← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 176–207 · переход к 181.

стр. 176

دلَّ الحديث على استحباب تطيب المرأة الحائض، ومثلها النفساء بعد طُهرها، بأن تتبع بالطيب أثر الدم من بدنها، وليس خاصاً بالفرج فقط، كما هو قول جماعة من أهل العلم؛ لدلالة لفظ الحديث على تتبع أثر الدم أينما كان، والأفضل أن تستعمل في ذلك المسك. فائدة: يؤخذ من الحديث السابق، وقول النَّبيَّ ﷺ : «سُبحانَ اللّهِ، تَطهَّري» مشروعية التسبيح عند التعجب و (سبحان الله) تأتي للتعجب، وتأتي للإنكار، وكان النَّبيّ ﷺ إذا تعجب من شيء قال: (سبحان الله). ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال النَّبيُّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ حينما أجنب، وكَرِه أن يُجالس رسول الله ﷺ على تلك الحال قال النَّبيُّ ﷺ : «سُبْحَانَ الله إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» (١). وفي الصحيحين لمَّا مرَّ رجلان بالنَّبيِّ ﷺ ومعه امرأة قال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢). وكذلك التكبير يأتي للتعجب، ففي الصحيحين سأل عمُر ﵁ النَّبيَّ ﷺ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ (٣). وكذلك ما جاء عند الترمذي، وصححه حينما قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فقال رسول الله ﷺ : «اللهُ أَكْبَر إِنَّهَا السَّنَن» (٤).

стр. 177

فالتكبير، والتسبيح، مشروعان عند التعجب، ومن أهل العلم من كَرِه التكبير عند التعجب، وهو قول مرجوح، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: [باب: التكبير، والتسبيح عند التعجب]، ومثله النَّووي في الأذكار -رحمهما الله-. ٣) قبل الدخول في الإحرام: لحديث عائشة ﵂ قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (١)، ففيه استحباب التطيّب عند الإحرام للحج، أو العمرة، واستحبابه قبل طواف الإفاضة لمن تحلل التحلل الأول. ٤) تطييب الميّت: لحديث أُمِّ عطيَّة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثُلاثَاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً، أَوْ شيئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَال: «أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ» (٢)، والكافور: أخلاط من الطيب. وألحق بعض أهل العلم -كما تقدَّم من كلام النَّووي- استحباب الطيب للزوجة، وكذا الزوج؛ لأن هذا من حُسْن المعاشرة، وحسن الاستمتاع، وكذلك حضور المجامع -أي التي يجتمع فيها الناس، كمجالس العلم والعيدين، ونحوهما قياساً على الجمعة-، وتقدَّمت المواضع التي ورد فيها الدليل -والله أعلم-.

стр. 178

ويُستثنى من استعمال الطِّيب. المُحْرِم رجلاً كان أو امرأة، فإن المعتمر، أو الحاج بعدما يدخل في نُسكه يَحْرُم عليه استعمال الطيب حتى بعد موته إن مات مُحْرِماً؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته، قال النَّبيُّ ﷺ : «وَلا تمسُّوْهُ طِيْباً» (١)، وحديث ابن عمر ﵄ في الرجل الذي سأل النبي ﷺ عمَّا يلبس المحرم من الثياب، فقال النَّبيُّ ﷺ : «وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شيئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ» (٢). والزعفران، والورس كانا من أنواع الطِّيب التي يستخدمونها. وتزيد المرأة في موضعين تُنهى عن التطيَّب فيهما: الأول: إذا كانت حَادَّة على زوج: فإنها تمتنع عن الطِّيب أربعة أشهر، وعشرة أيام. ويدلّ عليه: حديث أم عَطِيَّة ﵂ قالت: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً، وَلَا نَكْتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ» (٣)، وقولها: «فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ». النبذة: هي الشيء اليسير، والقُسط: بضم القاف، ويقال بالكاف المضمومة (كُست) وتاء بدل الطاء، والقسط، والأظفار: نوعان معروفان من أنواع البخور. الثاني: إذا كانت ستمرُّ بمكان فيه رجال أجانب، فإنه يَحْرُم عليها الطِّيب حينئذ.

стр. 179

ويدلّ عليه: حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَت ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى القَوْم لِيَجِدُوا رِيْحَهَا فَهِيَ زَانِيَة» (١). وحديث زينب امرأة عبد اللّه بن مسعود ﵄ قالت: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيباً» (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «أيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُوراً، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ» (٣). - من السُّنَّة التيمُّن عند ترجيل الشَّعَر. والمقصود بترجيل الشعر هو: مشطه، فإنَّ مِنْ السُّنَّة أن يبدأ بالجهة اليمنى، ثم اليسرى. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعجِبهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلهِ وتَرَجُّلهِ وطُهورِه وفي شأنهِ كلِّه» (٤). وتقدَّم أنَّ تقديم اليمنى في أعضاء الوضوء من السُّنَّة، وكذا هو في الغُسل فإنَّ من السُّنَّة البدء بالشق الأيمن قبل الأيسر، وكذلك تقدَّم قريباً أنَّ مِنْ السُّنَّة التيمُّن عند التنعّل، والموضع الثالث الذي يعجب النَّبيُّ ﷺ التيمُّن فيه في هذا الحديث هو: الترجُّل، وهو: تسريح الشعر، ويدخل فيه دهنه -والله أعلم-. وفي قول عائشة ﵂: «في شأنِه كُلِّه» -أي أنه يعجبه التيمُّن في

стр. 180

شأنه كله-، وهذا في الأمور التي هي من باب التكريم، كما قرَّر هذه القاعدة غير واحد من أهل العلم. وجاء في رواية عند البخاري: «يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ» (١) -أي ما لم يمنعه مانع-، وهي إشارة إلى شِدَّة المحافظة على التيمن، ولكن يُخَصُّ من ذلك ما كان من باب التكريم، كالثلاثة الواردة في الحديث، وهي: التنعّل، والترجّل، والطهور، وغيرها مما وردت فيها السُّنَّة كدخول المسجد، وحلق الرأس، والأكل، والشرب، وغيرها من الطيِّبات، مما لم يرد بها دليل على وجه الخصوص. - وأمَّا ما كان من باب الأذى فإنه يبدأ بها باليسار، كالاستنجاء، وخلع النعلين، ودخول الخلاء ونحوه، وهذه قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، والنَّووي ﵄. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «اليمنى أحقّ بالتقديم إلى الأماكن الطيبة وأحق بالتأخير عن الأذى ومحل الأذى» (٢). وعليه فالتقديم بينهما على ثلاث أحوال: الحال الأولى: ما كان من باب التكريم -أي من قبيل الطيبات- فتقدَّم فيه اليمنى رجلاً أو يداً، كالأكل والشرب، واللبس، والوضوء، والغسل، والانتعال، والترجل، وحلق الرأس، ونحوه. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ الذي تقدَّم. الحال الثانية: ما كان من باب الأذى -أي من قُبيل الخبائث- فتُقدَّم فيه اليسرى رجلاً، أو يداً. كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والاستنجاء، وخلع النعلين، والامتخاط، ونحوه.

стр. 181

ويدلّ عليه: حديث أبي قتادة ﵁ المتفق عليه، قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» (١). الحال الثالثة: ما تردد فيه بين الأمرين-أي لم يظهر فيه التكريم، ولم يظهر فيه الأذى والإهانة- فالأصل فيه التيمُّن. ويدلّ عليه: حديث الباب حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ». قال النَّووي ﵀ في شرحه لحديث عائشة ﵂ الذي تقدَّم: «هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي إنما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو: مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصَّلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التَّيامن فيه، وأمَّا ما كان بضده كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك فيُستحب التَّياسر فيه، وذلك كله بكرامة اليمين، وشرفها -والله أعلم-، وأجمع العلماء على أنَّ تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سُنَّة، لو خالفها فاته الفضل وصحّ وضوؤه» (٢). فائدة: يُسنُّ لمن أراد حلق شعره أن يبدأ بالجانب الأيمن، ثم الأيسر

стр. 182

وهذه سُنَّة مندثرة، دلَّ عليها حديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاَّقِ: «خُذْ»، وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسر، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» (١). ومما يُنهى عنه في هذا الباب: التشبَّه من الرجال بالنِّسَاء ومن النِّسَاء بالرجال، والتشبّه بالكفار في اللباس ونحوه، والخيلاء في اللباس، والإسبال، وكشف العورة، ولبس الذهب، والحرير للرِّجال إلا من عذر، وحلق اللحية، وعدم قص الشارب، وإظهار المرأة مفاتنها على وجه غير مشروع، والمرأة تجتنب النَّمص، والوشم وفلج الأسنان وهو: تباعد ما بينها، ووصل الشعر، وتغيير خلق الله تعالى، والصبغ بالسواد. * * *

стр. 183

سُنَن في العطاس، والتثاؤب سنن العُطاس: ١) يُسَنُّ للعاطس أن يقول: «الحمد لله». لحديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» (١). ويسنُّ له أن ينوِّع فيقول أحياناً: «الحمد لله على كل حال»، لما رواه أبوداود: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الْحَمدُ لله عَلَى كلِّ حَال» (٢). ويقول له المشمِّت: «يرحمك الله»، ويُسَنُّ للعاطس أن يردَّ عليه، فيقول: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ»، وكل هذا دلَّ عليه حديث أبي هريرة ﵁ السَّابق. فائدة: تشميت العاطس فرض كفاية وبه قال جمهور العلماء، إذا فعله بعض الحاضرين سقط التكليف عن الباقين، ومع ذلك لا ينبغي تركه خروجاً من استدلال من قال: بفرضية العين.

стр. 184

واستدلوا باستدلال له حظ من النَّظر، وهو: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: « … فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ … ». الحديث (١). ٢) السُّنَّة ألَّا يُشمَّت العاطس إذا لم يحمد الله تعالى. فإذا لم يحمد اللهَ تعالى العاطس فليس من السُّنَّة أن نشمِّته، بل السُّنَّة ألا يُشمَّت؛ لحديث أنس ﵁ قال: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَلَمْ تَحْمَدْ اللَّهَ» (٢)، وهذا من فعله ﷺ وجاء من قوله ﷺ ما رواه مسلم، عن أبي موسى ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يقول: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللّهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإِنَّ لَمْ يَحْمَدِ اللّهَ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ» (٣). ولكن إذا كان المقام مقام تعليم كأن يربي الأبُ ابنَه، أو المعلمُ طلابَه، أو نحو ذلك ممّا هو في مقام التعليم، فإنه يقول له: قل: «الحمد لله»؛ ليربيه على هذه السُّنَّة فقد يكون جاهلاً لسنّيتها. وكذا من كان مزكوماً فإنه لا يُشمَّت بعد الثالثة، فإذا عطس ثلاث مرات يُشمَّت، وبعدها لا يُشمَّت. ويدلّ عليه: ما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ موقوفاً ومرفوعاً، قالَ: «شَمِّتْ أَخاكَ ثَلَاثاً فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ» (٤).

стр. 185

ويؤيده ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: «يَرْحَمُكَ اللّهُ»، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» (١). فتحصَّل مما سبق أنَّ العاطس لا يُشمَّت في حالين: ١) إذا لم يحمد الله تعالى. ٢) إذا زاد على ثلاث مرات؛ لأنَّه مزكوم. سنن التثاؤب: ٣) من السُّنَّة كظم الفم عند التثاؤب، أو ردُّه باليد. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، إِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشيطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشيطَانُ» (٢). وعند مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشيطَانَ يَدْخُلُ» (٣)، فيكون كظم التثاؤب إمَّا بالتحكم عن طريق الفم، وذلك بمنع انفتاحه، أو بضغط الأسنان على الشفة، وإمَّا بوضع اليد على الفم، ونحو ذلك. قال ابن حجر ﵀: «(وأمَّا التَّثاؤبُ فإنما هوَ منَ الشيطان)، قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرِّضا والإرادة

стр. 186

-أي أنَّ الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائباً-؛ لأنها حالة تتغير فيها صورته، فيضحك منه، لا أنَّ المراد أنَّ الشيطان فعل التثاؤب. وقال ابن العربي: «قد بينا أنَّ كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، وأنَّ كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك؛ لأنه واسطته، قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك». وقال النَّووي: «أضيف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه يدعو إلى الشهوات إذ يكون عن ثقل البدن، واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المأكل» (١). - وأيضاً فإن الأفضل للمتثائب ألَّا يرفع صوته بالتثاؤب، كأن يقول: (ها)، أو (آه)، ونحوها من الأصوات التي يصدرها؛ لأنَّ هذا مدعاة لضحك الشيطان عليه. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشيطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ "هَا" ضَحِكَ الشيطَانُ» (٢). وجاء بلفظ عند أحمد ﵀: «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّه مَا اسْتَطَاع، وَلا يَقُل: "آه آه"، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا فَتَحَ فَاهُ، فَإِنَّ الشيطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ أَوْ بِه» (٣).

стр. 187

تنبيه: اعتاد بعض الناس على التَّعوذ من الشيطان بعد التثاؤب، ولا دليل على ذلك بل هو مخالفة لهدي النَّبي ﷺ ؛ لأنه جاء بذكر لم يقله النَّبيُّ ﷺ في هذا الموطن. * * *

стр. 188

سُنَن أخرى يوميَّة قول الذكر الوارد عند دخول الخلاء، والخروج منه. يُسَنُّ لمن دخل الخلاء، أن يقول ما جاء في الصحيحين: عن أَنَس ﵁: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبثِ وَالْخَبَائِثِ» (١). و (الخبُث): بضم الباء: ذكران الشياطين، والخبائث إناثهم، فتكون الاستعاذة من ذكران الشياطين وإناثهم. و (الخبْث): بتسكين الباء: الشر، والخبائث النفوس الشريرة، فتكون الاستعاذة من الشر وأهله، والتسكين أعمّ، وهو أكثر روايات الشيوخ، كما قال القاضي عياض، والخطابي وغيرهما -رحم الله الجميع-. - ويُسَنُّ لمن خرج من الخلاء أن يقول: ما جاء في مسند أحمد، وسنن أبي داود، والترمذي، وصححه الألباني: عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» (٢). فائدة: قيل: مناسبة قول: «غفرانك» أنَّ الإنسان لمَّا تخفَّف من أذيَّة

стр. 189

الجسم، تذكَّر أذيَّة الإثم، فدعا الله تعالى أن يخفف عنه أذيَّة الإثم، كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم ذكره ابن القيم ﵀ (١). وقيل: إنَّ مناسبة ذلك هو: استغفاره؛ لانقطاعه عن الذِّكر حال الخلاء، وقيل غير ذلك. تسنُّ كتابة الوصية. فالوصية سُنَّة لكل مسلم حال المرض، أو الصِّحة؛ لقول رسول اللّه ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِاءٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلاَّ وَوَصيتهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٢)، وذكر الليلتين في الحديث ليس تحديداً، وإنما المراد به ألَّا يمر عليه زمن قصير إلا ووصيته مكتوبة عنده؛ لأنه لا يدري متى يموت، وهذه سُنَّة عامَّة لكل الناس. - أمَّا الوصية فيما عليه من حقوق الله تعالى كزكاة، أو حج، أو كفَّارة، أو حقوق الآدميين كالدَّيْن، وأداء الأمانات، فهذه واجبة لا سُنَّة؛ لأنه يتعلَّق بها أداء حقوق واجبة، لاسيما إذا لم يعلم بهذه الحقوق أحد، [ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب]. السماحة، واللين في البيع والشراء. وذلك بأن يتحلَّى كل من البائع، والمشتري، بالسماحة، واللين أثناء البيع، ولا يتشدَّد كل منهما مع الآخر في المساومة في السِّعر والجدل فيه، بل يتسامحان، فلا يبخس المشتري حق البائع فيطالب بإنزال السِّعر فوق طاقة البائع، أو يُلحَّ عليه بشيء قد يضره، وكذا البائع لا يُضر بالمشتري، فيغالي بسعره، أو نحو ذلك، مما قد يؤدي

стр. 190

لاستغلاله، وخلاصة الأمر: أن يكون تعاملهما مبنيَّاً على السَّماحة، واللين. ويدلّ عليه: حديث جابرِ بنِ عبدِ الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا؛ إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضى» (١). وكذلك إذا طالب بقضاء حَقِّه، فإنَّ من السُّنَّة أن يُطالب بسهولة ولين؛ لقول النَّبي ﷺ : «وإذا اقتضى». قال ابن حجر ﵀: ««وإذا اقتضى»، أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، وفي رواية حكاها ابن التَّين «وإذا قضى» أي: أعطى الذي عليه بسهولة، بغير مطل، وللترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ، سَمْحَ الشراءِ، سَمْحَ الْقَضَاءِ» (٢)، وللنَّسَائي من حديث عثمان ﵁ رفعه: «أَدْخَلَ اللَّهُ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضيا وَمُقْتَضيا الْجَنَّةَ» (٣)، ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ نحوه، وفيه الحضّ على السَّماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة والحضّ على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم» (٤). صلاة ركعتين بعد كل وضوء. وهذه من السُّنَن اليوميَّة التي يترتب عليها فضل عظيم، وهو: دخول الجنة، فعَن أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ:

стр. 191

«يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ (١)، و «دَفَّ نَعْلَيْكَ»: يعني: تحريك نعليك. انتظار الصَّلاة. وانتظار الصلاة من السُّنَن التي يترتَّب عليها فضل عظيم، فهو بانتظاره يأخذ أجر الصلاة، ويدل عليه: حديث أبي هريرة ﵁ أَنْ رسول الله ﷺ قال: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ» (٢). وقوله: «ما لم يُحدِثْ» -أي ما لم يأتِ بشيء ينقض الوضوء-، وجاء عند مسلم: «مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» (٣) -أي أن هذا الثواب مشروط بألَّا يُلحق بأحد أذية في مجلسه-، ولا ينتقض وضوئه. وعن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، بَعْدَ مَا صَلَّى، فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ، وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» (٤). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «هذه الأحاديث في بيان فضل انتظار الصلاة سواء كان ذلك بعد صلاة سابقة، أو تقدَّم الإنسان إلى المسجد

стр. 192

ينتظر الصلاة» (١). وأيضاً حديث أَبِي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ علَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسْاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ» (٢). السِّواك: والسِّواك من السُّنَن المطلقة التي تُفعل في كل وقت، وكان النَّبيّ ﷺ يحث عليه كثيراً حتى قال: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ» (٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ فيه: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٤). - وتتأكد سنيَّة السواك في مواضع تقدَّم ذكر بعضها لاسيما التي تتكرر في اليوم والليلة، كالقيام من الليل، وعند الوضوء، وعند كل صلاة، وعند دخول المنزل -والله أعلم-. تجديد الوضوء لكل صلاة. يُسَنُّ للمسلم أن يُجَدد الوضوء لكل صلاة، فلو توضأ لصلاة المغرب مثلاً ثم صلَّى المغرب، فإذا جاءت صلاة العشاء يُسنُّ له أن يتوضأ، ولو كان على طهارة، فالسُّنَّة أن يتوضأ لكل صلاة وضوءً جديداً.

стр. 193

ويدلّ عليه: حديث عند البخاري قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (١)، وأيضاً من السُّنَّة أن يكون الإنسان على طهارة خلال يومه؛ لحديث ثوبان ﵁ أنَّ النَّبيُّ ﷺ قال: «وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ» (٢). الدُّعاء. والدعاء من أسباب تحقيق رأس الرسالة ولُبِّها، وهو: التوحيد، وذلك حين يُقْبل العبد على ربه داعياً، متضرعاً منيباً إليه سبحانه، متبرئاً من كل شريك، ومن كل حول وقوة إلى حوله وقوته سبحانه، وبه يذوق العبد حلاوة المناجاة، والتذلل والخضوع، وبه تُجلَب النِّعم، وتُدفع النِّقم؛ لأنها عبادة يكون بها تمام الاعتماد على مَنْ عليه كل الاعتماد سبحانه، وغير ذلك من المنافع التي لا تحصره أسطر يسيرة. وهو نوعان: ١ - دعاء عبادة: وهذا النوع يدخل في الذِّكر كما سيأتي. ٢ - دعاء مسألة: وذلك حين يسأل العبدُ ربَه، ويتوجه إليه في قضاء حوائجه. وتقدَّم في ثنايا السُّنَن السابقة مواضع أحرى بأن يستجاب فيها الدعاء، تتردد على المسلم في كل يوم وليلة، وهي: حال السجود، والثلث الأخير من الليل، وما بين الأذان والإقامة، والمقصود هنا:

стр. 194

بيان ما يُسَنُّ للمسلم فعله إذا أراد أن يدعو، فمِن السُّنَن: أ- أن يدعو وهو على طهارة. لحديث أبي موسى ﵁ في الصحيحين، وقصته مع عَمِّه أبي عامر ﵁، حين بعثه النَّبيُّ ﷺ على جيش أوطاس، وفي الحديث: قُتل أبو عامر ﵁، وأوصى أبا موسى ﵁ أن يُقرئ النَّبيَّ ﷺ السلام، ويدعو له، قال أبو موسى: «فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرنا وَخَبَر أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «الّلهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ، أَبِي عَامِرٍ»، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ» (١). ب- استقبال القِبلة. عن عبد اللّه بن عَبَّاس ﵄ قال: حَدَّثنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ إلَى الْمُشركِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشر رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللّهِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ». فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادّاً يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سينْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ … (٢).

стр. 195

ج- رفع اليدين. ويدلّ عليه: حديث ابن عباس ﵄ السابق، وفيه: «فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللّهِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ»، والأحاديث لهذه السُّنَّة كثيرة. د- البدء بالثناء على الله ، والصلاة على رسوله ﷺ -. لِمَا رواه الترمذي، عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ قال: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدْ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ» (١). وفي رواية له: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٢). هـ- دعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى. فيختار من أسماء الله الحسنى ما يلائم دعاءه ويوافقه؛ فإذا سأل الله - سبحانه- الرزق، قال: «يا رزاق»، وإذا سأله الرحمة، قال: «يا رحمن يا رحيم»، وإذا سأله العِزَّة، قال: «يا عزيز»، وإذا سأله المغفرة، قال «يا غفور»، وإذا سأله شفاء قال: «يا شافي». وهكذا يدعو بما يناسب دعاءه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. و- تكرار الدعاء، والإلحاح فيه. ويدلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدَّم حيث قال

стр. 196

النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي»، وما زال يهتف بربه تعالى حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر يلتزمه ويقول له: «يَا نَبِيَّ اللّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ» (١). وكذلك ما جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة ﵁ حينما دعا النَّبيُّ ﷺ لدَوْس، فقال: «اللهم اهْدِ دَوْساً وائْتِ بهم، اللهم اهْدِ دَوْساً وائت بهم» (٢). وكذلك ما جاء في صحيح مسلم، في: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ» (٣)، وهذا تكرار فيه إلحاح. والسُّنَّة أن يدعو ثلاثاً؛ لحديث ابن مسعود ﵁ في الصحيحين، وفيه: «وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلاثًا، وَإِذَا سأَلَ، سَأَلَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ (٤). ز- إخفاء الدعاء. لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وإخفاء الدعاء أقرب للإخلاص، ولذا امتدح الله زكريا ﵇ فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]؛ طلباً للإخلاص على أحد أقوال أئمة التفسير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، أي: ما كانت إلا همسًا بينهم وبين

стр. 197

ربهم ، وذلك أنَّ الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١)، ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ فوائد عديدة لإخفاء الدعاء، يحسن بالمسلم أن يرجع إليها. ومما يُنهى عنه في هذا الباب: الاعتداء بالدعاء، والتكلف والسجع فيه، واستعجال الإجابة، والدعاء بإثم، أو قطيعة الرحم، وأكل مال الحرام يمنع الإجابة، والتردد بالدعاء، وقرن الدعاء بالمشيئة. فائدة: ربما يسأل البعض: ماذا أقول في دعائي؟ فالجواب: ادع بما تريده من أمور الدنيا والآخرة، واحرص في دعائك على جوامع الكَلِم، وهي الأدعية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ففيها سؤال خيري الدنيا والآخرة، وتأمل هذا السؤال حين عُرض على النَّبيِّ ﷺ فأجاب بكلمات عظيمات، تجمع للمسلم الدنيا والآخرة، فما أعظمها من بشارة، وما أجزلها من عطيَّة، فتمسك بهن وتدبرهن. عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵄: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِي ﷺ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي»، وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلاَّ الإِبْهَامَ: «فَإِنَّ هؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ» (٢). وفي رواية له: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» (٣).

стр. 198

فائدة أخرى: يُسَنُّ للإنسان أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، فهي دعوة مستجابة بإذن الله تعالى، وللداعي فضل عظيم، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ» (١). من السنن اليومية ذكر الله تعالى. وباب الذِّكر باب واسع، تقدَّم شيء منه في ثنايا السُّنَن السابقة، والذِّكر مفهومه شامل، وله معنيان: أ) معنى عام: ويشمل كل أنواع العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وقراءة قرآن، وثناء، ودعاء، وتسبيح، وتحميد، وتمجيد، وغير ذلك من أنواع الطاعات؛ لأنها إنما تقام لذكر الله تعالى، وطاعته، وعبادته. قال شيخ الإسلام ﵀: «كل ما تكلَّم به اللسان، وتصوّره القلب مما يقرِّب إلى الله من تعلّم علم، وتعليمه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله» (٢). ب) معنى خاص: وهو ذكر الله بالألفاظ التي وردت عن الله من تلاوة كتابه، أو الألفاظ التي وردت على لسان رسوله ﷺ ، وفيها تمجيد، وتنزيه، وتقديس، وتوحيد لله ، والمقصود في هذه السُّنَّة هو: المعنى الخاص.

стр. 199

وأعظمه: تلاوة كتاب الله تعالى، فالتعبد بتلاوته أسهر عيون السلف، وأقض مضاجعهم ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٨]. فجمعوا في ليلهم تلاوة كتاب الله تعالى، وسائر الأذكار المأثورة عن رسول الله ﷺ ، فللّه درُّه من ليل طاب بإحياء أهله له، ويالخسارتنا وتهاوننا، وتفريطنا، بليالينا، وأسحارنا! وعسى أن تسلَم من عصيان إلهنا، إلَّا ما رحم ربنا تعالى. - كيف كان الصحابة مع القرآن؟ تقدَّم في أول السُّنَن حديث حذيفة وأنَّ النَّبيّ ﷺ قرأ في ركعة واحدة البقرة، ثم النِّساء، ثم آل عمران، وعن أبي وائلٍ عن عبدِ اللَّهِ ﵁ قال: «صليتُ معَ النبيِّ ﷺ ليلةً، فلم يَزَلْ قائماً حتى هَمَمْتُ بأمرِ سَوْء، قلنا: وما هَممتَ؟ قال: هممتُ أن أقعدَ وأذَرَ النبيَّ ﷺ » (١). وفي الصحيحين، عن عبد اللّه بن عَمْرٍو ﵄ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجَدُ قُوَّةً. قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي عِشرينَ لَيْلَةً»، قَالَ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» (٢). ولمَّا كان الصحابة ﵂ أحرص الناس على القرآن، كانوا يتحسرون لفواته؛ فجعل لهم النَّبيُّ ﷺ فرصة يعوِّضون بها ما فاتهم من القرآن، روى مسلم في صحيحه حديث عمر بن الخطَّاب ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ

стр. 200

الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ» (١)، فيا ربِّ ألحقنا بركبهم، واعف عن تقصيرنا، وزللنا. وعن أوْسِ بنِ حذيفة ﵁ قال: «سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرآنَ؟ قَالُوا ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشرةَ، وَثَلَاثَ عَشرةَ، وَحِزْبُ المُفَصَّلِ وَحْدَهُ» (٢)، وفي سنده ضعف؛ لضعف ابن يعلى الطائفي. والمقصود بـ «ثلاث» أي: أول ثلاث سور في أول يوم، ثم الخمس التي تليها في اليوم الثاني، وهكذا حتى يختموا القرآن بأسبوع، هكذا كان الرعيل الأول مع أعظم الذكر وهو: القرآن، وحذا حذوهم من تبعهم من السلف؛ لأنهم تربوا على نهج مدرستهم، فقلَّما تقرأ في ترجمة أحدهم إلا وتجد أنه كان يختم في كذا وكذا، ومعظم هدْيهم التسبيع، أي يختمون كل أسبوع. وعن حماد بن زيد: عن عطاء بن السائب، أنَّ أبا عبد الرحمن قال: «أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن، والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم» (٣). - الذِّكر فيه حياة للقلوب. كثير منَّا لاسيما في هذه الأزمان، وكثرة الانشغال يشكو صدأ قلبه

стр. 201

وغفلته، وحياة القلب تكون بالذِّكر، ففي صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»، وفي لفظ مسلم قال النَّبيُّ ﷺ : «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (٤). قال ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين في فصل (منزلة الذكر): «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة: الذِّكر، وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون، والذِّكر منشور الولاية، الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا … ، وهو جلاء القلوب و صقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلَّما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا ازداد المذكور محبةً إلى لقائه واشتياقًا … ، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته» أ. هـ (١). وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه الوابل الصيب، أكثر من مائة فائدة للذِّكر، يحسن الرجوع إليها، ففيها ما يستنهض الهِمَم للمحافظة على هذه العبادة العظيمة، وعرض فيها نماذج من الذاكرين لاسيما شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). - حث الله على ذِكْره في مواضع عديدة، منها: ١) حث اللهُ عباده؛ لأن يكثروا من الذِّكر، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].

стр. 202

٢) ووعد الله تعالى الذاكرين والذاكرات، بالمغفرة، وعظيم الأجر والثواب، فقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ٣) وحذرنا الله من صفات المنافقين، التي منها قلة ذكر الله تعالى والله المستعان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّساء: ١٤٢]. ٤) وحذرنا الله من الانشغال بالأموال، والأولاد عن ذكره جل وعلا، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. ٥) وتأمَّل معي هذا الفضل العظيم، والشرف الرفيع، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقال في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» (١). ٦) وامتدح الله تعالى أولوا العقول من المؤمنين بأنهم يذكرونه على كل حال، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وفي سنته ﷺ الذي كان خلقه القرآن- ما يُفسر لنا من فعله هذه الآية، فكان الذِّكر ملازماً له على كل أوقاته، وأحواله، تقول عائشة ﵂

стр. 203

كما في صحيح مسلم: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (١). ولك أن تتصوَّر -أخي المسلم- كل أحيانه، وكيف هي كل أو بعض أحياننا، ولا أقول بمماثلتها ولكن بمقاربتها لأحيان النَّبيّ ﷺ ؟. فهل نحن في بعض أوقاتنا من الذاكرين؟! والأعجب من ذلك أنَّ الإمام مسلم روى لنا في صحيحه، كيف يكون ذكره ﷺ حتى في حال انشغاله فعَن الأَغَرِّ الْمُزَنِي ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّهَ فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» (٢). قال النَّووي ﵀: «والمراد هنا ما يتغشى القلب، قال القاضي: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذِّكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه، أو غفل عَدّ ذلك ذنباً، واستغفر منه، قال: وقيل: هو همّه بسبب أمّته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده فيستغفر لهم، وقيل: سببه اشتغاله بالنَّظر في مصالح أمته، وأمورهم، ومحاربة العدو، ومداراته، وتأليف المؤلَّفة، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته … ، وقد قال المحاشي: خوف الأنبياء، والملائكة خوف إعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله تعالى» (٣). - الذِّكر نوعان: مطلَق، ومقيَّد. وينبغي أن يحرص العبد على أن يذكر الله تعالى بقلبه، ولسانه فإنَّ هذا أكمل الأحوال، لا بلسانه فقط، فمن النَّاس مَنْ لا يستشعر ما يقوله

стр. 204

من أذكار؛ لأنه في أذكاره لا يتحرَّك إلا لسانه، ولو تحرَّك القلب، وتدبَّر لزاد الإيمان، ورقَّ القلب. واعلم أيضاً: أيها الأخ المبارك: أنَّ الذِّكر من حيث موضعه على نوعين: ذكر مقيَّد، وذكر مطلق. فالمقيَّد هو: ما قُيِّد بمكان، أو وقت، أو حال. والمطلق هو: ما لم يُعيَّن بشيء من ذلك، وإنما في سائر اليوم. فأذكار ما بعد الصلوات، أو الذِّكر الذي يكون بعد الأذان، وكذا كل ذكر قاله النَّبيُّ ﷺ في مكان، أو وقت معيَّن، فإنه يُقدَّم على سائر الذِّكر المطلق؛ لأنه بهذا يحصل على اتباع النَّبيّ ﷺ فيفعل كفعله ﷺ فلو سلَّم من صلاته المفروضة، فإنَّ الأفضل في حقِّه أن يأتي بأذكار ما بعد الصلاة، ولا يأتي بغيره من الأذكار ولو كان فاضلاً كقراءة القرآن؛ لأنه هكذا فعل النَّبيُّ ﷺ ، والخير تمام الخير في التأسي به ﷺ . - بالذِّكر يكون العبد من السابقين. الحديث عن الذِّكر و فوائده يطول، ولكن ينبغي للمسلم ألَّا يكون ممن قلَّ ذكره لربه، ويبادر للحفاظ على تلك النوائل العظيمة، والفضائل الجسيمة التي تكون في الذِّكر، ويحاول شيئاً فشيئا تعويد نفسه على هذه العبادة، فيعوِّد نفسه التي لطالما نفهت من الطاعة، فيأخذ من سُنَّة النَّبيّ ﷺ نوعاً، ويحافظ عليه مدة حتى إذا استمكن منه وصار هذا الذِّكر من عمله في يومه وليلته، حمل نفسه ورفع توقها، فتاقت لذكر آخر وهكذا، حتى يكون من (المُفَرِّدين)، وهم: الذاكرون الله تعالى كثيراً والذاكرات. فيكون من الذين سبقوا بقول النَّبيّ ﷺ ، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَسيرُ فِي

стр. 205

طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ (جُمْدَانُ)، فَقَالَ: «سيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللّهَ كَثِيراً، وَالذَّاكِرَاتُ» (١). المُفرِّدون عرَّفهم النَّبيّ ﷺ بالذاكرين الله تعالى كثيراً والذاكرات، والمفرِّدون في اللغة من: الانفراد، فكأنهم انفردوا عن غيرهم بذكر الله تعالى فلم يصل إلى ما وصلوا إليه كثير من أقرانهم، كما ذكر بعض أهل العلم، وقبيح أن يكون القلب خالياً من ذكر الله تعالى، واللسان يابساً من ذلك. وقد قال النَّبيّ ﷺ لرجل جاءه قال له: «إِنَّ شرائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ، قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ » (٢). فيا أخي المبارك ما لا يدرك كله لا يُترك كله، فذكر واحد تمسك به حتى تضم إليه غيره، وهكذا خير لك من أن يمضي عمرك، ولم يزدد عملك من هذه العبادة الجليلة. - ومما ورد في سُنَّة النَّبيّ ﷺ من أنواع الذكر كثير، منها ما يلي: ١. عَنْ أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ، مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشر رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سيئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشيطَانِ، يَوْمَهُ ذلِكَ، حَتَّى يُمْسي، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، وَمَنْ قَالَ:

стр. 206

سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١). ٢. وعن أبي أيوب ﵁ قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، عَشر مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (٢). ٣. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فقال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ، كُلَّ يَوْمٍ، أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ. أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» (٣). ٤. عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ، مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عنه خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٤)، وفي رواية عند مسلم: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسي: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» (٥). والأحاديث في أنواع الذِّكر وفضلها كثيرة، والذي تقدَّم هو من أشهر وأصحّ ما ورد من الذِّكر مما له فضل، وورد غيره كثير، فعن أبي موسى الأَشْعَرِي ﵁ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ

стр. 207

مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: «قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللّهِ» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ للّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ، وَاللّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (٢). والاستغفار أيضاً هو من أنواع الذِّكر، وتقدَّم حديث الأغرِّ المُزني ﵁ عند مسلم، وقول النَّبيّ ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (٣). وهذا فعله ﷺ ، وقد حثَّ على الاستغفار من قوله، كما في صحيح مسلم عن الأغرِّ ﵁ أيضاً قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «يا أيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (٤). وعند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ ﷺ يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٥)، فينبغي للعبد ألَّا يغفل عن الاستغفار. وأختم سُنَّة الذِّكر -وكذا جميع السُّنَن اليوميَّة- بذكر عظيم جاء في الصحيحين، ختم به البخاري صحيحه، وختم به ابن حجر كتابه بلوغ المرام -رحمهما الله-، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمنِ: سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللّهِ الْعَظِيمِ» (٦). الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات