← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يَدَعْهَا لِلشيطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» (١). والمتأمل للحديث يجد الشيطان حريصاً على مشاركة الإنسان في كل أموره؛ لينزع البركة من حياته، ويفسد عليه كثيراً من شأنه، ومما يدلّ على حرصه على ملازمة العبد في كل أموره قوله ﷺ : «إِنَّ الشيطَانَ يَحْضر أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِنْ شَأْنِهِ»، وجاءت الأدلة مبينة بعضا من هذه الأمور على وجه الخصوص، منها ما تقدَّم ذكره في الطعام، والمبيت، وسيأتي غير ذلك في السُّنَن القادمة -بإذن الله تعالى-. ٤ - لعق الأصابع. ولعقها -أي لحسها بطرف اللسان-، فالسُّنَّة أن يلعقها، أو يُلعِقْها غيره كزوجته مثلاً، بل السُّنَّة ألَّا يمسح ما يعلق بيده بمنديل، ونحوه حتى يلعقها. ويدلّ عليه: حديث جابر ﵁ السابق. وفي الصحيحين من حديث ابن عبّاس ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا» (٢). وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: «وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» (٣). ٥ - سَلْتُ القَصْعَة. والمقصود مِنْ سَلْتِ القَصْعَة: تنظيف الآكل حافته من الطعام،

стр. 142

فمثلاً: من يأكل أرزاً، فإن السُّنَّة ألّا يُبْقِي شيئاً في حافته التي يأكل منها، فيمسح ما بقي في حافته، ويأكله، فقد تكون البركة في هذا المتبقي. ويدلّ عليه: حديث أنس ﵁ قال: «وَأَمَرَنَا -أيّ النَّبيّ ﷺ أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ» (١) رواه مسلم، وفي رواية له من حديث أبي هريرة ﵁: «وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ» (٢). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «أمره بإسلات الصحن أو القصعة، وهو: الإناء الذي فيه الطعام، فإذا انتهيتَ فأسلِتْه، بمعنى: أن تتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك، وتلعقها، فهذا أيضاً من السُّنَّة التي غفل عنها كثير من الناس مع الأسف حتى من طلبة العلم أيضاً، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم ما زال الأكل باقياً فيها، لا يلعقون ما في الصحفة، وهذا خلاف ما أمر به النَّبي ﷺ » (٣). ٦ - الأكل بثلاث أصابع. والسُّنَّة أن يأكل بثلاث أصابع، وهذا فيما يُحمل بثلاث أصابع كالتمر مثلاً. ويدلّ عليه: حديث كَعْبِ بْنِ مالك ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» (٤). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «ينبغي للإنسان أن يأكل بثلاث أصابع: الوسطى، والسبابة، والإبهام؛ لأن ذلك أدلُّ على عدم الشره،

стр. 143

وأدلّ على التواضع، ولكن هذا في الطعام الذي يكفي فيه ثلاث أصابع، أمَّا الطعام الذي لا يكفي فيه ثلاث أصابع مثل: الأرز، فلا بأس بأن تأكل بأكثر، لكن الشيء الذي تكفي فيه الأصابع الثلاثة يقتصر عليها، فإن هذا سُنَّة النَّبي ﷺ » (١). قال النَّووي ﵀: وقوله ﷺ : «لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ» معناه -والله أعلم: أنَّ الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله؛ لتحصل البركة، وأصل البركة: الزيادة، وثبوت الخير، والإمتاع به، والمراد هنا -والله أعلم-: ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على طاعة الله تعالى وغير ذلك» (٢). ٧ - التنفس خارج الإناء ثلاثاً. مِنْ السُّنَّةِ شرب الإناءِ على ثلاث دفعات، والتّنفس بعد كل واحدة. ويدلّ عليه: حديث أَنَسٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشرابِ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ: «إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ»، قَالَ أَنَسٌ ﵁: «فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشرابِ ثَلَاثاً» (٣)، وفي رواية أبي داود: «أهنأ» (٤)، بدل قوله: «أَرْوَى».

стр. 144

والمقصود من التنفس في الإناء: التنفس أثناء شربه للإناء، بمعنى: أنه يتنفس خارج الإناء؛ لأنَّ التنفس في الإناء مكروه؛ لحديث أبي قَتادة ﵁ في الصحيحين، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شربَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ» (١). قال النَّووي ﵀: «وقوله ﷺ : «أروى» من الرِّيّ، أي: أكثر ريّاً، وأمرأ، وأبرأ مهموزان، ومعنى: «أبرأ»، أي: أبرأ من ألم العطش، وقيل: «أبرأ»، أي: أسلم من مرض، أو أذى، يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى: «أمرأ»، أي: أجمل انسياغاً -والله أعلم-» (٢). ٨ - حمد الله تعالى بعد الطعام. ويدلّ على هذه السنة: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إِنَّ اللّه لَيَرْضى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشربَ الشربَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (٣). وتأمل أن حمدك الله بعد الشرب أو الأكل يرضي الله تعالى من فوق سبع سماوات، فأدم شكره على نعمه، وحمده على فضله؛ لتكون ممن اصطفاهم الله بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وللحمد صيغ متنوعة، منها: أ. «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» (٤).

стр. 145

ب. «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مَكْفُورٍ» (١). (غيرَ مَكفِيٍّ): أي: غير محتاج إلى أحد، فهو الذي يطعم عباده ويكفيهم، (ولا مُودَّع): بفتح الدال، وتشديدها، أي: غير متروك، (كَفَانَا): من الكفاية، و (أرْوَانَا): من الرِيّ، (وَلَا مَكْفُورٍ): أي: مجحود فضله ونعمته. ٩ - الاجتماع على الطعام. من السُّنَّة الاجتماع على الطعام، وعدم التفرُّق فيه. ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد اللّه ﵄ يقول: سِمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٢). قال ابن حجر ﵀: «وعند الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ ما يرشد إلى العِلَّة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ» (٣) الحديث، فيؤخذ منه أنَّ الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة» (٤). قال ابن القيم ﵀: «وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره، تأثيرٌ عجيب في نفعه واستمرائه، ودفع مضرته، قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحُمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِل» (٥).

стр. 146

١٠ - مدح الطعام إذا أعجبه. مِنْ السُّنَّة: مدح الطعام إذا أعجبه، ولا شكّ أنه لا يمدحه إلا بما فيه. ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد اللّه ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلاَّ خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: «نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ. نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ» (١)، والخَلُّ من أنواع الإدام عندهم وهو حلو ليس حامض، كالخل الذي عندنا اليوم. وبوَّب النووي ﵀ في رياض الصالحين على هذا الحديث: [باب: لا يعيب الطعام، واستحباب مدحه]. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وهذا أيضاً من هدي النَّبيّ ﷺ أنه إذا أعجبه الطعام أثنى عليه، وكذلك مثلاً لو أثنيت على الخبز، قلت: نعم الخبز خبز بني فلان، أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضاً سُنَّة الرسول ﷺ » (٢). والمتأمل لواقعنا يجد كثيراً ما يقع الناس في خلاف سُنَّة النَّبيّ ﷺ فهم لم يكتفوا بترك السُّنَّة بل خالفوها أيضاً، وذلك بعيبهم للطعام، وذمهم له في بعض الأحيان، وهذا خلاف هديه ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرةَ ﵁ قال: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ» (٣). ١١ - الدعاء لصاحب الطعام. ويدلّ عليه: حديث عبد اللّه بن بُسر ﵁ قال: «نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ

стр. 147

عَلَى أَبِي، قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً وَوَطْبَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ، وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ أُتِيَ بِشرابٍ فَشربَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ فَقَالَ أَبِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللّهَ لَنَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» (١). و (الوَطْبَة): هي الحيس الذي يجمع التمر البرني، والأقط المدقوق، والسمن. - ولو أخرج مَنْ أكل التمر كما أخرج النَّبي ﷺ النَّواة فهو أفضل، فإنَّ الحديث دلَّ على أنَّ النَّبي ﷺ يخرج نوى التمر بين السبابة، والوسطى، ويجمعهما. - ومِن السُّنَّة حتى وإن كان صائماً أن يحضر الوليمة، ويدعو لصاحب الطعام، ولو لم يأكل. ويدلّ عليه: حديث أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ» (٢)، ومعنى (فَلْيُصَلِّ): أي فليدع لهم؛ لأنَّ الصلاة لغة: الدعاء. ١٢ - استحباب أن يسقي الشارب مَنْ على يمينه قبل يساره. والمقصود: أنه إذا شرب فمن السُّنَّة أن يعطي مَنْ على يمينه قبل شماله. ويدلّ عليه: حديث أَنَسِ بن مالك ﵁ قال: «أَتَانَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ

стр. 148

فِي دَارِنَا، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ، قَالَ: فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ ، فَشربَ رَسُولُ اللّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وِجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ مِنْ شربِهِ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ، يَا رَسُولَ اللّهِ يُرِيهِ إيَّاهُ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ الأَعْرَابِيَّ، وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ»، قَالَ أَنَسٌ ﵁: «فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّة» (١). وحديث سَهْلِ بن سعد السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ أُتِيَ بِشرابٍ، فَشربَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشياخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟» فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا، وَاللّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصيبِي مِنْكَ أَحَداً، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (٢). قال النَّووي ﵀: «في هذه الأحاديث بيان هذه السُّنَّة الواضحة، وهو موافق لما تظاهرت عليه دلائل الشرع من استحباب التَّيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه: أن الأيمن في الشراب ونحوه يقدَّم، وإن كان صغيراً أو مفضولاً؛ لأن رسول الله ﷺ قدَّم الأعرابي، والغلام على أبي بكر ﵁، وأمَّا تقديم الأفاضل، والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدَّم الأعلم، والأقرأ، على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة» (٣).

стр. 149

١٣ - ساقي القوم آخرهم شرباً. يُسن لمن يسقي جماعة أن يكون آخرهم شرباً. ويدلّ عليه: حديث أبي قتادة ﵁ الطويل، وفيه: قال: « … فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي، وَغَيْرُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ ، قَالَ ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: «اشربْ»، فَقُلْتُ: لَا أَشربُ حَتَّى تَشربَ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شرباً»، قَالَ: فَشربْتُ وَشربَ رَسُولُ اللّهِ … » (١). فائدة: ومن السُّنَّة لمن شرب لبناً أن يتمضمض بالماء بعد شربه للبن؛ ليزيل ما في فمه من الدسم الذي يكون من اللبن. ويدلّ عليه: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شربَ لَبَناً، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ، وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ دَسَماً» (٢). ١٤ - تغطية الإناء، وذكر اسم الله تعالى عند قدوم الليل. يُسَنُّ تغطية الإناء المكشوف عند قدوم الليل، وإيكاء السقاء - أي: إغلاقه- إن كان له غلقاً، وذكر اسم الله عند ذلك. ويدلّ عليه: حديث جابر بْنِ عبد اللّه ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَقُولُ: «غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلاَّ نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذلِكَ الْوَبَاءِ» (٣)،

стр. 150

وعند البخاري من حديث جابرٍ ﵁ أيضاً: «وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شيئًا» (١). - وفي الحديث بيان العِلَّة التي من أجلها أُمر المسلم بإغلاق وتخمير - أي: تغطية- كل إناء؛ وذلك أنه في أحدى ليالي كل سَنَة ينزل وباء، والوباء هو: المرض، فلا يترك إناء، ولا سقاء مكشوفاً إلا نزل فيه، فكم من إنسان أصابه المرض بعد شربه لإناء مكشوف أصابه ما نزل من الوباء، ولا يعلم أنه بسبب تفريطه بهذه السُّنَّة! فيا الله ما أعظم شريعتنا فيها الخبر عن نفع العبد، وصحته، في الدنيا والآخرة!. ويا الله ما أعظم غفلتنا، وتفريطنا في استحضار عظمة ديننا!. - وفي الحديث دلالة على أهمية الحفاظ على هذه السُّنَّة، حتى أرشد النَّبي ﷺ ، إلى أدنى الأمور لحفظ الإناء، بأن: من لم يجد ما يغطِّي به إناءه أن يعرض على إنائه شيئاً ولو عوداً، وجاء عند البخاري ما يبيِّن أن التغطية للطعام والشراب، وليس خاصاً بالشراب فقط، فعن جابر ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشرابَ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ» (٢). - وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم في رواية أخرى ما يدلّ على أنَّ هناك عِلَّة أخرى من تغطية الأواني، وهي: أنَّ الشيطان حريص على إفساد طعام الإنسان، واستحلاله. قال النَّبي ﷺ : «غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ،

стр. 151

وَأَطْفِئُوا السراجَ، فَإِنَّ الشيطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَاباً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُوداً، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللّه» (١). - وفي الحديث بيان سُنَّة أخرى، وهي: عند إيكاء السقاء، وتغطية الإناء، يُسَنَّ ذكر اسم الله تعالى، كأن يقول: «بسم الله»، ولا شكّ أنَّ في هذا إبعاد للشياطين أن تستحله. وهنا وقفة: تأمل -أخي المبارك-: كيف أنَّ الشيطان حريص على ملازمة العبد، وإفساد أمور دينه، ودنياه، فهو كما تقدَّم: - يأكل ويشرب، ويبيت، ويبول، كما قال النَّبيُّ ﷺ في الحديث المتفق عليه، في الرجل الذي نام ليلةً حتى أصبح، قال: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشيطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ» (٢). - ويضحك: وذلك إذا تثاءب الإنسان ولم يكظم، أو يغطِّ فاه -كما سيأتي-. - ويبكي: وذلك إذا سجد العبد في سورة فيها سجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: «أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ؛ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ؛ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» (٣). - ويهرب وله ضراط: عند الأذان، كما في الصحيحين، قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشيطَانُ، وَلَهُ ضراطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ

стр. 152

التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ؛ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضى التَّثْوِيبَ؛ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» (١). - ويجلس بين الظل والشمس: ولذا نُهي عن ذلك كما في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصححه الألباني. - ويمشي بنعل واحدة؛ كما عند الطَّحاوي، وصححه الألباني؛ ولذا جاء في الصحيحين النَّهي عن المشي بنعل واحدة. - وأحب العمل إليه: الإفساد، والتفريق بين الزوجين، كما جاء عند مسلم من حديث جابر ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سرايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شيئاً، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (٢). - ومفتاح عمله (لو): كما في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كان كذا وكذا، وَلكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطَانِ» (٣). - وهو حريص على إفساد صلاة العبد -كما تقدَّم-: وكما في حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ عند مسلم أنه أتى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّ الشيطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي، وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يَلْبِسُهَا عَلَيَّ،

стр. 153

فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «ذَاكَ شيطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثاً»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللّهُ عَنِّي (١). - ومن خلال ما سبق فهو يحضر العبد في طعامه، وشرابه، ومبيته، وفراشه، وتثاؤبه، وفي صلاته، وهو يبول، ويضحك، ويفرِّق بين الزوجين، ويفسد على العبد عبادته، وعقيدته أيضاً، ففي الصحيحين، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «يَأْتِي الشيطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ» (٢). وجماع ذلك وأكثر أنه يحضر في كل شيء من شؤون العبد -كما تقدَّم-؛ لقول النَّبيّ ﷺ : «إِنَّ الشيطَانَ يَحْضر أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِنْ شَأْنِهِ» (٣)، ولذا على العبد أن يكون حذراً من وسوسته، وإفساده؛ لئلا يفقد كثيراً من أمور الخير، ولئلا تُنزع البركة من كثير من شؤونه، ومن ذلك عند جماعه لأهله، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللّهِ، اللّهُمَّ جَنِّبْنَا الشيطَانَ، وَجَنِّبِ الشيطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُم وَلَدٌ فِي ذَلِك، لَمْ يَضرهُ شيطَانٌ أَبَداً» (٤)، وكذا في قراءته لآية الكرسي عند نومه إبعاد للشيطان حتى يصبح، كما ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (٥)، والله أعلم.

стр. 154

و مما نُهي عنه في هذا الباب: باب الطعام، والشراب: الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وأكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، والشرب قائماً لغير حاجة، والتنفس في الإناء، والأكل متكئاً، والأكل بالشمال، والقِران بين التمرتين (وذلك إذا كان الإناء مشتركاً بين جماعة، فإنه يُنهى عن أخذ اثنتين، حتى يستأذن مَنْ معه، ويُقاس على التمر: بقية الأصناف التي على شاكلته)، وعيب الطعام، والشرب من فم السِّقاء، أو القربة لغير حاجة (وذلك إذا كان مشتركاً، وأمَّا إن كان خاصاً به، فلا بأس إن عُلمت نظافتها)، والإكثار من الطعام، والصَّلاة بحضرة الطعام إذا كان يشتهيه. * * *

стр. 155

سُنَنَ في السلام، و اللِّقاء، و المجالسة سنن في السلام: ١) من السُّنَّة: إلقاء السلام. والأدلة على السُّنيَّة كثيرة مستفيضة، ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللّهَ فَشمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» (١). ووجه الشاهد: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ»، وكذلك فعل النَّبيّ ﷺ ، وصحابته في أحاديث كثيرة تدل على سنيَّة إلقاء السلام. - وأمَّا ردُّه فهو: واجب، ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. والأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف له، ونقل الإجماع على وجوب الرد غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن حزم، وابن عبد البر، والشيخ تقي الدين وغيرهم -رحم الله الجميع- (٢). وأفضل لفظ بالسَّلام، والردّ، وأكمله، الانتهاء إلى: (وبركاته)

стр. 156

فيقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فإن هذه أحسن تحية وأكملها. قال ابن القيم ﵀: «وكان هديه -أي النَّبي ﷺ انتهاء السَّلام، إلى: (وبركاته)» (١). وقال ابن عبد البر ﵀: «وقال ابن عباس، وابن عمر: انتهى السلام إلى البركة، كما ذكر الله عن صالح عباده: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وكانا يكرهان أن يزيد أحد في السَّلام على قوله: وبركاته» (٢)، وبناءً عليه فلا تثبت زيادة (ومغفرته) في السَّلام. قال ابن القيم ﵀: «وذكره أبو داود من حديث معاذ بن أنس ﵁، وزاد فيه: ثم أتى آخرٌ فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: (أربعون) فقال: هكذا تكون الفضائل، ولا يثبت هذا الحديث، فإن له ثلاث علل … » (٣)، ثم ذكر العلل ﵀. وإفشاء السلام: سُنَّة بل سُنَّة مرغَّب بها بفضل عظيم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ» (٤). ٢) استحباب تكرار السلام ثلاثاً، إن دعت الحاجة لذلك. كأن يشك في سماع المُسَلَّم عليه حينما سلَّمَ عليه أول مرَّة؛ فيستحب أن يُكرِّر السلام مرتين، وإن لم يسمع فثلاثاً، وكذا إذا دخل على جمع كثير، كأن يدخل على مجلس كبير، فيه جمع كثير، فلو سلَّم

стр. 157

مرَّة في أول دخوله لم يسمعه إلا من كان أول المجلس، فيحتاج إلى أن يُسلِّم ثلاثاً؛ من أجل أن يستوعب جميع مَنْ في المجلس. ويدلّ عليه: حديث أنس ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا؛ حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا» (١). قال ابن حجر ﵀: «وأنَّ السَّلام وحده قد يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيراً، ولم يسمع بعضهم وقصد الاستيعاب، وبهذا جزم النووي في معنى حديث أنس ﵁ وكذا لو سلَّم، وظن أنه لم يُسمع، فتُسَنّ الإِعادة، فيعيد مرَّة ثانية، وثالثة، ولا يزيد على الثالثة» (٢). ويؤخذ من حديث أنس ﵁ السَّابق، سنيَّة إعادة الكلمة ثلاثاً إذا دعت الحاجة للتكرار، كأن يتكلم ولا تفهم عنه الكلمة، فيُسنُّ أن يكرِّرها، فإن لم تُفهم كرَّرها الثالثة. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «لكنه يتكلم ثلاثاً إذا لم تفهم الكلمة عنه، أمَّا إذا فُهِمت فلا يكرِّر، لكن لو لم تُفْهَم؛ لكون المخاطب ثقيل السمع، أو لكثرة الضجة حوله، أو ما أشبه ذلك؛ فليعد مرتين، فإن لم تكفِ فثلاث» (٣). ٣) من السُّنَّة تعميم السلام على من عرفت، ومن لم تعرف. لحديث عبد الله بن عَمْرٍو ﵄: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ

стр. 158

لَمْ تَعْرِفْ» (١). - وأمَّا إذا كان السلام من حيث إفشائه على الخاصة الذين تعرفهم فقط، فهذا إفشاء مخالف للسُّنَّة، وهو من علامات الساعة؛ كما جاء في مسند الإمام أحمد، وصححه الألباني، من حديث ابن مسعود ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشراطِ السَّاعَةِ إِذَا كَانَتْ التَّحِيَّةُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ» (٢)، وفي رواية: «إِنَّ مِنْ أَشراطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا لِلْمَعْرِفَةِ» (٣)، وفي رواية: بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ (٤). ٤) السُّنَّة أن يكون ابتداء السلام ممن جاءت السُّنَّة بابتدائه. عن أبي هريرة ﵁ يقول: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشي، والمَاشي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ» (٥). وفي رواية للبخاري: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» (٦). ولا يعني مخالفة الأولى بالسَّلام الكراهة، بل لا بأس به، كأن يسلم الكبير على الصغير، أو الماشي على الرَّاكب، ونحو ذلك. - فإن تكافأ الوصفان بأن كان راكب وراكب آخر، فأيهما يبدأ بالسلام؟

стр. 159

أو كأن يكون جماعة، وجماعة أخرى متكافئة في العدد فأيهما يبدأ؟ الحق مشترك حينئذ؛ لتكافئهما، فالخيريَّة لمن يسبق بالسَّلام، فخيرهما الذي يبدأ بالسَّلام؛ لحديث أبي أيُّوب الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذَا، وَيُعْرِضُ هذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (١). ٥) من السُّنَّة السلام على الصِّبيان. لحديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَمْشي مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» (٢). وفي السَّلام على الصبيان: حملٌ للنَّفس على التواضع، وتعويد للصبيان على هذه الشعيرة، وإحياؤها في نفوسهم. ٦) من السُّنَّة السَّلام عند دخول البيت. وهذا يدخل في عموم السَّلام، وذلك بعدما يستاك؛ لأنَّ السِّواك سُنَّة عند دخول المنزل، وهذا هو الموضع الرابع من مواضع تأكُّد سنيَّة السواك؛ لحديث عائشة ﵂ عند مسلم قالت: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» (٣)، فإذا بدأ بيته بالسِّواك دخل وسلَّم على أهل البيت، حتى أن بعض أهل العلم قال: من السُّنَّة أن تسلِّم إذا دخلت أي بيت ولو لم يكن فيه أحد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].

стр. 160

قال ابن حجر ﵀: «ويدخل في عموم إفشاء السَّلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ … ﴾ … » (١). والسُّنَّة أن يُسَلِّم على أهل أي بيت يدخله، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]. فائدة: تحصَّل مما سبق أنه يُسَنُّ عند دخول المنزل ثلاث سُنَن: الأولى: ذكر اسم الله تعالى لاسيما ليلاً. لحديث جابر بْنِ عبد اللّه ﵄ أَنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشيطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشيطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَالْعَشَاءَ» (٢). الثانية: السِّواك ؛ لحديث عائشة ﵂ عند مسلم، وقد تقدَّم (٣). الثالثة: السَّلام على أهل البيت. ٧) من السُّنَّة خفض الصوت بالسَّلام، إذا دخل على قوم، وفيهم نائمون. وهكذا كان يفعل النَّبي ﷺ ، كما في حديث المقداد بن

стр. 161

الأسود ﵁ ففيه قال: « … فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشربُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنَّا نَصيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لَا يُوقِظُ نَائِماً، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ» (١). ٨) من السُّنَّة تبليغ السَّلام. تبليغ السَّلام سُنَّة -على خلاف بين أهل العلم كما سيأتي باختصار- كأن يقول لك شخص: «سلِّم لي على فلان»، فإنَّ من السُّنَّة أن توصِّل هذا السَّلام لصاحبه. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللّهِ (٢). ففي الحديث إيصال السَّلام لصاحبه؛ كما أوصل النَّبيُّ ﷺ سلام جبريل ﵇ على عائشة ﵂، ويؤخذ من الحديث أيضاً سنيَّة بعث السَّلام مع أحد. اختُلِف في حكم تبليغ السلام: - إذا أُوكِل لشخص أن يحمل سلاماً ويوصله لآخر، كأن يقول له: «سلِّم لي على فلان»، هل يجب على الحامل للسَّلام أن يبلِّغ السلام أو لا؟ على قولين: قيل: يجب؛ لأنه يشبه الأمانة، وإيصال الأمانة واجب، واختاره النَّووي ﵀. وقيل: سُنَّة؛ لأنه يشبه الوديعة، والوديعة لا يُلزَم مَنْ أخذها

стр. 162

بتحملها، إلّا إذا تكفل بها، واختاره ابن حجر ﵀. والأظهر -والله أعلم-: القول الثاني، وأن تبليغ السَّلام سُنَّة في الأصل، إلا أن يستأْمِنه المُسَلِّم، فيقول له: «أمانة معك، أن توصل السَّلام لفلان»، أو نحوها من العبارات التي تُقيَّد بكونها أمانة، وتحمَّلها المبلِّغ، وقَبِل بتوصيلها. وبعض العلماء ومنهم ابن حجر -رحم الله الجميع- قالوا: بسُنِّيَّة الرَّد على من حمل السَّلام، أيضاً مع الرد على مَنْ سلَّم، فيكون لحامل السَّلام أيضاً نصيباً من السَّلام، فالأفضل لمن نُقل له سلاماً، أن يقول لحامل السلام: عليك وعليه السَّلام ورحمة الله وبركاته، ونحو ذلك. واستدلّ ابن حجر ﵀ بدليلين: أحدهما: حديث رجل من الصَّحابة عند أحمد، وأبي داود، وحسَّنه الألباني، وفيه: أنَّ رجلاً أوصل سلام أبيه للنَّبي ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ للرجل: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» (١). والآخر: حديث أنس ﵁ عند النَّسَائي، وفيه: قول خديجة ﵂ لمَّا بلَّغها عن جبريل سلام الله تعالى عليها، قالت للنَّبيِّ ﷺ : «وعليك، وعلى جبريل السلام» (٢). قال ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث عائشة ﵂ السَّابق: «قال النَّووي: في هذا الحديث مشروعية إرسال السَّلام، ويجب على الرسول تبليغه لأنه أمانة، وتُعُقِّب بأنه بالوديعة أشبه، والتحقيق أنَّ الرسول إن التزمه أشبه الأمانة، وإلا فوديعة، والودائع إذا لم تُقبل لم يلزمه شيء، قال: وفيه إذا أتاه شخص بسلام من شخص، أو في ورقة وجب الرَّد

стр. 163

على الفور، ويستحب أن يرد على المبلِّغ، كما أخرج النَّسَائي عن رجل من بني تميم أنه بلَّغ النَّبيَّ ﷺ سلام أبيه، فقال له: «عَلَيْكَ، وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ»، وقد تقدَّم في المناقب أن خديجة ﵂ لمَّا بلَّغها النبي ﷺ عن جبريل ﵇ سلام الله تعالى عليها، قالت: «إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، وَمِنْهُ السَّلامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلامُ»، ولم أرَ في شيء من طرق حديث عائشة ﵂ أنها ردَّت على النَّبيِّ ﷺ ، فدلّ على أنه غير واجب» (١). ٩) السَّلام عند دخول المجلس، وعند مفارقته أيضاً. يُسَنُّ لمن أراد أن يقوم من المجلس، ويفارقه أن يُسلِّم عليهم قبل أن يفارقهم، كما سلَّم حين قَدِم عليهم. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسولُ الله ﷺ : «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فلَيْسَتِ الأولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ» (٢). ١٠) تُسَنُّ المصافحة مع السَّلام عند اللُّقيا. وعلى هذا عمل الصحابة ﵃، دلَّ عليه: حديث قَتادةَ ﵁ قال: «قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٣). ١١) يُسَنُّ التبسّم، وطلاقة الوجه عند اللقاء. لحديث أَبِي ذَرّ ﵁ قال: قال لي النَّبيُّ ﷺ : «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شيئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (٤)، وعند الترمذي من

стр. 164

حديث أبي ذَرّ ﵁ قال رسول الله ﷺ : «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (١). ١٢) تُسَنُّ الكلمة الطيبة فهي صدقة. وسواء كانت عند اللقاء، أو المجالسة، أو في أي حال، فالكلمة الطيبة سُنَّة؛ لأنها صدقة. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (٢). وحديث عَدِيِّ بن حاتِم ﵂ قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ النَّارَ فَأعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّار»، ثُم أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٦). وكثيراً ما يجري على ألسنة الناس كلامٌ طيبٌ، لو احتسبوه لأُجروا على ذلك كثيراً، وأخذوا من هذه الصدقات بحظ وافر. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «كلمة طيبة مثل أن تقول له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ كيف إخوانك؟ كيف أهلك؟ وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك، كل كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله، وأجر، وثواب» (٣).

стр. 165

١٣) استحباب ذكر الله تعالى في المجلس. والأحاديث في فضائل مجالس الذكر، والحث عليها كثيرة، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَال: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنْ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ: فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١).

стр. 166

ولمجالس الذكر فضائل كثيرة -ليس هذا موطن بسطها- فينبغي لمن جلس مجلساً ألَّا يقوم إلا وقد ذكر الله تعالى فيه. وجاء في السُّنَّة ما يدل على ذمِّ المجالس التي لا يُذكر الله سبحانه فيها، ومن ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فِيهِ، إِلاَّ قَامُوا عنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وكَانَ لَهُمْ حَسرةً» (١). ١٤) يُسَنُّ ختم المجلس بـ: (كفارة المجلس). لحديث أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ جَلَس في مَجْلِسٍ فَكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلاّ أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» (٢) (٣). ومما نُهي عنه في هذا الباب: ابتداء أهل الكتاب بالسلام، ومصافحة المرأة الأجنبية، والخلوة بها، وألا يؤم الزائر صاحب البيت بالصلاة إلا بإذنه، وإقامة الشخص من مجلسه والجلوس فيه، والتفريق بين اثنين في المجلس بدون إذنهما، وتناجي اثنين دون الثالث، وسماع حديث قوم وهم له كارهون، وتحديث

стр. 167

الشخص بكل ما سمعه من الناس؛ لأن في كلام الناس ما هو كذب، وترويع المسلم، والتكبر في المشي، والتجسس على المسلمين، وآفات اللسان كالكذب، وإضحاك القوم كذباً، وكالغيبة، والنميمة، واللعن، والطعن، والفحش، والجدال المذموم، والخصومة، والحلف بغير الله، وكثرة الحلف بالله تعالى لاسيما في البيع والشراء، والتفاخر والطعن في الأنساب، واحتقار الآخرين، والشماتة بالمسلمين وغيرها من آفات اللسان، وكذلك الحسد، وسوء الظن، والغل، وغيرها من الآفات القلبية. * * *

стр. 168

سُنن في اللّباس والزِّينة من السُّنَّة التَّيامن في التَّنعُّل. من السُّنَّة إذا أراد المسلم أن يلبس نعليه أن يبدأ باليمنى، ومن السُّنَّة إذا أراد أن ينزعهما يبدأ باليسرى. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ لِيَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» (١). وجاء عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً، أَنَّ رسول اللّه ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً» (٢). وفي لفظ آخر لمسلم: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعاً» (٣). وفي لفظ: «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَمْشِ فِي الأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» (٤)، و (الشِّسْع): يقال للسير من سيور النعال (شِسْع). ففي هذين الحديثين، ثلاث سُنَن: ١. أن يبدأ باليمنى عند لبس النعال. ٢. أن يبدأ باليسرى عند نزع النعال.

стр. 169

٣. أن يلبس النعلين جميعاً، أو يخلعهما جميعاً، بحيث لا يمشي بنعل واحدة، بل جاء النهي عن المشي بنعل واحدة، كما في الرواية الأخرى: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَة». - فإن قيل: ما الحكمة في النَّهي عن المشي بنعل واحدة؟ قال النَّووي ﵀: «يُكرَه المشي في نعل واحدة، أو خف واحد، أو مداس واحد، لا لعذر، ودليله هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، قال العلماء: وسببه أن ذلك تشويه، ومثلة، ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيعسر مشيه وربما كان سبباً للعثار، وهذه الآداب الثلاثة التي في المسائل الثلاث مجمع على استحبابها وأنها ليست واجبة، وإذا انقطع شسعه، ونحوه فليخلعهما، ولا يمشي في الأخرى وحدها حتى يصلحها، وينعلها كما هو نصّ في الحديث (١). وجاء أيضاً في بيان الحكمة من النَّهي عن المشي بنعل واحدة غير ما ذكره النَّووي ﵀ بأنَّ الشيطان يمشي بنعل واحدة، إن صح ما أخرجه الطَّحَاوي في مشكل الآثار: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الشيطَانَ يَمْشي فِي النعْلِ الوَاحِدَة» (٢). وأيضاً من السُّنَّة الصلاة بالنعال؛ لحديث سعيد بن يزيد ﵁ قال: سألتُ أنس بن مالك ﵁: «أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٣). وجاء في سنن أبي داود حديث شَدَّاد بن أَوْسٍ ﵁ قال: قال

стр. 170

رسولُ الله ﷺ : «خَالِفُوا الْيَهُودَ، فإِنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ في نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ» (١). ومما ينبغي التنبيه عليه أنَّ السُّنَّة إذا كان تطبيقها يؤدِّي إلى مفسدة، فإن درء هذه المفسدة يُقدَّم، ومن ذلك ما ربما يفعله بعض الحريصين على السُّنَّة فيطبِّق هذه السُّنَّة في مساجدنا اليوم، وربما يحصل له نزاع، واستنكار من بعض العوام الذين يجهلونها -ومثل هذا الصنيع يختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر من حيث درء المفسدة وحصولها- وحينئذ لا تُطبَّق السُّنَّة والحالة هذه؛ لوجود مفْسَدة الاختلاف والنزاع التي تنافي مقصود الجماعة. وإن أُمنَت المفْسَدة لابد من التنبّه لأمر آخر، ألا وهو: تلويث المساجد بما قد يعْلُق بفرشها من أذى هذه النّعال، فيؤدِّي إلى اتساخها، وحينئذ يتأكَّد عدم تطبيق هذه السُّنَّة؛ لهذه العلَّة أيضاً إن كانت حاصلة، وفي السُّنَّة النبوية كثير من النصوص التي تحث على صيانة المساجد، وتنظيفها، وإماطة ما فيها من أذى، وأنَّ البزاق فيها خطيئة، وكذا سائر الأذى فإنه من مساوئ الأعمال. على أنه لا يُفهم مما سبق التهاون في هذه السُنَّة، والتزهيد في تطبيقها -معاذ الله-، وما جرْي قلمي في ميدان هذه الصفحات؛ إلا من أجل بيان السُّنَّة، والحث عليها، والتمسك بها، وللمسلم أن يُطبِّق هذه السُّنَّة في كثير من المواطن: كأن يُصلِّي بنعليه في بيته، أو عندما يخرج للنزهة، أو في السَّفَر، أو في مسجد اعتادوا على تطبيق هذه السُّنَّة، ونحو ذلك من المواطن التي يمكن فيها تطبيق هذه السُّنَّة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يحيا على السُّنَّة ويموت عليها،

стр. 171

ويُجَنِّبَنا البدع، والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه للدعاء سميع، وبالإجابة قدير، وهو رحيم كريم، فنسأله من جوده الواسع العظيم، لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. - مِنْ السُّنَّة لبس البياض من الثياب. والمقصود: أن يلبس الثياب ذات اللون الأبيض؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم الْبَيَاضَ فإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكم، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُم» (١). والأصل في الأوامر، والنَّواهي أنها خطاب للأمَّة جمعاء رجالاً ونساءً، حتى يأتي دليل يدلّ على خصوصية الرجال أو النِّساء، وفي الحديث السَّابق لا مخصِّصَ لأحدهما عن الآخر، ولكن قد يقال بأن سنيَّة البياض للرجال فقط في مجتمع لم يكن من عادة نسائه لبس البياض؛ لئلا يشابه لباسُ النِّساء لباسَ الرجال، أما إذا انتفت العلة فالأصل أنَّ الخطاب للجميع، فالمرأة مخاطبة بهذه السُّنَّة كالرجل ما لم يترتب على ذلك محذور. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «وهو شامل للبس الثياب البيض: القمص، والأُزر، والسراويل، كلها مما ينبغي أن تكون من البياض، فإنه أفضل، ولكن لو أنه لبس من لون آخر فلا بأس، بشرط ألَّا يكون مما يختص لبسه بالنساء» (٢). - من السُّنَّة استعمال الطِّيب. فاستعمال الطِّيب سُنَّة، ويتأكد في مواطن -سيأتي بيان بعضها-.

стр. 172

ومما يدلّ على سنيَّة التطيّب: أ. حديث أَنَسٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «حُبِّبَ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١). - وأمَّا لفظ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ» فضعيف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة منه إلى أصحابه، وهو في حبس الإسكندرية: «وكان النَّبيّ ﷺ يقول: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ»، ثم يقول: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، ولم يقل: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ»، كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد، والنَّسَائي أنَّ المحبب إليه من الدنيا: النِّسَاء، والطيب، وأمَّا قرة العين، تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة» (٢). ب. وعن أنسٍ ﵁ أيضاً قال: «مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ، أَوْ عَرْفًا قَطُّ، أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ، أَوْ عَرْفِ النَّبِيِّ ﷺ » (٤). والديباج: نوع من أنواع الحرير، والعَرف: هو الريح الطيب. ج. وعن نافع، قال: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِألُوَّةٍ، غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ، يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ » (٣). قال النَّووي ﵀: «الاستجمار هنا: استعمال الطِّيب، والتبخّر به،

стр. 173

مأخوذ من: المجمر، وهو: البخور، وأمَّا الألُوَّة، فقال الأصمعي، وأبو عبيد، وسائر أهل اللغة: والغريب هي: العود يتبخر به … ، وقوله: (غير مطراة) أي: غير مخلوطة بغيرها من الطيب، ففي هذا الحديث استحباب الطيب للرجال، كما هو مستحب للنِّسَاء لكن يُستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وأمَّا المرأة فإذا أرادت الخروج إلى المسجد، أو غيره كرِهَ لها كل طيب له ريح، ويتأكَّد استحبابه للرجال يوم الجمعة، والعيد عند حضور مجامع المسلمين، ومجالس الذكر، والعلم، وعند إرادته معاشرة زوجته، ونحو ذلك -والله أعلم-» (١). - وكان يَكرَه ﷺ أن توجد منه ريح كريهة: فقد جاء عند البخاري في حديث طويل عن عائشة ﵂ قالت: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ» (٢). أي: الريح غير الطيبة. - أطيب الطيب: المسك. لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسرائِيلَ، حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكاً، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ» (٣). ورواه أبو داود بلفظ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أطْيَبُ طِيبُكُم المِسْكُ» (٤). فالأفضل للمسلم أن يتطيَّب بأفضل ما يجد، وهكذا كان النبي ﷺ يتطيب عند إحرامه بأطيب ما يجد فعَن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ

стр. 174

رَسُولُ اللّه ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ» (١). - يُكْرَه ردُّ الطيب. ويدلّ عليه: أ. حديث أَنسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ» (٢). ب. وحديث أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ فإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ خَفِيفُ المَحْمَلِ» (٣). وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّب الرِّيحِ» (٤)، والريحان: هو كل نبتة لها رائحة طيبة، ويحتمل أن يراد بالريحان في الحديث: جميع أنواع الطيب، ويكون مشتقاً من الرائحة، كما قال المنذري. قال ابن حجر ﵀: «قلت: مخرج الحديث واحد، والذين رووه بلفظ الطيب أكثر عدداً، وأحفظ فروايتهم أولى، وكأن من رواه بلفظ: (ريحان) أراد التعميم حتى لا يخص بالطيب المصنوع … ، قال ابن العربي: إنما كان لا يرد الطيب لمحبته فيه، ولحاجته إليه أكثر من غيره؛ لأنه يناجي من لا نناجي» (٥). قال صاحب عون المعبود ﵀: «والحديث يدلّ على أن ردّ الطِيب خلاف السُّنَّة؛ لأنه باعتبار ذاته خفيف لا يثقل حامله، وباعتبار عرضه طيب لا يتأذى به من يعرض عليه، فلم يبقَ حامل على الرد، فإن كل ما

стр. 175

كان بهذه الصِّفة محبب إلى كل قلب مطلوب لكل نفس» (١). - ويتأكد استعمال الطيب في مواضع منها: ١) يوم الجمعة: لحديث أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ، عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ» (٢)، ويَستَن: أي: يستاك، وهذا هو الموضع الخامس من مواضع تأكّد السَّواك. وعند مسلم بلفظ: «وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ» (٣)، وفي لفظ له أيضاً: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ». أي: من طيب امرأته، وفي هذين اللفظين زيادة تأكيد على استحباب استعمال الطيب للجمعة، ومن أهل العلم من استحب التطيُّب للعيدين، أيضاً قياساً على الجمعة، وأمَّا من حيث الاستدلال فلا أذكر دليلاً يصحَّ في هذا -والله أعلم-، لكنه من عموم التجمل المرغَّب فيه يوم العيد. ٢) المرأة حينما تطهر من حيضها: لحديث عائشة ﵂ أَنَّ امرأةً سألتِ النَّبيَّ ﷺ عن غسلها من المَحِيضِ فأَمَرَها كيفَ تَغتَسِلُ قال: «خُذي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطهَّري بها»، قالت: كيفَ أَتَطهَّرُ؟ قال: «تَطهَّري بها». قالت: كيف؟ قال: «سُبحانَ اللّهِ، تَطهَّري»، فاجْتَبذْتُها إِليَّ فقلتُ: تَتَبَّعي بها أثرَ الدَّمِ (٤).

стр. 176

دلَّ الحديث على استحباب تطيب المرأة الحائض، ومثلها النفساء بعد طُهرها، بأن تتبع بالطيب أثر الدم من بدنها، وليس خاصاً بالفرج فقط، كما هو قول جماعة من أهل العلم؛ لدلالة لفظ الحديث على تتبع أثر الدم أينما كان، والأفضل أن تستعمل في ذلك المسك. فائدة: يؤخذ من الحديث السابق، وقول النَّبيَّ ﷺ : «سُبحانَ اللّهِ، تَطهَّري» مشروعية التسبيح عند التعجب و (سبحان الله) تأتي للتعجب، وتأتي للإنكار، وكان النَّبيّ ﷺ إذا تعجب من شيء قال: (سبحان الله). ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال النَّبيُّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ حينما أجنب، وكَرِه أن يُجالس رسول الله ﷺ على تلك الحال قال النَّبيُّ ﷺ : «سُبْحَانَ الله إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» (١). وفي الصحيحين لمَّا مرَّ رجلان بالنَّبيِّ ﷺ ومعه امرأة قال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢). وكذلك التكبير يأتي للتعجب، ففي الصحيحين سأل عمُر ﵁ النَّبيَّ ﷺ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ (٣). وكذلك ما جاء عند الترمذي، وصححه حينما قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فقال رسول الله ﷺ : «اللهُ أَكْبَر إِنَّهَا السَّنَن» (٤).

стр. 177

فالتكبير، والتسبيح، مشروعان عند التعجب، ومن أهل العلم من كَرِه التكبير عند التعجب، وهو قول مرجوح، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: [باب: التكبير، والتسبيح عند التعجب]، ومثله النَّووي في الأذكار -رحمهما الله-. ٣) قبل الدخول في الإحرام: لحديث عائشة ﵂ قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (١)، ففيه استحباب التطيّب عند الإحرام للحج، أو العمرة، واستحبابه قبل طواف الإفاضة لمن تحلل التحلل الأول. ٤) تطييب الميّت: لحديث أُمِّ عطيَّة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثُلاثَاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً، أَوْ شيئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَال: «أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ» (٢)، والكافور: أخلاط من الطيب. وألحق بعض أهل العلم -كما تقدَّم من كلام النَّووي- استحباب الطيب للزوجة، وكذا الزوج؛ لأن هذا من حُسْن المعاشرة، وحسن الاستمتاع، وكذلك حضور المجامع -أي التي يجتمع فيها الناس، كمجالس العلم والعيدين، ونحوهما قياساً على الجمعة-، وتقدَّمت المواضع التي ورد فيها الدليل -والله أعلم-.

стр. 178

ويُستثنى من استعمال الطِّيب. المُحْرِم رجلاً كان أو امرأة، فإن المعتمر، أو الحاج بعدما يدخل في نُسكه يَحْرُم عليه استعمال الطيب حتى بعد موته إن مات مُحْرِماً؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته، قال النَّبيُّ ﷺ : «وَلا تمسُّوْهُ طِيْباً» (١)، وحديث ابن عمر ﵄ في الرجل الذي سأل النبي ﷺ عمَّا يلبس المحرم من الثياب، فقال النَّبيُّ ﷺ : «وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شيئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ» (٢). والزعفران، والورس كانا من أنواع الطِّيب التي يستخدمونها. وتزيد المرأة في موضعين تُنهى عن التطيَّب فيهما: الأول: إذا كانت حَادَّة على زوج: فإنها تمتنع عن الطِّيب أربعة أشهر، وعشرة أيام. ويدلّ عليه: حديث أم عَطِيَّة ﵂ قالت: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً، وَلَا نَكْتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ» (٣)، وقولها: «فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ». النبذة: هي الشيء اليسير، والقُسط: بضم القاف، ويقال بالكاف المضمومة (كُست) وتاء بدل الطاء، والقسط، والأظفار: نوعان معروفان من أنواع البخور. الثاني: إذا كانت ستمرُّ بمكان فيه رجال أجانب، فإنه يَحْرُم عليها الطِّيب حينئذ.

стр. 179

ويدلّ عليه: حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَت ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى القَوْم لِيَجِدُوا رِيْحَهَا فَهِيَ زَانِيَة» (١). وحديث زينب امرأة عبد اللّه بن مسعود ﵄ قالت: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيباً» (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : «أيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُوراً، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ» (٣). - من السُّنَّة التيمُّن عند ترجيل الشَّعَر. والمقصود بترجيل الشعر هو: مشطه، فإنَّ مِنْ السُّنَّة أن يبدأ بالجهة اليمنى، ثم اليسرى. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعجِبهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلهِ وتَرَجُّلهِ وطُهورِه وفي شأنهِ كلِّه» (٤). وتقدَّم أنَّ تقديم اليمنى في أعضاء الوضوء من السُّنَّة، وكذا هو في الغُسل فإنَّ من السُّنَّة البدء بالشق الأيمن قبل الأيسر، وكذلك تقدَّم قريباً أنَّ مِنْ السُّنَّة التيمُّن عند التنعّل، والموضع الثالث الذي يعجب النَّبيُّ ﷺ التيمُّن فيه في هذا الحديث هو: الترجُّل، وهو: تسريح الشعر، ويدخل فيه دهنه -والله أعلم-. وفي قول عائشة ﵂: «في شأنِه كُلِّه» -أي أنه يعجبه التيمُّن في

стр. 180

شأنه كله-، وهذا في الأمور التي هي من باب التكريم، كما قرَّر هذه القاعدة غير واحد من أهل العلم. وجاء في رواية عند البخاري: «يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ» (١) -أي ما لم يمنعه مانع-، وهي إشارة إلى شِدَّة المحافظة على التيمن، ولكن يُخَصُّ من ذلك ما كان من باب التكريم، كالثلاثة الواردة في الحديث، وهي: التنعّل، والترجّل، والطهور، وغيرها مما وردت فيها السُّنَّة كدخول المسجد، وحلق الرأس، والأكل، والشرب، وغيرها من الطيِّبات، مما لم يرد بها دليل على وجه الخصوص. - وأمَّا ما كان من باب الأذى فإنه يبدأ بها باليسار، كالاستنجاء، وخلع النعلين، ودخول الخلاء ونحوه، وهذه قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، والنَّووي ﵄. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «اليمنى أحقّ بالتقديم إلى الأماكن الطيبة وأحق بالتأخير عن الأذى ومحل الأذى» (٢). وعليه فالتقديم بينهما على ثلاث أحوال: الحال الأولى: ما كان من باب التكريم -أي من قبيل الطيبات- فتقدَّم فيه اليمنى رجلاً أو يداً، كالأكل والشرب، واللبس، والوضوء، والغسل، والانتعال، والترجل، وحلق الرأس، ونحوه. ويدلّ عليه: حديث عائشة ﵂ الذي تقدَّم. الحال الثانية: ما كان من باب الأذى -أي من قُبيل الخبائث- فتُقدَّم فيه اليسرى رجلاً، أو يداً. كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والاستنجاء، وخلع النعلين، والامتخاط، ونحوه.
следующие страницы →