التعليق بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره لا لكونه ضعيفًا؛ لأنَّ عادته ذكر التعاليق بهذه الصِّيغة، والحال أنَّها صحيحة، وزعم القسطلاني أَنَّ هذا التَّعليق رُوي من غير ذكر التَّيمم.
قلت: وهو باطلٌ، فإنَّ البُخاريَّ ذكره، وكفى به حُجة، على أنَّه قد روى هذا التَّعليق الدَّارقطني، والحاكم، وأبو داود من طُرقٍ متعددة، فقال أبو داود: حدثنا ابن المثنى: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي قال: سمعت ابن أيُّوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرَّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذاتِ السلاسل، فأشفقتُ إِنِ اغتسلت أَنْ أهلك فتيممت، ثُمَّ صليت...) إلى آخره، ورواه أبو داود أيضًا وذَكرَ فيه التَّيمم، وقال: إنَّ الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: (فتيمم)، وكذلك رواه عبد الرزاق من طريقين؛ أحدهما فقال: (فتيمم)، فالمُثبت مُقدمٌ على النَّافي، كما لا يخفى، وظاهر سياق المؤلف أن عَمْرًا (١) تلا الآية وهو جُنب، وليس كذلك، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ الأعظم ﷺ ، ويدل عليه حديث أبي داود، ولفظه: فقال -أي: النَّبيُّ الأعظم ﷺ : «يا عَمْرو؛ صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟»، فأخبرته بالذي منعني مِنَ الاغتسال، وقلت: إنِّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ...﴾؛ الآية، فإنَّ ظاهره أنَّه تلاها بعد رجوعه له ﵇، ويُحتمل أنَّه خَطرت الآية على فِكره حين كان جُنبًا؛ لأنَّه قد استدل بها على جواز التَّيمم لخوف البرد أَنْ يُهلكه، وفيه دليلٌ على جواز التَّيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان للبرد أو غيره وسواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كان جُنبًا أو مُحدثًا، وفيه دِلالة على جواز الاجتهاد في عصره ﵇، والله تعالى أعلم.
[حديث عبد الله: لو رخصت لهم في هذا]
٣٤٥ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا بِشر)؛ بكسر الموحدة، وسكون الشين المعجمة (بن خالد) العسكري أبو مُحمَّد الفرائضي المتوفَّى سنة ثلاث وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا مُحمَّد) : هو ابن جعفر البصري.
وقوله: (هو غُندر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة من كلام المؤلف، وليس هو من لفظ شيخه، وهو ساقطٌ في رواية الأصيلي ثابت في غيرها، قاله إمام الشَّارحين، (عن شُعبة) : هو ابن الحجاج، وفي رواية الأصيلي: (حدثنا شُعبة)، وفي رواية ابن عساكر: (أخبرنا شُعبة) (عن سُليمان) : هو ابن مهران الأعمش، (عن أبي وائل) : هو شقيق بن سَلَمَة (قال: قال أبو موسى) : هو عبد الله بن قَيْس الأشعري (لعبد الله ابن مسعود) : أحد الفقهاء السبعة، والعَبادلة الأربعة ﵄: (إذا لم يجد) أي: الجُنُب (الماء)؛ أي: المطلق الكافي لطهارته؛ (لا يُصلي)؛ بصيغة الغائب في (يجد)، و (يصلي) : رواية كريمة، وفي رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين، وهذا على سبيل الاستفهام، والسؤال من أبي موسى عن (٢) عبد [الله] بن مسعود، فأبو موسى يُخاطب عبد الله (قال) وفي رواية الإسماعيلي: (فقال) (عبد الله) أي: ابن مسعود، زاد الإسماعيلي في روايته: (نعم؛ إذا لم أجدِ الماء شهرًا؛ لا أُصلي)، وفي رواية ابن عساكر: (نعم)؛ أي: لا يصلي، قال: (لو رَخصتَ)؛ بفتح التاء خطاب لأبي موسى (لهم)؛ أي: يسرت وسهلت لكل من أجنب (في هذا)؛ أي: في جواز التَّيمم للجُنب؛ (كان) ولابن عساكر: (وكان)؛ أي: أصحاب النَّبيِّ الأعظم ﷺ (إذا وجد أحدهم البرد) وغيره مما يوجب الهلاك أو التَّلف لبعض الأعضاء، وغير ذلك مما ذكرناه (قال هكذا) قال أبو موسى مفسرًا قول ابن مسعود (يعني) أي: يقصد ويريد: (تيمم وصلى) ففيه إطلاق القول على الفعل، (وقال) أي: أبو موسى: (قلت: فأين قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعُمر؟) : ابن الخطاب ﵁؛ أي: في قوله السَّابق: كنا في سفرٍ، فأجنبت، فتمعكت في التُّراب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «يكفيك الوجه واليدين»، (قال) أي: ابن مسعود: (إِنِّي) وفي رِواية: (فإنِّي) (لم أر) أي: لم أَظنَّ، أو لم أعتقد (عُمر) أي: ابن الخطاب (قَنِعَ)؛ بكسر النون؛ أي: رضي وأخذ (بقول عمَّار) أي: ابن ياسر، وإِنَّما لم يقْنع عمر بقول عمَّار؛ لأنَّه كان حاضرًا معه في تلك السَّفرة، ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك، فلم يَقْنع بقوله، وقد وقع هكذا هنا مختصرًا في رواية شُعبة، ويأتي الآن رواية عُمَر بن حفص، ثُمَّ رِواية أبي معاوية بأتم وأكمل، والله أعلم.
[حديث أبي موسى: إنَّا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم]
٣٤٦ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عُمر بن حفص) بضمِّ عين (عُمَر)، وفتح ميمه ((قال: حدثنا أبي) : هو حفص المذكور ابن غياث؛ بالمعجمة أوله وآخره، (عن الأعمش) : هو سُليمان بن مهران، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت: (حدثنا الأعمش) (قال: سمعت شقيق بن سَلَمَة) : هو أبو وائل، ففيه فائدة التصريح بسماع الأعمش من شقيق، وهو يَرُدُّ على من أنكر ذلك، (قال: كنت عند عبد الله) أي: ابن مسعود (وأبي موسى) أي: عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنهما كانا قاعدين في المسجد النبوي يتحدثان، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) الأشعري: (أرأيت)؛ معناه: أخبرني (يابا عبد الرَّحمن) وهي كُنية ابن مسعود، وأصله: يا أبا عبد الرَّحمن؛ فحذفت الهمزة فيه تخفيفًا، كذا في «عُمدة القاري»؛ (إذا أجنب) أي: إذا صار الرَّجل جنبًا (فلم يجد الماء) أي: الكافي لطهارته، وفي رواية: (ماء)؛ بالتنكير، لا يقال: (ماء) نكرة في سياق النفي تتناول ما سمَّى به قليلًا كان أو كثيرًا، وهو يقتضي ألَّا يجوز التَّيمم إلا بعد استعمال ما معه من الماء وإن كان لا يكفي كما في إزالة النَّجاسة الحقيقية؛ لأنا نقول: المراد ما يُحِلُ به الصَّلاة، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه وإن تناوله النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي بالاتفاق؛ فافهم.
(كيف يَصْنع)؛ بصيغة الغائب فيه، وفي (يجد)؛ أي: كيف يصنع الرجل في جنابته، وفي رواية: (إذا أجنبت فلم تجد الماء؛ كيف تصنع)؛ بتاء الخِطَاب في الثلاثة، لكن الرواية بصيغة الغائب أشهر وأوجه بدليل قوله: (فقال عبد الله) أي: ابن مسعود: (لا يصلي) أي: الرَّجل الذي لا يجد الماء (حتى) أي: إلى أن (يجد الماء) الكافي؛ بصيغة الغائب، وفي رواية الأصيلي: (حتى تجد)؛ بتاء الخطاب، وسقط عنده وابن عساكر لفظة: (الماء)، فاقتصرا على قوله: (حتى تجد)؛ يعني: الماء المطلق الكافي لطهارته، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري:
стр. 422
(فكيف تصنع) بتاء الخطاب (بقول عمَّار) : هو ابن ياسر (حين قال له النبيُّ) الأعظم ﷺ لما سأله أنه أجنب، وتمعك بالتراب، فقال له: (كان يكفيك) أي: في التطهير مسح الوجه والكفين، (قال) أي: ابن مسعود: (ألم تر) أي: تظن (عمر) : هو ابن الخطاب (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ.
وقوله: (منه)؛ أي: من عمار، ثابت في أكثر الروايات، ساقط في رواية (بذلك)؛ أي: بالحكم المذكور، (فقال أبو موسى)؛ أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (فدعنا)؛ أي: اتركنا، وكلمة (دع) أمر من يدع، وأمات العرب ماضيه؛ والمعنى: اقطع نظرك (من قول عمار) أي: ابن ياسر المذكور، (كيف تصنع) بالخطاب (بهذه الآية؟)؛ أي: فيما ورد في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا...﴾؛ الآية [النساء: ٤٣]، (فما درى) أي: فلم يعلم (عبد الله) أي: ابن مسعود (ما يقول) في توجيه الآية على وفق فتواه، ولعل المجلس لم يكن يقتضي تطويل المناظرة، وإلا؛ فكان لعبد الله أن يقول المراد من الملامسة في الآية: تلاقي البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا من الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وحاصله: أن عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ لا يجوزان التيمم للجنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فأبطلا هذه الرخصة مع ما فيها من إسقاط الصَّلاة عن المخاطب بها، والمأمور بأدائها؛ لأنَّهما تأولا الملامسة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على مماسة البشرتين من غير جماع، كما مر؛ لأنَّهما لو أرادا الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ يعني: فاغتسلوا، ثم قال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فقد جعل التيمم بدلًا عن الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، والله تعالى أعلم، (فقال) أي: ابن مسعود لأبي موسى: (إنا) أصله: إننا؛ فحذفت النون ضمير متصل تخفيفًا (لو رخصنا) أي: يسرنا وسهلنا (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في جواز التيمم للجنب؛ (لأوشك)؛ بفتح الهمزة فعل ماض؛ معناه: قرب وأسرع، ففيه رد على من زعم أنه لا يجيء من باب (يوشك) ماضيًا، ولا يستعمل إلا مضارعًا (إذا برد)؛ بفتح الموحدة، والراء، قال الجوهري: (بضمِّ الراء)، والمشهور الفتح (على أحدهم الماء) فخاف إن استعمله؛ يهلكه البرد (أن يدعه)؛ بفتح التحتية أوله، والدال المهملة؛ أي: يترك استعمال الماء المطلق، (ويتيمم)؛ أي: خلفًا عنه.
فإن قلت: ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب، وتيمم المتبرد حتى صح أن يقال: لو رخصنا لهم في ذلك؛ لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟
قلت: الجهة الجامعة بينهما هو اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء؛ لأنَّ عدم القدرة إما لفقد الماء، وإما لتعذر الاستعمال، كذا في «عمدة القاري».
(فقلت) يعني: قال الأعمش: قلت (لشقيق) : هو أبو وائل: (فإنما)؛ بالفاء في رواية جميع الرواة، وقيل: بل أكثرهم، وفي رواية: (وإنما)؛ بالواو (كره عبد الله) أي: ابن مسعود؛ يعني: لم يجوز التيمم للجنب (لهذا)؛ أي: لأجل هذا المعنى، وهو احتمال أن يتيمم للبرد، (فقال) أي: شقيق، وفي رواية: (قال) (نعم) يعني: كرهه لذلك، وهذا يدل على أن الكراهة ليست بمعنى عدم الجواز، بل بمعنى الجواز مع الإساءة لكن الذي قدمه يدل على عدم الجواز، ولهذا اختار علماؤنا المتقدمون؛ كصاحب «الهداية» والإمام القدوري: التعبير بالكراهة فيما لا يجوز، فاختلط على بعض من يدَّعي (١) العلم، فقال ما قال من جهله، وعدم معرفته، فردع عن ذلك أشد الردع، وأبكم، وأفحم.
وزعم الكرماني: فإن قلت: الواو لا تدخل بين القول ومقوله، فلم قال: (وإنما كره)؟ قلت: هو عطف على سائر مقولاته المقدرة؛ أي: قلت كذا وكذا أيضًا، انتهى.
ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: كأنه اعتمد على نسخة فيها: «وإنما»؛ بواو العطف، والنسخ المشهورة: «فإنما»؛ بالفاء) انتهى.
وعلى هذا؛ فكلام الكرماني ساقط الاعتبار؛ فافهم، قال إمام الشارحين: وفي الحديث فوائد؛ الأولى: فيه جواز المناظرة، وقال الخطابي: والظاهر منها يأتي على إهمال حكم الآية، وأي عذر لمن ترك العمل بما في هذه الآية من أجل أن بعض الناس عساه أن يستعملها على وجهها، وفي غير جنسها؟ وأما الوجه؛ فيما ذهب إليه عبد الله من إبطال هذه الرخصة مع ما فيه من إسقاط الصَّلاة عمن هو مخاطب بها ومأمور بإقامتها.
وأجيب عن هذا: بأن عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع، إذ لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة الآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه.
الثانية: فيه أن رأي عمر وعبد الله ﵄ انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين، وهي المسماة بالمباشرة الفاحشة؛ وهي التقاء الفرج بالفرج؛ لأنَّها لا تخلو عن ظهور مذي غالبًا، وهو كالمتحقق، وأن الجنب لا يتيمم.
والثالثة: فيه جواز التيمم للخائف من البرد، قاله ابن بطال.
قلت: ومذهب الإمام الأعظم: أنه يجوز التيمم للجنب المقيم إذا خاف البرد.
الرابعة: فيه جواز الانتقال في المحاجة من دليل إلى دليل آخر؛ مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك جائز للمتناظرين عند تعجيل القطع والإفحام للخصم، كما في محاجة إبراهيم ﵇ ونمرود عليه اللعنة، ألا ترى أن إبراهيم لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فلم يحتج إلى توقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بل انتقل إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فأفحم نمرود عند ذلك) انتهى، والله تعالى أعلم.
(٨) [باب: التيمم ضربة]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، كما قدرنا: (التيمم)؛ بالرفع مبتدأ (ضربة)؛ بالرفع خبره، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني كما في «عمدة القاري» : (باب)؛ بلا تنوين للإضافة إلى (التيمم)، و (ضربة)؛ بالنصب على الحال؛ والتقدير: هذا باب في بيان صفة التيمم حال كونه ضربة واحدة، وقد ذكرنا أن في صفة التيمم قولين (٢)، وأن الرواية: (ضربة واحدة) أولى من رواية: (ضربتين)
стр. 423
عند البخاري؛ فلذلك بوَّب عليه، قاله إمام الشارحين.
قلت: وقد تقدم عن الحافظ الطحاوي والترمذي، وغيرهما: أن حديث عمار لا يصلح حجة في كون التيمم ضربة واحدة؛ لاضطرابه واختلافه كما تقدم.
فإن قلت: شرط الحال أن يكون من الصور الثلاثة التي يقع فيها الحال من المضاف إليه، وهي أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، أو كجزئه، أو عاملًا في الحال، وليس هذا منه.
قلت: أجيب: بأن المعنى: باب شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إلى ما يصلح عمله في الحال، فهو من الصور الثلاث، قاله بعضهم، وفيه نظر.
[حديث شقيق: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى]
٣٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سلام)؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وفي رواية الأصيلي: (محمَّد هو ابن سلام)، وفي رواية: (محمَّد) فقط (قال: حدثنا) وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (أبو معاوية)؛ بضمِّ الميم: هو محمَّد الضرير بن خازن؛ بالمعجمتين، (عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران؛ بفتح الميم، (عن شقيق) : هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال) أي: شقيق: (كنت جالسًا) يومًا (مع عبد الله) : هو ابن مسعود (وأبي موسى) : هو عبد الله بن قَيْس (الأشعري) ﵄، يحتمل جلوسهم أن يكون في المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون في بستان من بساتين المدينة يتحدثون، (فقال له) أي: لابن مسعود (أبو موسى) أي: الأشعري: ما تقول (لو أن رجلًا أجنب)؛ أي: صار جنبًا (فلم يجد الماء) أي: لم يقدر على استعماله إما لفقده، أو لتعذر الاستعمال (شهرًا) ليس بقيد، بل هو اتفاقي؛ لأجل المبالغة؛ (أما كان يتيمم ويصلي؟) بالهمزة في (أما)، وهي رواية الأصيلي، وكريمة، وفي رواية غيرهما بإسقاط الهمزة، وفي رواية مسلم: (قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا)، ثم الهمزة فيه إما مقحمة، وإما للتقرير، وإما للاستفهام، و (ما) نافية على أصلها، وعلى التقديرين الأولين: وقع جوابًا لـ (لو)، أما تقدير الإقحام؛ فلأن وجوده كعدمه، وأما على تقدير التقرير؛ فلأنَّه لم يبق على معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وعلى التقدير الثالث فهو جواب (لو)، لكن يقدر القول في الأوليين قبل (لو)، وفي الثالث قبل (إما)، فعلى الأولين؛ يعني: يقولون: لو أجنب رجل؛ ما يتيمم، وعلى الثالث: لو أجنب رجل؛ يقال في حقه: أما تتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب (لو) هو قوله: (فقال) أي: أبو موسى: (فكيف تصنعون) وفي رواية مسلم: (كيف نصنع بالصَّلاة؟)؛ يعني: مع قولكم: لا يتيمم (بهذه الآية)، وفي رواية الأصيلي: (فما تصنعون بهذه)؛ يعني: الآية التي (في سورة المائدة؟) إنَّما عين سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء؛ لتقدم حكم الوضوء في المائدة، ولأنَّها آخر السور نزولًا (﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾)؛ أي: اقصدوا (﴿صَعِيدًا﴾)؛ أي: وجه الأرض (﴿طَيِّبًا﴾) [النساء: ٤٣]؛ أي: طاهرًا، وهذا بيان للمراد من الآية، ووقع في رواية الأصيلي: (فإن لم تجدوا)، وهو مغاير للتلاوة، وقيل: إنه كذلك في رواية أبي ذر، ثم أصلحها على وفق التلاوة، كذا في «عمدة القاري».
وزعم الخطابي أنَّ هذا يدل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة: الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا؛ لكان يقول له: المراد من الملامسة: التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلًا عن الغسل.
ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: ولا يخفى أنَّ عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع؛ لأنَّه لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه) انتهى.
(فقال عبد الله) : هو ابن مسعود: (لو رُخص)؛ بضمِّ الراء مبنيًّا للمجهول (لهم) أي: للمسلمين (في هذا) أي: في تيمم الجنب؛ (لأَوشكوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لأقربوا وأسرعوا (إذا بَرَد) بفتح الموحدة، والراء على المشهور، وقد تضم الراء (عليهم الماء)، فخافوا أن يهلكهم (أن يتيمموا) أي: يقصدوا (الصعيد) وللأصيلي: (بالصعيد)؛ أي: وجه الأرض.
(قلت)؛ أي: قال الأعمش: قلت لشقيق: (وإنما) بالواو، وفي رواية الأصيلي، وأبي ذر: (فإنما) (كرهتم) أي: لم تجوزوا (هذا)؛ أي: تيمم الجنب (لِذا)؛ بكسر اللام؛ أي: لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية عمرو بن حفص: (فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله؛ لهذا قلت)، وقول القسطلاني وفي رواية حفص بن عمر السابقة خطأ، والصواب عمرو بن حفص؛ فافهم.
(قال) أي: شقيق (نعم) كرهنا هذا لذا، وقول الكرماني وتبعه البرماوي: قوله: (قلت هو مقول شقيق) : خطأ ظاهر، ولهذا قال إمام الشارحين: (قلت: ليس كذلك، بل القائل ذلك: هو الأعمش، والمقول له: هو شقيق، كما صرح بذلك في رواية عمرو بن حفص التي مضت قبل هذه) انتهى.
فانظر ما أدق نظر إمام الشارحين! وما أفتر نظر الكرماني، وكذا البرماوي! وفوق كل ذي علم عليم.
(فقال)؛ بالفاء، ولابن عساكر: (قال) (أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله: (ألم تسمع قول عمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لعمر) : هو ابن الخطاب ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة)؛ أي: في سرية، كما في رواية مسلم، أو في سفر، كما في رواية آدم بن أبي إياس في باب (هل ينفخ فيهما أو في الإبل)، كما في رواية أبي داود، (فأجنبت) أي: صرت جنبًا، (فلم)؛ بالفاء، ولأبي الوقت: (ولم) (أجد الماء) المطلق الكافي إلى أن حضرت الصَّلاة، (فتمرغت) أي: تقلبت (في الصعيد) أي: على وجه الأرض؛ (كما تمرغ الدابة) أي: كما تتقلب الدابة، والكاف في (كما) إما مصدرية، أو للتشبيه، قال السيد: لفظة: (ما) في (كما) إن كانت كافة على مصححة لدخولها على الجملة؛ كانت للتشبيه بين مضمون جملتين، وإن كانت مصدرية؛ فاختار أبو البقاء وغيره: أن الكاف مع مجرورها نعت لمصدر محذوف؛ تقديره: تمرغًا؛ كتمرغ الدابة، ومذهب سيبويه: أن محله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ومنع أن يكون نعتًا لمصدر محذوف؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة.
قلت:
стр. 424
وقد أعرب جماعة؛ منهم: البيضاوي قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]؛ بالنصب على المصدر، و (ما) كافة، أو مصدرية، ويدل عليه ما ذكرناه عن السيد؛ فتأمل.
و (تُمرُّغُ)؛ بتشديد الراء (١)، وضم المثناة الفوقية قبلها، ورفع الغين المعجمة، وأصله تتمرغ؛ بالتاءين، فحذفت إحداهما للتخفيف، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، والدابة اسم لكل ما يدب على الأرض، والمراد بها: الخيل والحمير؛ لأنَّ التمرغ يكون منهما، (فذكرت ذلك للنبيِّ) الأعظم ﷺ والإشارة إلى ما فعله من التمرغ؛ لأجل رفع الحدث الأكبر عنه حتى يصلي فيه، (فقال) عليه [الصَّلاة] والسَّلام له: (إنما كان يكفيك) عوضًا عما فعلته (أن تصنع)؛ بالخطاب؛ أي: بالصعيد (هكذا)؛ يعني: أشار بيديه، (وضرب)؛ بالواو، وفي رواية: (فضرب) (بكفه)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (بكفيه)؛ بالتثنية (ضربة)؛ أي: واحدة (على أرض) وقدمنا في الأحاديث عن عدة صحابة يرفعونه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ : أن التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وأن أحاديث عمار لا تصلح حجة؛ لاضطرابها واختلافها، فالضربتان هو الأصح من الأحاديث، كما لا يخفى.
(ثم نفضها)؛ أي: يده، وفي الروايات السابقة: (فنفخ فيهما)، وفي بعضها: (فتفل)، وهذا يدل على أنه ﵊ لم يبق (٢) عليها من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النفض، والنفخ، والتفل تزيل أثر الغبار بالكلية، وإنما كان يفعل هذا؛ لأجل عدم تلويث الوجه بالغبار؛ لأنَّه يصير به الآدمي مثلة، وهو منهي عنه، وقد قال : ﴿لَقَدْ (٣) خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، ومن حسن تقويمه ألَّا يلوث وجهه ويديه؛ فافهم.
(ثم مسح بها)؛ أي: بيده الذي ضرب بها الأرض (ظهر كفه)؛ أي: اليمنى (بشماله) وفي رواية: (ثم مسح بهما)؛ أي: بيديه، (أو) مسح (ظهر شماله بكفه)؛ أي: اليمنى، كذا هو بالشك في جميع الروايات إلا في رواية أبي داود، فإنه رواه أيضًا من طريق أبي معاوية كما رواه البخاري، ولفظه قال: («إنما يكفيك أن تصنع هكذا»؛ فضرب بيديه على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه) انتهى.
قال إمام الشارحين: وهذا يحرر رواية غيره؛ لأنَّ الحديث واحد، واختلاف الألفاظ باختلاف الرواة، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعًا، ولكن العامة أجابوا عن هذا الضرب المذكور بأنه كان للتعليم، وليس المراد به: بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأنَّ الله تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية، ثم قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، والظاهر: أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء؛ فافهم.
قلت: وعلى هذا؛ فالفرض في التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها، فإنَّها صريحة في ذلك، كما لا يخفى.
(قال) وفي رواية: (فقال) (عبد الله) : هو ابن مسعود لأبي موسى: (ألم تر)؛ أي: تبصر، أو تعلم (عمر) : هو ابن الخطاب، وفي رواية الأصيلي وكريمة كما في «عمدة القاري» : (أفلم تر عمر) (لم يقنع)؛ أي: لم يأخذ (بقول عمار) : هو ابن ياسر، ووجه عدم قناعته بقول عمار كما قاله إمام الشارحين: هو أنه كان معه في تلك القصة ولم يتذكر عمر ذلك، ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: (اتق الله يا عمار)؛ أي: فيما ترويه، وتثبَّت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكر شيئًا من هذا، ومعنى قول عمار: أني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث، ووافقتك، وأمسكت، فإني قد بلغته، ولم يبق عليَّ حرج، فقال له عمر: (نوليك ما توليت)؛ أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره ألَّا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي في منعك من التحديث به) انتهى.
(زاد) من الزيادة (يَعْلَى) بفتح المثناة التحتية أوله، وسكون العين المهملة، وفتح اللام: هو ابن عبيد بن يوسف الطنافسي الحنفي الكوفي، المتوفَّى سنة تسع ومئتين، وزعم الكرماني أن هذا إما داخل تحت إسناد محمَّد بن سلام، وإما تعليق من البخاري مع احتمال سماع البخاري منه؛ لأنَّه أدرك عصره.
ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: هذا تعليق من البخاري، وقد وصله أحمد ابن حنبل في «مسنده»، ووصله أيضًا الإسماعيلي عن ابن زيدان: حدثنا أحمد بن حَازم: حدثنا يعلى: حدثنا الأعمش؛ فذكره) انتهى.
قلت: فاحتمال ما زعمه الكرماني باطل، كما لا يخفى؛ فافهم.
(عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران، (عن شقيق) : هو أبو وائل بن سَلَمَة (قال: كنت مع عبد الله) : هو ابن مسعود (وأبي موسى) : هو عبد الله بن قَيْس الأشعري ﵄، يحتمل أنه كان معهما في بستان من بساتين المدينة، ويحتمل أنه كان معهما في المسجد النبوي، ويحتمل أنه كان معهما في الطريق يتحدثان وهو يسمع كلامهما، (فقال أبو موسى) أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء، أيتيمم ويصلي؟) قال عبد الله: (لا يتيمم ولا يصلي حتى يجد الماء)، فقال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: (ألم تسمع قول عمار) : هو ابن ياسر (لعمر؟) : هو ابن الخطاب ﵄ (إنَّ رسول الله)، وللأصيلي: (إن النبي) الأعظم ﷺ بعثني)؛ يعني: أرسلني في حاجة، أو في سرية فذهبت (أنا وأنت) قيل: كان القياس أن يقول: بعثني إياي وإياك؛ لأنَّ (إيا) ضمير مرفوع، فكيف وقع تأكيدًا للضمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؟
وأجيب: بأن الضمائر يقام بعضها مقام بعض، وتجري بينهما المناوبة، وهنا كذلك، كذا في «عمدة القاري».
(فأجنبت)؛ أي: صرت جنبًا، وحضرت الصَّلاة، ولم أجد ماء للطهارة، (فتمعكت) أي: تقلبت (بالصعيد)؛ أي: على وجه الأرض كما تتمعك الدابة، (فأتينا رسول الله) وللأصيلي: (النبي) الأعظم ﷺ بعدما قضينا ما بعثنا إليه، (فأخبرناه)؛ يعني: عن البعث، وعن عدم وجود الماء وهو جنب، وأنه تمعك، (فقال) ﵇ له: (إنما كان
стр. 425
يكفيك) أي: للطهارة من الجنابة (هكذا) وفي رواية الكشميهني: (هذا)، (ومسح وجهه وكفيه واحدة)؛ يعني: ضربة واحدة، وهذا التقدير هو المناسب لغرض المؤلف؛ لأنَّه ترجم الباب بقوله: (باب التيمم ضربة)، ويحتمل أن يقدر مسحة واحدة، وهو الظاهر من اللفظ، قاله إمام الشارحين.
فإن قلت: لم يذكر في هذه الرواية: أنه ﵇ ضرب مرة أو مرتين، وزعم الكرماني أن التيمم وقع بالضربتين.
ورده إمام الشارحين: بأنه لا يدل شيء من الحديث على ذلك، انتهى.
قلت: وهو كذلك، كما لا يخفى، ثم استكشل الكرماني، فزعم أنه إذا حمل على الضربة الواحدة، واستعمل في الوجه، فكيف مسح به الكفين؟
وأجاب: بأن السؤال ساقط على مذهب من يقول: التراب لا يصير مستعملًا، وأما على مذهبنا؛ فوجهه أن يمسح الوجه بكف واحدة، ثم ينفض بعض الغبار في الكف الغير المستعملة إلى الأخرى، أو يدلك إحداهما بالأخرى، ثم يمسح اليدين بهما، انتهى.
ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا الذي ذكره وجعله مذهبًا لا يفهم من هذا الحديث) انتهى.
قلت: وهو كذلك فمن أين أخذه هذا القائل على أن قوله هذا متناقض، كما لا يخفى.
قال في «البدائع» : (قال الإمام أبو يوسف: سألت الإمام الأعظم ﵄ عن كيفية التيمم؟ فقال: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فقلت: كيف هو؟ فضرب بيديه على الصعيد، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيًا، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين)، ثم قال صاحب «البدائع» : (وقال بعض علمائنا: وينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك)، قال: (وهذا أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال الصعيد المستعمل بالقدر الممكن) انتهى.
قلت: وتعبيره (ينبغي) يقتضي استحباب هذه الكيفية، وقد اختارها صاحب «المحرر» من الشافعية، وجزم في «الروضة» باستحبابها، وذكر في «الكفاية» عكسها، ونقله عن «الأم»، قال القسطلاني: (ولم تثبت هذه الكيفية في السنة) انتهى.
قلت: فعلينا اتِّباع ما ورد في السنة، فالكيفية التي نقلها صاحب «البدائع» عن الإمام الأعظم أولى؛ لأنَّها قد وردت في السنة، لا سيما وقد نقلت عن الإمام الأعظم صاحب المذهب المعظم الذي إلى غير مذهبه لا يذهب، ومن تحت نظره لا يهرب.
قال الكرماني: اعلم: أن هذه الكيفية المذكورة في حديث هذا الباب مشكلة من جهات:
أولًا: من الاكتفاء بضربة واحدة، وقد ثبت في الطرق الأُخرى أنه ضربتان، وقال النووي: (الأصح المنصوص ضربتان).
وثانيًا: من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كف واحدة، وبالاتفاق: مسح كلا ظهري الكفِّ واجب، ولم يجوز أحد الاجتزاء بأحدهما.
وثالثًا: من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه، وهو صار مستعملًا؟
ورابعًا (١) : من جهة أنه لم يمسح الذراعين.
وخامسًا: من عدم مراعاة الترتيب، وتقديم الكف على الوجه.
وأجاب عن الأول: بالمنع؛ بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة، وأجاب عن الثاني: بأنه لا بد من تقدير: ثم ضرب ضربة أخرى، ومسح بها، وأجاب عن الثالث: بما لا طائل، وأجاب عن الرابع: بمنع إيجاب مسح الذراعين، ولهذا قالوا مسح الكفين أصح في الرواية، ومسح الذراعين أشبه بالأصول، وأجاب عن الخامس: بمنع إيجاب الترتيب، كما هو مذهب الأئمَّة الحنفية.
وقد ردَّ هذه الأجوبة إمام الشارحين حيث قال: قوله في جواب الأول: (بالمنع) : قلت: منعه ممنوع؛ لأنَّه كان بضربة واحدة؛ لأنَّه صرح فيه بأن الضربة الواحدة كافية، فيحمل هذا على الجواز، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال.
وقوله: (وقال النووي...) إلى آخره، هذا ممنوع؛ لأنَّه اعتراض على الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح.
وقوله في جواب الثاني: (لا بد من تقدير...) إلى آخره: قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لأنَّ أصل الفرض يقوم بضربة واحدة، كما في الوضوء على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره ابن المُنْذِر، واختاره هو أيضًا، والبخاري أيضًا، فلذلك بوب عليه.
وجوابه عن الثالث: قلت: والجواب السديد أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في الماء دون التراب.
وقوله في جواب الرابع وتأكيده بقوله: (ولهذا...) إلى آخره، قلت: فعلى هذا الإشكال؛ الرابع غير وارد من الأول.
وقوله في جواب الخامس: قلت: هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه) انتهى.
قلت: فكلام الكرماني في غاية التعسف؛ لأنَّ هذه الأسئلة والأجوبة غير واردة؛ فافهم.
(٩) [باب...]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين من غير ترجمة كذا في رواية الأكثرين، فهو بمنزلة الفعل بينه وبين ما قبله؛ وهو غير معرب؛ لأنَّ الإعراب يكون بعد العقد والتركيب، وفي رواية الأصيلي لفظة (باب) ساقطة، وعليها يكون الحديث الذي فيه داخلًا في الترجمة السابقة، لكن مطابقة الحديث لها بعيدة، والأظهر ما عليه الأكثر، كما سيأتي.
[حديث: عليك بالصعيد فإنه يكفيك]
٣٤٨ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عَبْدَان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة: هو عبد الله بن عثمان المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) : هو ابن المبارك (قال: أخبرنا عوف) : هو الأعرابي، (عن أبي رجاء) : هو عمران بن ملحان العطاردي (قال: حدثنا
стр. 426
عِمْران) بكسر العين المهملة، وسكون الميم (بن حُصَين) بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة (الخِزاعي) بكسر الخاء المعجمة، قاضي البصرة ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ كان في سفر وكنا معه، وإنا أسرينا حتى كنا في أواخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبيُّ الأعظم ﷺ إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو مستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس -وكان رجلًا جليدًا-؛ فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ لصوته النبيُّ الأعظم ﷺ ، فلما استيقظ؛ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير ولا يضير ارتحلوا»، فارتحلوا، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصَّلاة، فصلى الناس، فلما انفتل من صلاته؛ (رأى)؛ أي: أبصر (رجلًا) لم يعلم اسمه، وقيل: هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري (معتزلًا)؛ أي: منفردًا عن الناس (لم يصل مع القوم) صلاة الصبح الفائتة، (فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ له: (يا فلان) : هو كناية عن علم المذكر المبهم الاسم، وزعم القسطلاني أنَّه يحتمل أن يكون ﵇ خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الراوي لنسيان اسمه، أو لغير ذلك.
قلت: لو كان كما قال؛ لم يقل الراوي: فقال ﵇: «يا فلان»؛ لأنَّ فيه مخالفة لما قاله النبيُّ الأعظم ﷺ ، بل الظاهر: أنه ﵇ ناداه بـ (يا فلان)، كما هو ظاهر اللفظ؛ (ما منعك)، وفي رواية ابن عساكر: (ما يمنعك) (أن تصلي في القوم؟) أي: معهم، وهو مفعول ثان لـ (منع)، أو على إسقاط الخافض؛ أي: من أن تصلي، ففي محله المذهبان المشهوران: هل هو نصب أو جر؛ فافهم.
(فقال) أي: الرجل: (يا رسول الله؛ أصابتني جنابة) أي: صرت جنبًا، (ولا ماء)؛ بالرفع أي: ليس ماء عندي كما مر؛ لأنَّه يحتمل وجود الماء عند غيره من أصحاب القافلة، فنفي الماء على العموم باطل؛ لأنَّه غير ممكن؛ لأنَّ القافلة تحتاج إلى الماء لشرابهم، ودوابهم، وغير ذلك، غير أنَّه لم يسأل أحدًا عن الماء فقصر في ذلك، لكنَّه اجتهد في أنَّه إن طلبه من أحد؛ لا يعيطه؛ لاحتياجه له للشرب، أو غير ذلك مما قدمناه؛ فافهم.
(قال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ للذي أجنب ولم يجد الماء: (عليك بالصعيد) أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، والمراد به: وجه الأرض؛ كحجر، ومدر، وحصى، ورمل، وغيرها، وهذا قول أهل التفسير، وهو قول اللغويين، وقال الزجاج: (لا أعلم خلافًا فيه، ولهذا لو تيمم على حجر أملس؛ جاز، ويدل عليه: أنَّه ﵇ تيمم على جدار)، كما ذكره المؤلف فيما سبق، وجدران المدينة كلها حجر أسود، ولا يخفى أنَّها لا تحمل شيئًا من الغبار أصلًا، فلا خصوصية للتراب، خلافًا لمن زعمه متعلقًا بما روي عن ابن عباس: أنَّ الصعيد: هو التراب، ولا حجة له فيه، فإنَّ ما روي عن ابن عباس ليس كذلك، بل المروي عنه أنَّه قال: الصعيد: حرث الأرض، فهو يشترط الإنبات، فمن خصَّ التراب لا يشترط الإنبات، فهو تناقض لا يثبت به الحكم، على أنَّ ما روي عنه هو أثر، والآية مطلقة، فلا يجوز تخصيص المطلق بالحديث، فكيف بالأثر من باب أولى؟ وقد أشبعنا الكلام فيه فيما سبق، (فإنه يكفيك) أي: لطهارتك من الحدثين، ويكيفك أيضًا في كل الصلوات؛ فرضها وواجبها ونفلها ما لم تحدث، فالتيمم الواحد يكفي لصلوات متعددة الفروض، وكذا النوافل ما لم يحدث، ثم سار النبيُّ الأعظم ﷺ ، فاشتكى الناس إليه العطش، فنزل فدعا فلانًا -كان يسميه أبو رجاء، فنسي عوف- ودعا عليًّا قال: «اذهبا فابتغيا الماء»، فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ فقالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى رسول الله ﷺ ، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبيُّ الأعظم ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين، وأؤكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها، وايم الله؛ لقد أقلع عنها وإنَّه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة حين ابتدأ فيها، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ : «اجمعوا لها»، فجمعوا لها ما بين عجوة، ودقيقة، وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوه على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكنَّ الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب! لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنَّه لأسخى الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعها السبابة والوسطى، فرفعتهما -تعني: السماء والأرض- أو إنَّه لرسول الله ﷺ حقًّا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون القوم الذي هي منهم، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أنَّ هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام، فهذا الحديث المذكور في هذا الباب هو مختصر من الحديث الطويل الذي في باب (الصعيد)، كما ذكرناه.
فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الترجمة؛ لأنَّه ليس فيه التصريح بكون الضرب في التيمم
стр. 427
مرة واحدة على رواية الأصيلي.
قلت: إن كان لفظ (باب) موجودًا على رأس الحديث؛ فلا يحتاج إلى جواب؛ لأنَّه حينئذٍ لا اختصاص له بذلك، بل للإشارة إلى أنَّ الصعيد كان للجنب وغيره، وإن كان غير موجود؛ فجوابه: أنَّه أطلق ولم يقيد بضربة ولا ضربتين، وأقله يكون ضربة واحدة، فيدخل في الترجمة؛ فافهم، فإنَّه دقيققاله إمام الشارحين.
قلت: ووجود (باب) الذي في أكثر الروايات أظهر في المعنى من عدمه؛ لأنَّ مراد المؤلف بيان أنَّ الصعيد يطهر الجنب وغيره، فهو كالردِّ؛ لما ذكره في (باب إذا خاف الجنب...) إلى آخره، فإنَّه هنا قد فقد الماء وتيمم، فهو زائد على ما ذكره هناك حيث إنه خارج عنه، وهو حكم من أحكام التيمم؛ فافهم، والله أعلم.
((٨)) [كتاب الصلاة]
(بسم الله الرحمن الرحيم) : وهي ساقطة عند ابن عساكر، ثابتة عند غيره، لما فرغ المؤلف من بيان الطهارات التي منها شروط للصلاة؛ شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذلك أخَّرها عن الطهارات؛ لأنَّ شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، فقال: (كتاب الصلاة)؛ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة.
وارتفاع (كتاب) على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، كما قدَّرناه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ تقديره: كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن ينتصب على أنَّه مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اقرأ أو خذ كتاب الصلاة، ويجوز أن يكون مجرورًا بحرف جرٍّ مقدَّرٍ؛ تقديره: انظر في كتاب الصلاة، لكنَّه ضعيفٌ بناء على قول مَن يقول: إنَّ حروف الجرِّ لا تعمل مقدَّرةً، وتمامه في «شرحنا على شرح الأزهرية» المسمَّى بـ «تاج الأسطوانيَّة».
ثم معنى (الصلاة) في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادع لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا؛ فليصل»؛ أي: فليدع لهم بالخير والبركة.
وفي الشريعة: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال المخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فالصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ثم نقل في عرف الشرع إلى الأركان المعلومة، والعبادة المخصوصة؛ لاشتمالها على الدعاء كما أنَّ الزكاة في الأصل من التزكية بمعنى: التطهير أو بمعنى: التنمية، ثم نقلت إلى صرف مال مخصوص إلى المصرف المخصوص، فعلى هذا؛ تكون الصلاة حقيقة لغوية في الدعاء، ومجازًا لغويًّا في فعل الهيئة المخصوصة، وحقيقة اصطلاحية فيه عند أهل الشرع منقولة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه، هذا هو المشهور بين الجمهور، فـ (الصلاة) فعلة؛ بفتح العين المهملة، من صلى؛ إذا دعا، وأصلها: صلوة، قلبت الواو ألفًا؛ كالزكاة من زكا، وكتبتا بالواو؛ لأجل التفخيم، والمراد به الألف المنقلبة عن الواو إلى مخرج الواو، كما هو المشهور عند أهل العراق.
وقال في «المفتاح» : (التفخيم: أن تكسو الفتحة ضمة، فتخرج بين بين إذا كان بعدها ألف منقلبة عن الواو؛ لتميل الألف إلى أصلها؛ كما في الصلاة والزكاة، فإن ألفهما منقلبة عن الواو؛ بدليل جمعهما على صلوات وزكوات) انتهى.
وقال إمام الشَّارحين: (وقيل: هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته)، وزعم النووي أنه باطل؛ لأنَّ لام الكلمة في (الصلاة) واو؛ بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟ ورده إمام الشَّارحين، فقال: دعواه بالبطلان غير صحيحة؛ لأنَّ اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر.
فإن قلت: لو كانت واوية؛ كان ينبغي أن يقال: صلوت، ولم يقل ذلك؟
قلت: هذا لا ينفي أن تكون واوية؛ لأنَّهم يقلبون الواو ياء إذا وقعت رابعة، وقيل: أصلها في التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة؛ لما فيها من تعظيم الرب سبحانه، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب من قولهم: شاة مصلية، وهي قربت من النار، وقيل: من اللزوم.
وقال الزجاج: يقال: صلى واصطلى، إذا لزم، وقيل: الإقبال على الشيء، وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات؛ لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال، فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف.
قلت: (قد أجبنا الآن عن ذلك) انتهى كلامه
ثم قال إمام الشَّارحين: وقيل: إن (الصلاة) مشتقة من الصلوين، تثنية الصلا: وهو ما عن يمين الذنب وشماله، قاله الجوهري.
قلت: هما العظمان الناتئان عند العجيزة، وهو الفرس الثاني من خيل السباق؛ لأنَّ رأسه يلي صلوى السابق) انتهى.
قلت: فهما أصلا الفخذين إلى الكعبين، والمراد بهما: الوركان، فأصل (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعله في ركوعه وسجوده، وإنما سمي الداعي مصليًا؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، وهذا القول اختاره رأس المحققين جار الله الزمخشري في «الكشاف»، وعليه فـ (الصلاة) حقيقة لغوية في تحريك الصلويين، ثم نقلت من التحريك المذكور إلى فعل الهيئات المخصوصة؛ لتحقق تحريك الصلوين، ومجاز مرسل في فعل الأركان المخصوصة، واستعارة في الدعاء، كما يدل عليه كلامه حيث قال: وحقيقة (صلى) حرك الصلوين؛ لأنَّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ونظيره: كفر اليهودي؛ إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه؛ لأنَّه ينحني على الكاذتين؛ وهما الكافرتان، ثم قال: وقيل للداعي مصلٍّ؛ تشبيهًا له في تخشعه بالراكع والساجد، انتهى.
قلت: فإذا كان لفظ (الصلاة) بمعنى: فعل الهيئات المخصوصة منقولًا من (الصلاة) بمعنى: تحريك الصلوين، فما وجه إطلاقها على الداعي مع أنه لا يحرك شيئًا من الصلويين؟
فأجاب عنه: ببيان وجه استعمالها فيه، وهو أنه سلك فيه طريق الاستعارة؛ حيث شبه الداعي في تخشعه بالمصلي، فاستعير لفظ المصلي للرداعي بهذا الجامع، والحاصل: أنَّ الصلاة نقلت أولًا من تحريك الصلوين إلى الأركان المعلومة واشتهرت فيها، ثم استعيرت
стр. 428
منها للدعاء بجامع التخشع إلا أنَّ هذا الجواب يستلزم أن يكون استعمال الصلاة في الدعاء بعد استعمالها في فعل الهيئات المعلومة، وليس كذلك؛ لأنَّ الصلاة بمعنى: الدعاء شائعة في إشعار الجاهلية، ولم يرو عنهم إطلاقها على فعل تلك الهيئات بل ما كانوا يعرفون ذلك قط، فكيف يتجوزونها عنه؟ والذي يظهر أن ما اختاره الجمهور أوجه وأولى، أما أولًا؛ فلأن الاشتقاق مما ليس بحدث؛ كالصلاة قليل نادر، وأما ثانيًا؛ فلأن أخذ الحركة من (صلى) المشتق من (الصلا) لا دليل عليه، وأما ثالثًا؛ فلأن ذكر الجزء وإرادة الكل إنَّما يصح إذا كان الجزء مقصودًا من الكل، وهنا ليس كذلك، بخلاف ما اختاره الجمهور؛ فليحفظ.
واعلم أن ابن حجر ذكر وجه المناسبة بين أبواب (كتاب الصلاة)، وهي تزيد على عشرين نوعًا، فذكرها مجملة في هذا الموضع، ثم قال: (هذا آخر ما ظهر من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة من هذا «الجامع الصحيح»، ولم يتعرض أحد من الشراح لذلك) انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (نحن نذكر وجه المناسبة بين كل بابين من هذه الأبواب بما يفوق ذلك على ما ذكره، يظهر لك ذلك عند المقابلة، وذكرها في مواضعها أنسب، وأوقع في الذهن، وأقرب إلى القول، وبالله التوفيق) انتهى.
قلت: وكلامه في غاية من التحقيق، فإن ذكر المناسبة بين كل بابين من الأبواب لا ريب أنه أنسب وأوقع في النفس، بخلاف ما زعمه ابن حجر؛ فإن فيه تشتيت الأذهان، وطلب النفس إلى سماع وجه المناسبة في كل باب، وفيه خبط وتخليط، وما ذاك إلا من عدم الذكاء والفهم، وهذا دأب الشَّارح المجهول الذي جمع منه كتابه الذي سماه «فتح الباري»، فإنه قد نحا نحوه في ذلك، فالشرح في الحقيقة مجموع من هذا الشَّارح المجهول، فهو نقله ونسبه لنفسه، وجرى على ما ذكره، ولا ريب أن ذلك مخل في الصناعة، وممل لأهل العلم لا سيما قليل البضاعة، وقد ذكر بعض الأفاضل بيان وجه التطويل الممل، والاختصار المخل الواقع لابن حجر في «الفتح» في كتاب سماه «كشف الحجاب عن العوام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، وجمع بعض الفضلاء كتابًا آخر سماه «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل»، فمن أراد الاضطلاع على ذلك؛ فعليه بهما، فإنه لم يسبق إليهما أحد مما جمع فيهما من التحقيقات الفائقة، والتدقيقات الرائقة، وفوق كل ذي علم عليم.
(١) [باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين (كيف فرضت الصلاة)؛ بالإفراد، وفي رواية الكشميهني والمستملي: (كيف فرضت الصلوات)؛ بالجمع (في الإسراء؟)؛ أي: في بيان كيفية فرضها في ليلة الإسراء؛ بكسر الهمزة، يقال: سرى وأسرى؛ لغتان، وقال الجوهري: (سريت وأسريت بمعنى: إذا سرت ليلًا)، وفي «المحكم» : (والسري: يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث)، وفي «الجامع» : (سرى يسري سريًا؛ إذا سار ليلًا، وكل سائر ليلًا؛ فهو سائر) انتهى.
والفعل على اللغتين لازم، وعُدِّي في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]؛ بالباء الموحدة في ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ فافهم.
واختلفوا في المعراج والإسراء: هل كانا في ليلة واحدة أو في ليلتين؟ وهل كانا جميعًا في اليقظة أو في المنام، أو أحدهما في اليقظة والآخر في المنام؟
فذهب جماعة: إلى أنه ﵇ ما أسري إلا بروحه، وهو قول معاوية، وحذيفة ﵄، وحكي هذا القول عن عائشة ﵂؛ لأنَّها قالت: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما أسري بروحه، وعليه؛ فكان ذلك رؤيا.
وذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع في اليقظة، والمعراج في النوم.
وذهب جماعة: إلى أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ مرة بروحه منامًا، ومرة بروحه وجسده يقظةً.
وذهب جماعة: إلى تعدد الإسراء في اليقظة، حتى قالوا: إنه أربع إسراءات، ووفق أبو أسامة في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات؛ مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السموات على البراق أيضًا، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات.
قلت: والظاهر أنَّ القصة واحدة؛ لأنَّ تعدد الروايات في الإسراء واختلاف ما يذكر فيها لا يدل على التعدد؛ لأنَّ بعض الرواة يذكر شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر، فإن بعض الرواة قد يحدث بعض الخبر؛ لعلمه به ونسيانه البعض الآخر، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوق الحديث كله، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له؛ فليحفظ.
والذي ذهب إليه الجمهور من المحققين من أهل السلف والخلف: هو أنه تعالى أسرى بروح النبيِّ الأعظم ﷺ وجسده إما من مكة إلى بيت المقدس؛ فبنص القرآن حيث قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًامِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وأما العروج به ﵇ في تلك الليلة إلى حيث شاء الله تعالى؛ فكذلك قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى*لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى*عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤].
قال إمام الشَّارحين: (وكان في السنة الثانية عشرة من النبوة، وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري: أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وبه قال قتادة، وقيل: كان قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، وهو قول السدي، وعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وقيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في «سيرته».
ومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لها، ثم قيل: كان قبل موت أبي طالب، وذكر ابن الجوزي: أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة، وقيل: كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثالثة عشرة للنبوة، وقيل: كان في ربيع الأول، وقيل: كان في رجب) انتهى.
قلت: وقد استحال قريش الإسراء وتعجبوا منه؛ بناء على أن ارتفاع
стр. 429
الجسم من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل، وكذا استحاله أهل الفلك والحكماء؛ بناء على أنَّ السماء جرم من الأجرام مركب على قوائم بالأرض، فبالصعود إليها ينخرق منها موضع لعروجه، والجرم متى انخرق؛ سقط، وهذا مردود.
قال الإمام: ومما يدل على جواز الإسراء عقلًا أنه ثبت في الهندسة: أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مئة ونيفًا وستين مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثله لا يختص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان، وأيضًا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج النبيِّ الأعظم ﷺ في ليلة واحدة ممتنعًا؛ كان القول بنزول جبريل ﵇ من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكمنا بهذا الامتناع؛ كان ذلك طعنًا في نبوة جميع الأنبياء ﵈، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أنَّ القائلين: بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد؛ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل ﵇ في لحظة واحدة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلًا؛ كان ما ذكر أيضًا باطلًا.
فإن قالوا: نحن لا نقول: أنَّ الحجب الجسمانية عن روح النبيِّ الأعظم ﷺ حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرًا منجليًا في ذات جبريل ﵇.
قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، وأما جمهور المفسرين؛ فهم يقرون بأن جبريل ﵇ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك؛ كان الإلزام المذكور قويًّا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون، والله تعالى أعلم.
وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: ما وجه ذكره هذا الباب بعد قوله: «كتاب الصلاة»، وما وجه تتويج الأبواب الآتية بهذا الباب؟
قلت: لأنَّ هذا الكتاب مشتمل على أمور الصلاة وأحوالها، ومن جملتها معرفة كيفية فرضيتها؛ لأنَّها هي الأصل، والباقي عارض، فما بالذات مقدم على ما بالصفات) انتهى.
(وقال ابن عباس) هو عبد الله، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، وهذا تعليق من البخاري، وقطعة من حديث طويل مسند ذكره في أول الكتاب: (حدثني)؛ بالإفراد (أبو سفيان) : هو صخر بن حرب؛ بصاد مهملة، وخاء معجمة، آخره راء، وفي الثاني: بحاء مهملة، وراء، وموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، وهو والد سيدنا معاوية الكبير وإخوته (١)، أسلم ليلة الفتح، ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم (في حديث هِرَقل)؛ بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة: إسكان الراء، وكسر القاف؛ كخندف؛ منهم الجوهري؛ وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب علم غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبيُّ الأعظم ﷺ ، ولقبه قيصر، وهو ملك الروم، كما أن من ملك الفرس؛ يقال له: كسرى، ومن ملك الترك؛ يقال له: خاقان.
قال المؤلف في أول الكتاب: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس أخبره: (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش...) إلى أن قال: (وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان...)؛ الحديث، وفيه قوله: (فقال)؛ أي: أبو سفيان لهرقل (يأمرنا) : وفي رواية المؤلف: (ويأمرنا)؛ بالواو (يعني) أي: يقصد ويريد (النبيَّ) الأعظم ﷺ : فلفظة (النبي) منصوبة؛ لأنَّه مفعول لقوله: (يعني)، ومرفوعة فاعل لقوله: (يأمرنا) (بالصلاة)؛ أي: بإقامة العبادة المخصوصة، والأفعال المعلومة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، فيفعلونها سالمة عن الاعوجاج، والميل عن الحالة التي شرعت عليها، ويواظبون عليها ويؤدونها على أحسن الحالات، (والصدق)؛ أي: القول المطابق للواقع، وفي رواية للمؤلف: (ويأمرنا بالصلاة والصدقة)؛ يعني: الزكاة والنافلة، وفي رواية مسلم: (ويأمرنا بالصلاة والزكاة) (والعفاف)؛ أي: الانكفاف عن المحرمات وخوارم المروءات، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، ووجه مناسبته هنا في مطابقته للترجمة هو ما قاله إمام الشَّارحين: إن معرفة كيفية الشيء بالشيء تستدعي معرفة ذاته قبلها (٢)، فأشار بهذا أولًا إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتهما بذكر حديث الإسراء، فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئةً وتمهيدًا لبيان كيفيتها، فدخل فيها، فبهذا الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا أحد من الشراح) انتهى.
وزعم ابن حجر أن وجه المناسبة في هذا للترجمة أن فيه الإشارة إلى أنَّ الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأنَّ أبا سفيان لم يلق النبيَّ ﷺ بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون أمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، فظهرت المناسبة، ورده إمام الشَّارحين، فقال: قلت: الترجمة في كيفية الفرضية؛ يعني: كيف فرضت؟ لا في بيان وقت الفرض، فكيف تظهر المناسبة حتى يقول هذا القائل: فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه ابن عباس مطولًا ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي؟ ولكن يمكن أن يوجه لذكر هذا ههنا وجه؛ وهو أن معرفة... إلى آخر ما ذكرناه عن إمام الشَّارحين، انتهى.
قلت: وقول ابن حجر: (لأن أبا سفيان لم يلق النبيَّ ﷺ : ممنوع؛ لأنَّه لا دليل عليه.
وقوله: (لقاء يتهيأ...) إلخ: كلام متناقض
стр. 430
لا دليل عليه؛ فافهم.
قلت: ويستنبط من هذا الحديث أمور؛ الأول: افتراض الصلاة، الثاني: وجوب الصدق فيما يقوله المطابق للواقع، الثالث: فيه وجوب العفاف، الرابع: فيه وجوب الزكاة، الخامس: فيه... (١)
[حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري]
٣٤٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بكير)؛ بضم الموحدة: هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة: هو ابن سعد الفهمي الحنفي، (عن يونس) : هو ابن يزيد، وفي رواية: (حدثني يونس) (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن أنس بن مالك) : الصحابي الجليل ﵁، (قال: كان أبو ذر)؛ بالذال المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء: هو جندب -بضم الجيم، والدال المهملة- ابن جنادة -بضم الجيم- الغفاري، وكان يقول: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال رضي الله تعالى عنه (يحدث)؛ بضم التحتية أوله (أن رسول الله ﷺ قال: فُرِج)؛ بضم الفاء، وكسر الراء، وبالجيم؛ أي: فتح (عن سقف بيتي)؛ يعني: فتح فيه فتح، وروي: (فشق).
فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: (بيتي) بإضافته لنفسه؟
قلت: إضافته إليه لأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وأم هانئ: هي بنت أبي طالب، وأخت علي، تزوجها هبيرة بن أبي المغيرة المخزومي، فإنه ﵇ كان تلك الليلة نائمًا في دارها ﵂.
وفي «عمدة القاري» : (فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: أما على كون العروج مرتين؛ فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة؛ فلعله ﵊ بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ، ومنه عرج به إلى السماء، والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب كونُ ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به) انتهى.
(وأنا بمكة) : جملة اسمية محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا، (فنزل جبريل ﵇؛ أي: من الموضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة، (ففرج عن) : وفي رواية بإسقاط لفظة: (عن) (صدري)؛ بفتح الفاء، والراء، والجيم، وهو فعل ماض؛ أي: شقه، وفي رواية: (شرح صدري)، ومنه: ﴿شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ﴾ [الزمر: ٢٢]، فالشرح: التوسعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، وقد شرح الله صدره عليه [الصَّلاة] والسَّلام بحيث وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق بعد ما ضاق عنهما جميعًا، فإن مقام حضور الحق سبحانه ومناجاته مقام شهود الحق أو لغيبته عن الخلق، ومن كان غائبًا عن الخلق؛ كيف يتأتى له دعوة الخلق ومعاناتهم؟! فإن دعوتهم تستلزم الحضور معهم، والحضور مع المخلوق ينافي الحضور مع الخالق ظاهرًا فيضيق الصدر عن الجمع بينهما، فكان حاضرًا مع الحق، مستغرقًا في مقام مناجاته دائمًا، وهو غائب عنه، مشتغل بدعوة الخلق ظاهرًا، فكان غائبًا حاضرًا.
فإن قلت: ذكر ابن إسحاق أنه ﵇ شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة، ورجحه القاضي عياض؟
قلت: أجيب: بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق؛ الأول: نزع العلقة التي قيل له ﵇ عند نزعها: هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني: ليكون مستعدًّا للتلقي؛ لما حصل له في تلك الليلة، قاله السهيلي، وقد روى الطيالسي والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة ﵂: أنَّ الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل ﵇ إليه بالوحي في غار حراء، وفي «الدلائل» لأبي نعيم: (أن صدره ﵇ شق وعمره عشر سنين)، ومثله في «الأحاديث الجياد» لمحمد بن عبد الواحد، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
(ثم غسله بماء زمزم) : والغسل طهور، والطهور شطر الإيمان، و (زمزم) غير منصرف؛ اسم للبئر الذي في المسجد الحرام، إنَّما خصه؛ لفضله على غيره؛ أو لأنَّه يقوي القلب، (ثم جاء بطَسْت)؛ بفتح الطاء، وسكون السين المهملة، آخره مثناة فوقية، قال ابن سيده: (الطس، والطست، والطسة معروف)، وجمع الطس: أطساس، وطسوس، وطسيس، وجمع الطسة والطسة: طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه، والطساس: بائع الطسوس، والطساسة: حرفته، وعن أبي عبيد: (الطست فارسي).
قلت: هو في الفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء: (طيِّئ تقول: طست، وغيرهم يقول: طس)، وهذا يرد ما حكاه ابن دحية، قال الفراء: (يقال: الطسة أكثر في كلام العرب من الطس، ولم يسمع من العرب: الطست)، وقال ابن الأنباري: (يقال: الطست؛ بفتح الطاء وكسرها، قاله أبو زيد)، وقال ابن قرقول: (طَس؛ بالفتح والكسر، والفتح أفصح، وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنَّه آلة الغسل عرفًا)، كذا في «عمدة القاري».
(من ذهب) : وكلمة (من) بيانية؛ وهو اسم للحجر الرزين المعلوم، وليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأنَّ ذلك كان أول الأمر قبل استعمال الأواني من النقدين؛ لأنَّه كان على أصل الإباحة، والتحريم إنَّما كان بالمدينة، وإنما كان الطست من ذهب؛ لأنَّه أعلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان وله خواص؛ منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض، ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، وقال في المثل: (أنقى من الذهب)، وهو بيت الفرح والسرور، قال الشاعر:
صفرًا لا تتنزل الأحزان ساحتها... لو مسها حجر مسته ضراء
وهو أثقل الأشياء، فيجعل في الزيبق الذي هو أثقل الأشياء، فيرسب وهو موافق لثقل الوحي وهو عزيز، وبه يتم الملك، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وإنما كان الذهب أعز الأشياء؛ لأنَّه حين كان في الجنة آدم ووقع منه ما وقع من أكل الشجرة فجميع الأشياء فرحت حتى تنزل إلى الدنيا إلا الذهب، فإنه حزن على مفارقة الجنة، وكذلك الفضة، فإنها أيضًا حزنت على ذلك، فأبدلهما سبحانه بأن جعلهما أعز الأشياء، والله أعلم.
(ممتلئ)؛ بالجر صفة لـ (طست)، وتذكيره باعتبار الإناء؛ لأنَّ الـ (طست) مؤنثة (حكمةً وإيمانًا) : منصوبان على التمييز، وجعل الحكمة والإيمان في الإناء، وإفراغهما فيه مع أنَّهما معنيان، وهذه صفة الأجسام من أحسن المجازات، أو أنه من باب التمثيل، أو تمثيلله النبي الأعظم ﷺ المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها، ومعنى المجاز فيه: كأنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمَّى ذلك الشيء حكمة وإيمانًا؛ لكونه سببًا لهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (والحكمة: اسم من حكُم؛ بضم
стр. 431
عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: المتقن للأمور، وأما حكَم؛ بفتح عين الفعل؛ فمعناه: قضى، ومصدره حُكم؛ بالضم، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم).
وقال ابن دريد: (كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى تكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة)، وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقال ابن سيده: (القرآن كفى به حكمة؛ لأنَّ الأمة صارت علماء بعد جهل)، وزعم النووي أنَّ الحكمة فيها أقوال مضطربة، وصفي لنا منها: أنَّ الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله) انتهى.
قلت: وهذا قول في معنى الحكمة ملفق من أقوال متباينة، فقوله: (وصفي لنا فيها...) إلخ: غير صحيح، بل هذا مجموع الأقوال في معناها، والأخصر أن يقال: الحكمة: هي امتثال أوامر الله تعالى ونبيه ﵇، واجتناب نواهي الله تعالى ونبيه ﵇، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ولا ريب أن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي؛ فقد جمع له بين خيري الدنيا والآخرة، فلهذا وصفه سبحانه من أوتيها بالخير الكثير؛ فليحفظ.
وقال في «التوضيح» : (وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن شرح صدره ﵇ كان ليلة المعراج، وفعل به ذلك؛ لزيادة طمأنينة لما يرى من عظم الملكوت، أو لأنَّه ﵇ يصلي بالملائكة ﵈ انتهى.
(فأفرغه) : من الإفراغ؛ أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست (في صدري)؛ فيمتلئ حكمةً وإيمانًا، ولهذا غسله بماء زمزم، والمراد بالصدر: القلب.
فإن قلت: تقدم أنه ذكر في هذا الحديث أنه غسل صدره بماء زمزم وقلبه.
قلت: إنَّما غسله بالثلج أولًا؛ ليثلج اليقين في قلبه، وإنما كان ذلك؛ لأجل دخوله الحضرة القدسية، وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء ﵈ في الانشراح، والثانية؛ لتصير حالته مثل حال الملائكة، انتهى ذكره إمام الشَّارحين.
قلت: ويدل عليه: ما ذكره القرطبي في «تفسيره» : روى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله؛ انشرح صدرك؟ قال: «نعم؛ وتفتح»، قالوا: يا رسول الله؛ وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإبانة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت»، وفي «الصحيح» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان؛ إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة... ، فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا»، قال قتادة: يعني: قال إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرج قلبي، فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه؛ ثم حشي إيمانًا وحكمةً»، وروي عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر منقاره، فغسله»، وفي حديث آخر: «جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة...»؛ الحديث، انتهى.
قلت: وهذا يدل على تعدد القصة، وأنه في هذه القصة لم يكن جبريل الجائي، بل غيره، وفيها أيضًا أنه شق قلبه، وهو يدل على أنَّ المراد بالصدر: القلب؛ لأنَّ غسل القلب وتنقيته مما ينافي النبوة يسلتزم شرح الصدر، وفيه أنَّ الذي جاءه ثلاثة من الملائكة، وصرح في هذه الرواية أن شرح صدره كان من أعلى الصدر إلى أسفل البطن حتى يدخل القلب في الغسل، ولا ريب أنَّ هذا دالٌّ على تعدد القصة، والله تعالى أعلم.
(ثم أطبقه)؛ أي: ثم أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء؛ إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي «التوضيح» : (لما فعل به ذلك؛ ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها؛ فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه إليه سبيلًا من أجل ذلك؛ لأنَّ الشيء المختوم محروس، وقد جاء أنه استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك).
وذكر القاضي عياض: (أن موضع الخاتم إنَّما هو شق الملكين بين كتفيه)، ذكره القرطبي وقال: (هذه غفلة؛ لأنَّ الشق إنَّما كان في صغره حين لم يبلغ في السن حتى نفذ إلى ظهره)، وروى أبو داود الطيالسي، والبزار، وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر ﵁ ولم يسمع منه في حديث الملكين: «قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن»، وهذا دال مع حديث البخاري كما نبه عليه القرطبي، وأنه في الصدر دون الظهر، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به، وأنه لا نبي بعده، وكان تحت بعض كتفه؛ لأنَّ ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان، ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وذكر الإمام حافظ النسفي نقلًا عن الكلبي: (أن جبريل ﵇ أتاه ﵇، فشق صدره، وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطست من ذهب قد ملئ علمًا وإيمانًا، فوضعه فيه، ثم قال: كان هذا حين جاءه بالبراق ليلة المعراج، أو حين كان عند حليمة في السنة التي أعادته فيها إلى عبد المطلب) انتهى.
قلت: وهذا تأييد لقول من قال بتعدد القصة كما سبق، لكن القاضي عبد الجبار قد طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أنه قد روى أن هذه الواقعة وقعت في حال صغره ﵇، وهي من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، وثانيهما: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ولا شك أنَّ الأخلاق والمعاصي ليسا من قبيل الأجسام، فلا يؤثر فيهما الغسل، وثالثهما: أنَّ القلب لا يصح أن يملأ علمًا وإيمانًا، بل الله تعالى يخلقهما في القلب.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزة عن البعثة يجوز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله كثير في حقه ﵇.
وعن الثاني في قوله: (أن الغسل له تأثير في إزالة
стр. 432
الأجسام) : بأن ما في القلب من الدم الأسود لا يبعد أن يكون حصوله فيه علامة مؤذية للقلب إلى ميله إلى المعاصي، وإبعاده عن الطاعات، وتكون إزالته عنه سببًا لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن الشهوات المنبعثة عن توجه القوة الطبيعية إليها، فتكون إزالته عنه مسلتزمة؛ لامتلائه بالعلم والإيمان، فصح أن يعبر عن تطهير قلبه ﵇ من ذلك الدم بامتلائه بالعلم والإيمان، فالمراد بما روي ظاهره هذا، بل هو رمز إلى توسيع الصدر وتفسيحه.
قلت: ويجاب عن الثالث: بأن إملاءه العلم والإيمان يصح أن يكون بواسطة جبريل ﵇، ويدل عليه: أن جبريل كان ينزل على النبيِّ الأعظم ﷺ بالوحي من الله ، فلو لم يصح هذا يلزم التعطيل في النبوة، وهو محال، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]؛ يعني: وجدك ضالًّا عن الحكم والإحكام، فعلمك بالوحي والإلهام، والمراد: وجدك غافلًا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية، فهداك إليها؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، ولا ريب أن معرفة هذا يحتاج إلى واسطة جبريل ﵇، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثم أخذ بيدي)؛ أي: جبريل، ويحتمل أنه أخذه من اليدين جميعًا، ويحتمل أنه أخذه من اليد الواحدة، فإن لفظ (بيدي) يحتمل المعنيين، لكن الظاهر الثاني؛ لأنَّه المتعارف في اللغة؛ فافهم، (فعرج بي) وفي رواية: (فعرج به)؛ بضمير الغائب، وهو من باب التجريد، فكأنه ﵇ جرد من نفسه شخصًا، وأشار إليه، وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الراوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظه بعينه، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: ونقل الراوي بالمعنى صحيح جائز لمن كان متقنًا لاسيما الراوي المذكور، وزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا، ورده إمام الشَّارحين: بأنه غير صحيح، وإنما هذا من التجريد، كما ذكرناه، والعروج: الصعود، يقال: عرَج يعرُج عروجًا، من باب (نصر ينصر)، وقال ابن سيده: (عرج في الشيء، وعليه يعرُج، ويعرِج عروجًا: رقى، وعرج الشيء وهو عريج: ارتفع وعلا، والمعراج؛ بالكسر: شبه مفعال، من العروج؛ كأنه آلة له، فالمعراج: شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل: هو حيث تصعد عليه أعمال بني آدم) انتهى.
(إلى السماء) : وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا يدل على رسالة نبينا النبيِّ الأعظم ﷺ ، وكذا نزول جبريل ﵇ وعلى خصوصية بأمور لم يعطها أحد غيره ﵇، فجبريل هو الذي ينزل عليه ﵇ من عند الله، وبأمره ، فإنه كان واسطة الوحي، ويفهم من قوله: (ثم أخذ بيدي) : أنَّ المعراج وقع غير مرة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر ههنا، كذا قاله بعضهم، وزعم ابن حجر أنه يمكن أن يقال: هو من باب اختصار الراوي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا غير مقنع؛ لأنَّ الراوي لا يختصر ما سمعه عمدًا) انتهى.
ثم قال إمام الشَّارحين: (والذي يفهم من ترتيب البخاري ههنا أنَّ الإسراء والمعراج واحد؛ لأنَّه قال أولًا: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء»، وظاهر إيراده في «أحاديث الأنبياء» ﵈ يقتضي أنَّ الإسراء غير المعراج، فإنه ترجم للإسراء ترجمة، وأخرج فيها حديثًا، ثم ترجم للمعراج ترجمة، وأخرج فيها حديثًا) انتهى.
(فلما جئت) أي: وصلت (إلى السماء الدنيا) وهي السماء الأولى، و (الدُّنيا)؛ بضم الدال المهملة، من الدنوِّ، أوهو القرب، وسميت بذلك؛ لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام»، وذكر في كتاب «العظمة» لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، عن عبد الله قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك، والماء على الكرسي، والعرش على الماء».
وقال ابن أبي شيبة أبو جعفر محمد بن عثمان في كتابه «العرش» بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله ﷺ : «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما خمس مئة عام، وكثف كل سماء خمس مئة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض»، وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله، كذا في «عمدة القاري».
(قال جبريل لخازن السماء)؛ أي: حافظها الموكل بها.
فإن قلت: كيف يتصور الصعود إلى السموات وما فوقها بالجسم الإنساني؟
قلت: أجيب: بأن الأرواح أربعة أقسام:
الأول: الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا.
والثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلم، وهذه أرواح العلماء.
والثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا؛ قوَّى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.
والرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية، وهي الأنبياء ﵈ الصديقون، فكلما ازدادت (١) قوة أرواحهم؛ ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء ﵈ قويت فيهم هذه الأرواح؛ عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوة نبينا النبيُّ الأعظم ﷺ ؛ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(افتح)؛ أي: افتح الباب، وفي رواية شريك عند المؤلف: (فضرب بابًا من أبوابها)، وهذا يدل على أنَّ الباب كان مغلقًا، والحكمة أنَّ السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا على أن عروجه ﵇ كان بجسده؛ إذ لو لم يكن بجسده؛ لما استفتح، قاله إمام الشَّارحين، ففي الحديث أن للسماء أبوابًا حقيقية، وحفظة موكلين بها، (قال)؛ أي: الخازن (من هذا)؛ بفتح الميم؛ أي: من هذا الذي يقرع الباب؟ (قال: جبريل) ولغير أبي ذر: (قال: هذا جبريل)، ففيه إثبات الاستئذان، وأن يقول: فلان، ولا يقول: أنا، كما نهي عنه في حديث جابر، ولأنه لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، فإذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟؛ يقول:
стр. 433
زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال) أي: الخازن: (هل معك أحد)؛ أي: من الأنبياء ﵈، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء ﵈ مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه ﵇ كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء ﵈، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا ﵇؛ فتأمل.
(قال) جبريل للخازن: (نعم) معي (محمد)؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، (قال) أي: الخازن: (أأرسل إليه؟)؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني: (أوَأرسل؟)؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين (١) عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.
فإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟)، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.
قلت: معنى (أرسل) و (بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.
قلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته) : لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله ، فأمره لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء ﵈ يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين ﵈ لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء ﵈ معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم ﵈، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.
(قال) أي: جبريل: (نعم) أرسل إليه، ففتح لهما، (فلما فتح) أي: الخازن الباب؛ (علونا السماء الدنيا) : ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و (الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.
قلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا)، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا)؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.
وفي «عمدة القاري» : (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.
قلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.
(فإذا رجل قاعد) وفي رواية: (إذا)؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، (على يمينه أَسودة)؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري».
(وعلى يساره أسودة) كذلك، (إذا نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يمينه) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (ضحك) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، (وإذا) للمفاجأة أيضًا كما سبق (نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (شماله) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (بكى) حزنًا وتأسفًا، (قال)؛ أي: هذا الرجل (مَرحبًا)؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم (بالنبي الصالح، والابن الصالح) ومعنى (الصالح) : هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له: (بالنبي الصالح)؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،
стр. 434
والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(قلت) أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ قلت (لجبريل: مَن) بفتح الميم (هذا)؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ (قال) أي: جبريل: (هذا آدم)؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل: (سمي آدم؛ لبياضه)، وذكر محمد بن علي: (إن الآدم من الظباء الطويل القوائم)، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده»، وعاش ﵇ ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد»، وفي حديث كعب الأحبار: (ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته)، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل ﵇، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح ﵇ في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح ﵇ إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري».
(وهذه الأسودة)؛ أي: التي (عن يمينه وشماله نَسَم)؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس (بنيه) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه: (شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.
(فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، (فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!
وأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم ﷺ .
فإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.
قلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.
(حتى عَرَجَ)؛ بفتحات؛ أي: صعد (بي)؛ أي: جبريل، ولابن عساكر: (به)، وهو من باب التجريد، كما سبق (إلى السماء الثانية، فقال) أي: جبريل (لخازنها)؛ أي: الملك الموكل بحفظها: (مثل ما قال الأول)؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد ﷺ ، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، (ففتح)؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، (قال) وفي رواية: (فقال) (أنس) : هو ابن مالك ﵁، (فذكر)؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري (أنه)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وجد في السماوات)؛ أي: السبع (آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم).
فإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم ﷺ الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟
أجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال: (وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم ﵇، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.
واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم ﵇ حقيقة، وقد مر على موسى ﵇ وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.
قلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله ﵇ في هذا الحديث: (وجد... إلى آخره)، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (١)، فالمراد بقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء ﵈ أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.
(ولم يثبت) : من الإثبات (كيف منازلهم)؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا (غير أنه)؛ أي: أبا ذر (ذكر أنه)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة: (أنه وجد آدم في السماء الدنيا)، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر: (أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة)، وكذا جاء في «صحيح مسلم».
وأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.
стр. 435
وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (أنه في السماء الدنيا)، وروي عن علي: (أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة)، وروي عن الضحاك ومجاهد: (أنه في السماء السابعة).
فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟
قلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم ﷺ حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.
وفي «تفسير» الحافظ النسفي: البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة (١) الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.
قلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري».
(قال أنس) : هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وهي قوله: (فلما مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور (جبريل بالنبي) الأعظم ﷺ ؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا ﵇ (بإدريس) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر)، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال)؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم ﷺ : (مرحبًا)؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا (بالنبي الصالح)؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده (والأخ الصالح) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه ﵇، كذا قاله القسطلاني.
قلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله ﵇؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله ، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.
(فقلت)؛ أي: قال النبيَّ الأعظم ﷺ فقلت: (مَن)؛ بفتح الميم (هذا؟)؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، (قال) : وللأصيلي: (فقال)؛ أي: جبريل (هذا إدريس) ﵇، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت (٢) عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم ﵇، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح ﵇، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه: (مرحبًا بالأخ الصالح)، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم: (والابن الصالح)، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح)، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا ﵇ في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي: (وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان).
قلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه ﵇ فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة)، كذا في «عمدة القاري».
(ثم مررت بموسى) : هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : «ثم مررت بموسى»، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا: (فلما مر جبريل)، فما وجه قوله بعد: (ثم مررت بموسى)؟
فالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فقال)؛ أي: موسى له (مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : «قلت»، وفي رواية: (فقلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا موسى) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب ﵇، (ثم مررت بعيسى)؛ أي: صاحب الإنجيل، (فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) قال ﵇ (فقلت) : وفي رواية: (قلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى) : هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود ﵇، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] : هو عيسى ﵇، وهو قول الجمهور، وكان يحيى ﵇ أول من صدق بعيسى وآمن به.
وقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني (٣) وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾).
قال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر)، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى ﵇ قبل أن يرفع (٤) عيسى ﵇، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان
стр. 436
بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا ﵇: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.
(ثم مررت)؛ أي: في السماء (بإبراهيم)؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم ﵇، وذكر الطبري: (أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك).
قلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل ﷺ ، قاله إمام الشَّارحين.
(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه ﵇ من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب ﵇ من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى ﵇، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، (قلت: من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم)؛ أي: خليل الرحمن ﵇، وإنما عين النبيُّ الأعظم ﷺ من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.
وأجيب: أما آدم ﵇؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه ﵇ نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس ﵇؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ كتب إلى الآفاق، وأما موسى ﵇؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ ، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا ﵇ كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى ﵇؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ ، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك ﷺ رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف ﵇؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ...﴾؛ الآية [يوسف: ٩٢]؛ فكذلك نبينا الأعظم ﷺ عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون ﵇؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى ﵇، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.
فإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.
قلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات: (أن إبراهيم في السماء السابعة)، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى ﵉؛ فليحفظ.
(قال ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري: (فأخبرني)؛ بالإفراد (ابن حَزْم)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم ﷺ ، وأمر ﵇ أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني: (إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة) : فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.
(أن) بفتح الهمزة (ابن عباس) : هو عبد الله ﵄ (وأبا حَبَّة)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي: (بالمثناة التحتية)، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي: (بالنون) (الأنصاري) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة: (إنه عامر)، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي: (إنه مالك).
فإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.
قلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة)، ولم يقل: سمعت، وأخبرني،
стр. 437
ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم»، كذا قاله إمام الشَّارحين؟
قلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة» : وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.
قال ابن حزم: (كانا)؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة (يقولان: قال النبيُّ) الأعظم ﷺ : ثم عَرَجَ)؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد (بي)؛ أي: جبريل (حتى ظهرت)؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر (لمستوَى)؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة: (أستوي: أصعد)، واللام فيه للتعليل؛ أي: علوت لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ أي: ظهرت ظهور المستوي.
قلت: فإذا كانت (اللام) بمعنى: إلى؛ يكون المعنى: إني أقمت مقامًا بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اضطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر الله وتدبيره في خلقه، وهذا هو المنتهى الذي لا يقدر أحد عليه، ويقال: لام القرض، وإلى الغاية يلتقيان في المعنى.
قلت: قال المحقق الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] : فإن قلت: يجري لأجل مسمًّى ويجري إلى أجل مسمَّى: أهو من تعاقب الحرفية؟
قلت: كلا، ولن يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن، ولكن المعنيين-أعني: الانتهاء والاختصاص- كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنَّ قولك: يجري إلى أجل مسمًّى؛ معناه: يبلغه وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمًّى؛ يريد يجري لإدراك أجل مسمًّى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(أسمع فيه صَريف الأقلام)؛ بفتح الصاد المهملة، وهو تصويتها حال الكتابة، والمراد به: صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره في خلقه سبحانه، لا يعلم الغيب إلا هو الغني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات بالصحف، وأحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، قاله إمام الشَّارحين.
فإن قلت: ما الحكمة في الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه إنَّما كان للمفاجأة، ولهذا كان عن غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكلم مع موسى عن مواعدة وموافاة، فأين ذاك من هذا، وشتان ما بين المقامين، وبين من كلم على الطور، وبين من دعي إلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية؟!
فإن قلت: فما الحكمة في كون الإسراء كان ليلًا بالنص؟
قلت: أجيب بأوجه:
الأول: أنه وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، وهو وقت مناجاة الأحبة.
الثاني: أنَّ الله تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات، فقال تعالى في حق إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وفي قصة لوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وفي قصة يعقوب ﵇: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وكان آخر دعائه وقت السحر من ليلة الجمعة، وقرب موسى ﵇ نجيًّا ليلًا، وذلك قوله: ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] (١)، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣]، وأكرم نبينا الأعظم ﷺ أيضًا ليلًا بأمور؛ منها: انشقاق القمر، وإيمان الجن به، ورأى الصحابة آثار نيرانهم كما ثبت في «صحيح مسلم»، وخرج إلى الغار ليلًا.
الثالث: أنَّ الله تعالى قدم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا.
الرابع: أنَّ الليل أصل، ولهذا كان أول الشهور وسواده يجمع ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويسلتذ فيه بالسمر، ويجتلى فيه وجه القمر.
الخامس: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة.
السادس: أنَّ الليل محل إجابة الدعاء والغفران والعطاء.
فإن قلت: ورد في الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة، ويوم الجمعة».
قلت: قالوا ذاك بالنسبة إلى الأيام.
قلت: ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجلي؛ فتأمل هذا الفضل الخفي.
السابع: أن أكثر أسفاره ﵇ كان ليلًا، وقال: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل».
الثامن: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى ﵇ لما رفع نهارًا من البنوة تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
التاسع: لأنَّ الليل وقت الاجتهاد للعبادة، وكان ﵇ يقوم حتى تورمت قدماه، وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر؛ أكد بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩].
العاشر: ليكون أجر المصدق به أكثر؛ ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، كذا قرره إمام الشَّارحين أيضًا ﵁.
قلت: وفي هذا دليل على أنَّ الليل أفضل من النهار؛ فليحفظ.
(قال ابن حزم) : المذكور عن شيخيه (و) قال (أنس بن مالك)؛ أي: عن أبي ذر الغفاري، كذا جزم به صاحب «الأطراف»، والظاهر: أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، وليس بين أنس وبين رسول الله ﷺ ذكر أبي ذر، ولا بين ابن حزم ورسول الله ﷺ ذكر ابن عباس وأبي حبة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدم آنفًا، مع أنَّ الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: (قال رسول الله ﷺ ؛ يكون بدون الواسطة، فلعل أنسًا ﵁ سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله ﷺ ، والباقي سمعه من أبي ذر، كذا قرره في «عمدة القاري».
(قال النبيُّ) الأعظم ﷺ :
стр. 438
ففرض الله) زاد الأصيلي: (على أمتي خمسين صلاة) وعند مسلم من رواية أنس: (ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة)، ونحوه من رواية مالك بن صعصعة عند المؤلف، فيحتمل أن يقال: في كل من رواية الباب، والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه، كذا في «عمدة القاري»، (فرجعت بذلك)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : فرجعت من المكان الذي عرجت منه مصاحبًا للصلوات المفروضات عليَّ وعلى أمتي (حتى مررت على موسى) : هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر ﵇، (فقال: ما فرض الله لك على أمتك)؛ يعني: ما فرض الله على أمتك بمصاحبتك من الصلوات؟ أو ما فرض الله لأجلك على أمتك من الصلوات؟ (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : قلت لموسى: (فرض)؛ أي: الله علي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، (قال موسى: فارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك أولًا، (فإن أمتك لا تطيق) وقوله: (ذلك)؛ أي: إقامة خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثابت في رواية، ساقط في أخرى.
فإن قلت: ما وجه اعتناء موسى ﵇ بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء ﵈ الذين رآهم النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه قد ورد عن موسى أنه قال: يارب؛ اجعلني من أمة محمد ﷺ ؛ لما رأى من كرامتهم على ربهم، فكان اعتناؤه بأمرهم وإشفاقه عليهم كما يعتني بالقوم من هو منهم، وقال الداودي: (إنما كان ذلك من موسى ﵇؛ لأنَّه أول من سبق إليه حين فرضت الصلاة فجعل الله في قلب موسى من ذلك؛ ليتم ما سبق من علمه ، كذا في «عمدة القاري».
قلت: ويحتمل أنه ﵇ لما عالج بني إسرائيل، وحصل له منهم ما وقع، وعلم أنَّ الفرائض خمسون كثيرة لا يستطاع أداؤها في كل يوم وليلة، وعلم أن أمة نبينا ﵇ أضعف الأمم من حيث إنه ﵇ قال: «بعثت بالدين الحنيفية السمحة»، وأنَّهم خير أمة من حيث كثرة الثواب، فخاف ألَّا تقبل الأمة الخبر المرقوم، ولا يستطيعون لفعله، وأنه ﵇ قام مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، فخاف أن يكون مقامه عبثًا، فأخبره بعدم الإطاقة حتى يكون مقامه معمولًا بمقتضاه مستوجبًا للفوز في الآخرة، فلهذا قال نبينا ﵇: (فراجعت)؛ أي: ربي في تخفيفها، وفي رواية: (فراجعني)، والمعنى واحد، والرواية الأولى للأربعة، وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني، والثانية لغيره، (فوضع)؛ أي: حط ربي عني، وعن أمتي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة: (فوضع عني عشرًا)، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت: (فحط عني خمسًا)، والشَّطْر؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون الطاء المهملة، قال الكرماني: (هو النصف).
قلت: وهو بعيد لم يرد في كلام العرب، وإنما الذي ورد في كلام العرب: أنَّ الشطر: هو البعض، وقد جاء بمعنى: الجهة أيضًا، ورواية مالك وثابت المذكورتان تدلان على أنَّ المراد بالشطر: هو البعض؛ فليحفظ.
وزاد ثابت في روايته: أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، ولا يخفى أن هذه زيادة من ثقة وهي مقبولة معتمدة، فينبغي حمل ما في الروايات عليها، كما سيأتي.
(فرجعت إلى موسى) ﵇؛ أي: المكان الذي فيه موسى (فقلت) : وفي رواية: (قلت)؛ يعني: لموسى (وضع) أي: حط عني، وعن أمتي ربي (شطرها) أيضًا، (فقال) : وفي رواية: (قال)؛ أي: موسى (راجع ربك)، وفي رواية: (ارجع إلى ربك)؛ يعني: فاسأله التخفيف، (فإن أمتك لا تطيق)؛ أي: لا تستطيع العمل بذلك، (فراجعت) ولابن عساكر: (فرجعت)؛ أي: إلى ربي، (فوضع) أي: حط عني، وعن أمتي (شطرها) أيضًا، قال الكرماني: (الشطر: هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا (١) وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر؛ يعني: بتكميل المنكسر؛ إذ لا معنى لوضع بعض صلاة، وفي الثالثة سبعًا (٢)).
ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام لا يتجه، وهو يخالف ظاهر عبارة حديث الباب؛ لأنَّ المراجعة المذكورة فيه ثلاث مرات، ولم يجعل الوضع إلا في المرتين الأوليين، وفي المرة الثالثة قال: «هن خمس وهن خمسون»، فلم يحصل الوضع ههنا، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات؛ في الأولى الشطر، وفي الثانية ثلاثة عشر، وفي الثالثة سبعة، وفي الرابعة قال: «هن خمس»، وليس الأمر كذلك).
وزعم ابن المنير أن ذكر الشطر أعم من كونه وضع دفعة واحدة، وزعم ابن حجر قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا يكون سبع دفعات، ففي المراجعة الأولى دفعتان، وهما عشرون كل دفعة عشرة، وفي الثانية يكون خمس دفعات كل دفعة خمس، فيصير خمسة وعشرين، ولكن هل كل دفعة في مراجعة، فيصير سبع مراجعات؟ أو دفعتان في المراجعة الأولى، وخمس دفعات في الثانية؟ ولكل منهما وجه بالاحتمال، ولكن ظواهر الروايات لا تساعد شيئًا من ذلك إلا بالتأويل، وهو أن يكون المراد من الشطر: البعض، وقد جاء ذلك في كلام العرب، وجاء أيضًا بمعنى: الجهة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي: جهته، وإذا كان كذلك؛ يكون المراد من الشطر في المراجعة الأولى: العشر مرتين، وفي الثانية: الخمس خمس مرات، فتكون الجملة خمسة وأربعين.
فإن قلت: إذا كان الفرض أولًا هو الخمسون؛ كيف جاز
стр. 439
وقوع هذا التردد والمراجعة من النبيِّ الأعظم ﷺ وبين موسى كليم الله ﵇؟
قلت: كانا يعرفان أنَّ الأولى غير واجب قطعًا، فلو كان واجبًا قطعًا؛ ما كان يقبل التخفيف، ولا كان النبيان العظيمان يفعلان ذلك) انتهى كلامه.
(فرجعت إليه)؛ أي: إلى موسى ﵇، وفي الكلام حذف؛ تقديره: فقلت لموسى: وضع ربي شطرها عني وعن أمتي، (فقال)؛ أي: موسى: (ارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيته فيه، (فإن أمتك لا تطيق ذلك)، فاسأله التخفيف، (فراجعته)؛ أي: ربي ، (فقال) الله : (هن) وفي رواية: (هي) (خمس)؛ يعني: خمس صلوات مفروضات في العمل من جهة العدد في الفعل، والضمير فيه وفي تاليه مبهم يفسره الخبر؛ كقوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل... . . . . . . . . . . . . .
(وهن) وفي رواية أبي ذر كالأولى: (هي) (خمسون)؛ يعني: باعتبار الثواب؛ لأنَّ كل حسنة بعشرة أمثالها، كما في النص القرآني، وكان الفرض في الأول خمسين، ثم إنَّ الله تعالى رحم عباده وجعله خمسًا (١)؛ تخفيفًا لنا، ورحمة علينا، ثم هذا هل هو نسخ أم لا؟ فاستدل قوم بالنقص على أنه يجوز نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر النحاس هذا القول من وجهين:
أحدهما: البناء على أصله، ومذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأنَّ ذلك عنده من البداء، والبداء على الله محال.
الثاني: أن العبادة وإن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يراه؛ فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين، قال: وإنما ادعى النسخ فيها الكاشاني؛ ليصح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر، قال النحاس: (وهذا إنَّما يسمى شفاعة شفعها النبيُّ الأعظم ﷺ لأمته، ومراجعته التي راجعها ربَّه؛ ليخفف عن أمته، ولا يسمى نسخًا) انتهى.
واعترضه السهيلي فقال: وقول النحاس: (وذلك بداء) : ليس بصحيح؛ لأنَّ حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين الصواب فيه بعد إن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق الله ، والذي يظهر أنه نسخ ما وجب على النبيِّ الأعظم ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا نسخ على الحقيقة نسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، ومراجعته وشفاعته لا تنفي النسخ؛ لأنَّ النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته ﵇ كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات في خاصته، وأما أمته؛ فلم ينسخ عنهم حكم؛ إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور، والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، فإذا كان خبرًا؛ لا يدخله النسخ، ومعنى الخبر: أنه ﵇ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة؛ ومعناه: أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فتأولها ﵇ على أنها خمسون بالفعل، فبينها له ربه عند مراجعته أنها في الثواب لا في العمل) انتهى ذكره إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: ما معنى نقص الصلاة عشرًا بعد عشر؟
قلت: أجيب: بأنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشرها، ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من يكتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من كملت صلاته بما يلزم من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها) انتهى.
ثم قال رحمه الله تعالى: (واستدل الشافعي به على عدم وجوب صلاة الوتر حيث عين الخمس.
قلنا: نحن إنَّما نقول: لم يجب الوتر في ذلك، وإنما كان وجوبه بعد ذلك بقوله ﷺ : «إن الله زادكم صلاة؛ ألا وهي الوتر...»؛ الحديث، فلذلك انحطت درجته عن الفرض؛ لأنَّ ثبوت الفرض الخمس بدليل قطعي) انتهى.
وأما ثبوت الواجب؛ فبدليل ظني لكن قد كثرت الأحاديث الصحاح في صلاة الوتر؛ منها: قوله ﷺ : «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني» قالها ثلاثًا، ومواظبة النبيِّ الأعظم ﷺ ، كل ذلك يدل على الوجوب، ويثبت به الواجب، بل هذه الأحاديث تفيد الفرضية، وهو رواية عن إمامنا الأعظم، والصحيح عنه أنه واجب، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد: إنه سنة، ووفق المتأخرون: بأنه فرضٌ عملًا، واجبٌ اعتقادًا، سنةٌ ثبوتًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى: (لا يبدل القول لدي)؛ يعني: لا يبدل الإخبارات -مثل: أن ثواب الخمس خمسون- لا التكليفات، أو لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو الله ما يشاء منه ويثبت منه، أو معناه: لا يبدل القول بعد ذلك، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فرجعت إلى موسى) ﵇، فأخبرته بما وقع، والظاهر: أنه لم يخبره بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدي)، يدل عليه قوله: (فقال)؛ أي: موسى له (راجع ربك) وللأصيلي: (ارجع إلى ربك)؛ لأنَّه لو أخبره بما قال؛ لما قال له: راجع ربك، واسأله التخفيف، ويحتمل أنه أخبره، لكن لما علم أن النبيَّ الأعظم ﷺ مكرم على ربه معظم؛ ظن أن يوضع عنه منها أيضًا؛ فتأمل.
(فقلت) : ولأبي ذر: (قلت)؛ أي: لموسى: إني (استحييت) وللأصيلي: (قد استحييت) (من ربي) ووجه استحيائه من ربه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس؛ لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، فلذلك استحى عن أن يراجع ربه بعد ذلك، ولا سيما سمع من ربه: (لا يبدل القول لدي) بعد قوله: (هن خمس، وهن خمسون).
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (لا يبدل القول لدي) : لا ينقص عن الخمس، ولا يبدل إلى أقل من ذلك؟
قلت: أجيب: بأنه لا يناسب لفظ قوله ﵇: «استحييت من ربي»، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا ليس بجواب في رواية هذا الباب، وأما في رواية مالك بن صعصعة وشريك: «فوضع عني عشرًا»؛ ففيه إلحاح؛ لأنَّ السؤال قد تكرر، وكيف
стр. 440
لا، والإلحاح في الطلب من الله تعالى مطلوب؟) انتهى.
قلت: يدل عليه قوله ﵇: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء...»؛ الحديث، وقد اختلط على ابن حجر رواية الباب، ورواية مالك، فخبط، وقال ما قال؛ فافهم.
(ثم انطلق بي)؛ بفتح الطاء المهملة واللام، وسقط لفظة (بي) في رواية، والمراد بالفاعل الغائب المستتر في (انطلق) : هو جبريل ﵇ (حتى انتهى بي)؛ أي: جبريل (إلى السدرة المنتهى) كذا للأربعة، وفي رواية: (إلى سدرة المنتهى)، والسِدْر؛ بكسر السين المهملة، وسكون الدال المهملة: هو شجر النبق، واحدته سدرة، وجمعها سدر وسدور، الأخيرة نادرة، وقال ابن زياد: (السدر: من العضاه، وهو لونان، فمنه عنبري، ضال خف، فأما العنبري؛ فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير، وأما الضال خف؛ فهو ذو شوك، وللسدر ورقة عريضة مدورة، وربما كانت السدرة محلالًا، قال: وورق الضال خف صغار، وهو أجود نبق يعلم بأرض العرب نبق بهجر في بقعة واحدة، يحمى للسلطان وهو أشد نبق يعلم حلاوة وأطيبه رائحة، يفوح فم آكله كما يفوح العطر، وفي «نوادر الهجري» : (السدر: يطبخ، ويصبغ به)، وتجمع السدرة على سدْرات؛ بإسكان الدال المهملة، ويقال: بفتحها، ويقال: بكسرها مع كسر السين فيها، كذا في «عمدة القاري».
قلت: والمراد بها شجرة الصنوبر.
قال إمام الشَّارحين: (وهي فوق السماء السابعة)، وقال الخليل: (هي في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة)، وفي رواية مسلم: (أنها في السماء السادسة)، والأول أكثر، ويحمل على أن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وزعم عياض أن أصلها في الأرض؛ لخروج النيل والفرات من أصلها، انتهى.
قلت: وليس هذا بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وورد: (أن من أصلها يخرج أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فالباطنان: السلسبيل والكوثر، والظاهران: النيل والفرات)، وعن ابن عباس: (أنها عن يمين العرش)، وإنما سميت بـ (المنتهى)؛ لأنَّها أسفل العرش، لا يجاوزها ملك ولا نبي؛ يعني: بل ينتهي إليها، وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، وما ينزل من السماء، فيفيض منها، وقيل: ينتهي إليها علم كل ملك مقرب ونبي مرسل، وقال كعب: (وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله)، وقيل: ينتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل: إن أرواح المؤمنين تنتهي بها إليها، فيصلي عليها هناك الملائكة المقربون، انتهى ما قاله إمام الشَّارحين.
(وغشيها)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : «وغشيها»؛ يعني: سدرة المنتهى (ألوان، لا أدري ما هي) واختلف فيما يغشاها؛ فقيل: يغشاها الملائكة حتى تغطى السدرة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، أو جراد من ذهب، أو هو الملائكة الذين يعبدون الله عندها، وقيل: بل يغشاها أنوار الله تعالى؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ لما وصل إليها؛ تجلى ربه لها كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار الإلهية عليها، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل الجبل دكًّا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقًا، ولم يتزلزل النبيُّ الأعظم ﷺ ، وروي عنه ﵇ أنه قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكًا قائمًا يسبح الله تعالى، وفي إبهام ما يغشاها تعظيم وتكثير لما يغشاها من الخلائق، والغشيان يكون بمعنى: التغطية والستر، ويكون بمعنى: الإتيان أيضًا، قيل: وهو المناسب ههنا؛ فتأمل.
فإن قلت: العالم العلوي ليس فيه شيء مما هو في هذا العالم، فلا يكون فيه شجرة النبق، وهي شجرة الصنوبر، فما وجه قوله: (إلى سدرة المنتهى)؟
قلت: أجيب: بأن شجرة النبق لما كان لها ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية؛ شبهت بها شجرة المنتهى، فأطلق عليها اسم السدرة على سبيل الاستعارة؛ فليحفظ.
وقال مقاتل: (السدرة: هي شجرة طوبى، ولو أن رجلًا ركب هجينه وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم؛ لما وصل إلى المكان الذي ركب منه، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل، وجميع ألوان الثمر)، وقيل: هي شجرة غير طوبى ثابتة في يمين العرش فوق السماء السابعة، تخرج أنهار الجنة من أصلها، كما قدمناه، وإضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل أن تكون من قبيل إضافة الشيء إلى مكانه؛ كقولك: شجرة بلدة كذا، ومكان كذا، فالمنتهى حينئذٍ موضع لا يتعداه ملك أو نبي، كما ذكرناه؛ فتأمل، وجمهور المفسرين على أن النبيَّ الأعظم ﷺ لما رجع من عند ربه ليلة الإسراء؛ رأى جبريل على صورته عند سدرة المنتهى، وقال ﵇: «رأيته عند سدرة المنتهى، وعليه ست مئة جناح يتناثر منها الدر والياقوت»، وهي مقام جبريل ﵇، أمَّ فيها النبيُّ الأعظم ﷺ ملائكة السماءكلها؛ فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس، وإمام الملائكة عند سدرة المنتهى، فظهر بذلك فضله على أهل السماء والأرض، وقالت عائشة ﵂: (من حدث أن محمدًا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١])، وقالت: (إن المرئي في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] : هو صورة جبريل)؛ حيث قالت: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين)، ووافقها ابن مسعود ﵁، وقال كعب الأحبار: (إن النبيَّ الأعظم ﷺ رأى ربه مرة أخرى، فإن الله كلم موسى مرتين، وأدنى محمدًا ﷺ مرتين)، وتبعه جماعة كثيرة من المفسرين، وقالوا: إن المرئي هو الله تعالى، وإنه ﵇ رأى ربه.
واختلفوا في أنه ﵇ هل رأى ربه بقلبه أو بعين رأسه؟
فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول عبد الله بن عباس، فقال: (رآه بفؤاده مرتين)، ويدل عليه أنه ﵇ قال: «رأيته بفؤادي، ولم أره
стр. 441
بعيني»، وقال أنس، والحسن، وعكرمة: رأى محمد ﷺ ربه بعين رأسه، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا ﷺ بالرؤية).
واعلم أن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة؛ لأنَّ دليل الجواز غير مخصوص برؤيته في الآخرة، ولأن مذهب أهل السنة: أن الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد، فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر؛ كان رؤية بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب؛ كان معرفة، فالله تعالى قادر على أن يحصل مدرك العلوم في البصر، كما قدر على أن يحصل مدرك العلوم في القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، والاختلاف في الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز، والله أعلم.
(ثم أُدخلت الجنة)؛ بضم الهمزة؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : ثم أدخلني جبريل الجنة، وهي جنة المأوى، وسميت بذلك؛ لأنَّه يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء، وقال إمام الشَّارحين: (وقوله ﵇: «ثم أدخلت الجنة» يدل على أن سدرة (١) المنتهى ليست في الجنة)، وقال ابن دحية: كلمة (ثم) في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وإنما هي مثل (الواو) للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها، انتهى.
(فإذا فيها)؛ أي: في الجنة، وكلمة (إذا) هنا والتي في قوله: (فإذا ترابها) للمفاجأة (حبائل اللؤلؤ)؛ بالحاء المهملة، ثم الموحدة، وبعد الألف مثناة تحتية ساكنة، ثم لام، كذا وقع لجميع رواة البخاري، وذكر جماعة منهم: أنه تصحيف، وإنما هو (جنابذ)؛ بالجيم والنون، وبعد الألف موحدة، ثم ذال معجمة، كما وقع عند المصنف في (أحاديث الأنبياء) من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، وقال ابن الأثير: (إن صحت رواية «حبائل»؛ فيكون أراد به مواضع مرتفعة؛ كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة، وحبالة جمع حبل على غير قياس)، وفي رواية الأصيلي عن الزهري: (دخلت الجنة، فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ)، وقال ابن قرقول: كذا لجميعهم: (حبائل)، ومن ذهب إلى صحة الرواية؛ قال: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل؛ يعني: فيها اللؤلؤ؛ كحبال الرمل، وهو جمع حبل؛ وهو الرمل المستطيل، أو من الحبلة: وهو ضرب من الحلي معروف، وقال صاحب «التلويح» : (وهذا كله تخيل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب)، والحبائل إنَّما تكون جمع: حبالة أو حبيلة، والجنابذ جمع: الجُنبُذ؛ بضم الجيم، وسكون النون، وبالموحدة المضمومة، وبالذال المعجمة: وهو ما ارتفع من الشيء واستدار؛ كالقبة، والعامة تقول: بفتح الموحدة، والأظهر أنه فارسي معرب.
قلت: هو في لسان العجم؛ كُنْبَذ؛ بضم الكاف: الصماء، وسكون النون، وفتح الموحدة: وهي القبة، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(وإذا ترابها المسك)؛ أي: تراب الجنة رائحته كرائحة المسك، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد؛ أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وغراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وفي الحديث: أنه ﵇ قال: «إن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمس مئة عام، ولا يجد ريحها عاق»، قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ : فإنَّهم أخف في الخدمة ﴿مُّخَلَّدُونَ﴾ : دائمون على ما هم عليه من الشباب والفضاضة في الحسن، فإنَّهم لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحد على مر الأزمنة ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] : من صفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، فإن المتفرق أحسن من المنظوم؛ ليظهر لمعانه وبريقه، عليهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ، وفي الحديث: «أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة؛ مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من أحدهما، فترى عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعث شعورهم أبدًا، ثم يشربون من الآخر، فيخرج ما في بطونهم من الأذى؛ كالغل، والحسد، والقذر، والغش، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فيقولون لهم: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، اللهم؛ اجعلنا منهم.
ويستنبط من الحديث أمور:
أحدها: أن جبريل ﵇ هو الذي كان ينزل على النبيِّ الأعظم ﷺ من عند الله وبأمره.
الثاني: أن فيه الاستئذان وبيان الأدب فيما إذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟ يقول: زيد مثلًا، ولا تقول: أنا، إذ لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، كذا قالوا، قال إمام الشَّارحين: قلت: لكن لا يقتصر على قوله: زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس.
الثالث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه.
الرابع: علم منه أن للسماء أبوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها.
الخامس: أنه علم أن رسول الله ﷺ من نسل إبراهيم؛ حيث قال: (والابن الصالح) بخلاف غيره من الأنبياء المذكورين فيه، فإنَّهم قالوا: (الأخ الصالح).
السادس: فيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتن.
السابع: أن فيه شفقة الوالد على ولده، وسروره بحسن حاله، وسوءه بسوء حاله.
الثامن: فيه أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وقد مضى الكلام فيه.
التاسع: فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الجنة في السماء.
العاشر: فيه استدل بعضهم على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، ورده إمام الشَّارحين: بأنَّ هذا الاستدلال بعيد؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم كحكمنا، ويحتاج أيضًا إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به، ومع هذا كان هذا على أصل الإباحة، وتحريم النقدين كان بالمدينة.
الحادي عشر: فيه وجوب الصلوات الخمس، والباب معقود لهذا، وقال ابن بطال:
стр. 442
(أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء)، وقال ابن إسحاق: (ثم إن جبريل ﵇ أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ﵇، ومحمد ﵇ ينظر إليه، فرجع النبيُّ الأعظم ﷺ ، فأخذ بيد خديجة ﵂، ثم أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل ﵇، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵇.
وقال نافع بن جبير: (أصبح النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء، فنزل جبريل ﵇ حين زاغت الشمس، فصلى به).
وقال جماعة: لم يكن صلاة مفروضة قبلها إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد ركعات، ووقت حضور، وكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه.
الثاني عشر: فيه أن أرواح المؤمنين يصعد بها إلى السماء.
الثالث عشر: فيه أن أعمال بني آدم الصالحة تسر آدم، وأعمالهم السيئة تسوءه.
الرابع عشر: فيه أنه يجب أن يرحب بكل أحد من الناس في حسن لقائه بإكرام النازل أن يلاقيه بأحسن صفاته وأعمها بجميل الثناء عليه.
الخامس عشر: فيه أن أوامر الله تعالى تكتب بأقلام شتى، وأن العلم ينبغي أن يكتب بأقلام كثيرة، تلك سنة الله في سماواته، فكيف بأرضه؟
السادس عشر: فيه أن ما قضاه وأحكمه (١) من آثار معلومة، وآجال مكتوبة، وشبه ذلك مما لا يبدل لديه، وأما ما نسخه رفقًا بعباده؛ فهو الذي قال فيه: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقال إمام الشَّارحين:
فإن قلت: إنه ﵇ عرج به على دابة يقال لها: البراق، وثبت ذلك بالتواتر، فما الحكمة في ذلك، وكان الله تعالى قادرًا (٢) على رفعه في طرفة عين بلا براق؟
قلت: إنَّما كان ذلك للتأنيس بالمعتاد، والقلب إلى ذلك أميل، وعرج به؛ لكرامة الراكب على غيره، ولذلك لم ينزل عنه على ما جاء في حديث حذيفة: (ما زال ظهر البراق حتى رجع)، وإنما لم يذكر في الرجوع؛ للعلم به؛ لقرينة الصعود، وسمي براقًا؛ لسرعته تشبيهًا ببرق السحاب، وكانت بغلته ﵇ بيضاء؛ أي: شهباء، فكذلك كان البراق، وفيه أسئلة:
الأول: كون البراق على شكل البغل دون الخيل مع أن الخيل أفضل وأحسن؟
والجواب: كان الركوب في السلم والأمن لا في الخوف والحرب؛ ولإسراعهِ عادة، ولتحقيق ثباته وصبره؛ فلهذا كان ﵇ يركب بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثباته في مواطن الحرب، وأما ركوب الملائكة الخيل؛ فلأنه المعهود بالخيل في الحروب، وما لطف من البغال واستدار أحسن من الخيل في الوجوه التي ذكرناها.
الثاني: استصحاب البراق لماذا كان؟
والجواب: إنه كان تيهًا وزهوًّا لركوبه ﵇، وقول جبريل ﵇: أبمحمد (٣) تستصعب تحقيق الحال، وقد ارفضَّ عرقًا من تيه الجمال؟ وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه؛ لبعد عهده بالأنبياء ﵈، وطول الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، وقيل: إن جبريل قال لمحمد ﵉ حين شمس به البراق: لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم -يعني: الذهب- فأخبره النبيُّ الأعظم ﷺ أنه ما مسها إلَّا أنه مر بها، فقال: «تبًّا لمن يعبدك من دون الله»، وما شمس إلَّا لذلك، ذكره السهيلي، وسمعت من بعض أستاذتي الكبار: أنه إنَّما شمس؛ ليعد له النبيُّ الأعظم ﷺ بالركوب عليه أولًا يوم القيامة، فلما وعد له؛ قر) انتهى كلام إمام الشَّارحين ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، آمين.
[حديث: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين]
٣٥٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) : هو التنيسي المنزل الدمشقي الأصل، المتوفى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي يوسف تثليث السين المهملة مع الهمز، وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن صالح بن كَيسان)؛ بفتح الكاف: هو المدني التابعي، المتوفى وهو ابن مئة سنة ونيف وستين سنة، (عن عُرْوة)؛ بضم العين، وسكون الراء المهملتين (بن الزبير)؛ بضم الزاي، وفتح الموحدة: هو ابن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين) : هي الصديقة بنت الصديق ﵄، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهو من باب التشبيه البليغ، حذفت منه أداة التشبيه للمبالغة، ووجه الشبه: وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن، قال تعالى: ﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهن فيما وراء ذلك كالأجانب، وليس المراد التشبيه في جميع أحكام الأمهات، ألا ترى أن النظر إليهن والخلوة بهن حرام، كما في الأجانب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولا يقال لبناتهنَّ: هن أخوات المؤمنين، ألا ترى أنه ﵇ زوج بناته لعلي وذي النورين ﵄، ولا يقال أيضًا لإخوتهنَّ وأخواتهن: أخوال المؤمنين وخالاتهم؛ لأنَّه قد تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر أخت أم المؤمنين عائشة ﵅، وهذا معنى ما روى مسروق: أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمه، فقالت: (لست لكِ بأمٍّ، إنَّما أنا أم رجالكنَّ)، فالمراد في معنى الآية: التشبيه في بعض الأحكام، وهو كونهن محرمات على الرجال؛ كحرمة أمهاتهم؛ يعني: حرمة مؤبدة.
(قالت) أي: عائشة: (فرض الله)؛ أي: قدر الله، والفرض في اللغة: التقدير، هكذا فسره أبو عمر (الصلاة)؛ أي: الرباعية، وذلك لأنَّ الثلاثية وتر صلاة النهار، وأشار إلى ذلك في رواية أحمد من حديث ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان عن عروة... إلى آخره وفيه: (إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا)، وذكر الداودي: (أن الصلوات زيدت ركعتان ركعتان، وزيدت في المغرب ركعة).
قلت: وفيه نظر؛ لما في رواية أحمد المذكورة آنفًا، فإنها صريحة في أن المغرب كانت ثلاثًا، ويدل عليه أيضًا ما في «سنن البيهقي» من حديث داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: (إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبيُّ الأعظم ﷺ المدينة واطمأن؛ زاد ركعتين غير المغرب، فإنها وتر صلاة الغداة)، قالت: (وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى)، كذا في «عمدة القاري».
(حين فرضها) قال ابن إسحاق: ثم إن جبريل أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحيته، فانفجرت
стр. 443
فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل والنبيُّ الأعظم ﷺ ينظر، فرجع ﵇ فأخذ بيد خديجة، ثم أتى بها العين فتوضأ، كما توضأ جبريل، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵉ (ركعتين ركعتين) بالتكرار؛ ليفيد عموم التثنية لكل صلاة؛ لأنَّ القاعدة في كلام العرب أن تكرر الاسم المراد تقسيم الشيء عليه، ولولاه؛ لكان فيه إيهام أن الفريضة في الحضر والسفر ما كانت إلا فرد ركعتين فقط، وانتصاب قوله: (ركعتين) على الحالية، والتكرار في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة؛ نحو: مثنى، ونظيره قولك: هذا مزٌّ؛ أي: قائم مقام الحلو والحامض (في الحضر والسفر) إلا المغرب، فإنها ثلاث، كما ذكرناه من رواية أحمد والبيهقي، (فأُقِرت صلاة السفر)؛ بضم الهمزة في (أقرت)، وكسر القاف؛ أي: بقيت على حالها ركعتين ركعتين، والضمير المرفوع في (أقر) يعود على النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه هو المشرع المقر لها على ذلك، وهو أمر منه ﵇، والأمر للوجوب، فاقتضى أن يكون القصر في السفر عزيمة؛ يعني: واجبًا، وهو مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه، والجمهور، وخالفهم الشافعي، فزعم أنه رخصة، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا صلى المسافر أربعًا ولم يقعد على رأس الركعتين؛ فسدت صلاته عندنا؛ لاتصال النافلة قبل كمال أركانها، وإن قعد في آخر الركعة الثانية قدر التشهد؛ أجزأته وصحت وصارت الأخرييان له نافلة، لكنه يصير مسيئًا بتأخير السلام، وعنده: هو مخير، إن شاء؛ أتم، وإن شاء؛ اكتفى على القصر.
(وزيد في صلاة الحضر) : يعني: زيد فيها حتى تكملت خمسًا، فتكون الزيادة في عدد الصلوات، ويكون قولها: (فرضت الصلاة ركعتين)؛ يعني: قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، قاله أبو إسحاق الحربي، ويحيى بن سلام، وغيرهما.
قلت: ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وروى جابر بن عبد الله ﵁: عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «فإن استطعتم ألَّا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فافعلوا»، ثم قرأ هذه الآية، كذا في «تفسير» الإمام الفقيه أبي الليث ﵀، وهذا الحديث من مراسيل السيدة عائشة ﵂؛ لأنَّها لم تدرك القصة، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك من النبيِّ الأعظم ﷺ ، أو من صحابي آخر، وعلى كل حال؛ فهو حجة؛ لأنَّ هذا مما لا مجال للرأي فيه، وهو حجة قوية ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: من أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، ويدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).
ورواه الطبراني في «معجمه» بلفظ: (افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعًا)، ويدل عليه أيضًا ما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ ، ورواه أيضًا ابن حبان في «صحيحه»، ولم يقدحه في شيء.
وقول النسائي: (فيه انقطاع؛ لأنَّ ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر بن الخطاب) : مردود؛ لأنَّ إمام هذه الصنعة مسلم بن الحجاج القشيري حكم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر ﵁، وصرح في بعض طرقه، فقال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ فذكره، ويؤيد ذلك: ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب... ؛ فذكره، فهذا يدل على أن القصر في السفر عزيمة؛ أي: واجب، وإليه ذهب علماء أكثر السلف، وفقهاء الأمصار، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة.
وقال حماد بن أبي سليمان: من صلى في السفر أربعًا؛ يعيد صلاته، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت، وقال أحمد: السنة ركعتان، وقال الخطابي: الأولى أن يقصر المسافر الصلاة؛ لأنَّهم أجمعوا على جوازها إذا قصر، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مقدم على الاختلاف، ويدل لما قاله الجمهور: ما في «البخاري» و «مسلم» عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر ﵄ قال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان بن عفان ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولا يخفى أن المواظبة على ذلك تدل على الوجوب، فلهذا قال الجمهور: إن القصر في السفر واجب، وقال الشافعي: القصر في السفر رخصة، وهو رواية عن مالك وأحمد، وتعلق بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ لأنَّ نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر ينبئ عن تمام سابق، وبما أخرجه أبو داود بإسناده عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد ذهب ذلك اليوم، فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ ، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ يعني: فالمفروض الأربع إلا أنه رخص بأداء ركعتين.
وبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يقصر في
стр. 444
الصلاة، ويتم، ويفطر، ويصوم)، قال الدارقطني: (إسناده صحيح).
قلنا: وهذا كله لا حجة له فيه، وحجته من ذلك مردودة، أمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ..﴾؛ الآية؛ فلا يدل له؛ لأنَّ المراد من القصر المذكور في الآية هو قصر الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء؛ لخوف العدو؛ بدليل أنه تعالى علق ذلك بالخوف؛ إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر، وعندنا: قصر الأوصاف مباح لا واجب مع أن رفع الجناح في النص لرفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع ذلك عنهم، وبهذا فسر الآية ابن عباس حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن؛ حيث قال: المراد من القصر التخفيف في كيفيات أداء الركعات وهو أن يكتفى في الصلاة بالإيماء بدل الركوع والسجود، وبه قال طاووس وغيره.
وأمَّا قوله ﵇: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»؛ فلا دليل له فيه، بل هو حجة لما قاله إمامنا الإمام الأعظم والجمهور؛ لأنَّه ﵇ أمر بالقبول؛ ومعناه: اعتقدوه واعملوا به، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا؛ لأنَّ الأمر منه ﵇ للوجوب، ومعنى قوله ﵇: «تصدق الله بها عليكم» : حكم عليكم؛ لأنَّ التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط؛ كالعفو من الله تعالى؛ لأنَّ هذه الصدقة واجبة في الذمة، وليس لها حكم المال، فتكون إسقاطًا محضًا، فلا يرتد بالرد؛ كالصدقة بالقصاص، والطلاق، والعتاق يكون إسقاطًا لا يرتد بالرد، فكذا هذا.
وأمَّا حديث الدارقطني عن عائشة؛ فقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو، ودلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وثلاثتهم ضعفاء، عن عطاء، عن عائشة كما قاله البيهقي، وقال: والصحيح عن عائشة موقوف، ولا يخفى أنه معارض بما قدمناه عن حديث البخاري، ومسلم، وغيرهما، وهو لا يقاوم ما ذكر في «الصحيحين»، فلا دليل فيه له على أن الروايات عن عائشة متعارضة، والصحيح منها في ذكر في هذا «الجامع الصحيح»، ويجوز أنها كانت تنتقل من بيت بعض الأزواج إلى بيت بعض، فلم تكن مسافرة شرعًا، ولئن صح؛ فمحمول على إتمام الأركان، يدل عليه: أنه ﵇ صلى الظهر بأهل مكة عام حجة الوداع ركعتين، ثم أمر مناديًا ينادي: (يا أهل مكة؛ أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر)، فلو كان فرض المسافر أربعًا؛ لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه ﵇، وقياسه على الصوم فاسد؛ لأنَّ ترك الشيء لا إلى بدل دليل الفعلية، وفيه بدل؛ وهو القضاء بالنص، فلا يلزمنا، ولأن جهة اليسر فيه مترددة غير متعينة في القصر؛ لما عرف في الأصول، فيخير وجهة اليسر متعينة في القصر، فلم يتوجه التخيير؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أن معنى (فرضت الصلاة)؛ أي: ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيدت في صلاة الحضر بعد ذلك، فتكون الزيادة في عدد الركعات، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة، وممن رواه هكذا الحسن والشعبي، وأن الزيادة في الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقد ذكره البخاري من رواية معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيُّ الأعظم ﷺ ، ففرضت أربعًا)، فإن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين؛ فله ذلك، وإن اختار أن يكون أربعًا؛ فله ذلك.
ويحتمل أن معنى قولها: (فرضت الصلاة) : قدرت، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار.
قلت: وهذا كله ممنوع، ولا شيء من الحديث يدل عليه، بل معنى قولها: (فرضت الصلاة ركعتين) : قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها، وقد جاء ذلك بالنص؛ حيث قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، فالزيادة إنَّما كانت في عدد الصلوات.
وقوله: (وهو المروي...) إلى آخره: قد علمت أن الروايات عن عائشة قد تعارضت، وقولها: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﵇، ففرضت أربعًا)؛ معناه: أنه يجوز ترك الركعتين الأخيريين، فلا بد يلزمه، ولا إثم يلحقه، وكان تطوعًا؛ كسائر التطوعات، وهذا معنى قولهم: إن الشفع الثاني لا يقضى، ولا يأثم بتركه.
وقوله: (فإن اختار...) إلى آخره: ممنوع، بل يتحتم على المسافر القصر؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: (صلاة المسافر ركعتان، وصلان الفجر ركعتان، فمن خالف السنة؛ فقد كفر)؛ يريد: كفران النعمة، ولما قدمناه من الأحاديث الدالة على وجوب القصر في السفر؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أن الحنفية ألزموا على قاعدتهم فيما إذا تعارض رأي الصحابي روايته؛ فالعبرة بما رأى بأنه ثبت عن عائشة: أنها كانت تتم في السفر، ورده إمام الشَّارحين فقال: قاعدة الحنفية على أصلها، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة؛ لأنَّ عائشة ترى القصر جائزًا، والإتمام جائزًا، فأخذت بأحد الجائزين، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام؛ فافهم.
وكذلك الجواب في إتمام عثمان بن عفان، وقيل: لأنَّ عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم، فكأنَّهما كانا في منازلهما، ورد: بأنه ﷺ كان أولى بذلك منهما، وقيل: لأنَّ عثمان تأهل بمكة، ورد: بأنه ﵇ سافر بأزواجه، وقصر الصلاة، وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه ليلًا يظنون
стр. 445
أن فرض الصلاة ركعتان ابتداء حضرًا وسفرًا، ورد: بأنَّ هذا المعنى كان موجودًا في زمن النبيِّ الأعظم ﷺ ، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان، وقيل: لأنَّ عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج، ورد: بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجرين فوق ثلاث، وقيل: لأنَّه كان لعثمان أرض بمنًى، ورد: بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة، والجواب الأول هو ما ذكره المحققون في تأويلهما، كذا في «عمدة القاري».
(٢) [باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله تعالى ﴿خذوا زينتكم عند ..﴾]
هذا (باب) في بيان (وجوب الصلاة في الثياب) : الجار والمجرور حال، وإنما ذكر (الثياب) بلفظ الجمع؛ لأنَّه على حد قولهم: فلان يركب الخيول، ويلبس البرود، والمراد به: ستر العورة، واتفق العلماء: على أن ستر العورة فرض بالإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط الصلاة أم لا؟ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، وعامة الفقهاء، وأهل الحديث: أن ذلك شرط لصحة الصلاة فرضها ونفلها، وبه قال محمد بن إدريس.
واختلف أصحاب مالك: هل ذلك فرض أو سنة؟ فذهب جماعة: إلى أنه من سنن الصلاة، وقال التونسي: هو فرض في نفسه لا من فروضها، وقال ابن عطاء الله: إنه شرط فيها ومن واجباتها مع العلم والقدرة دون النسيان، والمشهور أنه ليس من شروطها، بل من سننها، وهو ظاهر مذهب مالك مستدلًّا بحديث عمرو بن سلمة لما انقلصت بردته، فقالت امرأة: غطوا عنا است قارئكم، وسيأتي بيانه.
فإن قلت: للصلاة شروط غير هذا، فما وجه تخصيصه بالتقدم على غيره؟
قلت: لأنَّه ألزم من غيره، وفي تركه بشاعة عظيمة بخلاف غيره من الشروط، ولأن في تركه سوء أدب مع الله تعالى، فإنه وإن كان يرى ما تحت الثياب إلا أنه يطلب في حقه الستر؛ تأدبًا مع الخالق .
(وقول الله : بالجر عطفًا على قوله: (وجوب الصلاة)؛ والتقدير: وفي بيان معنى قول الله ، هذه رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية غيرهما: (وقول الله تعالى)؛ يعني: في سورة الأعراف، قال: يا بني آدم (﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾)؛ يعني: ثيابكم لأجل موارات عوراتكم (﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) [الأعراف: ٣١]؛ أي: لطواف أو صلاة، وأراد بالـ (زينة) : ما يواري العورة، وبالـ (مسجد) : الصلاة، ففي الأول: إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني: إطلاق اسم المحل على الحال؛ لوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل، وهذا لأنَّ أخذ الزينة نفسها -وهي عرض- محالٌ، فأريد محلها، وهو الثوب مجازًا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، فنزلت هذه الآية، لا يقال: نزولها في الطواف، فكيف يثبت الحكم في الصلاة؟ لأنَّا نقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا اللفظ عام؛ لأنَّه قد قال: ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ولم يقل: عند المسجد الحرام، فيعمل بعمومه، ويقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ من قبيل إطلاق المسبب على السبب؛ لأنَّ الثوب سبب الزينة، ومحل الزينة الشخص، وقيل: المراد بالزينة: ما يتزين به من ثوب وغيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانًا، فعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته؛ لم تجز صلاته وإن لم يكن عنده أحد، كذا في «عمدة القاري»، ويدل لهذا: قوله تعالى في قصة آدم قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ : وهو ما يلبس اتقاء عن انكشاف العورة بين يدي الله تعالى، فبين أولًا إنزال ما يواري العورة من اللباس، وثانيًا بإنزال لباس التجمل، ثم فضل اللباس الأول على الثاني بأنه وسيلة إلى إقامة الفرض، والثاني إلى إقامة الأمر المندوب، وهو التزين عند حضور مواضع العبادات تعظيمًا لها، ولا ريب أن ما يكون وسيلة إلى إقامة الفرض خير مما يكون وسيلة إلى إقامة المندوب، فقال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال الإمام أبو منصور ﵀: (يحتمل أن معنى هذه الآية: صلوا في كل مسجد ولا تخصوا بالصلاة حيكم، والزينة نفس الصلاة، فإن العبادة زينة كل عابد)، فالزينة وإن كانت اسمًا لما يتزين به من الثياب الفاخرة إلا أن المراد بالزينة ههنا: الثياب التي تستر العورة، وقد أجمع المفسرون على ذلك استدلالًا بسبب نزول الآية، فإنه قد روي عن ابن عباس: أن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، فكان الرجال يطوفون بالنهار، والنساء بالليل، قال ابن عباس: فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا، وقال قتادة: كانت المرأة تطوف، وتضع يدها على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله... وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية، وقال الكلبي: (الزينة: ما وارى العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة)، وقال مجاهد: وارِ (١) عورتك ولو بعباءة، فقد اتفق العلماء على أن المراد منه: ستر العورة، وفي «مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النبيُّ الأعظم ﷺ : «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة»، وعن المسور بن مخرمة: قال له النبيُّ الأعظم ﷺ : «ارجع إلى ثوبك، فخذه ولا تمشوا عراة»، وفي «صحيح ابن خزيمة» عن عائشة ترفعه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ : «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار»، وقال ابن بطال: (أجمع أهل التأويل: على نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة)، وقال ابن رشد: من حمله على الندب؛ قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء، وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلًّا بما في الحديث: أنه كان رجال يصلون مع النبيِّ الأعظم ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم؛ كهيئة الصبيان، ومن حمله على الوجوب؛ استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة، فتقول: من يعيرني بطواف، أو تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله... . . . . . . . . . . .
فنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ..﴾؛ الآية.
وزعم ابن حجر أن البخاري يشير بهذه الآية إلى ما قاله طاووس: إن المراد بالزينة: الثياب، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تخمين وحسبان، وليس عليه برهان).
قلت: وما زعمه ابن حجر باطل؛ لأنَّ مراد البخاري ليس
стр. 446
كذلك، وإنما مراده الإشارة إلى أن ستر العورة في الصلاة فرض، ولهذا ترجم إليه بـ (باب وجوب الصلاة في الثياب)؛ يعني: مستور العورة، والثياب ليست قيدًا في ذلك، بل يجوز ستر العورة بحشيش أو طين عند فقد الثياب، وكذا يجوز سترها بجلد طاهر ونحوه، وإنما ذكر الثياب باعتبار الأغلب، وليس ما ذكره ابن حجر عن طاووس بصحيح؛ لأنَّ الذي قاله المفسرون عن طاووس: إنه قال: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عريانًا ويدع ثيابه وراء المسجد، فإن طاف وهي عليه؛ يضرب وانتزعت منه، فنزلت هذه الآية، فعلم بهذا أن المراد مما قاله طاووس: هو ستر العورة، وليس المراد: الزينة بمعنى: التجمل؛ حيث نفى ذلك بقوله: لم يأمرهم بالحرير أو الديباج، وما هو إلا للتجمل للنساء؛ فليحفظ.
وقوله: (ومن صلى ملتحفًا في ثوب واحد) : ثابت في رواية المستملي وحده، ساقط عند غيره من الرواة، ولهذا لم يتعرض له إمام الشَّارحين في «المنن»، وعلى إثباته يقال: وفي معنى الذي يصلي حال كونه ملتحفًا في ثوب واحد، فإنه جائز؛ حيث كان ساترًا للعورة، فالمقصود سترها سواء كان بثوب واحد أو أكثر؛ فافهم.
(ويُذكَر)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الكاف، تعليق بصيغة التمريض، وهو يدل على ضعفه، ووجهه سيأتي بيانه (عن سَلَمَة)؛ بفتحات (ابن الأكْوع)؛ بسكون الكاف ﵁ (أن النبيَّ) الأعظم ﷺ قال) : فيمن صلى بثوب واحد (يَزرُّه)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء المشددة، وللأصيلي: (تزره)؛ بمثناة فوقية، ولأبي ذر (يزر)؛ بحذف الضمير؛ يعني: يشده عليه بأن يجمع بين طرفيه؛ لئلا يفرج فترى عورته، وهذا التعليق وصله أبو داود فقال: حدثنا القعنبي: أخبرنا عبد العزيز -يعني: بن محمد- عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة ابن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي بالقميص الواحد؟ قال: «نعم، وأزرره».
(ولو بشوكة) : وأخرجه النسائي، والمؤلف في «تاريخه»، وابن حبان، وابن خزيمة، وغيرهم، فقوله: (أفأصلي) : الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: (نعم)؛ أي: تصلي، وقوله: (ولو بشوكة)؛ يعني: ولو لم يكن ذلك إلا بأن يزره بشوكة لأجل أن يستمسك بها عليك؛ فليفعل، والباء الموحدة فيه تتعلق بمحذوف؛ تقديره: ما ذكرنا، وهذه اللفظة فيما ذكره البخاري بالإدغام على صيغة المضارع، وفي رواية أبي داود: بالفك على صيغة الأمر من (زرَّ يزرُّ)، من باب (نصَر ينصُر)، ويجوز في الأمر الحركات الثلاث في الراء، ويجوز الفك أيضًا، فهي أربعة أحوال كما في (مد) الأمر، ويجوز في مضارعه الضم، والفتح، والفك، وقال ابن سيده: (الزر: هو الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور، وأزر القميص: جعل له زرًّا، وأزره: شد عليه أزراره)، وقال ابن الأعرابي: (زر القميص: إذا كان محلولًا؛ فشده، وزر الرجل: شد زره)، وأورد المؤلف هذا؛ لدلالته على وجوب ستر العورة، وإشارة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية السابقة لبس الثياب لا تزينها وتحسينها، وإنما أمر بالزر؛ ليأمن المصلي من وقوع الثوب عن بدنه، ومن وقوع نظره على عورته من زيقه حالة الركوع، ومن هذا أخذ الإمام محمد بن شجاع من أصحابنا: أن من نظر على عورته من زيقه؛ تفسد صلاته، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وعامة أئمتنا الأعلام: على عدم فساد صلاته بذلك، قال الشرنبلالي في «الإمداد» : (ولا يضر نظرها؛ أي: العورة من جيبه وأسفل زيله؛ لأنَّ ستر العورة على وجه لا يمكن الغير النظر إليها إذا تكلف مما يؤدي إلى الحرج وهو مدفوع بالنص) انتهى.
وقال في «النهر» : (لأنه يحل له مسها والنظر إليها، ولكنه خلاف الأدب، واختار برهان الدين الحلبي: أن تلك الصلاة مكروهة، وإن لم تفسد) انتهى.
وفي «الإمداد» : (ويشترط ستر العورة ولو في ظلمة، والشرط سترها من جوانبه على الصحيح) انتهى.
أمَّا الستر في الخلوة؛ فصحح برهان الدين الحلبي: وجوب الستر فيها، وصحح صاحب «الإمداد» : عدمه، فقد اختلف التصحيح، ووفق بعضهم بينهما: بأنه إذا كان مكان طوله ذراع ونصف، وعرضه كذلك؛ لا يجب الستر، وإن كان أكثر من ذلك؛ فواجب، وفي «شرح النقاية» للقهستاني: (وليس لستر الظلمة اعتبار، ومثله الستر بالزجاج)، كما في «القنية»، ولا يضر تشكل العورة بالتصاق الساتر الضيق بها، كما في شرح «المنية».
والعورة في اللغة: كل ما يستقبح ظهوره، مأخوذة من العور؛ وهو النقص، والعيب، والقبح، ومنه: عور العين، وكلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وسميت السوءة عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة أو حياء؛ فهو عورة، والنساء عورة، كذا ذكره أئمة اللغة، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال أبو عبد الله المؤلف: (وفي) : وللأصيلي بحذف الواو (إسناده) أي: إسناد هذا الحديث المذكور (نظر) : وجه النظر كما قاله إمام الشَّارحين من جهة موسى بن إبراهيم، وزعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث، فلعل البخاري أراده، فلذلك قال: (في إسناده نظر)، وذكره معلقًا بصيغة التمريض، لكن أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن نصر بن علي، عن عبد العزيز، عن موسى بن إبراهيم قال: سمعت سلمة ابن الأكوع؛ فذكره، وفي رواية: (وليس علي إلا قميص واحد، أو جبة واحدة، فأزره؟ قال: «نعم؛ ولو بشوكة»)، ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» : عن إسحاق بن إبراهيم: حدثنا ابن أبي عمر: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة، عن سلمة ابن الأكوع قلت: (يا رسول الله؛ إني أكون في الصيد، وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فازرره؛ ولو بشوكة»)، ورواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: (هذا حديث مدني صحيح)، فظهر بهذه الرواية
стр. 447
أن موسى هذا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضًا، ولكنه دون ذاك، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا ابن قتيبة قال: حدثنا الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة ابن الأكوع، وهذا اختلاف آخر، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن حجر أن من صحح هذا الحديث؛ فقد اعتمد على رواية الدراوردي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويجوز أن يكون وجه ذلك اعتمادًا على رواية موسى بن إبراهيم المخزومي لا على رواية موسى بن إبراهيم التيمي، والمخزومي: هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهذا هو الوجه في تصحيح من صححه، ويشهد لما قلنا رواية ابن حبان المذكورة آنفًا، ولا يبعد أن يكون كل واحد من المخزومي والتيمي روى هذا الحديث عن سلمة ابن الأكوع، وحمل عنهما الدراوردي، ورواه) انتهى.
وزعم ابن حجر أن ذكر محمد فيه شاذ، ورده إمام الشَّارحين فقال: (حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الحافظ الطحاوي؛ فليس بشيء؛ لأنَّ الشاذ من ثقة مقبول) انتهى.
قلت: على فرض كونه شاذًّا، والحال أنه ليس بشاذ؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي إمام هذه الصنعة مشهور بكونه ثقة ثبتًا حجة، وحين كان كذلك كان ابن حجر منيًا في ظهر أبيه بعسقلان؛ فليحفظ.
(ومن صلى)؛ أي: وباب من صلى (في الثوب الذي يجامع)؛ بضم المثناة التحتية أوله؛ أي: يطأ (فيه) امرأته أو أمته؛ فحكمه: أنه (ما لم ير فيه أذى)؛ أي: من مني ونحوه من النجاسات؛ فصلاته فيه صحيحة، وكلمة (ما) مصدرية ظرفية؛ ومعناها (١) : المدة؛ يعني: مدة عدم وجود الأذى فيه فيصلي فيه، وأمَّا إذا وجد فيه منيًا أو نحوه؛ فلا يصلي فيه؛ لكونه حاملًا للنجاسة، فأشار البخاري بهذه الترجمة إلى اشتراط طهارة الثوب من النجاسة؛ لأنَّه ذكر أولًا اشتراط ستر العورة، وهنا ذكر اشتراط طهارة الساتر، وهذا يدل على أن المؤلف يرى نجاسة المني كما هو مذهب الجمهور؛ لأنَّه صرح بهذه الترجمة صلاة الرجل في الثوب الذي يجامع فيه، والغالب أنَّ هذا الثوب يصيبه شيء من المني حين الجماع، فأفاد أن ما يصيبه من المني نجس لا يصلى بالثوب الذي فيه المني، وأفاد أيضًا أن رطوبة الفرج نجسة، وقد يقال: لا يفيد كلامه ذلك؛ لأنَّه صرح بالجماع، ووجوده لا يخلو عن المني، فالرطوبة داخلة في المني، وهي طاهرة، لكن لما خالطه النجس؛ تنجست؛ فليحفظ.
ويدل لما ذكرناه ما رواه أبو داود والنسائي من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى)، وصححه ابنا حبان وخزيمة، وسقط في رواية الحموي لفظة: (فيه)، وفي رواية المستملي: (إذا لم ير فيه دمًا)، وهذه الرواية تعين ما قلنا؛ لأنَّ الدم أخو (٢) المني في النجاسة.
قال الكرماني: وقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: من تتمة الترجمة.
وقال صاحب «التوضيح» : (وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه لا القطع) انتهى.
قلت: فإن غلبة الظن بمنزلة اليقين، فلو غلب على ظنه نجاسة الثوب؛ لا يصلي فيه ما لم يتيقن طهارته إما بغسله كله أو بعضه بأن تحرى مكانًا خاصًّا فيه أنه الذي أصابه النجس، فغسله فيصلي فيه، ولا كلام عند القطع بالنجاسة، كما لا يخفى.
وزعم ابن حجر أن البخاري يشير بقوله: (ومن صلى...) إلى آخره: إلى ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة: (أهل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى)، قال إمام الشَّارحين: (قلت: وما قاله الكرماني أوجه؛ لأنَّه اقتبس هذا من الحديث المذكور، وأراد به إدخاله في ترجمة الباب، وهذا كما رأيت قد أخذ ثلاثة أحاديث، وأدخلها في ترجمة الباب؛ الأول: حديث سلمة ابن الأكوع، وقد مر، والثاني: حديث أم حبيبة، أخرجه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبيِّ الأعظم ﷺ : «هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم ير فيه أذًى»، وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وصححاه، الثالث: حديث أبي هريرة ﵁، كما سنذكره) انتهى كلامه.
قلت: وفي حديث أم حبيبة دليل واضح على نجاسة المني؛ لأنَّه ﵇ صرح: بأن ما يصيب الثوب حال الجماع نجس لا يصلى فيه، وليس يصيب الثوب حال الجماع إلا المني، فهو دال على نجاسته، وهذا حجة على من زعم طهارته؛ فافهم.
(وأمر النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ﷺ فيما وصله المؤلف في الباب الثامن بعد هذا الباب عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر تؤذن بمنًى ألَّا يحج بعد العام مشرك، و (ألَّا يطوف بالبيت)؛ بالنصب؛ لأنَّه في الحديث المأخوذ منه عطف على المنصوب؛ وهو قوله: (ألَّا يحجَّ بعد العام مشرك)، انتهى (عريان)؛ أي: مكشوف العورة، فاستدل بهذا المؤلف؛ حيث إنه اقتباس من حديث أبي هريرة على اشتراط ستر العورة في الصلاة؛ لأنَّه إذا كان سترها في الطواف الذي هو يشبه الصلاة واجبًا؛ فاشتراط سترها في الصلاة أولى وأجدر، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أن المؤلف أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة، ولكنه ليس فيه التصريح بالأمر، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرت لك أنَّ هذا اقتباس، والاقتباس ههنا اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأنَّ الاصطلاحي: هو أن يضمن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، وههنا ليس كذلك، بل المراد ههنا أخذ شيء من الحديث، والاستدلال به على حكم؛ كما كان يستدل به من الحديث المأخوذ منه، فحديث أبي هريرة المذكور يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة بالوجه الذي ذكرناه، وهو يتضمن أمر أبي بكر، وأمر أبي بكر يتضمن أمر النبيِّ الأعظم ﷺ ، وأخذ البخاري من ذلك المتضمن صورة أمر، فقال: وأمر النبيِّ الأعظم ﷺ ألَّا يطوف بالبيت عريان، واقتصر من الحديث على هذا؛ لأنَّه هو الذي يطابق ترجمة الباب؛ فافهم، فإنه دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح، انتهى.
قلت: وهو وجيه لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.
стр. 448
[حديث: لتلبسها صاحبتها من جلبابها]
٣٥١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) : هو التبوذكي المنقري البصري ((قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم) : هو أبو سعيد التستري البصري، المتوفى سنة إحدى وستين ومئة، (عن محمد) : هو ابن سيرين البصري، (عن أم عطية) : واختلف في اسمها؛ فقيل: نَُسِيبة؛ بضم النون وفتحها، وكسر السين المهملة، وقيل: نُشَيبة؛ بضم النون، وفتح الشين المعجمة، وقيل: لُسَينة؛ بضم اللام، وفتح السين المهملة، وتحتية ساكنة، ونون مفتوحة، واختلف أيضًا في اسم أبيها؛ فقيل: الحارث، وقيل: كعب (قالت: أُمِرنا)؛ بضم الهمزة، وكسر الميم، مبني لما لم يسم فاعله، ولا ريب أن الآمر هو النبيُّ الأعظم ﷺ ، يدل عليه ما في «مسلم» من طريق هشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ ، وما تقدم عند المؤلف في (باب شهود الحائض العيدين)، وفيه: (أن حفصة سألت أم عطية: أسمعت النبيَّ الأعظم ﷺ ؟ قالت أم عطية: سمعته يقول...)؛ الحديث، وهو خبر متضمن للأمر كما سبق (أن نُخرِج)؛ بضم النون، وكسر الراء (الحُيَّض)؛ بضم الحاء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، جمع حائض (يوم العيدين) بالتثنية، وفي رواية المستملي والكشميهني: (يوم العيد)؛ بالإفراد، (و) أن نخرج (ذوات) أي: أصحاب (الخُدور)؛ بضم الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خِدْر؛ بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وفي «المخصص» : (الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء، فتكون فيه الجارية البكر)، والجمع خدور وأخدار، وأخادير جمع الجمع، وقد تخدرت الجارية واختدرت: تسترت؛ والمعنى: أمرنا أن نخرج الأبكار الشابات صواحبات الستور، (فيشهدن) أي: يحضرن كلهن (جماعة المسلمين) بالنصب؛ أي: صلاة العيدين، ومجالس الخير؛ كمجلس الوعظ ونحوه، (ودعوتهم)؛ أي: دعوة المسلمين؛ نحو: صلاة الخسوف، والكسوف، والاستسقاء، والجنازة، وغيرها، فإن اللفظ عام يشمل ذلك وغيره، خلافًا لمن زعم أنه قاصر على الاستسقاء، وهو وهم كما لا يخفى، (ويعتزل)؛ أي: ويبعد (الحُيَّض)؛ بضم الحاء المهملة، وتشديد التحتية، جمع حائض؛ أي: منهن (عن مصلاهن)؛ أي: عن مصلى النساء اللاتي لسن بحُيَّض، وفي رواية المستملي: (عن مصلاهم)؛ بالتذكير على التغليب، وفي رواية الكشميهني: (عن المُصلَّى)؛ بالإفراد، وهو بضم الميم، وفتح اللام: موضع الصلاة تحرزًا، وتنزيهًا، وصيانةً عن وقوع شيء منهن في المصلى فيتنجس، وعن مخالطة الرجال من غير حاجة ولا صلاة، بل وعن المخالطة مطلقًا ولو لحاجة؛ لفساد الزمان، وإنما لم يحرم دخولهن، وكذا الجنب؛ لأنَّه ليس بمسجد من كل وجه، كما لا يخفى.
(قالت امرأة) : هذه المرأة هي أم عطية، وكنَّت به عن نفسها، قاله إمام الشَّارحين، وفي رواية: (قلت) (يا رسول الله؛ إحدانا) : مبتدأ؛ أي: بعضنا، وخبره قوله: (ليس لها جِلْباب)؛ بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحدتين بينهما ألف: وهو خمار واسع؛ كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل: هو الإزار، وقيل: هو الملاءة التي تشتمل بها، وقيل: هو القميص؛ والمعنى: كيف تشهد ولا جلباب لها؟ وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب، (قال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لها (لتلبسْها) بجزم السين المهملة، وقوله: (صاحبتها)؛ بالرفع فاعله؛ أي: من أطلق عليها صاحبة (من جلبابها)؛ أي: بأن تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا مبني على أن يكون الثوب واسعًا حتى يسع فيه اثنان، وفيه نظر.
قال إمام الشَّارحين: (ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله ﵇: «لتلبسها من جلبابها»؛ لأنَّه ﵇ أكد الأمر باللبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيد، فإذا كان للخروج إلى العيد هكذا؛ فلأجل صلاة الفرض يكون بالطريق الأولى) انتهى.
قلت: وإذا وجب ستر العورة للنساء؛ فللرجال كذلك؛ لأنَّهم أولى لظهور التهم، وهل ستر العورة فرض مطلقًا في الصلاة وخارجها؟ نعم؛ هو فرض مطلقًا إلا لضرورة؛ نحو إزالة شعر العانة، ومريض يحقنه أجنبي، أو يجسها طبيب، أو غير ذلك كما هو مقرر في الفروع، وهذا مذهب الأئمة الحنفية وتبعهم الشافعي، فقال: ستر العورة مطلقًا واجب، والله تعالى أعلم.
(وقال عبد الله بن رجاء)؛ بالجيم، والمد: هو الغُدَاني؛ بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، وبعد الألف نون، نسبة إلى غدانة؛ وهو أشرس بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن (١) تميم، هكذا وقع في أكثر الروايات بدون النسبة، ولكن المراد به: الغداني، وقد وهم من زعم أنه عبد الله بن رجاء المكي، قاله إمام الشَّارحين، قيل: وفي رواية الأصيلي: (حدثنا عبد الله بن رجاء)، وفي رواية ابن عساكر: (قال محمد)؛ أي: المؤلف، وقال عبد الله بن رجاء: (حدثنا عِمران)؛ بكسر العين المهملة: هو القطان (قال: حدثنا محمد بن سيرين) : هو البصري المشهور (قال: حدثتنا أم عطية) : هي نسيبة، أو نشيبة، أو لسينة بنت الحارث، أو كعب قالت: (سمعت النبيَّ) الأعظم ﷺ بهذا)؛ أي: بالحديث السابق، قال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق وصله الطبراني في «الكبير» : حدثنا علي بن عبد العزيز، عن عبد الله بن رجاء؛ فذكره، وفائدته تصريح محمد بن سيرين بتحديث أم عطية له، وبطل بهذا زعم بعضهم: من أن محمدبن (٢) سيرين إنَّما سمعه من أخته حفصة، عن أم عطية؛ لأنَّه تقدم قبل روايته له عن حفصة أخته عنها، ولهذا قال الداودي: (الصحيح رواية ابن سيرين عن أم عطية) انتهى.
(٣) [باب عقد الإزار على القفا في الصلاة]
هذا (باب) في بيان حكم (عقد) المصلي (الإزار على القفا)؛ أي: إزاره على قفاه، والحال أنه داخل (في الصلاة) : و (القفا) مقصور: مؤخر العنق، وهو
стр. 449
يذكر ويؤنث، والجمع قفي؛ مثل: عصي جمع عصا، وقد جاء أقفية على غير قياس، قال إمام الشَّارحين: ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله وبين الأبواب الخمسة عشر بعده ظاهر؛ لأنَّ الكل في أحكام الثياب غير أنه تخلل فيها خمسة أبواب ذكرها، وهي غير متعلقة بأحكام الثياب، وهي باب (ما يذكر في الفخذ)، وباب (الصلاة في المنبر والسطوح والخشب)، وباب (الصلاة على الحصير)، وباب (الصلاة على الخمرة)، وباب (الصلاة على الفراش)، أمَّا مناسبة باب (الفخذ) بالباب الذي قبله؛ هو أن المذكور فيه هو الصلاة في ثوب ملتحفًا به؛ لستر العورة، والمذكور في الذي بعده حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة؛ يجب ستره، والستر إنَّما يكون بالثياب، فتحققت المناسبة بينهما من هذا الوجه، وأمَّا مناسبة باب (الصلاة في المنبر) بالباب الذي قبله؛ هو أن الثوب فيه مستعل (١) على المصلي، وفي الذي بعده المصلي مستعل على الذي يصلي عليه، فالمناسبة من حيث الاستعلاء محققة وإن كان الاستعلاء في نفسه مختلفًا، وأمَّا المناسبة بين الأبواب الثلاثة، وهي باب (الصلاة على الحصير)، وباب (الصلاة على الخمرة)، وباب (الصلاة على الفراش)؛ فظاهرة جدًّا، وبقي وجه تخلل باب (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد)، ووجه ذلك: أن السجدة فيه كانت على الخمرة، وفي الباب الذي قبله كان على المنبر والسطوح، وكل منهما مسجَد -بفتح الجيم- موضع السجود، فالمناسبة من هذه الجهة موجودة على أنَّا نقول: إن هذه الوجوه التي ذكرناها إقناعية، وليست ببرهانية، والاستئناس في مثل هذا بأدنى شيء كاف. انتهى.
(وقال أبو حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي، واسمه سلمة بن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي، الأنصاري، أبو العباس الخزرجي، وكان اسمه حزنًا، فسماه النبيُّ الأعظم ﷺ سهلًا، توفي سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة، وفي رواية الأصيلي: (عن سهل بن سعد)؛ يعني: قال: (صلوا)؛ يعني: الصحابة، وهو فعل ماض (مع النبي) الأعظم ﷺ صلاة الفرض حال كونهم (عاقدي أُزْرهم)؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار، وفي «المحكم» : (الإزار: الملحفة، والجمع آزرة، وأزُر حجازية، وأزْر تميمية، وهو يذكر ويؤنث)، قال الداودي: (سمي إزارًا؛ لأنَّه يشد به الظهر، قال تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٤٨]، وهو المئزر، واللحاف، والمقرم والقرام) انتهى.
وأصل (عاقدي أزرهم) : عاقدين أزرهم، فلما أضيف؛ سقطت منه النون، وهي جملة حالية، وفي رواية الكشميهني: (عاقدو أزرهم)، فعلى هذا؛ هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: صلوا وهم عاقدو أزرهم؛ كذا في «عمدة القاري»، (على عواتقهم) : جمع العاتق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، فيذكر ويؤنث، قال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق أخرجه المؤلف مسندًا في الباب الثالث، وهو (باب إذا كان الثوب ضيقًا)، عن مسدد: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثنا أبو حازم عن سهل، ومطابقته للترجمة ظاهرة، وإنما ذكر بعض هذا الحديث ههنا معلقًا مع أنه ذكره بتمامه في الباب الثالث؛ لأجل الترجمة المذكورة، وذكر هذه الترجمة؛ لتأكيد ستر العورة؛ لأنَّه إذا عقد إزاره في قفاه، وركع؛ لم تبد عورته)، وقال ابن بطال: (عقد الإزار على القفا إذا لم يكن مع الإزار سراويل) انتهى.
قلت: وهو ظاهر اللفظ؛ لأنَّ الحر حر الحجاز، فالظاهر: أنه لم يكن عليهم سراويل، وهو لا يضر؛ لأنَّ الإزار يستر العورة قطعًا، فلا حاجة إلى السراويل حينئذ؛ فتأمل.
[حديث: عقد الإزار على القفا في الصلاة]
٣٥٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أحمد ابن يونس) : نسبة لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس، التميمي اليربوعي، أبو عبد الله، الكوفي، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين في ربيع الأول بالكوفة عن أربع وستين سنة (قال: حدثنا عاصم بن محمد)؛ هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: حدثني) بالإفراد (واقِد بن محمد)؛ بالقاف المكسورة، والدال المهملة، هو أخو (٢) عاصم بن محمد القرشي، العدوي، العمري، المدني، (عن محمد بن المنكدر)؛ هو التابعي المشهور، وفي الإسناد رواية الأخ عن الأخ، وهما عاصم وواقد، فإنَّهما أخوان ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفيه رواية: (التابعي عن التابعي من طبقة واحدة، وهما واقد ومحمد بن المنكدر)، وهذا الطريق انفرد به البخاري، قاله إمام الشَّارحين، (قال: صلى جابر)؛ هو ابن عبد الله الأنصاري (في إِزار)؛ بكسر الهمزة: الملحفة (قد عقده) أي: الإزار (من قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ بمعنى: الجهة؛ أي: من جهة (قفاه) : وكلمة (من) تتعلق بقوله: (عقده)، وهذه الجملة في محل جر؛ لأنَّها صفة لـ (إزار) (وثيابه موضوعة) : جملة اسمية وقعت حالًا (على المِشْجَب)؛ بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم، آخره موحدة؛ وهو ثلاثة أعواد تعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يعلق عليها الثياب، وفي «المحكم» : (وهو الخشبات الثلاث التي يعلق عليها الراعي دلوه وسقاه، والجمع: شجب)، وفي «المنتهى» في اللغة: (يقال: فلان مثل المشجب من حيث أممته وجدته)، وفي «عمدة القاري» : (المشجب يقال له: السِّيْبَه في لغة أهل الحضر، وهي بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، في آخره هاء).
قلت: وهو أيضًا في لغة أهل الشام يستعمله ركاب الحاجِّ الشامي، وكذا الجزارون (٣).
(فقال) : وفي رواية: (قال) (له قائل) : هو عبادة بن الوليد بن الصامت؛ كما في «مسلم»، (تصلي في إزار واحد)؛ يعني: أتصلي؛ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، والهمزة محذوفة لكنها مقدرة؛ يعني: أتصلي في إزار واحد، وعندك ثياب غيرها، وليس عليك منها شيء؟ (فقال) أي: جابر له: (إنما صنعت هذا) بالهاء، والذال، والألف، كذا في رواية المستملي، وفي رواية: (ذلك)؛ باللام قبل الكاف، وفي رواية الحموي والكشميهني: (ذاك)؛ بالذال، والألف، والكاف، وأشار جابر بهذا إلى ما فعله من صلاته، وإزاره الواحد معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب؛ (ليراني) أي: لأنَّ يراني (أحمقُ)؛ بالرفع فاعله غير منصرف؛ ومعناه: الجاهل، وهو صفة مشبهة من الحُمْق؛ بضم الحاء المهملة، وسكون الميم؛ وهو قلة العقل، وقد حمق الرجل -بالضم- حماقة، فهو أحمق، وحمق أيضًا -بالكسر- يحمق حمقًا؛ مثل: غنم غنمًا، فهو حمِق، وامرأة حمقاء، وقوم ونسوة حمق، وحمقى، وحماقى، وأحمقت الرجل: إذا وجدته أحمق، وحمقته تحميقًا: نسبته إلى الحمق، وحامقته: إذا ساعدته على حمقه، واستحمقته: إذا عددته أحمق، وتحامق فلان: إذا تكلف الحماقة)، وقال ابن الأثير: وحقيقة الحمق: وضع الشيء في غير موضعه مع
стр. 450
العلم بقبحه، (مثلُك)؛ بالرفع صفة (أحمق)، ولفظة (مثل) وإن أضيفت (١) إلى المعرفة لا يتعرف؛ لتوغله في التنكير إلا إذا أضيف بما اشتهر بالمماثلة، وههنا ليس كذلك، فلذلك وقع (٢) صفة لنكرة، وهو قوله: (أحمق).
فإن قلت: اللام في قوله: (ليراني)؛ للتقليل والغرض، فكيف وجه إراءة الأحمق غرضًا؟
قلت: الغرض بيان جواز ذلك الفعل، فكأنه قال: صنعته ليراني الجاهل، فينكر علي بجهله، فأظهر له جوازه، وإنما أغلظ عليه بنسبته إلى الحماقة؛ لإنكاره على فعله بقوله: (تصلي في إزار واحد)؛ لأنَّ همزة الإنكار فيه مقدرة على ما ذكرنا، كذا قرره إمام الشَّارحين ﵁.
(وأيُّنا كان له ثوبان) : استفهام يفيد النفي، ومقصوده: بيان إسناد فعله إلى ما تقرر (على عهد النبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ ؛ يعني: فلا ينكر عليه ذلك، وقال إمام الشَّارحين: (ويستنبط منه جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول جماعة الفقهاء، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك، وكذا عن ابن مسعود ﵁، فروى ابن أبي شيبة عنه: (لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض)، وقال ابن بطال: (إن ابن عمر لم يتابع على قوله)، وقال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّه روي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر، كما ذكرنا، وروي عن مجاهد أيضًا: «لا يصلي في ثوب واحد إلا ألَّا يجد غيره»، نعم، عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وعمرو بن أبي سلمة، وسلمة ابن الأكوع ﵁، ومن ذلك: أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليقتدى به، وفيه أيضًا: أنه لا بأس للعالم أن يصف أحدًا بالحمق إذا عابَ عليه ما غاب عنه علمه من السنة، وفيه: جواز التغليظ في الإنكار على الجاهل) انتهى، والله تعالى أعلم.
[حديث: رأيت النبي يصلي في ثوب]
٣٥٣ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مُطَرِّف)؛ بضم الميم، وفتح الطاء، وكسر الراء المهملتين، آخره فاء (أبو مُصْعَب) بضم الميم، وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، هو ابن عبد الله بن سليمان الأصم المدني، مولى أم المؤمنين، ومن أتباع مالك بن أنس، مات سنة عشرين ومئتين (قال: حدثنا عبد الرحمن) : هو ابن زيد (بن أبي المَوالي)؛ بفتح الميم على وزن (الجواري)، وفي رواية: (الموال)؛ بدون الياء، (عن محمد بن المنكدر) : هو التابعي المشهور (قال: رأيت جابرًا) زاد في رواية: (ابن عبد الله)؛ يعني: الأنصاري ﵁ (يصلي) أي: الصلوات الخمس (في ثوب واحد) : قد عقده من قبل قفاه وعنده ثياب غيره، (وقال)؛ أي: جابر: (رأيت النبي) الأعظم ﷺ حال كونه (يصلي في ثوب)؛ يعني: واحد.
قال إمام الشَّارحين: (وهذه طريقة أخرى لحديث جابر ﵁، وفيها الرفع إلى النبيِّ الأعظم ﷺ ، وأن الصلاة في ثوب واحد وقعت من النبيِّ الأعظم ﷺ ، فذكرها؛ لأنَّها أوقع في النفس، وأخرج في الرفع من الطريقة الأولى).
وقال الكرماني: (فإن قلت: كيف دلالة هذا الحديث على الترجمة؟ قلت: إمَّا أنه مخروم من الحديث السابق، وإمَّا أنه يدل عليه بحسب الغالب؛ إذ لولا عقده على القفا؛ لما ستر العورة غالبًا) انتهى.
واعترضه ابن حجر، وأنكر عليه السؤال وجوابه وقال: (لو تأمل لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب؛ لعرف اندفاع احتماليه، فإنه طرف من الحديث المذكور لا من السابق، ولا ضرورة لما ادعاه من الغلبة، فإن لفظة: «وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به»، وهي قصة أخرى كان الثوب فيها واسعًا، فالتحف به، وكان في الأولى ضيقًا، فعقده) انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (لا هو مخروم من الحديث السابق، ولا هو طرف من الحديث المذكور في الباب الثامن، بل كل واحد حديث مستقل بذاته؛ فافهم) انتهى.
قلت: وهذا هو الصواب من القول، فإنه لو كان طرفًا من الحديث؛ لكان ذكره بصيغة التعليق، كما هو عادة المؤلف في جميع الأبواب، وعدم ذلك دليل على أنه ليس بطرف من الحديث، ولو كان مخرومًا من الحديث السابق؛ لكان فيه تكرار، وعادة المؤلف لا يذكر شيئًا بدون فائدة، فعدم ذلك دليل على أنه ليس مخرومًا.
وقول ابن حجر: (ولو تأمل لفظه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يلزم عليه ذكر وجه المطابقة، ولم يذكره، ويلزم عليه أن يذكر بصيغة التعليق، ويلزم عليه الإحالة إلى ما بعد ثمانية أبواب، وهو معَيب في الصناعة، فإذا كان جميع ذلك غير موجود؛ بطل كلام هذا القائل؛ فافهم.
وقوله: (ولا ضرورة لما ادَّعاه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه لم يذكر في الحديث أن الثوب كان في الحديث الأول ضيقًا، وفي الثاني واسعًا، ولا في ذلك شيء يدل على ما زعمه هذا القائل، وتمامه في «منهل العليل المطل فيما وقع في الفتح من التطويل المخل»؛ فارجع إليه؛ فإنه مفيد غاية الفائدة.
(٤) [باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به]
هذا (باب) : بيان حكم (الصلاة) أي: صلاة من يصلي (في الثوب الواحد) حال كونه (ملتحفًا به)؛ أي: متغطيًا به؛ لأنَّ الالتحاف لغة: التغطي، وكل شيء تغطيت به؛ فقد التحفت به، وقال الليث: (اللحف: تغطيتك الشيء باللحاف)، وقال غيره: (لحفت الرجل ألحفه لحفًا: إذا طرحت عليه اللحاف، أو غطيته بشيء، وتلحفت: اتخذت لنفسي لحافًا)، كذا في «عمدة القاري»، (وقال الزهري) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب، وسقطت الواو في رواية (في حديثه)؛ أي: الذي رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي، عن ابن أبي داود، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: (رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي ملتحفًا، فقال له عمر ﵁ حين سلم: لا يصلين أحدكم ملتحفًا، ولا تشبَّهوا باليهود)، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» : حدثنا عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: (أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا يصلي ملتحفًا، فقال: لا تشبهوا باليهود، ومن لم يجد منكم إلا ثوبًا واحدًا؛ فليتزر به)، ورواه أحمد ابن حنبل عن أبي هريرة، والظاهر: أن مراد المؤلف في حديث الزهري هو الذي رواه الحافظ الطحاوي؛ لأنَّه ليس فيه بيان الاتزار، فإن قوله: (ومن لم يجد...) إلخ: زيادة على ذاك، وهي غير لازمة على تفسير الزهري؛ لأنَّه فسر ذلك بالنسبة لحديثه الذي رواه الحافظ الطحاوي لا غيره؛ لأنَّه لا يوافق كلام المؤلف عنه، فما زعمه القسطلاني هنا غير صحيح، كما لا يخفى؛ لأنَّه قال: المراد بحديثه إما ما رواه ابن أبي شيبة، أو ما رواه أحمد.
قلت: ولا دليل له
стр. 451
على ذلك، بل هو خدش وتخمين، والظاهر ما قلناه، ويدل عليه كلام المؤلف، كما لا يخفى.
(الملتحف المتوشح) : اسم فاعل، من باب (التفعل)، من توشح يتوشح، والتوشح بالثوب: التغشي به، والأصل فيه من الوشاح؛ وهو شيء ينسج عريضًا من أديم، وربما رصع بالجواهر والخرز، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (١)، ويقال فيه: وشاح وإشاح، وقال ابن سيده: (التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وقد وشحه الثوب)، كذا في «عمدة القاري»، (وهو)؛ أي: المتوشح (المخالف بين طرفيه) أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ بالتثنية؛ وهو موضع الرداء من المنكب، فيذكر ويؤنث، كما سبق، وأوضح ذلك بقوله: (وهو)؛ أي: التوشح الذي يدل عليه قوله: (المتوشح)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] (الاشتمال على منكبيه)؛ بالتثنية؛ أي: منكبي المتوشح، قال ابن السكيت: (التوشح: هو أن تأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره).
قلت: وهذا أصرح مما ذكره ابن سيده.
وقال إمام الشَّارحين: والظاهر: أن الزهري لما فسر الملتحف بالمتوشح عند روايته حديثه فيه؛ أوضحه البخاري بقوله: (وهو المخالف...) إلى آخره، انتهى.
قلت: وعلى قول إمام الشَّارحين يكون قوله: (الملتحف المتوشح) : مقول الزهري، وإن قوله: (وهو المخالف...) إلى آخره: مقول البخاري، ويحتمل أن يكون الجميع مقول الزهري، والظاهر الأول؛ فافهم.
وقوله: (قال)؛ أي: المؤلف ساقط في أكثر الروايات، ثابت في رواية، (وقالت) : وسقطت الواو في رواية (أم هانئ)؛ بالنون وبالهمز، واسمها فاختة، وقيل: هند، وهي بنت أبي طالب القرشية الهاشمية، أخت علي الصديق الأصغر: (التحف النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: توشح (بثوب) من أثوابه يدل عليه قوله: (له)؛ أي: ملكه، وفي رواية الأصيلي: (في ثوب)، وفي رواية غيره: (بثوب)، وسقطت لفظة: (له) عندهما، والأولى رواية أبي ذر والكشميهني، (وخالف بين طرفيه) أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، وذلك بأن جعل طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، وأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم عقد طرفيهما على صدره الشريف.
قال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه البخاري موصولًا في هذا الباب، ولكن ليس فيه قوله: «وخالف بين طرفيه»، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب إذا ركع وإذا سجد) انتهى.
قلت: ووصله أيضًا مسلم في «صحيحه» لكن من طريق آخر عن أبي مرة عنها، وقال فيه: (وخالف بين طرفيه) انتهى؛ فافهم.
وقال ابن بطال: (فائدة هذه المخالفة ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع) انتهى.
قلت: وما قاله إمام الشَّارحين أظهر وأولى وأوجه؛ لأنَّ المقصود من الالتحاف: ستر العورة لا نظرها، فإنما التحف ﵇؛ من أجل ألا يسقط الثوب عنه، فتبدو عورته، فتفسد صلاته؛ لأنَّ نظر العورة لا يفسد الصلاة عند العامة، فما زعمه ابن البطال، وتبعه القسطلاني تعصبًا ليس بشيء لما علمت، كما لا يخفى على أولي الألباب.
[حديث: أن النبي صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه]
٣٥٤ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عُبيد الله) بضم العين المهملة؛ مصغر (عبد) (بن موسى) : هو ابن باذام، أبو محمد العبسي، مولاهم الكوفي، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء في الأول، وبضم العين المهملة في الثاني؛ هو ابن الزُّبير؛ بضم الزاي، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوَّام؛ بتشديد الواو، (عن عُمر) بضم العين المهملة (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتح اللام بعد فتح السين، وكذا بفتح الميم، واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أبو حفص، ربيب النبيِّ الأعظم ﷺ ، ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وقبض زمان عبد الملك بن مروان بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، وأمه أم المؤمنين أم سلمة، شهد وقعة الجمل، ولم يقتل بها خلافًا لمن زعمه؛ فليحفظ.
(أن النبيَّ) الأعظم ﷺ صلى في ثوب واحد) من أثوابه، وهذا يدل لما قاله الجمهور من جواز الصلاة في ثوب واحد مع قدرته على أكثر منه، وهو يرد على ما قاله ابن عمر وابن مسعود: لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض، وكذا هو قول مجاهد، وكأنه لم يبلغهم هذا الحديث؛ فتأمل.
(قد خالف بين طرفيه) : بأن جعل طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، وأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم عقد طرفيهما على صدره، وهذا هو الالتحاف: الذي هو التوشح والاشتمال على المنكبين، وهو مطابقة الحديث للترجمة.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي؛ لأنَّ هشامًا تابعي روى عن أبيه، وهو تابعي وروى هو عن صحابي، وهذا سند عال (٢) جدًّا يشبه سند الثلاثيات، ولو كان هشام يرويه عن صحابي؛ لكان ثلاثيًّا حقيقةً؛ لأنَّه يكون حينئذ بين البخاري وبين الصحابي اثنان (٣)، فيكون ثلاثيًّا، وهنا بينه وبين الصحابي ثلاثة، فيشبه الثلاثي من جهة العلو، وليس بثلاثي حقيقة) انتهى.
[حديث ابن أبي سلمة: أنه رأى النبي يصلي في ثوب واحد]
٣٥٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن المثنَّى)؛ بفتح النون، المعروف بالزمن البصري (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان (قال: حدثنا هِشام)؛ بكسر الهاء، هو ابن عروة، وقول القسطلاني: (عن أبيه) شرحًا خطأ (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عُمر) بضم العين (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله المخزومي (أنَّه رأى) أي: أبصر (النبيَّ) الأعظم ﷺ يصلي)؛ أي: صلاة النافلة؛ لأنَّها هي التي تؤدى بالبيت (في ثوب واحد) من أثوابه ﵇ (في بيت أم سَلَمَة)؛ بفتحات، زوج النبي الأعظم ﷺ ، واسمها هند بنت أبي أمية، وهي أم عمر المذكور، وهذا ظرف لقوله: (يصلي) (قد ألقى)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (طرفيه) أي: طرفي ثوبه، (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب.
قال إمام الشَّارحين: (وهذه طريقة أخرى في الحديث المذكور، ولكنها أنزل درجة من الطريقة الأولى، وفائدة ذكر هذه الطريقة: أن فيها التصريح من عمر بن أبي سلمة: أنه رأى النبي الأعظم ﷺ يصلي في ثوب واحد، وفيها زيادة وهي قوله: «في بيت أم سلمة»، وفائدة هذه الزيادة تعين المكان الذي يؤيد التصريح المذكور) انتهى.
[حديث ابن أبي سلمة: رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملًا]
٣٥٦ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عُبيد)؛ بضم العين المهملة؛ مصغرًا من غير إضافة، ويقال: اسمه عبد الله، ويعرف بعبيد، أبو محمد (بن إسماعيل) : الكوفي الهَبَّاري -بفتح الهاء، وتشديد الموحدة- المتوفي سنة خمس ومئتين.
(قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا) (أبو
стр. 452
أُسامة)؛ بضم الهمزة: هو حماد بن أسامة بن يزيد، الهاشمي القرشي، الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومئتين عن ثمانية سنة، (عن هشام) : هو ابن عروة، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام: (أن عُمر) بضم العين المهملة (بن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله المخزومي (أخبره) أي: أخبر عروة (قال: رأيت) أي: أبصرت (النبيَّ) الأعظم، وفي أكثر الروايات: (رسول الله) ﷺ ؛ بالنصب مفعول أول، وجملة قوله: (يصلي)؛ أي: الصلاة النافلة؛ لأنَّها لا تؤدى إلا في البيت (في ثوب واحد) من أثوابه، جملة فعلية محلها النصب على أنها مفعول ثان (١) (مشتملًا به)؛ بالنصب على الحال من (النبي)؛ أي: خالف بين طرفيه على منكبيه، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (مشتمل)؛ بالجر أو الرفع، ووجه الجر للمجاورة، ووجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: وهو مشتمل به، قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني، وتبعه ابن حجر، والزركشي، واعترضهم الدماميني فقال: (الأولى أن يجعل صفة لـ «ثوب»)، ثم أورد سؤالًا، فقال: (فإن قلت: لو كان؛ لبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له؟ قلت: ومذهب الكوفيين قاطبة: أنه لا يجب إبراز الضمير عند أمن اللبس، ووافقهم ابن مالك، ومذهبهم في المسألة أقوى، واللبس في الحديث منتف) انتهى.
قيل: وفي رواية أبي ذر: (مشتمل)؛ بالرفع خبر مبتدأ محذوف، كما ذكرناه عن إمام الشَّارحين.
(في بيت أم سَلَمَة)؛ بفتحات، هند بنت أبي أمية، وهو ظرف لقوله: (يصلي)، وإمَّا للاشتمال، وإمَّا لهما جميعًا، كذا في «عمدة القاري (واضعًا) بالنصب على الحال (طرفيه)؛ بالتثنية؛ أي: طرفي الثوب (على عاتقيه)؛ تثنية عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب، وقد خالف بينهما، وهذا هو الالتحاف: الذي هو التوشح والاشتمال على المنكبين، قال ابن بطال: (التوشح: نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به، والفقهاء مجمعون على جواز الصلاة في ثوب واحد، وروي عن ابن مسعود خلاف ذلك) انتهى.
قلت: وكلامه مغلق لا يشفي العليل، وقد بينه إمام الشَّارحين ﵁ حيث قال: (قلت: ذهب طاووس، وإبراهيم النخعي، وأحمد في رواية، وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك، ومحمد بن جرير الطبري: إلى أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادرًا على ثوبين، وإن لم يكن قادرًا إلا على ثوب واحد؛ يكره أيضًا أن يصلي به ملتحفًا مشتملًا به، بل السنة أن يأتزر به، واحتجوا في ذلك بما رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا زهير بن عباد قال: حدثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من أن يزين له، فإن لم يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود»، ورواه أيضًا البيهقي، وذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين: إلى أن الصلاة في الثوب الواحد تجوز من غير كراهة، والذين ذهبوا إلى ذلك من الصحابة وهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وجابر بن عبد الله، وعمار بن ياسر، وأُبي بن كعب، وعائشة، وأسماء، وأم هانئ ﵃ أجمعين، ومن التابعين: الإمام الأعظم أبو حنيفة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وسعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة ﵁، ومن الفقهاء: الإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد في رواية، وإسحاق ابن راهويه، وآخرون، واحتجوا على ذلك بالأحاديث المذكورة في هذا الباب).
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (تواترت الأحاديث وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره من الثياب، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابيًّا؛ وهم: أبو هريرة، وطلق بن علي، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وعمرو بن أبي سلمة، وسلمة ابن الأكوع، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم هانئ ﵃.
ولما أخرج الترمذي حديث عمر بن أبي سلمة في (الصلاة في ثوب واحد)؛ قال: (وفي الباب أحاديث عن عائشة، وعمرو بن أبي أسد، وكيسان، وعمار بن ياسر، وعبادة بن الصامت ﵃.
قال الشَّارح: (قلت: وفي الباب أيضًا عن حذيفة، وعبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن سرجس، وعبد الله بن عبيد الله بن المغيرة المخزومي، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة، وأم حبيبة، وأم الطفيل)، ثم قال: (فحديث أبي هريرة عند البخاري وأبي داود، وحديث طلق بن علي عند الحافظ الطحاوي وأبي داود، وحديث جابر عند الطحاوي والبزار، وحديث ابن عمر عند الطحاوي، وحديث عُمر بن أبي سلمة عند البخاري وغيره، وحديث سلمة ابن الأكوع عند الطحاوي وأبي داود، وحديث أم هانئ عند البخاري، وحديث ابن عباس عند الطحاوي، وحديث أُبي بن كعب عند الطحاوي وابن أبي شيبة، وحديث أبي سعيد الخدري عند الطحاوي وابن ماجه، وحديث أنس بن مالك عند الطحاوي وأحمد ابن حنبل، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغوي و «معجم الصحابة»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، وحديث كيسان عند ابن ماجه، وحديث عائشة عند أبي داود، وحديث عمار بن ياسر عند الطبراني، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في «الكبير»، وحديث حذيفة عند أحمد، وحديث عبد الله بن أبي أمية عند الطبراني في «الكبير»، وحديث عبد الله بن أنيس عند الطبراني أيضًا، وحديث عبد الله بن سرجس عنده أيضًا، وحديث عبد الله بن عبيد الله المغيرة عند أحمد، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبراني، وحديث معاذ عنده أيضًا، وحديث معاوية عنده أيضًا، وحديث أبي أمامة عنده أيضًا، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضًا في «الأوسط»، وحديث أم حبيبة عند أحمد، وحديث أم الفضل عنده أيضًا).
قال الشَّارح: (فمن أراد أن يقف على متون أحاديثهم بأسانيدها؛ فعليه بشرحنا «شرح معاني الآثار»، وأمَّا الجواب عما احتجت به الطائفة الأولى من حديث عبد الله بن عمر؛ فهو أن ابن عمر نفسه قد روى عن النبيِّ الأعظم ﷺ إباحة الصلاة في الثوب الواحد، أخرجه الحافظ
стр. 453
أبو جعفر الطحاوي، عن أبي بكرة، عن روح، عن زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ الأعظم ﷺ مثل ما روى البخاري عن جابر ﵄، فظهر من هذا أن حديثه ذاك في استعمال الأفضل؛ فبهذا يرتفع الخلاف بين روايتيه، وكذلك كل ما روي في هذا الباب من منع الصلاة في ثوب واحد؛ فهو محمول على الأفضل لا على عدم الجواز، وقيل: هو محمول على التنزيه لا على التحريم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
[حديث: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ]
٣٥٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس)؛ بضم الهمزة، وفتح الواو؛ مصغَّرًا، هو المدني الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك بن أنس)؛ هو الأصبحي المدني، وسقط: (ابن أنس) لابن عساكر، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية (مولى عُمر)؛ بضم العين المهملة، (بن عُبيد الله)؛ بضم العين المهملة، مصغر (عبد)، هو ابن معمر، القرشي التيمي، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة: (أن أبا مُرَّة)؛ بضم الميم، وتشديد الراء، واسمه يزيد (مولى أم هانئ)؛ بالنون وبالهمز، هي فاختة، وقيل: هند (بنت أبي طالب) أخت علي الصديق الأصغر، وذكر المؤلف في باب (العلم) : أنه مولى عقيل، قال إمام الشَّارحين: (وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا؛ لإكثاره الملازمة لعقيل)؛ فافهم.
(أخبره) أي: أخبر يزيد سالمًا: (أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂، وجملة قوله: (تقول) من الفعل والفاعل محلها نصب، إمَّا مفعول ثان (١) لـ (سمع)، وإمَّا حال على الخلاف المشهور: (ذهبت إلى رسول الله) : وللأصيلي: (إلى النبي) الأعظم ﷺ ؛ يعني: إلى حجرته الشريفة (عام الفتح) أي: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان، (فوجدته) حال كونه (يغتسل) أي: من الجنابة، والجملة حالية (وفاطمة ابنته) ﵂ هي الزهراء، (تستره) : جملة اسمية حالية أيضًا، (قالت) أي: أم هانئ: (فسلمت عليه، فقال) ﵇ لابنته فاطمة: (مَن هذه؟) بفتح الميم، قالت: أم هانئ (فقلت: أنا) : وللأصيلي: (قلت) (أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂، وظاهره: أنه ﵇ لم يرد ﵍؛ لكونه لم يفرغ من الغسل، فبقي على جنابته؛ لأنَّه ﵇ من عادته أن يذكر الله تعالى على طهارة، و (السلام) من أسماء الله تعالى، فكره أن يذكر الله على غير طهارة، ويدل عليه ما قدمه المؤلف في (التيمم) من حديث أبي الجهيم الأنصاري: (أنه ﵇ أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبيُّ الأعظم ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط»، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر») انتهى.
ولا يخفى أن تيممه ﵇ كان عند عدم الماء؛ فافهم.
(فقال) أي: النبي الأعظم ﷺ لأم هانئ: (مرحبًا) : منصوب بفعل مقدر؛ تقديره: لقيت رحبًا وسعة (بأم هانئ)؛ بالباء الجارة، وفي رواية ابن عساكر: (مرحبًا يا أم هانئ)؛ بياء النداء، وهذا يقوم مقام السلام في اللغة لا في الشرع، ولعله ﵇ اقتصر على ذلك، لكنه خلاف الشرع، بل رد ﵍ بعد فراغه من الغسل، والراوي إمَّا نسي هذه الجملة، وإمَّا لم يسمعها من أم هانئ؛ لعدم سماعها منه ﵇، بل قد سمعته ابنته فاطمة وأم هانئ، لكن نسيت، فلم تذكرها؛ فافهم.
(فلما فرغ) ﵇ (من غُسله) بضم الغين المعجمة، من الجنابة؛ (قام) : جواب (لما) (فصلى ثمانِيَ (٢) ركعات)؛ بكسر النون، وفتح الياء، مفعول (فصلى)، وفي رواية ابن عساكر: (ثمانَ)؛ بفتح النون من غير ياء، وزعم الكرماني: (أنه على الرواية الأولى بفتح النون).
قال إمام الشَّارحين: (قلت: حينئذ يكون منصوبًا بقوله: «فصلى»)، وقال الجوهري: (هو في الأصل منسوب إلى الثُمن؛ لأنَّه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، ثم إنَّهم فتحوا أوله؛ لأنَّهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت «ياء» القاضي، تقول: ثمان نسوة، وتسقط مع النون عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب؛ لأنَّه ليس بجمع) انتهى.
(ملتحفًا) بالنصب على الحال من الضمير الذي في (صلى) (في ثوب واحد)؛ أي: متوشح به مخالف بين طرفيه على عاتقيه، (فلما انصرف) ﵇؛ أي: فرغ من صلاته؛ (قلت) أي: قالت أم هانئ قلت: (يا رسول الله؛ زعم) : معناه ههنا: قال أو ادعى، كما في «عمدة القاري».
قلت: وإنما قال: (معناه) هكذا؛ لأنَّ الزعم أكثر ما يستعمل بمعنى فيما لا يتحقق، وقال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان: إذا شك فيه، ولم يدرِ لعله كذب أو باطل)، وقال الأصمعي: (الزعم: الكذب)، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: (الزعم: القول يكون حقًّا، ويكون باطلًا) انتهى؛ فليحفظ.
والزَُّعم -بفتح الزاي وضمها- مصدر زعم، وهو فعل يقترن به اعتقاد ظني، و (زعم) : يكون بمعنى: (ظن) فيتعدى إلى اثنين؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...﴾؛ الآية [النساء: ٦٠]، وقد يكون بمعنى: (كفل) فيتعدى إلى واحد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والله تعالى أعلم.
(ابن أمي) : هو علي بن أبي طالب، وهي شقيقته، وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفي رواية الحموي كما في «عمدة القاري» : (زعم ابن أبي) قال: (ولا تفاوت بينهما في المقصود؛ لأنَّها أخت علي من الأم والأب، ولكن الوجه في رواية: «ابن أمي» تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى ﵉: ﴿قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤]) انتهى.
(أنه)؛ أي: ابن أمي، وهو أخوها علي بن أبي طالب (قاتل رجلًا) : فـ (قاتل) : اسم فاعل، من باب (المفاعلة)؛ والمعنى: أنه عازم على المقاتلة؛ لأنَّه لم يكن قاتلًا حقيقة في ذلك الوقت، ولكنه لما عزم على التلبس بالفعل؛ أطلقت عليه القاتل، و (رجلًا) : منصوب بقوله: (قاتل)، كذا في «عمدة القاري» (قد أجرته) بفتح الهمزة بدون المد؛ أي: أمنته، والجملة محلها نصب صفة (رجلًا)، ولا يجوز فيه المد؛ لأنَّه إمَّا من الجور؛ فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة؛ يعني: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل؛ نحو: أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وإمَّا من الجوار بمعنى: المجاورة، كذا في «عمدة القاري»، (فلانَُ بن هبيرة)؛ بالرفع والنصب، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو فلان، وأمَّا النصب؛ فعلى أنه بدل من (رجلًا)، أو من الضمير المنصوب في (أجرته)، و (هُبَيْرة)؛ بضم الهاء، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وبالراء: هو ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران المخزومي، زوج أم هانئ بنت أبي طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهي أسلمت عام الفتح، وكان لهبيرة أولاد منها؛ وهم: عمرويه، وهانئ، ويوسف، وجعدة، وقد ذكرنا أن اسمها فاختة أو هند، وكنيت بهانئ أحد أولادها المذكورين، فهرب زوجها من مكة عام الفتح لما رآها أسلمت، ولم يزل مشركًا حتى مات،
стр. 454
وترك عندها ولدها منه، وهو جعدة، وهو ممن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أم هانئ، ونسي الراوي اسمه، ورد الأول بوجوه، ورجح الثاني، وجزم ابن هشام في «السيرة» : (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان)، وعند الأزرقي: (عبد الله بن أبي ربيعة، بدل زهير)، وقد أوضح ذلك إمام الشَّارحين فقال: (وقولها: «فلان بن هبيرة» فيه اختلاف من جهة الرواية ومن جهة التفسير، ففي «التمهيد» من حديث محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي مرة، عن أم هانئ قالت: (أتاني يوم الفتح حموان لي، فأجرتهما، فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبيَّ الأعظم ﷺ وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة...)؛ الحديث، وفيه قال ﵇: «أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت»، وفي «معجم الطبراني» : (إني أجرت حموي)، وفي رواية: (حموي ابن هبيرة)، وفي رواية: (حموي ابني هبيرة)، وقال أبو عمرو في حديث أبي النضر ما يدل على أن الذي أجارته كان واحدًا، وفي هذا اثنين، وأمَّا من جهة التفسير؛ فقال أبو العباس بن سريج: (الرجلان هما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدًا ﵁، ولم يقبلوا الأمان، ولا ألقوا السلاح، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها)، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا: (أنَّهما الحارث بن هشام وهبيرة بن أبي وهب)، وجزم ابن هشام في «تهذيب السيرة» : (بأن اللذين أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام وزهير بن أمية المخزوميان)، وقال الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها، كما أن الإبهام فيه محتمل لأن يكون من أم هانئ، وأن يكون الراوي نسي اسمه، فذكره بلفظ: «فلان»)، وقال الزبير بن بكار: (فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي) انتهى.
وزعم ابن حجر الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا؛ كأنه كان فيه: فلان بأنَّهُ عم هبيرة، فسقط لفظ (عم)، أو كان فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ (قريب) بلفظ (ابن)، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أمية وعبد الله بن ربيعة يصح وصفه بأن عم هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم) انتهى.
قلت: وهذا كلام من لم يذق شيئًا من العلم، فأي شيء دله على أن رواية الباب فيها حذف؟ وما هي إلا دعوى لا دليل عليها، بل الظاهر أن الرواية المذكورة في هذا الباب هي هي في الحقيقة يدل عليه أنه ذكر الطبراني هذا الحديث في «معجمه»، وكذا أبو عمرو وغيره، وفيه ما ذكر غير أنه أبدل (فلان) بـ (حموي)، كما رأيت، فلفظ (عم) و (قريب) التي قدرها هذا القائل غير صحيح؛ لأنَّ ذلك زيادة على اللفظ من غير دليل، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين.
وقوله: (فتغير...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ هذا «الجامع الصحيح» أصح الكتب بعد القرآن، فكيف يقال إنه وقع فيه التغيير؟ وما هذا إلا كلام يمجه الطبع السليم على أنه قد رواه جمع عن جمع بالإتقان والحفظ، وهذا يؤمن تغيره، فكيف قال هذا القائل ما قال؟ وما ذكره في وجه الجمع من أنه كل واحد منهم يقال له: (عم هبيرة...) إلى آخره: ممنوع، فالمدعي الأول غير ثابت، وهو أوهى من بيت العنكبوت، فكيف يبني عليه بأضعف منه؟ والوصف بالعم ينافي ذلك؛ لأنَّ العم إمَّا من النسب أو من قرابة الزوج، وهؤلاء ليسوا من ذلك، فلا يصح الوصف بالعم، وكذلك الوصف بالقريب، فمن أين جاء به هذا القائل؟
وقال إمام الشَّارحين: الأصوب والأقرب أن تقول في توجيه رواية أبي النضر: «فلان بن هبيرة» أن يكون المراد من «فلان» هو ابن هبيرة من غير أم هانئ، فنسي الراوي اسمه، وذكره بلفظ «فلان»، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في «التمهيد»، ورواية الطبراني، فإنها تدل على أن الذي أجارته أم هانئ هو حموها.
فإن قلت: المذكور في رواية أبي النضر واحد، وفي هذه الروايات اثنان؛ قلت: لا يضر ذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانًا، كما أبهم اسمه نسيانًا، وقال ابن الجوزي: (إن كان ابن هبيرة منها؛ فهو جعدة)، وجوز أبو عمرو أن يكون من غيرها، وهو الأصوب؛ لما ذكرنا.
فإن قلت: نقل أبو عمرو من أهل النسب أنَّهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غيرها؛ قلت: لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك ألا يكون له ابن من غيرها) انتهى.
زاد في الطنبور نغمة ابن حجر، فزعم أن جعدة معدود فيمن له رواية، ولم يصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين: أبو عمرو، وابن حبان، وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ؛ لم يهم علي ﵁ بقتله؛ لأنَّها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها، ورده إمام الشَّارحين فقال: (كونه تابعيًّا أو صحابيًّا على ما فيه من الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك).
وقوله: «فكيف يتهيأ...» إلى آخره: مجرد دعوى، فيحتاج إلى برهان، فظهر من هذا أن قول الكرماني: (أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة وربيبها) أقرب إلى الصواب وأوجه، وقول بعضهم: (والذي يظهر لي...) إلى آخره: بعيد في ذلك، وتصرف من عنده بغير وجه؛ لأنَّ فيه ارتكاب الحذف والمجاز؛ والتقدير: بشيء: بعيد غير مناسب، ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفًا، وهذا كلام كله خلاف الأصل، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام) انتهى.
ومراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر العسقلاني، فإنه القائل، والذي يظهر لي أن في رواية... إلى آخر كلامه، كما سقناه فيما سبق، وتكلمنا عليه ببعض ما يجب عليه؛ فافهم، والله أعلم.
(فقال رسول الله) : وفي رواية الأصيلي: (النبي) الأعظم ﷺ لأم هانئ: (قد أجرنا من أجرت) يعني: أمنا من أمنت، كما زاده في رواية ابن عجلان في «التمهيد»، كما سبق.
(يا أم هانئ)؛ أي: فليس لشقيقك قتله، (قالت أم هانئ) : في بيان الوقت الذي جاءت به لعند النبي الأعظم ﷺ : (وذاك)؛ بالألف بين الذال والكاف، وفي رواية الأصيلي: (وذلك)؛ باللام، والإشارة إلى ما ذكرته من قولها: فصلى ثمان ركعات (ضحًى)؛ أي: كان ذلك الوقت ضحًى، أو صلاة ضحًى، ويدل للأول: ما في رواية أحمد في هذا الحديث: (وذلك يوم فتح مكة ضحى)، ويدل للثاني: ما في رواية أبي حفص بن شاهين: أن أم هانئ قالت: يا رسول الله؛ ما هذه الصلاة؟ قال: «الضحى»، وما رواه ابن أبي
стр. 455
شيبة: ثم صلى الضحى ثمان ركعات، وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضًا يمنع التخرص في ذلك بأن قال بعضهم: (هذه صلاة الفتح)، وبعضهم قال: (صلاة الإشراق)، والدليل على ذلك ما في رواية «مسلم» : (ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى)؛ كذا قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني ﵁.
قلت: فهذه الروايات تدل على فساد ما زعمه البعض الأول والبعض الثاني، ولأن الإشراق لا صلاة له؛ يدل عليه أن النبيَّ الأعظم ﷺ نهى عن الصلاة حين تطلع الشمس، وحين استوائها، وحين غروبها، وفي حديث آخر: «إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان»؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام: الأول: فيه جواز تستر الرجال بالنساء.
الثاني: فيه جواز السلام من وراء الحجاب.
الثالث: فيه عدم الاكتفاء بلفظة (أنا) في الجواب، بل يوضح غاية التوضيح، كما في ذكر الكنية والنسب هنا.
الرابع: فيه استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته.
الخامس: فيه دليل على استحباب صلاة الضحى وأنها ثمان ركعات.
السادس: فيه جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو لجماعة، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي؛ لأنَّه متهم بهم، ولا أسير، ولا تاجر يدخل عليهم، ولا يجوز أمان عبد إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمد بن الحسن: يجوز أمانه مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وبه قال محمد بن إدريس، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل؛ لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال؛ فعلى الخلاف، وإن كان مأذونًا له في القتال؛ فالأصح أنه يصح أمانه بالاتفاق، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
[حديث: فقال رسول الله أولكلكم ثوبان]
٣٥٨ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف) تثليث السين مع الهمز وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن سعِيد بن المسيِّب)؛ بفتح التحتية وكسرها، وكسر العين في الأول، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر ﵁: (أن سائلًا) : هو ثوبان الصحابي، كما ذكره إمامنا شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط»، وقول ابن حجر: (لم أقف على اسمه) لا ينافي ذلك؛ لأنَّه لا يلزم من عدم معرفته اسمه ألا يكون معروفًا عند غيره، وفوق كل ذي علم عليم؛ فافهم.
(سأل رسول الله ﷺ عن) جواز (الصلاة)؛ أي: المفروضة والواجبة والنافلة؛ لأنَّ (أل) فيه للجنس (في ثوب واحد)؛ بالتنكير، وفي رواية أبي الوقت: (في الثوب الواحد)؛ بالتعريف، (فقال رسول الله ﷺ ؛ أي: للسائل المذكور: (أولكلكم ثوبان؟)؛ الهمزة فيه للاستفهام؛ يعني: فإذا كنتم بصفة العدم وضيق الثياب وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم؛ فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، فاللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﷺ من حالهم في العدم وضيق الثياب، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وقال الكرماني: (فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: هو مقدر؛ أي: أنت سائل عن مثل هذا الظاهر؛ ومعناه: لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين لكلكم؛ إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة العام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل) انتهى.
قلت: قد علمت مما قاله إمام الشَّارحين: (إن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم والضيق) على أنه لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأنَّ عدمه أولى، ولأن مراده ﵇ الاستخبار عن حالهم بأن هل يجد أحدهم ثوبين؟ يعني: فالصلاة في الثوب الواحد جائزة مع الكراهة؛ لأنَّه يستر العورة، وليس فيه تجمل، والصلاة في الثوبين جائزة بدون كراهة؛ لأنَّه قد ستر العورة، وتجمل لعبادة ربه ، وقال القاضي عياض: (وقوله ﵇: «أولكلكم ثوبان أويجد ثوبين؟» صيغته صيغة الاستفهام، ومعنى التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وضمنه دليل على الرخصة، وتنبيه على أن الثوب أفضل وأتم، وهو المعهود منه عند أكثر العلماء)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ذهب الحافظ أبو جعفر الطحاوي وكذا الباجي: إلى أن المفهوم من الحديث التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء).
قلت: فالثوب الواحد إذا صلى فيه أو ثوبان إذا صلى فيهما على حد سواء من حيث جواز الصلاة، ولكن الأفضل الصلاة في الثوبين؛ لأنَّه أتم في ستر العورة والتجمل، فقول القاضي عياض: (وتنبيه على أن الثوب أفضل) : ممنوع؛ لأنَّه ليس فيه فضل، بل هو واجب لستر العورة، والأفضل إنَّما يقال للزائد على الفرض؛ فافهم.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد؛ لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأنَّ حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره)، واعترضه ابن حجر، فزعم أن هذه الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة)، ورده إمام الشَّارحينفقال: (أخذ هذا القائل صدر الكلام من كلام الطحاوي، ثم غمز فيه، ولو أخذ جميع كلامه؛ لما كان يجد إلى ما قاله سبيلًا) انتهى.
قلت: على أنه قول النبيِّ الأعظم ﷺ متضمن لسؤالين:
أحدهما: السؤال عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، فالصلاة فيه جائزة حيث إنه ساتر للعورة؟
والثاني: السؤال عن الذي يجد أكثر من ثوب واحد، فهو عن الكراهة وعدمها؟
فالصلاة في الثوب الواحد لمن يجد
стр. 456
أكثر منه مكروهة حيث ترك التجمل لعبادة ربه ، وصلاته فيه لمن لا يجد غيره لا كراهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه، يدل عليه فعل عمر بن الخطاب ﵁ للذي رآه يصلي بثوب واحد مرقع، فنخزه بيده، وقال له: (أرأيت إذا كنت قدام حاكم هل كنت تقف بهذه؟)، فقال: لا، فقال: (الله أحق أن تتزين له)، على أن الحديث مصرح بالفرق بين القادر وغيره، لأنَّ السؤال إنَّما كان عن غير القادر، والجواب له وللقادر أيضًا، وكيف خفي هذا عن ابن حجر، وفوق كل ذي علم عليم؟
ويدل لما قلناه ما أخرجه أبو داود عن مسدد، حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي: حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قدمنا على نبيِّ الله ﷺ ، فجاء رجل فقال: يا نبي الله؛ ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق رسول الله ﷺ إزاره، وطارق له رداءه، فاشتمل بهما، ثم قام، فصلى بنا نبيُّ الله ﷺ ، فلما أن قضى الصلاة؛ قال: «أوكلكم يجد ثوبين؟»، وأخرجه الطبراني أيضًا، وفي روايته: (طابق) بدل قوله: (طارق) من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين: إذا ظاهر بينهما؛ أي: لبس أحدهما على الآخر، وكذلك معنى: (طابق)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، فهذا الحديث يدل على أن السؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، وعن الكراهة وعدمها في الزائد على الثوب الواحد لمن يجد أكثر من الواحد، وإنما يكون الجواب عن الجواز وعدمه فيما رواه ابن حبان في هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، فقال في الجواب: «ليتوشح به، ثم ليصل (١) فيه»، فهذا يدل على أن السؤال وقع على الجواز وعدمه، وكأن ابن حجر لم يطلع على هذه الروايات، فقال ما قال؛ فافهم.
قلت: وفي الحديث: وجوب ستر العورة، وهو مذهب الجمهور من الصحابة؛ كابن عباس، وعلي، ومعاوية، وأنس، وأبي (٢) هريرة، وعائشة، وأم هانئ، ومن التابعين: إمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعطاء، ومن الفقهاء: الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق ابن راهويه، وفيه: استحباب الزيادة على الثوب الواحد؛ لأجل التجمل لعبادة الرب ؛ لأنَّه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولأن فيه التحديث بالنعمة، وفيه: كراهية الصلاة بالثوب الواحد لمن يجد أكثر منه؛ لأنَّ فيه التهاون في أمر العبادة، وفيه: وجوب السؤال لأمر من أمور الدين قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهم العلماء؛ لأنَّهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.
(٥) [باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا صلى)؛ أي: الرجل (في الثوب الواحد) : وجواب (إذا) قوله: (فليجعل)؛ أي: بعضه (على عاتقيه)؛ بالتثنية، ولابن عساكر: (على عاتقه)؛ بالإفراد، زاد في رواية كريمة: (شيئًا)؛ أي: من الثوب، وفي «المخصص» : (هو من المنكبين إلى أصل العنق: عاتقان)، وفي «الموعب» : (هو صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا، يقال له: العاتق، والجمع عتق، وعواتق، وعتق)، وقال أبو عبيدة: (هو مذكر، وقد يؤنث)، وقال اللحياني: (هو مذكر لا غير)، وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به: التأنيث، وسألت بعض الفصحاء فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا ليس بمعروف، ولا عن ثقة، وهو قوله:
لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ... وَلَا بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي
وفي «الجامع» : (هو مذكر، وبعض العرب تؤنثه)، وأنكره بعضهم وقال: هذا لا يعرف، وأمَّا يعقوب بن السكيت؛ فذكره مذكرًا ومؤنثًا من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة منهم: أبو نصر الجوهري، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث، فقال:
وهاك من الأعضاء ما قد عددته... يؤنث أحيانًا وحينًا يذكر
لسان الفتى والإبط والعتق والقفا... وعاتقه والمتن والضرس يذكر
وعندي الذراع والكراع مع المِعَى... وعجز الفتى ثم القريض المحبر
كذا كل نحوي حكى في كتابه سوى... سيبويه وهو فيهم مكبر
يرى أن تأنيث الذراع هو الذي... أتى وهو للتذكير في ذاك منكر
وقال صاحب «دستور اللغة» بديع الزمان: (باب الأسماء الخالية من علامة التأنيث) : والأسماء التي اشترك فيها التذكير والتأنيث وهي حدود مئتي اسم ونيف، وعلامة المشترك يجمعها قوله نظمًا:
عين يمين عضد كف شمال أذن... سن معًى رجل يد
قتب ذراع أصبع ناب عجوز... ساق كراع كبد
وحش جراد رجلها أروى سعير... زندها ذكاء طاعوت يد
ذود طباع خضر روح شبا... خيل أتان وصف أنثى المفرد
وذكر بعدها أحد عشر بيتًا على قافية الباء الموحدة، وسبعة أبيات أخرى على قافية اللام، كذا في «عمدة القاري».
[حديث: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء]
٣٥٩ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو عاصم) : هو الضحاك بن مَخلد -بفتح الميم- البصري، المشهور بالنبيل، (عن مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف النون، هو عبد الله بن ذكوان، (عن عبد الرحمن) : هو ابن هرمز (الأعرج، عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: قال رسول الله) : وفي رواية: (النبي) الأعظم ﷺ لا يصلي)؛ بإثبات الياء؛ لأنَّه نفي، لأنَّ كلمة (لا) نافية، و (لا) النافية لا تسقط شيئًا، ولكن معناه النهي، ونص ابن الأثير على إثبات الياء في «الصحيحين» قال: (وذلك لا يجوز؛ لأنَّ حذفها علامة الجزم بـ «لا» الناهية، فإن صحت الرواية؛ فتحمل على أن «لا» نافية) انتهى.
قلت: وقد صحت الرواية بذلك، فلا وجه للتردد، وقد رواه الدارقطني في «غرائب مالك»
стр. 457
بلفظ: (لا يصل)؛ بغير ياء على أن كلمة (لا) ناهية، ورواه النسائي من طريق سفيان بلفظ: (لا يصلينَّ)؛ بزيادة نون التأكيد، وتمامه في «عمدة القاري».
(أحدكم في الثوب الواحد) وقوله: (ليس على عاتقه)؛ بالإفراد رواية الأكثرين، وفي رواية: (على عاتقيه)؛ بالتثنية، جملة حالية بدون الواو، ويجوز في مثل هذا الواو وتركه (شيء) : وفي رواية «مسلم» : (منه شيء)، وذلك لئلا يسقط الثوب إذا ركع أو إذا سجد؛ فتظهر عورته، فتفسد صلاته، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ: (نهى رسول الله ﷺ ، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بعد أن أخرج هذا الحديث من أربع طرق تواترت الآثار عن النبي الأعظم ﷺ بالصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره)، ثم قال: فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها، ويجوز أن يكون على كل الثياب ما ضاق منها وما اتسع، فنظرنا في ذلك؛ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قد حدثنا قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا قصر بن خليفة عن شرحبيل بن سعد قال: حدثنا جابر: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا اتسع الثوب؛ فتعطف به على عاتقك، وإذا ضاق؛ فاتزر به، ثم صل (١)»، فثبت بهذا الحديث: أن الاشتمال هو المقصود، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يصلي فيها، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب؛ اتزر به.
واحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي نستطيع أن نئتزر به ويشتمل، هل يشتمل به أو يئتزر، فكيف يعقل؛ فإذا يونس قد حدثنا قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، فنهى ﵇ في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد مئتزرًا به، وقد جاء عنه ﵇ أيضًا: (أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره)، وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، وإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متَّزرًا به، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن النبيِّ الأعظم ﷺ انتهى.
وزعم الكرماني: (أن النهي في الحديث ظاهره يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه؛ إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل؛ جاز).
قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ الإجماع ما انعقد على جواز تركه، فهذا أحمد ابن حنبل: لا يجوز صلاة من قدر على ذلك وتركه، ونقل ابن المنذر عن محمد بن علي: عدم الجواز، ونقل بعضهم: وجوب ذلك عن نص الشافعي، واختاره مع أن المعروف في كتب الشافعية خلافه)، وقال الخطابي: (النهي في الحديث نهي استحباب، وليس على سبيل الإيجاب، فقد ثبت أنه ﵇ صلى في ثوب كان بعض طرفيه على [بعض] نسائه وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأنَّ يئتزر به، ويفضل منه ما يكون لعاتقه؛ إذ كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، ففي حديث جابر الذي يتلو هذا الحديث أيضًا جواز الصلاة من غير شيء على العاتق) انتهى.
قلت: وفي رواية عن أحمد: أنه تصح صلاة من قدر على الثوب ويأثم، فجعله واجبًا مستقلًّا، وعلى ما تقدم؛ جعله شرطًا، وهو المشهور عنه، وزعم ابن حجر أن في كلام الخطابي نظر، ولم يذكر وجهه، ونظره مردود عليه؛ لأنَّه لو كان له وجه؛ لذكره.
والحاصل: أنه لم يوجد إجماع على جواز تركه، وأن النهي في الحديث للندب والاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، والله تعالى أعلم.
[حديث: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه]
٣٦٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النون: هو الفضل بن دُكين -بضم الدال المهملة- واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي (قال: حدثنا شَيْبَان)؛ بفتح المعجمة أوله، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: هو ابن عبد الرحمن النحوي، المؤدب، البصري، (عن يحيى بن أبي كثير)؛ بالمثلثة، ضد القليل: هو صالح بن المتوكل الطائي، مولاهم العطار، (عن عِكرمة)؛ بكسر العين المهملة، هو المفسر المشهور، مولى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن (قال)؛ أي: يحيى: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة- (أو كنت سألته)؛ بالشك؛ أي: كنت سمعت منه؛ إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال- (قال) : ولابن عساكر: (فقال)؛ أي: عكرمة: (سمعت أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (يقول) : جملة فعلية محلها نصب إمَّا مفعول ثاني لـ (سمعت)، وإمَّا حال على قولين مشهورين: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ : ففيه الشهادة والسماع من أبي هريرة، وذلك إشارة إلى حفظه، واستحضاره، وإتقانه، كذا في «عمدة القاري» (يقول) : جملة محلها نصب كالأولى: (من صلى في ثوب واحد) : وسقط في رواية لفظة: (واحد) (فليخالف بين طرفيه)؛ أي: بين طرفي الثوب، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه هو التوشح: وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك؛ ليستر أعلى البدن وموضع الزينة، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب عنه إذا ركع، وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء؛ صحت صلاته، ويقال: إنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ ربما يحتاج إلى إمساكه بيده، فيشتغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
قلت: وربما أنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ تفسد صلاته؛ لاحتياجه إلى عمل كثير في إمساكه، ورفعه، ووضعه، وغير ذلك، والمقصود ستر العورة في الصلاة، وهذه المخالفة؛ لأجل عدم ذلك كله، وزعم ابن بطال أن هذه المخالفة فائدتها في الثوب ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، انتهى.
قلت: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ نظر العورة لا يضر المصلي؛ لأنَّ النظر إلى عورة نفسه مباح، وكذا مسها، وليس لذلك تأثير في صحة الصلاة، والأوجه ما قاله
стр. 458
إمام الشَّارحين، كما لا يخفى، واحتج أحمد ابن حنبل بظاهر هذا الحديث، وشرط الوضع على عاتقه عند القدرة، وفي رواية عنه: (أنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه).
قلت: ولا دليل فيه له؛ لأنَّ الأمر فيه للندب عند الجمهور، كما مر.
قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المخالفة بين طرفي الثوب لا يستر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق)، وزعم ابن حجر أنه في بعض طرق هذا الحديث: «فليخالف بين طرفيه على عاتقيه»، وهو عند أحمد من طريق معمر عن يحيى، وعند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حسين عن شيبان، ثم ادعى أنَّ هذا أولى في مطابقة الترجمة؛ لأنَّ فيه التصريح بالمراد، فالمصنف أشار إليه كعادته)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (دعوى الأولوية غير صحيحة؛ لأنَّ الدلالة على المراد من الطريق الذي للمصنف من نفس الكلام المسوق أولى من الكلام الأجنبي عنه) انتهى.
قلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ أخذ الدلالة عند المحققين من فحوى الكلام المسوق لا من كلام خارج عنه؛ لأنَّ ذلك معيب في الصناعة، وعادة المؤلف ليست كما ذكره هذا القائل؛ لأنَّ المراد بعادته: ترتيب أبوابه من ترجمتها وأحاديثها المطابقة لها، فإنه يذكر الباب ويترجم عليه، ثم يسوق الأحاديث المطابقة لما ترجم له، فهذه عادته، وكتابه «الجامع الصحيح» يدل عليه، فقول هذا القائل: (إن المصنف أشار بالترجمة إلى ما رواه أحمد والإسماعيلي وأبو نَعيم) : غير صحيح؛ لأنَّ ذلك بعيد، وغير مراد للمؤلف؛ لأنَّه لو كان مرادًا له؛ لذكره في كتابه هذا، وبعيد أن يحيل على خلاف كتابه؛ لأنَّه معيب في الصناعة؛ فليحفظ.
وقال إمام الشَّارحين: وفي هذا الحديث الشك من يحيى بين السماع والسؤال حيث قال أولًا: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة، ثم قال: (أو كنت سألته)؛ يعني: سمعت منه إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال، وأخرجه الإسماعيلي عن مكي بن عبدان، عن حمدان السلمي، عن أبي نعيم بلفظ: (سمعته أو كتب به إلي)، والشك هنا من السماع والكتابة، وقال الإسماعيلي: (لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة)، ورواه هشام، وحسين، ومعمر، وزيد بن سنان؛ كلٌّ قال عن عكرمة لم يذكر خبرًا ولا سماعًا، وأخرجه أبو داود من حديث يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة بالعنعنة من غير شك، ولفظه: «إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليخالف بطرفيه على عاتقيه» انتهى، والله تعالى أعلم.
(٦) [باب إذا كان الثوب ضيقًا]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا كان الثوب ضيقًا)؛ أي: كيف يفعل المصلي، والضَّيِّق؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد المثناة التحتية، ويجوز تخفيفها، وهو صفة مشبهة، واسم الفاعل في هذه المادة: (ضائق) على وزن (فاعل)، والفرق بينهما: أن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، واسم الفاعل يدل على الحدوث، كذا في «عمدة القاري».
[حديث: ما السرى يا جابر ؟]
٣٦١ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى بن صالح) : هو أبو زكريا الوُحاظي -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة- الحمصي، الحافظ الثقة، المتوفى سنة اثنتين (١) وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، وفليح لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (بن سُلَيْمان) بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية، (عن سعِيد) بكسر العين المهملة (بن الحارث)؛ بالثاء المثلثة: هو الأنصاري قاضي المدينة (قال: سألنا جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري ﵁، (عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) كيف يفعل المصلي؟ (فقال) أي: جابر: (خرجت مع النبيِّ) الأعظم ﷺ من المدينة (في بعض أسفاره)؛ أي: في غزوة بواط، كما عينه مسلم في روايته، وبُواط بضم الموحدة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم طاء مهملة، قال الصغاني: (بواط: جبال جهينة في ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة (٢) برد أو أكثر)، وقال ابن إسحاق: (جميع ما غزا النبيُّ الأعظم ﷺ بنفسه الكريمة سبع وعشرون (٣) غزوة، غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، وغزوة بواط من ناحية رضوى...)، ثم عد الجميع، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
(فجئت ليلة) أي: إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (لبعض أمري)؛ أي: لأجل بعض حوائجي، والأمر: هو واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ فافهم.
(فوجدته) ﷺ (يصلي) : جملة محلها نصب على أنه مفعول ثان لـ (وجدت)، ولم تعلم هذه الصلاة، والظاهر: أنها نافلة الليل يدل عليه قوله: (ما السرى)؛ فافهم.
قال جابر: (وعلي ثوب واحد) : جملة اسمية في محل النصب على الحال، (فاشتملت به)؛ يعني: خالفت بين طرفي الثوب على عاتقي، وهو التوشح: وهو الاشتمال على المنكبين (وصليت إلى جانبه) : وكلمة (إلى) في الأصل: للانتهاء؛ والمعنى: صليت منتهيًا إلى جانب النبيِّ الأعظم ﷺ ، ويجوز أن تكون بمعنى (في)؛ لأنَّ حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، ويجوز أن يقال: فيه تضمين معنى الانضمام؛ أي: صليت منضمًا إلى جانبه ﵇، كذا في «عمدة القاري».
قلت: يعني: أن جابر صلى مقتديًا بالنبيِّ الأعظم ﷺ في النافلة ليلًا، وهو جائز من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، ولهذا لم ينهه ﵇ عن ذلك، وأقره عليه؛ فافهم.
(فلما انصرف) أي: فرغ النبيُّ الأعظم ﷺ من الصلاة؛ (قال) ﵇: (ما السُّرى)؛ بضم السين والقصر؛ أي: ما سبب سيرك ومجيئك إلي في الليل؟ (يا جابر)؛ وإنما سأله عن ذلك؛ لعلمه بأن الداعي له على المجيء بالليل أمر وحاجة ضرورية أكيدة، (فأخبرته بحاجتي) ولم يعلم ذلك الأمر، (فلما فرغت) أي: من بيان حاجتي؛ (قال) ﵇ له: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟)؛ هو استفهام إنكاري، وسبب الإنكار: أن الثوب كان ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وأنه تواقص؛ أي: انحنى عليه حتى لا يسقط؛ فكأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا للعورة، فانحنى؛ ليستتر، فأعلمه ﵇ بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، وأمَّا إذا كان ضيقًا؛ فإنه يجزئه أن يئتزر به؛ لأنَّ المقصود هو ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار، ولا يحتاج إلى الانحناء المغاير للاعتدال المأمور به، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وقد بيَّن مسلم في روايته سبب الإنكار؛ حيث أخرج هذا الحديث من حديث عبادة عن جابر مطولًا، وفيه: «إذا كان واسعًا؛ فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاشدده على حقوك»، وأخرجه أبو داود كذلك، وحَِقوك؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها: الإزار، والأصل فيه: معقد
стр. 459
الإزار، ثم سمي به الإزار؛ للمجاورة، وجمعه أحق وأحقاء، انتهى.
وقال الخطابي: (الاشتمال الذي أنكره ﵇ إنَّما هو اشتمال الصماء، وهو أن يخلل نفسه بثوبه ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك) انتهى.
قلت: وهو عادة أهل المغرب الذي قال في حقهم: الفصحاء الشح في الغرب، ويتبعه سوء الخلق، ولهذا قيل: حرك؛ ترَ (١)، قال: من غير تحريك.
(قلت) أي: قال جابر: قلت: (كان) أي: الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، فيكون انتصاب (ثوبًا) على أنه خبر (كان)، وفي رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا)؛ وفي رواية أبي ذر وكريمة: (كان ثوب)؛ بالرفع، ووجهه: أن تكون (كان) تامة بمعنى: وجد، فلا تحتاج إلى الخبر، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، والزركشي، والبرماوي، واعترضه الدماميني، فزعم أن الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأي معنًى لإخباره بوجود ثوب في الجملة؟ فينبغي أن يقدر ما يناسب المقام) انتهى.
قلت: وهذا ممنوع؛ لأنَّ الاقتصار على ذلك ظاهر غاية الظهور، ومعنى (إخباره بوجود ثوب) : أنه ليس عنده غير هذا الثوب الموجود الذي رأيتني أصلي فيه.
فقوله: (وأي معنًى...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه ما ذكرناه، ويدل على ما قلناه قوله ﵇ له: «فإن كان واسعًا...» إلى آخره: وهو بيان حكم الصلاة في الثوب، وكأنه ﵇ من رحمته لم ينكر عليه لباس الثوب الضيق؛ لإخباره له بأنه لم يوجد عنده غيره، ويدل على أن الثوب كان ضيقًا ما صرح به في رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا).
وقوله: (فينبغي أن يقدر...) إلخ: لا حاجة إلى ذلك، والمعنى المذكور هنا صحيح، وهو مناسب للمقام، فلا حاجة إلى تقدير آخر؛ فتأمل.
(قال) ﵇: (فإن كان)؛ أي: الثوب، والفاء تفصيحية؛ تقديره: إذا أردت معرفة بيان الثوب الضيق والثوب الواسع، فإن كان الثوب الذي يريد المصلي الصلاة به (واسعًا) بحيث يشتمل على المنكبين؛ (فالتحف)؛ أي: تغطَّ (٢) وارتد (به)؛ أي: بأن يخالف بين طرفي الثوب حيث يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وزعم القسطلاني أن الملتحف المُؤتز بطرف المرتدي بالطرف الآخر منه.
قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، كذا فسره محمد بن مسلم الزهري، كما تقدم؛ فافهم.
(وإن كان) أي: الثوب المذكور (ضيقًا)؛ أي: لا يمكن به الاشتمال؛ (فائتزر به) : وهو أمر بالائتزار، وهو أن يجعل الثوب وزرة؛ كالفوطة، قال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه المادة: أن الفعل «أزر» على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال؛ صار «ائتزر» على وزن «افتعل» بهمزتين أولاهما مكسورة، وهي همزة الافتعال، والأخرى ساكنة، وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر: أن تقلب تاء مثناة من فوق، وتدغم التاء في التاء، وهذا معنى قول الكرماني: «بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء»، ولفظ الحديث على الوجه الأول) انتهى، والله أعلم.
وقال ابن بطال: (حديث جابر هذا تفسير لحديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم، وهو «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» في أنه أراد: الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأمَّا إذا كان ضيقًا، ولم يمكنه أن يشتمل به؛ فليئتزر به)، وقال الكرماني: (فإن قيل: الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد مؤتزرًا به، وظاهره: أنه يعارض قوله: «وإن كان ضيقًا؛ فائتزر به»)، وأجاب الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بأن النهي عنه للواجد معه لغيره، وأما من لم يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الضيق مؤتزرًا به) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ويستنبط من الحديث: جواز طلب الحوائج بالليل من السلطان؛ لخلاء موضعه وسره، وجواز مجيء الرجل إلى غيره بالليل؛ لحاجته، ومن ذلك: أن الثوب إذا كان واسعًا؛ يخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ يئتزر به) انتهى.
[حديث: كان رجال يصلون مع النبي عاقدي أزرهم على أعناقهم]
٣٦٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مُسدد)؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان، (عن سفيان) : هو الثوري، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون سفيان بن عيينة؛ لأنَّهما يرويان عن أبي حازم، ورده إمام الشَّارحين فقال: (نص المزي في «الأطراف» : أنه سفيان الثوري) انتهى.
قلت: ولا يلزم من كونهما يرويان عن أبي حازم أن يكون ابن عيينة، فاحتمال الكرماني غير صحيح؛ فافهم.
(قال: حدثني)؛ بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا) (أبو حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي: هو سَلَمَة -بفتحات- ابن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل) : زاد الأصيلي: (ابن سعد) : هو أبو العباس، الساعدي الأنصاري الخزرجي (قال) أي: سهل: (كان رجال)؛ أي: الصحابة، زعم الكرماني أن التنكير فيه؛ للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان يخالف ذلك، وهو كذلك، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ما في رواية أبي داود المذكورة يرد ما ذكره؛ لأنَّ في روايته: «رأيت الرجال»؛ بالتعريف) انتهى.
قلت: والمقام يقتضي أن جميع الرجال؛ أي: الصحابة لا يخالف بعضهم بعضًا؛ لأنَّهم أشد الاتباع له ﵇ لا سيما في الصلاة معه بالجماعة، فإنه لم ينقل تخلف بعضهم عنها، حتى قال بعض علمائنا: (إن الجماعة واجبة)، وقال أحمد: (إنها فرض)؛ فافهم.
(يصلون مع النبيِّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: الصلوات الخمس، وجملة: (يصلون) خبر (كان) (عاقدي أُزْرهم)؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار: وهو الملحفة، والجمع آزرة وأزر، وهو يذكر ويؤنث، وسمي به؛ لأنَّه يشد به الظهر، وأصل (عاقدي) : عاقدين، فلما أضيف؛ سقطت النون منه، والجملة محلها نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابها على أنها خبر (كان)، ويكون قوله: (يصلون) في محل النصب على الحال؛ فافهم.
(على أعناقهم) : جمع عنق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث، (كهيئة الصبيان) : وفي رواية «أبي داود» : (كأمثال الصبيان)، والمعنى قريب.
قال إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى: ذكر البخاري هذا الحديث في أول (باب عقد الإزار على القفا) معلقًا؛ حيث قال: (وقال أبو حازم عن سهل: صلوا مع النبيِّ الأعظم ﷺ عاقدي أزرهم على عواتقهم)، وأخرجه هنا مسندًا، كما رأيت، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظ أبي داود: عن سهل بن سعد قال: (رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله ﷺ في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء؛ لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال) انتهى، ثم قال:
стр. 460
(وفي الحديث: أن الثوب إذا كان يمكن الالتحاف به؛ كان أولى من الائتزار به؛ لأنَّه أبلغ في الستر) انتهى.
(وقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ ، وفي رواية أبي داود: (فقال قائل)، وهذا القائل أعم من أن يكون النبي الأعظم ﷺ أو غيره بأمره، ويؤيده رواية الكشميهني: (ويقال)، وفي رواية النسائي: (فقيل)، وروى أبو داود ثم البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول للنساء: «من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهية أن يرين عورات الرجال»، وهذا فيه التصريح بأن القائل النبيُّ الأعظم ﷺ ، كذا قاله إمام الشَّارحين الشيخ بدر الدين العيني ﵁، وزعم ابن حجر أن الذي يغلب على الظن أن القائل: بلال، انتهى.
قلت: وهذا فاسد، فأين غلبة ظنه مع تصريح السيدة أسماء الصديقة بسماعها قول رسول الله ﷺ للنساء؟! وما هذا إلا خبط وتخبيط، وكأنه لم يطلع على ما ذكره إمام الشَّارحين حتى قال ما قال: ومن الذي يجسر بحضرة النبيِّ الأعظم ﷺ أن يأمر بأمر أو ينهى بنهي؟! وقول من قال: إنه أمر بأمر النبيِّ ﵇ له؛ دعوى بلا دليل، فإنه إذا لم يثبت القائل؛ فكيف يدِّعي الأمر له، وما هذا إلا خلط عظيم، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والحق أحق أن يتبع.
(للنساء)؛ أي: نساء الصحابة اللاتي يصلين وراء الرجال مع النبيِّ الأعظم ﷺ ، (لا ترفعن رؤوسكن) أي: من السجود (حتى يستوي الرجال جلوسًا) : جمع جالس؛ كالركوع جمع راكع، أو مصدر بمعنى: جالسين، وعلى كل حال فانتصابه على الحال، وإنما نهى النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفعهنَّ من السجود شيئًا من عورات الرجال، كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق المروي عند أبي داود، كما تقدم، وكذا عند أحمد بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهة أن يرين عورات الرجال».
وفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا خشي ارتكاب محذور بفعل الواجب؛ يتركه؛ لأنَّ متابعة الإمام في الأركان واجبة، فنهى عنها ﵇ لما يترتب عليها من المفسدة؛ لأنَّ درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة من قواعد الأئمة الحنفية ﵃، وفي الحديث أيضًا: أنه لا يجب الستر من أسفل عند السجود بخلاف الأعلى، وفيه أيضًا: أنه إذا الرجل نظر عورة المصلي؛ لا يفسد صلاته، وفيه: أن النساء يصلين خلف الرجال، ويدل عليه قوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله...»؛ الحديث، وفيه: أن النساء لا يصلين وحدهن بالجماعة؛ لأنَّه ﵇ لم يأمرهن بذلك، فإن فعلن؛ كره تحريمًا، وتقف الإمام وسطهن، وفيه: أن النساء تخرج لصلاة الجماعة في المسجد، وفيه خلاف؛ فبعضهم قال: يخرجن في صلاة الفجر وصلاة العشاءين؛ لأنَّ الفسقة في الأولى: نائمون، وفي الثانية: آكلون، وبعضهم قال: لا يخرجن مطلقًا؛ لفساد الزمان، وهذا هو المتعين؛ لما يشاهد من الفساد، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم.
(٧) [باب الصلاة في الجبة الشأمية]
هذا (باب) : بيان حكم (الصلاة) : فرضها وواجبها ونفلها (في الجُبَّة)؛ بضم الجيم، وتشديد الموحدة: هي التي تلبس فوق الثياب، وجمعها جبات (الشامية) : نسبة إلى الشام، ويجوز فيه الألف والهمزة الساكنة، وهو الإقليم المعروف، دار الأنبياء ومقرهم ومرقدهم ﵈، وفيه الصحابة والتابعون والأولياء والأبدال ﵃، وقد ألف في فضله التآليف العديدة، ووردت فيه الأحاديث الشهيرة، فطوبى لمن سكن فيه؛ لأنَّ الله تعالى قد تكفل فيه، والمراد بـ (الجبة الشامية) : هي التي ينسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ (الشامية)؛ مراعاة للفظ الحديث، وكان هذا في غزوة تبوك، والشام إذ ذاك كانت دار كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أولنا بهذا؛ لأنَّ الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تتحقق نجاستها، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(وقال الحسن) : هو البصري، التابعي، المشهور، مما وصله أبو نعيم بن حماد، عن معتمر، عن هشام، عن الحسن قال: (في الثياب)؛ بالتعريف، وفي رواية: (في ثياب)؛ بالتنكير؛ أي: التي (ينسُِجها) : من باب (ضرب يضرِب)، ومن باب (نصر ينصُر)، وقال ابن التين: (قرأناه بكسر السين المهملة)، كذا في «عمدة القاري»، فالسين في الأول: مكسورة، وفي الثاني: مضمومة، والضم هو الذي في «الفرع»؛ فتأمل.
(المجوس) : جمع المجوسي، وهو معرفة، سواء كان محلًّى بالألف واللام أم لا، والأكثر على أنه يجري مجرى القبيلة لا مجرى الحي في باب (الصرف)، وفي رواية الكشميهني والحموي: (المجوسي)؛ بالياء بلفظ المفرد، والمراد: الجنس، ولغيرهما: (المجوس)؛ بصيغة الجمع، والجملة صفة لـ (الثياب) في المسافة بين النكرة والمعرفة بلام الجنس قصيرة، فلذلك وصفت المعرفة بالنكرة؛ كما وصف اللئيم بقوله: (يسبُّني) في قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبُّني... . . . . . . . . . . . .
كذا في «عمدة القاري»؛ يعني: لأنَّ الجملة وإن كانت نكرة؛ لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة، ومنه قول الشاعر المذكور.
(لم ير) : على صيغة المعلوم؛ أي: لم ير (الحسن) : فيكون من باب التجريد، كأنه جرد من نفسه شخصًا، فأسند إليه، كذا في «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن (لم يُرَ) بصيغة المجهول؛ أي: القوم، انتهى.
قلت: وهو بعيد؛ لأنَّ الحسن مجتهد تابعي، كالإمام الأعظم، فلا يذكر كلام غيره، بل يذكر الحكم الذي ثبت عنده، كما لا يخفى، فصيغة المعلوم أظهر وأوضح؛ فافهم.
(بأسًا)؛ أي: حرجًا في لبسها قبل أن تغسل؛ لأنَّ الأصل الطهارة، والأصل: بقاء ما كان على ما كان ما لم يعلم نجاستها يقينًا، ولفظ الحسن على ما رواه أبو نعيم بن حماد: (لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسجه المجوسي قبل أن يغسل)، وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب (الصلاة) تأليفه عن الربيع، عن الحسن قال: (لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني) انتهى.
قلت: وهذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ الثياب على أصل الطهارة ما لم تتحقق نجاستها، فتجوز الصلاة بها وإن لم تغسل، ولا فرق بين أن ينسجها أو يلبسها المجوس واليهود والنصارى؛ فليحفظ، وبهذا قال الشافعي، وكره ذلك ابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة.
قلت: وكأن [الحكم] الكراهة؛ لأنَّ هؤلاء لا يحترزون عن النجاسات، لكن نجاستها موهومة، والأحكام لا تبنى على الوهم، فتبقى الكراهة؛ فتأمل.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، وذكر الأثرين الأخيرين استطرادًا)، انتهى.
يعني: ليس فيهما