← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1159

المنح العلية في بيان السنن اليومية

عبد الله الفريح

Полный текст (207 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال النووي ﵀ عن المجافاة: «ولا أعلم في استحبابها خلافاً لأحد من العلماء، وقد نقل الترمذي استحبابها في الركوع، والسجود عن أهل العلم مطلقاً» (٦). ٤. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة في الركوع. فيسنُّ للراكع أن يأتي مع (سبحان ربي العظيم) أذكاراً أخرى وردت في الركوع، وممَّا ورد: أ) «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١). ب) «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٢). ج) «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصري، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي» (٣). د) «سبحانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكوتِ وَالكِبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ» (٤). يُسَنُّ أن يأتي بما يستطيع من هذه الأذكار في ركوعه، والسُّنَّة أن يُعظِّمَ الله تعالى في ركوعه؛ لقول النَّبيِّ ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم: «وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ » (٥). - والأفضل أن يلتزم بما ورد عن النَّبيِّ ﷺ من الألفاظ التي تقدَّم ذكرها.

стр. 72

د- الرفع من الركوع، وفيه عِدَّة سُنَن: ١. تطويل هذا الركن. لحديث ثابت البناني عن أنس ﵁ أنه قال: «إِنِّي لَا آلُو (١) أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شيئاً لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِماً، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسي، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسي» (٢). ٢. التنويع في صيغ: «ربنا ولك الحمد» بين ما يلي: أ) «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٣). ب) «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٤). ج) «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٥). د) «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (٦). فمرَّة يأتي بهذه، ومرَّة يأتي بهذه. ٣. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة بعد الرفع من الركوع. ومن الأذكار التي تُشرع بعد الرفع من الركوع ما يلي: أ) «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ

стр. 73

شيءٍ بَعْدُ، أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١). والحديث رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁. ب) «الْحَمْدُ للّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ» قال النَّبي ﷺ عن هذا اللفظ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشر مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» (٢). والحديث رواه مسلم من حديث أنس ﵁، ورواه البخاري من حديث رفاعة بن رافع ﵁. ج) «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ» (٣)، وهذه الزيادة جاءت في حديث عبد الله بن أَبِي أَوْفَى ﵁ عند مسلم. وإذا أتى المسلم بهذه الأذكار استطاع أن يطيل هذه الركن. هـ- السجود، وفيه عِدَّة سُنن: ١. يُسَنُّ للساجد أن يجافي عضديه عن جنبه، وبطنه عن فخذيه. لحديث عبد الله بن بحينة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» (٤)، وحديث ميمونة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ، لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ (٥)، أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» (٦)،

стр. 74

وفي هذا المبالغة في التفريج بين اليدين، فالسُّنَّة التفريج بين اليدين ما لم يكن في ذلك أذية لمن حوله، كما مضى في المجافاة في الركوع. ومن السُّنَّة أيضاً إذا سجد المصلِّي أن يفرج بين فخذيه فلا يجمعهما، وأن لا يحمل بطنه على فخذيه، بل يباعد فخذيه عن بطنه؛ لحديث أبي حميد ﵁ في صِفة صلاة النَّبيّ ﷺ : «وَإِذَا سجد فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شيء مِنْ فَخِذَيْهِ» (١). قال الشوكاني ﵀: «والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود، ورفع البطن عنهما، ولا خلاف في ذلك» (٢). ٢. يُسَنّ للسَّاجد أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه القِبْلَةَ. لحديث أبي حميد ﵁ أنه قال: «أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: «فإذا سَجدَ وضعَ يدَيهِ غيرَ مُفتَرِشٍ ولا قابضِهما، واستقبَلَ بأَطرافِ أصابعِ رجلَيهِ القِبلةَ» (٣). - وأمَّا أصابع اليدين أثناء السجود فالسُّنَّة أن تكون مضمومة ويجعل يديه مستقبلة القبلة؛ لِمَا ثبت عن ابن عمر ﵄ في موطأ الإمام مالك، وأيضاً في مصنَّف ابن أبي شيبة عن حفص بن عاصم ﵁ قال: «من السُّنَّة في الصلاة أن يبسط كفيه ويضم أصابعه، ونوجههما مع جهة القِبْلة» (٤).

стр. 75

٣. يُسَنُّ أن يأتي بالأذكار الواردة في السجود. فيُسنُّ للساجد أن يأتي مع (سبحان ربي الأعلى) أذكاراً أخرى وردت في السجود، وممَّا ورد: أ) «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٣). ب) «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٤). ج) «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصرهُ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (٥). د) «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسرهُ» (٦). هـ) «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٧). فيُسَنُّ أن يأتي بما يستطيع من هذه الأذكار في سجوده وينوِّع بينها، ومعلوم أنَّ الواجب في الركوع (سبحان ربي العظيم) مرَّة واحدة وما زاد فهو سُنَّة. وكذا في السجود الواجب قول: (سبحان ربي الأعلى) مرَّة واحدة، وأمَّا الثانية، والثالثة فسُنَّة.

стр. 76

٤. يُسَنُّ الإكثار من الدعاء في السجود. لأنَّ السجود أقرب موضع للعبد من ربه جلَّ في علاه، فيُسَنُّ أن يُكْثِر من الدعاء فيه؛ لقول النَّبيِّ ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ (١)، أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٢). و- مِنْ السُّنَن في الجلسة بين السجدتين. ١. من السُّنَّة أن يفرش المصلِّي رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى. لحديث أبي حميد السَّاعدي ﵁ مرفوعاً، وفيه: «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسرى وَنَصَبَ الْيُمْنَى» (٣). ٢. تطويل هذا الركن. لحديث ثابت البُناني ﵁، وقد تقدَّم قريباً. ٣. يُسنُّ لمن أراد القيام إلى أي ركعة، ثانية، أو رابعة، أن يجلس يسيراً قبل أن يقوم. وهذه تسمَّى: (جلسة الاستراحة)، وليس لها ذكر معيَّن. وجاء ثبوتها في ثلاثة أحاديث منها: حديث مالك بن الحويرث ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ، لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» (٤)، ومالك بن الحويرث ﵁ هو الذي نقل قول النَّبيّ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (٥).

стр. 77

وحديث أبي حميد السعدي الذي رواه أحمد وأبوداود وجوّد إسناده الشيخ ابن باز، وفي الحديث وصف أبي حميد لصفة الصلاة -وفيها جلسة الاستراحة- وعنده عشرة من الصحابة ﵃ فصدقوه، وهذا مما يؤكد سنيتها (١). قال في الشرح الكبير: وهو حديث صحيح فيتعين العمل به (٢). قوله: «فإذا كان في وتر من صلاته»: أي كان في الركعة الأولى، أو الثالثة. «لم ينهض»: أي للركعة الثانية، أو الرابعة «حتى يستوي قاعداً». واختُلِف في سنيَّة: (جلسة الاستراحة)، والصواب: أنها سُنَّة مطلقاً؛ لحديث مالك، وأبي حميد السابقين ﵄، وممن رجَّح سنيَّتها مطلقاً: النووي، والشوكاني، وابن باز، والألباني ﵏، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣). وقال النووي ﵀: «وهذا هو الصواب الذي ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة» (٤). ز- من السُّنَن في التشهد: ١. يُسَنّ أن يفترش المصلِّي رجله اليسرى في التشهد، وينصب اليمنى. وهذه الصِّفة يفعلها المصلِّي بعدما يُصلِّي الثانية بركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، سواء كان في صلاة رباعية، أو ثلاثية، أو

стр. 78

ثنائية، فأي ركعة ثانية في الجلوس في تشهدها تكون على هذه الصِّفة؛ لحديث أبي حميد السَّاعدي ﵁ مرفوعاً، وفيه: «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسرى وَنَصَبَ الْيُمْنَى» (١)، وحديث عائشة ﵂: «وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفرشُ رِجْلَهُ الْيُسرى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» (٢). - وأمَّا التشهد الأخير في الصَّلاة الرباعية، والثلاثية فسيأتي بيان صِفته. ٢. السُّنَّة أن ينوِّع في وضع اليدين حال التشهد. ووضع الكفين حال التشهد له صفتان: الأولى: أن يضع اليدين على الفخذين. الصِّفَة الثانية: أن يضع اليدين على الركبتين، وذلك بأن يُلْقِمَ يده اليسرى ركبته اليسرى، وأمَّا اليمنى فيُشير بها -كما سيأتي بيانه-. - وأمَّا اليسرى فهي مبسوطة دائماً، تارة يضعها على فخذه وتارة يُلقمها ركبته. لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ -أي النَّبي ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسرى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسرى» (٣). وفي رواية: «وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسرى رُكْبَتَهُ» (٤).

стр. 79

٣. السُّنَّة أن ينوِّع في كيفيَّة وضع الأصابع حال التشهد. ووضع الأصابع حال التشهد له صِفَتان: الصِّفَة الأولى: أن يقبض أصابع كفه اليمنى كلها، ويُشير بإصبعه السَّبابة، واليسرى تكون مبسوطة. لحديث ابن عمر ﵄ السَّابق: « … قَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ … » (١). الصِّفة الثانية: أن يعقد ثلاثاً وخمسين، بأن يقبض الخنصر والبنصر، ويُحلِّق الإبهام مع الوسطى، ويُشير بالسبابة، وأمَّا اليسرى فتكون مبسوطة. لحديث ابن عمر ﵄ السَّابق في رواية أخرى له: «كَانَ -أي النَّبي ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهِّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسرى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسرى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» (٢). ٤. السُّنَّة أن ينوِّع المصلِّي بين صيغ التشهَّد. فيفعل هذه الصيغة تارة، وهذه تارة، وممّا ورد: أ) «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٣). ب) «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ … » (٤). ثم يُكمل كما سبق.

стр. 80

ج) «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لله، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ … » (١)، ثم يُكمل كما سبق. فيُسَنُّ أن ينوع فيأتي بهذا تارة، وبهذا تارة، كما هي القاعدة في السُّنَن الواردة على صيغ متنوعة. ٥. السُّنَّة أن يجلس المصلِّي في التشهد الأخير مُتَوَرِّكاً في الصلاة الثلاثية، والرباعية. والمقصود أن يقعد في التشهد الأخير إذا كانت الصلاة رباعية، أو ثلاثية على مقعدته، فيقعد على الورك الأيسر، والتَّورك ورد على أكثر من وجه، فيُستحب التنويع حينئذ، وممّا ورد: أ) أن يفرش رجله اليسرى، ويخرجها من الجانب الأيمن، وينصب اليمنى، ويجعل مقعدته على الأرض، وهذه الصِّفَة رواها البخاري ﵀ (٢). ب) أن يفرش القدمين جميعاً، ويُخرجهما من الجانب الأيمن، ويجعل مقعدته على الأرض. وهذه الصِّفة رواها أبو داود، وابن حبان، والبيهقي (٣)، وليُعلَم أنَّ التَّورك على الصحيح ليس في كل تشهدٍ أخير، وإنما في التشهد الأخير في الصلاة الثلاثية، والرباعية دون الثنائية. ٦. السُّنَّة أن ينوِّع المصلِّي بين صيغ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ -. لورودِ عِدَّة صيغ في الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، وممّا ورد:

стр. 81

أ) «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١). ب) «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٢). ج) «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٣). ٧. يُسَنُّ أن يستعيذ المصلِّي من أربع قبل أن يُسلِّم. وهو قول جمهور العلماء ﵏ خلافاً لمن أوجبها؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهِّدِ الآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، مِنْ شر الْمَسيحِ الدَّجَّالِ» (٤)، رواه مسلم وهو في الصحيحين (٥)، من حديث عائشة ﵂.

стр. 82

وهناك أدعية أخرى وردت في السُّنَّة، يُسَنُّ للمصلِّي أن ينوِّع في الإتيان بها قبل السَّلام، وممّا ورد: ١) «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ من المأْثَمِ والمغْرَمِ» (١). ٢) «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَأَعَوْذَ بِكَ مِنَ النَّارِ» (٢). ٣) «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٣). ٤) «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٤). ٥) «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٥). ٦) «اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسيرًا» (٦). ثم يُسلِّم ملتفتاً في سلامه، والتفاته في الصَّلاة سُنَّة، والمبالغة في الالتفات سُنَّة أيضاً؛ وذلك لأنَّ النَّبيّ ﷺ كان يلتفت حتى يرى مَنْ وراءه بياضَ خدِّه ﷺ فعَن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كُنْتُ أَرَى

стр. 83

رَسُولَ اللّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ» (١). ح- الأذكار المشروعة بعد السَّلام من الصلاة المفروضة سُنَّة. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على استحباب الذِّكر بعد الصَّلاة» (٢). ويستحب رفع الصوت بهذا الذكر؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصرفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ » (٣)، وفي لفظ قال ابن عباس ﵄: «أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ» (٤). والأذكار هي: ١ - يسْتَغْفِرُ الله تعالى ثَلَاثاً، ثُم يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (٥). ٢ - «لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللّهِ، لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (٦)، من حديث ابن الزبير ﵁، وقال: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ»، والإهلال: هو رفع الصوت.

стр. 84

٣ - «لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١). ٤ - ثُم يقول التسبيح الوارد، وله صيغ: الأولى: سبحان الله (٣٣) مرَّة، والحمد لله (٣٣) مرَّة، والله أكبر (٣٣) مرَّة، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده … لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَبَّحَ اللّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللّهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللّهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢). الثانية: سبحان الله (٣٣) مرَّة، والحمد لله (٣٣) مرَّة، والله أكبر (٣٤) مرَّة. لحديث كعْب بن عُجْرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» (٣). الثالثة: سبحان الله (٢٥) مرَّة، والحمد لله (٢٥) مرَّة، والله أكبر (٢٥) مرَّة، ولا إله إلا الله (٢٥) مرَّة. وهذه الصيغة جاءت عند الترمذي، من حديث عبد الله بن زيد ﵁ (٤).

стр. 85

الرابعة: سبحان الله (١٠) مرَّة، والحمد الله (١٠) مرَّة، والله أكبر (١٠) مرَّة. وهذه الصيغة جاءت عند الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (١). - وسبقت القاعدة في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، تُفعل هذه تارة، وهذه تارة. والسُّنَّة أن يكون التسبيح بالأصابع؛ لِما رواه أحمد، والترمذي، قال النَّبيُّ ﷺ : «سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: «وعَدُّ التسبيح بالأصابع سُنَّة كما قال النَّبيُّ ﷺ : «سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ». أمَّا التسبيح بما يُجعل في نظام من الخرز فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أُحسنت فيه النية، فهو حسن غير مكروه» (٣). ٥ - قراءة آية الكرسي. لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيةَ الكُرْسي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوْبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُوْلِ الجَنَّةِ إلا المَوْت» (٤). قال ابن القيِّم ﵀: «وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية -قدَّس الله

стр. 86

روحه- أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة» (١). ٦ - قراءة المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. لحديث عُقْبَةَ بن عامر ﵁ قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٢). هذه جملة من سُنَن الصلاة التي يُستحب للمصلِّي أن يأتي بها، وما زلنا في وقت الفجر، وإنما عرضنا لما سبق؛ لحاجتنا لاستحضاره في كل موضع للصلاة - والله أعلم-. ومما نُهيَ عنه في هذا الباب: الالتفات، ورفع البصر إلى السماء، والإقعاء المنهي عنه، وافتراش الذراعين في السجود، والعبث بأي شيء، ووضع اليد في الخاصرة، والصلاة وهو يدافع الأخبثين، والصلاة بحضرة طعام، والصلاة وأمامه ما يلهيه عن صلاته، وصلاة كنقر الغراب، وبروك للسجود كبروك البعير، والكلام في الصلاة، ومسابقة الإمام، وكفت الثياب والشعر. ط- من السُّنَّة الجلوس بعد الفجر في المصلَّى حتى تطلع الشمس. عن جابر بن سَمُرَة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَناً» (٣). وفي لفظ لمسلم عن سمَاكِ بن حَرْب ﵁ قال: «قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ

стр. 87

سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيراً، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ» (٢).

стр. 88

أَذْكَار الصَّباح: ووقت أذكار الصباح يبدأ من: طلوع الفجر، فإذا أذَّن المؤذِّن لصلاة الفجر بدأ وقت أذكار الصباح، ولاشك أنَّ الأذكار حصن حصين للعبد في الدنيا وكنز عظيم له في الآخرة، وسيأتي الكلام على وقت أذكار الصباح والمساء ابتداءً وانتهاءً، في مباحث وقت العصر -بإذن الله تعالى-. أذكار الصباح، والمساء هي: ١) «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، مَنْ قَالَهَا عَشر مَرَّاتٍ حِينَ يُصْبِحُ كُتِبَ لَهُ بِهَا مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِهَا مِائَةُ سيئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ، وَحُفِظَ بِهَا يَوْمَئِذٍ حَتَّى يُمْسي، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسي كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ» (١). ٢) «أَمْسينَا وَأَمْسى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شرهَا وَشر مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ»، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ … أسْأَلُكَ خَيْرِ مَا فِي هَذَا الْيَوم وَخَيْر مَا بعدِه، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شر مَا فِي هَذا اليَوم وَشر مَا بَعْدِه … » (٢).

стр. 89

٣) سيد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شر مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ». قَالَ ﷺ : «وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). ٤) إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسينَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسينَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ» (٢). ٥) «اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شيءٍ وَمَلِيكَهُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شر نَفْسي وَمِنْ شر الشيطَانِ وَشركِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ»، قال النَّبيُّ ﷺ : «قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسيتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (٣)، أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسيتُ» فعلَّمه الذِّكر السَّابق، والحديث رواه أيضاً البخاري ﵀ في الأدب المُفْرَد (٤).

стр. 90

٦) «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضر مَعَ اسْمِهِ شيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضرهُ شيءٌ» (١). ٧) «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: رَضيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضيهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «مَنْ رَضي بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٣). ٨) لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسي: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (٤). ٩) «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شر مَا خَلَقَ» (٥).

стр. 91

وأخرج مسلم في صحيحه، عن خولة بنت حكيم ﵂ أنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شر مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضرهُ شيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (١). ١٠) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشركِينَ» (٦). وإذا أمسى يقول: «أمسينا على فطرة الإسلام … ». كل ما سبق من أذكار الصباح والمساء في: رسالة للشيخ ابن باز ﵀ اسمها: [تُحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسُّنَّة من الأدعية والأذكار] فصلٌ في أذكار الصباح والمساء. ١١) «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ» (٢). ١٢) «مَنْ قالَ إِذَا أصْبَحَ وإِذَا أَمْسى: حَسْبِيَ الله لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرشِ الْعَظِيمِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ كَفَاهُ الله مَا أَهَمَّهُ» (٣).

стр. 92

ثالثاً: وقت الضُّحى يُسَنُّ في وقت الضحى أن يُصلِّي العبد صلاة (الضحى)، قال أبو هريرة ﵁: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ صيامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» (١). واختلف العلماء ﵏ في سُنيَّة صلاة الضُّحى على أقوال: القول الأول: أنَّ صلاة الضحى تُسَنّ غِبَّاً -أي تُفعَل في بعض الأحيان-. واستدلوا بِ: حديث أبي سعيد ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا» (٢)، وهو ضعيف؛ لأنَّ في إسناده: عطيَّة بن سعيد العوفي. قال عنه الدارقطني: «مضطرب الحديث»، وقال الذهبي: «مجمع على ضعفه» (٣). القول الثاني: أنَّها ليست بمشروعة، بل بدعة. واستدلوا بِ: حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» (٤)، وجاء عند البخاري أيضاً عن

стр. 93

مُوَرِّق العُجلي قال: «قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄ أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: لَا إِخَالُهُ» (١). -أي لا أظنه-. والقول الثالث: أنه يُسَنّ أن يصلِّي الضحى إذا لم يقم من الليل، أمَّا إن قام الليل فإنه لا يُصلِّي الضحى، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). والقول الرابع: أنها تُفعل لسبب من الأسباب؛ لأنَّ النَّبيّ ﷺ فعلها لسبب من الأسباب، كقدومه من سفر، وفتحه مكة، وزيارته لقوم، كما في حديث عتبان ﵁ المتفق عليه (٣)، وإتيانه مسجد قباء، ونحو ذلك، واختاره ابن القيم ﵀. والأظهر -والله أعلم-: أنَّ صلاة الضحى سُنَّة مطلقاً، وهو قول أكثر أهل العلم ﵏، واختاره شيخنا ابن عثيمين (٤). ويدلّ عليه: أ. حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صيامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ»، وأيضاً أوصى بها النَّبيُّ ﷺ أبا الدرداء ﵁ كما عند مسلم (٥)، وأوصى بها أبا ذر ﵁ كما في سنن النَّسَائي (٦).

стр. 94

ب. حديث أَبي ذر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجَزِاءُ، مِنْ ذلِكَ، رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (١). (والسُّلَامى): هي العظام المنفصل بعضها عن بعض. وجاء في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ بيان أنَّ كل إنسان خلق على ثلاثمائة وستين مفصل، وأنَّ من جاء بهذا العدد من الصدقات فإنه يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسَه عن نار جهنم، عن عائشة ﵂ قالت: إنَّ رسول اللّه ﷺ قال: «إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ. فَمَنْ كَبَّرَ اللّهَ، وَحَمِدَ اللّهَ، وَهَلَّلَ اللّهَ، وَسبَّحَ اللّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللّهَ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْماً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يَمْشي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ» (٢). - وقتها: يبدأ: وقت صلاة الضُّحى من: ارتفاع الشمس قدر رمح -أي بعد خروج وقت النَّهي. وينتهي: قبيل الزَّوال -أي قبل دخول وقت الظهر بعشر دقائق تقريباً-. ويدلّ عليه: حديث عمرو بن عبسة ﵁: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصر عَنِ الصَّلَاةِ حِيْنَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حتى تَرْتَفِعِ … ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ

стр. 95

مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حتى يَسْتَقِلَّ الظِّلَّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصر عَنِ الصَّلَاةِ، فإنَّه حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ … » (١). -و أفضل وقتها: في آخر وقتها، وذلك حين تَرْمضُ الفصال. ويدلّ عليه: حديث زيد بن أرقم ﵁ أنَّ النَّبيّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمضُ الْفِصَالُ» (٢). قال الشيخ ابن باز ﵀: «معنى تَرْمضُ: أي يشتد عليها حر الشمس، والفِصَال: هي أولاد الإبل، وهي من الصلوات التي فعلها آخر الوقت أفضل» (٣). وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «ومعنى تَرْمضُ: أي تقوم من شِدَّة حرِّ الرمضاء، وهذا يكون قبيل الزوال بنحو عشر دقائق» (٥). - فضلها: ١ - أنَّها وصية النَّبيّ ﷺ لبعض الصحابة، كـ: أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي ذر ﵃ كما سبق، والنَّبيّ ﷺ إذا أوصى أحداً بشيء فهي وصية لجميع الأمَّة، كما أن أمره لشيء، ونهيه عن شيء، هو موجَّهٌ لجميع الأمَّة، حتى يأتي دليل يدلّ على الخصوصية، ولا دليل هنا فهي وصية لجميع الأمة -والله أعلم-. ٢ - أنها تعدل ثلاثمائة وستين صدقة، كما في حديث أبي ذر ﵁ السَّابق عند مسلم.

стр. 96

٣ - أنَّها علامة على أنَّ العبد أوَّاب -أي رجَّاع إلى ربه-، لاسيما إذا صلاها في وقتها الفاضل، وهو آخر الوقت، كما في حديث زيد بن أرقم ﵁ السَّابق عند مسلم. ٤ - أنها صلاة محضورة، مشهودة، تشهدها الملائكة ﵇ كما في حديث عمرو بن عبسة ﵁ السَّابق عند مسلم. قال النَّووي ﵀: قوله ﷺ : «فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ» -أي تحضرها الملائكة فهي أقرب إلى القبول-، وحصول الرحمة (١). فائدة: روى أحمد وأبو داود حديث نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَقُولُ اللهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ نَهَارِكَ، أَكْفَكَ آخِرَهُ) (٣) وأخرجه الترمذي من حديث أبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: ابْنَ آدَمَ الكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفَكَ آخِرَهُ (٤)، واختلف العلماء في المراد بهذه الأربع ركعات فذهب بعضهم إلى أن المراد ركعتين ركعتين من صلاة الضحى، وذهب بعضهم إلى أن المراد بها صلاة الفجر، سنتها قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها (٥)، وقال الشوكاني: «قيل:» يحتمل أن يراد بها فرض الصبح وركعتا الفجر؛ لأنها هي التي في أول النهار حقيقة ويكون معناه: كقوله: من صلى الصبح فهو في

стр. 97

ذمة الله. قال العراقي … وعلى تقدير أن يكون النهار من طلوع الفجر فلا مانع من أن يراد بهذه الأربع الركعات بعد طلوع الشمس، لأن ذلك الوقت ما خرج عن كونه أول النهار، وهذا هو الظاهر من الحديث وعمل الناس، فيكون المراد بهذه الأربع ركعات صلاة الضحى (١) وحاصل ما تقدم أنه يحتمل أن يكون المراد بهذه الأربع صلاة الصبح وسنتها، ويحتمل أن يراد بها صلاة الضحى وينبغي للعبد أن يحافظ على أربع ركعات من الضحى ركعتين ركعتين من بعد شروق الشمس وارتفاعها مع محافظته على صلاة الفجر وسنتها؛ لينال هذا الكفاية العظيمة من الله تعالى ومعنى قوله: «أَكْفِكَ آخِرَهُ»: ي أنه يكون في حفظ الله تعالى، فيحفظه من شر ما يقع في آخر هذا اليوم مما يضره في دينه ودنياه، والله أعلم (٢). - عدد ركعاتها: أقلُّ صلاة الضحى: ركعتان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: «أوْصَانِيْ خَلِيْلِيْ بِثَلاث -وذكر منها- ورَكعتَيِ الضُّحى» (٣). - وأمَّا أكثر صلاة الضحى فالصحيح: أنه لا حدَّ لأكثرها، خلافاً لمن حدَّها بثمان ركعات، فله أن يزيد على ثمان إلى ما يفتح الله تعالى به عليه؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللّهُ» (٤).

стр. 98

رابعاً: وقت الظهر فيه عِدَّة أمور: الأمر الأول: صلاة سُنَّة الظهر القبلية، والبعدية. وتقدَّم عند الكلام على السُّنن الرَّواتب، أنه يُشرع قبل الظهر أربع ركعات، وبعدها ركعتين، كما دلَّ على ذلك حديث عائشة، وأم حبيبة، وابن عمر ﵃ أجمعين-. وجاء في سنن أبي داود، والترمذي، والنَّسَائي، وابن ماجه، وفي مسند الإمام أحمد حديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ ركعاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبعاً بَعْدَها، حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ» (١). والحديث من رواية مكحول عن عنبسة، والحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين مكحول وعنبسة، كما قال أبو زُرعة، والنَّسَائي، والمنذري (٢)، وأعلَّه ابن القطان، ومن أهل العلم من صححه، والمحفوظ عن أم حبيبة ﵂ اثنتا عشرة ركعة، وهي السُّنَن الرواتب كما عند مسلم، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (٣). وقد سبق الحديث عن السُّنَن الرواتب.

стр. 99

الأمر الثاني: من السُّنَة تطويل الركعة الأولى من صلاة الظهر. لحديث أبي سعيد الخدريِ ﵁ قال: «لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللّه ﷺ في الركْعَةِ الأُولَى، مِمَّا يُطَوِّلُهَا» (١). وعليه فإنَّ من السُّنَّة للإمام أن يطوِّل الركعة الأولى من الظهر، وكذلك من صلَّى منفرداً، وكذلك المرأة في بيتها، وهذه من السُّنن المندثرة، نسأل الله تعالى تطبيق السُّنَّة على الوجه الأكمل، والحرص عليها. الأمر الثالث: القيلولة. بالاتفاق أنَّ القيلولة هي: النوم والاستراحة نصف النهار. ولكنَّ الخلاف أين تكون من نصف النهار؟ على قولين: قيل: قبل الزوال. وقيل: بعد الزوال. والأظهر -والله أعلم-: أنَّ الأمر فيه واسع، وأن ما قبل وبعد الزوال يدخل في القيلولة. واختُلِف هل من السُّنَّة فعلها؟ على قولين، والأظهر-والله أعلم-: أنها ليست من السُّنَّة، بل هي ممّا كانوا يفعلونها عادة؛ ولحاجتهم الراحة نصف النَّهار، لاسيما إذا علمنا أنهم يبدأون أعمالهم من أول النَّهار، فيحتاجون للقيلولة وسطه، ولذا جاءت النُّصوص التي تبيِّن أنهم كانوا يقيلون، لكن الأمر بالقيلولة الأحاديث فيه ضعيفة، لا يصحّ منها شيء، وإنما القيلولة من الأشياء

стр. 100

المتعارف عليها منذ عهد النَّبيّ ﷺ إلى وقتنا الحاضر، ومن أراد النَّوم في النهار، فأفضل وقت وأنفعه هو: وقت القيلولة. قال ابن حجر ﵀: «وأخرج ابن ماجه، وابن خزيمة، من حديث ابن عباس ﵄ رفعه: استعينوا على صيام النهار بالسحور، وعلى قيام الليل بالقيلولة»، وفي سنده زمعة بن صالح وفيه ضعف، وقد تقدَّم شرح حديث سهل ﵁ المذكور في الباب في أواخر كتاب الجمعة، وفيه إشارة إلى أنهم كانت عادتهم ذلك في كل يوم، وورود الأمر بها في الحديث الذي أخرجه الطبراني في الأوسط، من حديث أنس ﵁ رفعه، قال: «قِيلُوا فَإِنَّ الشياطِين لَا تَقِيل»، وفي سنده (كثير بن مروان) وهو متروك، وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه من حديث خوات بن جبير ﵁ موقوفاً، قال: «نَوْم أَوَّل النَّهَار خَرْق، وَأَوْسَطه خَلْق، وَآخِره حُمْق، وسنده صحيح» (١)، والخرق: الجهل؛ وذلك لأنَّ البركة في أول النهار، ومن نام فيه فقد أضاع بركته، وهذا من جهله. الأمر الرابع: يُسنُّ عند شِدَّة الحر تأخير صلاة الظهر حتى ينكسر الحر. ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ (٢)» (٣). قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «أمَّا ما كان الناس يفعلونه من قبل، حيث يصلُّون بعد زوال الشمس بنحو نصف ساعة أو ساعة، ثم يقولون:

стр. 101

هذا إبراد، فليس هذا إبراداً! هذا إحرار؛ لأنه معروف أنَّ الحرّ يكون أشد ما يكون بعد الزوال بنحو ساعة، فإذا قدَّرنا مثلاً أنَّ الشمس في أيام الصيف تزول على الساعة الثانية عشرة، وأنَّ العصر على الساعة الرابعة والنِّصف تقريباً، فيكون الإبراد إلى الساعة الرابعة تقريباً» (١). والإبراد عام لمن يصلِّي في جماعة، ولمن يصلِّي وحده على الصحيح، وعليه يُسنُّ الإبراد للمرأة في بيتها أيضاً؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ﵀.

стр. 102

خامساً: وقت العصر هل يُسَنُّ قبل العصر شيءٌ من النوافل؟ تقدَّم الكلام على السُّنَن الرواتب وبيانها، وليس قبل العصر منها شيء، وورد عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رَحِمَ الله امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصر أَرْبَعاً» (١). وهذا الحديث مروي من طرق عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن إبراهيم بن مسلم، عن جدِّه مسلم بن مهران عن ابن عمر به، والحديث مداره على (محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى) وهو متكلَّم فيه. قال الذهبي ﵀ في الميزان: «قال الفلاس: يروي عنه أبو داود الطيالسي مناكير»، وقال عنه أبو زُرعة ﵀: «واهٍ، وليَّنه ابن مهدي» (٢). قال ابن القيِّم ﵀: «وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه ابن حبان، وعلله غيره، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي، عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى، عن أبيه عن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ : «رَحِمَ الله امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصر أَرْبَعاً»، فقال: «دع ذا»،

стр. 103

فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر ﵄ يقول: «حفظت عن النَّبيِّ ﷺ عشر ركعات، في اليوم والليلة»، فلو كان هذا لعَدَّه، قال أبي: كان يقول: «حفظت ثنتي عشرة ركعة» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأمَّا قبل العصر، فلم يقل أحد أنَّ النَّبيّ ﷺ كان يُصلِّي قبل العصر، إلا فيه ضعف، بل خطأ» (٢). وعليه فالصواب -والله أعلم-: أنه لا يُسَنُّ سُنَّة مقيَّدة قبل العصر، وإنما يبقى الأمر مطلقاً فمن شاء أن يُصلِّي ركعتين، أو أكثر من ذلك من قبيل التطوع المطلق، كما يصلِّي في غيرها من الأوقات سوى أوقات النَّهي فله ذلك، وأمَّا شيء مقيَّد قبل العصر فلا. أذكار الصباح المساء متى يبتدئ وقت أذكار الصَّباح، والمساء؟ وقت أذكار الصَّباح: يبدأ من طلوع الفجر الصادق الذي هو وقت صلاة الفجر، فإذا أذَّن المؤذِّن لصلاة الفجر ابتدأ حينئذ وقت أذكار الصَّباح، وهذا قول عامة العلماء ﵏. وهناك قول آخر: أنَّ ابتداءها يكون من نصف الليل الأخير. والصَّواب: قول عامَّة أهل العلم وهو طلوع الفجر، وسيأتي ما يدلّ على ذلك في كلام ابن القيِّم ﵀. ووقت أذكار الصباح والمساء، ابتداءً وانتهاءً، مما اختلف فيه أهل العلم ﵏؛ لأنه لم يَرِد نصّ مخصوص في تحديد وقتها، فاختلف أهل العلم: متى ينتهي وقت أذكار الصباح؟

стр. 104

فقيل: بطلوع الشمس، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في الكَلِم الطيِّب، وتلميذه ابن القيم في الوابل الصيب -رحمهما الله-. وقيل: بغروب الشمس، واختاره ابن الجزري و الشوكاني -رحمهما الله- (١). والأظهر -والله أعلم-: القول الأول، وأنه ينتهي وقتها بطلوع الشمس، ولكن لا بأس أن يقولها بعد طلوع الشمس، لاسيما إن كان تركها لعذر؛ ولأنَّ ما بعد طلوع الشمس يُسمَّى صباحاً، ولأنه يُحصِّل بذلك فضيلة الذكر، وبركته، وهذا أفضل من تركها، وغفلته بقيَّة يومه. وقت أذكار المساء: اختلف أهل العلم ﵏ في ابتداء وقت أذكار المساء، وانتهائه: فقيل: من زوال الشمس إلى غروب الشمس وأول الليل، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٢). وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، وهو ظاهر كلام النَّووي في كتابه الأذكار (٣). وقيل: بعد غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر على قول بعضهم، كابن الجزري، والشوكاني (٤). وقيل: إلى ثلث الليل.

стр. 105

وقيل: إلى نصف الليل، واختاره صاحب القاموس المحيط، ومنهم من لم يحدِّد وقت انتهاء -رحم الله الجميع-. والأظهر-والله أعلم-: أنه يبدأ بعد العصر إلى غروب الشمس، ويقال فيه كما قيل في وقت أذكار الصباح، من أنه لا يمنع قولها بعد غروب الشمس، لاسيما إن كان تركها لعذر، ولأنَّ ما بعد غروب الشمس يُسمَّى مساءً، ولأنَّه يحصِّل بذلك فضيلة الذكر، وبركته، وهذا أفضل من تركها، وغفلته بقيَّة يومه. قال ابن القيِّم ﵀: «الفَصْل الأول: في ذِكْر طَرفي النهار، وَهُمَا مَا بَيْن الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾، والأصيل قال الجوهري: هو الوقت بعد العصر إلى المغرب … ، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فالإبكار أول النهار، والعَشي آخِره، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وهذا تفسير مَا جاء في الأحاديث، مَنْ قَال كذا وكذا حِين يُصْبِح وحِين يُمْسي؛ أنَّ الْمُرَاد بِه قبل طُلوع الشمس، وقبل غروبها، وأنَّ محلّ هذه الأذكار بعد الصبح، وبعد العصر» (١). وسُئل شيخنا ابن عثيمين ﵀: «ما هو وقت أذكار المساء؟ وما هو الوقت الأفضل لها؟ وهل تقضى عند نسيانها؟». الجواب: الحمد لله، المساء واسع من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء كلها يُسمَّى: (مساء)، وسواء قال الذِّكْر في الأول، أو في

стр. 106

الآخر، إلا ما ورد تخصيصه بالليل، مثل: آية الكرسي من قرأها في ليله، فالذي يكون مقيَّداً بالليل يقال بالليل، والذي يكون مقيَّداً بالنهار يقال بالنهار، وأمَّا قضاؤها إذا نسيت فأرجو أن يكون مأجورا عليه (١). * * *

стр. 107

سادساً: وقت المغرب فيه عِدَّة أمور: الأمر الأول: من السُّنَّة كَفّ الصِّبيان أول المغرب. الأمر الثاني: من السُّنَّة إغلاق الأبواب أول المغرب، وذكر اسم الله تعالى. وفي فعل هذين الأدبين حفظ من الشياطين والجِنّ، ففي كفِّ الصبيان أول ساعة من المغرب حفظ لهم من الشياطين التي تنتشر ذلك الوقت، وكذا في إغلاق الباب هذه الساعة وذكر اسم الله تعالى عند إغلاقه، وكم من صبي وبيت تمكَّنت الشياطين منه في هذا الوقت وأهله لا يشعرون، فما أعظم رعاية الإسلام لصبياننا، ولبيوتنا! ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسيتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإنَّ الشيطَانَ يَنْتَشر حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ، فَإنَّ الشيطَانَ لَا يَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً» (١)، وجنح الليل هو: إقباله بعد غروب الشمس. وفي رواية لمسلم: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشيكُمْ، وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشياطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ

стр. 108

الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» (١). قال النَّووي ﵀: «فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ» أي امنعوهم من الخروج ذلك الوقت. قوله ﷺ : «فَإنَّ الشيطَانَ يَنْتَشر» أي جنس الشيطان، ومعناه: أنه يُخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين؛ لكثرتهم حينئذٍ -والله أعلم-. قوله ﷺ : «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشيكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشياطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ». قال أهل اللغة: (الفواشي): كل منتشر من المال، كـ: الإبل، والغنم، وسائر البهائم، وغيرها وهي جمع (فاشية)؛ لأنها تفشوا -أي تنتشر في الأرض-. و (فحمة العشاء): ظلمتها، وسوادها، وفسرها بعضهم هنا: بإقباله، وأول ظلامه، وكذا ذكره صاحب نهاية الغريب، قال: ويقال: للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء (الفحمة)، وللتي بين العشاء والفجر (العسعسة)» (٢). وبعدما تذهب مُدَّة من دخول الليل لا بأس بإطلاق الصبيان؛ لأنَّ الوقت الذي تنتشر فيه الشياطين قد ذهب، وقد يُفهم من هذا -والله أعلم- أنَّ الشياطين بعد هذه المُدَّة وجدت مأوى لها.

стр. 109

والحكمة من انتشار الشياطين في هذا الوقت دون النهار، كما ذكر ابن حجر ﵀: «لأنَّ حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك كل سواد» (١). قال الإمام ابن عبد البر ﵀: وفي هذا الحديث الأمر بغلق الأبواب من البيوت في الليل، وتلك سُنَّة مأمور بها، رفقا بالناس؛ لشياطين الإنس والجن، وأمَّا قوله: «فَإِنَّ الشيطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً» فذلك إعلام منه، وإخبار عن نِعَم الله على عباده من الإنس، إذ لم يُعْطَ قوة على فتح باب، ولا حل وِكَاء، ولا كشف إناء، وأنه قد حُرِم هذه الأشياء، وإن كان قد أعطي ما هو أكثر منها من التخلل، والولوج حيث لا يلج الإنس» (٢). وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀: «ويُسَنّ إذا جنّ الليل تغطية الإناء ولو بعرض عود، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب مسمياً الله تعالى في الثلاثة، وكفّ الصبيان، والماشية أول ساعة من الليل، وإطفاء المصباح للنوم» (٣). - وكفِّ الصبيان، وإغلاق الأبواب أول المغرب إنما هو من باب الاستحباب (٤). الأمر الثالث: صلاة ركعتين قبل المغرب. لحديث عبد اللّه بن مُغَفَّل المُزني ﵁ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ»، -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا

стр. 110

النَّاسُ سُنَّةً (١). - وأيضاً حديث أنسٍ ﵁ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ» (٢)، عن أنس بن مالِك ﵁ قال: «كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا» (٣). ويبتدرون: أي يسارعون، إلى السواري ليجعلوها سترة، وفي هذا بيان محافظتهم على اتخاذ السترة. قال ابن القيِّم ﵀: «وفي الصحيحين عن عبد الله المزني ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء»، كراهة أن يتخذها الناس سنة، وهذا هو الصواب أنهما سنتان مندوب إليهما، وليستا بسُّنَّة راتبة كسائر السُّنَن الرواتب» (٤). - وأيضاً يُسَنُّ صلاة ركعتين بين كل أذان، وإقامة. وسواء كانت هاتان الركعتان راتبة كالفجر، والظهر، فإنه يكفي بصلاته الراتبة عن هاتين الركعتين، أو كأن يكون جالساً في المسجد، ثم أذَّن المؤذِّن لصلاة العصر، أو العشاء فإن من السُّنَّة أن يقوم، ويصلي ركعتين. ويدلّ عليه: حديث عبد اللّه بن مُغَفَّل الْمُزَنِي ﵁، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» قالها ثلاثاً، قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» (٥).
следующие страницы →