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليُصَلِّ عَلَى النبيِّ، ثُمَّ ليَدْعُ بَعْدُ ما شَاءَ» (٧). قال ابن القيِّم ﵀: «المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي

стр. 41

بحمد الله، والثناء عليه بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته كما في حديث فضالة بن عبيد» (١). مسألة: هل يمسح وجهه بيديه بعد دعاء القنوت؟ الصحيح: أنه لا يُسَنُّ مسح الوجه بعد الانتهاء من الدعاء؛ لعدم الدليل على ذلك. - وأمَّا قول عمر ﵁: «كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» (٢)، فهو حديث ضعيف؛ لأنّ مداره على: حماد بن عيسى الجهني، وهو ضعيف لا يُحتَج به، وقد ضعَّف الحديث العراقي، والنووي، وابن الجوزي، وقال يحي بن معين، وأبو زرعة: «حديث منكر»، زاد أبو زرعة: «أخاف ألّا يكون له أصل» -رحم الله الجميع-. وله شاهد من حديث يزيد بن السائب رواه أبو داود، وأحمد، لكنه ضعيف؛ لأنّ مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف. ف السُّنَّة ترك المسح على الوجه بعد الدعاء ؛ لأنه لم يثبت فيه دليل عن النَّبيِّ ﷺ ، ولم يصحّ عن الصحابة ﵃ لا في قنوت الوتر، ولا في غيره، لا داخل الصلاة، ولا خارجها. سُئِل الإمام مالك ﵀ عن الرجل يمسح بكفيه وجهَه عند الدعاء، فأنكر ذلك، وقال: «ما علمت» (٣). وقال المروزي ﵀: «وأمَّا أحمد بن حنبل فحدثني أبو داود قال: سمعت أحمد، وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من

стр. 42

الوتر، فقال: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله». وقال البيهقي ﵀: «فأمَّا مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء فلستُ أحفظ عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعض خارجها، وقد روي فيه عن النَّبيِّ ﷺ حديث فيه ضعف، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأمَّا في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر ثابت ولا قياس، فالأولى ألّا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة» (١). قال شيخ الإسلام ﵀: «وأمَّا مسح وجهه بيديه فليس فيه إلا حديث، أو حديثان لا تقوم بهما الحُجَّة» (٢). ١٠ - الدعاء في ثلث الليل الآخر. من السُّنَن التي تتأكد آخر الليل الدعاء، فإن دعا في قنوته آخر الليل كفاه ذلك، وإن لم يدع فالسنة أن يدعو في هذا الوقت؛ لأنَّه وقت تتأكد فيه إجابة الدعاء، ففيه نزولٌ لله -جلَّ وعلا- يليق بجلاله إلى السماء الدنيا، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (٣).

стр. 43

١١ - يُسنُّ إذا سلَّم من وتره أن يقول: (سبحان الملك القدُّوس) ثلاثاً، يرفع صوته بالثالثة. ويدلّ عليه: حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (١). وفي حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁: «وَيَرْفَعُ بِسُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ» (٢). ١٢ - يُسَنُّ أن يوقظ أهله؛ لقيام الليل. فالرجل يُسنُّ له أن يوقظ أهله؛ لصلاة الليل، وكذا المرأة إذا قامت فإنه يُسَنُّ لها أن توقظ زوجها، وسائر أهلِها، وهذا من باب التعاون على الخير. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّهَا، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ» (٣). وعن أمَّ سلمةَ ﵂ قالت: «استَيقظ النبيُّ ﷺ فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ؟ - يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ- حَتَّى يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسيةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ» (٤).

стр. 44

وفي العشر الأواخر من رمضان يزداد هذا الشأن فعند مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ ، إِذَا دَخَلَ الْعَشر، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر» (١). ١٣ - من السُّنَّة أن يفعل القائم للّيل الأرفق بنفسه؛ لئلا يؤثر على خشوعه. - فإذا أصابه فتور صلَّى جالساً. لحديث أنس ﵁ قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: «مَا هذَا؟» قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسَلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (٢). - وإذا أصابه نعاس نام؛ ليقوم نشيطاً، فيصلِّي بعد ذلك. لحديث عائشة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ؛ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» (٣). - وكذا إذا أصابه نعاس ونحوه وهو يقرأ القرآن بالليل، فإنَّ السُّنَّة أن ينام؛ ليتقوّى. لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِعْ» (٤).

стр. 45

١٤ - السُّنَّة لمن فاته قيام الليل أن يصلِّيه من النهار شفعاً. فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث فنام عن وتره، أو مرض، فلم يستطع أن يُصلِّيه، فإنه يُصلِّيه من النهار أربعاً، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس فنام عن وتره، أو مرض، فإنه يُصليه من النهار سِت ركعات، وهكذا، وقد كان النَّبيّ ﷺ يفعل ذلك، ولأنه كان من عادته ﷺ أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، فإن عائشة ﵂ تقول عن النَّبيِّ ﷺ : «وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى من النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً» (١). * * *

стр. 46

ثانياً: وقت الفجر فيه عِدَّة أعمال هي من هدي النَّبيّ ﷺ : الأذان وفيه عِدَّة سُنَن: ١) متابعة المؤذِّن. يُسَنَّ لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذِّن، إلا في الحيعلتين، فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄ أَنَّهُ سمع النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ … » (٢). وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللّهُ أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ الله. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بالله. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بالله. ثُمَّ قَالَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. قَالَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ الله. قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ الله، مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣).

стр. 47

قال ابن القيِّم ﵀: « … وهذا مقتضى الحكمة المطابقة لحال المؤذن والسامع، فإن كلمات الأذان ذكر فسُنّ للسامع أن يقولها، وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة لمن سمعه، فسُنَّ للسامع أن يستعين على هذه الدعوة بكلمة الإعانة، وهي لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم» (١). - وعند التثويب لصلاة الفجر، فإن من تابع الأذان يقول مثل ما يقول المؤذن: «الصلاة خير من النوم». قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: قوله ﷺ : «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» يدلّ على أنه يقول: الصلاة خير من النوم (٢). قال ابن حجر ﵀: عن ابن جريج أنه قال: «حدثت أنّ النّاس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة» (٣). ٢) قول هذا الذِّكر بعد الشهادتين. يُسَنّ أن يقال بعد ما يقول المؤذن: «أشهد أن محمداً رسول الله» الثانية، ما جاء في حديث سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضيتُ بِالله رَبَّاً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (٤). ٣) الصلاة على النَّبيِّ ﷺ بعد الأذان. لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا

стр. 48

سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشراً، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسيلَةَ حَلَّتْ له الشَّفَاعَةُ» (١). وأفضل أنواع الصلاة: الصلاة الإبراهيمية: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم … ». ٤) قول الدعاء الوارد بعد الأذان. لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسيلَةَ وَالْفَضيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). والوسيلة: وضَّحها النَّبيُّ ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ السَّابق، حيث قال: «ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسيلَةَ حَلَّتْ له الشَّفَاعَةُ» (٣)، والفضيلة: الرتبة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «الدعوة التامَّة: هي الأذان؛ لأنه دعوة، ووصفها بالتامَّة؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير … المقام المحمود يشمل كل مواقف يوم

стр. 49

القيامة، وأخصّ ذلك الشفاعة العظمى» (١). ٥) الدعاء بعد الأذان. لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «أَنَّ رَجُلاً قال: يَا رسولَ الله إِنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فقال رسولُ الله ﷺ : «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ فإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهُ» (٢)، ولحديث أنس ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «الدُعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ لا يُرَدّ» (٣). فائدة: الخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه. ويدلّ عليه: ما رواه مسلم من حديث أبي الشَّعثاءِ ﵁ قال: «كُنَّا قُعُوداً فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بَصرهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٤). سُنَّة الفجر، وفيها عِدَّة سُنَن: وسُنَّة الفجر هي أول السُّنَن الراتبة التي يعملها العبد في يومه، وفيها عدة سُنَن، وقبل بيانها لابد من بيان بعض ما يخص السُّنَن الرواتب، والسُّنَّة الراتبة هي: السُّنَّة الدائمة التابعة للفرائض. اختُلف في عدد السُّنَن الرواتب على قولين: القول الأول: أنَّ عددها عشر ركعات: ركعتان قبل الفجر،

стр. 50

وركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وهذه عشر ركعات متفق عليها بين العلماء كما نقل ذلك ابن هبيرة ﵀ (١). واستدلوا: بحديث ابن عمر ﵄ المتفق عليه، قال: «حَفِظْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشر رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا» (٢). والقول الثاني: أنَّ عددها اثنتا عشرة ركعة، وأنَّ قبل صلاة الظهر أربع ركعات لا ركعتين، وهذا القول هو الأظهر-والله أعلم-. ويدلّ عليه: أ. حديث عائشة ﵂ عند البخاري: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ» (٣). وعند مسلم من حديثها قالت: «كَانَ -أي: النَّبي ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً» (٤). ب. حديث أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (٥)، وأخرجه الترمذي، وزاد: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» (٦).

стр. 51

واختلف أهل العلم في الجمع بين: حديث ابن عمر ﵄ المتفق، وفيه: «أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى قبل الظهر ركعتين» (١)، وبين حديث عائشة ﵂ عند البخاري، وفيه: «أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى قبل الظهر أربع ركعات» (٢). فقيل: إنَّ النَّبي ﷺ تارة يُصلِّي قبل الظهر أربعاً، وتارة يُصلِّي قبلها ركعتين. وقيل: إن مع تعارض الحديثين يؤخذ بالزائد، ويُصلِّي الإنسان أربع ركعات قبل الظهر. وقيل: إن صلَّى في بيته يصلي أربعاً؛ لحديث عائشة ﵂، وإن صلَّى في المسجد يُصلِّي ركعتين؛ لحديث ابن عمر ﵄. والأظهر -والله أعلم-: أنه يؤخذ بالزائد؛ لاحتمال اطلاع عائشة ﵂ في بيتها على ما لم يطلع عليه ابن عمر ﵄؛ ولحديث أم حبيبة ﵂ عند مسلم: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (وفي رواية: غَيْرَ فَرِيضَةٍ)، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». والأفضل أن تؤدَّى السُّنَن الرواتب في البيت، ويدلّ عليه: أ. حديث زيد بن ثابت ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ» (٣). ب. عن ابن عمر ﵄ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ

стр. 52

فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً» (١). ج. عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَضى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصيباً مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ الله جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً» (٢). آكد السّنن الرواتب. آكد السُّنَن الرواتب سُنَّة الفجر. ويدلّ عليه ما يلي: أ. حديث عائشة ﵂ قالت: «لَمْ يَكُنْ عَلَى شيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ، أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ، عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْح» (٣). ب. حديث عائشة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٤). ولمسلم أيضاً عن عائشة ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: «لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً» (٥). ج. جاء في الصحيحين ما يدل على أنَّ النَّبي ﷺ لم يكن يدع سُنَّة الفجر، ولا الوتر لا حضراً، ولا سَفراً. قال ابن القيِّم ﵀: «ولذلك لم يكن يدعها -أي: سُنَّة الفجر- هي، والوتر سفراً وحضراً، وكان في السَّفر يواظب على سُنَّة الفجر، والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السُّنَن، ولم ينقل عنه في السَّفر أنه ﷺ صلَّى سُنَّة راتبة غيرهما» (٦).

стр. 53

سُنَّة الفجر تختص بِعدَّة أمور: أولاً: مشروعيتها في السَّفر والحضر كما سبق، أمَّا غيرها من السُّنَن الرواتب فالسُّنَّة تركها في السَّفَر كراتبة الظهر، والمغرب، والعِشَاء. ثانياً: ثوابها بأنها خير من الدنيا، وما فيها -كما تقدَّم-. ثالثاً: يُسَنُّ تخفيفها، وتقدَّم دليل ذلك. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ أنَّها كانت تقول: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَيُخَفِّفُ حَتَّى إني أقول: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟» (١). ولكن يُشترط: ألّا يكون هذا التخفيف مُخِلّاً بالواجب، أو يُفضي إلى أن ينقر صلاته، فيقع في المنهي عنه. رابعاً: يُسَن أن يقرأ في سُنَّة الفجر، بعد الفاتحة، في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. أو يقرأ بعد الفاتحة، في الركعة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وهذه من السُّنَن التي وردت على وجوه متنوعة، فمرَّة يأتي بهذه، ومرَّة بهذه،

стр. 54

ويدلّ عليه: أ. حديث أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (١). ب. حديث ابن عباس ﵄: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر، في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ … ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي الآخرة منهما: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]» (٢). وفي رواية عند مسلم أيضاً عن ابن عباس ﵄: «أنَّ في الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … ﴾ [آل عمران: ٦٤]» (٣). خامساً: يُسَنّ الاضطجاع على الشِّق الأيمن، بعد سُنَّة الفجر، ويدلّ عليه: أ. حديث عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» (٤). ب. حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي وَإِلاّ اضْطَجَعَ» (٥). واختُلف في هذا الاضطجاع: فقيل: الاضطجاع بعد سُّنَّة الفجر مسنون مطلقا، وبه قال أكثر أهل

стр. 55

العلم ﵏؛ لحديث عائشة ﵂ السَّابق، وأيضاً ممن كان يفعل ذلك، ويفتي به من الصحابة: أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وأبو هريرة ﵃، وبه قال ابن سيرين، وعروة، وبقيَّة الفقهاء السبعة ﵏. وقيل: سُنَّة لمن يقوم ويطيل القيام بالليل؛ ليستريح بهذا الاضطجاع، واختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. وقيل: واجب. وقيل: غير ذلك. والقول الأول هو: الأظهر -والله أعلم-. - الأفضل في صلاة الفجر تعجيلها بأن تُصلًّى بِغَلَس -أي بالظلمة- في أول وقتها، وبه قال الجمهور. ويدلّ عليه: أ. حديث عائشة ﵂ زوج النَّبيِّ ﷺ قالت: «لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ» (١). ب. حديث جابر ﵁: «أنَّ النَّبِي ﷺ كانَ يُصَلِّيْ الصُبْحَ بِغَلَسْ» (٢). - وأمَّا حديث رافع بن خديج ﵁ مرفوعاً: «أَسْفِرُوا (٣) بِالفَجْرِ، فإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأجْرِ» (٤).

стр. 56

فقيل: المراد بذلك: إطالة القراءة، حتى يخرج منها بعد الإسفار. وقيل: الحديث منسوخ. وقيل: المراد تأخيرها حتى يتبيَّن ويتأكد من طلوع الفجر، فلا يشكّ فيه. الذهاب إلى المسجد، وفيه عِدَّة سُنَن: وبما أنَّ صلاة الفجر هي أول صلاة في اليوم يذهب فيها الرجل للمسجد، فإنَّ للذهاب إلى المساجد أموراً يُسَنُّ أن يأتي بها: ١ - يُسَنُّ التبكير بالذهاب إلى المسجد. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (١). والتهجير: هو التبكير للصلاة. وكان السَّلَف ﵏ يحرصون على التبكير للصلاة: عن سعيد بن المسيب قال: «ما أذَّن المؤذِّن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد» (٢)، وقال أيضاً: «ما سمعت تأذيناً في أهلي منذ ثلاثين سنة» (٣). ٢ - أن يخرج من بيته متطهراً؛ لتكتب خطاه. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعاً وَعِشرينَ دَرَجَةً، وَذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا

стр. 57

يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، والْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» (١). ٣ - أن يخرج إلى الصلاة بسكينة، ووقار. لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلَا تُسرعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (٣). قال النووي ﵀: « … السكينة: التأنِّي في الحركات، واجتناب العبث، والوقار: في الهيئة كغض الطرف، وخفض الصوت، وعدم الالتفات» (٤).

стр. 58

٤ - تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، وتقديم اليسرى عند الخروج منه. لحديث أنس ﵁ أنه قال: «من السُّنَّة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» (١)، ولورود ذلك عن ابن عمر ﵄، قال البخاري في صحيحه: [باب التيمن في دخول المسجد وغيره، وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى]، ولحديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّن فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (٢). ولأن القاعدة: أنَّ ما كان من باب التكريم استُحِب فيه تقديم اليمين، وما كان بضد التكريم استحب فيه تقديم اليسار، وما عدا ذلك فالأصل فيه تقديم اليمين. ٥ - أن يقول الذِّكر الوارد عند دخول المسجد، وعند الخروج منه. لحديث أبي حميد، أو أبي أسيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلِ: اللّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلِ: اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» (٣). خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وسر تخصيص طلب الرحمة إذا دخل المسجد؛ لأنه محل تنزل الرحمة فيه ويكون العبد فيه قريبا من ربه فناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل وأيضا من الأوراد التي

стр. 59

تقال عند دخول المسجد، ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» … قَالَ: فَإِذَا قَالَ: ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: «حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ). ٦ - أن يُصلِّي ركعتين تحية للمسجد. وهذا إذا جاء مبكراً للصلاة، فإنه يُسَنّ له ألّا يجلس حتى يصلِّي ركعتين؛ لحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (١). ويكفي عن تحية المسجد السُّنَّة القَبْلِية للصلاة إن كان لها سُنَّة قبلية كالفجر، والظهر، أو سُنَّة الضحى إن دخل المسجد ضحى، أو الوتر إن صلَّاه في المسجد، أو الفرض؛ لأن المقصود من تحية المسجد: ألَّا يجلس حتى يُصلِّي؛ لِمَا في ذلك من عمارة المساجد بالصَّلاة؛ لئلا يرتادها من غير صلاة. ٧ - يُسَن للرجال المبادرة إلى الصَّف الأول، فهو أفضل الصفوف، وللنِّساء أفضلها آخرها. لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشرهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشرهَا أَوَّلُهَا» (٢)،

стр. 60

خيرها: أي أكثرها ثواباً وفضلاً، وشرها: أي أقلّها ثواباً وفضلاً. وهذا الحديث فيما إذا صلَّى الرجال والنَّساء جماعة، وليس بينهما حائل من جدار ونحوه، فتكون خير صفوف النساء آخرها؛ لأنه أسترُ لهنَّ عن أعين الرجال. - وأمَّا إذا كان بينهما حائل كجدار ونحوه، أو كما يكون في كثير من مساجدنا اليوم بأن يُخصَّص للنساء مُصلَّى مستقل ففي هذه الحالة تكون أفضل صفوف النِّساء أولها وهو اختيار الشيخين ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله-؛ لانتفاء عِلَّة القُرب من الرِّجال؛ لأنَّ الحكم يدور مع عِلَّته وجوداً وعدما، ولعموم فضل الصَّف الأول في أحاديثَ منها: أ- حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّل، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ -أي العِشَاء- وَالصُّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً» (١). ب- وحديث جابر بن سمرة ﵁ وفيه قال: خَرَجَ عَلَيْنَا -أي رسول الله ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» (٢)، ويُؤخذ من هذا الحديث أيضاً سُنيَّة التراصّ في الصَّف. قال النَّووي ﵀: «يُستحب الصَّف الأول، ثم الذي يليه،

стр. 61

ثم الذي يليه إلى آخرها; وهذا الحكم مستمر في صفوف الرجال بكل حال، وكذا في صفوف النِّساء المنفردات بجماعتهن عن جماعة الرجال، أمَّا إذا صلَّت النساء مع الرجال جماعة واحدة وليس بينهما حائل، فأفضل صفوف النِّساء آخرها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشرهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشرهَا أَوَّلُهَا» (١) (٢). ٨ - يُسَنُّ للمأموم أن يكون قريباً من إمامه. فالأفضل في حقِّ المأموم من حيث اصطفافه للصَّلاة الصف الأول كما تقدَّم، ثُم يحرص أن يكون قريباً من الإمام، فالأقرب من الجهتين اليمنى أو اليسرى هو الأفضل. ويدلّ عليه: حديث أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «ليَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٣)، فقوله: ليَلِنِي: أي ليقترب مني، وفي هذا دليل على أنَّ القرب من الإمام مطلوب في أي جهة كان. قال ابن مفلح ﵀: «ويتوجه احتمال أن بُعْدَ يمينه ليس أفضل من قُرْب يساره» (٤). نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتبعين للكتاب والسُّنَّة، المبتعدين والنابذين للبدعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. * * *

стр. 62

سُنَن في الصَّلاة للصلاة عِدَّة سُنَن، يَحسُن بالمصلِّي أن يحرص عليها، فمن ازداد عملاً ازداد أجراً، وفضلاً وقرباً، وبمثل هذه السُّنَن تكون المفارقة بين شخصين يدخلان الصلاة في وقت واحد، ويخرجان في وقت واحد، لكن ما بينهما في الأجر والثواب فرق شاسع؛ لأن أحدهما يأتي بالسُّنن مع الأركان والواجبات، والآخر اكتفى بالأركان والواجبات. وللصلاة سُنَن عديدة، نذكر منها ما يلي: أ- السترة، ويُسَنُّ فيها ما يلي: ١) يُسَنُّ اتخاذ السترة. والسترة سُنَّة للإمام والمنفرد، وأمَّا المأموم فسترة الإمام سترة له، ويدل على سنية اتخاذ السترة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً، وفيه: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ … » (١)، والأحاديث في سنيَّة السترة كثيرة فقد استتر النَّبيُّ ﷺ بالسرير، والجدار، والجذع، والخشبة، والحربة، والعَنَزَة، والراحلة، وغير ذلك. والسترة مشروعة في العمران والفضاء، في الحضر والسَّفَر، سواءً خشي ماراً أولم يخشَ؛ لأن الأحاديث لم تفرِّق بين العمران والفضاء،

стр. 63

ولأنَّ النبي ﷺ كان يستتر في حضره وسفره، كما في حديث أبي جحيفة ﵁ (١). ٢) ويُسنُّ الدنو من السترة. وإذا دنى من السترة، فإن السُّنَّة أن يكون بين موضع سجوده وبين السُّترة قدر ممر الشَّاة. لحديث سهل بن سعد السَّاعدي ﵁ قال: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ» (٢)، والمقصود بالمُصلَّى هو: موضع سجوده ﷺ وجاء عند أحمد، وأبي داود أنَّ بينه وبين السترة ثلاثة أذرع (٣)، وهذا باعتبار إذا وقف يكون بينهما كذلك. ٣) يُسَنُّ ردُّ المارّ بين يدي المصلِّي. لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أحد أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شيطَانٌ» (٤). وحديث عبد اللّه بن عمر ﵄ أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَداً يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» (٥). - وأمَّا إذا كان المارّ بين يدي المصلِّي امرأة، أو كلباً أسودَ، أو

стр. 64

حماراً فإنه يجب دفعه على الصحيح؛ لأنها تقطع الصلاة كما في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم (١)، بخلاف غيرها فإنه لا يقطع الصلاة. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «ويُحتمل أن يقال: يفرق بين المار الذي يقطع الصلاة مروره، والمارّ الذي لا يقطع الصلاة مروره، فالذي يقطع الصلاة يجب ردّه، والذي لا يقطع الصلاة مروره لا يجب ردّه؛ لأن غاية ما يحصل منه أن تنقص الصلاة ولا تبطل، بخلاف الذي يقطع الصلاة مروره، فإنه سوف يبطل صلاتك ويفسدها عليك» (٢). وليس لقرن المرأة مع الكلب الأسود، والحمار علَّة جامعة بينهم على الصحيح وإنما لكل واحدة عِلَّة، ففي المرأة فتنة وانشغال لقلب المصلِّي، ولغيرها النجاسة، وكونه شيطان كما قال النَّبيُّ ﷺ : «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شيطَانٌ» (٣). وقيل غير ذلك -والله أعلم-، ولله تعالى حِكمة تخفى على العبيد، وعلى العبيد الانقياد، والتسليم. ٤) يُسَنّ التسوك عند كل صلاة. وهذا هو الموضع الثالث من المواضع التي يتأكَّد معها السِّواك. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٤). ب- أثناء القيام يُسَنُّ ما يلي: ١ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. لحديث ابن عمر ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَرْفَعُ يديه حَذْوَ مَنكِبيهِ إذا

стр. 65

افتَتحَ الصلاةَ، وإذا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رَفعَ رأْسَهُ منَ الرُّكوعِ رفَعَهما أَيضاً وقال: «سَمعَ اللّهُ لمن حَمِده ربَّنا ولكَ الحمدُ»، وكان لا يَفعلُ ذلكَ في السُّجودِ (١). قال ابن هبيرة ﵀: «وأجمعوا على أنَّ رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سُنَّة، وليس بواجب» (٢). وهذا هو الموضع الأول من المواضع التي تُرفع فيها اليدان عند التكبير، وهو محل اتفاق عند العلماء، والبقيَّة محل خلاف عندهم ﵏. ومواضع رفع اليدين التي وردت فيها النصوص أربعة مواضع: (عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه)، وهذه الثلاثة ثابتة في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ كما تقدَّم، والموضع الرابع: عند القيام من التشهد الأول، وهذا ثابت عن ابن عمر ﵄، أيضاً في صحيح البخاري. ٢ - يُسَنُّ عند رفع اليدين أن تكون الأصابع ممدودة. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» (٣). ٣ - يُسَنُّ أن يكون رفع اليدين إلى الموضع المسنون. وجاءت النصوص بوجهين عن النَّبيِّ ﷺ في حدِّ رفع اليدين، فقد

стр. 66

جاء حذو المنكبين في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ (١)، وجاء حذو فروع الأذنين -أي حذو عوالي الأذنين- عند مسلم، من حديث مالك بن الحويرث ﵁ (٢)، فيُنوِّع المصلِّي تارة يفعل هذه، وتارة هذه. ٤ - يُسَنُّ للمصلي بعد تكبيرة الإحرام أن يضع يدَه اليمنى على اليسرى. وهذا بإجماع أهل العلم، كما نقله ابن هبيرة -رحم الله الجميع- (٣) وستأتي أدلته. ٥ - يُسَنُّ أن يقبض بيده اليمنى اليدَ اليسرى. وفي صِفَة وضع اليد اليمنى على اليسرى وجهان، يُستحب للمُصلِّي أن ينوِّع بينهما: الصِّفَة الأولى: يضع يده اليمنى على يده اليسرى؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلاةِ، قَبضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ» (٤). والصِّفَة الثانية: أن يضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى، عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسرى فِي الصَّلَاةِ» (٥). فهو مرَّة يضعها على اليد، ومرَّة على الذراع؛ لينوِّع في تطبيق السُّنَّة.

стр. 67

٦ - يُسَنُّ أن يقول دعاء الاستفتاح. ولدعاء الاستفتاح عِدَّة صيغ، يُستحب أن يُنوِّع بينها، فمرَّة يأتي بهذه الصيغة، ومرَّة بهذه، وممِّا ورد: أ. «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ» (١). وجاء عند مسلم أنَّ عمر ﵁ كان يجهر به؛ ليعلمه الصحابة ﵃ أجمعين- (٢). ب. «الْحَمْدُ للّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ»، وفي فضله قال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشر مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا. أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» (٣). ج. «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشرقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (٤). د. «اللّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالْحَمْدُ للّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللّهِ بُكْرَةً وَأَصيلاً»، وفي فضله قال رسول الله ﷺ : «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» (٥)، وهناك أدعية أخرى تقدَّمت في سُنَنِ قيام الليل.

стр. 68

٧ - الاستعاذة. والاستعاذة سُنَّة، ويُسَنُّ أن يُنوِّع في صيغ الاستعاذة، فمرَّة يأتي بهذه، ومرَّة هذه ومما ورد: أ. «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وهي الصِّفَة التي اختارها جمهور العلماء ﵏؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ب. «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. ٨ - البسملة. فمن السُّنَّة أن يُبسمل بعد الاستعاذة، فيقول: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»؛ لحديث نعيم المجمر ﵁ قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآن … »، وفيه: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١). والصَّارف عن وجوبها: أنَّ النَّبيّ ﷺ لم يُعلِّمها المسيء في صلاته، وإنما أرشده إلى فاتحة الكتاب، كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه (٢). ٩ - التأمين مع الإمام. وذلك إذا قرأ الإمام الفاتحة في الجهرية فإنَّ من السُّنَّة أن يؤمِّن

стр. 69

المأموم إذا أمَّن الإمام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). والتأمين: أن يقول: (آمين)، ومعناها: استجب. ١٠ - قراءة السورة التي بعد الفاتحة. فقراءتها سُنَّة في الركعتين الأولى، والثانية، وهو قول جمهور العلماء ﵏؛ لحديث أبي قتادة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصر فِي الثَّانِيَةِ» (٢). وقول النَّبي ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣)، يُفْهَم منه جواز الاكتفاء بالفاتحة عما بعدها من القراءة، وأمَّا المأموم في الصلاة الجهرية لا يقرأ السورة التي بعد الفاتحة بل يستمع لإمامه. قال ابن قدامة ﵀: «لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنه يُسَنَّ قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة» (٤). ج- أثناء الركوع يُسَنُّ ما يلي: ١. يُسَنُّ وضع اليدين على الركبتين، كالقابض عليهما ويُفرِّج الأصابع. لحديث أبي حميد ﵁ قال: «أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ

стр. 70

يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصر ظَهْرَهُ … » (١)، وفي حديث أبي مسعود ﵁: «وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعَهُ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ … » (٢). ٢. يُسنُّ للراكع أن يمد ظهره مستوياً. لحديث أبي حميد السَّاعدي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ : «وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصر ظَهْرَهُ … » (٣)، و «هَصر ظهرَهُ»: أي ثناه في استواء من غير تقويس. وكذلك يُسَنُّ أن يكون رأسه على مستوى ظهره، فلا يرفعه ولا يخفضه؛ لحديث عائشة ﵂ عند مسلم، وفيه قالت في وصف ركوع النَّبي ﷺ : «وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ» (٤). و «يُشْخِصْ»: بضم الياء وإسكان الشين -أي لم يرفعه-، «وَلَمْ يُصَوِّبْهُ»: بضم الياء، وفتح الصاد -أي لم يخفضه خفضاً بليغاً-. ٣. يُسَنّ للمصلِّي عند الركوع أن يجافي مرفقيه عن جنبيه. أي يباعد يديه عن جنبيه؛ لحديث أبي مسعود ﵁ السابق، وفيه: «ثُمَّ رَكَعَ وَجَافَى يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعَهُ … ، وقال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي» (٥). و (المجافاة): هي المباعدة، لكن هذا مشروط فيما إذا لم يؤذِ مَنْ بجانبه، فإنه لا ينبغي للمصلِّي أن يفعل سُنَّة يؤذي بها غيره من المصلِّين.

стр. 71

قال النووي ﵀ عن المجافاة: «ولا أعلم في استحبابها خلافاً لأحد من العلماء، وقد نقل الترمذي استحبابها في الركوع، والسجود عن أهل العلم مطلقاً» (٦). ٤. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة في الركوع. فيسنُّ للراكع أن يأتي مع (سبحان ربي العظيم) أذكاراً أخرى وردت في الركوع، وممَّا ورد: أ) «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١). ب) «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٢). ج) «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصري، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي» (٣). د) «سبحانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكوتِ وَالكِبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ» (٤). يُسَنُّ أن يأتي بما يستطيع من هذه الأذكار في ركوعه، والسُّنَّة أن يُعظِّمَ الله تعالى في ركوعه؛ لقول النَّبيِّ ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم: «وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ » (٥). - والأفضل أن يلتزم بما ورد عن النَّبيِّ ﷺ من الألفاظ التي تقدَّم ذكرها.

стр. 72

د- الرفع من الركوع، وفيه عِدَّة سُنَن: ١. تطويل هذا الركن. لحديث ثابت البناني عن أنس ﵁ أنه قال: «إِنِّي لَا آلُو (١) أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شيئاً لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِماً، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسي، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسي» (٢). ٢. التنويع في صيغ: «ربنا ولك الحمد» بين ما يلي: أ) «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٣). ب) «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٤). ج) «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٥). د) «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٦). فمرَّة يأتي بهذه، ومرَّة يأتي بهذه. ٣. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة بعد الرفع من الركوع. ومن الأذكار التي تُشرع بعد الرفع من الركوع ما يلي: أ) «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ

стр. 73

شيءٍ بَعْدُ، أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١). والحديث رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁. ب) «الْحَمْدُ للّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ» قال النَّبي ﷺ عن هذا اللفظ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشر مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» (٢). والحديث رواه مسلم من حديث أنس ﵁، ورواه البخاري من حديث رفاعة بن رافع ﵁. ج) «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ» (٣)، وهذه الزيادة جاءت في حديث عبد الله بن أَبِي أَوْفَى ﵁ عند مسلم. وإذا أتى المسلم بهذه الأذكار استطاع أن يطيل هذه الركن. هـ- السجود، وفيه عِدَّة سُنن: ١. يُسَنُّ للساجد أن يجافي عضديه عن جنبه، وبطنه عن فخذيه. لحديث عبد الله بن بحينة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» (٤)، وحديث ميمونة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ، لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ (٥)، أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» (٦)،

стр. 74

وفي هذا المبالغة في التفريج بين اليدين، فالسُّنَّة التفريج بين اليدين ما لم يكن في ذلك أذية لمن حوله، كما مضى في المجافاة في الركوع. ومن السُّنَّة أيضاً إذا سجد المصلِّي أن يفرج بين فخذيه فلا يجمعهما، وأن لا يحمل بطنه على فخذيه، بل يباعد فخذيه عن بطنه؛ لحديث أبي حميد ﵁ في صِفة صلاة النَّبيّ ﷺ : «وَإِذَا سجد فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شيء مِنْ فَخِذَيْهِ» (١). قال الشوكاني ﵀: «والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود، ورفع البطن عنهما، ولا خلاف في ذلك» (٢). ٢. يُسَنّ للسَّاجد أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه القِبْلَةَ. لحديث أبي حميد ﵁ أنه قال: «أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: «فإذا سَجدَ وضعَ يدَيهِ غيرَ مُفتَرِشٍ ولا قابضِهما، واستقبَلَ بأَطرافِ أصابعِ رجلَيهِ القِبلةَ» (٣). - وأمَّا أصابع اليدين أثناء السجود فالسُّنَّة أن تكون مضمومة ويجعل يديه مستقبلة القبلة؛ لِمَا ثبت عن ابن عمر ﵄ في موطأ الإمام مالك، وأيضاً في مصنَّف ابن أبي شيبة عن حفص بن عاصم ﵁ قال: «من السُّنَّة في الصلاة أن يبسط كفيه ويضم أصابعه، ونوجههما مع جهة القِبْلة» (٤).

стр. 75

٣. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة في السجود. فيُسنُّ للساجد أن يأتي مع (سبحان ربي الأعلى) أذكاراً أخرى وردت في السجود، وممَّا ورد: أ) «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٣). ب) «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٤). ج) «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصرهُ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (٥). د) «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسرهُ» (٦). هـ) «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٧). فيُسَنُّ أن يأتي بما يستطيع من هذه الأذكار في سجوده وينوِّع بينها، ومعلوم أنَّ الواجب في الركوع (سبحان ربي العظيم) مرَّة واحدة وما زاد فهو سُنَّة. وكذا في السجود الواجب قول: (سبحان ربي الأعلى) مرَّة واحدة، وأمَّا الثانية، والثالثة فسُنَّة.
следующие страницы →