الباب اللاحق: أنَّها استعارت من أسماء قلادة) انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ وما المانع من أن تكون القلادة ملكًا لها، وأنَّها المقطوعة، والمستعارة غيرها؟ فإنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّ القلادة ملك لها، فإَّن قولها: (انقطع عقد لي) ظاهر في الملكية، والاختصاص بها، وكيف تخبر عائشة الصديقة زوج النبيِّ الأعظم ﷺ أنَّ القلادة لها، والحال أنَّها لأسماء؟! وما كان يمنعها عن الإخبار بالواقع، وكيف يقال هذا؟! فعائشة لم تخبر إلَّا بالواقع: وهو أنَّ العقد المقطوع هو ملك لها، وأنَّ الذي استعارته هو غيره؛ لما قدَّمنا من رواية الطبراني، وفيه قالت عائشة: (لمَّا كان من أمر عقدي ما كان...)؛ الحديث؛ فانظر: كيف أضافته لنفسها، وما هي إلا باعتبار التملك والاختصاص، وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي)، وقال محمَّد بن حبيب الأنصاري: (سقط عقد عائشة...)؛ الحديث، فهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ العقد ملك لعائشة، ويحتمل تعدُّد القصَّة؛ لما قدَّمنا في حديث الطبراني، قالت: (خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى؛ فسقط أيضًا عقدي...)؛ الحديث؛ ولو اضطلع القسطلاني على هذا؛ لما قال ما قال، والحق أحقُّ أن يتَّبع؛ فافهم.
(فأقام رسول الله ﷺ على التماسه) أي: لأجل طلب العقد، (وأقام الناس معه) وقال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: (فانقطع عقد لي من جزع أظفار، فحبس الناس ابتغاءه) ففيه دليل على حرمة الأموال الحلال، وأنَّه لا يضيِّعها وإن كان قليلًا، ألا ترى أنَّ العقد كان ثمنه اثني عشر درهمًا، كما قدمناه، وفيه دليل على جواز حفظ الأموال وإن أدَّى إلى عدم وجود الماء في الوقت، وفيه دليل على جواز اتِّخاذ النساء الحلي واستعمال القلادة تجمُّلًا لأزواجهنَّ، كذا قرَّره إمام الشارحين، (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) كذا في رواية الأكثرين في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول في رواية أبي ذرٍّ، قاله إمام الشارحين؛ يعني: ليس عندهم ماء يكفي للوضوء، ويحتمل التعميم، والأظهر الأول، (فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) الأكبر ﵁، وفيه دليل على أنَّه هو الخليفة بعده ﵇، وإنَّما أتوا إليه ولم يأتوا النبيَّ الأعظم ﷺ ؛ يحتمل أنَّهم غلبهم الحياء منه ﵇، ويحتمل أنَّهم علموا إن أتوه ﵇؛ يغتاظ ويتأذَّى من فعل عائشة، ويحتمل أنَّهم علموا أنَّه ﵇ كان نائمًا وقتئذٍ، (فقالوا) للصدِّيق الأكبر: (ألا ترى) أي: تعلم (إلى ما صنعت عائشة؟) بإثبات ألف الاستفهام الداخلة على كلمة (لا)، وفي رواية الحمُّوي: (لا ترى)؛ بسقوطها، ففيه نسبة الفعل إلى من كان مسبِّبًا فيه؛ ولذا صرَّحوا باسم عائشة ﵂، والذي صنعته هو أنَّها (أقامت برسول الله ﷺ والناس) بالجر عطفًا على المجرور (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) وأسندوا الفعل إليها؛ لأنَّه كان بسببها، (فجاء أبو بكر) أي: الصدِّيق الأكبر إلى عند السيدة عائشة (ورسول الله) الواو للحال ﷺ واضع رأسه) الشريف (على فَخِذي) بفتح الفاء، وكسر الخاء، والذال المعجمتين (قد نام) أي: عليه، والظاهر أنَّ الإقامة كانت ليلًا، وأنَّهم لم يصلُّوا صلاة الوتر الواجبة؛ لأنَّ عادته ﵇ تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل؛ فليحفظ، وفيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أنَّ التهجد كان واجبًا عليه ﵇، (فقال) أي: أبو بكر لعائشة (حبستِ)؛ بكسر تاء التأنيث؛ أي: منعت (رسول الله ﷺ من السفر، (و) حبست (الناس) أي: منعتهم من السفر أيضًا (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) يعني: ليس عندهم عين جارية، وليس عندهم في رحالهم ماء يكفي لوضوئهم، ويحتمل أنَّه كان عندهم في رحالهم ماء، لكنَّهم في احتياجه للشرب لهم ولدوابهم وطعامهم؛ لأنَّ القافلة لا تخلو من الماء غالبًا؛ فافهم.
(فقالت عائشة) ﵂: (فعاتبني أبو بكر) وإنَّما لم تقل عائشة: عاتبني أبي، وسمته باسمه؛ لأنَّ مقام الأبوَّة لمَّا كان يقتضي الحنوَّ والشفقة، وعاتبها أبو بكر؛ صار مغايرًا لذلك، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي؛ فلم تقل: أبي، وكأنها اغتاظت منه لما يأتي، (وقال) أي: أبو بكر لها (ما شاء الله أن يقول)، وفي رواية عمرو بن الحارث، فقال: (حبست الناس في قلادة) أي: لأجلها، وفي رواية الطبراني قال: (يا بنية؛ في كلِّ سفر تكونين عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء) (وجعل يطعنُني)؛ بضمِّ النون، والعين المهملة، وكذلك جميع ما هو حسي، وأمَّا المعنوي؛ فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما معًا، كذا في «المطالع»، وحكى صاحب «الجامع» الضمَّ فيهما، قاله إمام الشارحين.
قلت: فالحسِّيُّ؛ كالرمح والعصا، فهو بالضمِّ، والمعنويُّ؛ كالطعن في النسب والقول، فهو بالفتح أو كلاهما بالفتح، كما علمت.
(بيده في خَاصِرتي)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، وهي الشاكلة، (فلا) وللأصيلي: (فما) (يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي)، وفيه دليل على استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة؛ إذ يحصل به التشويش للنائم، وكذا المصلي، والقارئ، والمشتغل بالعلم أو الذكر، وفيه دليل على جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم يكن حالة مباشرة، وفيه دليل على جواز تأديب الرجل ابنته ولو كانت مزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن له الإمام؛ فافهم.
(فقام رسول الله ﷺ حين أصبح)، وفي رواية: (فنام حتى أصبح)، والمعنى فيهما متقارب؛ لأنَّ كلًّا منهما يدلُّ على قيامه من نومه كان عند الصبح، وليس المراد بقوله: (حتى أصبح) بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنَّه قيد بقوله: (حين أصبح) بقوله: (على غير ماء) متعلق بـ (قام)، و (أصبح) على طريقة تنازع العاملين، و (أصبح) بمعنى: دخل في الصباح، وهي تامة؛ فلا تحتاج إلى خبر، كذا قرره إمام الشارحين؛ فليحفظ.
ففيه دليل على أنَّ طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، ويدل لهذا قوله في رواية عمرو بن الحارث: (وحضرت الصَّلاة، فالتمس الماء)، (فأنزل الله آية التيمم) وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، كما ذكره الحميدي، وسيأتي.
وقال ابن العربي: (لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة).
وقال ابن بطال: (هي آية النساء أو آية المائدة).
وقال القرطبي: (هي آية المائدة؛ لأنَّ آية النساء تسمَّى آية الوضوء، وليس في آية المائدة ذكر الوضوء).
وقال الواحدي: (عند ذكر آية النساء
стр. 387
أيضًا والآيتان مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلا بوضوء، فلمَّا نزلت آية التيمم؛ لم يذكر الوضوء؛ لكونه متقدمًا متلوًّا؛ لأنَّ حكم التيمُّم هو الطارئ على الوضوء، وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولًا أول الآية، وهو فرض التيمم، ثم نزلت (١) عند هذه الواقعة آية التيمم وهو تمام الآية: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، ويحتمل أن يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن، ثم نزلا معًا، فعبَّرت عائشة بالتيمم؛ لأنَّه المقصود.
قال إمام الشارحين: (ولو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في «جمعه» في حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة... ؛ فذكر الحديث، وفيه فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..﴾؛ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ لما احتاجوا إلى هذا التخرُّض، وكأنَّ البخاري أشار إلى هذا؛ إذ تلا بقيَّة الآية الكريمة) انتهى كلامه رحمه الباري.
(﴿فَتَيَمَّمُوا﴾) [النساء: ٤٣]؛ بصيغة الماضي؛ أي: فتيمم الناس بعد نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والظاهر أنَّ صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره؛ بيانًا أو بدلًا عن آية التيمم؛ أي: أنزل الله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢)، قاله إمام الشارحين، وفيه دليل على افتراض النية في التيمم؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿تَيَمَّمُوا﴾ (٣) : اقصدوا، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، وبه قال مالك، ومحمَّد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، والجمهور، وقال الإمام زفر، والأوزاعي: النيَّة فيه ليست بفرض قياسًا على الوضوء؛ فإنَّ الماء خلق مطهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، والتراب أيضًا طاهر لقوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا، فإذا كان الماء مطهرًا بنفسه؛ لا يحتاج إلى نيَّة الوضوء، فكذلك التراب لا يحتاج فيه إلى نيَّة التيمم يدلُّ عليه قوله ﵇: «التراب طهور المسلم...»؛ الحديث، وقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا...»؛ الحديث رواهما الشيخان، وقال الجمهور: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد: القصد الشرعي وهو لا يكون بدون النيَّة؛ يعني: أنَّ النصَّ يدلُّ على اشتراط القصد إلى الصعيد للطهارة؛ فإنَّه تعالى أمر بالغسل بالماء الذي هو مطهر طبعًا؛ ليحصِّل الطهارة، ثم أقام الصعيد مقامه عند عدمه في تحصيل ذلك المقصود بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا (٤) صَعِيدًا﴾، والتيمم: القصد فكأنَّ المراد: فإن لم تجدوا ماءً للتطهير؛ فاقصدوا إلى الصعيد للطهارة، فكان القصد إليه للطهارة داخلًا تحت الأمر على أنَّه التراب غير مطهر حقيقة، بل هو ملوث، فالشرع جعله طهورًا بشرطين؛ أحدهما: عدم الماء، والثاني: بالنية بأن يكون للصلاة؛ لأنَّ التراب غير طهور طبعًا، وإنَّما صار طهورًا في حالة مخصوصة شرعًا، وتمامه في شروح «الهداية»، (فقال) وفي رواية: (قال) (أُسَيْد) بضمِّ الهمزة مصغر: أسد (بن الحُضَيْر) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، قال الكرماني: وفي بعضها بالنون، وفي بعضها: (الحضير)؛ بالألف واللام، وهو نحو: الحارث من الأعلام التي تدخلها لام التعريف جوازًا، قال إمام الشارحين: (إنَّما يدخلونها للمح الوصفية)، و (أُسَيْد بن الحضير) ابن شمال الدوسي الأنصاري الأشهل أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العقبَة الثانية، مات بالمدينة سنة عشرين، وحمل عمر بن الخطاب جنازته مع من حملها وصلَّى عليه، ودفن بالبقيع، ثم قال: فإن قلت: في رواية عبد الله بن نمير، عن هشام: (فبعث رجلًا فوجدها)، وفي رواية مالك: (فبعثنا البعير فأصبنا العقد).
قلت: ليس بينهما تناقض؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المبعوث هو أُسَيْد بن حضير، فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون ﵇ هو وجدها عند أثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها؛ فلا يكون بينهما تعارض، قاله المهلب.
واعترضه إمام الشارحين فقال: هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى: (عقد)، وفي الأخرى: (قلادة)، فلا تعارض حينئذٍ، ويحتمل أن يكون قوله: (بعث رجلًا) يعني: أميرًا على جماعة كعادته، فعبَّر بعض الرواة بـ (أناس)؛ يعني: أُسَيْدًا وأصحابه، وبعضهم بـ (رجل) : يعني: المشار إليه، أو يكون قولها: (فوجده)؛ تعني بذلك: النبيَّ الأعظم ﷺ ، لا الرجل المبعوث.
فإن قلت: معنى قول أُسَيْد قاله دون غيره.
قلت: لأنَّه كان رأس المبعوثين في طلب العقد الذي ضاع، انتهى كلامه ﵁.
(ما هي) أي: البركة؛ فإنَّ القرينة الحالية والمقالية يدلان على أنَّ (هي) يرجع إلى البركة وإن لم يحضر ذكرها، والمراد بها: رخصة التيمم التي حصلت للمسلمين؛ أي: ليس هذه البركة (بأول بركتكم) والبركة: كثرة الخير (يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، ولفظة (آل) مقحمة، وأراد به: أبا بكر نفسه، ويجوز أن يراد به: أبا بكر وأهله وأشياعه، و (الآل) يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل، ولا يزداد طرًّا الآل، وفرَّق؛ لأنَّه بحسب تصوره ذكر ذلك، أو بطريق التهكم، ويجوز فيه: يال أبي بكر؛ بحذف الهمزة؛ للتخفيف، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: وفي رواية عمرو بن الحارث: (لقد بارك الله للناس فيكم)، وفي تفسير إسحاق السبتي من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة: أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال لها: «ما كان أعظم بركة قلادتك»، وفي رواية هشام بن عروة الآتية: «فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرًا»، وفي (النكاح) من هذا الوجه: «إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة»، وهذا يشعر أنَّ هذه القصة بعد قصة الإفك؛ فيقوى قول من ذهب إلى تعدُّد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمَّد بن حبيب الأنصاري، فقال: (سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق)، وقد اختلف أهل المغازي في أيِّ هاتين الغزاتين كانت أولًا، فقال الداودي: (كانت قصة التيمم في غزوة الفتح)، ثمَّ تردَّد في ذلك، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: (لمَّا نزلت آية التيمم؛ لم أدر كيف أصنع الحديث؟)، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأنَّ إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها بلا خلاف، وسيأتي في (المغازي) إن شاء الله تعالى أنَّ البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعري، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة، وممَّا يدلُّ أيضًا على تأخُّر القصَّة عن قصَّة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂، وقد تقدم ذكره قريبًا؛ فافهم، انتهى ما قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الغفور الكريم الباري.
стр. 388
(قالت) أي: عائشة ﵂: (فبعثنا) أي: أثرنا (البعير)؛ واحد الإبل من معناها؛ لأنَّ الإبل اسم جمع لا واحد لها من لفظها، بل من معناها، وهي مؤنثة (الذي كنت عليه) راكبة حالة السير مع أُسَيْد بن الحضير، (فأصبنا) وفي رواية ابن عساكر: (فوجدنا) (العِقْد)؛ بكسر العين المهملة، وسكون القاف؛ أي: القلادة (تحته) أي: تحت البعير، وهذا يدل على أنَّ الذي توجَّهوا في حاله أوَّلًا لم يجدوه.
قال إمام الشارحين: (فإن قلت: في رواية عروة في الباب الذي يليه: (فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها) أي: القلادة، وللبخاري في (فضل عائشة) من هذا الوجه، وكذا مسلم: (فبعث ناسًا من الصحابة في طلبها)، وفي رواية أبي داود: (فبعث أُسَيْد بن حضير ناسًا معه).
قلت: الجمع بين هذه الروايات أنَّ أُسَيْدًا (١) كان رأس المبعوثين لذلك، كما ذكرنا؛ فلذلك سُمَّي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وآثاروا البعير؛ وجده أُسَيْد بن حضير، وعلى هذا؛ فقوله في رواية عروة الآتية: (فوجدها) أي: بعد جميع ما تقدم من التفسير، وزعم النووي: أنَّه يحتمل أن يكون فاعل (وجدها) هو النبيُّ الأعظم ﷺ ، وقد بالغ الداودي في توهم رواية عروة، ونقل عن إسماعيل القاضي: أنَّه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير، وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين ولا وهم.
فإن قلت: في رواية عمرو بن الحارث: (سقطت قلادة لي)، وفي رواية عروة الآتية عنها: (أنها استعارت قلادة من أسماء -يعني: أختها- فهلكت) أي: ضاعت، فكيف التوفيق؟
قلت: إضافة القلادة إلى عائشة؛ لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها؛ لتصريح عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة) انتهى كلامه.
قلت: ولا مانع من تعدُّد القصة، فإنَّ الذي في رواية عمرو بن الحارث ظاهر في أنَّ القلادة كانت ملكًا (٢) لعائشة؛ لتصريحها بذلك؛ حيث قالت: (سقطت قلادة لي)، و (اللام) للملك أو الاختصاص، وأنَّ الذي في رواية عروة ظاهر في أنَّها ملك لأسماء، فهما واقعتان؛ لأنَّ ضياع العقد قد تكرر غير مرة كما ذكرنا، ويدل عليه رواية الطبراني، وقد تقدمت، وتمامه فيما قدمناه قريبًا؛ فافهم.
وفي الحديث دليل على أنه يستوي في التيمم الصحيح، والمريض، والمحدث، والجنب، ولم يختلف علماء الأمصار بالعراق، والشام، والمشرق، والمغرب، والحجاز في ذلك، وكان عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ﵄ يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء؛ لقوله : ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء؛ للأحاديث الواردة الثابتة في جواز تيمم الجنب، قاله إمام الشارحين.
قلت: ومثل الجنب الحائض والنفساء إذا طهرتا، وقد قال الثقات من النقاد: إنَّه ثبت رجوع عمر وابن مسعود ﵄ عن ذلك، وصارا يقولان بجواز تيمم الجنب؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أن في الحديث دليلًا (٣) على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وسلوك الطريق الذي لا ماء فيه.
ورده إمام الشارحين: بأن فيه نظرًا (٤)؛ لأنَّ المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، ويحتمل أنه ﵇ لم يعلم بعدم الماء مع الركب إن كان قد علم بأنَّ المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (ليس معهم ماء) أي: للوضوء، وأمَّا ما يحتاجون إليه للشرب؛ فيحتمل أنه كان معهم.
قلت: وقدمنا قريبًا ما يتعلق في ذلك، وفي الحديث جواز شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وإنما شكوا إلى أبي بكر؛ لكونه ﵇ كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه، كذا قالوا، واعترضهم إمام الشارحين: بأنه يجوز أن يكون شكواهم إلى أبي بكر دونه ﵇؛ خوفًا على خاطره ﵇ من تغيره عليها) انتهى.
قلت: ويحتمل أن تكون شكواهم إلى أبي بكر حتى يخبر بها النبيَّ الأعظم ﷺ ، فإن السلطان إذا كان في بلدة وأراد أحد الشكوى على آخر؛ فأولًا يشكو أمره إلى وزيره، والوزير يخبر به السلطان، كما لا يخفى، وفي الحديث دليل على أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع، وقال ابن عبد البر معلوم عند جميع أهل المغازي أنَّه ﵇ لم يصلِّ منذ فرضت الصَّلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل، أو معاند.
فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، ما الحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به؟
قلت: ليكون فرضه متلوًّا بالتنزيل، ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديمًا، فعملوا به، ثم نزلت بقيتها؛ وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ..﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] يدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، وقد يقال: إنَّ الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن أولًا، ثم أنزلا معًا، فعبرت عائشة بالتيمم؛ إذ كان هو المقصود.
فإن قلت: ذكر الجاحظ في كتاب «البرصان (٥)» أن الأسلع العرجي الذي كان يرتحل للنبيِّ الأعظم ﷺ قال للنبيِّ ﵇ يومًا: إني جنب، وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم؟
قلت: هذا ضعيف، ولئن صح؛ فجوابه: أنه يحتمل أن تكون قضية الأسلع واقعة في قصة سقوط العقد) انتهى ما قاله إمام الشارحين.
قلت: ويحتمل أن الأسلع لم يبلغه نزول الآية مدة، ثم لما ارتحل إلى النبيِّ الأعظم ﵇؛ أخبره بنزولها، فعبر كما سمع والله أعلم.
وفي الحديث دليل على جواز التيمم في السفر وهو بالإجماع، واختلفوا في الحضر، ومذهب الإمام الأعظم: أن التيمم جائز سواء كان مسافرًا أو مقيمًا
стр. 389
بمصر وهو المختار، كما في «شرح الدرر».
قال في «البحر» : (وهو الحق)، وقال فخر الدين الزيلعي: (لا فرق بين المسافر والمقيم، ومن هو خارج المصر أو داخله)، قال في «شرح الملتقى» : وهو الصحيح، وذلك لأنَّ الشرط عدم الماء، فأينما تحقق بعد وجود المقتضي؛ جاز؛ كذا في «العناية» عن «الأسرار»، وعدمه حقيقة أو حكمًا، وذلك بأن كان بينه وبين الماء عدوٌّ سواء كان آدميًّا أو غيره؛ كحية أو نار يخاف منه على نفسه إذا أتاه؛ فإنه يتيمم، وسواء خاف على نفسه أو ماله، كما في «البحر» ولو كان المال أمانة بيده، كما في «المبتغى»، لكن إن أمكن إخفاؤها؛ لم يجز ومقدار المال درهم، كما في «منهل الطلاب»، ويجوز التيمم لمريض يجد الماء، وخاف إن استعمله يشتد مرضه أو يمتد، كما في المتون، وكذا لو كان صحيحًا؛ فخاف حدوث مرض، كما في «القهستاني»، أو خاف الجنب الصحيح في المصر إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه؛ فإنه يتيمم عند الإمام الأعظم، وقال الإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن: لا يجوز؛ لأنَّ له أن يسخن الماء أو يدخل الحمام، كذا في «البحر»، ويجوز التيمم لصلاة الجنازة، وذلك إذا حضرت، والولي غيره؛ فخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته الصَّلاة عليها ومثلها صلاة العيدين، وأما الجمعة؛ فلا يجوز التيمم لها؛ لأنَّ لها خلفًا وهو فرض الظهر، وإذا ضاق الوقت؛ فخشي إن توضأ فات الوقت؛ لم يتيمم، لكنه يتوضأ ويصلي فائتة؛ لأنَّ الفوائت إلى بدل كلا فوات، كذا في «النهر»، وهو ظاهر المذهب، وقال الإمام زفر: يتيمم ولا يتوضأ؛ لأنَّ التيمم شرع؛ لتحصيل الصَّلاة بوقتها وهو قول الليث بن سعد، وأبي نصر بن سلام، ورجحه ابن الهمام في «فتح القدير»، وقال مالك وأصحابه: التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء، أو تعذر استعماله لمريض، أو خوف شديد، أو خوف خروج الوقت، وقال الشافعي: (لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف)، وبه قال الطبري، وقال الشافعي أيضًا: (إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت الصحيح والسقيم؛ يتيمم ويصلي ويعيد)، وقال عطاء ابن أبي رباح: (لا يتيمم المريض إن وجد الماء ولا غير المريض)، والله أعلم.
قال إمام الشارحين: (وفي الحديث دليل على جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهنَّ، فإذا كان لواحد نساء؛ فله أن يسافر مع أيتهنَّ شاء، لكن يستحب له أن يقرع بينهنَّ، فمن خرجت قرعتها؛ أخرجها معه، هذا مذهب الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: القرعة واجبة، وفي الحديث جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته، وفيه احتمال المشقة لأجل المصلحة؛ لقول عائشة: (فلا يمنعني من التحول إلا مكان رسول الله ﷺ ، وفيه دليل على فضيلة عائشة الصديقة، وأبيها الصديق الأكبر ﵄، وتكرار البركة منهما) انتهى، والله أعلم.
[حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي]
٣٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنَان) بكسر السين المهملة، وتخفيف النون، زاد الأصيلي: (وهو العَوَقِي)؛ بفتح العين المهملة، والواو، وكسر القاف، البصري الباهلي، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هُشَيْم) بضمِّ الهاء، وفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشِير -بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة- أبو معاوية الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال ابن عوف: (مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين)
(ح) مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد: (وحدثني) بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) (سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن النَّضْر) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، هو أبو عثمان البغدادي، مات بأصل جيحون، سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: أخبرنا هشيم)؛ بالتصغير، هو المذكور، فالبخاري يروي عن هشيم بواسطة شيخين؛ أحدهما: محمَّد بن سنان، والآخر: سَعِيْد بن النضر (قال: أخبرنا سَيَّار) بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة التحتية، آخره راء، هو ابن أبي سيار وردان أبو الحكَم -بفتح الكاف- الواسطي، وهو متفق على توثيقه، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين روى عنه: الأئمَّة الستة، ولهم شيخ آخر يقال له: سيار، لكنه تابعي شامي، أخرج له الترمذي، وروى معنى الحديث عن أبي أمامة، وتمامه في «عمدة القاري»، مات بواسط سنة اثنتين (١) وعشرين ومئتين (قال: حدثنا يزيد) من الزيادة، زاد في رواية: (هو ابن صهيب)؛ بالتصغير، والتخفيف (الفقير) ضد الغني، أبو عثمان الكوفي أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ﵁، وإنَّما قيل له الفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، ويقال له: فقِّير؛ بالتشديد أيضًا (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (جابر بن عبد الله) هو الأنصاري الخزرجي ﵁: (أن النبيَّ) الأعظم ﷺ قال) أي: في عام غزوة تبوك، كما رواه أحمد ابن حنبل، وسيأتي: (أُعطيت) بضمِّ الهمزة مبني للمفعول، والمعطي هو الله الواحد القهار، فهو معلوم لكل مخلوق (خمسًا) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فُضِّلت على الأنبياء ﵈ بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبوة...»؛ الحديث، وعنده أيضًا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، ولفظ الدارقطني: «وترابها طهورًا»، وعند النسائي: «وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعط منه أحد بعدي»، وعند أبي محمَّد الجارود في «المنتقى» من حديث أنس ﵁: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا»، وعن أبي أمامة: أن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء»، أو قال: «أمتي على الأمم بأربع: جعل الأرض كلَّها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا؛ فأينما أدركت الرجل الصَّلاة من أمتي؛ فعنده مسجده، وعنده طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي...»؛ الحديث، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: «وأوتيت (٢) الكوثر»، وفي حديث علي ﵁ عند أحمد: «وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم»، وعند أحمد أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه ﵇ قال ذلك عام غزوة تبوك»، وفي حديث السائب ابن أخت النمر: «فضلت على الأنبياء ﵈ بخمس: أرسلت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم».
قال إمام الشارحين: (السائب المذكور: هو ابن يزيد بن سعد
стр. 390
المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي الأعظم ﷺ مقدمه من تبوك، وشهد حجة الوداع، وذهبت به خالته، وهو وجيع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ فدعا له ومسح برأسه، وقال: «نظرت خاتم النبوة»، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم: «وأحل لي الأخماس»، وإذا تأملت؛ وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة (١) خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك عند إمعان التتبُّع، وقد ذكر أبو سَعِيْد النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» أن الذي اختص به نبينا ﵇ ستون خصلة) انتهى.
قلت: وقد ذكر الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد المنيني العثماني في كتابه «الخصائص» : (أن الذي اختص به نبينا الأعظم ﷺ فوق المئة)، وذكر السيوطي منها نحو السبعين، وذكر القسطلاني في «المواهب» بعضًا منها، ولم أر أجمع من كتاب «الخصائص» للمنيني، فإنَّه مفيد جدًّا، لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.
قال إمام الشارحين: (فإن قلت: بين هذه الروايات تعارض؛ لأنَّ المذكور فيها الخمس، والست، والثلاث.
قلت: لا تعارض؛ لأنَّ التنصيص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، وقد علم في موضعه)، وأجاب القرطبي: بأن ذكر الأعداد لا يدل على الحصر؛ فإن من قال: عندي خمسة دنانير مثلًا؛ لا يدل على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أخرى: عندي عشرون، ومرة أخرى: ثلاثون، فإن من كان عنده ثلاثون؛ صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة؛ فلا تعارض ولا تناقض، ويجوز أن يكون الرب أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بستٍّ) انتهى.
(لم يعطهن أحد) أي: من الأنبياء (قبلي) يعني: لم يجمع لأحد قبله هذه الخمسة؛ لأنَّ نوحًا ﵇ بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع؛ فلم يعط واحد منهن قبله أحد، وأما كونها مسجدًا؛ فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصَّلاة، كذا قاله الداودي.
قلت: وفيه نظر، فإن قوله: (فلم يأت...) إلخ ممنوع؛ فقد أخرج البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلي حتى يبلغ محرابه»، وفي حديث آخر مرفوعًا: «وإنَّما كانوا يصلون في كنائسهم»، فهذا نص ثابت للخصوصية.
وظاهر حديث الباب أنَّ كل واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك، وزاد في حديث ابن عباس: (لا أقولهن فخرًا)؛ فليحفظ.
وقوله: (وقد كان عيسى...) إلخ لا ينهض دليلًا لمدعاه؛ لأنَّه يحتمل أن عيسى ﵇ يسيح في الأرض، ويرجع ويصلي في الكنيسة، ويدل لذلك أن الصَّلاة كانت في شريعته ومن قبله صلاتان؛ صلاة عند طلوع الشمس، وصلاة عند غروبها، قال الله تعالى: ﴿...﴾ (٢)، فإذا كان كذلك فعيسى يصلي أول النهار في محرابه، ثم يسيح إلى أن يقرب الغروب فيرجع فيصلي في محرابه، كما لا يخفى.
وزعم ابن حجر أن نوحًا ﵇ بعد خروجه من السفينة كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض؛ لأنَّه لم يبق إلا من كان مؤمنًا، وقد كان مرسلًا.
وردَّه إمام الشارحين: (بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنَّما وقع لأجل الحادث الذي حدث؛ وهو انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس وعموم رسالة نبينا الأعظم ﷺ في أصل البعثة) انتهى.
ثم قال: (وزعم ابن الجوزي أنه كان في الزمان الأول إذا بعث إلى قوم؛ بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمان الواحد جماعة من الرسل، فأمَّا نبينا الأعظم ﷺ ؛ فإنَّه انفرد بالبعثة، فصار بذلك الكل من غير أن يزاحمه أحد) انتهى.
ثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: يقول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة: (أنت رسول إلى أهل الأرض)؛ فدل على أنه كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض.
قلت: ليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، ولئن سلمنا أنه كان مرادًا؛ فهو مخصوص بتنصيص القرآن؛ حيث أخبر في عدة آيات أنَّ إرسال نوح إلى قومه، ولم يذكر أنَّه أرسل إلى غيرهم) انتهى.
قلت: أمَّا النبيُّ الأعظم ﷺ ؛ فإنَّه قال في حقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] والفرق بينهما بيِّن؛ فافهم، ثم قال إمام الشارحين: فإن قلت: لو لم يكن نوح مبعوثًا إلى أهل الأرض كلهم؛ لما أهلك كلهم بالغرق إلا أهل السفينة؛ لقوله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قلت: قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح، وعلم نوح بأنَّهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم، قيل: هذا جواب حسن، ولكن لم ينقل أنَّه نبئ في زمن [نوح] غيره.
قلت: يحتمل أنَّه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد؛ فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسيره سورة هود، قال: (وغير ممكن أنَّ نبوته لم تبلغ القريب؛ لطول مدته)، وقال القشيري: (توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًّا في حق بعض الأنبياء وإن كان إلزام فروع شريعته ليس عامًا؛ لأنَّ منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم؛ لم يقاتلهم).
قلت: وفيه نظر لا يخفى، وأجاب ابن حجر: بأنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح؛ فبعثته خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم؛ لم يكن مبعوثًا إليهم.
قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يكون بعثته عامة لقومه؛ لكونهم الموجودين، وعندي جواب آخر: وهو أن الطوفان لم يرسل إلا إلى قومه الذين هو فيهم ولم يكن عامًّا، وهو جيد إن شاء الله تعالى، انتهى كلام إمامنا إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الحليم الباري.
(نُصِرت) بضمِّ النون، وكسر الصاد المهملة (بالرُّعْب)؛ بضمِّ الراء، وسكون العين المهملتين؛ الخوف، زاد أبو أمامة: (يقذف في قلوب أعدائي)، كما ذكرناه، وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرعُب)؛ بضمِّ العين، والباقون
стр. 391
بسكونها، يقال: رعبت الرجل أرعبه رعبًا؛ أي: ملأته خوفًا، ولا يقال: أرعبته، كذا ذكره أبو المعالي، وحكي عن أبي طلحة: (أرعبته ورعبته، فهو مرعب)، وفي «المحكم» : (فهو رعيب ورعبة ترعيبًا وترعابًا فرعب)، وفي «الجامع» : (رعبته فأنا راعب، ويقال: رعب، فهو مرعوب، والاسم الرعب؛ بالضم)، وفي «الموعب» : (رجل رعب ومرتعب، وقد رعب ورعب)، كذا في «عمدة القاري»، (مسيرة) بفتح الميم (شهر) جعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر منه، كذا في «عمدة القاري»، (وجعلت) بضمِّ الجيم (لي) زاد أبو أمامة: (ولأمتي) (الأرض) كلها (مسجدًا)؛ بكسر الجيم؛ موضع سجوده، وهو موضع الجبهة على الأرض، ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع آخر، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد: هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها؛ كان المسجد المعهود كذلك، قاله إمام الشارحين.
قلت: وعلى هذا الاحتمال؛ فهو مجاز عن المكان المعد للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصَّلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.
فإن قلت: فعلى هذا الاحتمال؛ لم (١) عدلوا عن حمله على الحقيقة اللغوية؛ وهي موضع السجود؟
قلت: أجاب في «المصابيح» : (بأنه إن بني على رأي سيبويه أنه إذا أريد به موضع السجود؛ يقال: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أن الخصوصية هي كون الأرض محلًا؛ لإيقاع الصَّلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع آخر) انتهى.
قلت: وهذا مردود، فإن من كان قبل نبينا الأعظم ﷺ من الأنبياء ﵈ إنَّما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، ويدل لهذا: قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم»، وأخرج البزار من حديث ابن عباس ﵄؛ نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه»، فهذا نص صريح في موضع النزاع، فتثبت الخصوصية، فهذه الأمة المحمَّدية خصت بجواز الصَّلاة في جميع الأرض، إلا في المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تيقنت نجاسته، ففي حديث أبي سَعِيْد الخدري ﵁ قال: قال النبي الأعظم ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، رواه أبو داود، وفي حديث ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبيُّ الأعظم ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله ، رواه الترمذي وابن ماجه.
وقد أخذ الإمام أحمد بظاهرهما؛ فمنع صحة الصَّلاة في هذه المواضع، ورد بأن حديث أبي سَعِيْد قد طعن في سنده الحفاظ، وقال الترمذي: (فيه اضطراب)، وقال غيره: إنه ضعيف، وحديث ابن عمر قد تكلم في رجال سنده الثقات، وقال الترمذي: (إسناده ليس بالقوي)، وقال غيره: إنه ضعيف، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، فلهذا قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: الصَّلاة في هذه المواضع مكروهة، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
قال إمام الشارحين: (فإن قلت: كان عيسى ﵇ يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصَّلاة.
قلت: ذكر «مسجدًا وطهورًا» وهذا مخصوص بالنبيِّ الأعظم ﷺ ؛ حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصَّلاة فيه، وكذلك التيمم) انتهى.
قلت: وقدمنا ما فيه قريبًا، فلا تكن من الغافلين.
(و) جعلت لي الأرض (طهورًا)؛ بكسر الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد به الآلة، وهو كل ما على وجه الأرض، وبالفتح: مصدر بمعنى: النظافة، وبالضم: فضل ما يتطهر به، هذا هو المشهور، فقول القسطلاني: (بفتح الطاء على المشهور) غير مشهور عند الجهمور؛ فافهم، و (أل) في (الأرض) للجنس؛ فيشمل جميع أجزائها، فوصفها النبيُّ الأعظم ﷺ بالطهارة، وهذا يدل على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ كالتراب، والرمل، والحجر الأملس المغسول، والجص، والنورة، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، والتوتياء، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والحائط المطين، والمجصص، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والمرجان، والأرض الندية، والطين الرطب، والآجر، ومسكوك الذهب والفضة، والخليط بالتراب إذا كان التراب غالبًا، وبالخزف، والحديد، والنحاس، وشبههما ما داما على الأرض، فإن جميع هذا أجزاء الأرض بخلاف غيرها؛ كالثلج، فإنه لا يجوز، ومثله الزجاج، وكذا التراب ونحوه المستعمل في التيمم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمَّة، وهو قول الأوزاعي، وسفيان الثوري، وجوزاه بالثلج، والمسك، والزعفران أيضًا.
وقال مالك: يجوز بالتراب، والرمل، والحشيش، والشجر، والثلج، والجص، والآجر.
وقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار.
وتعلقًا بحديث حذيفة عند مسلم: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا»، ورد بأن الأصيلي قال: (تفرد أبو مالك بهذه اللفظة، وليست ثابتة عند بقية الرواة)، وقال القرطبي: لا يظن أن ذلك مخصص له، فإن التخصيص إخراج ما يتناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عين واحدًا مما يتناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّالِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وغير بعض ما يتناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، ولذلك ذكر التوبة في حديث حذيفة، ويقال: الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره، وأجاب ابن حجر، فزعم أنه ورد في الحديث المذكور
стр. 392
بلفظ (التراب)، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: «جعل لي التراب طهورًا»، أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، ورده إمام الشارحين بما ذكره القرطبي آنفًا، ثم قال: (على أن تعيين لفظ «التراب» في الحديث المذكور؛ لكونه أمكن وأغلب، لا لكونه مخصوصًا به، على أنا نقول التمسك باسم الصعيد أولى؛ وهو وجه الأرض، وليس باسم للتراب فقط، بل هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه أو غيره) انتهى.
قلت: وهو وجيه؛ فإنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الصعيد هو وجه الأرض ترابًا أو صخرًا، أملس أو غيرهما كما قاله الزجاج، وبه صرح القرآن في عدة آيات، فالآية مطلقة، والحديث إن صح خبر واحد، ولا يجوز تقييد إطلاق الآية بخبر الواحد؛ لأنَّه نسخ، وهو لا يجوز عند المحققين، فالحق ما عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويدل لما قاله قوله: (فأيما رجل)؛ لفظة (أي) مبتدأ يتضمن معنى الشرط، ولفظ (ما) زيدت لزيادة التعميم، ولفظ (رجل) مضاف إليه (من أمتي) متعلق بمحذوف؛ تقديره: كائن من أمتي (أدركته الصَّلاة) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها الجر؛ لأنَّها صفة (رجل)، وفي رواية أبي أمامة: (فأيما رجل من أمتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماء (١)؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا)، رواه البيهقي، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده»، وقوله: (فليصل) خبر المبتدأ، ودخول الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمنًا معنى الشرط؛ ومعناه: فليتيمم وليصل؛ ليناسب الأمرين المسجد والطهور، فهذا دليل واضح على جواز تيمم الحضري إذا عدم الماء، وخاف فوت الصَّلاة، وعلى أنه لا يشترط له التراب، فإنه قد تدركه الصَّلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها أصلًا، بل ولا رمل، ولا جص، ولا غيرهما، وقال ﵇: «بعثت بالحنفية السمحة»؛ أي: السهلة، وقال تعالى: ﴿[وَ] مَا (٢) جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وتخصيص التراب ينافي هذا؛ لأنَّ فيه حرجًا ومشقة، والحرج مدفوع؛ فليحفظ.
(وأحلت) بضمِّ الهمزة (الغنائم) جمع غنيمة؛ وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل، وركاب، وقهر، وفي رواية الكشميهني وكذا مسلم: (المغانم)؛ بالميم قبل الغين المعجمة، ثم ألف، وبعدها نون، جمع مغنم، قال الجوهري: (كلاهما بمعنًى واحد) (ولم تحل لأحد) من الأنبياء (قبلي)؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن إذا غنموا شيئًا؛ لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد: أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلًا، كذا قاله إمام الشارحين، (وأعطيت) بضمِّ الهمزة (الشفاعة) وهي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري عن المبرد وثعلب: أنها الدعاء، والشفاعة: كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها، وفي «الجامع» : (الشفاعة: الطلب من فعل الشفيع، وشفعت لفلان؛ إذا كان متوسلًا بك فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع له)، وقال ابن دقيق العيد: الأقرب أن (اللام) للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وقيل: في رفع الدرجات في الجنة، وقيل: قوم استوجبوا النار، فيشفع لهم في عدم دخولهم إياها، وقيل: هي إدخال الجنة بغير حساب، وهي أيضًا مختصة به ﷺ ، كذا في «عمدة القاري»، (وكان النبي) من الأنبياء قبلي (يبعث إلى قومه) أي: المبعوث إليهم (خاصة) بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة)؛ كالعاقبة والعافية، منصوب على أنه مفعول مطلق بمحذوف؛ تقديره: أخص النبي من قبلي بالبعث إلى قومه خصوصًا بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِّد-بكسر الكاف- خلافًا لابن مالك، والتاء فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال؛ بمعنى: مخصوصًا، كذا في شرحنا «منهل الطلاب»، (وبعثت) أي: أنا (إلى الناس) أي: لقومه وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: (عامة) بمعنى: عمومًا، منصوب على أنه مفعول مطلق، أو على الحال، كما قدمناه في (خاصة) قريبًا؛ فافهم، وفي رواية أبي هريرة: «وأرسلت إلى الخلق كافة»، رواها مسلم، وهي أظهر الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه ﵇ قد أرسل أيضًا إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] و (العالمَين) : جمع عالَم بالفتح؛ وهو كل ما سوى الله ، فيشمل الإنس، والجن، والملائكة، وجميع الحيوانات، ويدل عليه: حديث الإسراء وحين مولده ﵇، وصريح آيات القرآن، ومخاطبته تعالى له ﵇ في عدة آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالعالم كلهم أمته، لكن من دعي وأجاب؛ يقال لهم: أمة الإجابة كالمسلمين، ومن دعي ولم يجب كالنصارى واليهود؛ يقال لهم: أمة الدعوة (٣)، فالنبيُّ الأعظم ﷺ قد أرسل إلى كافة الخلق، كما نطق بذلك القرآن، والتوراة، والإنجيل، كما لا يخفى على من تتبع، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه تعالى أرسلهم إلى قومهم فقط، فقال في نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، وغير ذلك.
وفي الحديث دليل على أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية على مساعدة للخبر (٤)، مبينة له، واقعة لما يخشى من آفات الأخبار وهي القرآن الباقي، وخص الله نبيه الأعظم ﷺ ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان، وفيه ما خصه الله تعالى به من الشفاعة وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شفع فيه، كما ورد في حديث الشفاعة: «قل: يسمع، واشفع تشفَّع»، ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء ﵈، وفيه: دليل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يشترط فيه التراب فقط، وفيه: دليل على جواز تيمم المقيم بالمصر إذا عدم الماء وخاف فوت الصَّلاة، وفيه: دليل على أن الله تعالى قد أباح الغنائم للنبيِّ الأعظم ﷺ ولأمته بعد أن كانت في الأمم الماضية محرمة، والله تعالى أعلم.
(٢) [باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا]
هذا (باب)؛ يذكرُ فيه ما (إذا لم يجد) الرَّجل (ماءً)؛ بالمد، ليتَوضأ به، أو يغتسل (ولا ترابًا) ولا غيره من أجزاءِ الأرضِ؛ ليتيمم به، وذلك بأن كان في سفينة لا يصل إلى الماء، أو مسجونًا بكنيف نجسة أرضه وجداره، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يصلي بلا وضوء ولا تيمم أم لا؟ وفيه مذاهب للعلماء على [ما] سنذكره.
ووجه المناسبة في تقديم هذا الباب على بقية الأبواب بعد ذكر كتاب
стр. 393
التيمم؛ هو أنه صدَّر أولًا بذكر مشروعية التيمم عند عدم الماء، ثم ذكر بعده حكم من لم يجد ماءً ولا ترابًا، هذا على تقدير كون هذا الباب في هذا الموضع، وفي بعض النُّسخ ذكر بعد قوله: (كتاب التيمم) : (باب التيمم في الحضر)، ثم ذكر بعده: (باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا)، وعلى هذا؛ المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر أولًا حكم التيمم في السَّفر، ثم ذكرَ بعده حكمه في الحضر، ثم ذكر حكم عدم الماء والتراب معًا، وهو على هذا الترتيب كما ينبغي، ولم يتعرض لمثل هذه
[حديث عائشة: أنّها استعارت من أسماءَ قلادةً فهلكتْ]
٣٣٦ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا زكريا بن يحيى) هكذا وقع في جميع الروايات من غير ذكر جده، ولا نسبه، ولا شيء هو مشتهرٌ به، والحال أنَّ المؤلف روى عن اثنين كل منهما يُقال له: زكريا بن يحيى؛ أحدهما: زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي البَلخي الحَافظ، المتوفى ببغداد سنة ثلاثين ومئتين، والآخر: زكريا بن يحيى بن عمر الطَّائي الكوفي أبو السَّكَين؛ بفتح السِّين المُهملة، وفتح الكاف، المتوفى ببغدادَ سنة إحدى وخمسين ومئتين؛ وكلاهما يرويان عن ابنِ نُمير، فزكريا هذا يحتملهما، وأيًّا كان منهما؛ فهو على شرطه؛ فلا يوجب الاختلاف بينهما قدحًا في الحديث وصحته، ومالَ الغسَّاني والكلاباذي إلى الأوَّل، فقال الغسَّاني: حديث البخاري عن زكريا البلخي في التيمم وفي غيره، وعن زكريا أبو السَّكَين في (العيدين)، وقال الكلاباذي: البلخي يروي عن ابن نُمير في (التيمم)، وقالَ ابن عدي: (هو زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة)، وإلى هذا مال الدَّارقطني؛ لأنَّه كوفي، كذا قالهُ إمام الشَّارحين، (قال: حدثنا عبد الله بن نُمير) بضمِّ النون، الكوفي (قال: حدثنا هشام بن عُرْوة) بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، (عن أبيه) هو عُرْوة بن الزُّبير بن العوام، (عن عائشةَ) الصِّديقة بنت الصِّديق الأكبر ﵄: (أنَّها استعارت من أسماءَ) هي أختُها، وهي المُلقبة بذات النِّطاقين (قِلادةً)؛ بكسر القاف، وكانت تُدعى السِّمط، تبلغُ السُّرة، كما صرَّح به الحافظ الطَّحاوي في هذا الحديث من طريق عُرْوةَ، عن عائشة، وكانت من جذعِ أظفار، قاله أبو عُبيد البكري، (فهلكت) أي: ضَاعتْ، وفي رواية الحميدي في «مُسْنده» عن سفيان: حدثنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه في هذا الحديث فقال فيه: إنَّ القِلادة سقطت ليلة الأبواء؛ وهي بين مكة والمدينة؛ فليحفظْ.
لا يُقال: إنَّ عائشة قالت في الباب السَّابق: (انقطع عِقدٌ لي إنَّه لأسماء)، وإضافته إلى نفسها هناك باعتبار أنَّه كان تحت يدها وتصرفها بدليل هذه الرِّواية؛ لأنَّا نقول المذكور في الباب السَّابق قصة العقد، والمذكور في هذا الباب قصة القِلادة، فالعِقد غير القِلادة فهما قصتان، ويدل لذلك: أنَّ ضياع العقد قد تعدد مرَّاتٍ، فالعقد الذي في الباب السَّابق هو مِلكٌ لعائشةَ؛ لإخبارها بأنَّه لها، وهي لا تُخْبِر بخلاف الواقع، وهذه القصة وقعت ليلة الأبواء، وقصة الباب السَّابق وقعت في غزوة ذاتِ الرِّقاع، كما قدمناه مفصَّلًا؛ فافهم.
(فبعثَ رسول الله ﷺ رجلًا) في طلبها، وهو أُسَيْد بن حُضَيْر؛ بضمِّ الهمزة مصغرًا، وبضمِّ الحاء المهملة، وفتح المعجمة، وسكون التحتية، (فوجدها) أي: القِلادة، ولا منافاة بين هذا وبين قولها في الباب السابق: (فأصبنا العِقد تحت البعير)؛ لأنَّ لفظ (أصبنا) عام يشمل عائشة والرَّجل، فإذا وجد الرَّجل بعد رجوعه؛ صدق قوله: (أصبنا)، ويحتمل أن النَّبيَّ الأعظم ﷺ هو الذي وجده بعد ما بعثه إليه كما سبق؛ فافهم، (فأدركتهم الصَّلاة) وفي رواية الحافظ الطَّحاوي في نحو هذا الحديث: (قالت عائشة: فلمَّا نزلنا مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ لصلاة الصُّبح...)؛ الحديث، فعُلِمَ به أنَّها صلاة الفَجر؛ فليحفظْ، (وليس معهم ماء) يُحتَمل أنَّه ليس معهم ماء يكفي للشُّرب لهم، ولدوابهم، وللطَّعام، والوضوء، ويُحتَمل أنَّ الماء قد فرغ منهم بالكلية بسبب مكثهم وإقامتهم في هذا المكان؛ لأجل انتظار القلادة، وهو الظاهر؛ فتأمل، (فصلُّوا) أي: بغير وضوء، كما صرَّح به المُؤلف في (سورة النِّساء) في فضل عائشة، وكذلك مُسلم في «صحيحه» أي: وبغير تيمم، كما صرح به الطبراني في «الكبير»، وفيه: (فصلو [ا] بغير طهور...)؛ الحديث، وهو شاملٌ للماء والتُّراب، لكن روى الحافظ الطَّحاوي من حديث عُرْوة عن عائشة قالت: (أقبلنا مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ من غزوة كذا، حتى إذا كنَّا بالمعرض قريبًا من المدينة؛ نفست من الليل، وكانت عَليَّ قِلادة تدعى السمط، تبلغ السُّرة فجعلت أنفس، فخرجت من عنقي، فلمَّا نزلت مع النبيِّ الأعظم صلى الله [عليه] وسلم لصلاة الصبح؛ قلت: يا رسول الله؛ خرجت قلادتي، فقال للناس: «أمكم قد ضلتْ قِلادتها فابتغوها» فابتغاها النَّاس، ولم يكن معهم ماء فاشتغلوا في ابتغائها إلى أن حضرتهم الصَّلاة، ووجدوا القلادة، ولم يَقْدِروا على الماء، فمنهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المنكِب، ومنهم من تيمم على جِلده، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزلت آية التَّيمم) انتهى، فهذا يدل على أنهم صلوا بالتَّيمم؛ لأنَّ فيه التصريح بأنهم تيمموا، وأجاب إمام الشَّارحين: بأنَّ هذا التيمم المختلف فيه عندهم كلا تيمم؛ لعدم وجود النَّص حينئذٍ، فصار كأنهم صلوا بغير طهور، ويؤيد ذلك ما رواه الطَّبراني في «الكبير» من حديث هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن عائشة: أنها استعارت قِلادةً من أسماء، فسقطت من عنقها فابتغوها فوجدوها فحضرت الصَّلاة، فصلوا بغير طهور...)؛ الحديث، فقوله: (بغير طهور) يتناول الماء والتراب، فدل على أنَّ التيمم الذي تيمموه (١) على اختلاف صفته كان حكمه حكم العدم، ألا ترى أنَّه لو كان معتبرًا به ومعتمدًا عليه قبل نُزول الآية؛ لما سأل عمَّار ﵁ الَّذي هو أحد من تيمم ذلك التَّيمم المُختلف فيهرسول الله ﷺ عن صفة التيمم، فسؤاله هذا إنَّما كان بعد تيممه بذلك التيمم.
فإن قلتَ: هذا التَّيمم المختلف فيه هل عملوه باجتهاد ورأي من عندهم أم بالسنة؟
قلتُ: الظَّاهر أنه كان باجتهاد منهم، فرجع هذا إلى المسألة المختلف فيها، وهي أن الاجتهاد في عصره ﷺ هل يجوز أم لا؟ فمنهم: من جَوَّزه مطلقًا، وهو المختار عند الأكثرين، ومنهم: من منعه مطلقًا، وقال بعضهم: يجوز للغائيبن عن الرَّسول دون الحاضرين، ومنهم: جوزه إذا لم يوجد مانع، انتهى كلام إمام الشارحين.
قلت: ومراده بقوله: (وقال بعضهم) : ابن حجر، ولا وجه لما قاله؛ لأنَّ هذا توفيق بين القولين، وكأنه لم يعلم بأن القول الأول هو المُختار، وأنه قول الأكثرين، وإذا اختلف في مسألة؛ فالعبرة لما اختاره
стр. 394
الأكثر؛ فلا يحتاج إلى هذا التوفيق الذي قاله على أنَّه لا عُذر للغائبين، فقديسألون برسول، أو كتاب، أو يبلغهم ممن كان بحضرته ﵇، فالجواز مطلقًا هو الحق، والحق أحق أن يتبع.
(فشَكوا)؛ بفتح الشين المعجمة، والكاف المخففة، من الشِكاية: وهي رفع الأمر إلى الحاكم أو غيره ممن له قدرة على رفعه (ذلك) أي: المذكور (إلى رسول الله ﷺ وفي الرِّواية السَّابقة: (فشَكوا ذلك إلى أبي بكر)، ولا منافاة بينهما؛ فإن في الرواية السابقة عَلموا بقرائن المقال والأحوال أنَّه يتغير خاطره ﵇ على السيدة عائشة، وهنا في هذه الرواية عَلِموا بقرائن الأحوال والمقال: أنَّه لا يتغير خاطره ﵇ عليها، ويحتمل أنَّه هناك شَكوا إلى أبي بكرٍ؛ لكونه ﵇ كان نائمًا، وهنا كان يقظان؛ فافهم.
(فأنزل الله) (آية التَّيمم) وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] في سورة (المائدة)، والظاهر أنَّه ﵇ قبل نزول الآية توقف عن جوابهم حين شَكوا إليه؛ طمعًا بنزول الوحي، فحقق الله رجاءه؛ لأنَّه لا يَنطقُ عن الهوى؛ فتأمل.
(فقال أُسَيْد بن حُضَيْر) بضمِّ الهمزة؛ مصغرًا، وبضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية: هو ابن شمال الدوسي الأنصاري الأشهلي أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العَقَبَة (لعائشة) : زوج النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، ورضي الله عنها (جزاكِ الله خيرًا)؛ بكسر الكاف؛ أي: قابلكِ وأعطاكِ الله الخير الجزيل، (فوالله ما نزل بك أمر) من الأمور (تكرهينه) طبعًا؛ لأنَّه في الشَّرع غير مكروه؛ لأنَّ العبد تحت إرادة الله يُسَيِّره كيف يشاء، لا سيما هذه القصة (إلا جعل الله ذلك) أي: الأمر المكروه طبعًا (لكِ) بكسر الكاف (وللمسلمين فيه خيرًا) حيث دلهم سبحانه على استعمال الصعيد عند فقد الماء في الصَّلاة، ولا ريب أنَّها خيرٌ؛ لأنَّه جعلها عماد الدِّين، وصحتها إنَّما تكون بالطَّهارة؛ لأنَّ أول شيء يُسأل عنه العبد في القبر الطهارة.
وجهُ مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: (فأدركتهم الصَّلاة وليس معهم ماءٌ)، وأما وجه زيادة قوله في التَّرجمة: (ولا ترابًا)؛ فهو أنهم لما صلوا بلا وضوء ولم يتيمموا لعدم علمهم به، ولعدم وجود النص؛ فكأنهم لم يجدوا ماءً ولا ترابًا؛ إذ كان حكمه حكم العدم عندهم، فصاروا كأنهم لم يجدوا ماء ولا ترابًا.
فإن قلت: وروى الحافظ الطحاوي في هذا الحديث: (أنَّ منهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المَنكِب، ومنهم من تيمم على جلده...)؛ الحديث.
قلت: هذا التيَّمم ليس بشيءٍ؛ لعدم وجود النَّص، فصار كأنهم صلوا بغير طهور، ويؤيده رواية الطَّبراني في هذا الحديث، وفيه: (فصلوا بغير طهور...)؛ الحديث، وهو شاملٌ للطهارة بالماء وبالتراب، فدلَّ هذا على أن التيمم حكمه حكم العدم، وتمامه فيما قدمناه.
وفي الحديث دليلٌ على جواز الحلف بالله تعالى من غير طلبٍ، وفيه دليلٌ على جَواز الاستعارةِ، وجَواز السَّفر بالعارية عند إِذن صاحبها، وفيه دليل على أنَّ الأموال محترمة، وأنه لا يُضيِّعها وإن قلت.
وفيه دليل على فضل السيدة عائشة ﵂، وفيه دليل على جواز التيمم في السفر، وجواز السَّفر بالنَّساء، وفي الحديث دليل على أن مَنْ فقد الماء والتُّراب؛ يصلي على حاله، وهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء، فقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين فيمن حُبِسَ في المصر ولم يجد ماءً ولا ترابًا طاهرًا: إنه لا يصلي وقتئذٍ، وعليه قضاؤها، وبه قال محمَّد بن إدريس، وقال الإمام أبو يوسف: يصلي تشبيهًا ويعيد، وكيفية صلاته عنده: أن يصلي قاعدًا بالإيماء، كذا في الزِّيادات، وقول الإمام محمَّد بن الحسن مضطرب، فروي عنه: أنه يصلي، وروي عنه أنه لا يصلي، ووجه قول الإمام أبي يوسف: (أنه يصلي احترامًا للوقت)، وفي رواية عنه: (أنه يتيمم بالتراب النجس)، وفي رواية عنه أيضًا: (أنه يصلي بركوع وسجود، ثم يعيد)، كذا في «المجتبى»، والمعتمد قول الإمام الأعظم صاحب المذهب الذي إلى غير قوله لا يُذْهَب؛ لأنَّه مُحدِث وتحرم الصَّلاة مع الحدث، وقد جاء في الحديث الصحيح: أنه ﵇ قال: «لا صلاة إلا بطهور...»؛ الحديث، وقد جاء في القرآن العظيم ذلك؛ فافهم.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث أنهم صلوا بغير طهور؟
قلت: ليس المعنى كذلك، وإنما معنى قوله: (فصلوا) دَعَوا؛ يعني: دعوا الله تعالى أن يبيِّن لهم النَّص في ذلك؛ لأنَّهم حصل لهم كربٌ وغمٌّ في ذلك، ويدل لهذا قول أُسَيْد بن حضير لعائشة: (فواالله ما نزل بك أمر تكرهينه)، ولا ريب أن ترك الصَّلاة، أو الصَّلاة بغير طهور أمر مكروه شرعًا، فاجتهدوا في الدعاء، فأنزل الله النَّص في ذلك على أنه قد روى الحافظ الطحاوي في هذا الحديث: (أن منهم من تيمم إلى الكفِّ، ومنهم من تيمم إلى المنكب، ومنهم من تيمم على جلده...)؛ الحديث، فلو قلنا: إن صلاتهم بركوع وسجود؛ فالأمر ظاهر؛ فإنهم بذلك قد ارتفع حدثهم؛ لأنَّهم فعلوا التيمم مع زيادة، وهذا إنَّما صدرَ منهم بالاجتهاد، وهو في عصره ﵇ جائز سواء كانوا غائبين أم حاضرين، وهو المختار، وقول الجمهور كما بيناه، والله تعالى أعلم.
وقال الشافعي وأحمد: يجب عليه أن يصلي ويعيد الصَّلاة، وعلَّله القسطلاني: بأنهم صلوا معتقدين (١) وجوب الصَّلاة، ولو كانت الصَّلاة ممنوعة؛ لأنكر عليهم الشارع ﵇، انتهى.
قلتُ: وهذا ممنوع؛ لأنَّ المراد بالصَّلاة الدعاء كما مر، وعلى فَرَضِ أنها بركوع وسجود كانوا ممنوعين حينئذٍ؛ لأنَّهم مُحدِثُون، والنبي الأعظم ﷺ أخبرهم بأن الله لا يقبل الصَّلاة بغير طهور، ولما فرغوا من صلاتهم، وشكوا إليه ﵇ ذلك؛ فبمجرد شكواهم أنزل الله آية التيمم، فلم يكن حينئذٍ وقت يسع الإنكار عليهم ولا التسليم، ويدل لهذا قوله: فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم، فأتى بـ (الفاء) التعقيبية، وهي تفيد أن نزول الآية عقب الشَّكوى بلا مُهلة، فلم يوجد ما يدل على عدم الإنكار، وزعم المزنيُ من الشَّافعية، وسحنون من المالكية، وأحمد: أنه يصلي استحبابًا، ولا إعادة عليه؛ لحديث الباب، فإنه لو كانت الإعادة واجبة عليهم؛ لبيَّنها لهم النبيُّ الأعظم ﵇، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وأجيب: بأن الإعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
قلتُ: ولما كانوا معتقدين وجوب الصَّلاة عليهم وشكوا أمرهم إليه ﵇، وأُنزلت الآية تُبين خطأهم؛ فلا ريبَ أنَّهم أعادوا تلك الصَّلاة، ولا يلزم بيانها لهم، بل بيان آية التيمم كافية؛ لأنَّه قد ظهر أنهم صَلُّوا على خلافها، وهو يدل
стр. 395
على أنهم أعادوا تلك الصَّلاة.
وقال ابن بطال: (الصَّحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي، ولا إعادة عليه قياسًا على الحائض) انتهى.
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا قياسٌ مع الفارق، فإن الصَّلاة لا بد من أدائها أداء أو قضاء، وهذا العذر الذي حصل لهم مِنْ قِبَلِ أنفسهم؛ لأنَّهم لو جدُّوا السَّير؛ لَوصلوا للماء وتطهروا به بخلافِ الحائض، فإن عذرها جاء من قِبَلِ الخالق ، فكيف يُقَاسُ العذر من المخلوق على العذر من الخالق؟ ولهذا قال أبو عمر: كيف أقدم أن أجعل هذا صحيحًا؟ وعلى خلافه جمهور السَّلف، وعامة الفقهاء، وكأنه قاسه على من كَتَّفهُ الوالي وحبسه، فمنعه من الصَّلاة حتى خرج وقتها؛ أنه لا إعادة عليه) انتهى.
قلتُ: فقوله: (وكأنه قاسه...) إلخ: هذا أيضًا قياس فاسد؛ لأنَّ العذر فيمن كتَّفه أو حبسه جاء من قبل العباد، وكلما جاء العذر من قبل العباد؛ تجبُ فيه الإعادة؛ لأنَّ الصَّلاة قد تقررت في ذمته بيقين؛ لأنَّه مُخَاطبٌ بها، لكنَّه ممنوعٌ من أدائها بسبب الحبس والمنع، فيلزمه قضاؤها، وهذا أيضًا مخالفٌ لجمهور السَّلف وعامة الفقهاء، وقد قال الإمام الأعظم رأس المجتهدين: في الأسير إذا منعه الكفَّار من الوضوء والصَّلاة؛ فإنه يتيمم، ويومئ إيماء، ثمَّ يُعيد، وكذلك المحبوس المُقيد؛ فإنَّه يتيمم، ويُومئ، ثم يُعيد، كذا في «منهل الطلاب»، وبه قال محمَّد بن إدريس، وفي رواية عنه: أنه يصلي ويعيد، والمشهور الأول؛ فافهم، وقال الإمام زفر: لا يتيمم، ولا يصلي ولو وجد ترابًا نظيفًا؛ لأنَّ عنده التيمم في الحضر غير جائز؛ فافهم، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.
(٣) [باب التيمم في الحضر]
هذا (باب) بيان حكم (التيمم في الحضر) يعني: في الأمصار، و (الحضر) خلاف السَّفر (إذا لم يجد) الرَّجل (الماء) الكافي لطهارته، والمراد بعدم الوجدان: عدم القدرة على استعماله، وهو حقيقةً أو حكمًا، فالأول: ما إذا لم يجده أصلًا، والثاني: ما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء، أو كان بينه وبينه سبعٌ، أو عدوٌّ، أو حيةٌ، أو غير ذلك، (وخاف) وللأصيلي: (فخاف) (فوت) وقت (الصَّلاة) وجواب (إذا) محذوفٌ يدل عليه ما تقدمه؛ تقديره: يتيمم المحدث العادم الخائف فوتَ الوقتِ، (وبه) أي: بما ذُكِرَ من أن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم، (قال عطاء)؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، وبه قال محمَّد بن إدريس، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» موصولًا عن عمر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: (إذا كنتَ في الحضر وحضرت الصَّلاة وليس عندك ماء؛ فانتظر الماء، فإن خشيت فوت الصَّلاة؛ فتيمم وصلِّ)، وزعم ابن حجر: أن قوله: (وبه) أي: بهذا المذهب، وردَّه إمام الشارحين حيث قال: (قلتُ: المعنى الذي يستفاد من التركيب هو ما ذكرته، ولا يرد عليه شيء) انتهى.
يعني: ما قلناه، وصريح هذا التعليق الموصول عند ابن أبي شيبة أنه لا يتيمم عند فقدان الماء أول الوقت، بل ينتظر، ويتفقد الماء آخر الوقت، فإن لم يجده وخشي فوت الوقت؛ فحينئذٍ يتيمم ويصلي، وظاهره أنه لا إعادة عليه [في] الأمصار غالبًا، وقال في «معراج الدِّراية» : الأصل أن في كل موضع يفوت الأداء لا إلى خلف؛ يجوز له التيمم، وفي كل موضع يفوت الأداء إلى خلف؛ لا يجوز، فالصلوات ثلاثة أنواع: نوع لا يخشى فواتها أصلًا؛ لعدم توقتها؛ كالنوافل، ونوع يُخشى فواتها أصلًا؛ كصلاة الجنازة والعيدين، ونوع يُخشى فواتها، وتقضى بعد وقتها أصلًا أو بدلًا؛ كالجمعة والمكتوبات، فالنوع الأول: لا يتيمم لها عند وجود الماء، والثاني: يتيمم لها عند وجود الماء في المصر، والثالث: لا يتيمم، فأما الجمعة؛ فلأنَّها تفوت إلى خُلفٍ؛ وهو الفرض الأصلي، وهو الظهر، فلا يتيمم لها، وأما المكتوبات؛ فلأنَّها تفوت إلى خلف أيضًا، وهو القضاء، فلم يكن عادمًا للماء في حقها، فلا يجوز التيمم، وبقول عطاء قال ابن عمر والحسن، وهو قول الإمام زُفَر واللَّيث بن سعد، وهو رواية عن الإمام محمَّد بن الحسن، وهو قول الإمام أبي نصر بن سليمان، وهو رواية عن الإمام الأعظم رئيس المجتهدين؛ لأنَّ التيمم إنَّما شرع لتحصيل الصَّلاة في وقتها، فلم يلزمه قولهم: إن الفوات إلى خُلْف كلا فوت، ولم يتوجه لهم سوى أنَّ التقصير جاء من قبله، فلا يوجب الترخيص عليه، وهو إنَّما يتيمم إذا أخر لعذر، كذا في «فتح القدير»، و «القنية»، وغيرهما.
وقال في «القنية» : وعلى هذا؛ لو كان شخص في سطحٍ ليلًا وفي بيته ماء، لكنه يخاف الظُّلمة إن دخل البيت؛ فإنه يتيمم إن خاف فوت الوقت.
وقال في «خزانة الفتاوى» : (إذا لم يمكن قطع المسافة للماء في الوقت؛ يتيمم) انتهى.
وقال في «المبتغى» : ومن كان في وكلة؛ جاز تيممه لخوف البرق، أو مطر، أو حرٍ شديد إن خاف فوت الوقت، وفي «منهل الطلاب» : ازدحم جمعٌ على بئر لا يمكن الاستقاء منها إلا بالمناوبة؛ لضيق الموقف، أو لاتحاد الآلة للاستقاء، فإن كان يتوقع وصول النوبة إليه قبل خروج الوقت؛ لم يتيمم بالاتفاق، وإن علم أنها لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت؛ فإنه يتيمم، فالعبرة في هذه المسائل خوف فوت وقت الصَّلاة، والمَرويُّ في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: أنَّ العِبرة للبعد، فالحضري العادم الماء؛ لا يتيمم وإن خرج الوقت، وقال الإمام الفقيه أبو الليث: يتيمم للوقت، ويصلي، ثم يقضيها بالوضوء؛ ليخرج عن العهدة بيقين، كذا قاله برهان الدين الحلبي، وهو الاحتياط، وهذا القول توفيق بين القولين، واعتمده جماعة من المتأخرين كالعلَّامة ابن أمير حاج في «الحُلية»، وشيخه المحقق كمال الدين بن الهمام، ومشى عليه العلامة علاء الدين في «الدر المختار»، وقال الإمام القدوري: (ويستحب لمن لا يجد الماء في أول الوقت وهو يرجو أن يجد الماء في آخر الوقت؛ أن يؤخر الصَّلاة إلى آخر الوقت) انتهى.
يعني: بأن كان
стр. 396
بينه وبين الماء ميل فأكثر، والمراد بالرجاء: غلبة الظن، ومثله التيقن، كما في «البحر»، و «الخلاصة»، وقيَّدَبالرجاء؛ لأنَّه لو لم يكن على طمع من الماء؛ فإنه يتيمم ويصلي، كما في «الخانية»، وما قاله القدوري هو ظاهر الرواية؛ ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، ورُويَ عن الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف: أن التأخير حتم؛ أي: واجب؛ لأنَّ غالب الرأي كالمتحقق، لكن بشرط ألَّا يفرط في التأخير حتى لا تقع (١) الصَّلاة في وقتٍ مكروه، فلا يؤخر العصر إلى تغير الشَّمس، كما في «الخانية».
واختلف في تأخير المغرب، فقيل: يُؤخر، وقيل: لا يؤخر، كما في «التاتارخانية».
وحاصله: أنه إذا رجا الماء؛ يؤخر إلى آخر الوقت المستحب؛ بحيث لا تقع الصَّلاة في وقتٍ مكروه، وإن كان لا يرجو الماء؛ يصلي في الوقت المستحب؛ كوقت الإسفار في الفجر، والإبراد في ظهر الصَّيف، ونحو ذلك، ويدل لهذا ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق، عن علي الصدِّيق الأصغر ﵁: (إذا أجنب الرجل في السفر؛ يتلوم؛ أي: يتربص ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء؛ يتيمم، ويصلي)، قال ابن حزم: (وبه قال سفيان، وسَعِيْد، وأحمد ابن حنبل، وعطاء)، وقال النووي: (التأخير أفضل بكل حال).
وهذه المسألة أول مسألة خالف الإمام الأعظم فيها شيخه حمَّاد بن سليمان الكوفي حين خرجا لتشييع الأعمش المدفون بديارنا الشَّريفة الشَّامية عند مَقبرة مرج الدَّحداح، فصلى المغرب حمَّاد بالتيمم في أول الوقت، وإمامنا الأعظم صلى بالماء في آخره، وكان ذلك عن اجتهاد منه، فصوَّبه الله تعالى، وأظهره، وجعله إمام الأئمَّة، ورئيس المجتهدين، وفي أتباعه الأولياء الكرام، والملوك العظام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، ونفعني به والمسلمين آمين.
وقال مالك: (لا يُعجل ولا يُؤخر، ولكن في وسط الوقت)، وفي رواية عنه: (إن أيقن بوجودِ الماء قبل خروج الوقت؛ يؤخر، وإن كان موقنًا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت؛ فليتيمم في أول الوقت ويُصلي)، وعن الأوزاعي: (كل ذلك سواء)، وفي رواية عن مالك: إذا وجد الحاضر الماء في الوقت؛ هل يُعيد أم لا؟ ذكر في «المدونة» قولان، وقيل: يعيد أبدًا؛ فافهم، والله تعالى أعلم.
(وقال الحسن) هو البصري ﵁، مما وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» من وجه صحيح (في المريض عنده الماء)؛ بالتعريف، وفي رواية (ماء)؛ بالتنكير، (ولا يجد من يناوله)؛ أي: يعطيه ويساعده على استعمال الماء؛ (يتيمم) وفي رواية: (تيمم) على صيغة الماضي، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وهذا الأثر فيه تفصيل، وبيانه: أن المريض إذا كان يجد الماء المطلق الطاهر (٢) الكافي لطهارته، فخاف إن استعمله اشتد مرضه، أو امتد -أي: طال زمنه-؛ فإنه يتيمم، وكذا لو كان صحيحًا فخاف حدوث مرض، كذا في «شرح النقاية» للقهستاني، وهذا إنَّما يُعْلم بغلبة الظن عن أمارةٍ، أو تجربة، أو إخبار طبيب حاذق مسلم غير ظاهر الفسق، كذا في «الحلية»، فإن كان المريض لا يخاف اشتداد مرضه ولا امتداده لكنه لا يقدر بنفسه على استعمال الماء ولا يجد مَنْ يُوَضئه بأن كان الماء في بئر أو بعيدًا عنه وهو لا يقدر على القيام؛ فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، فإن وجد خادمًا؛ كعبده، أو ولده، أو أجيره؛ لا يجزئه التيمم اتفاقًا، كما في «البحر» عن «المحيط» وإن وجد غير خادمه ممن لو استعان به أعانه ولو زوجته؛ فظاهر المذهب أنه لا يتيمم أيضًا بلا خلاف، كما يفيده كلام «المسبوط»، و «البدائع»، ونقل صاحب «التجنيس» عن شيخه خلافًا بين الإمام الأعظم وصاحبيه: الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن؛ فعلى قول الإمام الأعظم: يجزئه التيمم، وعلى قول صاحبيه: لا يجزئه، وعلى هذا الخلاف؛ إذا كان مريضًا لا يقدر على الاستقبال أو كان في فراشه نجاسة ولا يقدر على التحول عنها ووجد من يُحوِّله ويُوجِّهه؛ لا يفترض عليه ذلك عند الإمام الأعظم، وعلى هذا؛ الأعمى إذا وجد قائدًا؛ لا تلزمه الجمعة والحج؛ لأنَّ عنده: لا يعتبر المكلف قادرًا بقدرة غيره، وعندهما: يُعدُّ قادرًا، وكان الإمام حسام الدِّين يختار قولهما، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب، وبقول الحسن، قال محمَّد بن إدريس: (وإن وجد من يناوله بالمرض الذي يخاف من الغُسل معه مَحذورًا؛ فإنه يتيمم، ولا يجب عليه القضاء) انتهى.
(وأقبل ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄، ومعه نافع مما وصله مالك في «موطئه» (من أرضه بالجُرُف)؛ بضمِّ الجيم، والراء، وقد تُسكَّن الراء، وهو ما يجرف فيه السيول، وأكلته من الأرض، وهو جمع جِرَفه؛ بكسر الجيم، وفتح الراء، وزعم الزُّبير أن الجُرُف على ميل من المدينة، وقال ابن إسحاق: (على فرسخ)، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو، وزَعم ابن قرقول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشَّام، وبه أموال عمر، وأموال أهل المدينة، ويعرف ببئر حشم، ومن جمل، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فحضرت العصر) أي: صلاتها، وهما على غير وُضُوء، وليس عندهما ماء (بمَربد)؛ بفتح الميم، كذا قال السفاقسي: (رويناه، وهو في اللغة بكسرها)، وفي «المحكم» : (المِربد) (بمِرْبَد)؛ بكسر الميم عند الجمهور، وهو الموافق للُّغة، وقال السَّفاقسي: (رويناه بفتح الميم)؛ فافهم، وبسكون الراء، وفتح الموحدة، آخره دال مهملة، قال في «المحكم» : (المربد: موضع تحبس فيه الإبل، وقيل: هي خشبة أو عصًا تعترض صدور الإبل، فتمنعها من الخروج، ومربد التمر: جرينهالذي يوضع فيه بعد الجداد؛ لييبس، ومربد البصرة من ذلك؛ لأنَّهم كانوا يحبسون فيه الإبل)، وقال سيبويه: (هو اسم؛ كالمطبخ)، وإنما مثَّله به؛ لأنَّ المطبخ ييبس، وقال السهيلي: (المربد، والجرين، والمسطح، والبيدر، والإندر، والجرجا لغات بمعنًى واحد)، كذا في «عمدة القاري» (النَّعَم)؛ بفتح النون، والعين المهملة، وفي رواية: (الغنم) بالغين المعجمة بعدها نون، وهو مآل الراعية، وأكثر ما يقع النعم على الإبل، وهو على ميلين من المدينة؛ فليُحفظ.
(فصلَّى) أي: ابن عمر
стр. 397
صلاة العصر؛ أي: بعد أن تيمم، كما في رواية مالك، ولفظه عن نافع: (أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف حتى إذا كان بالمِربد؛ نزل عبد الله فتيمم صعيدًا طيَّبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى) انتهى، يعني: العصر، ورواه البيهقي من حديث عمرو بن محمَّد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسَّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ النَّبيَّ الأعظم ﷺ تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة بمكان يقال له: مِربد النعم، وفي «سنن» الدارقطني قال: (حدَّثنا ابن صاعد: حدَّثنا ابن زيتون: حدَّثنا فُضيل بن عِياض، عن ابن عجلان، عن نافع: أن ابن عمر تيمم وصلَّى وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة)، وفي خَبر عمر بن زُرارة من طريق ميسرة، عن ابن عمر مثله، (ثم دخل المدينة) المنوَّرة (والشمس مرتفعة) عن الأفق والصفرة دخلتها، (فلم يعد) أي: تلك الصَّلاة، وهذا يقتضي جواز التيمم في السفر القصير؛ لأنَّ السفر المعتبر هنا هو العرفي والشرعي، فإنَّ قليل السفر وكثيره سواء في التيمم، والصَّلاة على الدَّابة خارج المصر، وإنَّما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة: قصر الصَّلاة، والإفطار، والمسح على الخفين، كما صرَّح به في «الفتاوى الخانية»، وظاهر هذا الأثر: أن ابن عمر كان يرى التيمم في السفر القصير؛ لأنَّ المكان الذي صلى فيه -وهو المِربد- كان بينه وبين المدينة ميل، أو ميلان، أو ثلاثة، وعلى كلٍّ؛ فيجوز له التيمم، وقال محمَّد بن مسَلَمَة: إنَّما تيمم ابن عمر بالمِربد؛ لأنَّه خاف فوات الوقت المستحب، وهو أن تصفرَّ الشَّمس، يدل عليه قوله: (والشَّمس مرتفعة) يعني: أنَّها مرتفعة عن الأفق والصُّفرة دخلتها، ويحتمل أن يكون ظنَّ أنَّه لا يدخل المدينة حتَّى يخرج الوقت، فتيمم على ذلك بالاجتهاد، وقال ابن القاسم: (من رجا إدراك الماء في آخر الوقت فتيمَّم في أوله وصلى؛ أجزأه، ويعيد في الوقت استحبابًا، فيحتمل أنَّ ابن عمر كان يرى هذا) انتهى.
قلت: من رجا وجود الماء في آخر الوقت فتيمَّم في أوَّله وصلَّى، ثمَّ وجد الماء في آخر الوقت؛ لا يعيدها، وأجزأته تلك الصَّلاة، كما صرَّح به في «الدرر والغرر» حيث كان بينه وبين الماء ميل، وإلَّا؛ فلا، كما في «الدر المختار»، وظاهر الأثر: أن مذهب ابن عمر هكذا؛ لأنَّه قد تيمَّم في المِربد وهو على ميل أو أكثر من المدينة، وتيممه كان في الوقت المستحب، وحين وصوله المدينة كان الوقت باقيًا، فلم يُعِدِ الصَّلاة؛ فافهم.
وقال في «شرح الموطَّأ» : كان ابن عمر على وُضُوء؛ لأنَّه كان يتوضأ لكلِّ صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عِوَض الوضوء، كذا قاله سُحْنون.
قلتُ: وهذا فاسد؛ لأنَّ التيمم على الوضوء غير مشروع، وكيف يقال هذا، فإنَّ طهارته بالوضوء أقوى، والتيمم شُرِعَ لأجل الرخصة، ولا رخصة هنا، فإن الطهارة موجودة، فالتيمم عليه يكون عبثًا؛ لأنَّه مُلَوِّث، والوضوء على الوضوء نور على نور، أما التيمم على التيمم أو على الوضوء؛ فإنه غير مشروع، كما لا يخفى، وظاهر الأثر أنَّ ابن عمر كان على غير وضوء، فتيمم عن الحدث، يدل عليه نزوله عن [دابته] في ذلك الموضع لأجل التيمم، ولو لم يكن كذلك؛ لما تيمم، ولو سلَّمنا أنه كان يتوضأ لكل صلاة؛ لا نسلِّم أنه كان يتيمم على الوضوء؛ لأنَّه لم ينقل عن النبيِّ الأعظم ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه فعل ذلك، فهذا الاحتمال غير صحيحٍ؛ فافهم.
وقيل: إنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ الوقت إذا دخل؛ حَلَّ التيمم، وليس عليه أن يؤخر؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، كذا قاله سُحْنون.
قلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر هذا الأثر يخالف هذا، فإنَّ ظاهره أنَّه كان يرى التأخير إلى قُبيل الوقت المكروه، فإنَّ عادته أنَّه إذا كان في السفر؛ يؤخر إلى الوقت المُستحب، ويدلُّ عليه: هذا الأثر، فإنَّه قد دخل المدينة في الوقت المكروه؛ لأنَّه دخلها والشمس مرتفعة دخلتها الصفرة، فلو أخَّر؛ لوقعت الصَّلاة مكروهة؛ فليحفظ.
وقول القسطلاني: وهذا الأثر يدلُّ على أنَّ ابن عمر كان يرى جواز التيمم للحاضر؛ لأنَّ السفر القصير في حكم الحضر ممنوع، فإنَّ ظاهر هذا الأثر ليس كذلك، ولا يدلُّ على هذا، بل ظاهره أنه كان يرى جواز التيمم في السفر القصير؛ وهو ما كان على ميل أو أكثر من الماء، يدلُّ عليه فعل ابن عمر حيث تيمم في المربد، ولم يُؤخرْ إلى دخوله المدينة، ولو كان كما قال؛ لكان ابن عمر أعاد الصَّلاة في المدينة، وصَرَّح في الأثر أنه لم يعدها؛ فافهم.
وقال في «شرح المُنية» : (لو أُخبر إنسان عدل بعدم الماء عند غَلبة الظَّن ونحوه؛ جاز له التيمم بلا خِلاف؛ لأنَّ خبر الواحد العدل مقبول، وحجة في الديانات؛ لشمول الإلزام له أيضًا بخلاف الشهادة) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (إنَّ البُخاري ذكر هذا التعليق مختصرًا، ولم يذكر فيه ذكر التيمم مع أنَّه لا يطابق ترجمة الباب إلا به).
وزعم ابن حجر أنَّه لم يظهر له في سبب حذفه.
وأجاب إمام الشارحين: بأن الذي يظهر له أن ترك هذا ما هو في البخاري، والظاهر أنه من الناسخ، واستمر الأمر عليه، وليس له وجه غير هذا؛ فليحفظ، والله تعالى أعلم.
[حديث: أقبل النبي من نحو بِئر جمل]
٣٣٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بُكير) بضمِّ الموحدة، تصغير بكر نسبه لجده؛ لشهرته به: فهو يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبو زكريا المصري (قال: حدثنا الليث) هو ابن سعد من أتباع الإمام الأعظم رأس الأئمَّة والمجتهدين ﵁، (عن جعفر بن ربيعة)؛ هو ابن شرحبيل الكندي المصري، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، و [ما] في رواية الإسماعيلي: (حدثني جعفر)؛ بالإفراد، (عن الأعرج) هو عبد الرَّحمن بن هُرمز المدني، وفي رواية ابن عساكر: (عن حميد الأعرج)، وهو ابن قَيْس المكي أبو صفوان القارئ، من السادسة، المتوفى سنة ثلاثين، أو بعدها، كذا قيل.
قلت: وعلى كلٍّ؛ فهما ثقتان لا يضرُّ الحديث تخالفهما؛ فليحفظ.
(قال: سمعت عُمَيْرًا) بضمِّ العين المهملة مصغر عمرو بن عبد الله الهاشمي، المتوفى بالمدينة سنة أربع ومئة (مولى ابن عباس) ﵄.
فإن قلت: عُمَيْر هذا هو مولى أمِّ الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس، فكيف يقول: مولى ابن عباس؟
قلت: وإذا كان مولى أم الفضل؛ كان مولى أولادها؛ فصح قوله: مولى ابن عباس؛ لأنَّه لا فرق بين الأم وأولادها، وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث، وقال: (مولى عبيد الله بن عبَّاس)، وقد روى موسى بن
стр. 398
عُقْبَة، وابن لهيعة، وأبو الحارث هذا الحديث عن الأعرج، عن أبي الجُهَيْم، ولم يذكروا بينهما (عُمَيْرًا)، والصواب: إثباته، وليس له في «الصحيح» غير هذا الحديث، وحديث آخر عن أم الفضل، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الباري.
(قال: أقبلت أنا وعبد الله) لفظة (أنا) تأكيد للضمير المرفوع البارز، ويجوز فيه النَّصب على أنَّه مفعول معه؛ أي: مع عبد الله، قيل: هذا من عطف الجُمَل، وقيل: من عطف المفردات، وعليه الجمهور؛ فافهم
(ابن يَسَار)؛ بفتح التحتية، والسين المهملة المخففة، ضِد اليمين: المدني الهلالي و (عبد الله) هذا: هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، ووقع عند مُسلم في هذا الحديث: (عبد الرحمن بن يَسَار)، وهو وهمٌ، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال «الصحيحين»، كذا قاله إمام الشارحين (مولى مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة: هي بنت الحارث (زوج النبيِّ) الأعظم ﷺ ورضي عنها (حتى دخلنا على أبي جُهَيْم) بضمِّ الجيم، وفتح الهاء، وسكون التحتية؛ بالتَّصغير، وفي رواية: (أبي الجُهَيْم)؛ بالألف واللام: هو عبد الله (بن الحارث)؛ بالمثلثة (ابن الصِّمَّة) بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم: هو ابن عمرو بن عتيك الخزرجي (الأنصاري) الصحابي الجليل، وقال الذهبي: (أبو جُهَيْم)، ويقال: أبو الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمَّة، كان أبوه من كبار الصحابة، و (أبو جهم) : عبد الله بن جُهَيْم، وقال أبو نعيم، وابن منده: (أبو جهم [و] ابن الصِّمَّة واحد (١))، وكذا قاله مُسلم، وجعلهما ابن عبد البر اثنين، وعن ابن أبي حاتم، عن أبيه قال: (ويقال: أبو الجُهَيْم: هو الحارث بن الصِّمَّة)، فعلى هذا؛ تكون لفظة (ابن) في متن الحديث زائدة، لكن صحح أبو حاتم: أنَّ الحارث اسم أبيه لا اسمه، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجُهَيْم، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير هذا؛ لأنَّه قُرَشي، وهذا أنصاري.
قلتُ: أبو الجُهَيْم هذا هو الذي قاله الذهبي: (أبو جُهَيْم: عبد الله بن جُهَيْم)، كذا بسطه إمام الشَّارحين.
(فقال جُهَيْم) وفي رواية أبي الوقت، والأصيلي: (أبو الجُهَيْم)، وفي رواية ابن عساكر: (فقال الأنصاري) (أقبل النبيُّ) الأعظم ﷺ من نحو بئر جَمَل)؛ بالجيم والميم المفتوحتين: موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها؛ أي: من جهة الموضع الذي يُعرف ببئر الجمل، وفي رواية: (ببئر الجمل)، وكذا في رواية النسائي، (فلقيه رجل) هو أبو الجُهَيْم الرَّاوي، قاله إمام الشَّارحين، فوجد النبيَّ الأعظم ﷺ يبول، ففي رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة: (مرَّ رجل على النَّبي ﷺ وهو يبول...)؛ الحديث، وعند البزار بسند صحيح، عن نافع عنه: (أنَّ رجلًا مرَّ على النَّبيِّ ﷺ وهو يبول...)؛ الحديث، وعند أبي داود من حديث حبوة بن الهاد: أنَّ نافعًا حدَّثه، عن ابن عمر قال: (أقبل رسول الله ﷺ من الغائط...)؛ الحديث، ومثله في الطبراني؛ فليحفظ.
(فسلَّم عليه) أي: على النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، (فلم يردَّ عليه النَّبيُّ) الأعظم ﷺ أي: السلام، ويجوز في (داله) الحركات الثلاث؛ الكسر؛ لأنَّه الأصل، والفتح؛ لأنَّه أخف، والضم؛ لإتباع الراء، قاله إمام الشَّارحين، والذي في الرواية الفتحُ (حتى أقبل) أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ (على الجِدار)؛ الألف واللام فيه لـ (العهد) الخارجي؛ أي: جدارٌ هناك كان مباحًا؛ فلم يحتج إلى الإذن في ذلك، أو كان مملوكًا لغيره وكان راضيًا فيه؛ فضرب يده على الحائط المذكور (فمسح بوجهه ويديه) وفي رواية أبي الوقت، والأصيلي: (وبيديه)؛ بزيادة الموحدة، ففيه: أنَّ التيمم مسح الوجه واليدين، لا يقال: أطلق يديه فيتناول إلى الكفين، وإلى المرفقين، وإلى ما وراء ذلك؛ لأنا نقول: المراد منه: ذراعيه، ويفسره رواية الدارقطني وغيره في هذا الحديث: (فمسح بوجهه وذراعيه)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وفي هذا دليل واضح على جواز التيمم على الحجر؛ لأنَّه ﵇ تيمم على الجِدار، وجُدران المدينة كلها مبنية بحجارة سود، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور، وخالفهم الشافعية، فزعموا: أنَّ التيمم لا يجوز على الحجر، بل لا بد من التُّراب، وأجابوا عن هذا الحديث: بأنَّه معلوم أنَّه يعلق به تراب، فإنَّ الجدار قد يكون عليه تراب، وقد لا يكون، بل الغالب وجود الغبار على الجدار، وتعلَّقوا بما رواه البغوي في «شرح السُّنة» بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي بكر بن الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جُهَيْم بن الصِّمَّة قال: مررت على النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو يبول، فسلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ حتى قام إلى جدار فحتَّه بعصًا كان معه، ثمَّ وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثمَّ ردَّ عليَّ، قال: هذا حديث حسن، كذا زعمه الكرماني.
وردَّه إمام الشارحين: بأنَّ الجدار إذا كان من حجر لا يحمل التُّراب أصلًا؛ لأنَّه لا يثبت عليه، خصوصًا جدران المدينة؛ لأنَّها من صخرة سوداء، وما رواه البَغوي ضعيف لا يعوَّل عليه، لا يقال: حسَّنه البغوي؛ لأنَّا نقول: كيف حسَّنه وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يُحتجُّ بهما، كما قَاله مالك وغيره؟ وأيضًا فهو مُنقطع؛ لأنَّ ما بين الأعرج وأبي جُهَيْم عُمَيْر، كما سبق عند البخاري وغيره، ونصَّ عليه البيهقي أيضًا وغيره، وفيه عِلَّة أخرى، وهي حكُّ الجدار، ولم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه الطبراني، وأبو داود، والبزار، والطَّبراني في «الأوسط»، والحاكم، والطَّحاوي، والنَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والبيهقي، وابن حبَّان، وغيرهم، وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنَّما تقبل إذا كانت من ثِقةٍ، ولو وقف الكرماني على هذا؛ لما قال ما قال، انتهى.
قلتُ: وأيضًا لم يذكر واحد من هؤلاء الجماعة في حديث أحدهم أنَّه كان مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ عصًا، ولو كان معه عصًا؛ لذكروها في الحديث، ووجه ضَعف إبراهيم بن محمَّد، وأبي بكر: أنَّه كان كلٌّ منهما قد اختلط وساء حفظه، فالحديث الذي رواه البغوي معلول، ومُعَارض؛ فلا يُحتج به ولا يُعوَّل عليه وليس هو من حمل المُطلق على المُقيد؛ لأنَّ القَيد غير ثابت، فكيف يُحمل عليه؟ وما هذا إلا عناد وهذيان باردٌ؛ فافهم، والله أعلم.
(ثمَّ ردَّ عليه) أي: على الرَّجل (السَّلام)، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط» : (حتى إذا كان الرجل يتوارى في السُّكة، ثمَّ ضرب يديه على الحائط، فمسح وجهه، وذراعيه، ثم ردَّ على الرجل السَّلام، وقال: «إنَّه لم يمنعني أن أردَّ عليك إلا أنِّي كنت على غير طُهرٍ»)، وفي رواية البزار بسند صحيح عن نافع عنه: أنَّ رجلًا مرَّ على النبيِّ الأعظم ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه الرجل، فردَّ ﵇، فلمَّا جاوزه؛ ناداه ﵇، فقال له: «إنَّما حملني على الردِّ عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على النبيِّ، فلم يردّْ عليَّ، فإذا
стр. 399
رأيتني على هذه الحالة؛ فلا تُسلِّم عليَّ، فإنَّك إن تفعل؛ فلا أردُّ عليك»، وعند الطَّبراني من حديث جابر بن سمرة بسند فيه ضعف قال: (سلَّمت على النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو يَبول، فلم يردَّ عليَّ، ثم دخل إلى بيته، فتوضأ، ثمَّ خرج، فقال: «وعليكَ السَّلام»)، وعند الحاكم من حديث المهاجر بن قنفذ قال: (أتيت النَّبيَّ الأعظم ﷺ وهو يتوضأ فسلَّمت عليه، فلم يردَّ عليَّ، فلمَّا فرغ من وضوئه؛ قال: «إنَّه لم يمنعني من [أن] أردَّ عليك إلا أنِّي كنت على غير وضوء»)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، ولفظه: «إلا أنِّي كرهت أن أذكر الله لا على طُهرٍ، أو على طهارة»، وأخرجه النَّسائي، وابن ماجه، وأحمد، والبيهقي، وابن حبان، والطَّبراني، وزاد: (فقمت مهمومًا، فدَعا بوضوء، فتوضأ، وردَّ عليَّ، وقال: «إنِّي كرهت أن أذكر الله على غير وضوء»)، كذا في «عمدة القاري»، ثُمَّ قال: (ووجه مطابقة هذا الحديث للتَّرجمة: هو أنَّه ﵇ لما تيمم في الحضر؛ ليردَّ السَّلام وكان له أن يردَّه عليه قبل تيممه؛ دلَّ ذلك على أنَّه إذا خشي فوات الوقت في الصَّلاة في الحضر؛ أنَّ له التيمم، بل ذلك آكد؛ لأنَّه لا يجوز الصَّلاة بغير وضوء، ولا تيمم، ويجوز السَّلام بغيره) انتهى.
قلتُ: وفي الحديث دليل على جواز التيمم في المصر لصلاة الكسوف، والخسوف، والسُّنن الرَّواتب؛ وهي التي بعد الظهر، والمغرب، والعشاء، والجمعة، وكذا ما قبل الظهر والجمعة، فإنَّه إذا أخرها بحيث لو توضأ؛ فات وقتها؛ فله التيمم لها، وكذلك المُستحبات من الصَّلوات التي يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء؛ كصلاة الضحى، فإنَّه إذا خاف خروج وقتها بزوال الشمس؛ يتيمم لها، وكذلك صلاة الليل إذا خاف طلوع الفجر، وكذلك سنة العشاء القبلية والبعدية، وسُنة العصر القَبلية، وغيرها، فإنَّه إذا ضاق وقتها؛ يجوز التيمم لها.
قال في «البحر» : (وكذلك كلُّ ما لا تشترط له الطهارة، فيجوز التيمم لنوم وسلام وردُّه وإن لم تَجز (١) الصَّلاة به).
وفي «المُبتغى» : (وجاز لدخول مسجدٍ مع وجود الماءِ، وللنوم فيه).
وفي «شرح المنية» : (يجوز تيممه لمسِّ مُصحف).
وفي «القهستاني» : المختار جواز التيمم مع وجود الماء لسجدة التلاوة، وكذلك لقراءة القرآن، أو كتابته، أو تعليمه، وكذلك لزيارة القبور، وعيادة المرضى، ودفن الموتى، والأذان، والإقامة، فإنَّه يجوز التيمم لهذه المذكورات مع وجود الماء، لكنَّ التيمم للتسعة الأخيرة لا تجوز الصَّلاة به، كما في «مِعراج الدِّراية» عن «الخبازية» وما قبلها اختلف فيها، فصحح جماعة جواز الصَّلاة به، وصحح آخرون عدم الجواز، والمعتمد الجواز، وفيه تفصيل بيَّنته في شرحي «منهل الطلاب»، وكذلك سجدة الشكر.
وأمَّا سنة الفجر، فإن خاف فوتها مع الفريضة؛ لا يتيمم، وإن خاف فوتها وحدَها؛ فعلى قول الإمام محمَّد بن الحسن: لا يتيمم، وعلى قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف: يتيمم، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، وفي الحديث دليلٌ على جواز التيمم لصَلاة الجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الأئمَّة الكوفيون، والليث، والأوزاعي؛ لأنَّه ﵇ تيمم؛ ليردَّ السلام في الحضر لأجل خوف فوت فضيلة السَّلام، والطهارة فيه ليست بشرط وإن كان ليس شرطًا، ومنع مالك، والشافعي، وأحمد ذلك، والحديث حُجَّة عليهم، كذا قاله إمام الشَّارحين نقلًا عن الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي.
قلتُ: وفي الحديث دليلٌ على جواز التيمم لصلاة العيدين؛ لأنَّهما يفوتان لا إلى بدل؛ لاشتراط الجماعة فيهما، ويدلُّ لهذا حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (إذا جئت العيد فخشيت فوتها؛ فصلِّ بالتيمم)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: (إذا وجدت جنازة فخشيت فوتها؛ فصلِّ عليها بالتيمم)، فكما أنَّه ﵇ تيمم لردِّ السَّلام خشية الفوات -مع أنَّ الطهارة ليست بشرط في الردِّ- دلَّ على جواز التيمم للصلاة التي يخشى فواتها لا إلى بدلٍ؛ كصلاة الجنازة، والعيدين.
وقال إمام الشَّارحين: (ويُستنبط من الحديث جواز التيمم في الحضر، وعليه بوَّب البخاري)، وقال بعضهم: فيه دليل على التيمم في الحضر، لكن لا دليل فيه أنَّه رفع بذلك التيمم الحدث رفعًا استباح به الصَّلاة؛ لأنَّه إنَّما فعله كراهة أن يذكر الله على غير طهارة، وكذا رواه حمَّاد في «مصنفه»، وزعم ابن الجوزي: أنَّه كره ﵇ أن يردَّ ﵇؛ لأنَّه اسمٌ من أسماء الله تعالى، أو يكون هذا في أول الأمر، ثُمَّ استقر الأمر على غير ذلك، وقال في «شرح مختصر» الحافظ الطَّحاوي: حديث المنع من ردِّ السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل: بحديث عائشة قالت: «كان ﵇ يذكر الله على كلِّ أحيانه»، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث رواه جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء (٢)، عن أبيه قال: كان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا أراد الماء نكلِّمه؛ فلا يكلِّمنا، ونسلِّم عليه؛ فلا يُسلم علينا حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وزعم ابن دقيق العيد وحديث مهاجر بن القُنفذ مَعلول ومُعَارض، أمَّا كونه مَعلولًا؛ فلأنَّ سَعِيْد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره؛ فيراعى فيه سماع مَنْ سمع منه قبل الاختلاط، وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة به، وليس فيه: (أنَّه لم يمنعني...) إلى آخره، ورواه حمَّاد بن سَلَمَة، عن حُميد، وغيره عن الحسن بن مُهاجر مُنقطِعًا، فصار فيه ثلاثُ عِلل، وأمَّا كونه مُعَارضًا؛ فلما رواه البخاري ومُسلم من حديث كريب عن ابن عباس قال: (نمتُ عند خالتي ميمونة...)؛ الحديث؛ ففي هذا ما يدل على جواز ذكر الله، وقراءة القرآن مع الحدث، وزعم الحسن أن حديث مُهاجر غير منسوخ، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذِّكر، وقيل: يتأوَّل الخبر على الاستحباب؛ لأنَّ ابن عمر ممن روى في هذا الباب كما ذكرناه، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود، انتهى، والله تعالى أعلم.
(٤) [باب: المُتيمم هل ينفخ فيهما ؟]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه، وقوله: (المُتيمم) ثابتٌ في رواية الأكثرين، ساقط في روايةٍ (هل ينفخ فيهما) أي: في اليدين بعد ما يضرب بهما الصعيد للتيمم، وإنَّما أورده بلفظ الاستفهام على سبيل الاستفسار؛ لأنَّ نفخه ﷺ في يديه في التيمم على ما يأتي في حديث الباب يحتمل وجوهًا ثلاثة:
الأول: أن يكون لشيء عَلِق بيده؛ فخشي ﵇ أن يصيب وجهه الكريم؛ فنفخ لذلك.
الثاني: أن يكون قد علق بيده من التراب ما يكرهه؛ فلذلك نفخ فيهما.
والثالث: أن يكون لبيان التشريع، وهو الظَّاهر، ولهذا احتج الإمام الأعظم رئيس المجتهدين بذلك، ولم يشترط التصاق التُّراب بيد المُتيمم؛ وعلى هذا؛ هذه الاحتمالات المذكورة التي ذهب إليها بعضهم غير سديدة، بل ظاهر الحديث لبيان التشريع، والحكمة فيه: إزالة التلوث عن الوجه واليدين، وتبويب البخاري بالاستفهام أيضًا غير سديد، ووجه المناسبة بين البابين ظاهرٌ؛
стр. 400
وهو أنَّ المذكور فيما قبله أحكام التيمم والنفخ فيه أيضًا من أحكامه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري».
[حديث: إنَّما كان يكفيكَ هكذا]
٣٣٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (قال: حدثنا الحَكَم) بفتح الحاء المهملة، والكاف: هو ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، (عن ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجمة، وتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، (عن سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن عبد الرحمن بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزَّاي المفتوحة، مقصورًا، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن الصَّحابي الخزاعي الكوفي، استعمله علي الصدِّيق الأصغر ﵁ على خَرَاسان (قال) أي: عبد الرحمن (جاء رجلٌ) أي: من أهل البادية، كذا صَرَّح به الطبراني في روايته (إلى عُمَر بن الخطاب) أمير المؤمنين ﵁، (فقال)؛ أي: الرَّجل: يا أمير المؤمنين؛ (إني أَجنبت) بفتح الهمزة؛ أي: صِرْت جُنبًا، وفي رواية: (جُنِبت)؛ بضمِّ الجيم، وكسر النون، (فلم أُصب الماء)؛ بضمِّ الهمزة، من الإصابة؛ أي: لم أجدهُ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء؛ لأنَّ الصَّعيد شرع طهورًا بحال عدم الماء، ولا تكره الجنابة حال وجود الماء، فكذا حالة عدمه، وبهذا صرَّح في «البحر» عن «المحيط»؛ فليُحفظ.
(فقال عمَّار) بتشديد الميم (بن ياسر) هو العَنْسي؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون، الصحابي ابن الصَّحابي، شهد هو وأبوه المشاهد كلَّها، وأخرج التِّرمذي: أنَّه ﵇ قال: «إنَّ عمارًا مُلِئَ إيمانًا»، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيب المطيَّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا؛ عاداه الله، ومن أبغض عمارًا؛ أبغضه الله»، وكان من السَّابقين الأولين، له في «الصَّحيح» أربعة أحاديث؛ منها قوله هنا (لعمر بن الخطاب) ﵁: يا أمير المؤمنين؛ (أَما)؛ بفتح الهمزة للاستفهام، وكلمة (ما) للنفي (تذكُر) من الذِكر؛ بضمِّ الذال المعجمة؛ أي: تحفظ، وتفطن، وتعلم (أنَّا) وفي رواية الأصيلي: (إذا)، وموضع (أنا) نصب على أنَّه مفعول (تذكر) (كنَّا في سفر) وفي رواية مسلم: (في سرية)، وزاد: (فأجنبنا) (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في (كنا) (فأمَّا أنت؛ فلم تُصلِّ) تفصيل لما وقع من عمَّار وعمر ﵄؛ ومعناه: أنَّه لم يصلِّ بالتيمم؛ لأنَّه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو أنَّه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر، وأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الجُنب لا يتيمم، فقاسه عمار عليه، ولم يذكر في هذه الرواية جواب عمر، وكذلك روى البخاري هذا الحديث في الباب الذي يليه من رواية ستة أنفس عن شُعبة، ولم يذكر فيها جواب عمر، وذكره مُسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي عن حجاج بن محمَّد، فقال: (لا تُصلِّ)، وزاد السراج: (حتى تَجد الماء)، وهذا مذهب مشهور عن عمر، ووافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود على ما سيأتي في باب (التيمم ضربة)، وقيل: إن ابن مسعود رجع عن ذلك، قاله إمام الشَّارحين.
قلتُ: قدمنا أنَّ عمر وابن مسعود قد ثبت رجوعهما عن ذلك، وقالا: بصحة التيمم عن الجنابة؛ فليحفظ.
ويدلُّ لذلك: ما قاله في «عمدة القاري» : (وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى لابن مسعود: إذا لم تجد الماء؛ لا تصلِّ، قال عبد الله: لو رُخِّصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد؛ قال هكذا -يعني: تيمم وصلى- قال أبو موسى: فقلت: أين قول عمار لعمر ﵄؟ قال: إني لم أر قنع عمر بقول عمار)، وفي لفظ آخر: (كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبيَّ الأعظم ﷺ : «كان يكفيك»؟ قال: لم نر عمر يقنع بذلك منه، فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول) انتهى.
قلت: وظاهره أنَّه رجع عن ذلك وهو يدلُّ لما قدمناه؛ فافهم.
(وأمَّا أنا؛ فتمعكت) وفي الرواية الآتية: (فتمرغت)؛ بالغين المعجمة؛ أي: تقلبت بالتراب، وفي لفظ: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة...)؛ الحديث، (فصليت)؛ لأنَّه قد ارتفع حدثه، وكأنَّه اجتهد أنَّ التيمم إذا وقع بدل الوضوء؛ وقع على هيئة الوضوء، واجتهد أنَّ التيمم عن الغُسل يقع على هيئة الغسل، فلهذا تمعَّك، وهذا اجتهاد منه في ذلك، وهو صحيح وإن كان في عصره ﵇؛ لأنَّ الجمهور: جوَّزوا الاجتهاد في عصره ﵇ مطلقًاسواء كانوا غائبين عن الرسول أو حاضرين في بلده ﵇، وهو المختار، ولهذا لم يأمره النبيُّ الأعظم ﷺ حين سأله بإعادة الصَّلاة؛ لأنَّه فعل أكثر ما كان يجب عليه في التيمم؛ حيث تقلَّب على الصعيد، ففيه دليل على جواز الاجتهاد في جهة القِبلة إذا كان في صحراء، أو ظلمة، أو غير ذلك، فلو صلى الظهر مثلًا واجتهد لجهة، ثم تبدل اجتهاده لجهة أخرى؛ ينحرف ويصلي، فلو تبدل أيضًا؛ ينحرف، وهكذا، فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه، وإن كان كل ركعة لجهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه؛ فليحفظ.
(فذكرت) وقوله: (ذلك) ثابت في رواية، ساقط في أخرى (للنَّبيِّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: فعله المذكور، (فقال النَّبيُّ) الأعظم ﷺ وفي رواية الأصيلي: (فقال ﷺ أي: لعمار في الجواب: (إنَّما كان يكفيك)، زاد في لفظ: (أن تَصنع)، (هكذا) بالكاف بعد الهاء، وفي رواية الحموي، والمستملي: (هذا)، وفي لفظٍ: (وضرب بكفيه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه)، وفي لفظٍ: (مسح وجهه وكفيه واحدة)، كذا في «عمدة القاري»، قال: وهذا ظاهر في تقديم الكف على الوجه، وهو شاهدٌ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وهو قول محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن حزم، وحكاه عن الأوزاعي، وسيأتي تمامه.
(فضرب النَّبيُّ) الأعظم ﷺ ولأبي ذر: (فضرب) (بكفيه)؛ بالتثنية (الأرضَ) وللأصيلي: (في الأرض) (ونفخ فيهما)، وفي لفظ: (فأدناهما، ثم أدناهما، ونفخ فيهما)، وفي لفظ: (قال عمَّار: وتفل فيهما)، وفي لفظ: (ثم نفضهما)، وهذا يدل على أنَّه لم يُبْقِ عليهما من التراب شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ، وأدناهما منه، والتفل فيهما يزيل أثر التُّراب بالكلية، كما هو مُشَاهد، ويدلُّ
стр. 401
لهذا ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا...)؛ الحديث؛ يعني: من شدة النفخ لم يحملا من التراب شيئًا؛ لأنَّ النفض وكذا التَّفل -وهو النفخ الشَّديد- لا سيما دُنوُّهما منه يزيل أثر التراب بالكلية، كما لا يخفى، فهذا يدلُّ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والجمهور: من أنه إذا تيمم على صخر؛ جاز؛ لأنَّ الواجب المسح بكفٍّ موضوعٍ على الأرض لا استعمال التراب، وخالفهم الشَّافعية، فزعموا أنه لا بد من التُّراب، وحملوا هذا الحديث على أنَّ النفخ كان لأجل تخفيف التراب وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا.
قلتُ: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ اشتراط التُّراب غير ثابت عند الشَّارع، وإنَّما الثَّابت اشتراط الصَّعيد، وهو وجه الأرض؛ كحجرٍ، ومَدَرٍ، وتُراب، وغير ذلك، وهو ما أجمع عليه أهل التفسير، وأهل اللغة كما سبق، وقولهم: إن النفخ كان لأجل التخفيف كلام فاسد؛ لأنَّه جاء بلفظ (التفل)، وجاء بلفظ (النفض)، وجاء: أنه أدناهما، وهذا كله يدل على أنَّه أزال عنهما التراب بالكلية، وهذا إذا ثبت أنَّه ضَرب يديه على التُّراب، والظاهر منه: أنه ضرب بيديه على الحصى كبارًا وصغارًا، فإنَّ حكمة النَّفض والنَّفخ؛ لأجلألَّا يعلق بهما شيء من ذلك فيؤذي وجهه الشَّريف، ولأنَّه يصير الشخص مثلة في تبديل خلقه وتغيير هيئته، وهو منهيٌّ عنه؛ لأنَّه يصير هزأةً بين الناس لا يقال: إنه أثر عِبَادة؛ لأنَّا نقول التُّراب ملوث مبدِّل للخلقة، فإنَّه وإن كان طهورًا إلا أنه لا يصلح لذلك؛ لاحتمال أنَّه قد دخل الغبار ونحوه بخلاف الماء، فإنه منظف؛ فافهم.
فإن الأرض تُطلق: على الحجر، والمدر، والحصى، وغير ذلك إذا كان منبسطًا، وعلى فرض أنَّه على التُّراب، فالتفل -وهو شدة النفخ- وأدناهما منه دليل واضح على أنه لم يُبْقِ فيهما شيء من التُّراب، كما لا يخفى.
وقولهم: (وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا) كلام باطل؛ لأنَّ اليدين إذا ضرب بهما الأرض؛ لم يحملا ترابًا كثيرًا، وإنما يتلوثان بالغبار، كما هو مشاهد لأولي الألباب، فكيف يوصف بالكثير؟ وما هذا إلا تعنت وعناد، ولا حاجة إلى هذا الحمل؛ لأنَّه قد ورد عند أبي داود: (ولم يقبضوا من التراب شيئًا)، كما سبق قريبًا، و (شيئًا) نكرة، وهي في سياق النفي تعمُّ فتشمل القليل والكثير؛ يعني: لم يبق عليهما تراب لا قليلًا ولا كثيرًا؛ فافهم، والله أعلم.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث ذكر النفخ، ولكن ليس في الحديث استفهام فيه، ولهذا قلنا: إن تبويبه بالاستفهام ليس بسديدٍ) انتهى.
قلتُ: واختُلِفَ هل ينفخ مرة واحدة أو مرتين؟
قلتُ: وظاهر الحديث أنَّه ينفض بقدر ما يتناثر التَّراب عنهما؛ لئلَّا يصير مثلة، وبه صرَّح في «الهداية»، فالمقصود: تناثر التُّراب إنْ حصل بمرةٍ؛ اكتفى بها، وإن لم يحصلْ؛ ينفض مرتين، كذا قاله في «البدائع».
(ثم مسح بهما) أي: يديه (وجهه) مستوعبًا، فيخلل لحيته، ويمسح عذاره، والوترة التي بين المنخرين، وما تحت الحاجبين، وموق العينين؛ لأنَّ الاستيعاب شرطٌ على المُختار، وهو ظاهر الحديث، وظاهره أيضًا أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو بأكثرها، فلا يجوز أن يمسح بإصبع أو إصبعين، كما في «السِّراج الوهاج»، (وكفيه) فيخلل أصابعه، ويحرك الخاتَم، وظاهر الحديث أنَّه لا يُشترط الترتيب في التيَّمم كأصله؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند المحققين، فلا تفيدُ التَّرتيب، ولا التَّعقيب، وهو كذلك لكنَّه سُنة، وظاهر الحديث أيضًا أنَّه على التوزيع، فمسح باليد اليمنى وجهه، وباليسرى كفَّيه؛ لأنَّه لا يشترط المسح باليدين حتى لو مسح بإحدى يديه وجهه، وبالأخرى يده؛ أجزأه في الوجه واليد، ويعيد الضَّرب لليد الأخرى، كذا في «النهر».
واعلم أن: المؤلف لم يسق هذا الحديث بتمامه، والأئمَّة الستة أخرجوه مطولًا ومختصرًا، وكان لعمَّار في هذا الباب أحاديث مختلفة مضطربة، فاختار كل واحد من العلماء حديثًا منها ممَّا صحَّ عنده، فذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والإمام أبو (١) يوسف، والإمام زُفَر إلى أنَّ التيَّمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو قول الحسن بن حي، وابن أبي ليلى، واللَّيث بن سعد، وبه قال مالك والشافعي، وهو رواية عن الأوزاعي.
واستدلوا على هذا بأحاديثَ، وآثارٍ، وقياس، أمَّا الأحاديث؛ فمنها: حديث الأسلع بن شُريك التميمي خادم النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، عن النبي الأعظم ﷺ قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، رواه الحافظ الطَّحاوي، والطَّبراني، والدَّارقطني، والبيهقي.
ومنها: حديث ابن عمر، رواه الدَّارقطني مرفوعًا من حديث نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، قال الدَّارقطني: كذا رواه علي بن طهمان مرفوعًا، ووقفه يحيى القطَّان، وهشيم، وغيرهما، ورواه الحافظ الطَّحاوي من طرق موقوفًا.
ومنها: حديث جابر رواه الدارقطني من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين»، وأخرجه البيهقي أيضًا، والحاكم أيضًا من حديث إسحاق الحربي، وقال: هذا إسناد صحيحٌ، وقال الذَّهبي أيضًا: (إسناد صحيح).
ومنها: حديث أبي أمامة أخرجه الطَّبراني بإسناده إليه عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفيه جعفر بن الزُّبير [وهو] ضعيف.
ومنها: حديث عائشة أخرجه البزَّار بإسناده إليها عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفي إسناده الحويش بن حريث، ضعَّفه أبو زُرْعة.
ومنها: حديث عمَّار رواه أبو داود من حديث عبد الله عن عمَّار قال: (فأمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب ولم يقبضوا من التُّراب شيئًا فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم)، قال أبو داود: (وكذا رواه ابن إسحاق، قال به عن ابن عباس، وذكر ضربتين، كما ذكره يونس عن الزُهْرِي، ورواه معمر، وذكر ضربتين).
ومنها: حديث عبد الله رواه ابن ماجه من حديث محمَّد بن أبي ليلى القاضي عن الحكم، وسَلَمَة بن كهيل، فإنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التَّيمم، فقال: (أمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ عمَّارًا أن يفعل هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثُمَّ نفضهما، ومسح على وجهه)، قال الحكم: (ويديه)، وقال سَلَمَة: (ومرفقيه).
ومنها: ما رواه أبو داود: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان، عن قتادة، عمن حدثه، عن الشَّعبي، عن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى، عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، ورواه ابن أبي ذئب، عن الزُهْرِي، فذكر
стр. 402
فيه ضربتين.
ومنها: ما رواه البيهقي بسندٍ صحيحٍ عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال له: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين».
وأمَّا الآثار؛ فمنها: ما رواه الإمام محمَّد بن الحسن عن الإمام الأعظم أبي حنيفة قال: حدثنا حمَّاد عن إبراهيم في (التَّيمم) قال: (تضع راحتيك في الصَّعيد، فتمسح وجهك، ثم تضع الثَّانية، فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين)، قال محمَّد: وبه نأخذ.
ومنها: ما رواه الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث قَتَادة عن الحُسين أنَّه قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه والكفين، وضربةٌ للذِّراعين إلى المرفقين).
ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنفه» : حدثنا ابن عليَّة، عن داود بن الشَّعبي قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين)، وروي عن إبراهيم، وطاووس، وسالم، والشَّعبي، وسَعِيْد بن المُسيِّب مثله.
وأمَّا القياس؛ فلأنَّ التيمم خلفٌ عن الوضوء؛ فيجب أن يكون مثله، لكن لمَّا كان التَّيمم شُرع لأجل الرُّخصة؛ تُرِك فيه الرأس والرجلان، فبقي الوجه واليدان، والدَّليل على أنَّه كالوضوء: أنَّه أعطي أحكامه من عدم اشتراط الترتيب فيه، ومن طُروء النَّواقض عليه، وطهارة الصَّعيد كالماء، وغير ذلك مِّما لا يخفى.
وروى الإمام الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم: (أنَّ التَّيمم ضربةٌ للوجه، وأخرى لليدين إلى الرُّسغين)، ورُوِي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأوزاعي، والأعمش، وعبد الحكم، والشَّافعي في القديم.
ومالك في رواية لما رواه الدَّارقطني قال: (ما تمرغ عمَّار وسأل رسول الله ﷺ فضرب بكفيه الأرض، ثُمَّ نفضهما)، وقال: (تمسح بهما وجهك، وكفيك إلى الرُّسغين)، وعند الأشرم من روايته عنه: (ثُمَّ تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغين).
وفي «الأوسط» للطَّبراني: عن عمَّار: (تمسح وجهك وكفيك بالتراب ضربة للوجه، وضربة للكفين).
قلتُ: ولا دلالة لهم في هذا، فإنَّ حديث الدَّارقطني ضعيف؛ لأنَّه لم يروه عن حُصين مرفوعًا غير إبراهيم بن طهمان، وأوقفه شُعبة، وزائدة، وغيرهما، وما رواه الأشرم؛ فإنَّ في سنده مجهول، وما رواه الطَّبراني؛ فإنَّه لم يروه عن سَلَمَة بن كهيل عن سعد بن أَبْزَى إلا إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، وعلى كلٍّ؛ فهذه الأحاديث لا يُحتج بها مع وجود الأحاديث، والآثار السَّابقة التي علمتها، فإنَّ الصَّحيح لا يُقاوم الضَّعيف.
وذهب أحمد ابن حنبل، وعطاء، وإسحاق: إلى أن التَّيمم ضربة للوجه والكفين إلى الرسغين، وهو قول الطَّبري، والشَّعبي في رواية، والأوزاعي في رواية، فلا يجب عندهم المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية، واستدلوا بحديث الباب.
قلتُ: ولا دِلالة فيه لهم؛ لأنَّ الحديث فيه طيٌّ؛ لأنَّه رُوِي مختصرًا (١) هنا، ورواه الأئمَّة الستة مطولًا، فقوله: (ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه) يعني: وضرب ضربة أخرى للذِّراعين إلى المرفقين، يدلُّ لهذا: ما قدمنا في حديث أبي داود، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثُمَّ عادوا فضربوا بأكفهم الصَّعيد مرةً أخرى فمسحوا بأيديهم).
وفي «المعجم الكبير» للطَّبراني: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين، فهذا يدلُّ على أنَّ الحديثَ مختصرٌ، فلا دليلَ لهم فيه على أنَّ ما يُمسح به وجهه يصير مستعملًا، وقد أمر الله تعالى بالصَّعيد الطَّيب، فكيف يَمسح به كفيه؟
وأجيب: بأنَّه يُمكن أنْ يَمسح الوجه ببعض الكفين، والكفين بباقيهما.
قلتُ: وهذا فيه حرج وعُسر، وقد أُمرنا بالتَّيسير، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ففي هذه الكيفية حرج، وهو مدفوع بالنَّص.
وذهب محمَّد بن سيرين: إلى أنَّ التَّيمم ثلاث ضربات: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للكفين، وضربةٌ للذِّراعين، ورُوِي عنه: (ثلاثُ ضرباتٍ الثَّالثة لهما جميعًا).
وقال ابن شهاب الزُهْرِي: (التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين يَبلغ بها إلى الإباط).
ويدلُّ لهذا: ما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ مُتصلٍ عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن عمَّار قال: (فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ ، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الإباط).
وفي «المُعجم الكبير» للطَّبراني: (وضربةٌ لليدين إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا)، وفي لفظ: (ومن بطون أيديهم إلى الإبط)، وفي لفظ: (إلى المناكب).
قلتُ: وهذا لا يدلُّ لمدعاه؛ لأنَّ الرِّوايات عن عمَّار قد اختلفت، وأصحُّ الرِّوايات عنه ما قدمناه، والمُراد هنا: هو صورة التَّعليم والتَّقريب، وليس المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم، وهذا مخالفٌ لما سبق، ففيهِ دلالة إلى أنَّه انتهى إلى ما عِمَلَهُ النَّبيُّ الأعظم ﷺ .
وقال ابن أبي حازم: لا يخلو أن يكون حديث عمَّار بأمرٍ أولًا، فإنْ يكن من غير أمرٍ؛ فقد صحَّ عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ خِلافه، وإنْ كان عن أمرٍ؛ فهو منسوخ، وناسِخه حديث عمَّار أيضًا، انتهى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلتُ: والظَّاهر: أنَّ هذه الأحاديث المُختلفة المُضطربة المَرويَّة عن عمَّار كانت قبل نُزول آية التَّيمم؛ لأنَّ هذه الصِّفات فعلها عمَّار باجتهادٍ منه، وسأل عنها النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، فتوقف النَّبيُّ عن الجواب حتى نزلت آية التَّيمم، وهي تدلُّ على: ضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين قياسًا على الوضوء، وإتباعًا لما رُوِي في ذلك من الأحاديث التي قدَّمناها؛ فإنَّها تدلَّ على الضَّربتين، والظَّاهر أنَّها كانت آخرًا، فهي ناسخةٌ لما تقدمها من الصِّفات؛ فإنَّ الله تعالى قد أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في (التَّيمم) : ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، واليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء من أوَّل الآية، فلا يُتْرك هذا الصَّريح إلا بدِلالة صريحٍ، ولمَّا كان التَّيمم خلفًا عن الوضوء؛ أعطي حكمه؛ لئلَّا يزيد الخلف على الأصل، فتعيَّن في التَّيمم الاقتِصار على الوجه واليدين إلى المرفقين؛ إعمالًا للخلفية بقدر الإمكان، وعملًا بالأحاديث الواردة.
ورَجَحت رواية: (إلى المرفقين) بما رواه ابن عُمر، وجابر، والأسلع، وغيرهم ﵁، فإنَّهم حكوا تيمم النَّبيِّ الأعظم ﷺ ؛ بأنَّه ضرب ضربةً للوجه، وضرب أُخرى لليدين إلى المرفقين، والغاية داخلةٌ في المغيَّا عند الإمام الأعظم والجمهور، وقال الإمام زفر: هي غير داخلة، كما قدَّمناه في (الوضوء).
وفي الحديث دليلٌ على صحة القياس؛ لقول عمَّار: (أمَّا أنا؛ فتمعكت)، فإنَّه اجتهد في صفة التَّيمم ظنًّا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر، فقاسه على الغسل، وهذا يدلُّ على أنَّه كان عنده عِلم من أصل التَّيمم، ثُمَّ إنَّه لمَّا أخبر به النَّبيَّ الأعظم ﷺ ؛ علَّمه صفة التَّيمم، وأنَّه للجنابة والحدث سواء.
وفيه دليل على جواز التَّيمم من الصخرة
стр. 403
التي لا غُبار عليها؛ لأنَّه لو كان مُعتبرًا؛ لَما نَفخ ﵇ في يديه.
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ النَّفخ مطلوبٌ وهو سُنة أو مُستحب، وقدمنا أنَّه ينفخ مرةً أو مرتين، وظاهر الحديث يدلُّ على الأول.
وفيه دليل على جواز الاجتهاد في عصره ﵇، وهو قول الجمهور مُطلقًا سواء كانوا غائبين أم حاضرين عنده ﵇.
وفيه دليل على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء.
وفيه دليل على استحباب تأخير التَّيمم إلى آخر الوقت المستحب؛ لأنَّه ربَّما يجد الماء فيؤدِّي العبادة بأكمل الطَّهارتين، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.
اللهم؛ اقض عني الدين، وارزقني رزقًا حلالًا بلا تعب، وفرِّج عني ما أهمَّني، ووفِّق أمَّة نبيك الأعظم ﷺ لما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير.
(٥) [باب التيمم للوجه والكفين]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وقوله: (التَّيمم) مُبتدأ؛ أي: في بيان أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدة (للوجه)، وقوله: (والكفين) عطف على (الوجه) أي: وخبرُ المُبتدأ محذوف؛ أي: التَّيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ويقدر بعد ذلك لفظة (جوازًا)؛ يعني: من حيث الجواز؛ وتقديره (وجوبًا)؛ يعني: من حيث الوجوب، والمقصود منه: إثبات أنَّ التَّيمم ضربةٌ واحدةٌ، سواء كان وجوبًا أو جوازًا، ومعنى أحاديث هذا الباب: هو معنى الحديث الذي في الباب السابق، غير أنَّه رُوِي هناك عن آدم، عن شُعبة مرفوعًا، وههنا أخرجه عن سِتة مشايخ؛ كلهم عن شُعبة؛ ثلاثةٌ منها موقوفةٌ، وثلاثةٌ مرفوعةٌ، كما ستقف عليها، كذا قاله إمام الشَّارحين، واعترضَ عليه القسطلاني بأنَّ تقيده بـ (ضربة واحدة) قد عقد له المؤلف بابًا مستقلًّا.
قلتُ: وهذا الاعتراض غير ظاهر، ولا يصدر إلا من مُكابرٍ، فإنَّ أحاديث هذا الباب السِّتة كلُّها صريحةٌ في أنَّ الضربة واحدة؛ لأنَّه لم يذكر غيرها، فهي صريحة بالوحدة على أنَّه هي محلُّ الخِلاف بينها وبين الضربتين، ولو كانت ليست واحدة؛ لبيَّنَ في الأحاديث أنَّها أكثر، واقتصاره فيها على الضرب يقتضي الوحدة، والتَّرجمة لم تُصرح بالضرب أيضًا، ولا أنَّه واحد، فأحال ذلك على الأحاديث التي سيذكرها، كما لا يخفى، وزعم ابن حجر باب (التَّيمم للوجه والكفين) أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شُهرة الخِلاف فيه؛ لقوة دليله، فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التَّيمم لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار، وما عداهما؛ فضعيف أو مُختَلفٌ في «الصَّحيحين»، ويذكر المرفِقين في رفعه، ووقفه، والرَّاجح عدم رفعه، أما حديث أبي جُهَيْم؛ فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديث عمَّار؛ فورد بذكر الكعبين في السُّنن، انتهى.
ورَدَّه إمام الشَّارحين فقال: قلتُ: تقييده بالوجوب لا يُفهم منه أصلًا؛ لأنَّه أعم من ذلك؛ يعني: يشمل الجائز، فإنَّ التَّيمم يكون فرض عينٍ للمحدث، وأراد صلاة الفرض، ويكون فرضًا على الكفاية للمحدث لصلاة الجنازة، ويكون واجبًا للطواف، ويكون مندوبًا للنوم على طهارة، ولمسِّ الكُتب الشَّرعية؛ كالحديث، والفقه، وغير ذلك، فالمُراد: الأعم، وهو مُراد المؤلف؛ حيث أطلق كلامه، فتقييد هذا القائل بالواجب غير صحيح، كما لا يخفى.
وقوله: (لم يَصح منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمَّار) غير مُسلَّم؛ لأنَّا قد ذكرنا أنَّه رَوى فيه عن جابر مرفوعًا: «أنَّ التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين»، وأن الحاكم قال: (إسناده صحيح)، وأن الذهبي قال: (إسناده صحيح)، ولا يُلتفت إلى قول من يمنع صِحته، لا يُقال: (رواه جماعة موقوفًا)؛ لأنَّا نقول: قوله أقوى وأثبت؛ لأنَّه استندَ من وجهين.
قلت: وكذا روى البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وكذا رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ، فكيف يقول هذا القائل: (لم يَصح منها...) إلخ؛ ما هذا إلا مُكابرة؟
وقوله: (أمَّا حديث أبي جُهَيْم)؛ فورد بذكر اليدين مُجملًا غير صحيح، ولا يُطلق فيه حدُّ الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين، وإلى المرفقين، وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدَّارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته بقوله: (فمسح بوجهه وذراعيه).
فإن قلت: هذا القائل لم يُرِد الإجمال الاصطلاحي، بل أراد: الإجمال اللُّغوي.
قلتُ: إن كان كذلك، فحديث الدَّارقطني أوضحه وكشفه، انتهى.
قلتُ: وقوله: (وأمَّا حديث عمَّار...) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ رواية ذكر الكعبين في السنن ضعيفةٌ جدًّا؛ لأنَّ في سنده مجهولين (١)، بل الرواية الصحيحة عن عمَّار، كما رواها أبو داود مرفوعًا إليه ﵇: «أنَّه ضرب بيديه الأرض، ثُمَّ نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه»، وكذا أخرجه بقية الستة، وقوله: (والرَّاجح عدم رفعه) : غير صحيح، بل الرَّاجح أنَّه: مرفوع، وهو ما عليه الجمهور؛ فليحفظ.
[حديث عمار وفيه: ثم مسح وجهه وكفينه]
٣٣٩ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا حجاج) هو ابن مِنهال؛ بكسر الميم (قال: أخبرنا شُعبة) هو ابن الحجاج (قال: أخبرني)؛ بالإفراد (الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، وفي رواية: (عن الحَكَم) (عن ذَرٍّ)؛ بتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن عبد الرحمن)، وفي رواية: (عن ابن عبد الرحمن) (بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى، الصَّحابي الخزاعي الكوفي، (قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر ﵁ (بهذا) أشار به إلى سياق المتن الذي قبله من رِواية آدم عن شعبة، وهو كذلك إلا أنَّه ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر ﵁؛ فافهم.
وقوله: (وضَرب شعبة) مقول الحجاج (بيديه الأرض)؛ بالتثنية، (ثم أدناهما) أي: قربهما (من فيه) وهو كناية عن النَّفخ، وفيه إشارة إلى أنَّه كان خفيفًا، وفي رواية سليمان بن حرب: (تفل فيهما)، والتفل: دون البزاق، والتفث دونه، قاله أهل اللغة.
قلت: وفيه دليل على أنَّه لم يبق عليهما من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ أو التَّفل يُزِيل أثرَ التُّراب والغُبار بالكلية، كما لا يخفى.
(ثُمَّ مسحَ بهما وجهه) مستوعبًا فيخلِّل اللحية، ويمسح العذار، والوترة، وما تحت الحاجبين، والموقين، وفيه دليل على أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو أكثرها، (وكفيه) إلى الرُّسغين، كما ذهب إليه أحمد، والحسن بن زياد، والجُمهور: على أنَّه بضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وقال الإمام زفر: لا يُشترط مسح المرفقين؛ لِمَا في رواية أبي داود في هذا الحديث عن عمَّار مرفوعًا: (ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نِصف الذِّراع)، وسنده صحيح، وفي لفظٍ: (إلى نصف السَّاعد، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة)، وفي رواية شك سَلَمَة بن كهيل قال: (لا أدري فيه إلى المرفقين؛ يعني أو إلى الكعبين)، ورواه شعبة عنه: (إلى المرفقين أو الذِّراعين).
قلت: وقدمنا في الباب قبله دلائل المذهب المعظم وبقية الأئمَّة؛ فلا تغفل، قال إمام الشارحين: قد ذكرنا أنَّ البخاري أخرج هذا الحديث في هذا الباب عن ستة من المشايخ؛ الأولُّ: موقوف برواية عن حجاج إلى آخره، وأخرجه الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي قال: حدثنا محمَّد بن خزيمةقال: حدثنا حجاج قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني الحكم، عن ذر، عن عبد الرحمن
стр. 404
ابن أبْزَى، عن أبيه، عن عمَّار ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «إنَّما يكفيك هكذا»، وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض، وأدناهما من فيه، فنفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه، ثُمَّ قال الحافظ الطَّحاوي: هكذا قال محمَّد بن خزيمة في إسناد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبْزَى، وإنَّما هو عن ذَرٍّ عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه، زعم ابن حجر أنَّ الطَّحاوي أشار إلى أنَّه وهم فيه؛ لأنَّه أسقط لفظة: (ابن)، ولا بد منها؛ لأنَّ (أبْزَى) والد عبد الرَّحمن لا رواية له في هذا الحديث.
قال إمام الشَّارحين: قلت: رواية محمَّد بن خُزيمة المذكور تُنبئ على صِحة قول من يقول: (إن أبْزَى والد عبد الرَّحمن صحابي)، وهو قول ابن منده؛ لأنَّه جعله من الصَّحابة، وروى بإسناده عن هشام، عن عُبيد الله الرَّازي، عن بكير بن معروف، عن مُقاتل بن حيان، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : أنه خطب للناس قائمًا قال: «ما بال أقوام لا يعلِّمون جيرانهم، ولا يُفقِّهونهم، ولا يَعِظونهم، ولا يأمرونَهم، ولا ينهونَهم...»؛ الحديث.
ورواه ابن إسحاق ابن راهويه في «المُسند» : عن محمَّد بن أبي سهل، عن بكير بن معروف، عن مقاتل، عن علقمة بن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ بهذا، وقد ردَّ أبو نعيم عليه وقال: (ذكر ابن مندة أنَّ البُخاري ذكره في كتاب «الوجدان»، وأخرج له حديث أبي سَلَمَة، عن ابن أبْزَى، عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، ولم يَقل فيه: عن أبيه)، وقال ابن الأثير: (أبْزَى والد عبد الرَّحمن بن أبزى الخزاعي، ذكره البُخاري في «الوجدان»، ولا تصح له صُحبة، ولا رؤية، ولابنه عبد الرحمن صحبة، ورؤية).
قلتُ: ولذلك لم يذكر أبو عمرو أبزى في الصَّحابة، وإنَّما ذكر عبد الرحمن؛ لأنَّه لم يصح عنده صحبة أبْزَى، ومع هذا وقع الاختلاف في صحبة عبد الرحمن أيضًا، قال ابن حبان: (ذكره في التَّابعين).
وقال أبو بكر بن أبي داود: (لم يحدِّث ابن أبي ليلى من التَّابعين إلا عن ابن أبْزَى).
وقال البُخاري: (له صحبة، وذكره في التابعين).
وقال أبو هاشم: (أدرك النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، وصلَّى خلفه، روى عنه ابناه عبد الله، وسَعِيْد) انتهى كلامه.
(وقال النَّضْر) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة: هو ابن شميل؛ بالمعجمة، وهذا تعليق قد وصله مسلم عن إسحاق بن منصور، عن النَّضر، وأخرجه أبو نعيم في «مُستخرجه» من طريق إسحاق ابن راهويه عنه، وهل هذا التعليق من كلام المؤلف، وقال الكرماني: (قال النَّضْر) من كلام البُخاري، والظَّاهر: أنه عن النَّضْر؛ لأنَّه مات سنة ثلاث ومئتين بالعراق، وكان البُخاري حينئذٍ ابن سبع سنين ببُخارى) انتهى.
(أخبرنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة (قال: سمعت ذرًّا)؛ بالذال المعجمة، والراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم (يقول) جملة فعلية محلها النصب على الحال، أو مفعول ثاني لـ (سمعت) على القول به، كما سبق؛ فليحفظ، (عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وفتح الزَّاي، أبهم الحَكَم اسم ابن عبد الرحمن، وقدَّمنا أنَّ لعبد الرحمن ولدين (١)؛ عبد الله، وسَعِيْد، والظاهر: أنَّ المبهم هنا هو سَعِيْد بكسر العين المهملة؛ لأنَّه هو الذي يروي عنه الحكم، وقد سبقت له الرواية في الباب الذي قبله بواسطة، بخلاف أخيه عبد الله؛ فإنه لم تأت الرواية عنه؛ فليتأمل.
(قال الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عتيبة (وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه) هو أبزى المذكور، وهذا إشارة إلى أنَّ الحكم كما سمع هذا الخبر من ذرٍّ سمعه أيضًا من شيخ ذرٍّ، وهو سَعِيْد بن عبد الرحمن، فكأنَّه سمعه أولًا من ذرٍّ، ثم لقي سَعِيْدًا، فأخذه عنه، ولكن سماعه من ذرٍّ أثبت؛ لوروده، كذا في أكثر الروايات، كذا قاله إمام الشارحين.
قلت: وهذا يعين أن المبهم سَعِيْد، وهو موافق لما قلته، ولله الحمد.
وقال الكرماني: وقوله: (وقال الحكم) يحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكون من كلام شعبة، فيكون داخلًا في إسناده) انتهى.
قال إمام الشارحين: (قلت: يحتمل أن يكون من كلام النضر، وهو الظاهر) انتهى.
قلت: بل هو الصواب، واحتمال كونه تعليقًا من البخاري بعيد جدًّا؛ لتقدم قوله: وقال النضر عليه، واحتمال كونه من كلام شعبة غير ظاهر، بل الظاهر: أنه من كلام النضر، وهو الصواب؛ فليحفظ.
(قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر ﵁ (الصعيد الطيب)؛ أي: الأرض الطاهرة، وقدَّمنا أنَّ الصعيد: وجه الأرض كيفما كان (فعيل) بمعنى (مفعول)؛ أي: مصعود عليه، وقال قتادة: (الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر)، وقال أبو إسحاق: (الطيِّب: النظيف)، وقيل: إنه الحلال، وقيل: ما تستطيبه النفس، والجمهور من أهل التفسير، وأهل اللغة، وغيرهم على أنه: الطاهر؛ لأنَّه أليق المعاني به؛ لأنَّ الصعيد إنَّما شرع لأجل التطهير يدل عليه قوله : ﴿وَلَكِن [يُرِيدُ] لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٢) [المائدة: ٦]، وهو المراد؛ فإن الطهارة شرط إجماعًا، فلم يبق غيره مرادًا؛ لأنَّ المشترك لا عموم له، ولهذا قال الزجاج: لا أعلم فيه اختلافًا بين أهل اللغة وغيرهم فيه، فثبت أنَّ الصعيد: هو وجه الأرض؛ كحجر، ومدر، ورمل، وتراب، وغيرها، وأنَّ الطيِّب: هو الطاهر، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وخالفهم الشافعية فزعموا: أنَّ المراد بالصعيد: التراب فقط، فقالوا: (لا يجوز التيمم إلا على التراب)، وتعلقوا بما روي عن ابن عباس: (الصعيد الطيِّب: التراب الخالص)، وبقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا لا يدل لمدعاهم؛ فإنَّ الذي روي عن ابن عباس رواه البيهقي من جهة قابوس بن أبي طيبان، عن أبيه، عن ابن عباس قال: (أطيب الصعيد حرث الأرض)، وهو يدلُّ على اشتراط الإنبات، وقد قال شيخهم النووي: الإنبات: غير شرط في الأصح؛ فالاستدلال بهذا الأثر غير موجه؛ لأنَّهم لا يقولون باشتراط الإنبات، وعلى فرض ذلك؛ فهذا الأثر لا يصلح دليلًا مطلقًا؛ لأنَّ الآية مطلقة وهي لا تتقيد بالحديث الذي هو خبر آحاد، فكيف بالأثر؟ وما هذا إلا أوهن من بيت العنكبوت، وأما الآية فهي آية المائدة (٣)، والذي في آية النساء ليس فيها لفظة (منه)، فهي جارية على إطلاقها، ولفظة (منه) في الآية الأخرى عائدة على المحدث المذكور في الآية، وتحمل (من) على ابتداء الغاية؛ كقولك: (مسحت)؛ أي: ابتداء المسح، يدلُّ عليه
стр. 405
آية النساء بدون (منه)، فيجوز تقدير الالتصاق بإطلاق هذه الآية، وقد قال أهلُ التَّفسير في قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] : أنَّه حجر أملس، فإنَّ التُّراب لا يكون زلقًا، ولهذا لو دُقَّ حجر فتيُممَ بمدقوقه؛ يجوز ولا تفصيل في الآية، فيجرى على إطلاقه، وهذا الشَّرط زيادة على النَّص، فيكون نسخًا، وهو لا يجوز، ويدلُّ لهذا: قوله ﵇: «يحشر الناس في صعيد واحد...»؛ الحديث، وقوله ﵇: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا»؛ فالمعنى في الأول: الأرض الواحدة، ففسر الصَّعيد: بالأرض، وهو المراد، والثَّاني: بيان إلى أنَّ وجه الأرض مسجدٌ وطَهور يُتَطهر به، يدلُّ عليه آخر الحديث، وهو: «فأينما أدركتني الصَّلاة؛ تيممت وصليت»، فإنَّه قد تدركه الصَّلاة في مكان لا تراب فيه أصلًا، فهذا دليل على أنَّ المُراد: هو وجه الأرض كيفما كان.
(وَضوء المسلم)؛ بفتح الواو: ما يتوضأ به، ومصدر، فهو مشترك بينهما قيد بالمُسلم؛ لأنَّ الكافر إذا تيمم للصلاة، ثم أسلم؛ لا يصح تيممه، ولا تجوز الصَّلاة بذلك التَّيمم، نَصَّ عليه شيخ الإسلام في «المبسوط»؛ لأنَّ الكافر ليس بأهل النِّية؛ لأنَّها عبادة، والتَّيمم لا يصح بدون النِّية، وعن هذا فرق الإمام أبو يوسف بين نية الإسلام، ونية الصَّلاة، فقال: (يكون مُتيممًا في الأولِ دون الثَّاني؛ لأنَّه أهل للإسلام، فيصح منه نية التَّيمم للإسلام، بخلاف نية الصَّلاة؛ لأنَّه ليس من أهل الصَّلاة، فإذا تيمم وهو مُسلم، ثُمَّ ارتدَّ، ثمَّ أسلم؛ فهو على تيممه، فلا ينتقض بالرِّدة، فيصلي بذلك التيمم، بل الرِّدة تُبطل ثواب العمل؛ لا يحكم بإسلامه).
قال في «البحر» : (الأصل: أنَّ الكافر متى فعل عبادة، فإن كانت موجودة في سائر الأديان؛ لا يكون به مسلمًا؛ كالصَّلاة منفردًا، والصوم، والحجِّ الذي ليس بكامل، والصَّدقة، ومتى فعل ما اختص بشرعنا، فإن كان من الوسائل؛ فكذلك، وإن كان من المقاصد أو من الشَّعائر؛ كالصَّلاة بجماعة، ونحوها؛ يكون به مسلمًا) انتهى.
وفي «منهل الطلاب» : (وإنَّما يُحكم على الكافر بإسلامه إذا صلى بأربعة شروط:
أحدها: أن يصلي في الوقت؛ لأنَّها صلاة المؤمنين، فلو صلى في غير الوقت؛ لا يحكم بإسلامه.
الثاني: أن يكون مع الجماعة، فلو صلى منفردًا؛ لا يحكم بإسلامه؛ لأنَّه غير مختص بشرعنا.
الثالث: أن يصلي مؤتمًّا؛ لأنَّ الائتمام يدلُّ على اتباع المؤمنين، بخلاف ما لو كان إمامًا؛ فإنَّه يحتمل نية الانفراد فلا جماعة.
والرابع: أن يكون متممًا، فلو صلى خلف الإمام، وكبَّر، ثمَّ أفسد صلاته؛ لم يكن مُسلمًا، وكذا يصير مُسلمًا بالحجِّ الكامل، والأذان في المسجد)، وتمامه فيه؛ فليحفظ.
(يكفيه من الماء) يعني: يكفي المُسلم أن يجزئه التَّيمم عند عدم الماء؛ بشرط أن تكون الأرض طاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؛ يعني: طاهرًا، فالصَّعيد: آلة للتطهير، فلا بد من طهارته في نفسه؛ كالماء، كذا في «الهداية»، فلو تيمم بغبار ثوبٍ نجسٍ؛ لا يجوز إلا إذا وقع ذلك الغبار عليه بعد ما جف، كذا في «فتح القدير» وغيره، ولا بدَّ أن تكون طهارته مقطوعًا بها، فلو تيمم على أرض قد أصابتها نجاسة فجفتوذهب أثرها؛ لم يجز في ظاهر الرِّواية عن الإمام الأعظم، بخلاف الصَّلاة عليها، كذا في «البدائع»، وظاهر كلامهم: أنَّ الأرض التي جفَّت نجسة في حقِّ التَّيمم منها، طاهرة في حقِّ الصَّلاة عليها، والحقُّ أنَّها طاهرة في حقِّ الكلِّ، وإنَّما منع التَّيمم منها؛ لفقد الطُّهورية؛ كالماء المُستعمل طاهر غير طهور، كذا قاله صاحب «البحر».
وهل يأخذ التُّراب حكم الاستعمال؟
ففي «الخُلاصة» وغيرها: (لو تيمم جنبٌ أو حائضٌ من مكانٍ، فوضع آخر يده على ذلك المكان، فتيمم؛ أجزأه، والمستعمل هو التُّراب الذي لاقى الوجه والذِّراعين).
وفي «المحيط» : لو تيمم اثنان من مكان واحد؛ جاز؛ لأنَّه لم يصر مُستعملًا؛ لأنَّ التَّيمم إنَّما يتأدَّى بما التزق بيده لا بما فضل؛ كالماء الفاضل في الإناء بعد وضوء الأول، كذا في «منهل الطُّلاب».
٣٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا سُليمان بن حرب) بالحاء المهملة، والراء، والموحدة: هو الأزدي الواشحي؛ بمعجمة، ثم مُهملة، البصري قاضي مكة (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، (عن ذرٍّ) بالذال والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، (عن ابن عبد الرحمن بن أَبْزَى)؛ بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزاي، وهو سَعِيْد بن عبد الرَّحمن، (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن أبزى المذكور: (أنَّه) أي: عبد الرَّحمن (شَهِد) أي: حَضَر (عُمر) هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁، (وقال له) أي: لعُمر (عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا (كنَّا في سرِيَّة)؛ بتخفيف الراء، وتشديد المثناة التحتية: وهي القطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربع مئة يُبعث إلى العدو، وجمعها السَّرايا، سُموا بذلك؛ لأنَّهم يكونون خُلاصة العَسكر وخيارهم، من الشَّيء السِّري؛ وهو النَّفيس، وقيل: سُموا بذلك؛ لأنَّهم يبعثون سِرًّا وخُفْيةً، وليس هذا بالوجه؛ لأنَّ (لام) السِّر (راء)، وهذه ياء، قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
(فأجنبنا)؛ أي: صارَ جُنبًا، والجُنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، مذكرًا ومؤنثًا، كما قدمناه، (وقال) أي: عمَّار، أو عبد الرَّحمن الرَّاوي، وهذا هو الظَّاهر؛ فليحفظ: (تفل فيهما)؛ أي: في اليدين، وهو بالمثناة الفوقية، قال الجوهري: التَّفل: شبيه بالبزق، وهو أقلُّ منه، وأوله البزق، ثم التفل، ثم التفث، ثم النفخ، والمقصود منه: أنَّه قال مكان (نفخ فيهما) : (تفل فيهما)؛ يعني: حين ضرب عمَّار بيديه الأرض؛ لأجل التيمم من الجنابة؛ تفل فيهما؛ لئلا يعلق فيهما شيء من الحجر الصغير، والتراب، وغيرهما؛ لئلا يتلوث وجهه، فيصير مثلة، ولا يخفى أنَّ التَّفل لا يبقي من التراب شيئًا على اليدين، بل ولا من الغبار؛ لأنَّه نفخٌ شديدٌ، فيزول ذلك عنهما بالكليَّة؛ فافهم.
وهذه روايته الثَّالثة، وأفادت: أنَّ عُمر ﵁ كان قد أجنب، والدَّليل عليه: أنَّ اجتهاده خالف اجتهاد عمَّار؛ لأنَّ عمارًا (١) قد تيمم عن الجَنابة، وعمر لم يتيمم منها؛ لأنَّ عنده أنَّ الجنابة لا يجوز فيها غير الماء، كما قدمناه مفصلًا.
٣٤١ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا ابن كثير)؛ بالمثلثة: هو مُحمَّد (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، (عن ذرٍّ)؛ بالذَّال، والرَّاء: هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المُهملة، بن عبد الرَّحمن، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن ابن أبْزَى المذكور (قال: قال عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعمر) هو ابن الخطاب ﵄: (تمعَّكت) وفي رواية: (تمرَّغت)؛ ومعناه: تقلَّبت، وفي الرِّواية السَّابقة: (تمرَّغت كما تتمرَّغ الدَّابة)؛ يعني: حين صار جُنبًا، قال عمَّار: (فأتيت النَّبي) الأعظم ﷺ أي: في المدينة المنورة، فأخبره بما وقع له في سفره مع سيدنا عُمر، وأنَّه فعل بخِلاف ما اجتهده عُمر، (فقال) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ له: (يكفيك الوجه) أي: يكفيك مسح الوجه (والكفين) أي: مسحهما في التيمم، و (الكفين)؛ بالنَّصب رواية أبي ذرٍّ، وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره: (والكفان)؛ بالرَّفع، وهو الظَّاهر؛ لأنَّه معطوف على (الوجه)، وهو مرفوع على الفاعلية، والأحسن في وجه النصب: أن تكون (الواو) بمعنى: مع؛ أي: يكفيك الوجه مع الكفين، كذا قاله إمام الشارحين، وزعم الكرماني: أن (الواو) بمعنى: مع، أو الأصل مسح الوجه والكفين، فحُذِف المُضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه.
قال إمام الشَّارحين: قلتُ: على قوله هذا ينبغي أن يكون (الوجه) أيضًا مجرورًا؛ كـ (الكفين)، وهذا أوجه إن صحت الرِّواية به) انتهى.
قلت: لم تصح الرَّواية بهذا عن أحد من الرُّواة مع ما فيه من التَّكليف الذي هو غير مُحتاج إليه؛ فليحفظ.
لكنْ ذكر القسطلاني: أنَّه قيل: رُوِي (الوجهِ والكفينِ)؛ بالجر فيهما، ووجهه ابن مالك بوجهين؛ أحدهما: أن الأصل: يكفيك مسح الوجه، فحذف المضاف، وبقي المجرور به على ما كان عليه، والثَّاني: أن تكون (الكاف) من (يكفيك) حرفًا زائدًا؛ كما في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ورده الدماميني، فقال: يدفعه كتابة (الكاف) متصلة بالفعل؛ أي: بقوله: (يكفي) انتهى.
قال القسطلاني: (والظَّاهر: ثبوت الجر رواية، فإنَّه ثابتٌ مع بقية الأوجه في «الفرع» المقابلة على نسخة اليونيني، وإنَّ ابن مالك حضره عند سماع البُخاري عليه) انتهى.
قلتُ: ولم يُصرِّح ابن مالك بأنَّ الجر ثابت، وتوجيهه هذا من جهة العربية لا يدل على ثُبوته، وثُبوته في الفرع المقابل لا يدلُّ على ثبوته؛ لاحتمال التَّحريف في الفرع، وعدم المقابلة سهوًا؛ فتأمل.
وزَعم ابن حجر في رواية أبي ذرٍّ: (يكفيك الوجه
стр. 406
والكفين)؛ بالنَّصب فيهما على المفعولية بإضمار (أعني)، أو التقدير: يكفيك أنْ تمسح الوجه والكفين.
وردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلتُ: هذا كلام من ليس له مس من العربية؛ لأنَّ التَّقدير الأول: يبقي الفعل ثلاثًا بلا فاعل، وهو لا يجوز، وفي الثاني: أخذ فاعله؛ فلا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لعدم الدَّاعي إلى ذلك، والوجه ما ذكرناه) انتهى كلامه.
ثُمَّ قال: ويُستنبط منه: أنَّ التَّيمم: هو مسح الوجه والكفين لا غير، وإليه ذهب جماعة؛ منهم: أحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول الشَّافعي في القديم، رواه عنه أبو ثور، كما قاله النَّووي، وأنكره الماوردي وغيره، قال: (وهو إنكار مردود؛ لأنَّ أبا ثور ثِقة) انتهى.
والجُمهور على خلاف هذا كما بيناه فيما سبق.
قال إمام الشَّارحين: والمراد من هذا الحديث: بيان صورة الضَّرب؛ للتَّعليم، لا لبيان جميع ما يحصل به التَّيمم) انتهى.
قلتُ: يدلُّ عليه الأحاديث التي قدمناها من أنَّه ﵇ قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المِرفقين»، وقياسًا على الوضوء، فإنَّه تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، واليد: من رؤوس الأصابع إلى الكتف، والغاية في الوضوء دلت على الغاية في التيمم، و (الكفُّ) لا يقال له: يد عند أهل اللُّغة وغيرهم، فثبت أن المُراد بهذا: بيان التَّعليم، لا بيان الكيفية؛ فليحفظ.
وزَعمَ ابن حجر أنَّ سياق الكلام يدلُّ على أنَّ المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم؛ لأنَّ ذلك هو الظَّاهر من قوله: «إنَّما يكفيك»، انتهى.
قلتُ: وهذا مردودٌ، فإن سياق الحديث يدلُّ على التَّعليم؛ لأنَّ في مَعْرِض ذلك؛ لأنَّ عمَّارًا قد فعل التَّمعك، وحين جاءه ﵇ قال له: «إنَّما يكفيك...»؛ إلخ، فهو بيان للتَّعليم، لا بيان وجه الكيفية، ولو كان مراده بيان الكيفية؛ لكان ضرب النَّبي الأعظم ﷺ يديه الأرض، وأراه صفة التَّيمم، فعبَّر ﵇ بالكفين مجازًا عن اليدين؛ لأنَّهما أول اليدين، فعبَّر بالبعض عن الكُلِّ، ولهذا نظائر في لسان العرب وكلامهم.
وقوله: (لأنَّ ذلك هو الظَّاهر) غير ظاهر، بل هو فاسد؛ لأنَّه إذا كان في ذلك أحاديث كثيرة؛ بعضها مرفوع، وبعضها موقوف؛ كيف يعدل عنها إلى هذا مع مخالفته القرآن العظيم، وأفعال الصَّحابة ﵃؟!
ومع هذا قال الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي وغيره: (إن حديث عمَّار لا يَصلُح حجَّة في كون التَّيمم إلى الكفين، أو إلى الكوعين، أو إلى المرفقين، أو إلى المنكبين، أو إلى الإبطين، كما ذهبت إلى كلِّ واحدة طائفةٌ من أهل العلم، وذلك لاضطرابه كما رأيت؛ ولذلك قال التِّرمذي: (وقد ضعَّف بعض أهل العلم حديث عمَّار في التيمم للوجه والكفين كما روي عنه حديث المناكب والإباط) انتهى.
قلت: ولم يُنقل عن أحد من أهل العلم أنَّه ضعَّف رواية عمَّار في التَّيمم للوجه واليدين إلى المرفقين؛ لأنَّها رُوِيت مرفوعة إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ بأسانيد صحيحة؛ لأنَّها موافقة للقرآن الكريم، وقد رُويت أيضًا موقوفة، ورُويت آثار كثيرة عن الصَّحابة والتَّابعين فيها، وإذا انضمت الطُّرق بعضها إلى بعض؛ تقوَّت غاية التقوِّي، فلا سبيل إلى العُدول عنها، وقد بسطنا الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فليحفظ.
٣٤٢ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا مُسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البَصريُّ (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ العين المهملة، (عن ذرٍّ) هو ابن عبد الله الهمْداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، (عن عبد الرَّحمن) هو ابن أبْزَى، ووالد سَعِيْد المذكور (قال: شهدت) أي: حَضَرت (عُمر ﵄ هو ابن الخطَّاب أمير المؤمنين ﵁ (قال) وفي رواية: (فقال) (له) أي: لعُمر (عمَّار) هو ابن ياسر، والجملة محلها نصب؛ لأنَّها حالية، (وساق الحديث)؛ الألف واللام لـ (العهد)؛ أي: المذكور آنفًا، وهذه روايته الخامسة.
٣٤٣ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا محمَّد بن بشَّار) بالموحدة، وتشديد المعجمة (قال: حدثنا غُنْدَر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وهو لقب محمَّد بن جعفر البَصري (قال: حدثنا شُعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة؛ بضمِّ أوله، (عن ذرٍّ) هو ابن عبد الله الهمداني، (عن ابن عبد الرَّحمن بن أبْزَى) هو سَعِيْد؛ بكسر العين المهملة، (عن أبيه) هو عبد الرَّحمن بن أبْزَى المذكور: (قال عمَّار) بتشديد الميم: هو ابن ياسر (فضرب النَّبيُّ) الأعظم ﷺ حين أخبره بما فعله في السفر (بيده) بالإفراد (الأرض) أي: وجهها (فمسح وجهه وكفيه)؛ يعني: بيد واحدة، ولا ريب أنه يصير مستعملًا وليس له وجه غير أنَّه مُضطرب الرِّواية، فلا يَصْلُح حجَّة أصلًا، ولم يسق المؤلف هذا الحديث تامًّا من رواية أحد من أشياخه الستة المذكورين، ولم يذكر جواب عُمر، وليس ذلك من المؤلف، وأخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك، وذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي من طريق حجاج بن محمَّد؛ كلاهما عن شُعبة، ولفظهما فقال: (لا تُصلِّ)، زاد السَّراج: (حتى تجد الماء)، وهذا مذهب عُمر، ووافقه عليه ابن مسعود، ولكن قدمنا أنهما رجعا عن ذلك كله، وقالا بجواز التَّيمم عن الجَنابة، كما قدمناه مفصَّلًا؛ فافهم.
والظاهر: أن المؤلف أراد بتعدد الرِّواية: بيان تعدد أشياخه في هذا الحديث كما هو عادته في جملة من الأبواب، وليس مُراده: التَّقوية؛ لما علمت من نصِّ الحافظ الطحاوي وما قاله الترمذي، وقد مضى الكلام في ذلك مستوفًى، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.
(٦) [باب الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم يكفيه من الماء]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين (الصَّعيد)؛ مبتدأ فعيل بمعنى: مفعول؛ أي: يُصعد عليه، أو فعيل بمعنى: فاعل؛ أي: صَاعدًا، وهذه الأشياء صاعدة فيعم جميع وجه الأرض لا خلاف (١) فيه بين أهلِ اللُّغة، كما قاله الأصمعي، والزجاج، (الطَّيِّب) صفة للمبتدأ: وهو الطَّاهر؛ لقوله تعالى: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]؛ يعني: طاهرًا، ولقوله ﵇: «إن الله طيِّب يحب الطَّيِّب»، وهذا أليق المعاني به؛ لأنَّه قال تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٢) [المائدة: ٦]، (وَضوء المسلم)؛ بفتح الواو: ما يُتَوضأ به؛ يعني: ما يُطهره، بخلاف الكافر، فإنه إذا تيمم؛ لا يكون به مُسلِمًا؛ يعني: لم يُطهره، فلو أسلمَ، وهو مُتيمِّم، وأراد الصَّلاة بذلك التَّيمم؛ لا تصح به الصَّلاة إلا أن يجدِّده كما قدمناه، (يكفيه) أي: يُجزئه، ويُغنيه، (عن الماء) عند عدمه حقيقة أو حكمًا؛ كمن وجده في بئر وليس عِنده آلة أو عِنده حيَّة، أو عدوٌّ، أو غيرها.
قال إمام الشَّارحين: (ومثل هذه التَّرجمة روى البزار من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، وصححه ابن القطان).
وقال الدَّارقطني: الصواب: إرساله، وروى أبو داود من حديث أبي قِلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذرٍّ قال: (اجتمعت
стр. 407
غنيمة عند رسول الله ﷺ ...)؛ الحديث، وفيه: فقال: «الصَّعيد الطَّيِّب وَضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين»، ورواه التِّرمذي أيضًا، وقال: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، ورواه النَّسائي، وابن حِبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «مُستدركه»، وقال: (حديثٌ صحيحٌ)، ولم يخرجاه ولا يُلتفت إلى تضعيف ابن القطان لهذا الحديث بعمرو بن بجدان؛ لكون حاله لا يعرف، ويكفي تصحيح التِّرمذي إياه في معرفة حال عمرو بن بجدان، وكذا تصحيح الحاكم، و (بُجْدان)؛ بضمِّ الموحدة، وسكون الجيم، بعدها دال مهملة، وفي آخره نون، وقوله في الحديث: (ولو إلى عشر سنين) المُراد بها: الكثرةُ، لا العشرة بعينها، وتخصيص العشرة؛ لأجل الكثرة؛ لأنَّها مُنتهى عدد الكثرة؛ والمعنى: أنَّ له أن يفعل التَّيمم مرةً بعد أخرى وإن بلغت مدةُ عدم الماء إلى عشر سنين، وليس معناه: أنَّ التَّيمم دفعة واحدة يكفيه عشر سنين، كما قد يتوهم، قاله إمام الشَّارحين في «عُمدة القَاري» رحمه الكريم الباري.
(وقال الحسن) هو البصري (يُجزئه)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، وبالهمزة، وفي آخره هاء، من الإجزاء، وهو لغةً: الكِفاية، وفي الاصطلاح: الأداء الكافي لسقوط التعبد به، وفي رِواية: (يجزيه)؛ بفتح المثناة التحتية الأولى، وسكون الثانية، وقال الجوهري: (جزأت بالشيء: اكتفيت به، وجزى عني هذا؛ أي: قضى، فهو على التَّقديرين لازم، فلعلَّ التَّقدير يقضي عن الماء) (التَّيمم) فحذف الجار، وأوصل الفعل، وعلى التقدير الأول: يكفيه التَّيمم الواحد، (ما لم يحدث)؛ أي: مدة عدم وجود الحدث، والقصد من هذا: أنَّ التَّيمم حُكمه حُكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به، والنَّوافل ما لم يحدث بأحد الحدثين، وهو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وبه قال الإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، وسُفيان الثَّوري، وعَطاء، وإبراهيم، وسَعِيْد بن المُسيِّب، والزُّهْرِي، والحسن بن حيٍّ، وداود بن عليٍّ، وهو المنقول عن ابن عباسٍ ﵄، وهذا التَّعليق وصَله ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: (لا ينقض التيمم إلا الحدث)، وحكاه أيضًا عن إبراهيم، وعطاء.
ووصَله أيضًا عبد الرزاق، ولفظه: (يجزئ تيمم واحد ما لم يُحْدِث).
ووصَله أبو منصور أيضًا، ولفظه: (التَّيمم بمنزلة الوضوء إذا توضأت؛ فأنت على وضوء حتى تُحْدث).
وقال ابن حزم: روينا عن حمَّاد بن سَلَمَة -يعني: من «مُصنفه» -عن يونس بن عُبيد، عن الحسن قال: (يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد؛ مثل الوضوء ما لم يُحْدِث).
قلتُ: وهذا أوضح وأصرح مما قاله المؤلف عنه؛ لأنَّه صريح في أنَّ التَّيمم مثل الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنَّوافل ما لم يحدث بحدث ما، وهذا مذهب الجُمهور، وخالفهم الشَّافعية فزعموا أنَّه يتيمم لكل صلاة فرض، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وقَتادة، وربيعة، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، وشريك، والليث بن سعد، وأبي ثور؛ لما رواه البيهقي عن ابن عُمر قال: (تيمَّم لكل صلاة ما لم تحدث)، وقول علي الصدِّيق الأصغر: (تيمَّم لكل صلاة)، رواه البيهقي أيضًا.
وروى الدَّارقطني عن ابن عباس أنَّه قال: (من السُّنة ألَّايُصلي بالتيمُّم أكثر من صلاةٍ واحدة)، وروي مثله عن عمرو بن العاص؛ ولأنَّ التَّيمم طهارة ضرورية، فإنَّ التُّراب ملوث في نفسه، ولهذا يعود حكم الحدث السابق عند رؤية الماء، فلم يرتفع الحَدث؛ لأنَّه لو ارتفع الحَدث؛ لم يعد إلا بحَدث جديد، ولكنْ أُبِيحت الصَّلاة للضرورة، فإذا صلى الفرض؛ فقد انتفت الضَّرورة، ولا تعود إلا بمجيء وقت آخر، وهي في حق النوافل دائمة؛ لدوام مشروعيتها، فتبقى بالنسبة إليها.
وأجيب: بأنَّ هذه الآثار كلها ضعيفة لا يُحتج بها، فإنَّ في:
سند الأوَّل: عمَّار (١)، فقد ضعفه ابن عُيينة، وأحمد ابن حنبل، وقال ابن خزيمة: (الرِّواية فيه عن ابن عُمر لا تَصُح).
وفي سند الثَّاني: الحارث الأعور، وهو ضعيف.
وفي سند الثَّالث: الحسن بن عمارة، فقال جماعة: هو مَتروك، وقد تكلَّموا فيه، وذكره مسلم في مقدمة كتابه في جملة من تكلم فيه، رواه عنه أبو يحيى الهمداني (٢)، وهو متروك.
وفي سند الرَّابع: الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، ومع هذا فإن ظاهرها متروك؛ لأنَّهم يجوزون أكثر من صلاة واحدة من النوافل مع الفرض تبعًا له بشرط أنْ يُتيمَّم له، فلو تيمَّم لصلاة النفل؛ لا يجوز أن يؤدي الفرض به، وعلى عكسه؛ يجوز، وما هذا إلا تناقض على أنَّ قول ابن عباسٍ، وعَمرو بن العاص: (من السُّنة ألَّا يُصلي...) إلخ يدلُّ على النَّدب، والاستحباب لا الافتراض؛ لأنَّه جعل هذا من السُّنة، فإذا كان ذلك سُنة؛ جاز أن يؤدي به أكثر من فرض، ويكون تاركًا للسُّنة، وأيضًا صَريح هذه الآثار يدلُّ على تعميم النَّوافل أيضًا، فإنَّهم قالوا: لكلٍّ صلاة، وصلاة النَّفل صلاة شرعًا وعُرفًا، فكيف يفرقون؟!، وما هذا إلا قول بالرَّأي الغير السَّديد، ولأن اعتبار الحدث مانعية عن الصَّلاة شرعية لا يشكل معه أنَّ التَّيمم رافع؛ لارتفاع ذلك المنع به، وهو الحقُّ إذ لم يقم على أكثر من ذلك دليل، وتغير الماء برفع الحدث إنَّما يستلزم اعتباره نازلًا عن وصفه الأوَّل بواسطة إسقاط الفرض لا بواسطة إزالة وصف حقيقي مُدنَس.
والدَّليل لما قاله الجُمهور: إنَّ الصَّعيد طَهور بشرط عدم الماء بالنَّص وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ (٣) تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله ﵇: «الصَّعيد الطَّيِّب وُضوء المُسلم ولو إلى عشر سنين»، كما قدمناه قريبًا، وقوله ﵇: «التُّراب طُهور المُسلم ولو إلى عشر حِجج ما لم يجدِ الماء»، رواه الشَّيخان، وقوله ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، رواه الشَّيخان أيضًا.
فلو قلنا: بأنَّه غيرَ طهور حالَ عدم الماء؛ لما تحقَّقت الخصوصيَّة؛ لأنَّ طهارةَ الأرض بالنَّسبة إلى سائر الأنبياء ثابتة، وإذا كان مطهرًا، فتبقى طهارته إلى وجود غايتها؛ وهو وجود الماء، والمعنى فيما قبله: أن للمحدث أن يصلي بالتَّيمم مرة بعد أخرى ولو إلى عشر سنين ما لم يُحدث أو يَجدِ الماء، ولأن هذه الآية والأحاديث مطلقة، فلا يجوز تقيدهابخبر الواحد، فكيف بالأثر؟ ومع هذا، فالآثار المذكورة أوهى من بيتِ العنكبوتِ، فكل ما هو طهورٌ بشرطِ؛ يعملُ عمله ما دامَ على شرطه؛ كالماءِ فإنه طهور بشرط كونه طاهرًا، ويعمل عمله ما دام شرطه موجودًا.
فإن قلتَ: هذه العبارة تقتضي أن يكون وجود الشرط مستلزمًا؛ لوجود المشروط، وليس كذلك؟
قلتُ: الشَّرط إذا كان مساويًا للمشروط؛ استلزمه وهنا كذلك، فإن كلَّ واحد من عدم الماء وجواز التَّيمم مساوٍللآخر لا محالة، فجاز أن يسلتزمه، وتمامه في «البحر الرائق» شرح «كنز الدقائق» للعلامة المحقق زين الدين
стр. 408
بن نجيم ﵁، وقد طوَّل الكرماني في الاحتجاج للشَّافعيِّ، ومن تبعه في هذا من طريق العقل، والنقل يبطله؛ فافهم.
(وأَمَّ ابن عباس)؛ بفتح الهمزة، من الإمامة؛ أي: صلى إمامًا بأصحابه (وهو متيمم) كما وصله ابن أبي شيبة، والبيهقيُّ أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ، ووجه مناسبة هذا للترجمة من حيث إن التَّيمم وضوء المسلم، فإذا كان كذلك؛ يجوز إمامة المتيمم للمتوضئ؛ كإمامة المتوضئ، فدلَّ ذلك: على أن التَّيمم طهارة مطلقة غير ضروريَّة؛ إذ لو كان ضروريًّا؛ لكان ضعيفًا، ولو كان ضعيفًا؛ لما أَمَّ ابن عباس وهو متيمم بمن كان متوضئًا، وهذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، وبه قال الثَّوري، وإسحاق، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وكَرِه مالك، وعبد الله بن الحسن ذلك، فإن فعل؛ أجزأه، وقال الإمام محمَّد بن الحسن: لا يجوز اقتداءُ متوضئٍ بمتيمم، وبه قال يحيى بن الحسن، والحسن بن يحيى، والأوزاعي، وربيعة، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، واستدلَّ الإمام الأعظم، والجمهور بحديث عمرو بن العاص رواه ابن شاهين بإسناد صحيح: أنَّه ﵇ جعله أميرًا على سَرِية، فلمَّا انصرفوا؛ سألهم عن سيرته، فقالوا: كان حسن السيرة، ولكنه صلى بنا يومًا وهو جنب، فسأله النَّبيُّ الأعظم ﷺ ، فقال: احتلمت في ليلة باردة خشيتُ الهلاكَ إن اغتسلت، فتلوت قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فتيممت، وصلَّيت بهم، فتبسَّم النبيُّ الأعظم ﷺ ، وقال: «يا لك من فقه عمرو بن العاص!»، ولم يأمرهم بالإعادة، وقال أبو طالبٍ: سألت أبا عبد الله عن الجنب يؤمُّ المتوضئين، قال: نعم، قد أَمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمَّار بن ياسر وهو جنب فتيمم، ولأنَّه طاهر اقتدى بطاهر، فإن التَّيمم عندَ عدمِ الماءِ مُطهر، والعدم ثابت في حق الكل؛ فتكون طهارته ثابتة في حقهم، ولأنَّ الصعيد خلف عن الماء في حصول الطهارة، فبعد حصولِ الطهارةِ كان شرط الصَّلاة موجودًا في حق كل واحد منهم بكماله، فصار بمنزلة الماسح يؤمُّ الغاسلين، واستدلَّ الإمام محمَّد بن الحسن، ومن تبعه بما رُوِي عن جابر مرفوعًا: «لا يؤمُّ المتيمم المتوضئين»، وبما روي عن علي الصدِّيق الأصغر موقوفًا: «لا يؤمُّ المتوضئين المتيممون»، ولا المقيد المطلقين، وبما ذكره ابن شاهين من حديث الزُهْرِي عن ابن المسيِّب عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: «لا يؤمُّ المتيمم المتوضئين»، ولأن التَّيمم طهارةٌ ضروريةٌ، وهو خلف عن الوضوء، فيكون المتيمم صاحب الخلف، والمتوضئ صاحب الأصل، فلا يؤمُّه؛ لأنَّه أضعف منه.
وأجاب الجمهور: بأنَّ ما رُوي عن جابر وعليٍّ ضعيف، فقد ضعفهما الدَّارقطنيُّ، وابن حزم، وغيرهما، وما ذكره ابن شاهين عن الزُهْرِي ضعيفٌ أيضًا، (ولئن صح هذا عنهم؛ فيحملُ أن يكونَ حديثُ عمرو بن العاص ناسخًا للثلاثة؛ لأنَّه صحيح الإسناد، ويحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء)، قاله ابن شاهين.
قلت: ويحتمل أن يكون النهي لنفي الفضيلة والكمال، بدليلِ عطف المقيد عليه، وهناك المراد: نفي الفضيلة إجماعًا، واعترض: بأن حديث عمرو بن العاص رخصة له؛ لأنَّه لم ينهه ولم يأمره بالإعادة.
وأجيب: بأنه ليس من الرخصة في شيءٍ؛ لأنَّه لو كان رخصةً له دون غيره؛ لم يقل له النبيُّ الأعظم ﷺ : أحسنتَ، وتبسَّم في وجهه، وقال له: «يا لك من فقه عمرو بن العاص!»، فقد جعل هذا من الفقه وهو عامٌّ له ولغيره، ولأنَّ التَّيمم طهارةٌ مطلقة فيما شرع طهارةفي حقه؛ وهو أداء الصَّلاة، وما يتوقف صحته على الطهارة، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: «جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا...»؛ الحديث، فتيمم الإمام بعد تحقق شرطه طهارة مطلقة في حقه وحق المقتدي؛ لأنَّه كالوضوء في حقِّ أداء الصَّلاةِ، فلا يمنعُ صحة اقتدائهِ به، كما لو كان متوضئًا حقيقةً، واستعمال المقتدي الماء لا يصير الماء موجودًا في زعمه، فكان الإمام طاهرًا في زعمه بخلاف ما لو كان معه ما لا يشعر به إمامه، فإن الشَّرط لم يوجد في زعمه، انتهى.
وقد أوضح المقام في «معراج الدراية»؛ فليحفظ.
وزَعم ابن حجر أنَّ هذه المسألة وافق فيها الكوفيون، والجمهور على خلاف ذلك، واحتجَّ المصنف لعدم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب، فإنه يكفيك ما لم تحدث أو تجد الماء، وحمله الجمهور: على أعمَّ من ذلك؛ أي: لفريضةٍ واحدة، وما شئتَ من النَّوافلِ، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «إن هذه المسألة...» إلى آخره: هذا عكس القضية، بل الجمهور على الموافقة، يقف عليه من يمعن النظر في الكتب).
وقوله: (واحتج المصنف... إلى آخره) ليس كذلك، بل معنى قوله: «فإنَّه يكفيك»؛ أي: في كل الصلوات فرضها ونفلها، وهذا هو معنى الأعمِّية، وليس في قوله: (لفريضةٍ واحدةٍ وما شئتَ من النَّوافل) معنى الأعمِّية، فإن معنى الأعمِّية: أن يكون شاملًا لجميعِ أفرادِ ذلك الشيء، وليس لقوله: (لفريضة واحدة) إفراد، وأما (النوافل)؛ فإنه تبع للفرض، والتَّابع ليس له حكمٌ مستقلٌ، بل حكمه حكم المتبوع؛ فافهم) انتهى كلامه رحمه الباري.
وهذا ابن حجرٍ لا بدَّ أن يجعلَ له في الطنبور نغمةً حتى يُظهرَ علمه، وفهمه، وبلاغته، ألا والعلم عند الله، وما علي إذا لم تفهم البقر؟! وفوق كل ذي علمٍ عليم.
(وقال يحيى بن سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة: هو الأنصاري: (لا بأس بالصَّلاة)؛ أي: المفروضة، والواجبة، والنافلة (على السَبَخَة)؛ بفتح حروفها كلها، واحدة السِبِاخ، فإذا قلت: أرض سَبِخة؛ كسرت الموحدة، وقال ابن سيده: (هي أرض ذات ملحٍ وَتَرٍ، وجَمعُها سِبَاخ، وقد سبَخَت سبخًا، فهي سبخة، وأسبخت)، وقال غيره: (هي أرض تعلوها ملوحة لا تَكادُ تنبت إلا بعضَ الشَّجر)، وفي «الباهر» لابن عديس: (سبخت؛ بكسر الموحدة، وفتحها)، في «شرح الموطأ» لعبد الملك بن حبيب: (السبِخة: الأرض المالحة التي لا تنبت شيئًا، وليست الردعة، ولا الرداع، كما يقول من لا يعرف)، كذا في «عمدة القاري»، (والتيمم بها) أي: بتلك الأرض، والتعبير بلا بأس يفيد أنَّ:
стр. 409
الصَّلاة والتيمم على غيرها أولى؛ لاحتمال أنَّها أرض غضب (١) الله عليها، أو على أهلها، أو كانت مسكن أهل الشرك والطغيان، أو كانت مسكن قوم عاد، أو غيره ممن أهلكهم الله تعالى، فإن كانت كذلك؛ فالصَّلاة والتيمم عليها مكروهة، كما نص عليه علماؤنا الأعلام، وإن كانت غير ذلك؛ فلا كراهة فيها، وحكمها حكم بقية الأرض؛ فافهم.
قال إمام الشارحين: (ومطابقة هذا للترجمة من حيث إن معنى الطيِّب الطاهر والسبخة طاهرة، فتدخل تحت الطيِّب، ويدل عليه ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة ﵂ في شأن الهجرة أنَّه ﵇ قال: أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخيل)؛ يعني: المدينة، قال: وقد سمَّى النبيُّ الأعظم ﷺ المدينة طيِّبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيِّب، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا إسحاق بن راهويه، انتهى.
[حديث: كنا في سفر مع النبي وإنا أسرينا]
٣٤٤ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) زاد في رواية: (ابن مسرهد) (قال: حدثنا) وفي رواية: (حدثني)؛ بالإفراد: (يحيى بن سَعِيْد)؛ بكسر العين المهملة: هو القطان، قال بندار: (ما أظن أنَّه عصى الله قط) (قال: حدثنا عوف) هو الأعرابي، يقال له: عوف الصَّدوق، (قال: حدثنا أبو رَجاء)؛ بفتح الرَّاء، وتخفيف الجيم، وبالمد: هو العطاردي، واسمه عمران بن مِلحان؛ بكسر الميم، وبالحاء المهملة، قال البخاري: (الأصح أنَّه ابن تيم أدرك زمانَ النَّبيِّ الأعظم ﷺ ولم يره، وأسلَم بعد الفتحِ، وأتى عليه مئة وعشرون سنة، مات في سنة بضع ومئة) (عن عِمْران) بكسر العين المهملة، وسكون الميم، آخره نون: هو ابن حُصين؛ بضمِّ الحاء المهملة، أسلم عام خيبر، بعثه عمر بن الخطابِ ﵁ إلى البصرة؛ ليفقههم في الدين، وكانت الملائكة تُسلِّمُ عليه، وكان قاضيًا بالبصرة، ومات بها سنة اثنتين (٢) وخمسين (قال) أي: عمران: (كنَّا) أي: أنا والصحابة، وكانوا سبعةَ رهطٍ، كما في رواية مسلم (في سَفَر)؛ بفتح السِّين المهملة، والفاء: اسم للسير من مكان إلى آخر، بخلاف السِّفْر؛ بسكون الفاء؛ فإنه اسم للكتاب، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ يعني: كتبًا، وإنما سمي السَّفر سفرًا؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق صاحبه؛ يعني: يكشفها (مع النَّبيِّ) الأعظم ﷺ واختلفوا في تعيين هذا السَّفر:
ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة: (أنه وقع عند رجوعهم من غزوة خيبر).
وفي حديث ابن مسعود رواه أبو داود: (أقبل النَّبيُّ الأعظم ﷺ من غزوة الحديبية ليلًا، فنزل فقال: «من يكلؤنا؟»، فقال بلال: أنا).
وفي حديث زيد بن أسلم مرسلًا أخرجه مالك في «الموطأ» : (عَرَّسَ رسولُ الله ﷺ ليلًا بطريق مكة، ووكل بلالًا).
وفي حديث عطاء بن يسار مرسلًا رواه عبد الرزاق: (أن ذلك كان بطريق تبوك)، وكذا في حديث عُقْبَة بن عامر رواه البيهقي في «الدَّلائل».
وفي رواية لأبي داود: (كان ذلك في غزوة جيش الأمراء)، قاله إمام الشَّارحين.
قلتُ: ورواية أبي داود هذه من حديث خالد بن سمين، عن عبد الله بن رباح: حدثنا أبو قتادة؛ فذكره، قال أبو عمر بن عبد البر: وقول خالد: (جيش الأمراء) وهمٌ عند الجميع؛ لأنَّ جيش الأمراء كان في موته ﵇، وهي سرية لم يشهدها النبيُّ الأعظم ﷺ ، وقال ابن حزم: (وقد خالف خالد من هو أحفظ منه)؛ فتأمل.
(وإنَّا أُسرينا) بفتح الهمزة أوله، بعدها سينٌ مهملة (حتى كنَّا في آخرِ الليلِ) وزعم الكرَمَانيُّ أنَّ في بعض النسخ: (سرينا)؛ يعني: بدون الهمزة.
قال إمام الشَّارحين: (يقال: سرى وأسرى؛ لغتان).
وقال الجوهري: (سريت وأسريت؛ بمعنى: إذا سِرتَ ليلًا).
وفي «المحكم» : (السرى: سيرُ عامةِ اللَّيل).
وقيل: سير اللَّيل كله، والحديث يخالف هذا القول، والسَّرى يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث، وقد سرى وسرى، أو سرية وسرية؛ فهو سار.
وذكر ابن سيده: (وقد سرى به، وأسرى به، وأسراه).
وفي «الجامع» : (سرى يسري سريًا؛ إذا سارَ ليلًا، وكلُّ سائرٍ ليلًا؛ فهو سريًا) انتهى ما قاله رحمه رب العالمين.
(وقعنا وقعة) أي: نمنا نومة؛ كأنهم سقطوا عن الحركة، وعند مسلم من حديث أبي هريرةَ: (أنه ﵇ حين قفل من غزوة خيبر؛ سارَ ليلةً حتى إذا أدركه الكرى؛ عرَّسَ، وقال لبلال: «اكلأ لنا (٣) الليل» فلما تقارب الفجر؛ استند إلى راحلته، فغلبته عيناه...)؛ الحديث، (ولا وقعة) كلمة (لا) لنفي الجنس، و (وقعة) اسمها (عند المسافر)، خصَّه بالذِّكر؛ لأنَّ الكلام فيه، ولأن المسافر هو الذي يجد المشقة والنَّصب من قلة النوم، وقوله: (أحلى) صفة للـ (وقعة)، وخبر (لا) محذوف، ويجوز أن يكون (أحلى) خبرًا (منها)؛ أي: من الوقعة آخر الليل، وهو كما قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . ... وأحلى الكرى عند الصَّباحِ يطيبُ
(فما أيقظنا إلا حرُّ الشَّمس)، وفي رواية مسلم: (فلم يستيقظ بلالٌ ولا أحدٌ من الصَّحابة حتَّى ضربتهم الشَّمس)، وفي «الدلائل» للبيهقي عن عُقْبَة بن عامر: (فاستيقظ حين كانت الشمس قدر رمح...)؛ الحديث، (وكان) وفي رواية:
стр. 410
(فكان) (أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان) وقال الزركشي: (من) نكرة موصوفة، فيكون (أول) أيضًا نكرة؛ لإضافته إلى النكرة؛ أي: أول رجل استيقظ)، وردَّه الدماميني بأنَّه لا يتعين؛ لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان أول الذين استيقظوا، وأعاد الضمير بالإفراد؛ رعاية للفظ (من) انتهى.
قال في «المصابيح» : (والأولى أن يجعل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثم استيقظ فلان؛ لأنَّ ترتيبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولويَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكونَ الاجتماعُ في الأولويَّةِ باعتبار البعض، لا الكلِّ؛ أي: إنَّ جماعة استيقظوا على الترتيبِ، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكنَّ هذا لا يتأتَّى على قول الزركشي؛ لأنَّه قال: (أي: أول رجل)، فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات؛ لزم الإخبار عن جماعة بأنهم أولُ رجلٍ استيقظَ، وهو باطل).
وكلمة (كان) هنا يجوز أن تكونَ تامة وناقصة، فإن كانت ناقصة؛ فقوله: (أول)؛ بالنصب خبرها مقدمًا، واسمها هو قوله: (فلان)، وإذا كانت تامة بمعنى: وجد؛ فـ (فلان) بدل من (أول)، فلا تحتاج إلى خبر (يسميهم) أي: المتيقظين (أبو رجاء) العطاردي، وليس بإضمار قبل الذِّكر؛ لأنَّ قوله: (استيقظ) يدل عليه، وموضع هذه الجملة من الإعراب النَّصب على الحال، وهو الأقرب، وهذه الجملة والتي بعدها؛ وهي قوله: (فنسي عوف) ليس من كلام عمران بن حُصين، وإنَّما هي من كلام الرَّاوي، و (عوف) : هو الأعرابي المذكور في الإسناد، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وقد سمَّى البخاري في (علامات النُّبوة) أول من استيقظ، ولفظه:
(فكان أول من استيقظ أبو بكر ﵁، وبقي اثنان من الذين عدهم أبو رجاء، ونسيهم عوف الأعرابي، وزعم ابن حجر يشبه أن يكون الثاني: عمران راوي القصة، والثالث: من شارك عمران في رواية هذه القصة، وهو ذو مخبر، فإنَّه قال في حديث عمرو بن أمية رواه الطبراني: (فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمس)، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (هذا تعيين بالاحتمال وهو تصرف بالخدش والتخمين) انتهى.
قلتُ: ويعارض ما ذكره المؤلف ما عند مسلم من حديث ابن شهاب، عن سَعِيْد، عن أبي هريرة، وفيه: (فكان رسول الله صلى الله عليهم وسلم أولهم استيقاظًا، فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)، وعنده أيضًا من حديث أبي قتادة: (كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ سبعةُ رهطٍ، فمال عن الطَّريق، فوضع رأسه، ثمَّ قال: «احفظوا علينا صلاتنا»، فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، وقمنا فزعين...)؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ أول من استيقظَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ ، والثالث أبو بكر، والثَّاني بلال، هذا هو الظاهر؛ فافهم.
ويحمل ما رواه المؤلف هناك على أنَّ أوَّل من استيقظَ بعد النبيِّ الأعظم ﷺ وبعد بلال أبو بكر ﵄؛ فكلام ابن حجر غير صحيح؛ لما علمتَ، وبهذا تنتفي المعارضة؛ فافهم.
(ثم عمرُ بن الخطاب ﵁ الرابع) بالرفع صفة لـ (عمر)؛ لأنَّ (عمر) مرفوع؛ لأنَّه معطوف على مرفوع، وهو قوله: (ثم فلان)، وزعم ابن حجر أنَّه يجوز نصبه على خبر (كان).
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين هذا القائل أي «كان» هذه، والأقرب أن تكون مقدرة؛ تقديره: ثم كان عمر بن الخطاب الرابع؛ يعني: من المستيقظين) انتهى.
قلتُ: وهذا ليس بالوجه لاحتياجه إلى تقدير، وعدم التَّقدير أولى على أنَّه لم تصح الرِّواية فيه بالنصب، بل الرِّواية بالرفع على الصِّفة، وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ هو الرابع، فهذا يعين الرفع)؛ فافهم.
(وكان النَّبيُّ) الأعظم ﷺ من عادته أنَّه (إذا نام؛ لم نوقظه) بنون المتكلم، والضمير المنصوب يرجع إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، وفي رواية: (لم يُوقَظ) على صيغة المجهول المفرد؛ وذلك لاحتمال أن يكون هذا منه لأمر يريده الله من إثباتِ حُكمٍ، أو إظهارِ شَرعٍ؛ لأنَّ نومه ﵇؛ كنوم البشر في بعض الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الأضغاث؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء ﵈ وحي، وأما نومه ﵇ في الوادي، وقد قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»؛ فهو حكم قلبه عند نومه وعينه في غالب الأوقات، وقد يندرُ منه غير ذلك، كما يندر من غيره بخلاف عادته، والدَّليل على صحة ذلك: ما ورد في الحديث نفسه: «إن الله قبض أرواحنا»، وفي الحديث الآخر: «لو شاء؛ لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم» وقول بلال: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)، أو المراد: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه؛ لما روي أنه كان محروسًا، وأنَّه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ.
وأما ما وَرد في حديث ابنِ عباسٍ من وضوئه عند قيامه من النوم؛ فالنوم فيه نومه مع أهله، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم؛ لأنَّ أصلَ ذلكَ ملامسة الأهل، أو لحدث آخر، ألا ترى في آخر الحديث: (نام حتى سمعت خطيطه، ثم أقيمت الصَّلاة فصلَّى ولم يتوضأ)، وقيل: لا ينام قلبه من أجل الوحي، وأنَّه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشَّمس، وليس هذا من فعل القلب، وقد قال ﵇: «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء؛ لردَّها إلينا» في خبر غير هذا، والتعبير بـ (كان) الدالة: على الدَّوام والاستمرار يدل على أنَّ عادته ﵇ أنَّه إذا نام؛ لم يوقظه أحد، فإذا علم من حاله أنه يستغرق في النَّوم؛ وَكَّل أحدًا باستيقاظه، يدل على صحة هذا ما في مسلم: قال لبلال: «اكلأ لنا (١) الليل»، وفي رواية له: «احفظوا علينا صلاتنا».
وفي «السنن» لأبي مسلم الكجي: (قال ﵇: «من يحرسنا؟» قال عبد الله: أنا...)؛ الحديث.
والدليل على أنه يستغرق ما عند أحمد: (فلما كان آخر الليل؛ عَرَسَ...)؛ الحديث.
وعند مسلم: (حتى إذا أدركه الكرى؛ عَرَسَ...)؛ الحديث.
وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن ابن مسعود قال: (أقبلَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ من الحُديبية ليلًا، فنزلنا دهاشًا من الأرض، فقال: «من يكلؤنا؟» قال بلال: أنا...)؛ الحديث، وحديث الباب: (ولا وقعةَ عند المسَافر أحلى منها)، فكأنهم سقطوا عن الحركة بالكلية؛ لأنَّهم لم يناموا إلى آخر الليل مع شدة النصب والجري ليلًا فرآهم النَّبيُّ الأعظم ﷺ في هذه الحالة، كما رأى نفسه الشريفة، كذلك علم بالقرينة أنه وأصحابه يستغرقونَ في النَّوم، فوكَّل من يوقظهم؛ لأنَّ طلوعَ الفجرِ، وكذا الشَّمس مما يُدركُ بالجوارحِ الظاهرةِ بخلافِ الباطنة؛ فلا يَصحُ هذا ممن نامتْ عينه؛ فليحفظ.
(حتى يكون) أي: إلى أن يكون (هو مستيقظ)؛ أي: بنفسه من غير أَنْ يُوقِظَه أحد، وهذا يدلُ أنَّ نومه ﵇ غير مستغرق إلا في هذه القصة؛ لعلمه بحاله، كما سبق؛ (لأنَّا) أي: معشرَ الصَّحابة (لا ندري) أي: لا نعلم (ما يحدُث له في نومه)؛ بضمِّ الدال المهملة، من الحدوث؛ أي: ما يحدث له من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه عنه بالإيقاظ، قاله إمام الشَّارحين، (فلما استيقظ)؛ أي: تيقظ بمعنى: انتبه (عُمَر) هو ابنُ الخطاب؛ أي: من نومه، وجواب (لمَّا) محذوف؛ تقديره: فلمَّا استيقظ؛ كَبَّر، ويدل عليه قوله الآتي: (فكبَّر) (ورأى) أي: أبصر، أو اعتقد (ما) أي: الَّذي (أصابَ الناسَ) أي: أصابهم من فوات صلاة الصُّبح، وكونهم على غيرِ ماءٍ، (وكان) أي: عُمَر بن الخطابِ (رجلًا جَليدًا)؛ بفتح الجيم، من جلُد الرجل؛ بالضم، فهو جَلَدٌ وجَليدٌ؛ أي: بيِّن الجلادة بمعنى: القُوة والصَّلابة، وزاد مسلم هنا: (أجوف)؛ أي: رفيعُ الصَّوت يخرج صوته من جوفه، (فكبر) أي: عُمَر؛ أي: قال: الله أكبر، (ورفع صوته بالتَّكبير) وإنَّما خصَّ لفظ (التكبير)؛ لأنَّه الأصل في الدعاء إلى الصَّلاة، ولأنَّ استعمالَ التَّكبيرِ سلوكُ طريقِ الأدبِ، وفيه الجمعُ بين المصلحتين، (فما زال يكبر ويرفع صوته)؛ أي: بالتكبير؛ يعني: أنه يكرره مرارًا عديدة مع رفع صوته (حتى استيقظ) أي: تيقظ؛ يعني: انتبه (لصوته) أي: لأجل صوته، وفي رواية: (بصوته)؛ أي: بسببِ صوت عُمَر بن الخطاب (النَّبيُّ) الأعظم ﷺ ؛ بالرفع فاعل (استيقظ)، وهو لازم؛ يعني: وإنَّ الناسَ قد استيقظوا قبله، فعند أحمد: (فجعلَ الرَّجُلَ يقومُ دَهِشًا إلى طَهورهِ)، وعند مسلم: (فقمنا فزعين)، وعند أبي داود والطَّبراني بسندٍ لا بأس به، عن عمرو بن أميةَ الضَّمريِّ، وفيه: قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حرُّ الشَّمسِ في وجهي، فجئت أدنى القوم
стр. 411
فأيقظتهُ، وأيقظَ النَّاس بعضهم بعضًا حتى استيقظَ النَّبيُّ الأعظم ﷺ .
قلت: وهذا يدلَّ على أَنَّ القِصة متعددة، فكان نومهم عن صلاة الصُّبح مرة وأكثر منها، وجزم الأصيلي: أَنَّ القِصة واحدة، وردَّه القاضي عياض: بأنَّ قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران؛ لأنَّ في قصة أبي قتادة لم يكن أبو بكر وعمر مع النَّبيِّ الأعظم ﷺ لما نام، وفي قصة عمران: أنَّ أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبيُّ الأعظم ﷺ حتى أيقظه عُمر ﵁، والَّذي يدلُّ على تعدد القصة: اختلاف مواطنها، كما ذكرناه، وقد تكلف أبو عَمْرو (١) في الجمع بينها، بقوله: (زمان رجوعهم من خيبر كان قريبًا من زمان رجوعهم من الحديبية، وأَنَّ طريقَ مكة يصدق عليهما).
قال القاضي عياض: وفيه تعسُّف؛ لأنَّ رواية عبد الرزاق تعين أنَّها في غزوة تبوك، فهو يرد عليه، وزعم أبو عمر (٢) أيضًا أنَّ نومه ﵇ كان مرَّة واحدة.
وقال ابن العربيِّ: (كان ثلاثَ مراتٍ؛ أحدها: رواية أبيِّ قَتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر ﵄، والثانية: حديث عمران، وقد حضراها، والثالثة: حضرها أبو بكر وبلال ﵄.
وقال القاضي عياض: (حديثُ أبي قتادة غير حديثِ عمران، والدَّليل عليه: أنَّ ذلك وقع مرتين؛ لأنَّه قد رُوي: أن ذلك كان زمنَ الحديبية، وفي رواية: «بطريق مكة»، والحديبية كانت في السَّنةِ السَّادسة، وإسلامُ عِمران وأبي هريرة -الرَّاوي حديث غزوة خيبر- كان بها في السَّنة السَّابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الوقعة).
قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ إسلام عِمران كان بمكة)، ذكره أبو منصور الماوردي في كتاب «الصَّحابة»، وقال ابن سعد، وأبو أحمد العسكري، والطبراني، وآخرون (٣) : (كان إسلامه قديمًا) انتهى والله أعلم.
(فلما استيقظَ)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، وجواب (لَمَّا) قوله: (شَكَوا)؛ بفتح المعجمة أوله، وتخفيف الكاف (إليه الَّذي أصابهم) من نومهم عن صلاة الفجر حتى خرج وقتها وهم على غير ماء، وعند عبد الرزاق: (فقال: «ألم أقل لك يا بلال؟»)، وعند مسلم: (فقال: «أي بلال»، فقال بلال: أخذَ بنفسي الَّذي أخذَ بنفسك)؛ يعني: أني لا اختيار لي بالانتباه، فإن أرواحنا بيد الله ، (قال) ولابن عساكر: (فقال)؛ أي: لهم: (لا ضَير أو لا يضير)؛ أي: لا ضرر، من ضاره يضوره، ومضرة ضيرًا وضررًا؛ أي: ضيره، والشَّكُّ من عوف الأعرابي، وقد صرَّح بذلك البيهقي في روايته، ولأبي نعيم في «مُستَخْرَجه» : (لا يسير ولا يضير)، وإنما قال ﵇ ذلك لهم لتأنيس قلوبهم؛ لما عرَضَ لهم من الأسفِ على فوات الصَّلاة عن وقتها؛ لأنَّهم لم يَتَعَمَّدوا ذلك، قاله إمام الشَّارحين، (ارتحِلوا)؛ بصيغة الأمر للجماعة المخاطبين من الصَّحابة، (فارتحَلوا)؛ بصيغة الجمع من الماضي؛ أي: ارتحلوا عقيب أمر النَّبيِّ الأعظم ﷺ بذلك، وفي رواية: (فارتحل)؛ بصيغة الماضي؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، ومن معه من الصَّحابة، والسبب في أمره ﵇ بالارتحال من ذلك المكان ما في رواية مسلم عن سَلَمَة بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فإنَّ هذا منزلٌ حضر فيه الشَّيطان، وقيل: كان ذلك لأجل الغفلة، وقيل: لكون ذلك وقتَ الكراهةِ، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ في حديث الباب: (لم يستيقظوا حتى وجدوا حرَّ الشَّمس)، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة، وقيل: الأمر بذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ (٤) الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وبقوله ﵇: «من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الآية مكيَّة، والقصَّة بعد الهجرة، كذا قرره إمام الشَّارحين، ثم قال: (وقد ورد عن النَّبيِّ الأعظم ﷺ : «أنَّه نهى عن التشاؤم»، وهنا ارتحل عن الوادي الذي تشاءم منه.
وأجيب: بأنَّه ﵇ كان يعلم حال ذلك الوادي، ولم يكن غيره يعلم به، فيكون خاصًّا به ﵇، وأخذ بعض العلماء بظاهرهِ، فقال: إن من انتبه من نومِ عن صلاةٍ فائتةٍ في سفر؛ فإنَّه يتحولُ عن موضعه وإن كان بوادي؛ فليخرجْ منه، وقيل: إنَّما يَلزمُ بذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنَّبيِّ ﵇، كما ذكرنا) انتهى.
(فسار) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ وأصحابه الذين معه (غيرَ بعيدٍ) وهذا يدلُّ على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف سَيرِهم المعتاد، قاله في «عُمدة القاري».
قلت: لأنَّ الارتحالَ المذكور إنَّما كان للتجاوزِ عن ذلك المكان الذي ناموا فيه إلى مكانٍ آخرَ، وليس مرادهم السَّير المُعتاد، كما لا يخفى.
(ثم نزل)؛ أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ بمن معه، وفي رواية أحمد: (فسرنا حتى ارتفعتِ الشَّمس)، وهو يدلُّ على أنَّ سيرهم كان قبلَ ارتفاعها، وهو يُخالف حديثَ الباب، وما رواه عبد الرزاق عن عُقْبَة بن عامر قال: (فاستيقظَ حين كانت الشمس قدر رمح) إلا أن يُحمل على تعدد القصَّة؛ فليحفظ.
(فدعا بالوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: بالماء المُطلَق لأجل الوضوء، (فتوضأ)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، وأصحابه الذين معه، (ونُودي بالصَّلاة) والمراد بالنداء هو: التأذين؛ لأنَّه قد صرح المؤلف في آخر (المواقيت)، وكذا مُسلم من حديث قتادة بالتأذين.
فإن قلت: من أذَّن لهم؟
قلت: هو بلال، ففي رواية أحمد: (ثم أمر بلالًا، فأذَّن)؛ فافهم.
(فصلى بالناس)؛ أي: صلاةَ الفجرِ، وهذا مجمل، وقد بينه أحمد في روايته قال: (ثم صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله؛ ألا نُعيد في وقتها من الغد؟ قال: «أَيَنْهَاكُم رَبُّكُم عن الرِّبا ويَقْبَلُه مِنْكم!»)، (فلما انفتل) أي: فرغ (من صلاته) أي: فريضة الفجر؛ (إذا هو برجل) لم يُعْلَم اسمه، قاله إمام الشَّارحين، وزعم صاحبُ «التوضيح» أَنَّه خلاد بن رافعٍ بن مالك الأنصاريُّ أخو رفَاعَة، قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ ابن الكلبيِّ قال: هو شَهِدَ بدرًا، وقُتِلَ يومئذٍ، ووقعة بدر مقدمة على هذه القصة، فاستحال أن يكون هو إياه، وقيل: له رواية، فإذا صح هذا؛ يكون قد عاش بعد النَّبيِّ الأعظم ﷺ ؛ لاحتمال انقطاعها، أو نقلها عنه صحابي آخر) انتهى كلامه، (معتزل) أي: مُنفرد عن الناس (لم يصل مع القوم)؛ لأنَّه لمَّا فَرَغَ من صلاته، والناس قعود وراءه؛ استقبلهم فرأى هذا الرجل وهو معتزل فعلم بالقرينة الحالية أنه لم يصل مع القوم، فناداه (قال: ما منعك يا فلان) كناية عن اسم مبهم (أَنْ تُصلي مع القوم؟)؛ أي: صلاة الصُّبح، (قال)؛ أي: الرَّجل: يا رسول الله؛ (أصابتني جنابة) يحتمل بسبب الاحتلام، ويُحتمل بسبب وطء زوجته (ولا ماءٌ)؛ بالرفع، والتنوين في (ماء)، وكلمة (لا) بمعنى: ليس، فيرتفع الـ (ماء) حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماء عندي، قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن حجر: أن (ماء)؛ بفتح الهمزة؛ أي: معي.
ورده إمام الشَّارحين فقال: هذا تفسير من لم يمسَّ شيئًا من عِلمِ العربِّية؛ لأنَّ كلمة (لا) على قوله؛ لنفي جنس الماء، فأيُّ شيء يقدر خبرها بقوله: معي؟ وعدم الماء عنده لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويجوز أن تكون (لا) بمعنى: ليس) انتهى؛ يعني: كما ذكرنا.
وقال ابن دقيق العيد: (حذف الخبر في قوله: «ولا ماء»؛ أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسط لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأَنَّه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعي أو غيره ذلك؛ لحصله، فإذا نفى وجوده
стр. 412
مطلقًا؛ كان أبلغ في النفي، وأعذر له) انتهى.
قلت: وقد نحا نحو كلام ابن حجر في نفي جنس الماء بالكلية، وهو غير صحيح، فإنَّ الماءَ في السَّرية موجودٌ عند جميع أهلها حيث إنهم توضؤوا جميعًا، ولم يَنْف (١) الماءَ أحدٌ غير هذا الرَّجلِ، فليس في حذف الخبرِ بسط لعذره؛ لأنَّ الواجب عليه أَنَّه إذا لم يكن عنده ماء؛ يطلبه من رفيقه إمَّا مجانًا أو بثمنٍ مثله إن لم يعطهِ مجانًا، فلا يلزم عمومَ النَّفي؛ لأنَّ القافلة لا تخلو عن الماءِ، ونفي وجود الماء بالكلية لا يليقُ فينا فضلًا عن الصحابيِّ؛ لأنَّ فيه تعريضًا (٢) بالكذب، وهو محالٌ عليه، ولكنَّه مقصرٌ في عدم السَّعي والطلب من رفقائه، ولكنَّه اجتهد في نفسه وأداه اجتهاده إلى ألَّا يسأل أحدًا، وينفي الماء من عنده فقط، فليس في نفي وجوده مطلقًا أبلغيَّةٌ في النَّفي والعذر؛ لاحتمال أنَّ عنده ماء للشرب لنفسه، أو لدوابه، أو غير ذلك، فخشي إِن اغتسلَ يَفْنى الماء، فربَّما يهلك هو ودوابه من العطش؛ فلا يجب عليه حينئذٍ استعماله؛ لأنَّ الحاجة إلى الشُّرب الذي فيه إحياء النفوس مُقدَّم على ذلك، فكلامُ هذا القائل غيرُ صحيح أيضًا، كما لا يَخفى؛ فافهم.
والحقُّ هو ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
(قال) أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ للرَّجلِ المذكور: (عليك بالصَّعيد) وكلمة (عليك) من أسماء الأفعال؛ ومعناه: الزم، والألف واللام في (الصَّعيد) لـ (العهد) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفي رواية مسلم بن رزين عند مسلم: (فأمره أَنْ يتيمم بالصَّعيد)، كذا في «عُمدة القاري»، والمراد بالصَّعيد: وجه الأرض؛ كحجر، ومدرٍ، وتُراب، وغيرها، كما قدمنا تحقيقه، (فإنَّه يكفيك)؛ أي: لإباحة أداءِ الصَّلوات فرضها، وواجبها، ونفلها ما لم تحدث؛ لأنَّ التَّيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به، والواجبات، والنوافل، وهذا مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وخالفهم الشافعية فزعموا أَنَّه يتيمم لكل صلاة فرضٍ والنوافل، وزعم القسطلاني تبعًا لما زعمه ابن حجر في معنى (فإنه يكفيك)؛ أي: لإباحةِ صلاةِ الفرض الواحد مع النوافل.
قلت: وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ معناه: فإنه يكفيك؛ أي: في كلِّ الصلوات؛ فرضها ونفلها، وهذا معنى الأعميَّة، كما ذكرناه آنفًا؛ فليحفظ هذا ولا تغتر بما زعمه، فإنَّه لترويج مذهبه.
وعند ابن حزم من حديث إسماعيل بن مسلم: حدثنا أبو رجاء: (ثُمَّ إنَّ الجُنب وجدَ الماءَ بعد؛ فأمره ﵇ أن يغتسل ولا يعيد الصَّلاة).
قلت: وهذا يدل لما قلناه آنفًا من وجود الماء في القافلة؛ لأنَّها لا تخلو عنه؛ فافهم.
(ثُمَّ سار النَّبيُّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: من ذلك المكان إلى أن اشتدَّ الحرُّ، فشربوا الذي معهم من الماء كله حتى لم يبق معهم شيء، ثمَّ عَطشوا من كثرة السَّير وشدة الحرِّ، والحرُّ حرُّ الحجاز، (فاشتكى إليه) أي: إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ (النَّاس من العطش) الحاصل لهم، وفي رواية: (فاشتكوا إليه النَّاس)، وهي من قبيل لغة أكلوني البراغيث، (فنزل)؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ ، وأصحابه الذين معه، ولم يعلم اسم ذلك المكان (فدعا فلانًا) : هو عِمران بن حصين راوي الحديث، ويدلُّ على ذلك: قوله في رواية ابن رزين عند مسلم: (ثُمَّ عجلني النَّبيُّ الأعظم ﷺ في ركب بين يديه فطلب الماء)، وهذه الرِّواية تدلُّ على أنَّه كان هو وعليٌّ الصدِّيق الأصغر فقط؛ لأنَّهما خوطبا بلفظ التثنية، وهو قوله: «اذهبا فابتغيا الماء».
فإن قلت: في رواية ابن رزين: (في ركب)، وهو يدلُّ على الجماعة؟
قلت: يُحتمل أن يكون معهما غيرهما، ولكنهما خُصَّا بالخِطاب؛ لأنَّهما تعينا مقصودين بالإرسال، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(كان يُسميه) أي: ذلك الرَّجل المدعو بـ (فُلان) (أبو رجاء) : هو العطاردي (نسيه) ولابن عساكر: (ونسيه)؛ بالواو (عوف) : هو الأعرابيُّ الرَّاوي، (ودعا)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ أيضًا (عليًّا) : هو الصديق الأصغر بن أبي طالب (فقال)؛ أي: النَّبيَّالأعظم ﷺ لهما حين حضرا بين يديه: (اذهبا فابتغيا)؛ بالفاء، ثم الموحدة، بعدها مثناة فوقية، من الابتغاء: وهو الطلب، يقال: بغيت الشيء، وابتغيته، وتبغيته؛ إذا طلبته، وابتغيتك الشيء؛ إذا جعلتك طالبًا له، وفي رواية الأصيلي: (فابغيا)؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من الثلاثي، وهمزته همزة وصل، وفي رواية أحمد: (فابغيانا)؛ بزيادة النون، والألف في آخره (الماء)؛ أي: لأجل الشُّرب للناس والدَّواب، وكذلك الوُضوءِ، والغسل، ففيه: أنَّ المسافر إذا لم يَجدِ الماء؛ يجبُ عليه الطلب لأمره ﵇ بذلك.
قال في «منهل الطُّلاب» : (وليس على المتيمم وجوبًا أن يطلب الماء إذا لم يغلب على ظنِّه أن بقربه ماء؛ لأنَّ الغالب عدم الماء في الفلوات)، ولا دليل على الوجود، فلم يكن واجدًا، لكن يستحب له الطلب مطلقًا سواء ظنَّ أنَّ بقربه ماء أو شَكَّ فيه إن رجا، كذا في «السِّراج»، فإن لم يَرجُ؛ لا يطلبه لِعدم الفائدة، كما في «البحر»، وأما في العمرانات؛ فيجب طلب الماء مطلقًا باتفاق أئمتنا الأعلام، وكذا إذا كان يقرب منها، وحدُّ القُرب: ما دون الميل، أمَّا الميلُ وما فوقه؛ فبعيد لا يوجب الطلب، قاله صاحب «البحر»، فإن غلب على ظن المسافر أن هناك؛ يعني: بقربه دون ميل ماء؛ لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه؛ لأنَّه واجدٌ للماء نظرًا إلى الدَّليل؛ وهو غلبة الظنِّ، فإنها قائمة مقام العلم في العبادات، كذا في «العناية»، فكان الطلب عليه واجبًا، وكذا إن وجد أحدًا يسأله عن الماء؛ وجب عليه السُّؤال حتى لو صلى ولم يسأله وأخبره بالماء بعد ذلك؛ أعادَ الصَّلاة، وإلا؛ فلا، كذا في «التبيِّين»، و «البدائع».
واختلف أئمتنا الأعلام في مقدار الطلب للماء، فاختار الإمام حافظ الدين في «الكنز» : أنَّه قدر غلوة؛ وهي مِقدار رمية سهم، كما في «التبيين»، واختار غيره: أنَّه قدر ثلاث مئة ذراع، كما في «الذَّخيرة»، واختار بعضهم: أنَّه قدرُ أربع مئة ذراع، كما في «المغرب»، واختار في «المستصفى» : أنَّه يطلب مقدار ما يسمع صوت أصحابه وسمعوا صوته، وهو الموافق لما قاله الإمام أبو يوسف ﵁ قال: سألت الإمام الأعظم ﵁ عن المسافر لا يجد الماء: أيطلب عن يمين الطريق أو عن يساره؟ فقال: إن طمع فيه؛ فليفعل، ولا يبعد فيضرَّ بأصحابه إن انتظروه، وبنفسه إنِ انقطع عنهم، انتهى.
وقد صححه صاحب «البدائع»، وقال صاحب
стр. 413
«البحر» : (فكان هو المُعتمد في المذهب)، وعلى اعتبار الغلوة؛ فالطلبُ أَنْ يَنظُر يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه غلوة، كذا في «الحقائق»، قال في «النهر» : (ومعنى ما ذكره في «الحقائق» : أنَّه يقسم المشي بمقدار الغلوة على هذه الجهات، فيمشي من كلِّ جانب مئة ذراع، فإنَّ الطلب لا يتم بمجرد النظر، ويدلُّ على ذلك ما سبق عن الإمام الأعظم) انتهى.
وقال في «البحر» عن «المنية» : (ولو بعث من يطلبه له؛ كفاه عن الطلب بنفسه، وكذا لو أخبره من غير أن يُرسله) انتهى.
قال الإمام برهان الدين الحلبي: (ويشترط في المخبر أن يكون مكلَّفًا عدلًا، وإلَّا؛ فلا بدَّ معه من غلبة الظن حتى لا يلزم الطلب؛ لأنَّه من الديانات، وغلبة الظن هنا إما بأن وجد أمارة ظاهرة؛ كرؤية خضرة، أو طير، أو أخبره مخبر، كذا أطلقه في «التوشيح»، وقيَّده صاحب «البدائع» بالعدل) انتهى، وهو الموافق لِمَا قاله برهان الدين.
وقال في «المحيط» : ولو قرب من الماء وهو لا يعلم به، ولم يكن بحضرته من يسأله عنه؛ أجزأه التَّيمم؛ لأنَّ الجهل بقرب الماء كبعده عنه، ولو كان بحضرته من يسأله، فلم يسأله حتى تيمم وصلى، ثم سأله، فأخبره بماء قريب؛ لم تَجُزْ صلاته؛ لأنَّه قادر على استعمال الماء بواسطة السُّؤال، فإنْ لم يسأله؛ فقد جاء التقصير من قبله؛ فلم يعذر؛ كمن نزل بالعمران ولم يطلب الماء؛ لم يَجُزْ تيممه، وإن سأله في الابتداء، فلم يخبره حتى تيمم وصلى، ثم أخبره بماء قريب؛ جازت صلاته؛ لأنَّه ما عليه، كذا في «شرح الملتقى» للعلامة الباقاني، وذكر مثله صاحب «البحر»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فانطلقا)؛ أي: علي وعِمران؛ لأمره ﵇ لهما بذلك (فتلقيا)؛ بالفاء، والمثناة الفوقية، بعدها لام، وفي رواية: (فلقيا)؛ بإسقاط المثناة الفوقية، من اللقى: وهو الاجتماع، يقال: لقي زيدٌ عمرًا؛ يعني: اجتمع به، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا﴾ [الكهف: ٧٤] (امرأة) لم يُعلم اسمها، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بامرأة سادلية)؛ أي: متدلية رجلها (بين مَزَادتين)؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، وتخفيف الزاي: الراوية أو القربة، وتجمع على (مزايد)، ومزاد سميت مزادة؛ لأنَّه يزاد فيها جلد آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر من القِربة، (أو) بين (سَطِيحتين)؛ تثنية سطيحة؛ بفتح السين المهملة، وكسر الطاء المهملة، وهي بمعنى: المزادة، قال ابن سيده: (السطيحة: المزادة التي بين الأديمين قوبل أحدهما بالآخر)، وفي «الجامع» : (هي أداوة تتخذ من جلد وهي أكبر من القِربة) انتهى.
وكلمة (أو) للشك، قال إمام الشَّارحين: (الشك من الراوي؛ يعني: أي راوي كان)، وزعم ابن حجر أنَّ الشَّك من عوف.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: تعيينه به من أين؟ يعني: ليس لتعيينه به دليل لا من رِواية ولا غيرها، وما هو إلا خدش وتخمين، وخِلاف الظاهر).
قلت: والَّذي يظهر أنَّ الشكَّ من أبي رجاء، ويُحتمل أنَّه من عِمران، وفي رواية مسلم: (فإذا نحن بإمراة سادليَّة رجلها بين مزادتين) من غير شكٍّ؛ فافهم.
وقوله: (من ماء) بيان لقوله: (مزادتين)، وساقطٌ في رواية ابن عساكر (على بَعير لها)؛ بفتح الموحدة، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، وإنَّما يُقال له: بعيرٌ إذا أجذع، والجمع: (أبعرة)، وأباعر، وبعران، وإفادة (اللام) : الملكية؛ أن البعير ملك لها؛ فتأمل.
(فقالا)؛ أي: علي وعِمران (لها) أي: لتلك المرأة: (أين الماء) مبتدأ وخبر؟ (قالت: عهدي بالماء أمسِ)؛ بالبناء على الكسر عند أهل الحجاز، ويعرب غير منصرف؛ للعلمية والعدل عند بني تميم وعليه؛ فهو بضمِّ السين، وموقعه من الإعراب الرفع على أَنَّه خبر للمبتدأ، وهو (عهدي)، كذا قاله إمام الشَّارحين، وعلله المحقق أبو البقاء؛ بأن المصدر يخبر عنه بظرف الزمان، وجوز في «المصابيح» أن يكون بالماء خبر (عهدي)، و (أمس) ظرف لعامل هذا الخبر؛ يعني: عهدي متلبس بالماء في أمسِ، ولم يجعل الظرف متعلقًا بـ (عهدي)؛ لأني جعلت (بالماء) خبرًا، فلو علق الظرف بالعهد مع كونه مصدرًا؛ لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطل) انتهى.
قلت: وبهذا تعلم فساد قول القسطلاني، ويحتمل أن يكون (عهدي) مبتدًا، و (بالماء) متعلق به، و (أمس) ظرف له؛ لما علمت، قال: وإذا كان ظرفًا؛ فتفتح سينه؛ فتأمل.
(هذه الساعةَ) منصوب على الظرفية، قال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أن يكون (هذه الساعة) بدل من (أمس) بدل بعض من كل؛ أي: مثل هذه الساعة، والخبر محذوف؛ أي: حاصل ونحوه؛ فتأمل.
(ونفرنا)؛ أي: رجالنا، وفي «المحكم» : النفر، والنفر، والنفور، والنفير: ما دون العشرة من الرجال، والجمع: (أنفار)، وفي «الواعي» : النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والعرب تقول: هؤلاء نفرك؛ أي: رهطك ورجالك الذين أنت منهم، وهؤلاء عشرة نفر؛ أي: عشرة رجال، ولا يقولون: عشرون نفرًا، وثلاثون نفرًا، وتقول العرب: جاءنا في نفره ونفيره ونفرته، كلها بمعنًى، وسُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم إذا حزنهم أمر؛ اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم، ولا واحد له، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(خُلُوف)؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، جمع: لخالف؛ أي: المسافر؛ نحو: شاهد وشهود حتى حي خلوف؛ أي: غيب، وقال ابن عرفة: (الحي خلوف؛ أي: خرج الرجال، وبقيت النِّساء)، وقال الخطابي: هم الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء، والأثقال، وارتفاع (خلوف) على أنَّه خبر المبتدأ، وفي رواية المستملي، والحموي: (خُلوفًا)؛ بضمِّ الخاء المعجمة، واللام المخففة، والنصب، قال الكرماني: منصوب بـ (كان) المقدرة؛ أي: كان نفرنا خلوفًا، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر تبعًا للدماميني أنه منصوب على الحال السادِّ مسد الخبر.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: ما الخبر هنا حتى يسد الحال مسده؟ والأوجه: ما قاله الكرماني) انتهى.
قلت: ويجوز أَنْ يكون منصوبًا بفعل مقدر؛ أي: ونفرنا أحسب أو اعتقد خلوفًا، ونحوه؛ فتأمل.
(قالا)؛ أي: علي وعِمران (لها) أي: لتلك المرأة:
стр. 414
(انطلقي) أي: معنا (إذًا)؛ بالتنوين، وهو ظرف، ومعناه الوقت؛ يعني: انطلقي معنا في هذا الوقت من غير تأخير، (قالت: إلى أين)؛ أي: أنطلق، (قالا)؛ أي: عليٌّ وعِمران لها: (إلى رسول الله ﷺ ، قالت) أي: لهما: (الذي يقال له: الصَّابئ؟) يروى بالهمزة وبغيرها، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى آخر، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، كذا [قال] إمام الشَّارحين، ففي رواية غير الهمزة: هو الياء التحتية؛ والمعنى: أي المائل، (قالا) أي: علي وعِمران لها: (هو الذي تعنين)؛ أي: تريدين وتقصدين، من عنا يعنو؛ إذا قصد وأراد، وقولهما: (هو الذي تعنين) فيه حسن الأدب، وحسن التخلص؛ لأنَّه لو قالا لها: لا؛ لفات المقصود، ولو قالا لها: نعم؛ لم يحسن ذلك؛ لأنَّ فيه تقرير ذلك، قاله إمام الشَّارحين؛ أي: لكونه ﵇ صابئًا، فتخلصا بهذا اللفظ، وأشارا (١) إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها؛ فليحفظ.
(فانطلقي)؛ أي: معنا إليه، (فجاءا)؛ بهمزة ممدودة؛ أي: علي وعِمران (بها) أي: بالمرأة المذكورة (إلى النَّبيِّ) الأعظم، ولأبي ذرٍّ، وأبي الوقت: (إلى رسول الله) ﷺ وفي الكلام حذف؛ يعني: فانطلقت معهما إلى أَنْ وصلا بها إلى المكان الذي نزل به النَّبيُّ الأعظم ﷺ ، (وحدثاه الحديث)؛ أي: الذي وقع بينهما وبينها، (قال) أي: عمران بن الحصين (فاستنزلوها) وفي الكلام حذف أيضًا؛ يعني: فلما فرغا من الحديث؛ أمر النَّبيُّ الأعظم ﷺ أصحابه الموجودين في خدمته باستنزالها، فاستنزلوها (عن بعيرها)؛ أي: طلبوا منها النزول عنه، فالسين والتاء لـ (الطلب)، وإنما ذكره بلفظ الجمع؛ لأنَّه كان مع علي وعمران من تبعهما ممن يعينهما ويخدمهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.
قلت: ويُحتمل أَنَّ عليًّا وعمران لم يباشرا طلب نزولها، وإنَّما الَّذين استنزلوها هم الأصحاب الذين كانوا بخدمة النَّبيِّ الأعظم ﷺ .
(ودعا النَّبيُّ) الأعظم ﷺ فيه حذف؛ تقديره: فأتوا بها إلى النَّبي الأعظم ﷺ ، وأحضروها بين يديه، فدعا ﵇ حينئذٍ (بإناء)؛ أي: وعاء الماء، ولم يذكر أنَّه سألها عن اسمها، وقبيلتها، وحالها، ولعلَّه اقتصر على ما حدَّثاه به عليٌّ وعِمران (ففرغ) ﵇، من التفريغ، وفي رواية الكشميهني: (فأفرغ) من الإفراغ، (فيه)؛ أي: في ذلك الإناء (من أفواه المَزَادتين)؛ تثنية مزادة؛ بفتح الميم، والزاي، الراوية: وهي أكبر من القربة، و (أفواه) جمع: (فم)؛ لأنَّ أصله: فوه، فحذفوا الواو [لأنها] لا تحتمل التنوين عند الإفراد، وعوَّضوا من الهاء ميمًا.
فإن قلت: لكل مزادة فم واحد، فكيف جمع؟
قلت: هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، قاله إمام الشارحين.
قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] حيث جاء بلفظ الجمع، ولكلِّ يدٍ مرفقٌ واحد؛ لأنَّ ما كان واحدًا من واحد؛ فتثنيته بلفظ الجمع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، فلم يقل: قلباكما.
(أو) من أفواه (السَطِيحتين)؛ تثنية سَطِيحة؛ بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين، بمعنى: المزادة؛ يعني: أفرغ من أفواههما، والشك من الراوي، ويحتمل أنَّه من أبي رجاء، أو من عمران، كما سبق، (وأَوكأَََ)؛ بهمزتين مفتوحتين، أولاهما في الأول، وثانيهما في الآخر؛ أي: شدَّ، وهو فعلٌ ماض، من الإيكاء: وهو شدُّ الوكاء، وهو ما يشدُّ به رأس القربة من حبل ونحوه؛ ومنه قوله ﵇: «العينان وكاء السَّهِ...»؛ الحديث؛ يعني: شدَّ (أفواههما)؛ أي: المزداتين بحبل أو نحوه، وقد بين ذلك في رواية الطبراني، وكذا البيهقي قال: (فأفرغ من أفواه المزادتين، فمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين، وأوكأ)، وبهذه الزيادة تظهر الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وبهذا حصلت البركة لاختلاط ريقه المبارك للماء، قاله إمام الشَّارحين، (وأطلق)؛ أي: فتح (العَزَالَي)؛ بفتح العين المهملة، والزاي، وفتح اللام، قال السفاقسي: (رويناه بالفتح)، ويجوز فتح الياء، وكذلك يجوز كسر اللام، جمع: لـ (عَزْلاء)؛ بفتح المهملة، وإسكان الزاي، وبالمد؛ وهو فم المزادة الأسفل، وهي عروقها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكلِّ مزادة عزلاء وإن من أسفلها، قال الجوهري: (العزالِي)؛ بكسر اللام، وإن شئت فتحتها؛ مثل: الصحاري، والصحارى، ويقال: العزلاء: مَصْبُّ الماء من الرَّاوية والقِربة)، وفي «الجامع» : (عزلاء القربة: مصبٌّ يجعل في أحد يديها يستفرغ منه ما فيها، وإنَّما سُميت عزالي السحاب؛ تشبيهًا بها).
وقال السفاقسي: (رويناه بالفتح: وهو أفواه المزادة السفلى).
وقال الداودي: (ليس في أكثر الرِّوايات أَنَّهم فتحوا أفواه المزادتين أو السطيحتين، ولا أنهم أطلقوا العزالي، وإنما شقوا المزادتين، وهو معنى: صبوا منهما، ثُمَّ أعاده فيهما إن كان هو المحفوظ)، كذا في «عُمدة القاري».
قلت: وفيما قاله الداودي نظر، فإنَّ أكثر الروايات، بل جميعها: أنَّهم فرغوا الماء من المزادتين إلى الإناء، وأنَّهم أطلقوا العزالي على أن الشق يضر بالمزادة، ويفني الماء، فيفوت المقصود؛ فتأمل.
(ونُودي)؛ بضمِّ النون على البناء للمجهول (في الناس)؛ أي: الصحابة الموجودين وقتئذٍ، ولم يعلم اسم المنادي، والظاهر: أنه بلال؛ لأنَّه عالي الصوت: (اسقوا)؛ بهمزة وصل، من سقى فتكسر، أو همزة قطع من أسقى فتفتح؛ يعني: اسقوا غيركم كالدواب ونحوها (واستقوا)؛ أي: لأنفسهم؛ كلٌّ منهما، فعل أمر (فسقي من سقى) وفي رواية ابن عساكر: (فسقى من شاء)، (واستقى من شاء) قال إمام الشَّارحين: (والفرق بين «اسقوا» من السقي، و «استقوا» من الاستقاء: أَنَّ السَّقي لغيره، والاستقاء لنفسه، ويقال أيضًا: سقيته لنفسه، وأسقيته لماشيته) انتهى.
(وكان آخر ذلك) أي: آخر السَّقي والاستقاء (أن أعطى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ (الذي أصابته الجنابة) وهو الرجل المعتزل المذكور (إناءً) مملوءًا (من ماء)؛ بالمد، ويجوز في لفظة (آخر) الرفع والنصب، أما الرفع؛ فظاهر؛ لأنَّه اسم (كان)، وقوله: (أن أعطى) خبره؛ لأنَّ (أن) مصدريَّة، وأمَّا النَّصب؛ فلأنَّه خبر (كان) مقدمًا على اسمه، وهو (أن أعطى)؛ لأنَّ (أن) مصدرية؛ تقديره: وكان إعطاؤه للرجل الذَّي أصابته الجنابة آخر ذلك، والأمران جائزان.
وقال العلامة أبو البقاء: (النصب أولى وأقوى؛ لأنَّ «أن» و «الفعل» أعرف من الفعل المفرد، وقد قُرِئ قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] : بالوجهين) انتهى.
وقال إمام الشارحين: (وعندي كلاهما سواء؛ لأنَّ كلًّا معرفة) انتهى.
وفي رواية بإسقاط لفظة: (ذلك)، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ للَّذي أصابته الجنابة: (اذهب فأفرغه)؛ بقطع الهمزة، من الإفراغ: وهو الصَّبُّ، والضمير فيه يرجع إلى (الماء) الذي في
стр. 415
الإناء؛ يعني: صُبه (عليك)؛ أي: على جسدك كله بعد أن تتمضمض وتستنشق؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن (وهي قائمة)؛ أي: المرأة المذكورة قائمة تشاهد ذلك، وهذه الجملة اسمية محلها نصب على الحال على الأصل (تنظر إلى ما) أي: الذي (يُفعل)؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يفعلونه (بمائها) من تفريغه لسقي الدواب، ولسقي الجيش، وللوضوء، والغسل، فاستغربته؛ لعدم عهدها به عندهم لكونها من الكفار وقتئذٍ.
فإن قلت: الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا كان كذلك؛ فقد دخلت هذه المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟
قلت: إنَّما أطلقت لمصلحة الاستيلاف الذي جر دخول قومها في الإسلام، ويحتمل أنَّها كان لها أمان قبل ذلك، وكانت من قوم لهم عهد.
فإن قلت: كيفَ جَوزوا التَّصرف حِينئذٍ من مالها؟
قلت: بالنظر إلى كفرها أو لضرورة الاحتياج إليه، والضرورات تُبيح المحظورات، أفاده إمام الشَّارحين.
(وايم الله)؛ بوصل الهمزة، قال الجوهري: (وايمُنُ الله: اسم وضع للقسم هكذا بضمِّ الميم والنون، وألفه ألف الوصل عند الوصل عند الأكثر، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ والتقدير: أيمن الله قسمي، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: وايم الله).
وقال أبو عُبيد: (كانوا يحلفون، ويقولون: يمين الله؛ لا أفعل، فجمع اليمين على أيمن، ثُمَّ كثر في كلامهم، فحذفوا النون، فألفه ألف قطع، وهو جمع، وإنَّما طرحت الهمزة في الوصل؛ لكثرة استعمالهم إياه).
قلت: فيها لغات؛ جمع منها النووي في «تهذيبه» سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، كذا قرَّره في «عُمدة القاري».
(لقد أُقلع)؛ بضمِّ الهمزة، من الإقلاع: وهو الكفُّ، يقال: أقلع عن الأمر؛ إذا كفَّ عنه (عنها)؛ أي: كف عن المزادة، فلم يأخذوا منها شيئًا؛ لأنَّهم قد اكتفوا لشربهم، ولدوابهم، وللوضوء، وكذا الغسل، وإنَّما أفردها؛ لأنَّهم إذا كفوا عن أحدهما؛ يكون الكف عن الأخرى ضرورةً، فكأنه قال: وايم الله؛ لقد أقلع عنهما جميعًا، والقائل ذلك: هو عمران بن الحصين، (وإنَّه)؛ أي: الشَّأن (ليُخيَل)؛ بضمِّ التحتية الأولى، وفتح الثانية، من التخييل، وهو مرادف للظن الذي هو استواء الطرفين (إلينا) أي: الصَّحابة (أنها) أي: المزادة (أشدُّ) أي: أكثر (مِلْأَة)؛ بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، وفي رواية البيهقي: (إملاء)؛ بهمزة أوله (منها) أي: المزادة (حين اُبْتُدئ)؛ بضمِّ الهمزة، وسكون الموحدة، وضم المثناة الفوقية، من الابتداء (فيها)؛ بالسقي والاستقاء؛ والمعنى: أنَّهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا، فهذا من دلائل النبوة؛ حيث توضؤوا، وشربوا، وسقوا، واغتسل الجنب مما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتانِ ببركة النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، وعظيم برهانه، وكانوا أربعين، نص عليهم في رواية مسلم (١) بن رزين، وأنَّهم ملؤوا كل قربة كانت معهم.
وقال القاضي عياض: وظاهر هذه الرِّواية أنَّ جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول الله ﷺ أنَّه يخرج في هذا العدد، فلعله الرَّكب الَّذي عجلهم بين يديه؛ لطلب الماء، وأَنَّهم وجدوا (٢) المرأة، وأنَّهم أسقوا للنَّبيِّ الأعظم ﷺ قبلَ النَّاس، وشربوا، ثُمَّ شرب الناس بعدهم، كذا في «عُمدة القاري».
قلتُ: وقد يُقال: إنَّ الجيش حين سار النَّبيُّ الأعظم ﷺ استأذن بالمشي بسرعة (٣)، والسَّبق إلى المدينة، وبقي مع النَّبيِّ الأعظم ﵇ هذا الركب وهم أربعون، وفيهم علي وعمران؛ فاختارهم ﵇ لطَلَب الماء، فإنَّ الذي طلب الماء لم يكن إلا عليًّا وعِمْران، فلَّما فَرَغوا من السَّقي والاستقاء وساروا؛ ربما وجدوا بقية الجيش في الطريق، ولهذا ملؤوا قربهم جميعًا، وما ذاك إلا لأجل الجيش الذي تقدم، والله أعلم؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وفيه أنَّ جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنَّه لم يختلط فيه شيءٌ من ماءِ تلك المرأة في الحقيقة وإنْ كان في الظَّاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وفيه دلالة: أنَّ عُمر ﵁ أجلدُ المسلمين وأصلبهم في أمر الله انتهى.
(فقال النبيُّ) الأعظم ﷺ أي: لأصحابه الذين معه حين رأى المرأة تريد الرُّجوع إلى أهلها: (اجمعوا لها)؛ أي: من الزَّاد مكافأةً لها بما أخذ من مائها وتطييبًا لخاطرها، حيث حُبِسَتْ في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وحيث طاوعتهما في المجيء إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ من غير مُقاتلة، فإنَّه إذا امتنع صاحب الماء عن دفعه وهو غير محتاج إليه للعطش، وهنالك مضطر إليه للعطش؛ كان له أخذه منه قهرًا، وله أنْ يُقاتله، كما في «السِّراج الوهَّاج»، وينبغي تقييده بما إذا امتنع من دفعه مجانًا أو بالثمن، وللمُضطر ثمنه، وذكروا في باب (الشُّرب) : أنَّ له أنْ يُقاتله بالسِّلاح.
قال في «الدرُّ المُختار» : (هذا في غير المحرز بالأواني، أما المحرز؛ فيقاتله بغير السِّلاح إذا كان فيه فضل عن حاجته لملكه له بالإحراز، فصار نظير الطعام) انتهى، ومثله في «المنح» و «التبيين».
وأما في البئر ونحوه؛ الأَولى أنْ يقُاتله بغير سلاح؛ لأنَّه قد ارتكب معصية، فكان كالتعزير، كما في «الكافي»، فإنْ قاتله وكان المقتول ربَّ الماء؛ فدمه هدرٌ لا قِصَاص فيه، ولا دية، ولا كفَّارة، كذا في «السِّراج»، ويبقى (٤) أن يَضمن المُضطر قيمة الماء، كما في «حواشي الشَّرنبلالي»، وإنْ كان المقتول المضطر؛ فهو مضمون إما بالقصاص إن كان القتل عمدًا؛ كأنْ قتله بمحدد، وإما بالدية إن كان القتل شِبه عمد، أو خطأ، أو جرى مجرى الخطأ، والدية على العاقلة، وعلى القاتل الكفارة، أفاده صاحب «البحر».
قال في «السِّراج» : (وإن كان صاحب الماء محتاجًا إليه للعطش؛ فهو أولى به من غيره، فإن احتاج إليه الأجنبي للوضوء؛ لم يلزمه بذله، ولا يجوز للأجنبي أخذه منه قهرًا) انتهى، وتمامه في شرحنا «منهل الطُّلاب».
(فجمعوا لها من بين) وفي رواية: (ما بين) (عجوة) : وهي تمر من أجود التَّمر بالمدينة، وقال ابن التين: (العجوة: نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، وتسمَّى اللينة)، كذا في «عمدة القاري»،
стр. 416
(ودَقيقة وسَويقة)؛ بفتح أولهما، وفي رواية كريمة؛ بضمِّ الدال؛ مصغرًا، وزعم الكرماني: (دقيقه وسويقه) رويا مكبرين ومصغرين، كذا في «عُمدة القاري» (حتى جمعوا لها طعامًا) زاد أحمد في رِوايته: (كثيرًا)، والطَّعام: كل ما يُؤْكل، وربَّما خصَّ الطَّعام بالبرِّ، قاله الجوهري، وفي حديث أبي سَعِيْد: كنَّا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أنَّ فيه إطلاق لفظ الطَّعام على غير الحِنطة والذُّرة خلافًا لمن أبى ذلك.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: هذا القول منه يخالف قول أهل اللُّغة جميعًا، والمراد ههنا من الطعام: غير ما ذكر من العجوة، وهو أعم من أن يكون حِنطةً، أو شعيرًا، أو كعكًا، أو نحو ذلك) انتهى.
(فجعلوه)؛ أي: الذي جمعوه من عجوة، ودقيقة، وسويقة، ونحوها، وفي رواية أبي ذرِّ: (فجعلوها)؛ أي: العجوة، والدقيقة، والسويقة
وزعم الكرماني أنَّ الضمير في (جعلوه) يرجع إلى الطعام، وفي (جعلوها) يرجع إلى الأنواع المذكورة.
وردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلت: لم يجعلوا الطعام وحده في الثَّوب حتى يرجع الضمير إليه، والصواب من القول: أنَّ الضمير فيه يرجع إلى كلِّ واحد باعتبار المذكور) انتهى.
قلت: وهو وجيه، كما لا يخفى.
(في ثوبٍ)؛ يعني: كان معها ملك لها، (وحمَلوها)؛ بتخفيف الميم؛ أي: المرأة المذكورة (على بعيرها)؛ أي: الذي جاءت عليه، (ووضعوا الثَّوب)؛ أي: الذي جعلوا فيه هذه الأطعمة (بين يديها)؛ أي: قُدامها على البعير، ولم يذكر تحميلهم المزادة، والظاهر: أنَّه مفهوم من قوله: (وحمَّلوها)؛ بتشديد الميم؛ لأنَّه يُحتاج إلى مشقةٍ وتعبٍ حيث يحملون المزادتين أولًا، ويشدونهما (١) على البعير، ويحملونها (٢) بعده عليه، فاقتُصر عليه؛ لأنَّ الحاجة إلى المزادتين أبلغ؛ لأنَّ الماء حياة الأبدان والطعام غذاؤها، فالأول أبلغ؛ فافهم.
(قال لها)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ، وفي رواية الأصيلي: (قالوا لها)؛ أي: الصَّحابة الذين معه بأمره ﷺ : (تَعْلَمِين)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون العين المهملة، وتخفيف اللام، مفرد مؤنث من باب (علم يعلم)، وزعم ابن حجر أنه بفتح التاء، والعين، وتشديد اللام؛ أي: اعلمي.
وردَّه إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: لا حاجة إلى هذا التَّعسف، وإنَّما هو مفرد مخاطب مؤنث من باب (علم يعلم) انتهى.
(ما رَزِئْنا)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها همزة ساكنة؛ أي: ما نقصنا، وزعم الكرماني أنَّه بفتح الزاي، قال إمام الشَّارحين: (الكسر هو الأشهر، يقال: ما رزأته وما رزئته -بالكسر- ماله؛ أي: نقصته، وارتزأ الشيء: انتقص) انتهى، (من مائك شيئًا)؛ أي: فجميع ما أخذنا من الماء مما زاده الله تعالى، وأوجده، ويؤيده قوله: (ولكنَّ الله هو الذي أسقانا)؛ بالهمزة أوله، وفي رواية ابن عساكر: (سقانا)؛ بإسقاطها، (فأتت أهلها)؛ يعني: قومها، وفيه حذفٌ؛ تقديره: فلما قالوا لها ذلك، وسمعته؛ ذهبت من منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ فسارت في الطَّريق وحدها إلى أن وصلت إلى قومها، (وقد احتبست عنهم) مدة يَسيرة زائدة عن عادتها؛ لأنَّها جاءتهم في اليوم الثاني لخروجها من عندهم يدلُّ عليه قولها فيما سبق: (عهدي بالماء أمس)؛ فتأمل.
(فقالوا) وفي رواية: (قالوا)؛ يعني: أهلها، والمراد: قومها؛ لأنَّه أعم، وقوله: (لها) ثابتٌ في رواية الأصيلي، ساقط في غيرها (ما حَبَسكِ) يعني: أي شيء حبسك (يا فلانة؟) كناية عن اسم مؤنث مبهم، (قالت: العجبُ!) : مرفوع بفعل مقدر؛ تقديره: حبسني العجب، وهو الأمر الذي يُتَعَجَّب منه لغرابته، وكذلك العجيب، والعُجائب؛ بالضم والتخفيف، والعُجَّائب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة، ولا يجمع عجب ولا عجيب، ويقال: جمع عجيب: عجائب؛ مثل: تبيع وتبائع، و (أعاجيب) جمع: (أعجوبة)؛ كـ (الأحاديث) جمع: (أحدوثة)، وعجبت من كذا، وتعجبت منه، واستعجبت كلها بمعنًى، وأعجبني هذا الشيء لحُسنه، وعجبت غيري تعجييًا، والعُجْب؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الجيم: اسم من أُعجب فلان بنفسه؛ فهو مُعجبٌ برأيه وبنفسه، كذا في «عُمدة القَاري»، (لقيني) أي: في الطَّريق بعد ما ملأت المزادتين (رجلان) وكأنها لم تعلم باسمهما، (فذهبا بي إلى هذا) وقوله: (الرَّجل) ثابت في رواية أبي ذرٍّ، ساقطٌ في غيرها (الذي يُقال) بضمِّ المثناة التحتية أوَّله (له) عند المشركين، وأهل الكتاب: (الصَّابئ)؛ بالهمزة، وبغيرها روايتان، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى دين، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، وسيأتي، (ففعل كذا وكذا)؛ يعني: بالمزادتين حيث أفرغ منهما في إناء، فمضمض، ثم ألقى فيهما وربط الوكاء، وأطلق العزالي، ونادى منادٍ في الجيش: اسقوا واستقوا؛ فسقى من شاء، واستقى من شاء، وأعطى رجلًا إناء، فأمره أن يغتسل به وإنَّ الماء قد زاد، ووجد أكثر مما كان أولًا، وقال لي: «ما رزِئنا من مائك شيئًا»، وجمعوا لي هذا الطعام الذي في هذا الثَّوب، فأفرغته بين أيديهم، ثُمَّ قالت: (فوالله إنه لأسخى النَّاس) من السَّخاء؛ يعني: كثيره، وفي رواية: (لأسحر) من السحر؛ لأنَّها رأت شيئًا عجيبًا في زعمها؛ حيث شاهدت من دلائل نُبوته، وباهر مُعجزاته أنَّهم توضؤوا وشربوا، وسقوا دوابهم، واغتسل الجُنب مما سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتان ببركته، وعظيم بُرهانه، فزعمتْ أنَّه سِحْر؛ لأنَّه خارقٌ للعادة، وما هو بسحر، إنْ هو إلا مُعجزة نبيٍّ مرسل صلى الله تعالى عليه وسلم (من بين هذه وهذه)؛ يعني: السماء والأرض، وكان المُناسب أن تقول: (في بين) بلفظة (في)، وأجيب: بأن (مِن) بيانية مع جواز استعمال حروف الجر بعضها مكان بعض، كذا في «عُمدة القَاري»، (وقالتْ)؛ أي: أشارت (بإصبعها) فهو من إطلاق القول على الفعل، وقد مرَّ نظيره (الوسطى والسَّبابة)؛ بالسِّين المهملة فيهما، وإنما سميت وسطى؛ لتوسطها بين الأصابع الخمسة، وسميت سبَّابة؛ لأنَّه يشار بها عند السَّبِّ والمخاصمة، وهي المُسبِّحة، وسمِّيت بذلك؛ لأنَّه يشار بها إلى التَّوحيد
стр. 417
والتنزيه (فرفعتهما)؛ أي: الوسطى والسبابة (إلى السماء؛ تعني)؛ أي: تقصد وتريد المرأة بذلك: (السماء والأرض)؛ لأنَّه نبي مرسل إلى كافَّة النَّاس بشيرًا ونذيرًا؛ وقوله: (أو إنه) عطف على قولها: (فوالله؛ إنه) (لرسول الله ﷺ حقًّا) مصدر حق؛ يعني: أحقه رسول الله حقًّا يقينًا، وظاهر قولها هذا وإن كان فيه الشَّك: أنَّها آمنت به ﵇ قبل وصولها إلى قومها، وقولها: (إنَّه لأسحر النَّاس) إنَّما قالته خوفًا من أهلها وقومها أنْ يقتلوها، ففاجئتهم أولًا بذلك، ثم قالت لهم ما هو الحق؛ لأجل أن يرغبوا في الإسلام، يدلُّ عليه: أنَّها هي التي كانت سببًا في إسلام قومها، كما يأتي قريبًا، وزعم القسطلاني أنَّ هذا منها ليس بإيمان؛ للشكِّ، لكنها أخذت في النظر؛ فأعقبها الحق، فآمنت بعد ذلك.
قلتُ: بل هذا منها إيمان به ﵇، والشكُّ لا ينافي ذلك؛ لأنَّها ذكرت ذلك لقومها، فلو قالتْ لهم ابتداءً: إنَّه لرسول الله؛ لربما وقع في نفوسهم شيءٌ فقتلوها، وهي تعلم ذلك منهم؛ فعبَّرت لهم كلامًا يوافق نفوسهم حيث ابتدأت بما يرضون به، ثُمَّ ثنَّت بما يرضيها، فهذا الشَّك طارئٌ عليهم بمعنى التَّشكيك، فإنَّها تعلم أنَّه رسول الله، لكنها شكَّكت الأمر عليهم أولًا، ثم حققته لهم.
وقوله: (لكنَّها أخذت...) إلى آخره؛ هذا تناقض، فإنَّها حققت النَّظر حين كانت في منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ ، وآمنت وكتمت إيمانها خوفًا من أهلها وقومها، ويحتمل أنَّ قولها: (أوَ إنَّه لرسول الله) ناسخٌ لقولها: (إنَّه لأسحر الناس)؛ لتقدمه، وإثباتُ قولها: (إنَّه لرسول الله) بقولها: (حقًّا)؛ يعني: صِدقًا صادقًا، فلو كانت شاكَّةً؛ لم تأت بقولها: (حقًّا)؛ فليتأمل.
(فكان المسلمون بعد) وقوله: (ذلك) ساقط في رواية الأصيلي، ثابتٌ في غيرها، والإشارة إلى القصة، ووصول المرأة إلى أهلها، وقولها لقومها: (يُغيرون)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، من الإغارة بالخيل في الحرب، قيل: ويجوز فتح الياء؛ من غار.
قلتُ: لكنه قليل، وكونه من أغار هو الكثير المشهور؛ فافهم.
(على من حولها من المشركين)؛ يعني: يغزونهم (١)، ويقاتلونهم، ويغنمون (٢) منهم الغنائم، (ولا يصيبون) أي: ولا يغيرون (الصِرْم)؛ بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: وهو أبيات من النَّاس مجتمعة، والجمع: أصرام وأصاريم وصرمال، والأخيرة عن سيبويه، كذا في «عُمدة القَاري»، وزعم القسطلاني أن الصِرْم: نفر ينزلون بأهليهم على الماء.
قلتُ: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما أرسلوا المرأة المذكورة إلى الماء؛ لأجل أنْ تأتيهم به، وقد حَملتْ على بعيرها مزادتين، كما سبق في أوَّل القصة، فهذا يدلُّ على أنَّه أبيات من النَّاس مجتمعة، كما فسَّره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهم لو كانوا نازلين على الماء؛ لم يحتاجوا إلى استجلابه؛ فليحفظ.
(الذي هي منه)؛ أي: المرأة المذكورة، وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة؛ يُحتمل أنَّه للطمع في إسلامهم بسبب وجودها عندهم، ويُحتمل أنه لرِعاية زمامها.
قلتُ: والظاهر الأول، ويدلُّ عليه قوله: (فقالت) أي: المرأة المذكورة (يومًا لقومها) والمراد بهم: أهلها وغيرهم؛ فهو أعم، وذلك بعد أن رأى قومها إغارة المسلمين على المشركين حولهم، ولم يصيبوهم (٣) بسوءٍ أصلًا؛ فافهم.
(ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة بمعنى: أظن، وبفتحها بمعنى: أعلم، و (ما) موصولة، كذا في «عُمدة القَاري» (أَنَّ) بفتح الهمزة، وتشديد النون (هؤلاء القوم) أي: المسلمين (يدَعونَكم)؛ بفتح الدال المهملة؛ أي: يتركونَكم من الإغارة عليكم (عمدًا)؛ أي: لا غفلة عنكم، ولا سهوًا منهم، ولا خوفًا منكم، بل لاستيلافكم ومراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه رواية أبي ذرٍّ، وهي الأولى، وفي رواية الأكثرين: (ما أَرى هؤلاء)؛ بفتح الهمزة في (أرى)، وإسقاط كلمة (أن)، وفي رواية ابن عساكر: (ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن (إنَّ هؤلاء)؛ بكسر الهمزة، وفي رواية الأصيلي: (ما أدري أَنَّ)؛ بالدال المهملة بعد الألف، وفتح همزة (أَنَّ)، وتشديد نونها، وهي في موضع نصبٍ على المفعولية؛ والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟
وقال المحقق أبو البقاء: الجيِّد أن يكون (أن هؤلاء)؛ بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يفتح على إعمال (أدري) فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظاهر، ويكون مفعول (أدري) محذوفًا؛ والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الدُّخول في الإسلام إنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القُدرة منهم عليكم؟ وقيل: إنَّ (ما) نافية، و (إنَّ) بالكسر؛ ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام مع أنَّهم يدعونكم عمدًا، (فهل لكم) أي: رغبة بالدُّخول (في الإسلام؟) فقال: بلى، (فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام)؛ فحصل لها بذلك زيادة الثَّواب، والترقي في الدَّرجات في الجنان، وهذا يدلُّ على أنَّها آمنت قبلهم كما ذكرنا؛ لأنَّه لو كان غير ذلك؛ لما قالت لهم ذلك، ولما أمرتهم بالدخول في الإسلام، بل كانت مثلهم، فقولها: (ما أرى...) إلى آخره؛ دليل على إيمانها من قبل، وأنَّها تريد دخولهم في الإسلام، فلمَّا رأت إغارة المسلمين على المشركين دونهم؛ صار لها دخل وسبب في دخولهم، فحقق الله مقصدها، وفي الحديث الصَّحيح: أنَّه ﵇ قال لعلي: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمرِ النِّعم»، وفي الحديث أحكام؛
أحدها: فيه استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما فعل عُمَر ﵁ في إيقاظ النَّبيِّ الأعظم ﷺ .
الثاني: فيه إظهار التأسُّف لفوات أمر من أمور الدين.
الثالث: فيه لا حرج على من تفوته صلاة، لكن لا بتقصير منه؛ لقوله ﵇: «لا ضَير».
الرابع: فيه أَنَّ من أجنب ولم يجد ماءً؛ فإنَّه يتيمم؛ لقوله ﵇: «عليك بالصَّعيد».
الخامس: فيه أنَّ العالم إذا رأى أمرًا مجملًا يسأل فاعله عنه ليوضحه؛ فيوضح له وجه الصَّواب.
السادس: فيه استحباب الرِّفق والملاطفة في الإنكار على أحد؛ كترك الشَّخص الصَّلاة بالجماعة.
السابع: فيه الإنكار على ترك الشَّخص الصَّلاة بحضرة المصلين بغير عذر.
الثامن: فيه أن قضاء الفوائت واجبٌ، ولا يسقط بالتأخير ويأثم بتأخيره بغير عذر.
التاسع: فيه أنَّ من حلت به فتنة في بلدٍ؛ فليخرج منه وليهرب
стр. 418
من الفتنة بدينه، كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشؤم.
العاشر: فيه أنَّ من ذكر صلاة فائتة له أن يأخذ ما يصلحه من وضوء، وطهارة، وابتغاء بقعة تطمئن نفسه للصَّلاة عليها، كما فعل الشَّارع بعد أَنْ ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذِّكر ثُمَّ توضأ وتوضأ الناس.
الحادي عشر: فيه استحباب الأذان والإقامة للفائتة؛ لما في «المستدرك» من حديث الحسن (١) عن عِمران: (نمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشَّمس، فأمر المُؤذن فأَذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام المؤذن فصلى الفجر)، وقال: (صحيحٌ على ما قدمنا)، وعند أحمد: (ثُمَّ أمر بلالًا فأذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام فصلينا).
الثاني عشر: فيه جواز أداء الصَّلاة الفائتة بالجماعة إنْ كان الفرض واحدًا، كما فعل الشَّارع.
الثالث عشر: فيه وجوب طلب الماء للشرب، والوضوء، والغسل.
الرابع عشر: فيه أَنَّ أخذ الماء المملوك لغيره لضرورة العطش بعوض إن كان يعطيه، وإلا؛ فيأخذه قهرًا، كما قدمنا.
الخامس عشر: أَنَّ العطشان يقدم على الجنب عند صرف الماء إلى النَّاس؛ لأنَّه لا خُلف للنفوس إذا زهقت من العطش بخلاف الجُنب؛ لأنَّ الطهارة لها خُلف وهو التَّيمم.
السادس عشر: فيه جواز المعاطاة في الهبات والإباحات من غير لفظ من الجانبين.
السابع عشر: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره كمصلحة الطَّهارة بالماء، ووقع في رواية سلم بن رزين: (غير إنا لم نسق بعيرًا).
وأجيب: بأنَّ هذا مبني على أَنَّ الإبل لم تَكُنْ إذ ذاك مُحتاجة إلى السَّقي.
الثامن عشر: فيه جواز الخلوة بالمرأة الأجنبية والكلام معها عند أمنِ الفتنة في حالة الضَّرورة الشَّرعية.
التاسع عشر: فيه جواز استعمال أواني المشركين، وكذا ثيابهم ما لم يتيقن فيها النجاسة، وقال أئمتنا الأعلام: إذا اشترى ثوبًا من يهودي أو نصراني؛ جاز له أَنْ يصلي به، ولو لم يغسله؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة.
العشرون: فيه جواز اجتهاد الصحابة بحضرة النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو المُختار، وعليه الجُمهور، وقيل: لا يجوز، وقد تقدم، وزعم ابن حجر أَنَّ في الحديث جواز أخذ مال النَّاس عِند الضَّرورة بثمنٍ إنْ كان له ثمن.
قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر)، ولم يذكر وجهه.
قلت: وجهه أَنَّ أخذ مال النَّاس ولو بثمنٍ عند الضرورة لا يجوز؛ لأنَّه تصرف بغير إذن من مالكه، وهو غير جائز إلا الماء للشرب؛ لأجل العطش، والطعام؛ للأكل في المجاعة، فإنَّه في هذين الموضعين يجوز أخذ الماء والطعام قهرًا، وما عداهما فإنَّه لا يجوز، يدلُّ عليه قوله ﵇: «فإنَّ أموالكم عليكم حرام...»؛ الحديث فكيف قال هذا القائل ما قال؛ فافهم.
الحادي والعشرون: فيه جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافلٍ أو سهو (٢)، وذلك من قوله: (ارتحلوا)؛ بصِيغة الأمر.
الثاني والعشرون: فيه مُراعاة ذِمام الكافر، والمحافظة به كما حفظ (٣) النَّبيُّ الأعظم ﷺ هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى [في] قومها ذِمامها وإن كانت من ضميمهم.
الثالث والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف.
الرابع والعشرون: فيه جواز الشَّكوى من الرعيَّة إلى الإمام عند حُلول أمرٍ شديدٍ.
الخامس والعشرون: فيه جواز التعريس للمسافر إذا غلب عليه النوم.
السادس والعشرون: فيه مشروعية قضاء الفوائت، وأنَّه لا يسقط بالتأخير.
السابع والعشرون: فيه جواز الأخذ للمُحتاج برضى المطلوب منه، وبغير رضاه إنْ تعين.
الثامنُ والعشرون: فيه جواز النَّوم على النَّبيِّ الأعظم ﷺ كنوم أحد منا في بعض الأوقات.
التاسع والعشرون: فيه جواز السَّفر من غير أن يعين يومًا أو شهرًا، قاله في «عُمدة القاري».
زاد المستملي في روايته قوله: (قال أبو عبد الله) : هو المؤلف نفسه (صبأ: خرج من دين إلى غيره) وأراد المؤلف بهذا: الإشارة إلى الفرق بين الصابئ المراد في هذا الحديث، والصابئ: المنسوب إلى طائفة من أهل الكتاب، أمَّا الصابئ الذي هو المراد في هذا الحديث في قول المرأة المذكورة: (الذي يقال له: الصَّابئ)؛ فهو من صبا إلى الشيء يصبو؛ إذا مال، وهو غير مهموز، وكانت العرب تسمي النبيَّ الأعظم ﷺ : الصَّابئ؛ لأنَّه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويسمون من دخل في الإسلام مصبوًا؛ لأنَّهم لا يهمزون، ويسمون: الصُّباة؛ بغير همز جمع: (صابي) غير مهموز؛ كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق، وقد يقال: صابئ؛ بالهمز من صبا يصبو؛ بغير همز صبا وصبو؛ إذا خرج من دين إلى آخر.
وأما الصَّابئ المنسوب إلى طائفةٍ من أهل الكتاب؛ فأشار إليه بقوله: (وقال أبو العالية) : هو رُفيع؛ بضمِّ الراء، ابن مهران الرياحي، مما وصله ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس عنه قال: (الصابئين) جمع صابئ، وأصله من صبأ يصبأ صبأ.
والصَّابئ نسبة إلى صابي ابن أبي متوشلخ بن أخنون بن برد بن مهليل بن فتين بن بايش بن شيث بن آدم ﵇، وقيل: نِسبة إلى صابي بن ماري، وكان في عصر إبراهيم الخليل ﵇، كذا قاله الرشاطي.
وأراد أبو العالية تفسير (الصَّابئين) المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَالذينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وهو إن كان عربيًّا؛ فمن صبأ؛ إذا خرج، يقال: صبأ ناب البعير يصبأ صبًا وصبوًا؛ أي: طلع حده، وصبا الرجل صبوًا؛ أي: خرج من دين إلى آخر، ويقال: صبا يصبو صبوةً وصبوًا؛ أي: مال، كذا في «الصحاح».
وقرأ الجمهور: (والصابئين)؛ بالهمزة بعد الباء؛ كالخاطئين، وقرأ نافع: بياء تحتية ساكنة بعد الموحدة بغير همزة بينهما،
стр. 419
وقُرئ: بيائين خالصتين بدل الهمزة، جعله من صبا ناب البعير، ومن لم يهمزه؛ يحتمل أن يجعله من المهموز، ويبدل همزة (صابئ) حرف علة؛ للتخفيف إما إلى ياء، أو إلى واو، ثم يعل كإعلال قاض أو غاز، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلا في الشِّعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقًا، ويحتمل أن يجعله من صبا يصبو؛ إذا مال، فأعلَّ (الصابئ) كإعلال (الغازي).
واختلف العلماء في تفسيره، فقال أبو العالية: هم (فرقة)؛ أي: طائفة (من أهل الكتاب يقرؤون الزَّبور) ويصلُّون إلى الكعبة، فهم مصدقون بقلوبهم بجميع ما يجب أن يصدق به دينهم قبل أن ينسخ، فأخبر سبحانه عنهم بأن لهم أجرًا جزيلًا (١) ولا خوف عليهم ولا حزن؛ لأنَّ أصل دينهم دين نوح ﵇، وكان دينًا حقًّا قبل أَنْ يُنْسخ، وهذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وهو قول أبي العالية، وقتادة، والسدي، وأبي جعفر الرازي، فهم كأهل الكتاب في حل ذبائحهم، ونكاح نسائهم؛ لأنَّهم يقرؤون الزبور، ويُعْظِّمون الكواكب تعظيم القبلة حيث يتوجهون إليها في صلاتهم، كما يتوجه المسلمون إلى الكعبة، ويقولون: إن الله تعالى أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبلةً للصَّلاة والدُّعاء.
وقال أبو زيد: (الصَّابئون أهل دينٍ من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله)، وقال الحسن: (أخبر زياد: أَنَّ الصابئين يصلون للقِبلة، ويصلُّون الخمس)، قال: فأراد أن يضع عليهم الجزية فأخبر بعد أَنَّهم يعبدون الملائكة.
وقال مُجَاهِد: (هم فرقة بين المجوس واليهود).
وقال ابن الأنباري: (هم فرقة من النصارى، قولهم أكبر من قول النصارى)، وعلى هذا؛ فلا دين لهم، ولا أجر، بل هم ممن باؤوا بغضب من الله، فلا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، وهذا قول الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن، وهو قول الحسن البصري، وابن أبي نجيح.
قلت: وظاهر الآية الشريفة يردُّ هذا؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا﴾؛ المؤمنون حقًّا: المتديِّنون بدين النبيِّ الأعظم ﷺ ، والذين هادوا: اليهود الذين تابوا ولم يغيروا، والنصارى: نصارى عيسى ﵇، والصابئين: الخارجون من الباطل إلى الحق من آمن بالله؛ دام منهم على الإيمان به ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فلو كان كما قالوا؛ لما وعدهم سبحانه بالأجر وعدم الخوف والحزن؛ لأنَّ المستحق لذلك هو المتدين بدين الحق، والمقيم عليه وعلى العمل الصَّالح، على أَنَّ هذا الاختلاف مبنيٌ على أنهم عبدة الأوثان؛ لأنَّهم يعبدون الكواكب، فالجُمهور على أنهم يعظِّمون الكواكب كتعظيم المسلم الكعبة، وعلى هذا؛ فيجوز أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم بالإجماع، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(٧) [باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين في بيان (إذا خاف الجنب) أي: الذي يجد الماء وهو صحيح مقيم في المصر، والمراد بالخوف: غلبة الظنِّ عن أمارة أو تجربة صحيحة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق غير ظاهر الفسق، وقيل: عدالته شرطٌ (على نفسه المرض) إن اغتسل بالماء، وكذا إذا خاف تلف عضو من أعضائه، أو كان مريضًا، فخاف أن يزيد مرضه أو بطؤه؛ فإِنَّهُ يتيمم عند الإمام الأعظم، وقال الإمامان أبو (٢) يوسف، ومحمَّد بن الحسن: لا يتيمم، قال الإمام الجليل قاضيخان: (الجُنُب الصحيح في المِصْر إذا خاف الهلاك من الاغتسال؛ يُباح له التيمم عند الإمام الأعظم خِلافًا للصاحبين) انتهى.
وكذا لو كان صحيحًا فخاف حدوث مرض؛ فإنه يتيمم، كذا في شرح «النقاية» للعلامة القهستاني فَعُلِم أَنَّ اليسير من المرض لا يبيح التَّيمم، وهو قول الجمهور، كذا في «البحر»، وهذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وقال مالك، والثَّوري: إذا خاف الجنب على نفسه المرض؛ يُبَاح له التَّيمم مع وجود الماء، ويلحق به خوف الزيادة، وهو الأصح عند الشَّافعي، وفي رواية عن مالك: بالمنع، وبه قال أحمد، وقال عطاء، والحسن البصري: لا يُبَاح التيمم بالمرض أصلًا، وكرهه طاووس، وإنَّما يجوز له التَّيمم عند عدم الماء، فأما مع وجوده؛ فلا يجوز، وهو قول الإمامين كما سبق، وإن كان المرض لا يلحقه باستعمال الماء ضررٌ كالصداع والحمى؛ لا يجوز له التَّيمم، كذا في «الحلية»، وهو رواية عن مالك، وقال داود: يجوز، وهو رواية عن مالك أيضًا، ولا فرق عند الإمام الأعظم في زيادة المرض بين أن يزداد بالتحرك؛ كالمبطون، أو باستعمال؛ كالجدري، كما صَرَّح به في «منهل الطُّلاب»، فلو خاف من استعمال الماء شيئًا في المحل؛ يجوز له التَّيمم عندنا للضَّرورة الدَّاعية، وهي كونه يصير مشوه الخِلقة، وربما يسود وجهه، أو تتعطل عينه، أو أنفه، أو غير ذلك، وهو قولٌ للشَّافعي، وفي آخر عنه: إنَّه لا يجوز، وتمامه في «عُمدة القاري»، (أو) خاف الجُنُب على نفسه (الموت) إنِ استعمل الماء حيث يقتله البرد؛ فيُبَاح له التيمم، وهذا بلا خلاف، وذكر قاضيخان اختلاف الرِّواية عن الإمام الأعظم، فجوَّزه شيخ الإسلام، ومنه شمس الأئمَّة السَّرخسي.
قلتُ: والجواز قول الإمام الأعظم، والمنع قول الإمامين أبي يوسف ومُحمَّد بن الحسن، وأما الجُنُب المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال؛ فيجوز له التَّيمم عندنا اتفاقًا، كما صرَّح به في «الخانية»، وقيَّد المؤلف بالجنب احترازًا عن المُحدِث؛ لما في «الخانية» : المحدث في المصر إذا خاف الهلاك من التَّوضؤ، اختلفوا فيه على قول الإمام الأعظم، والصَّحيح أنه لا يُبَاح له التيمم، وذكر
стр. 420
مثله صاحب «الخُلاصة» وغيره، ووجهه أنَّ الخوف هنا غير معتبر؛ لأنَّه مجرد وَهم؛ حيث لا يتحقق ذلك في الوضوء عادةً، قاله في «فتح القدير»، وقال في «النهر» : (يجوز التيمم للمحدث في المصر، واختاره صاحب «الأسرار»، وهو قول بعض علمائنا، لكن الأصح عدم جوازه للمحدث إجماعًا، إنَّما الخلاف في الجنب) انتهى.
(أو خاف العطش) وهذا غير مقتصر على الجُنُب الذي يخاف العطش، بل المحدث والجنب فيه سواء، قاله إمام الشَّارحين، قال في «منهل الطُلاب» : (وأما الماء المُحتاج إليه للعطش؛ فإنَّه يجوز مع وجوده التَّيمم)، قال في «البحر» : (لأنَّه مشغول بحاجته، والمشغول بالحاجة كالمعدوم سواء كان العطش لنفسه أو لكلبه، كما في «الدر المختار»، وقيَّده في «النهر» بكلب الماشية والصيد) انتهى.
ومفاده أنه لو لم يكن كذلك؛ لا يُعْطَى هذا الحكم، والظَّاهر أَنَّ كلب الحراسة للمنزل مثلهما، وفي «البحر» : (وعطش رفيقهُ ودابتهُ حالًا أو مآلًا؛ كعطشه وسواء كان المحتاج للعطش رفيقه المخالط له، أو آخر من أهل القافلة) انتهى.
وعطشُ دابة رفيقه كعطش دابته، كما صرَّح به العلامة نوح أفندي، وظاهره: أنَّ عطش كلب رفيقه كعطش كلبه، وقَيَّد ابن الكمال: عطش دوابه بتعذر حفظ الغسالة بعدم الإناء؛ يعني: فإذا كان عنده إناء يحفظ الماء به؛ يلزمه الوُضوء، وحِفظ الماء وسَقيه لِدابته وكلبه، ولا يجوز له التَّيمم، وتمامه في «منهل الطُلاب»، والله تعالى أعلم بالصَّواب.
وقوله: (يتيمم) جواب (إذا)، وفي رواية: (تيمم)؛ أي: مع وجود الماء لهذه الأعذار، كما ذكرناها، ومنها المرأة بين رجال، والرجل بين النساء؛ يتيممان ولا إعادة عليهما؛ لأنَّ المانع شرعي؛ وهو كشف العورة عند مَنْ لا يحل [له] رؤيتها، والمانع منه الحياء وخوف الله تعالى، وهما منه تعالى، وفي «المغني» لابن قدامة الحنبلي: (أو كان الماء عند جمع فُساق فخافت المرأة على نفسها الزِّنى؛ جاز لها التَّيمم)، وقال في «البحر» : (والماء المحتاج إليه لعجين كالمعدوم حكمًا، وكذا المحتاج إليه للطَّبخ إما لاتخاذ المرقة؛ فلا يتيمم، وسئل العلامة أبو السُّعود عما إذا احتاجه للقهوة؟ فأجاب: إن كان يلحقه بتركها مشقة؛ يتيمم، وإلا؛ فلا) انتهى.
وينبغي أن يقال في الطَّبيخ بالمرق سواء كان من أهل المدن أو القرى، وتمامه في «منهل الطُّلاب» ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله والذي بعده ظاهر؛ لأنَّ هذه الأبواب كلها في حكم التيمم.
(ويُذكر)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، وهو تعليق بصيغة التمريض، وقد وصله الحاكم، والدارقطنيُّ: (أَنَّ عَمْرو بن العاص) : هو أبو عبد الله عَمْرو بن العاص بن وائل بن هاشم القُرشي السَّهمي أميرُ مصر، قَدِمَ على النَّبيِّ الأعظم ﷺ في سنة ثمان قبل الفتح مُسلمًا، وهو من زُهَّاد قريش، ولَّاه ﵇ على عُمَان ولم يزل عليها حتى قُبِضَ النبيُّ الأعظم ﷺ ، مات بمصر سنة ثلاث وأربعين على المشهور يوم عيد الفطر، وصلَّى عليه ابنه عبد الله، ثم صلَّى العيد بالناس (أجنبَ)؛ أي: صار جنبًا، فالهمزة للضرورة (في ليلةٍ باردةٍ) وفي رواية أبي داود: قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل)، وهي وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ بها ماء بأرض حذام، يقال له: السَّلاسل، وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، قال عمرو: (فأشفقت)؛ أي: خِفتُ إنِ اغتسلت أَنْ أهلك؛ (فتيمم) وفي رواية أبي داود: (فتيممت، ثُمَّ صليت بأصحابي الصُّبح)، (وتلا) وعند الأصيلي: (فتلا) أي: قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾)؛ أي: بإلقاء النفس في التهلكة أو بالنجع؛ كما يفعله المتصوفة، أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها، أو باقتراف ما يُذللها ويرديها، فإنَّه القتل الحقيقي للنفس، والمراد بالنجع: القتل، ففي «الصحاح» : (نجع نفسه نجعًا؛ أي: قتلها غمًّا؛ يعني: قتل نفسه تأسُّفًا وحزنًا على الشَّيء الفائت)؛ كأنه قيل: لا تقتلوا أنفسكم بالتحزُّن على ما فات عنكم من فضائل الأبرار، وإن كان ذلك لقصد الرياضة وتقوية جانب الروحانية؛ فإن الرياضة إنَّما تنفع وتفيد تقوية جانب الروحانية إذا كانت على قانون الشرع، فما يروى عن المتصوفة من حبس النفس أيامًا كثيرة على قصد الرياضة ومخالفة الهوى بحيث يؤدي ذلك إلى هلاكهم؛ فما هو إلا جَهالة محضة يُهْلِكون أنفسهم بلا فائدة، والمراد بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها: هو كالزنى بعد الإحصان، وقتل النفس المعصومة بغير حق، والردة، فإن من ارتكب واحدًا منها؛ فكأنه قتل نفسه، والمراد: باقتراف ما يذللها ويرديها؛ أي: من المعاصي والرُّكون إلى اللذات العاجلة، فإن اقترافها وإن لم يؤد إلى القتل الحسي؛ فإنه يؤدي إلى القتل الحقيقي للنفس، (﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾) [النساء: ٢٩]؛ يعني: أنَّه كان بكم يا أُمة محمَّد النَّبيِّ الأعظم ﷺ رحيمًا لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه، فقد حمل عَمْرو بن العاص هذه الآية على معنى: لا تُباشروا ما يُخافُ منه أن يؤدي إلى هلاك أنفسكم، (فذُكر)؛ بضمِّ الذال المعجمة مبنيًّا للمجهول؛ أي: ما فعله عَمرو (للنَّبيِّ) الأعظم، وللأصيلي: (فَذُكر ذلك)؛ أي: ما فعله عَمرو للنَّبيِّ الأعظم ﷺ وفي رواية أبي داود: (فذَكروا)؛ أي: أصحاب عَمرو ذلك للنَّبيِّ الأعظم ﷺ ، فقال: «يا عَمرو؛ صليتَ بأصحابك وأنت جنب؟»، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، (فلم يُعنفه)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ على ذلك؛ يعني: لم يُنكر عليه، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: (فلم يُعنف)؛ بدون الضمير حذف للعلم به؛ أي: لم يُعنف النَّبيُّ عَمْرًا على ذلك، ولم يُنكر عليه ما فعله [بعدم] تَعنيفه، وفي رواية أبي داود: (فضحك النَّبيُ الأعظم ﷺ ، ولم يقل شيئًا، فعدم تَعنيفه إياه وكذا ضَحِكه، وعدم إنكاره عليه دليلٌ على الجواز؛ والتقرير به دليلٌ على عدم إعادة الصَّلاة الَّتي صلاها بالتَّيمم في هذه الحالة، وهو حُجةٌ على من أوجب الإعادة، كما لا يخفى، وإنَّما ذكر المؤلف هذا
стр. 421
التعليق بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره لا لكونه ضعيفًا؛ لأنَّ عادته ذكر التعاليق بهذه الصِّيغة، والحال أنَّها صحيحة، وزعم القسطلاني أَنَّ هذا التَّعليق رُوي من غير ذكر التَّيمم.
قلت: وهو باطلٌ، فإنَّ البُخاريَّ ذكره، وكفى به حُجة، على أنَّه قد روى هذا التَّعليق الدَّارقطني، والحاكم، وأبو داود من طُرقٍ متعددة، فقال أبو داود: حدثنا ابن المثنى: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: سمعت ابن أيُّوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرَّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذاتِ السلاسل، فأشفقتُ إِنِ اغتسلت أَنْ أهلك فتيممت، ثُمَّ صليت...) إلى آخره، ورواه أبو داود أيضًا وذَكرَ فيه التَّيمم، وقال: إنَّ الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: (فتيمم)، وكذلك رواه عبد الرزاق من طريقين؛ أحدهما فقال: (فتيمم)، فالمُثبت مُقدمٌ على النَّافي، كما لا يخفى، وظاهر سياق المؤلف أن عَمْرًا (١) تلا الآية وهو جُنب، وليس كذلك، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ الأعظم ﷺ ، ويدل عليه حديث أبي داود، ولفظه: فقال -أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ : «يا عَمْرو؛ صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟»، فأخبرته بالذي منعني مِنَ الاغتسال، وقلت: إنِّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ...﴾؛ الآية، فإنَّ ظاهره أنَّه تلاها بعد رجوعه له ﵇، ويُحتمل أنَّه خَطرت الآية على فِكره حين كان جُنبًا؛ لأنَّه قد استدل بها على جواز التَّيمم لخوف البرد أَنْ يُهلكه، وفيه دليلٌ على جواز التَّيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان للبرد أو غيره وسواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كان جُنبًا أو مُحدثًا، وفيه دِلالة على جواز الاجتهاد في عصره ﵇، والله تعالى أعلم.
[حديث عبد الله: لو رخصت لهم في هذا]
٣٤٥ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا بِشر)؛ بكسر الموحدة، وسكون الشين المعجمة (بن خالد) العسكري أبو مُحمَّد الفرائضي المتوفَّى سنة ثلاث وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا مُحمَّد) : هو ابن جعفر البصري.
وقوله: (هو غُندر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة من كلام المؤلف، وليس هو من لفظ شيخه، وهو ساقطٌ في رواية الأصيلي ثابت في غيرها، قاله إمام الشَّارحين، (عن شُعبة) : هو ابن الحجاج، وفي رواية الأصيلي: (حدثنا شُعبة)، وفي رواية ابن عساكر: (أخبرنا شُعبة) (عن سُليمان) : هو ابن مهران الأعمش، (عن أبي وائل) : هو شقيق بن سَلَمَة (قال: قال أبو موسى) : هو عبد الله بن قَيْس الأشعري (لعبد الله ابن مسعود) : أحد الفقهاء السبعة، والعَبادلة الأربعة ﵄: (إذا لم يجد) أي: الجُنُب (الماء)؛ أي: المطلق الكافي لطهارته؛ (لا يُصلي)؛ بصيغة الغائب في (يجد)، و (يصلي) : رواية كريمة، وفي رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين، وهذا على سبيل الاستفهام، والسؤال من أبي موسى عن (٢) عبد [الله] بن مسعود، فأبو موسى يُخاطب عبد الله (قال) وفي رواية الإسماعيلي: (فقال) (عبد الله) أي: ابن مسعود، زاد الإسماعيلي في روايته: (نعم؛ إذا لم أجدِ الماء شهرًا؛ لا أُصلي)، وفي رواية ابن عساكر: (نعم)؛ أي: لا يصلي، قال: (لو رَخصتَ)؛ بفتح التاء خطاب لأبي موسى (لهم)؛ أي: يسرت وسهلت لكل من أجنب (في هذا)؛ أي: في جواز التَّيمم للجُنب؛ (كان) ولابن عساكر: (وكان)؛ أي: أصحاب النَّبيِّ الأعظم ﷺ (إذا وجد أحدهم البرد) وغيره مما يوجب الهلاك أو التَّلف لبعض الأعضاء، وغير ذلك مما ذكرناه (قال هكذا) قال أبو موسى مفسرًا قول ابن مسعود (يعني) أي: يقصد ويريد: (تيمم وصلى) ففيه إطلاق القول على الفعل، (وقال) أي: أبو موسى: (قلت: فأين قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعُمر؟) : ابن الخطاب ﵁؛ أي: في قوله السَّابق: كنا في سفرٍ، فأجنبت، فتمعكت في التُّراب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «يكفيك الوجه واليدين»، (قال) أي: ابن مسعود: (إِنِّي) وفي رِواية: (فإنِّي) (لم أر) أي: لم أَظنَّ، أو لم أعتقد (عُمر) أي: ابن الخطاب (قَنِعَ)؛ بكسر النون؛ أي: رضي وأخذ (بقول عمَّار) أي: ابن ياسر، وإِنَّما لم يقْنع عمر بقول عمَّار؛ لأنَّه كان حاضرًا معه في تلك السَّفرة، ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك، فلم يَقْنع بقوله، وقد وقع هكذا هنا مختصرًا في رواية شُعبة، ويأتي الآن رواية عُمَر بن حفص، ثُمَّ رِواية أبي معاوية بأتم وأكمل، والله أعلم.
[حديث أبي موسى: إنَّا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم]
٣٤٦ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عُمر بن حفص) بضمِّ عين (عُمَر)، وفتح ميمه ((قال: حدثنا أبي) : هو حفص المذكور ابن غياث؛ بالمعجمة أوله وآخره، (عن الأعمش) : هو سُليمان بن مهران، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: (حدثنا الأعمش) (قال: سمعت شقيق بن سَلَمَة) : هو أبو وائل، ففيه فائدة التصريح بسماع الأعمش من شقيق، وهو يَرُدُّ على من أنكر ذلك، (قال: كنت عند عبد الله) أي: ابن مسعود (وأبي موسى) أي: عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنهما كانا قاعدين في المسجد النبوي يتحدثان، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) الأشعري: (أرأيت)؛ معناه: أخبرني (يابا عبد الرَّحمن) وهي كُنية ابن مسعود، وأصله: يا أبا عبد الرَّحمن؛ فحذفت الهمزة فيه تخفيفًا، كذا في «عُمدة القاري»؛ (إذا أجنب) أي: إذا صار الرَّجل جنبًا (فلم يجد الماء) أي: الكافي لطهارته، وفي رواية: (ماء)؛ بالتنكير، لا يقال: (ماء) نكرة في سياق النفي تتناول ما سمَّى به قليلًا كان أو كثيرًا، وهو يقتضي ألَّا يجوز التَّيمم إلا بعد استعمال ما معه من الماء وإن كان لا يكفي كما في إزالة النَّجاسة الحقيقية؛ لأنا نقول: المراد ما يُحِلُ به الصَّلاة، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه وإن تناوله النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي بالاتفاق؛ فافهم.
(كيف يَصْنع)؛ بصيغة الغائب فيه، وفي (يجد)؛ أي: كيف يصنع الرجل في جنابته، وفي رواية: (إذا أجنبت فلم تجد الماء؛ كيف تصنع)؛ بتاء الخِطَاب في الثلاثة، لكن الرواية بصيغة الغائب أشهر وأوجه بدليل قوله: (فقال عبد الله) أي: ابن مسعود: (لا يصلي) أي: الرَّجل الذي لا يجد الماء (حتى) أي: إلى أن (يجد الماء) الكافي؛ بصيغة الغائب، وفي رواية الأصيلي: (حتى تجد)؛ بتاء الخطاب، وسقط عنده وابن عساكر لفظة: (الماء)، فاقتصرا على قوله: (حتى تجد)؛ يعني: الماء المطلق الكافي لطهارته، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري:
стр. 422
(فكيف تصنع) بتاء الخطاب (بقول عمَّار) : هو ابن ياسر (حين قال له النبيُّ) الأعظم ﷺ لما سأله أنه أجنب، وتمعك بالتراب، فقال له: (كان يكفيك) أي: في التطهير مسح الوجه والكفين، (قال) أي: ابن مسعود: (ألم تر) أي: تظن (عمر) : هو ابن الخطاب (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ.
وقوله: (منه)؛ أي: من عمار، ثابت في أكثر الروايات، ساقط في رواية (بذلك)؛ أي: بالحكم المذكور، (فقال أبو موسى)؛ أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (فدعنا)؛ أي: اتركنا، وكلمة (دع) أمر من يدع، وأمات العرب ماضيه؛ والمعنى: اقطع نظرك (من قول عمار) أي: ابن ياسر المذكور، (كيف تصنع) بالخطاب (بهذه الآية؟)؛ أي: فيما ورد في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا...﴾؛ الآية [النساء: ٤٣]، (فما درى) أي: فلم يعلم (عبد الله) أي: ابن مسعود (ما يقول) في توجيه الآية على وفق فتواه، ولعل المجلس لم يكن يقتضي تطويل المناظرة، وإلا؛ فكان لعبد الله أن يقول المراد من الملامسة في الآية: تلاقي البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا من الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وحاصله: أن عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ لا يجوزان التيمم للجنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فأبطلا هذه الرخصة مع ما فيها من إسقاط الصَّلاة عن المخاطب بها، والمأمور بأدائها؛ لأنَّهما تأولا الملامسة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على مماسة البشرتين من غير جماع، كما مر؛ لأنَّهما لو أرادا الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ يعني: فاغتسلوا، ثم قال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فقد جعل التيمم بدلًا عن الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، والله تعالى أعلم، (فقال) أي: ابن مسعود لأبي موسى: (إنا) أصله: إننا؛ فحذفت النون ضمير متصل تخفيفًا (لو رخصنا) أي: يسرنا وسهلنا (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في جواز التيمم للجنب؛ (لأوشك)؛ بفتح الهمزة فعل ماض؛ معناه: قرب وأسرع، ففيه رد على من زعم أنه لا يجيء من باب (يوشك) ماضيًا، ولا يستعمل إلا مضارعًا (إذا برد)؛ بفتح الموحدة، والراء، قال الجوهري: (بضمِّ الراء)، والمشهور الفتح (على أحدهم الماء) فخاف إن استعمله؛ يهلكه البرد (أن يدعه)؛ بفتح التحتية أوله، والدال المهملة؛ أي: يترك استعمال الماء المطلق، (ويتيمم)؛ أي: خلفًا عنه.
فإن قلت: ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب، وتيمم المتبرد حتى صح أن يقال: لو رخصنا لهم في ذلك؛ لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟
قلت: الجهة الجامعة بينهما هو اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء؛ لأنَّ عدم القدرة إما لفقد الماء، وإما لتعذر الاستعمال، كذا في «عمدة القاري».
(فقلت) يعني: قال الأعمش: قلت (لشقيق) : هو أبو وائل: (فإنما)؛ بالفاء في رواية جميع الرواة، وقيل: بل أكثرهم، وفي رواية: (وإنما)؛ بالواو (كره عبد الله) أي: ابن مسعود؛ يعني: لم يجوز التيمم للجنب (لهذا)؛ أي: لأجل هذا المعنى، وهو احتمال أن يتيمم للبرد، (فقال) أي: شقيق، وفي رواية: (قال) (نعم) يعني: كرهه لذلك، وهذا يدل على أن الكراهة ليست بمعنى عدم الجواز، بل بمعنى الجواز مع الإساءة لكن الذي قدمه يدل على عدم الجواز، ولهذا اختار علماؤنا المتقدمون؛ كصاحب «الهداية» والإمام القدوري: التعبير بالكراهة فيما لا يجوز، فاختلط على بعض من يدَّعي (١) العلم، فقال ما قال من جهله، وعدم معرفته، فردع عن ذلك أشد الردع، وأبكم، وأفحم.
وزعم الكرماني: فإن قلت: الواو لا تدخل بين القول ومقوله، فلم قال: (وإنما كره)؟ قلت: هو عطف على سائر مقولاته المقدرة؛ أي: قلت كذا وكذا أيضًا، انتهى.
ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: كأنه اعتمد على نسخة فيها: «وإنما»؛ بواو العطف، والنسخ المشهورة: «فإنما»؛ بالفاء) انتهى.
وعلى هذا؛ فكلام الكرماني ساقط الاعتبار؛ فافهم، قال إمام الشارحين: وفي الحديث فوائد؛ الأولى: فيه جواز المناظرة، وقال الخطابي: والظاهر منها يأتي على إهمال حكم الآية، وأي عذر لمن ترك العمل بما في هذه الآية من أجل أن بعض الناس عساه أن يستعملها على وجهها، وفي غير جنسها؟ وأما الوجه؛ فيما ذهب إليه عبد الله من إبطال هذه الرخصة مع ما فيه من إسقاط الصَّلاة عمن هو مخاطب بها ومأمور بإقامتها.
وأجيب عن هذا: بأن عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع، إذ لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة الآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه.
الثانية: فيه أن رأي عمر وعبد الله ﵄ انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين، وهي المسماة بالمباشرة الفاحشة؛ وهي التقاء الفرج بالفرج؛ لأنَّها لا تخلو عن ظهور مذي غالبًا، وهو كالمتحقق، وأن الجنب لا يتيمم.
والثالثة: فيه جواز التيمم للخائف من البرد، قاله ابن بطال.
قلت: ومذهب الإمام الأعظم: أنه يجوز التيمم للجنب المقيم إذا خاف البرد.
الرابعة: فيه جواز الانتقال في المحاجة من دليل إلى دليل آخر؛ مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك جائز للمتناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، كما في محاجة إبراهيم ﵇ ونمرود عليه اللعنة، ألا ترى أن إبراهيم لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فلم يحتج إلى توقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فأفحم نمرود عند ذلك) انتهى، والله تعالى أعلم.
(٨) [باب: التيمم ضربة]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، كما قدرنا: (التيمم)؛ بالرفع مبتدأ (ضربة)؛ بالرفع خبره، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني كما في «عمدة القاري» : (باب)؛ بلا تنوين للإضافة إلى (التيمم)، و (ضربة)؛ بالنصب على الحال؛ والتقدير: هذا باب في بيان صفة التيمم حال كونه ضربة واحدة، وقد ذكرنا أن في صفة التيمم قولين (٢)، وأن الرواية: (ضربة واحدة) أولى من رواية: (ضربتين)
стр. 423
عند البخاري؛ فلذلك بوَّب عليه، قاله إمام الشارحين.
قلت: وقد تقدم عن الحافظ الطحاوي والترمذي، وغيرهما: أن حديث عمار لا يصلح حجة في كون التيمم ضربة واحدة؛ لاضطرابه واختلافه كما تقدم.
فإن قلت: شرط الحال أن يكون من الصور الثلاثة التي يقع فيها الحال من المضاف إليه، وهي أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، أو كجزئه، أو عاملًا في الحال، وليس هذا منه.
قلت: أجيب: بأن المعنى: باب شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إلى ما يصلح عمله في الحال، فهو من الصور الثلاث، قاله بعضهم، وفيه نظر.
[حديث شقيق: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى]
٣٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سلام)؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وفي رواية الأصيلي: (محمَّد هو ابن سلام)، وفي رواية: (محمَّد) فقط (قال: حدثنا) وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (أبو معاوية)؛ بضمِّ الميم: هو محمَّد الضرير بن خازن؛ بالمعجمتين، (عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران؛ بفتح الميم، (عن شقيق) : هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال) أي: شقيق: (كنت جالسًا) يومًا (مع عبد الله) : هو ابن مسعود (وأبي موسى) : هو عبد الله بن قَيْس (الأشعري) ﵄، يحتمل جلوسهم أن يكون في المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون في بستان من بساتين المدينة يتحدثون، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) أي: الأشعري: ما تقول (لو أن رجلًا أجنب)؛ أي: صار جنبًا (فلم يجد الماء) أي: لم يقدر على استعماله إما لفقده، أو لتعذر الاستعمال (شهرًا) ليس بقيد، بل هو اتفاقي؛ لأجل المبالغة؛ (أما كان يتيمم ويصلي؟) بالهمزة في (أما)، وهي رواية الأصيلي، وكريمة، وفي رواية غيرهما بإسقاط الهمزة، وفي رواية مسلم: (قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا)، ثم الهمزة فيه إما مقحمة، وإما للتقرير، وإما للاستفهام، و (ما) نافية على أصلها، وعلى التقديرين الأولين: وقع جوابًا لـ (لو)، أما تقدير الإقحام؛ فلأن وجوده كعدمه، وأما على تقدير التقرير؛ فلأنَّه لم يبق على معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وعلى التقدير الثالث فهو جواب (لو)، لكن يقدر القول في الأوليين قبل (لو)، وفي الثالث قبل (إما)، فعلى الأولين؛ يعني: يقولون: لو أجنب رجل؛ ما يتيمم، وعلى الثالث: لو أجنب رجل؛ يقال في حقه: أما تتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب (لو) هو قوله: (فقال) أي: أبو موسى: (فكيف تصنعون) وفي رواية مسلم: (كيف نصنع بالصَّلاة؟)؛ يعني: مع قولكم: لا يتيمم (بهذه الآية)، وفي رواية الأصيلي: (فما تصنعون بهذه)؛ يعني: الآية التي (في سورة المائدة؟) إنَّما عين سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء؛ لتقدم حكم الوضوء في المائدة، ولأنَّها آخر السور نزولًا (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾)؛ أي: اقصدوا (﴿صَعِيدًا﴾)؛ أي: وجه الأرض (﴿طَيِّبًا﴾) [النساء: ٤٣]؛ أي: طاهرًا، وهذا بيان للمراد من الآية، ووقع في رواية الأصيلي: (فإن لم تجدوا)، وهو مغاير للتلاوة، وقيل: إنه كذلك في رواية أبي ذر، ثم أصلحها على وفق التلاوة، كذا في «عمدة القاري».
وزعم الخطابي أنَّ هذا يدل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة: الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا؛ لكان يقول له: المراد من الملامسة: التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلًا عن الغسل.
ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: ولا يخفى أنَّ عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع؛ لأنَّه لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه) انتهى.
(فقال عبد الله) : هو ابن مسعود: (لو رُخص)؛ بضمِّ الراء مبنيًّا للمجهول (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في تيمم الجنب؛ (لأَوشكوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لأقربوا وأسرعوا (إذا بَرَد) بفتح الموحدة، والراء على المشهور، وقد تضم الراء (عليهم الماء)، فخافوا أن يهلكهم (أن يتيمموا) أي: يقصدوا (الصعيد) وللأصيلي: (بالصعيد)؛ أي: وجه الأرض.
(قلت)؛ أي: قال الأعمش: قلت لشقيق: (وإنما) بالواو، وفي رواية الأصيلي، وأبي ذر: (فإنما) (كرهتم) أي: لم تجوزوا (هذا)؛ أي: تيمم الجنب (لِذا)؛ بكسر اللام؛ أي: لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية عمرو بن حفص: (فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله؛ لهذا قلت)، وقول القسطلاني وفي رواية حفص بن عمر السابقة خطأ، والصواب عمرو بن حفص؛ فافهم.
(قال) أي: شقيق (نعم) كرهنا هذا لذا، وقول الكرماني وتبعه البرماوي: قوله: (قلت هو مقول شقيق) : خطأ ظاهر، ولهذا قال إمام الشارحين: (قلت: ليس كذلك، بل القائل ذلك: هو الأعمش، والمقول له: هو شقيق، كما صرح بذلك في رواية عمرو بن حفص التي مضت قبل هذه) انتهى.
فانظر ما أدق نظر إمام الشارحين! وما أفتر نظر الكرماني، وكذا البرماوي! وفوق كل ذي علم عليم.
(فقال)؛ بالفاء، ولابن عساكر: (قال) (أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله: (ألم تسمع قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعمر) : هو ابن الخطاب ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة)؛ أي: في سرية، كما في رواية مسلم، أو في سفر، كما في رواية آدم بن أبي إياس في باب (هل ينفخ فيهما أو في الإبل)، كما في رواية أبي داود، (فأجنبت) أي: صرت جنبًا، (فلم)؛ بالفاء، ولأبي الوقت: (ولم) (أجد الماء) المطلق الكافي إلى أن حضرت الصَّلاة، (فتمرغت) أي: تقلبت (في الصعيد) أي: على وجه الأرض؛ (كما تمرغ الدابة) أي: كما تتقلب الدابة، والكاف في (كما) إما مصدرية، أو للتشبيه، قال السيد: لفظة: (ما) في (كما) إن كانت كافة على مصححة لدخولها على الجملة؛ كانت للتشبيه بين مضمون جملتين، وإن كانت مصدرية؛ فاختار أبو البقاء وغيره: أن الكاف مع مجرورها نعت لمصدر محذوف؛ تقديره: تمرغًا؛ كتمرغ الدابة، ومذهب سيبويه: أن محله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ومنع أن يكون نعتًا لمصدر محذوف؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة.
قلت:
стр. 424
وقد أعرب جماعة؛ منهم: البيضاوي قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]؛ بالنصب على المصدر، و (ما) كافة، أو مصدرية، ويدل عليه ما ذكرناه عن السيد؛ فتأمل.
و (تُمرُّغُ)؛ بتشديد الراء (١)، وضم المثناة الفوقية قبلها، ورفع الغين المعجمة، وأصله تتمرغ؛ بالتاءين، فحذفت إحداهما للتخفيف، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، والدابة اسم لكل ما يدب على الأرض، والمراد بها: الخيل والحمير؛ لأنَّ التمرغ يكون منهما، (فذكرت ذلك للنبيِّ) الأعظم ﷺ والإشارة إلى ما فعله من التمرغ؛ لأجل رفع الحدث الأكبر عنه حتى يصلي فيه، (فقال) عليه [الصَّلاة] والسَّلام له: (إنما كان يكفيك) عوضًا عما فعلته (أن تصنع)؛ بالخطاب؛ أي: بالصعيد (هكذا)؛ يعني: أشار بيديه، (وضرب)؛ بالواو، وفي رواية: (فضرب) (بكفه)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (بكفيه)؛ بالتثنية (ضربة)؛ أي: واحدة (على أرض) وقدمنا في الأحاديث عن عدة صحابة يرفعونه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ : أن التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وأن أحاديث عمار لا تصلح حجة؛ لاضطرابها واختلافها، فالضربتان هو الأصح من الأحاديث، كما لا يخفى.
(ثم نفضها)؛ أي: يده، وفي الروايات السابقة: (فنفخ فيهما)، وفي بعضها: (فتفل)، وهذا يدل على أنه ﵊ لم يبق (٢) عليها من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النفض، والنفخ، والتفل تزيل أثر الغبار بالكلية، وإنما كان يفعل هذا؛ لأجل عدم تلويث الوجه بالغبار؛ لأنَّه يصير به الآدمي مثلة، وهو منهي عنه، وقد قال : ﴿لَقَدْ (٣) خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، ومن حسن تقويمه ألَّا يلوث وجهه ويديه؛ فافهم.
(ثم مسح بها)؛ أي: بيده الذي ضرب بها الأرض (ظهر كفه)؛ أي: اليمنى (بشماله) وفي رواية: (ثم مسح بهما)؛ أي: بيديه، (أو) مسح (ظهر شماله بكفه)؛ أي: اليمنى، كذا هو بالشك في جميع الروايات إلا في رواية أبي داود، فإنه رواه أيضًا من طريق أبي معاوية كما رواه البخاري، ولفظه قال: («إنما يكفيك أن تصنع هكذا»؛ فضرب بيديه على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه) انتهى.
قال إمام الشارحين: وهذا يحرر رواية غيره؛ لأنَّ الحديث واحد، واختلاف الألفاظ باختلاف الرواة، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعًا، ولكن العامة أجابوا عن هذا الضرب المذكور بأنه كان للتعليم، وليس المراد به: بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأنَّ الله تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية، ثم قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، والظاهر: أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء؛ فافهم.
قلت: وعلى هذا؛ فالفرض في التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها، فإنَّها صريحة في ذلك، كما لا يخفى.
(قال) وفي رواية: (فقال) (عبد الله) : هو ابن مسعود لأبي موسى: (ألم تر)؛ أي: تبصر، أو تعلم (عمر) : هو ابن الخطاب، وفي رواية الأصيلي وكريمة كما في «عمدة القاري» : (أفلم تر عمر) (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ (بقول عمار) : هو ابن ياسر، ووجه عدم قناعته بقول عمار كما قاله إمام الشارحين: هو أنه كان معه في تلك القصة ولم يتذكر عمر ذلك، ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: (اتق الله يا عمار)؛ أي: فيما ترويه، وتثبَّت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكر شيئًا من هذا، ومعنى قول عمار: أني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث، ووافقتك، وأمسكت، فإني قد بلغته، ولم يبق عليَّ حرج، فقال له عمر: (نوليك ما توليت)؛ أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره ألَّا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي في منعك من التحديث به) انتهى.
(زاد) من الزيادة (يَعْلَى) بفتح المثناة التحتية أوله، وسكون العين المهملة، وفتح اللام: هو ابن عبيد بن يوسف الطنافسي الحنفي الكوفي، المتوفَّى سنة تسع ومئتين، وزعم الكرماني أن هذا إما داخل تحت إسناد محمَّد بن سلام، وإما تعليق من البخاري مع احتمال سماع البخاري منه؛ لأنَّه أدرك عصره.
ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: هذا تعليق من البخاري، وقد وصله أحمد ابن حنبل في «مسنده»، ووصله أيضًا الإسماعيلي عن ابن زيدان: حدثنا أحمد بن حَازم: حدثنا يعلى: حدثنا الأعمش؛ فذكره) انتهى.
قلت: فاحتمال ما زعمه الكرماني باطل، كما لا يخفى؛ فافهم.
(عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران، (عن شقيق) : هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال: كنت مع عبد الله) : هو ابن مسعود (وأبي موسى) : هو عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنه كان معهما في بستان من بساتين المدينة، ويحتمل أنه كان معهما في المسجد النبوي، ويحتمل أنه كان معهما في الطريق يتحدثان وهو يسمع كلامهما، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء، أيتيمم ويصلي؟) قال عبد الله: (لا يتيمم ولا يصلي حتى يجد الماء)، فقال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: (ألم تسمع قول عمار) : هو ابن ياسر (لعمر؟) : هو ابن الخطاب ﵄ (إنَّ رسول الله)، وللأصيلي: (إن النبي) الأعظم ﷺ بعثني)؛ يعني: أرسلني في حاجة، أو في سرية فذهبت (أنا وأنت) قيل: كان القياس أن يقول: بعثني إياي وإياك؛ لأنَّ (إيا) ضمير مرفوع، فكيف وقع تأكيدًا للضمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؟
وأجيب: بأن الضمائر يقام بعضها مقام بعض، وتجري بينهما المناوبة، وهنا كذلك، كذا في «عمدة القاري».
(فأجنبت)؛ أي: صرت جنبًا، وحضرت الصَّلاة، ولم أجد ماء للطهارة، (فتمعكت) أي: تقلبت (بالصعيد)؛ أي: على وجه الأرض كما تتمعك الدابة، (فأتينا رسول الله) وللأصيلي: (النبي) الأعظم ﷺ بعدما قضينا ما بعثنا إليه، (فأخبرناه)؛ يعني: عن البعث، وعن عدم وجود الماء وهو جنب، وأنه تمعك، (فقال) ﵇ له: (إنما كان
стр. 425
يكفيك) أي: للطهارة من الجنابة (هكذا) وفي رواية الكشميهني: (هذا)، (ومسح وجهه وكفيه واحدة)؛ يعني: ضربة واحدة، وهذا التقدير هو المناسب لغرض المؤلف؛ لأنَّه ترجم الباب بقوله: (باب التيمم ضربة)، ويحتمل أن يقدر مسحة واحدة، وهو الظاهر من اللفظ، قاله إمام الشارحين.
فإن قلت: لم يذكر في هذه الرواية: أنه ﵇ ضرب مرة أو مرتين، وزعم الكرماني أن التيمم وقع بالضربتين.
ورده إمام الشارحين: بأنه لا يدل شيء من الحديث على ذلك، انتهى.
قلت: وهو كذلك، كما لا يخفى، ثم استكشل الكرماني، فزعم أنه إذا حمل على الضربة الواحدة، واستعمل في الوجه، فكيف مسح به الكفين؟
وأجاب: بأن السؤال ساقط على مذهب من يقول: التراب لا يصير مستعملًا، وأما على مذهبنا؛ فوجهه أن يمسح الوجه بكف واحدة، ثم ينفض بعض الغبار في الكف الغير المستعملة إلى الأخرى، أو يدلك إحداهما بالأخرى، ثم يمسح اليدين بهما، انتهى.
ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا الذي ذكره وجعله مذهبًا لا يفهم من هذا الحديث) انتهى.
قلت: وهو كذلك فمن أين أخذه هذا القائل على أن قوله هذا متناقض، كما لا يخفى.
قال في «البدائع» : (قال الإمام أبو يوسف: سألت الإمام الأعظم ﵄ عن كيفية التيمم؟ فقال: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فقلت: كيف هو؟ فضرب بيديه على الصعيد، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيًا، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين)، ثم قال صاحب «البدائع» : (وقال بعض علمائنا: وينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك)، قال: (وهذا أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال الصعيد المستعمل بالقدر الممكن) انتهى.
قلت: وتعبيره (ينبغي) يقتضي استحباب هذه الكيفية، وقد اختارها صاحب «المحرر» من الشافعية، وجزم في «الروضة» باستحبابها، وذكر في «الكفاية» عكسها، ونقله عن «الأم»، قال القسطلاني: (ولم تثبت هذه الكيفية في السنة) انتهى.
قلت: فعلينا اتِّباع ما ورد في السنة، فالكيفية التي نقلها صاحب «البدائع» عن الإمام الأعظم أولى؛ لأنَّها قد وردت في السنة، لا سيما وقد نقلت عن الإمام الأعظم صاحب المذهب المعظم الذي إلى غير مذهبه لا يذهب، ومن تحت نظره لا يهرب.
قال الكرماني: اعلم: أن هذه الكيفية المذكورة في حديث هذا الباب مشكلة من جهات:
أولًا: من الاكتفاء بضربة واحدة، وقد ثبت في الطرق الأُخرى أنه ضربتان، وقال النووي: (الأصح المنصوص ضربتان).
وثانيًا: من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كف واحدة، وبالاتفاق: مسح كلا ظهري الكفِّ واجب، ولم يجوز أحد الاجتزاء بأحدهما.
وثالثًا: من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه، وهو صار مستعملًا؟
ورابعًا (١) : من جهة أنه لم يمسح الذراعين.
وخامسًا: من عدم مراعاة الترتيب، وتقديم الكف على الوجه.
وأجاب عن الأول: بالمنع؛ بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة، وأجاب عن الثاني: بأنه لا بد من تقدير: ثم ضرب ضربة أخرى، ومسح بها، وأجاب عن الثالث: بما لا طائل، وأجاب عن الرابع: بمنع إيجاب مسح الذراعين، ولهذا قالوا مسح الكفين أصح في الرواية، ومسح الذراعين أشبه بالأصول، وأجاب عن الخامس: بمنع إيجاب الترتيب، كما هو مذهب الأئمَّة الحنفية.
وقد ردَّ هذه الأجوبة إمام الشارحين حيث قال: قوله في جواب الأول: (بالمنع) : قلت: منعه ممنوع؛ لأنَّه كان بضربة واحدة؛ لأنَّه صرح فيه بأن الضربة الواحدة كافية، فيحمل هذا على الجواز، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال.
وقوله: (وقال النووي...) إلى آخره، هذا ممنوع؛ لأنَّه اعتراض على الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح.
وقوله في جواب الثاني: (لا بد من تقدير...) إلى آخره: قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لأنَّ أصل الفرض يقوم بضربة واحدة، كما في الوضوء على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره ابن المُنْذِر، واختاره هو أيضًا، والبخاري أيضًا، فلذلك بوب عليه.
وجوابه عن الثالث: قلت: والجواب السديد أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في الماء دون التراب.
وقوله في جواب الرابع وتأكيده بقوله: (ولهذا...) إلى آخره، قلت: فعلى هذا الإشكال؛ الرابع غير وارد من الأول.
وقوله في جواب الخامس: قلت: هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه) انتهى.
قلت: فكلام الكرماني في غاية التعسف؛ لأنَّ هذه الأسئلة والأجوبة غير واردة؛ فافهم.
(٩) [باب...]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين من غير ترجمة كذا في رواية الأكثرين، فهو بمنزلة الفعل بينه وبين ما قبله؛ وهو غير معرب؛ لأنَّ الإعراب يكون بعد العقد والتركيب، وفي رواية الأصيلي لفظة (باب) ساقطة، وعليها يكون الحديث الذي فيه داخلًا في الترجمة السابقة، لكن مطابقة الحديث لها بعيدة، والأظهر ما عليه الأكثر، كما سيأتي.
[حديث: عليك بالصعيد فإنه يكفيك]
٣٤٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عَبْدَان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة: هو عبد الله بن عثمان المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) : هو ابن المبارك (قال: أخبرنا عوف) : هو الأعرابي، (عن أبي رجاء) : هو عمران بن ملحان العطاردي (قال: حدثنا