← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 115

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

عبد القادر الأسطواني

Полный текст (750 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أكثر منه مكروهة حيث ترك التجمل لعبادة ربه ، وصلاته فيه لمن لا يجد غيره لا كراهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه، يدل عليه فعل عمر بن الخطاب ﵁ للذي رآه يصلي بثوب واحد مرقع، فنخزه بيده، وقال له: (أرأيت إذا كنت قدام حاكم هل كنت تقف بهذه؟)، فقال: لا، فقال: (الله أحق أن تتزين له)، على أن الحديث مصرح بالفرق بين القادر وغيره، لأنَّ السؤال إنَّما كان عن غير القادر، والجواب له وللقادر أيضًا، وكيف خفي هذا عن ابن حجر، وفوق كل ذي علم عليم؟ ويدل لما قلناه ما أخرجه أبو داود عن مسدد، حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي: حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قدمنا على نبيِّ الله ﷺ ، فجاء رجل فقال: يا نبي الله؛ ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق رسول الله ﷺ إزاره، وطارق له رداءه، فاشتمل بهما، ثم قام، فصلى بنا نبيُّ الله ﷺ ، فلما أن قضى الصلاة؛ قال: «أوكلكم يجد ثوبين؟»، وأخرجه الطبراني أيضًا، وفي روايته: (طابق) بدل قوله: (طارق) من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين: إذا ظاهر بينهما؛ أي: لبس أحدهما على الآخر، وكذلك معنى: (طابق)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، فهذا الحديث يدل على أن السؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، وعن الكراهة وعدمها في الزائد على الثوب الواحد لمن يجد أكثر من الواحد، وإنما يكون الجواب عن الجواز وعدمه فيما رواه ابن حبان في هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، فقال في الجواب: «ليتوشح به، ثم ليصل (١) فيه»، فهذا يدل على أن السؤال وقع على الجواز وعدمه، وكأن ابن حجر لم يطلع على هذه الروايات، فقال ما قال؛ فافهم. قلت: وفي الحديث: وجوب ستر العورة، وهو مذهب الجمهور من الصحابة؛ كابن عباس، وعلي، ومعاوية، وأنس، وأبي (٢) هريرة، وعائشة، وأم هانئ، ومن التابعين: إمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵁، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعطاء، ومن الفقهاء: الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق ابن راهويه، وفيه: استحباب الزيادة على الثوب الواحد؛ لأجل التجمل لعبادة الرب ؛ لأنَّه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولأن فيه التحديث بالنعمة، وفيه: كراهية الصلاة بالثوب الواحد لمن يجد أكثر منه؛ لأنَّ فيه التهاون في أمر العبادة، وفيه: وجوب السؤال لأمر من أمور الدين قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهم العلماء؛ لأنَّهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم. (٥) [باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه] هذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا صلى)؛ أي: الرجل (في الثوب الواحد) : وجواب (إذا) قوله: (فليجعل)؛ أي: بعضه (على عاتقيه)؛ بالتثنية، ولابن عساكر: (على عاتقه)؛ بالإفراد، زاد في رواية كريمة: (شيئًا)؛ أي: من الثوب، وفي «المخصص» : (هو من المنكبين إلى أصل العنق: عاتقان)، وفي «الموعب» : (هو صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا، يقال له: العاتق، والجمع عتق، وعواتق، وعتق)، وقال أبو عبيدة: (هو مذكر، وقد يؤنث)، وقال اللحياني: (هو مذكر لا غير)، وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به: التأنيث، وسألت بعض الفصحاء فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا ليس بمعروف، ولا عن ثقة، وهو قوله: لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ... وَلَا بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي وفي «الجامع» : (هو مذكر، وبعض العرب تؤنثه)، وأنكره بعضهم وقال: هذا لا يعرف، وأمَّا يعقوب بن السكيت؛ فذكره مذكرًا ومؤنثًا من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة منهم: أبو نصر الجوهري، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث، فقال: وهاك من الأعضاء ما قد عددته... يؤنث أحيانًا وحينًا يذكر لسان الفتى والإبط والعتق والقفا... وعاتقه والمتن والضرس يذكر وعندي الذراع والكراع مع المِعَى... وعجز الفتى ثم القريض المحبر كذا كل نحوي حكى في كتابه سوى... سيبويه وهو فيهم مكبر يرى أن تأنيث الذراع هو الذي... أتى وهو للتذكير في ذاك منكر وقال صاحب «دستور اللغة» بديع الزمان: (باب الأسماء الخالية من علامة التأنيث) : والأسماء التي اشترك فيها التذكير والتأنيث وهي حدود مئتي اسم ونيف، وعلامة المشترك يجمعها قوله نظمًا: عين يمين عضد كف شمال أذن... سن معًى رجل يد قتب ذراع أصبع ناب عجوز... ساق كراع كبد وحش جراد رجلها أروى سعير... زندها ذكاء طاعوت يد ذود طباع خضر روح شبا... خيل أتان وصف أنثى المفرد وذكر بعدها أحد عشر بيتًا على قافية الباء الموحدة، وسبعة أبيات أخرى على قافية اللام، كذا في «عمدة القاري». [حديث: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء] ٣٥٩ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو عاصم) : هو الضحاك بن مَخلد -بفتح الميم- البصري، المشهور بالنبيل، (عن مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف النون، هو عبد الله بن ذكوان، (عن عبد الرحمن) : هو ابن هرمز (الأعرج، عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: قال رسول الله) : وفي رواية: (النبي) الأعظم ﷺ لا يصلي)؛ بإثبات الياء؛ لأنَّه نفي، لأنَّ كلمة (لا) نافية، و (لا) النافية لا تسقط شيئًا، ولكن معناه النهي، ونص ابن الأثير على إثبات الياء في «الصحيحين» قال: (وذلك لا يجوز؛ لأنَّ حذفها علامة الجزم بـ «لا» الناهية، فإن صحت الرواية؛ فتحمل على أن «لا» نافية) انتهى. قلت: وقد صحت الرواية بذلك، فلا وجه للتردد، وقد رواه الدارقطني في «غرائب مالك»

стр. 457

بلفظ: (لا يصل)؛ بغير ياء على أن كلمة (لا) ناهية، ورواه النسائي من طريق سفيان بلفظ: (لا يصلينَّ)؛ بزيادة نون التأكيد، وتمامه في «عمدة القاري». (أحدكم في الثوب الواحد) وقوله: (ليس على عاتقه)؛ بالإفراد رواية الأكثرين، وفي رواية: (على عاتقيه)؛ بالتثنية، جملة حالية بدون الواو، ويجوز في مثل هذا الواو وتركه (شيء) : وفي رواية «مسلم» : (منه شيء)، وذلك لئلا يسقط الثوب إذا ركع أو إذا سجد؛ فتظهر عورته، فتفسد صلاته، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ: (نهى رسول الله ﷺ ، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بعد أن أخرج هذا الحديث من أربع طرق تواترت الآثار عن النبي الأعظم ﷺ بالصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره)، ثم قال: فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها، ويجوز أن يكون على كل الثياب ما ضاق منها وما اتسع، فنظرنا في ذلك؛ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قد حدثنا قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا قصر بن خليفة عن شرحبيل بن سعد قال: حدثنا جابر: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا اتسع الثوب؛ فتعطف به على عاتقك، وإذا ضاق؛ فاتزر به، ثم صل (١)»، فثبت بهذا الحديث: أن الاشتمال هو المقصود، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يصلي فيها، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب؛ اتزر به. واحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي نستطيع أن نئتزر به ويشتمل، هل يشتمل به أو يئتزر، فكيف يعقل؛ فإذا يونس قد حدثنا قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، فنهى ﵇ في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد مئتزرًا به، وقد جاء عنه ﵇ أيضًا: (أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره)، وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، وإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متَّزرًا به، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن النبيِّ الأعظم ﷺ انتهى. وزعم الكرماني: (أن النهي في الحديث ظاهره يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه؛ إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل؛ جاز). قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر؛ لأنَّ الإجماع ما انعقد على جواز تركه، فهذا أحمد ابن حنبل: لا يجوز صلاة من قدر على ذلك وتركه، ونقل ابن المنذر عن محمد بن علي: عدم الجواز، ونقل بعضهم: وجوب ذلك عن نص الشافعي، واختاره مع أن المعروف في كتب الشافعية خلافه)، وقال الخطابي: (النهي في الحديث نهي استحباب، وليس على سبيل الإيجاب، فقد ثبت أنه ﵇ صلى في ثوب كان بعض طرفيه على [بعض] نسائه وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأنَّ يئتزر به، ويفضل منه ما يكون لعاتقه؛ إذ كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، ففي حديث جابر الذي يتلو هذا الحديث أيضًا جواز الصلاة من غير شيء على العاتق) انتهى. قلت: وفي رواية عن أحمد: أنه تصح صلاة من قدر على الثوب ويأثم، فجعله واجبًا مستقلًّا، وعلى ما تقدم؛ جعله شرطًا، وهو المشهور عنه، وزعم ابن حجر أن في كلام الخطابي نظر، ولم يذكر وجهه، ونظره مردود عليه؛ لأنَّه لو كان له وجه؛ لذكره. والحاصل: أنه لم يوجد إجماع على جواز تركه، وأن النهي في الحديث للندب والاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، والله تعالى أعلم. [حديث: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه] ٣٦٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضم النون: هو الفضل بن دُكين -بضم الدال المهملة- واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي (قال: حدثنا شَيْبَان)؛ بفتح المعجمة أوله، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: هو ابن عبد الرحمن النحوي، المؤدب، البصري، (عن يحيى بن أبي كثير)؛ بالمثلثة، ضد القليل: هو صالح بن المتوكل الطائي، مولاهم العطار، (عن عِكرمة)؛ بكسر العين المهملة، هو المفسر المشهور، مولى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن (قال)؛ أي: يحيى: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة- (أو كنت سألته)؛ بالشك؛ أي: كنت سمعت منه؛ إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال- (قال) : ولابن عساكر: (فقال)؛ أي: عكرمة: (سمعت أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (يقول) : جملة فعلية محلها نصب إمَّا مفعول ثاني لـ (سمعت)، وإمَّا حال على قولين مشهورين: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ : ففيه الشهادة والسماع من أبي هريرة، وذلك إشارة إلى حفظه، واستحضاره، وإتقانه، كذا في «عمدة القاري» (يقول) : جملة محلها نصب كالأولى: (من صلى في ثوب واحد) : وسقط في رواية لفظة: (واحد) (فليخالف بين طرفيه)؛ أي: بين طرفي الثوب، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه هو التوشح: وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك؛ ليستر أعلى البدن وموضع الزينة، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب عنه إذا ركع، وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء؛ صحت صلاته، ويقال: إنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ ربما يحتاج إلى إمساكه بيده، فيشتغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». قلت: وربما أنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ تفسد صلاته؛ لاحتياجه إلى عمل كثير في إمساكه، ورفعه، ووضعه، وغير ذلك، والمقصود ستر العورة في الصلاة، وهذه المخالفة؛ لأجل عدم ذلك كله، وزعم ابن بطال أن هذه المخالفة فائدتها في الثوب ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، انتهى. قلت: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ نظر العورة لا يضر المصلي؛ لأنَّ النظر إلى عورة نفسه مباح، وكذا مسها، وليس لذلك تأثير في صحة الصلاة، والأوجه ما قاله

стр. 458

إمام الشَّارحين، كما لا يخفى، واحتج أحمد ابن حنبل بظاهر هذا الحديث، وشرط الوضع على عاتقه عند القدرة، وفي رواية عنه: (أنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه). قلت: ولا دليل فيه له؛ لأنَّ الأمر فيه للندب عند الجمهور، كما مر. قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المخالفة بين طرفي الثوب لا يستر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق)، وزعم ابن حجر أنه في بعض طرق هذا الحديث: «فليخالف بين طرفيه على عاتقيه»، وهو عند أحمد من طريق معمر عن يحيى، وعند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حسين عن شيبان، ثم ادعى أنَّ هذا أولى في مطابقة الترجمة؛ لأنَّ فيه التصريح بالمراد، فالمصنف أشار إليه كعادته)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (دعوى الأولوية غير صحيحة؛ لأنَّ الدلالة على المراد من الطريق الذي للمصنف من نفس الكلام المسوق أولى من الكلام الأجنبي عنه) انتهى. قلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ أخذ الدلالة عند المحققين من فحوى الكلام المسوق لا من كلام خارج عنه؛ لأنَّ ذلك معيب في الصناعة، وعادة المؤلف ليست كما ذكره هذا القائل؛ لأنَّ المراد بعادته: ترتيب أبوابه من ترجمتها وأحاديثها المطابقة لها، فإنه يذكر الباب ويترجم عليه، ثم يسوق الأحاديث المطابقة لما ترجم له، فهذه عادته، وكتابه «الجامع الصحيح» يدل عليه، فقول هذا القائل: (إن المصنف أشار بالترجمة إلى ما رواه أحمد والإسماعيلي وأبو نَعيم) : غير صحيح؛ لأنَّ ذلك بعيد، وغير مراد للمؤلف؛ لأنَّه لو كان مرادًا له؛ لذكره في كتابه هذا، وبعيد أن يحيل على خلاف كتابه؛ لأنَّه معيب في الصناعة؛ فليحفظ. وقال إمام الشَّارحين: وفي هذا الحديث الشك من يحيى بين السماع والسؤال حيث قال أولًا: (سمعته)؛ أي: سمعت عكرمة، ثم قال: (أو كنت سألته)؛ يعني: سمعت منه إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال، وأخرجه الإسماعيلي عن مكي بن عبدان، عن حمدان السلمي، عن أبي نعيم بلفظ: (سمعته أو كتب به إلي)، والشك هنا من السماع والكتابة، وقال الإسماعيلي: (لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة)، ورواه هشام، وحسين، ومعمر، وزيد بن سنان؛ كلٌّ قال عن عكرمة لم يذكر خبرًا ولا سماعًا، وأخرجه أبو داود من حديث يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة بالعنعنة من غير شك، ولفظه: «إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليخالف بطرفيه على عاتقيه» انتهى، والله تعالى أعلم. (٦) [باب إذا كان الثوب ضيقًا] هذا (بابٌ)؛ بالتنوين: (إذا كان الثوب ضيقًا)؛ أي: كيف يفعل المصلي، والضَّيِّق؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد المثناة التحتية، ويجوز تخفيفها، وهو صفة مشبهة، واسم الفاعل في هذه المادة: (ضائق) على وزن (فاعل)، والفرق بينهما: أن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، واسم الفاعل يدل على الحدوث، كذا في «عمدة القاري». [حديث: ما السرى يا جابر ؟] ٣٦١ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى بن صالح) : هو أبو زكريا الوُحاظي -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة- الحمصي، الحافظ الثقة، المتوفى سنة اثنتين (١) وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، وفليح لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (بن سُلَيْمان) بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية، (عن سعِيد) بكسر العين المهملة (بن الحارث)؛ بالثاء المثلثة: هو الأنصاري قاضي المدينة (قال: سألنا جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري ﵁، (عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) كيف يفعل المصلي؟ (فقال) أي: جابر: (خرجت مع النبيِّ) الأعظم ﷺ من المدينة (في بعض أسفاره)؛ أي: في غزوة بواط، كما عينه مسلم في روايته، وبُواط بضم الموحدة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم طاء مهملة، قال الصغاني: (بواط: جبال جهينة في ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة (٢) برد أو أكثر)، وقال ابن إسحاق: (جميع ما غزا النبيُّ الأعظم ﷺ بنفسه الكريمة سبع وعشرون (٣) غزوة، غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، وغزوة بواط من ناحية رضوى...)، ثم عد الجميع، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». (فجئت ليلة) أي: إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (لبعض أمري)؛ أي: لأجل بعض حوائجي، والأمر: هو واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ فافهم. (فوجدته) ﷺ (يصلي) : جملة محلها نصب على أنه مفعول ثان لـ (وجدت)، ولم تعلم هذه الصلاة، والظاهر: أنها نافلة الليل يدل عليه قوله: (ما السرى)؛ فافهم. قال جابر: (وعلي ثوب واحد) : جملة اسمية في محل النصب على الحال، (فاشتملت به)؛ يعني: خالفت بين طرفي الثوب على عاتقي، وهو التوشح: وهو الاشتمال على المنكبين (وصليت إلى جانبه) : وكلمة (إلى) في الأصل: للانتهاء؛ والمعنى: صليت منتهيًا إلى جانب النبيِّ الأعظم ﷺ ، ويجوز أن تكون بمعنى (في)؛ لأنَّ حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، ويجوز أن يقال: فيه تضمين معنى الانضمام؛ أي: صليت منضمًا إلى جانبه ﵇، كذا في «عمدة القاري». قلت: يعني: أن جابر صلى مقتديًا بالنبيِّ الأعظم ﷺ في النافلة ليلًا، وهو جائز من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، ولهذا لم ينهه ﵇ عن ذلك، وأقره عليه؛ فافهم. (فلما انصرف) أي: فرغ النبيُّ الأعظم ﷺ من الصلاة؛ (قال) ﵇: (ما السُّرى)؛ بضم السين والقصر؛ أي: ما سبب سيرك ومجيئك إلي في الليل؟ (يا جابر)؛ وإنما سأله عن ذلك؛ لعلمه بأن الداعي له على المجيء بالليل أمر وحاجة ضرورية أكيدة، (فأخبرته بحاجتي) ولم يعلم ذلك الأمر، (فلما فرغت) أي: من بيان حاجتي؛ (قال) ﵇ له: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟)؛ هو استفهام إنكاري، وسبب الإنكار: أن الثوب كان ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وأنه تواقص؛ أي: انحنى عليه حتى لا يسقط؛ فكأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا للعورة، فانحنى؛ ليستتر، فأعلمه ﵇ بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، وأمَّا إذا كان ضيقًا؛ فإنه يجزئه أن يئتزر به؛ لأنَّ المقصود هو ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار، ولا يحتاج إلى الانحناء المغاير للاعتدال المأمور به، كذا في «عمدة القاري». قلت: وقد بيَّن مسلم في روايته سبب الإنكار؛ حيث أخرج هذا الحديث من حديث عبادة عن جابر مطولًا، وفيه: «إذا كان واسعًا؛ فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاشدده على حقوك»، وأخرجه أبو داود كذلك، وحَِقوك؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها: الإزار، والأصل فيه: معقد

стр. 459

الإزار، ثم سمي به الإزار؛ للمجاورة، وجمعه أحق وأحقاء، انتهى. وقال الخطابي: (الاشتمال الذي أنكره ﵇ إنَّما هو اشتمال الصماء، وهو أن يخلل نفسه بثوبه ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك) انتهى. قلت: وهو عادة أهل المغرب الذي قال في حقهم: الفصحاء الشح في الغرب، ويتبعه سوء الخلق، ولهذا قيل: حرك؛ ترَ (١)، قال: من غير تحريك. (قلت) أي: قال جابر: قلت: (كان) أي: الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، فيكون انتصاب (ثوبًا) على أنه خبر (كان)، وفي رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا)؛ وفي رواية أبي ذر وكريمة: (كان ثوب)؛ بالرفع، ووجهه: أن تكون (كان) تامة بمعنى: وجد، فلا تحتاج إلى الخبر، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، والزركشي، والبرماوي، واعترضه الدماميني، فزعم أن الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأي معنًى لإخباره بوجود ثوب في الجملة؟ فينبغي أن يقدر ما يناسب المقام) انتهى. قلت: وهذا ممنوع؛ لأنَّ الاقتصار على ذلك ظاهر غاية الظهور، ومعنى (إخباره بوجود ثوب) : أنه ليس عنده غير هذا الثوب الموجود الذي رأيتني أصلي فيه. فقوله: (وأي معنًى...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه ما ذكرناه، ويدل على ما قلناه قوله ﵇ له: «فإن كان واسعًا...» إلى آخره: وهو بيان حكم الصلاة في الثوب، وكأنه ﵇ من رحمته لم ينكر عليه لباس الثوب الضيق؛ لإخباره له بأنه لم يوجد عنده غيره، ويدل على أن الثوب كان ضيقًا ما صرح به في رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا). وقوله: (فينبغي أن يقدر...) إلخ: لا حاجة إلى ذلك، والمعنى المذكور هنا صحيح، وهو مناسب للمقام، فلا حاجة إلى تقدير آخر؛ فتأمل. (قال) ﵇: (فإن كان)؛ أي: الثوب، والفاء تفصيحية؛ تقديره: إذا أردت معرفة بيان الثوب الضيق والثوب الواسع، فإن كان الثوب الذي يريد المصلي الصلاة به (واسعًا) بحيث يشتمل على المنكبين؛ (فالتحف)؛ أي: تغطَّ (٢) وارتد (به)؛ أي: بأن يخالف بين طرفي الثوب حيث يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وزعم القسطلاني أن الملتحف المُؤتز بطرف المرتدي بالطرف الآخر منه. قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، كذا فسره محمد بن مسلم الزهري، كما تقدم؛ فافهم. (وإن كان) أي: الثوب المذكور (ضيقًا)؛ أي: لا يمكن به الاشتمال؛ (فائتزر به) : وهو أمر بالائتزار، وهو أن يجعل الثوب وزرة؛ كالفوطة، قال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه المادة: أن الفعل «أزر» على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال؛ صار «ائتزر» على وزن «افتعل» بهمزتين أولاهما مكسورة، وهي همزة الافتعال، والأخرى ساكنة، وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر: أن تقلب تاء مثناة من فوق، وتدغم التاء في التاء، وهذا معنى قول الكرماني: «بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء»، ولفظ الحديث على الوجه الأول) انتهى، والله أعلم. وقال ابن بطال: (حديث جابر هذا تفسير لحديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم، وهو «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» في أنه أراد: الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأمَّا إذا كان ضيقًا، ولم يمكنه أن يشتمل به؛ فليئتزر به)، وقال الكرماني: (فإن قيل: الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد مؤتزرًا به، وظاهره: أنه يعارض قوله: «وإن كان ضيقًا؛ فائتزر به»)، وأجاب الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بأن النهي عنه للواجد معه لغيره، وأما من لم يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الضيق مؤتزرًا به) انتهى. قال إمام الشَّارحين: (ويستنبط من الحديث: جواز طلب الحوائج بالليل من السلطان؛ لخلاء موضعه وسره، وجواز مجيء الرجل إلى غيره بالليل؛ لحاجته، ومن ذلك: أن الثوب إذا كان واسعًا؛ يخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ يئتزر به) انتهى. [حديث: كان رجال يصلون مع النبي عاقدي أزرهم على أعناقهم] ٣٦٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا مُسدد)؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان، (عن سفيان) : هو الثوري، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون سفيان بن عيينة؛ لأنَّهما يرويان عن أبي حازم، ورده إمام الشَّارحين فقال: (نص المزي في «الأطراف» : أنه سفيان الثوري) انتهى. قلت: ولا يلزم من كونهما يرويان عن أبي حازم أن يكون ابن عيينة، فاحتمال الكرماني غير صحيح؛ فافهم. (قال: حدثني)؛ بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا) (أبو حازم)؛ بالحاء المهملة والزاي: هو سَلَمَة -بفتحات- ابن دينار الأعرج، الزاهد، المدني، (عن سهل) : زاد الأصيلي: (ابن سعد) : هو أبو العباس، الساعدي الأنصاري الخزرجي (قال) أي: سهل: (كان رجال)؛ أي: الصحابة، زعم الكرماني أن التنكير فيه؛ للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان يخالف ذلك، وهو كذلك، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ما في رواية أبي داود المذكورة يرد ما ذكره؛ لأنَّ في روايته: «رأيت الرجال»؛ بالتعريف) انتهى. قلت: والمقام يقتضي أن جميع الرجال؛ أي: الصحابة لا يخالف بعضهم بعضًا؛ لأنَّهم أشد الاتباع له ﵇ لا سيما في الصلاة معه بالجماعة، فإنه لم ينقل تخلف بعضهم عنها، حتى قال بعض علمائنا: (إن الجماعة واجبة)، وقال أحمد: (إنها فرض)؛ فافهم. (يصلون مع النبيِّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: الصلوات الخمس، وجملة: (يصلون) خبر (كان) (عاقدي أُزْرهم)؛ بضم الهمزة، وسكون الزاي، جمع إزار: وهو الملحفة، والجمع آزرة وأزر، وهو يذكر ويؤنث، وسمي به؛ لأنَّه يشد به الظهر، وأصل (عاقدي) : عاقدين، فلما أضيف؛ سقطت النون منه، والجملة محلها نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابها على أنها خبر (كان)، ويكون قوله: (يصلون) في محل النصب على الحال؛ فافهم. (على أعناقهم) : جمع عنق؛ وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث، (كهيئة الصبيان) : وفي رواية «أبي داود» : (كأمثال الصبيان)، والمعنى قريب. قال إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى: ذكر البخاري هذا الحديث في أول (باب عقد الإزار على القفا) معلقًا؛ حيث قال: (وقال أبو حازم عن سهل: صلوا مع النبيِّ الأعظم ﷺ عاقدي أزرهم على عواتقهم)، وأخرجه هنا مسندًا، كما رأيت، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظ أبي داود: عن سهل بن سعد قال: (رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله ﷺ في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء؛ لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال) انتهى، ثم قال:

стр. 460

(وفي الحديث: أن الثوب إذا كان يمكن الالتحاف به؛ كان أولى من الائتزار به؛ لأنَّه أبلغ في الستر) انتهى. (وقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ ، وفي رواية أبي داود: (فقال قائل)، وهذا القائل أعم من أن يكون النبي الأعظم ﷺ أو غيره بأمره، ويؤيده رواية الكشميهني: (ويقال)، وفي رواية النسائي: (فقيل)، وروى أبو داود ثم البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول للنساء: «من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهية أن يرين عورات الرجال»، وهذا فيه التصريح بأن القائل النبيُّ الأعظم ﷺ ، كذا قاله إمام الشَّارحين الشيخ بدر الدين العيني ﵁، وزعم ابن حجر أن الذي يغلب على الظن أن القائل: بلال، انتهى. قلت: وهذا فاسد، فأين غلبة ظنه مع تصريح السيدة أسماء الصديقة بسماعها قول رسول الله ﷺ للنساء؟! وما هذا إلا خبط وتخبيط، وكأنه لم يطلع على ما ذكره إمام الشَّارحين حتى قال ما قال: ومن الذي يجسر بحضرة النبيِّ الأعظم ﷺ أن يأمر بأمر أو ينهى بنهي؟! وقول من قال: إنه أمر بأمر النبيِّ ﵇ له؛ دعوى بلا دليل، فإنه إذا لم يثبت القائل؛ فكيف يدِّعي الأمر له، وما هذا إلا خلط عظيم، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والحق أحق أن يتبع. (للنساء)؛ أي: نساء الصحابة اللاتي يصلين وراء الرجال مع النبيِّ الأعظم ﷺ ، (لا ترفعن رؤوسكن) أي: من السجود (حتى يستوي الرجال جلوسًا) : جمع جالس؛ كالركوع جمع راكع، أو مصدر بمعنى: جالسين، وعلى كل حال فانتصابه على الحال، وإنما نهى النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفعهنَّ من السجود شيئًا من عورات الرجال، كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق المروي عند أبي داود، كما تقدم، وكذا عند أحمد بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم؛ كراهة أن يرين عورات الرجال». وفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا خشي ارتكاب محذور بفعل الواجب؛ يتركه؛ لأنَّ متابعة الإمام في الأركان واجبة، فنهى عنها ﵇ لما يترتب عليها من المفسدة؛ لأنَّ درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة من قواعد الأئمة الحنفية ﵃، وفي الحديث أيضًا: أنه لا يجب الستر من أسفل عند السجود بخلاف الأعلى، وفيه أيضًا: أنه إذا الرجل نظر عورة المصلي؛ لا يفسد صلاته، وفيه: أن النساء يصلين خلف الرجال، ويدل عليه قوله ﵇: «أخروهن من حيث أخرهن الله...»؛ الحديث، وفيه: أن النساء لا يصلين وحدهن بالجماعة؛ لأنَّه ﵇ لم يأمرهن بذلك، فإن فعلن؛ كره تحريمًا، وتقف الإمام وسطهن، وفيه: أن النساء تخرج لصلاة الجماعة في المسجد، وفيه خلاف؛ فبعضهم قال: يخرجن في صلاة الفجر وصلاة العشاءين؛ لأنَّ الفسقة في الأولى: نائمون، وفي الثانية: آكلون، وبعضهم قال: لا يخرجن مطلقًا؛ لفساد الزمان، وهذا هو المتعين؛ لما يشاهد من الفساد، وعليه الجمهور، والله تعالى أعلم. (٧) [باب الصلاة في الجبة الشأمية] هذا (باب) : بيان حكم (الصلاة) : فرضها وواجبها ونفلها (في الجُبَّة)؛ بضم الجيم، وتشديد الموحدة: هي التي تلبس فوق الثياب، وجمعها جبات (الشامية) : نسبة إلى الشام، ويجوز فيه الألف والهمزة الساكنة، وهو الإقليم المعروف، دار الأنبياء ومقرهم ومرقدهم ﵈، وفيه الصحابة والتابعون والأولياء والأبدال ﵃، وقد ألف في فضله التآليف العديدة، ووردت فيه الأحاديث الشهيرة، فطوبى لمن سكن فيه؛ لأنَّ الله تعالى قد تكفل فيه، والمراد بـ (الجبة الشامية) : هي التي ينسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ (الشامية)؛ مراعاة للفظ الحديث، وكان هذا في غزوة تبوك، والشام إذ ذاك كانت دار كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أولنا بهذا؛ لأنَّ الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تتحقق نجاستها، كذا قرره إمام الشَّارحين. (وقال الحسن) : هو البصري، التابعي، المشهور، مما وصله أبو نعيم بن حماد، عن معتمر، عن هشام، عن الحسن قال: (في الثياب)؛ بالتعريف، وفي رواية: (في ثياب)؛ بالتنكير؛ أي: التي (ينسُِجها) : من باب (ضرب يضرِب)، ومن باب (نصر ينصُر)، وقال ابن التين: (قرأناه بكسر السين المهملة)، كذا في «عمدة القاري»، فالسين في الأول: مكسورة، وفي الثاني: مضمومة، والضم هو الذي في «الفرع»؛ فتأمل. (المجوس) : جمع المجوسي، وهو معرفة، سواء كان محلًّى بالألف واللام أم لا، والأكثر على أنه يجري مجرى القبيلة لا مجرى الحي في باب (الصرف)، وفي رواية الكشميهني والحموي: (المجوسي)؛ بالياء بلفظ المفرد، والمراد: الجنس، ولغيرهما: (المجوس)؛ بصيغة الجمع، والجملة صفة لـ (الثياب) في المسافة بين النكرة والمعرفة بلام الجنس قصيرة، فلذلك وصفت المعرفة بالنكرة؛ كما وصف اللئيم بقوله: (يسبُّني) في قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبُّني... . . . . . . . . . . . . كذا في «عمدة القاري»؛ يعني: لأنَّ الجملة وإن كانت نكرة؛ لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة، ومنه قول الشاعر المذكور. (لم ير) : على صيغة المعلوم؛ أي: لم ير (الحسن) : فيكون من باب التجريد، كأنه جرد من نفسه شخصًا، فأسند إليه، كذا في «عمدة القاري»، وزعم الكرماني أن (لم يُرَ) بصيغة المجهول؛ أي: القوم، انتهى. قلت: وهو بعيد؛ لأنَّ الحسن مجتهد تابعي، كالإمام الأعظم، فلا يذكر كلام غيره، بل يذكر الحكم الذي ثبت عنده، كما لا يخفى، فصيغة المعلوم أظهر وأوضح؛ فافهم. (بأسًا)؛ أي: حرجًا في لبسها قبل أن تغسل؛ لأنَّ الأصل الطهارة، والأصل: بقاء ما كان على ما كان ما لم يعلم نجاستها يقينًا، ولفظ الحسن على ما رواه أبو نعيم بن حماد: (لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسجه المجوسي قبل أن يغسل)، وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب (الصلاة) تأليفه عن الربيع، عن الحسن قال: (لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني) انتهى. قلت: وهذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ الثياب على أصل الطهارة ما لم تتحقق نجاستها، فتجوز الصلاة بها وإن لم تغسل، ولا فرق بين أن ينسجها أو يلبسها المجوس واليهود والنصارى؛ فليحفظ، وبهذا قال الشافعي، وكره ذلك ابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة. قلت: وكأن [الحكم] الكراهة؛ لأنَّ هؤلاء لا يحترزون عن النجاسات، لكن نجاستها موهومة، والأحكام لا تبنى على الوهم، فتبقى الكراهة؛ فتأمل. قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، وذكر الأثرين الأخيرين استطرادًا)، انتهى. يعني: ليس فيهما

стр. 461

مطابقة للترجمة، فقال: (وقال مَعْمَر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة: هو ابن راشد، كما وصله عبد الرزاق في «مصنفه» عنه: (رأيت الزهري) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب، (يلبس) : في الصلاة (من ثياب اليَمَن)؛ بفتح التحتية والميم، وهو الإقليم المعروف (ما صُبغ بالبول)؛ بضم الصاد المهملة، إن كان المراد منه جنس البول؛ فهو محمول على أنه يغسله قبل لبسه، وإن كان المراد منه البول المعهود وهو بول ما يؤكل لحمه؛ فهو طاهر عند الزهري، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح. قلت: والظاهر: أن مراده الأول، وهو الجنس، وصباغ اليمن الأصفر والترابي، فإنه إذا صبغ بالبول وتلون، ثم غسل بعد ذلك، ولم يذهب لونه؛ فهو طاهر تصح الصلاة معه، وهذا معنى كلام معمر عن الزهري. (وصلى علي) : زاد الأصيلي: (ابن أبي طالب ﵁ مما رواه ابن سعد (في ثوب غير مقصور)؛ أي: غير مغسول، وهو ما كان على أصل نسجه، أراد به: الخام، والمراد: أنه كان جديدًا لم يغسل، فصلى به قبل أن يغسله، وقال ابن التين: (غير المقصور؛ أي: غير المدقوق)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (القصر: ليس مجرد الدق، والدق لا يكون إلا بعد الغسل الذي يبالغ فيه) انتهى. قلت: فغير المقصور هو الخام الذي على أصل نسجه، والمقصور هو المغسول، والدق بعده، وقال الداودي: (أي: لم يلبس بعد). قلت: يعني: بأن كان جديدًا. وقال إمام الشَّارحين: (روى ابن سعد من طريق عطاء بن محمد قال: رأيت عليًّا ﵁ صلى وعليه قميص كرابيس غير مغسول، فعلم من هذه الآثار الثلاثة: جواز لبس الثياب التي ينسجها الكفار، وجواز لبس الثياب التي تصبغ بالبول بعد الغسل، وجواز لبس الثياب الخام قبل الغسل) انتهى. وقال ابن بطال: (واختلفوا في الصلاة في ثياب الكفار، وأجاز الكوفيون والشافعي لباسها وإن لم تغسل حتى يتبين فيها النجاسة، وقال مالك: يستحب ألا يصلي علىها إلا من حر أو برد أو نجاسة بالموضع، وقال أيضًا: تكره الصلاة في الثياب التي ينسجها المشركون وفيما لبسوه، فإن فعل؛ يعيد في الوقت، وقال إسحاق: جميع ثيابهم طاهرة) انتهى. قلت: وذكر صاحب «المنية» : (أنه لو أدخل يده في الدهن النجس، أو اختضبت المرأة بالحناء النجس، أو صبغ الثوب بالصبغ النجس، ثم غسل كلًّاثلاثًا؛ طهر)، وقال صاحب «المحيط» في الثوب المصبوغ: (إنما يطهر إن غسله حتى يصفو الماء، ويسيل أبيض) انتهى. لكن صرح الإمام الجليل قاضيخان في «الخانية» : (بأن الثوب المصبوغ بالصبغ النجس إذا غسل ثلاثًا؛ يطهر؛ كالمرأة إذا اختضبت بحناء نجس) انتهى. لكن ذكر في موضع آخر مسألة الحناء وقال: (وينبغي ألا يطهر ما دام يخرج الماء ملونًا بلون الحناء، فعلم من هذا اشتراط صفو الماء المتقاطر). وذكر سيدي الإمام العارف عبد الغني النابلسي: (أن مسألة الحناء أو الصبغ أو غمس اليد في الدهن النجس مبنية على أحد قولين: إمَّا على أنَّ الأثر الذي يشق زواله لا يضر بقاؤه، وإمَّا على ما روي عن الإمام أبي يوسف من أن الدهن يطهر بالغسل ثلاثًا، وعليه الفتوى)، كما في «شرح المنية»، فمن بنى على الأول؛ اشترط في هذه المسائل صفو الماء؛ لكون اللون الباقي أثر شق زواله، فعفي عنه، ومن بنى على الثاني؛ اكتفى بالغسل ثلاثًا؛ لأنَّ الحناء والصبغ والدهن المتنجسان تصير طاهرة بالغسل ثلاثًا، فلا يشترط بعد ذلك خروج الماء صافيًا) انتهى. قلت: لكن الأحوط القول الأول، ولهذا قال ابن أمير حاج: (والأشبه القول الأول، فليكن التعويل عليه في الفتوى) انتهى. وقال سيدي العارف: (وهذا بخلاف المصبوغ بالدم؛ كالثياب الحمر التي تجلب في زماننا من ديار بكر، فلا تطهر أبدًا ما لم يخرج الماء صافيًا، ويعفى عن اللون، ومن ذلك المصبوغ بالدودة، فإنها ميتة يتجمد فيها الدم النجس ما لم تكن من دود يتولد في الماء، فتكون طاهرة، لكن بيعها باطل، ولا يضمن متلفها، ولا يملك ثمنها بالقبض؛ لأنَّ الميتة ليست بمال) انتهى. قلت: يعني: أن المصبوغ بالدم، وكذلك المصبوغ بالبول -كما سبق- يشترط في طهارته صفو الماء قولًا واحدًا اتفاقًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب. [حديث: يا مغيرة خذ الإداوة] ٣٦٣ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى) : هو ابن موسى، أبو زكريا البلخي المعروف بخَتٍّ-بفتح الخاء المعجمة، وتشديد المثناة الفوقية- كذا جزم به إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يكون ابن جعفر أبو زكريا البيكندي، ويحتمل أن يكون يحيى بن معين؛ لأنَّه يروي عن أبي معاوية، انتهى. قلت: وهو ممنوع، فلا نسلم واحدًا منهما، وقد جزم القسطلاني تبعًا لإمام الشَّارحين: (أنه البلخي)؛ فليحفظ. (قال: حدثنا أبو معاوية) : هو محمد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الكوفي، الضرير، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يراد به أبو معاوية شيبان النحوي. قلت: وهو ممنوع، ولا نسلم ذلك، وقد جزم إمام الشَّارحين وتبعه ابن حجر والقسطلاني: بأنه الأول؛ فليحفظ. (عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران، الكوفي الأسدي، (عن مسلم) : هو ابن صُبَيْح -بضم الصاد المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية- أبو الضحى، العطاردي، وزعم الكرماني أنه يحتمل أن يراد به مسلم بن عمران البطين. قلت: وهو ممنوع، ولا نسلم ذلك، وقد جزم إمام الشَّارحين وتبعه ابن حجر والقسطلاني: أنه الأول؛ فليحفظ. وفي «عمدة القاري» : (وأمثال هذه الترددات لا تقدح في صحة الحديث ولا في إسناده؛ لأنَّ أيًّا كان منهم؛ فهو عدل ضابط بشرط البخاري بدليل أنه قد روى عن كل منهم)، وزعم ابن حجر أن يحيى لم يرو عن شيبان، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: هذا نفي لا يعارض الإثبات) انتهى؛ فافهم. (عن مسروق) : هو ابن الأجدع الهمداني، وسمي به؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن مغيرة بن شعبة) : هو ابن مسعود الثقفي الكوفي الصحابي، أمير الكوفة ﵁ (قال: كنت مع النبيِّ) الأعظم ﷺ في سفر)؛ أي: غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع، (فقال) ولأبي ذر: (قال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ : (يا مغيرة؛ خذ الإِداوة)؛ بكسر الهمزة؛ أي: المطهرة، والجمع أداوَى، (فأخذتها) : وفيها الماء، كما عند المؤلف في (المسح على الخفين) (فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى)؛ أي: غاب وخفي (عني) : فلم أره (فقضى)؛ بالفاء، وللأصيلي: (وقضى) (حاجته) الضرورية (وعليه جُبَّة)؛ بضم الجيم، وتشديد الموحدة: ما تلبس فوق الثياب (شامية) : منسوبة إلى الشام؛ يعني: من نسج الكفار القاطنين وقتئذٍ بالشام؛ لأنَّها كانت وقتئذٍ دار كفر، فأنقذها الله

стр. 462

تعالى، وصارت دار إسلام، وتبقى إن شاء الله إلى أن ينزل عيسى من منارتها ﵇، (فذهب) ﵇ (ليخرج يده من كمها)؛ أي: كم الجبة، (فضاقت)؛ أي: الجبة؛ لأنَّ الثياب الشامية كانت حينئذٍ ضيقة الأكمام، (فأخرج) ﵇ (يده من أسفلها) وألقى الجبة على منكبيه، كما في رواية مسلم، وأمر المغيرة بصب الماء، قال المغيرة: (فصببت عليه)؛ أي: الماء حين فرغ من حاجته، كما عند المؤلف، (فتوضأ وضوءه للصلاة)؛ يعني: فغسل وجهه ويديه، كذا عند المؤلف في باب (الرجل يوضئ صاحبه)، وله في (الجهاد) : (أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه)، زاد أحمد ابن حنبل: (ثلاث مرات)، وعنده: (فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات)، وللمصنف: (ومسح برأسه) (ومسح على خفيه) والسنة: أن يمسح من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، ويفرج بين أصابعه، ولا يسن تكراره، ولا يستحب مسح أسفله، (ثم صلى)؛ أي: صلاة الفجر؛ كما في «موطأ مالك»، و «مسند أحمد»، و «سنن أبي داود» من طريق عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفيه: جواز أمر الرئيس غيره بالخدمة، وفيه: وجوب التستر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة، وفيه: جواز الاستعانة على الوضوء، وفيه: استحباب استحضار الماء للوضوء، وفيه: المسح على الخفين، وقد سبق الكلام فيه مستوفًى في باب (المسح على الخفين)، والله تعالى أعلم، اللهم؛ أحسن عاقبتنا بالأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا أرحم الراحمين. (٨) [باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها] هذا (باب) : بيان (كراهية التعرِّي) : من الثياب (في) نفس (الصلاة) : فرضها وواجبها ونفلها، وقوله: (وغيرها) : ثابت في رواية الكشميهني والحموي، ساقط في غيرهما؛ يعني: في غير الصلاة. [حديث جابر: أن رسول الله كان ينقل معهم الحجارة للكعبة] ٣٦٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مَطَر) بفتح الميم، والطاء المهملة، آخره راء (بن الفضل) : هو المروزي (قال: حدثنا رَوْح)؛ بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة: هو ابن عبادة التنيسي (قال: حدثنا زكريا بن إسحاق) : هو المكي (قال: حدثنا عَمرو بن دينار)؛ بفتح العين المهملة: هو الجُمَحي؛ بضم الجيم، وفتح الميم، وبالحاء المهملة (قال: سمعت جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري (يحدث) : جملة محلها النصب إمَّا مفعول ثان (١) لـ (سمعت)، وإمَّا حال على القولين المشهورين: (أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة) أي: مع قريش (للكعبة)؛ أي: لبناء الكعبة، وقال الزهري: (لما بنَت قريش الكعبة؛ لم يبلغ النبيُّ الأعظم ﷺ الحلم)، وقال ابنا بطال والتين: (كان عمره خمس عشرة سنة)، وقال هشام: (كان بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، وقيل: إن بناء الكعبة كان في سنة ستٍّ وثلاثين من مولده ﵇، وذكر البيهقي: (أن بناء الكعبة قبل تزويجه ﵇ خديجة ﵂، والمشهور: أن بناء قريش الكعبة كان بعد تزويجه خديجة بعشر سنين، فيكون عمره ﵇ إذ ذاك خمسًا (٢) وثلاثين سنة، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق)، وقال موسى بن عقبة: (كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة هكذا قاله مجاهد وغيره)، كذا قرره إمام الشَّارحين. (وعليه إزاره)؛ بالضمير، وفي رواية ابن عساكر: (وعليه إزار)؛ بغير الضمير، والجملة حالية بالواو، وفي بعض الأصول: بغير واو، (فقال له العباس عمه)؛ بالرفع؛ لأنَّه عطف بيان: (يا ابن أخي؛ لو حللت إزارك) : جواب (لو) محذوف إن كانت شرطية؛ وتقديره: لو حللت إزارك؛ لكان أسهل عليك، ويجوز أن تكون (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذٍ، كذا في «عمدة القاري». (فجعلت) وفي رواية الكشميهني: (فجعلته)؛ بالضمير؛ أي: الإزار (على منكِبيك)؛ تثنية منكِب؛ بكسر الكاف: موضع الرداء (دون الحجارة)؛ أي: تحتها، (قال)؛ أي: جابر أو من حدثه: (فحله)؛ أي: حل ﵇ الإزار عنه (فجعله على منكبيه) كما قال له عمه العباس، (فسقط)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ حال كونه (مَغْشيًّا)؛ بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة؛ أي: مغمًى (عليه)؛ أي: لانكشاف عورته؛ لأنَّه ﵇ كان مجبولًا على أحسن الأخلاق والحياء الكامل، حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه، وفي رواية الطبراني: فقام وأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، وفي رواية غير «الصحيحين» : (أن الملَك نزل عليه، فشد عليه إزاره)، كذا في «عمدة القاري». قلت: ويجمع بينهما: بأنه قام وأخذ إزاره ﵇، والملَك شدَّه عليه، وقال له: لا تمشِ عريانًا؛ فتأمل. (فما رُئِيَ)؛ بضم الراء، بعدها همزة مكسورة، فمثناة تحتية مفتوحة، ويجوز كسر الراء، وسكون التحتية، وفتح الهمزة (بعد ذلك) أي: بعد هذه القصة (عريانًا)؛ بالنصب على أنه مفعول ثان (٣) لـ (رئي)، ويجوز نصبه على الحال، وفي رواية الإسماعيلي: (فلم يتعرَّ بعد ذلك) ﷺ ففيه: أنه ﵇ كان في صغره محميًّا عن القبائح وأخلاق الجاهلية، منزهًا عن الرذائل والمعايب قبل النبوة وبعدها، وفي «سيرة ابن إسحاق» : (أنه ﵇ كان يحدث عما كان الله يحفظه في صغره أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم ما أراه إلا لكمة وجيعة، ثم قال: شدَّ عليك إزارك، فأخذته، فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي»)، فظاهره: أنه يخالف ما في الباب، وأجاب السهيلي فقال: (وحديث ابن إسحاق هذا إن صح؛ فهو محمول على أنَّ هذا الأمر كان مرتين في حال صغره، وعند بنيان الكعبة)، كذا في «عمدة القاري». وزعم القسطلاني أنه إن ثبت؛ حمل النفي فيه على التعرِّي لغير ضرورة عادية، وما في الباب على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا) انتهى. قلت: وما أجاب به السهيلي أظهر؛ لأنَّ قوله: (حمل النفي...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ الضرورة العادية فيه موجودة، ألا ترى إلى قوله ﵇: «لقد رأيتني في غلمان قريش...» إلى آخره، وما هذا إلا ضرورة عادية، وهي موافقة الغلمان. وقوله: (وما في الباب على الضرورة العادية) : ممنوع أيضًا، فإنه كان لا يفعل ذلك، ويعتذر لعمه العباس، فلا ضرورة فيه أيضًا. وقوله: (والنفي فيها...) إلى آخره: هذا مسلَّم؛ لأنَّ ما ذكره ابن إسحاق كان أسبق من هذه القصة، فالنفي الذي في الباب على الإطلاق، ويحتمل تقييده بالضرورة الشرعية كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا، كما ذكره، وكحالة الاغتسال، وحلق العانة، وغيرها؛ فليحفظ. وقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة من حيث عموم قوله: (فما رئي بعد ذلك)؛ لأنَّ ذلك يتناول ما بعد النبوة كما يتناول ما قبلها، ثم هو بعمومه يتناول حالة الصلاة وغيرها)، ثم قال: (وهذا الحديث من مراسيل الصحابة ﵃، فإن جابرًا لم يحضر هذه القصة؛ لأنَّها كانت قبل البعثة، فإمَّا أن يكون قد سمع ذلك من النبيِّ الأعظم ﷺ بعد ذلك، أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة

стр. 463

رضي الله عنهم، والأقرب: أنه سمعه من العباس ﵁؛ لأنَّه حدث به عنه أيضًا، وسياقه أتم، وقد اتفقوا على الاحتجاج بمرسل الصحابي إلا ما شذ؛ كأبي إسحاق الإسفرايني، لكن في السياق ما يدل على أخذ ذلك من العباس، فلا يكون مرسلًا لا سيما وهو الأقرب)، كما قاله إمامنا الشَّارح رحمه الله تعالى. وفي «عمدة القاري» : وفي الحديث: أنه لا يجوز التعرِّي للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة، قالوا: وقد دل حديث العباس المذكور: أنه لا يجوز التعرِّي في الخلوة ولا لأعين الناس، وقيل: إنَّما مخرج القول منه للحال التي كان عليها؛ فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: «نهيت أن أمشي عريانًا»، وفي مثل هذه الحالة لو كان ذلك نهيًا عن التعرِّي في كل مكان؛ لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه فيه أحد، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نهى الشَّارع عن دخول الحمام بغير إزار. فإن قلت: روى القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا: «لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري؛ لواريتها»، وقال علي رضي الله تعالى عنه: (إذا كشف الرجل عورته؛ أعرض عنه الملَك)، وقال أبو موسى الأشعري: (إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي؛ حياءً من ربي). قلت: كل ذلك محمول على الاستحباب والندب لاستعمال الستر لا على الحرمة؛ لعدم ما يدل عليها، وفي «التوضيح» : (إذا أوجبنا الستر في الخلوة؛ فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ وجهان؛ أحدهما: لا؛ للنهي عنه، والثاني: نعم؛ لأنَّ الماء يقوم مقام المئزر في ستر العورة) انتهى كلام إمام الشَّارحين. قلت: والمعتمد: القول الثاني؛ لأنَّ المقصود ستر العورة، وهو بأي شيء حصل؛ كفى، فالماء الذي في مغاطس الحمامين يقوم مقام المئزر، فإذا دخله بغير مئزر كما هو العادة في ديارنا الشامية، وكذا المصرية؛ لا يحرم؛ لأنَّه لم تر عورته، ويعد ساترًا لها حكمًا، والله أعلم. (٩) [باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء] هذا (باب) : حكم (الصلاة) : فرضها وواجبها ونفلها (في القميص) : وهو معروف، وجمعه قمصان، وأقمصة، وقمَّصه تقميصًا وتقمصة؛ أي: لبسه (والسراويل) : وهو أعجمي معرب نقله سيبويه عن يونس، وزعم ابن سيده أنه فارسي معرب، وهو يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، وقال سيبويه: (لا يكسر؛ لأنَّه لو كسر؛ لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد، فترك، أو يقال: هو جمع سروالة)، وقال أبو حاتم: (السراويل: مؤنث، لا يذكرها أحد (١) علمناه، وبعض العرب تظن السراويل جماعة، وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل؛ بالشين المعجمة). قلت: ولما استعملته العرب؛ بدَّلوا الشين سينًا، ثم جمعوه على سراويل، وقد يقال فيه: سراوين؛ بالنون موضع اللام، وفي «الجامع» للقزاز: (سراويل، وسروال، وسرويل، لغات ثلاث)، كذا في «عمدة القاري». (والتُّبَّان)؛ بضم المثناة الفوقية، وتشديد الموحدة، قال في «المحكم» : (التبان: شبه السراويل يذكر)، وفي «الصحاح» : (سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، فقد يكون للملاحين). قلت: وهو عند العجم من جلد بلا رجلين يلبسه المصارعون، كذا قاله إمام الشَّارحين. (والقَباء)؛ بفتح القاف، وتخفيف الموحدة، زعم ابن حجر تبعًا للكرماني أنه ممدود، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: لم يذكره غيره، بل الظاهر: أنه مقصور)، وفي «الجواليق» : (قال بعضهم: هو فارسي معرب، وقيل: عربي، واشتقاقه من القبو؛ وهو الضم والجمع)، وقال أبو علي: (سمي قباء؛ لتقبضه، وقبوت الشيء: جمعته)، وقال أبو عبيد: (هو اليلمق فارسي معرب والقردماني)، وقال السيرافي: (قباء محشوٌّ)، وفي «الجامع» : (سمي قباء؛ لأنَّه يضم لابسه)، وفي «الصحاح» : (تقبيت: إذا لبست قباء)، وفي «المحكم» : (قبا الشيء قبوًا (٢) : جمعه بأصابعه، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، والقباء من الثياب: مشتق من ذلك؛ لانضمام أطرافه، والجمع أقبية)، وفي «مجمع الغرائب» للفارسي عن كعب: (أول من لبس القباء سليمان بن داود ﵉، فكان إذا أدخل رأسه في الثياب؛ لنصت الشياطين؛ يعني: قلعت أنوفها)، وزعم أبو موسى في «المغيث» أنه بالسين: لنست، كذا في «عمدة القاري» والله الهادي. [حديث: أوكلكم يجد ثوبين] ٣٦٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ بالمهملة والموحدة: هو الأزدي الأنصاري، أبو أيوب (قال: حدثنا حماد بن زيد) : هو ابن درهم، أبو إسماعيل الأزرقي، الأزدي، البصري، (عن أيوب) : هو السختياني، (عن محمد) : هو ابن سيرين المشهور، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: قام رجل)؛ أي: من القوم (٣)، وهو ثوبان، كما بينه الإمام شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه «المبسوط»، وقول ابن حجر وغيره: (لم أقف على اسمه) ممنوع؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدم على النافي. (إلى النبيِّ) الأعظم ﷺ وهو في المسجد النبوي، كما يدل عليه السياق، (فسأله عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) : هل هي صحيحة أم باطلة؟ (فقال) ﵇ للسائل: (أوكلكم؟!)؛ بهمزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي، وواو العطف، وأصل الكلام: وأكلَّكم، لكن قدم الاستفهام؛ لأنَّ له صدر الكلام، أو الواو عاطفة على محذوف بين الهمزة، والواو دل عليه المعطوف، ولا تقديم ولا تأخير؛ فالتقدير هنا: أكلكم يجد ثوبين، وكلكم يجد ثوبين، والأول أولى، والتقديم والتأخير أسهل من الحذف؛ والمعنى: ليس كلكم (يجد ثوبين)؛ فلهذا تصح الصلاة في الثوب الواحد، فاللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب، نقول: فإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم؛ فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، كذا في «عمدة القاري». ومفهوم (٤) الحديث: التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء، ولو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد؛ لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأنَّ حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره، كذا قاله الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وقد أشبعنا الكلام فيه في آخر باب (الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به). (ثم سأل رجل عمر) : هو ابن الخطاب ﵁؛ أي: عن الصلاة في الثوب الواحد، أنهى عنها أم أجازها؟ والسائل يحتمل أن يكون أُبي بن كعب ﵁، ويحتمل أن يكون هو ابن مسعود، وزعم ابن حجر أنه الثاني قال: (لأنه اختلف هو وأُبي في ذلك، فقال أُبي: لا يكره، وقال ابن مسعود: إنَّما كان ذلك وفي الثياب قلة، فقال عمر: القول

стр. 464

ما قال أُبي، ولم يأل ابن مسعود)، ورده إمام الشَّارحين فقال: اختلاف أُبي وابن مسعود في ذلك لا يدل على أن السائل من عمر هو ابن مسعود بعينه، ويحتمل أن يكون هو أُبي بن كعب ﵁، والاحتمال موجود فيهما مع أنه خدش وتخمين، وأمَّا اختلافهما في ذلك؛ فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: (اختلف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أُبي: لا بأس به، وقال ابن مسعود: إنَّما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون ثيابًا، فأما إذا وجدوها؛ فالصلاة في ثوبين، فقام عمر ﵁ على المنبر فقال: الصواب ما قال أُبي لا ما قال ابن مسعود) انتهى. قلت: ومعنى قوله: (ولم يألُ) : أي: لم يقصر، ولا يخفى أن ما قاله ابن حجر دليلًا لمدعاه ليس بشيء؛ لأنَّه ليس فيه أن السائل ابن مسعود، بل غاية ما فيه أنَّهما اختلفا في ذلك، وهو لا يدل على أنه ابن مسعود، بل الظاهر أن يكون السائل هو أُبي بن كعب؛ لأنَّه لما اختلفا هو وابن مسعود؛ أراد أُبي الانتصار لنفسه، فسأل عمر عن ذلك، فقام عمر على المنبر، ففي الرواية: (صلَّى)، وهذا تقديره، وهو يدل على أن السائل أُبي بن كعب، فإن عمر قد سمع كلامهما، ولما فرغا؛ سأل أُبي عمر ما الصواب من القول؟ فقام عمر على المنبر، وقال: (الصواب ما قال أُبي)، فهذه قرينة واضحة دالة على أن السائل هو أُبي بن كعب ﵁؛ فليحفظ. (فقال)؛ أي: عمر ﵁ مجيبًا للسائل الذي سأله عن الصلاة في الثوب الواحد: (إذا وسع الله؛ فأوسعوا) : فهو دليل على أن الواجب في الصلاة ستر العورة، والثوب الواحد يسترها، فهو كاف، وأن الزيادة عليه مستحب للتجمل وإظهار النعمة، (جمع)؛ أي: ليجمع (رجل عليه) : الضمير فيه يرجع إلى الرجل؛ أي: جمع رجل على نفسه (ثيابه) : وهذا إلى آخره من تتمة كلام عمر ﵁، ولفظة (جمع) وإن كانت صيغة الماضي، ولكن المراد منها الأمر، وكذلك قوله: (صلى)، ولهذا قال ابن بطال: (يريد: ليجمع عليه ثيابه وليصلِّ فيها) ذكره بلفظ الماضي، ومراده المستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ والمعنى: يقول الله، يدل عليه: قول عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧]، كذا في «عمدة القاري». وقوله: (صلى)؛ أي: ليصل (رجل) : فيه تسع صور: الأولى: صلاة الرجل (في إزار) : هو ما يؤتزر به في النصف الأسفل (ورداء) : هو ما يرتدي به في النصف الأعلى. الثانية: صلاة الرجل (في إزار وقميص)؛ أي: ليصل فيهما. الثالثة: ليصل الرجل (في إزار وقباء)؛ أي: ليصل فيهما، وإنما قدم هذه الصور الثلاثة؛ لأنَّها أستر وأكثر استعمالًا. الرابعة: ليصل الرجل (في سراويلَ) : غير منصرف على وزن (مفاعيل) (ورداء)؛ أي: ليصل فيهما. الخامسة: ليصل الرجل (في سراويل وقميص). السادسة: ليصل الرجل (في سراويل وقباء). السابعة: ليصل الرجل (في تبان وقباء). الثامنة: ليصل الرجل (في تبان وقميص). والتاسعة: ستأتي، ولم يقصد بذلك العدد الحصر، بل يلحق بذلك ما يقوم مقامه. فإن قلت: كان المناسب أن يقول: أو كذا أو كذا؛ بحرف العطف، فلم ترك حرف العطف؟ قلت: أخرج هذا على سبيل التعداد، فلا حاجة إلى ذكر حرف العطف؛ كما في قوله ﷺ : «تصدق امرؤ من ديناره من درهمه من صاع تمره»، ويجوز أن يقال: حذف حرف العطف على قول من يجوز ذلك من النحاة؛ والتقدير حينئذ: صلى رجل في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء... إلى آخره كذلك، كذا في «عمدة القاري». قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف فعلًا؛ والتقدير: صلى في إزار وقميص، صلى في إزار وقباء، وكذا الباقي، كذا قيل، ثم قال: (والحمل على هذا أولى؛ لثبوته إجماعًا، وحذف حرف العطف بابه الشعر فقط، وعند بعض وقوعه في الشعر مختلف فيه) انتهى. قلت: وفيه نظر، فإن كلًّا من هذين الاحتمالين فيه حذف غاية ما فيه أن الحذف في الأول: حرف العطف، وفي الثاني: الفعل، وحذف حرف العطف أولى من حذف الفعل؛ للدلالة على الأول دون الثاني، وحذف حرف العطف جائز نثرًا ونظمًا، فمن الأول: قوله ﵇: «تصدق امرؤ من ديناره من درهمه»، كما سبق، ومن الثاني كثير في كلامهم، فما قاله هذا القائل غير صحيح، وقوله: (لثبوته إجماعًا) : فيه نظر، فإن بعضهم منع ذلك؛ فافهم. وزعم الكرماني أنه من باب (الإبدال)، قال إمام الشَّارحين: (كأنه أشار بذلك إلى ما قاله ابن المنير: أنه كلام في معنى الشرط، كأنه قال: إن جمع عليه ثيابه؛ فحسن، ثم فصل الجمع بصور على البدلية) انتهى. (قال) أي: أبو هريرة: (وأحسبه)؛ أي: أحسب عمر ﵁ (قال) : ليصل رجل (في تبان ورداء) وهذه الصورة التاسعة. فإن قلت: كيف يدخل حرف العطف بين قال ومقوله؟ قلت: هو عطف على مقدر؛ تقديره: بقي شيء من الصور المذكورة، وأحسبه قال: في تبان ورداء، وإنما لم يجزم به أبو هريرة، بل ذكره بلفظ الحسبان لإمكان أن عمر ﵁ أهمل ذلك؛ لأنَّ التبان لا يستر العورة كلها بناء على أن الفخذ من العورة، فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأما الرداء؛ فقد لا يحصل به، ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصورة، وأن الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابقًا، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». وقال ابن بطال: اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر ﵁: (إذا أوسع الله) يدل عليه، وجمع الثياب فيها اختيار واستحسان، ويقال: ذكر صورًا تسعة: ثلاثة منها سابقة: الرداء، ثم القميص، ثم القباء، وثلاثة منها ناقصة: الإزار، ثم السراويل، ثم التبان، وأفضلها: الإزار، ثم السراويل، ومنهم من عكس)، واختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل وهو قادر على الثياب، ففي «المدونة» : (لا يعيد في الوقت ولا في غيره)، ومثله عن القاسم، وعن أشهب: (عليه الإعادة في الوقت) وعنه: (أن صلاته تامة إن كان ضعيفًا) انتهى. وفي «عمدة القاري» : (وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في لحاف ولا يتوشح به، وأن يصلي في سراويل ليس عليك رداء)، وبظاهره أخذ بعض أصحابنا، وقال: تكره الصلاة في السراويل وحدها، والصحيح: أنه إذا ستر عورته؛ لا تكره الصلاة به) انتهى. وفي «مراقي الفلاح» : (وتكره صلاته في السراويل، وكذا في إزار مع قدرته على لبس القميص؛ لما فيه من التهاون والتكاسل وقلة الأدب) انتهى. قال المحشي: (وهذا يفيد كراهة التحريم)، وقال في «فتح القدير» : (والصلاة متوشحًا لا تكره، وفي ثوب واحد ليس على عاتقه بعضه تكره إلا لضرورة العدم) انتهى. وقال الشرنبلالي: (والمستحب للرجل أن يصلي في ثلاثة أثواب؛ إزار وقميص وعمامة، وللمرأة في قميص وخمار ومِقْنَعة) انتهى، بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح النون: ثوب يوضع على الرأس ويربط تحت الحنك، والقناع أوسع منه؛ لأنَّه يعطف من تحت الحنك ويربط على القفا، والخمار أكبر

стр. 465

منهما؛ لأنَّه يغطى به الرأس، وترسل أطرافه على الظهر أو الصدر) انتهى. [حديث: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبًا ..] ٣٦٦ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عاصم بن علي) : هو ابن عاصم، أبو الحسين الواسطي، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين بواسط (قال: حدثنا ابن أبي ذِئْب)؛ بكسر الذال، وبالهمزة الساكنة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، (عن الزهري) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب، (عن سالم) : هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، (عن) أبيه عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال: سأل رجل) : لم يعلم اسمه، كما في «عمدة القاري» (رسول الله ﷺ وهو في مسجده (فقال)؛ بالفاء التفسيرية؛ إذ هو نفس (سأل)، وللأصيلي: (قال) : (ما يلبس المحرم؟) : وكلمة (ما) يجوز أن تكون استفهامية، أو نكرة موصوفة أو موصولة، ومحلها نصب مفعول ثان لـ (سأل)، و (يَلبَس)؛ بفتح التحتية والموحدة، مضارع لبِس؛ بكسر الموحدة، و (المحرم) : هو إمَّا محرم بالحج أو بالعمرة، وأصله: الداخل في الحرمة؛ لأنَّه يحرم عليه به ما كان حلالًا له قبله من صيد ونحوه، (فقال) ﵇ للسائل: (لا يلبس) : من اللُبس؛ بضم اللام من باب (علم يعلم)، وإمَّا من اللَبس؛ بفتح اللام من باب (ضرب يضرب)، يقال: لبست عليه الأمر: إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر، وهو اشتباهه، وروي: (يلبسُْ)؛ بالرفع وبالجزم، فالرفع على أن (لا) نافية، والجزم على أنها ناهية، فتضم السين على الأول، وتكسر على الثاني؛ أي: المحرم (القَميصَ)؛ بالنصب على المفعولية، بفتح القاف، وهو معروف، يتخذ من القطن أو الصوف، جمعه قمص، وأقمصة، وقمصان، وهو مذكر، وقد يؤنث، زاد في رواية باب (من أجاب السائل) : (ولا العِمامة)؛ بكسر العين: وهي تيجان العرب، (ولا السراويل) : أعجمية عربت، وجاءت (١) على لفظ الجمع، وهي واحدة تذكر وتؤنث، ولم يعرف الأصمعي إلا التأنيث، ويجمع على السراويلات، وقد يقال: هو جمع، ومفرده سراولة، وهو غير منصرف على الأكثر، وقال سيبويه: سراويل: واحدة أعجمية، فأعربت، فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سميت به رجلًا؛ لم تصرفها، ومن النحاة من لا يصرفه أيضًا في النكرة، ويزعم أنه جمع سراول والسراوين؛ بالنون لغة، والشراويل؛ بالشين المعجمة لغة أيضًا، أفاده إمام الشَّارحين. (ولا البُرْنُس)؛ بضم الموحدة والنون، بينهما راء ساكنة: هو ثوب معروف رأسه منه ملتزق فيه، وقيل: هو قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البِرس؛ بكسر الموحدة: وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: هو غير عربي، وكل ما جب فيه موضع لإخراج الرأس منه؛ فهو جبة، وكل ما خيط أو نسج في طرفه ليستمسك على اللابس؛ فهو برنس؛ كالقفاز ونحوه، كذا في «عمدة القاري». (ولا ثوبًا)؛ بالنصب عطفًا على قوله: (القميص)، وروي بالرفع على تقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يُلبَس ثوب (مسه زَعْفَران)؛ بالتنكير رواية الأكثرين، وفي رواية: (الزعفران)؛ بالتعريف، وهو بفتح الزاي والفاء، بينهما عين مهملة ساكنة؛ وهو نبت معروف يصبغ به، يقال: إن الكركم عروقه، وإذا كان في مكان لا يدخله سام أبرص، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها نصب أو رفع صفة لـ (ثوب) (ولا وَرْس)؛ بفتح الواو، وسكون الراء، آخره سين مهملة: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب، ويتخذ منه الغمرة للوجه؛ مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه؛ يفتق، فيفيض منه الورس، وإنما عدل عن طريقة أخواته؛ فقال: (ولا ثوبًا مسه زعفران؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة)، فأراد التعميم في الحكم للمحرم والمحرمة بخلاف الثياب المذكورة، فإنها حرام على الرجال دون النساء، كذا في «عمدة القاري». (فمن لم يجد النَّعْلين)؛ تثنية نَعْل؛ بفتح النون، وسكون العين المهملة: وهو الحِذاء؛ بكسر الحاء المهملة، والمد، وجمعه نعال، وكل ما وقيت به القدم من الأرض؛ فهو نعل؛ (فليلبس) بكسر اللام الأولى وسكونها (الخفين)؛ تثنية خف، معروف، وهذا جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء، (وليقطعهما)؛ بكسر اللام وسكونها؛ عطفًا على (فليلبس)؛ أي: يقطع الخفين، والواو فيه معناها: الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو تأخير أو مصاحبة، كما نص عليه سيبويه إمام الصنعة، وله شواهد كثيرة في كلام الله تعالى ورسوله ﷺ (حتى) : للغاية؛ أي: إلى أن (يكونا) : بصورة التثنية، وفي رواية الحموي والمستملي: (حتى يكون)؛ بالإفراد على تقدير كل واحد منهما (تحت الكعبين) والجملة خبر (يكونا) المنصوب بحذف النون، وهو تثنية كعب، والمراد به: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، لا العظم الناتئ عند مفصل الساق، فإنه في الوضوء. وقوله: (فليلبس) (وليقطعهما) صيغة أمر منه عليه [الصَّلاة و] السَّلام، وهو دليل الوجوب، فقطع الخف عند عدم وجود النعل واجب للأمر المذكور، فإن لم يقطعه؛ فعليه الفدية؛ للأمر المذكور، فهو حجة على من زعم أنه إذا لم يجد النعل؛ لا يجب قطع الخف، فإنه القول بالرأي بعينه، ومنازعة السنة به، وحجة على من زعم أنه يجوز لبس الخف بدون قطع؛ لأنَّه إضاعة، وما هذا إلا ورع مظلم؛ لأنَّ هذا القطع ليس بإضاعة؛ لأنَّه أمر من الشَّارع، وهو لم يأمر بالإضاعة، كما لا يخفى، ونبه بالقميص والسراويل على كل ما يعم العورة من المخيط، وبالبرانس على كل ما يغطى به الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام، وإنما كان لهم؛ لأنَّ النساء مأمورات بستر رؤوسهن، وبالورس والزعفران على ما سواهما من أنواع الطيب، وهو حرام على الرجل والمرأة، والخصوص للرجال من حيث إن الألفاظ كلها للمذكورين، والعموم من الأدلة الخارجة عن هذا الحديث، ويدل عليه رواية: (ولا ثوب)؛ بالرفع، وحكمة تحريم اللباس على المحرم: التذلل والخضوع، وفي الطيب ترك زينة الدنيا، وزاد في رواية ابن عمر في هذا الحديث: (ولا ثوبًا مسه الورس والزعفران إلا أن يكون غسيلًا)، فيجوز لبس الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس إذا كان غسيلًا لا ينفض، وقد أخرج هذه الزيادة الحافظ أبو جعفر الطحاوي ﵁. ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن الصلاة تصح بدون القميص والسراويل وغيرهما من المخيط؛ لأنَّ المحرم مأمور بترك ذلك، وهو مأمور بالصلاة، وهذا الحديث أخرجه المؤلف في آخر كتاب (العلم) في باب (من أجاب السائل بأكثر مما سأله)، وفي (اللباس)، وفي (الحج) أيضًا، وسيجيء البحث فيه إن شاء الله تعالى في كتاب (الحج) مستوفًى إن شاء الله تعالى. (وعن نافع) : مولى ابن عمر ﵄، (عن ابن عمر) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، (عن النبيِّ) الأعظم ﷺ مثله)؛ أي: مثل حديث سالم بن عبد الله بن عمر المذكور، وهذا إسناد آخر؛ لأنَّه معطوف على قوله: (عن سالم)، فهو متصل

стр. 466

بالإسناد، فهما إسنادان؛ أحدهما: عن عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، والآخر: عن عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، هذا هو التحقيق، وتردد الكرماني فقال: (هذا تعليق من البخاري، ويحتمل أن يكون عطفًا على سالم، فيكون متصلًا)، وتبعه البرماوي، واعترضه ابن حجر، فزعم أن التجويزات العقلية لا يليق استعمالها في الأمور النقلية)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تشنيع غير موجه؛ لأنَّ الكرماني إنَّما قال: «هذا تعليق» بالنظر إلى ظاهر الصورة، ولم يجزم بذلك، ولهذا قال: «ويحتمل...» إلى آخره) انتهى. قلت: ولا يخفى أن مثل هذا ليس من الأمور النقلية، كما زعمه هذا القائل، بل هو من الأمور التي يكون للرأي فيها مجال، ولا ريب أن احتمال الكرماني: (أنه عطف على سالم، فيكون متصلًا) : صحيح، ولو جزم به؛ لكان أحق وأحرى بالقبول، وزعم ابن حجر أن قوله: (وعن نافع) عطف على قوله: (عن الزهري)، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (قصده بذلك إظهار المخالفة بأي وجه يكون، وإلا؛ فلا فساد في المعنى، بل كلاهما بمعنًى واحد، ورواية نافع هذا أخرجه البخاري في آخر كتاب «العلم» : عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ الأعظم ﷺ ، وعن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : «أن رجلًا سأله: ما يلبس المحرم...»؛ الحديث، فقدم طريق نافع، وعطف عليه طريق الزهري، وههنا عكس ذاك؛ حيث قدم طريق الزهري، وعطف عليه طريق نافع) انتهى. يعني: لا فرق بين أن يقال: (عطفًا على سالم) أو (عطفًا على الزهري)، وأجاب ابن حجر في الانتقاض: (بأن قوله: «عطفًا على سالم» يصير كأن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري عن نافع، فهو عند ابن أبي ذئب عن شيخين بالنزول عن الزهري عن سالم، وبالعكس عن نافع وسالم روياه جميعًا عن ابن عمر)، قال: (فمن كان هذا مبلغ فهمه؛ فكيف يليق به التصدِّي للرد على غيره؟) انتهى. قلت: فقد زاد في الطنبور نغمات هذا القائل، وما ذكره غير صحيح، وما فهمه ليس بصواب؛ لأنَّ قوله: (عطفًا على سالم) صحيح، ويصير ابن أبي ذئب رواه عن الزهري عن سالم في الطريق الأول، ويصير ابن أبي ذئب رواه عن نافع عن ابن عمر، فقول هذا القائل: (وبالعكس عن نافع وسالم...) إلى آخره: غير صحيح، فأي عكس هنا، وما هو إلا عكسه؟ فإن نافعًا قد رواه عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي ذئب، وأن سالمًا قد رواه عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي ذئب عن الزهري، فهما إسنادان؛ أحدهما أعلى من الآخر، كما قدمناه، وما ذكره هذا القائل ليس بشيء، وتمامه في «منهل العليل المطل على ما وقع في الفتح من التطويل المخل»، فارجع إليه؛ فإنه ذكر فيه ما شاع وذاع وملأ الأسماع؛ فافهم، والله أعلم. (١٠) [باب ما يستر من العورة] هذا (باب) : في بيان (ما يُستَر)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح المثناة الفوقية، ويجوز فتح التحتية، وضم الفوقية (من العورة) : وكلمة (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، وكلمة (من) بيانية في الوجهين؛ والتقدير: باب في بيان الشيء الذي يستر؛ أي: الذي يجب ستره من العورة، ثم هذا أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». قلت: لأنَّ ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، ويدل على هذا ما قدمه المؤلف من الحديثين اللذين في الباب قبله، فإنَّ الأول: وهو حديث أبي هريرة يدل على أن ستر العورة واجب في الصلاة، والثاني: وهو حديث ابن عمر يدل على أن ستر العورة واجب خارج الصلاة أيضًا، ولما كان هذا مذهب المؤلف؛ أعقبه بهذا الباب؛ للدلالة على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وزعم ابن حجر أن المراد من ستر العورة خارج الصلاة فقط، والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوءتين، انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: (وكأنه أخذ ذلك من لفظ الاحتباء الذي في حديث الباب، فإنه قيد النهي فيه بقوله: «ليس على فرجه منه شيء»، وهذا ليس فيه تخصيص بخارج الصلاة، بل النهي فيه أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، وقوله: «والظاهر...» إلى آخره: ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يدل على ذلك أيُّ تصرف منه ههنا وإن كان مذهبه ذلك) انتهى. قلت: وكلام ابن حجر ليس بشيء؛ لأنَّه حجر ليس فيه دسم، فإنه ليس في شيء من هذا الباب ولا ما قبله ما يدل على أن المراد من الستر خارج الصلاة فقط، بل الذي دل عليه هذا الباب، والباب [الذي] قبله على أنه يجب الستر في الصلاة وخارج الصلاة، فإن أحاديث الباب السابق قد علمت وجهها، وهذا الباب ذكر فيه حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي هريرة أيضًا، فهي ثلاثة أحاديث، فالأول: دال على وجوب الستر في الصلاة، والثاني: دال على وجوب الستر في الصلاة وخارج الصلاة، والثالث: دال على وجوب الستر خارج الصلاة، فجمع المؤلف هذه الأحاديث في باب واحد، وترجم لها؛ إشعارًا ودلالة على أن الستر واجب في الصلاة وخارج الصلاة، فمن أين جاء التقييد بخارج الصلاة؟ وقول ابن حجر: (والظاهر...) إلى آخره: ممنوع، فإن تصرف المؤلف هو ذكر الأحاديث التي ترجم لها، وهي ثلاثة، كما ذكرنا، وكلها دالة على أن الواجب ستر العورة من السرة إلى الركبة، فإن الحديث الأول دال على ذلك، وتقييده بـ (الفرج)؛ نظرًا لأنَّه أغلظ العورة، ومراده العورة بتمامها، وأن الحديث الثاني أدل في الدلالة على وجوب ستر العورة بتمامها، وأن الحديث الثالث أدلُّ أيضًا في الدلالة على وجوب سترها بتمامها؛ لأنَّه نهي عن الطواف عريانًا، وهو يعم العورة، وهي السوءتان وما قبلهما وما بعدهما، فهي من الركبة إلى السرة، ثم ترجم على ذلك المؤلف، وهو يدل على أن مذهبه أن العورة من السرة إلى الركبة، وأنه يجب سترها في الصلاة وخارج الصلاة، وهذا هو الحق، فقول ابن حجر: (إن الواجب ستر السوءتين) : تقييد من عنده، وكلام من لم يذق شيئًا في العلم، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، والله أعلم، وقال إمام الشَّارحين: (والعورة: سوءة الإنسان وكل ما يستحى منه) انتهى. قلت: والعورة في اللغة: كل ما يستقبح ظهوره، مأخوذة من العور؛ وهو النقص والعيب والقبح، ومنه عور العين، وكلمة عوراء؛ أي: قبيحة، وسميت السوءة عورة؛ لقبح ظهورها، وغض الأبصار عنها، وكل شيء يستره الإنسان أنفة أو حياء؛ فهو عورة، والنساء عورة؛ كذا في كتب اللغة، والله أعلم. [حديث: نهى رسول الله عن اشتمال الصماء] ٣٦٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا قُتَيْبَة)؛ بضم القاف، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، تصغير قِتبة؛ بكسر القاف لقبه، واسمه علي، وكنيته: أبو رجاء (بن سعِيد) بكسر العين المهملة: هو ابن جميل البلخي (قال: حدثنا الليث)؛ بالتعريف، وفي رواية: (ليث)؛ بالتنكير: هو ابن سعد بن عبد الرحمن، الفهمي الحنفي، من أتباع الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁، وما

стр. 467

قيل: من أنه مجتهد؛ فغير صحيح وتعصب؛ لأنَّه لم يعلم له مذهب ولا أصحاب ولا كتب، غاية الأمر أنه تفقه في مذهب الإمام الأعظم حتى صار نحريرًا، ثم أخذ الحديث، وصار في علم الحديث إمامًا، وقال يحيى ابن بكير: (الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك)، وقال محمد بن إدريس: (الليث أفقه من مالك، وكأنه أخذ عنه الفقه)، وعلى هذا؛ فمحمد بن إدريس من أتباع أتباع الإمام الأعظم؛ لأنَّ الليث أخذ وتفقه على الإمام محمد بن الحسن، وهو عن الإمام الأعظم، لكن الصحيح أن محمد بن إدريس أخذ الفقه وتفقه على الإمام محمد بن الحسن، كما ذكره ابن حجر في أول «التحفة» للرملي الشافعي؛ فافهم ذلك، ولا تغتر بكلام أهل التعصب والعناد. (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله بن عبد الله)؛ بالتصغير في الأول، والتكبير في الثاني (بن عُتْبة)؛ بضم العين المهملة، وسكون الفوقية: هو ابن مسعود ﵁، (عن أبي سعيد) : هو سعْد بن مالك؛ بسكون العين المهملة (الخُدْري) بضم الخاء المعجمة، وسكون المهملة، الخزرجي الأنصاري ﵁ (أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء)؛ بالصاد المهملة، والمد، واختلف في تفسيره؛ ففي «الصحاح» : (هو أن يُجَلِّل جسده كله بالإزار وبالكساء، فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانيًا من خلفه على يده اليمنى، وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعًا)، وفي «نهاية ابن الأثير» : (هو التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه)، وفي كتاب (اللباس) : (هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب)، وعن الأصمعي: (هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبًا، فلا يبقى ما يخرج منه يده)، وعن أبي عبيد: (أن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، فيبدو منه فرجه). وقال إمام الشَّارحين: (وتحقيق هذه الكلمة: أن الاشتمال مضاف إلى الصماء، والصماء في الأصل: صفة، يقال: صخرة صماء: إذا لم يكن فيها خرق ولا منفذ، ومعنى النهي عن اشتمال الصماء؛ أي: نهى عن اشتمال الثوب؛ كاشتمال الصخرة الصماء، واشتمالها كون عدم الخرق والمنافذ فيها، وتشبيه الاشتمال المنهي بها كونها تسدُّ المنافذ كلها، والذي ذكره الكرماني من أن اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ الصماء ضرب من الاشتمال، ليس تفسير ما في لفظ الحديث على ما لا يخفى) انتهى. قلت: فسميت الصماء؛ لسد المنافذ كلها، فيكون النهي مكروهًا؛ لعدم قدرته على الاستعانة بيديه فيما يعرض له في الصلاة؛ كدفع الهوام ونحوها، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (ففيه: أنه ﵊ قد نهى عن اشتمال الصماء، وقالوا على تفسير أهل اللغة: إنَّما يكرهاشتمال الصماء؛ لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة، وإلا؛ فيكره) انتهى. (وأن يحتبي)؛ أي: ونهى رسول الله ﷺ أيضًا عن أن يحتبي (الرجل) وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: عن احتباء الرجل، وهو أن يقعد الإنسان على إليتيه، وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما (في ثوب واحد) : أو بيده أو نحوها (ليس على فرجه منه)؛ أي: من الثوب ونحوه (شيء) : واسم هذه القعدة تسمى: الحُِبوة؛ بضم الحاء وكسرها، وقد كان هذا الاحتباء عادة للعرب في أنديتهم ومجالسهم، فإن كان ينكشف معه شيء من عورته؛ فهو حرام مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وأما إذا كان مستور العورة؛ فلا يحرم، بل يكره، وقال الخطابي: (الاحتباء: هو أن يحتبي الرجل في الثوب ورجلاه متجافيتان عن بطنه، فيبقى هناك إذا لم يكن الثوب واسعًا قد أسبل شيئًا منه على فرجه، وفرجه تبدو منها عورته، وهو منهي عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه)، وقال في موضع آخر: (الاحتباء: أن يجمع ظهره ورجليه بثوب) انتهى. قلت: فقد اضطرب كلامه، وهو تناقض، والذي ذكره أهل اللغة والفقهاء: هو أن يندرج في ثوب بحيث لا يدع فيه منفذًا يخرج يديه منه، ولم يتعرضوا لذكر الرجلين؛ لعدم اعتبارهما في ذلك، ومفهوم كلامه أن المراد من العورة السوءتان؛ لأنَّه قال: (وهو منهي عنه إذا كان كاشفًا عن فرجه)، وليس هذا بمراد، بل المراد من العورة: من السرة إلى الركبة، يدل عليه تصرف المؤلف في هذه الأحاديث التي ترجم لها، وكلها دالة على أن الواجب ستر العورة، وأن العورة: هي من السرة إلى الركبة، والتقييد بـ (الفرج) باعتبار الأغلظ والأفحش لا للتخصيص، بل المراد العورة بتمامها، فإن الحديث الثاني والثالث يدلان على ذلك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، وقد أشبعنا الكلام على ذلك أول الباب؛ ردًّا على ابن حجر، وكأنه قد تبع الخطابي في ذلك، وكلاهما غير مصيب، كما لا يخفى. وقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: «ليس على فرجه منه شيء»، فإن فيه أن يكون الفرج مكشوفًا، فهو يدل على أن ستر العورة واجب، والباب معقود في ستر العورة) انتهى. [حديث: نهى النبي عن بيعتين عن اللماس والنباذ] ٣٦٨ - وبالسند إليه قال: (حدثنا قَبِيْصَة) بفتح القاف، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الصاد المهملة (بن عُقْبة) بضم العين المهملة، وسكون القاف، وليس في رواية الأصيلي: (ابن عقبة) (قال: حدثنا سفيان) : هو الثوري، (عن أبي الزِّناد)؛ بكسر الزاي وبالنون: هو عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) : هو عبد الرحمن بن هرمز التابعي، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: نهى النبيُّ) الأعظم ﷺ عن بيعتين)؛ تثنية بيعة؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفرق بينهما: أن الفَعلة؛ بالفتح: للمرة، وبالكسر: للحالة والهيئة، كما في «عمدة القاري»، والفتح هو الذي في «الفرع»، كما قاله القسطلاني، ثم قال: (وهو المشهور على الألسنة، لكن الأحسن الكسر) انتهى. قلت: وفيه نظر؛ فإنه إذا كان الفتح ثابتًا في «الفرع»؛ فلا اعتبار؛ لاشتهاره على الألسنة؛ لأنَّه لا يعتد به، فكم من اشتهر على الألسنةِ! وهو خطأ والصواب خلافه، فلو أسقطها؛ لكان أولى، وهو من هفواته. وقوله: (لكن الأحسن الكسر) : مسلَّم؛ لأنَّ المراد بالبيعة هنا: الهيئة والحالة؛ كالركبة والجلسة؛ فافهم، ولهذا سوى إمام الشَّارحين بين الفتح والكسر، وأحال الأحسن منهما على المراد به ههنا، كما يقتضيه السياق؛ فليحفظ أحدهما. (عن اللِّماس)؛ بكسر اللام، وهو مصدر من لامس، من باب (فاعل)، وقد علم أن مصدره يأتي على (مفاعلة)؛ مثل: ملامسة، وعلى (فعال)؛ مثل: لماس؛ وهو لمس الثوب بلا نظر إليه، وفيه وجوه؛ أحدها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المشتري، ويقول له صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، وخيارك إذا رأيته، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته؛ فهو مبيع لك، والثاني ما أشار إليه بقوله: (و) عن (النِّباذ)؛ بكسر النون، وبالذال المعجمة، يأتي من بابه (فعال)؛ مثل: نباذ، وعلى

стр. 468

(مفاعلة)؛ مثل: منابذة؛ وهي أن يجعل نفس النبذ بيعًا، وأن يقول: إذا نبذته إليك؛ فلا خيار لك إذا رأيته، ويحتمل أن يراد به نبذ الحصى، وذلك كأن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، وأن يقول: لك الخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، أو أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا كأن يقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة؛ فهو مبيع بكذا، والملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعًا في الجاهلية، وكأن الرجلان يتساومان المبيع، فإذا ألقى المشتري عليه حصاة، أو نبذه البائع إلى المشتري، أو لمسه المشتري؛ لزم البيع، وقد نهى الشَّارع ﷺ عن ذلك، كذا في «عمدة القاري» نقلًا عن علمائنا الأعلام قدس الله أرواحهم. قلت: وهذه الثلاثة البيع فيها فاسد؛ للنهي المذكور في الحديث، وذلك لوجود الشرط الفاسد، أو لعدم الرؤية، أو لوجود القمار، فكانت فاسدة إن سبق ذكر الثمن، وسوف يأتي في (البيوع) بقية الكلام عليه؛ فليحفظ. (وأن يشتمل) عطف على قوله: (عن بيعتين)؛ أي: ونهى رسول الله ﷺ أيضًا أن يشتمل، وكلمة (أن) مصدرية؛ والتقدير: أي: وعن اشتمال الثوب كالصخرة (الصماء)؛ لأنَّها مسدودة المنافذ، فيتعذر أو يتعسر على المشتمل إخراج يديه منه؛ لما يعرض له في صلاته من دفع بعض الهوام ونحوها، أو لانكشاف عورته على تفسير الفقهاء، وهو الموافق لما عند المؤلف في (اللباس)، كما قدمناه، وفي رواية ابن عساكر: (وأن يُشتمل)؛ بضم أوله مبنيًّا للمفعول، و (الصماءُ)؛ بالرفع نائبًا عن الفاعل، (و) نهى (أن يَحتبِي)؛ بفتح أوله، وكسر الموحدة، وفي رواية ابن عساكر: بضم أوله، وفتح الموحدة (الرجل)؛ أي: عن احتباء الرجل القاعد على إليتيه منصبًا ساقيه، ولفظة (الرجل) ساقطة في رواية الأصيلي وابن عساكر؛ ملتفًّا (في ثوب واحد)؛ أي: ليس على فرجه منه شيء، فإن الاحتباء المطلق هنا محمول على المقيد في الحديث الذي قبله، كما قاله إمام الشَّارحين، ففيه: النهي عن اشتمال الصماء، وهو مكروه على تفسير أهل اللغة، ويحرم على تفسير الفقهاء إن انكشف به بعض العورة، وإلا؛ فيكره، وفيه: النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة، وهو حرام مطلقًا، سواء كان في الصلاة أو خارجها، كما قدمناه؛ فافهم. [حديث: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان] ٣٦٩ - وبالسند إليه قال: (حدثنا إسحاق) : غير منسوب في رواية الأكثرين، وفي نسخة عن رواية أبي ذر: (إسحاق بن إبراهيم)، قال إمام الشَّارحين: (ولكونه ذكر غير منسوب تردد فيه الحفاظ؛ فمنهم من قال: إسحاق بن منصور، ومنهم من قال: إسحاق بن إبراهيم المشهور بابن راهويه؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عن يعقوب بن إبراهيم، والنسخة التي فيها: إسحاق بن إبراهيم: هي الأصح) انتهى. ويدل عليه ما قاله الجياني عن ابن السكن: (إذا ذكر إسحاق غير منسوب؛ يكون ابن راهويه). قلت: وهذا هو الظاهر كما لا يخفى، فهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور، سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين؛ فافهم. (قال: حدثنا) وللأصيلي: (أخبرنا) (يعقوب بن إبراهيم) : هو ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف ﵁ (قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب) : هو محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزهري، (عن عمه) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن بن عَوْف)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الواو، التابعي: (أن أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (قال: بعثني أبو بكر) : هو عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان الصديق الأكبر ﵁ (في تلك الحجة)؛ أي: التي أمَّر النبيُّ الأعظم ﷺ الصديق على الحاجِّ، وهي قبل حجة الوداع بسنة، وهي السنة التاسعة، كما في «عمدة القاري». (في مؤذنين)؛ أي: في رهط يؤذنون في الناس (يوم النحر) : وهو يوم العاشر من ذي الحجة، وكأنه مقتبس مما قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، وفي رواية أبي داود: (يوم الحج الأكبر يوم النحر)، والحج الأكبر: الحج، قلت: والحج الأصغر: العمرة، قاله إمام الشَّارحين. (نؤذن)؛ بالنون، ثم الهمزة (بِمِنًى)؛ بكسر الموحدة، والميم، وبالقصر، وهي على ثلاثة أميال من المزدلفة، ومقول (المؤذنين) هو قوله: (ألا يحج بعد العام مشرك)؛ بإدغام نون (أن) في (لا يحج)؛ لأنَّ أصله: أن لا يحج، فصار (ألَّا)؛ بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (أَلَا لا يحج)؛ بأداة الاستفتاح قبل حرف النفي، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية، فـ (لا) نافية، و (يحجُ) و (يطوفُ)؛ بالرفع، وزعم ابن حجر أن (لا) حرف نهي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (وليس كذلك، بل هو حرف النفي) انتهى. قلت: وهو الظاهر، والمعنى عليه؛ فافهم. وقال ابن الدماميني: لأن ما بعده: (ولا يطوف) انتهى. يعني: فـ (لا) : حرف نفي لا نهي، ويحتمل أن تكون (أن) ناصبة، فـ (يحجَّ) و (يطوفَ) نصبٌ، وقال الكرماني: (هل يكون ذلك العام داخلًا في هذا الحكم أم لا؟ قلت: الظاهر أن المراد: بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله)، قال إمام الشَّارحين: (وينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل) انتهى. (ولا يطوف بالبيت عريان)؛ بالنصب عطفًا على المنصوب قبله، أو بالرفع، كما سبق، فإن منع الطواف عاريًا يدل على وجوب ستر العورة، وهذا وجه المطابقة لما ترجم له؛ لأنَّ ستر العورة إذا كان شرطًا في الطواف الذي هو يشبه الصلاة؛ فاشتراطها في الصلاة أولى وأجدر، فهذا الحديث يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة، وهو يتضمن أمر أبي بكر وأمره بذلك من أمر النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ حيث إنه أمَّره بالحج، وقد سبق الكلام عليه في باب (وجوب الصلاة في الثياب)، والله أعلم بالصواب. (قال: حُمَيْد) بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية (بن عبد الرحمن) : هو ابن عوف التابعي، (ثم أردف) أي: أرسل (رسول الله ﷺ عليًّا) : هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب وراء أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، (فأمَّره أن يؤذنُ ببراءةٌ)؛ بالرفع على الحكاية، كما في «فرع الينونينية»، ويجوز الفتح على أنها علم للسورة، ويجوز الكسر مع التنوين؛ أي: بسورة براءةٍ، قال إمام الشَّارحين: (وقول حميد هذا مرسل من قبيل مراسيل التابعين؛ لأنَّ حميدًا ليس بصحابي حتى يقال: إنه

стр. 469

شاهده بنفسه)، وقال الكرماني: (ولفظ: «قال حميد» و «قال أبو هريرة» يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكونا داخلين تحت الإسناد، لكن الظاهر من مسألة الإرداف أنه لم يسندها حميد)، وقال في «التوضيح» : (وقول حميد يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولًا عند البخاري)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (الوجه الذي ذكرناه هو الوجه، كما نص عليه المزي وغيره) انتهى. قلت: يعني: إنه مرسل من قبيل مراسيل التابعين... إلى آخر، ما ذكرناه عنه قريبًا؛ فافهم. (قال: أبو هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي: (فأذَّن)؛ بتشديد الذال المعجمة، (معنا) بفتح العين المهملة وسكونها (علي) : هو ابن أبي طالب؛ أي: مع الرهط الذين يؤذنون في الناس (في أهل مِنًى)؛ بكسر الميم، والقصر (يوم النحر) : هو يوم العاشر من ذي الحجة، فقالوا: (لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عريان)؛ بالرفع في (يحج) و (يطوف) فقط، والحكمة في إعطاء علي براءة؛ لأنَّ براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب؛ إذ لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأرسل ابن عمه الهاشمي حتى لا يبقى (١) لهم متكلم، وقيل: لأنَّ في سورة براءة ذكر الصديق؛ يعني: قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن غيره يقرؤها. فإن قلت: كان علي مأمورًا بالتأذين ببراءة، فكيف قال: (فأذن معنا بأنه لا يحج)؟ قلت: إمَّا لأنَّ ذلك داخل في سورة براءة، وإمَّا أن معناه: أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة، كذا في «عمدة القاري». قلت: والثاني أوجه؛ فتأمل. وقال ابن عبد البر: (أمر النبي الأعظم ﷺ أبا بكر ﵁ بالخروج إلى الحج، وإقامته للناس، فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: «إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي»، ثم دعا عليًّا ﵁، فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا في منًى»، فخرج على ناقة رسول الله ﷺ ، فأذن علي ﵁، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال أبو بكر: أميرًا أو مأمور؟ فقال: بل مأمور)، وذكر أحمد في (فضائل علي) : (لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: «بالجحفة»؛ بعث النبيُّ الأعظم ﷺ إلى أبي بكر، فرده، وقال: «لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي»، وفي لفظ: (فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل ﵇ جاءني، فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك»)، انتهى. قلت: وفي هذا بيان حكمة إعطاء علي براءة أيضًا؛ فليحفظ. وفي «عمدة القاري» : (ويستنبط منه أنه ﵇ أبطل ما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل بهذا الحديث على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وهو الموافق لترجمة الباب) انتهى. وزعم الكرماني أنه استدل به على أن الطواف يشترط له ستر العورة، قال إمام الشَّارحين: (قلت: إذا طاف الحاج عريانًا؛ لا يعتد به عندهم، وعندنا يعتد به، ولكنه يكره) انتهى. قلت: يعني: أنه في مذهب الإمام الأعظم ﵁ لا تشترط ستر العورة في الطواف، فلو طاف عريانًا؛ يصح، ولكنه يكره، وعند الشافعي يشترط سترها فيه، ولو طاف عريانًا؛ لا يصح، واستدل بالحديث المذكور، فاستدل الإمام الأعظم بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، فيشمل العاري وغيره، ولا دلالة للشافعي في هذا الحديث؛ لأنَّه خبر واحد، وزيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت به الحكم، ولأنه لا يشترط في الطواف الاستقبال، ولا عدم المشي إجماعًا، فعدم اشتراط ستر العورة أولى وأجدر على أن المراد بهذا الحديث النهي، وهو يقتضي الكراهة لا عدم الصحة، فما قاله الإمام الأعظم هو الصواب، والله تعالى أعلم. (١١) [باب الصلاة بغير رداء] هذا (باب) : حكم (الصلاة بغير رداء)؛ بكسر الراء، وفتح الدال المهملتين، وبالمد: هو ثوب يستر النصف الأعلى من الإنسان بخلاف الإزار؛ فإنه يستر النصف الأسفل. [حديث: دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به] ٣٧٠ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) هو الأويسي (قال: حدثنا ابن أبي الموالي) : هو عبد الرحمن بن زيد بن أبي المَوالي؛ بفتح الميم على وزن (الحواري) (عن محمد بن المنكدر) : هو التابعي المشهور (قال: دخلت على جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري؛ أي: في بيته، كما يقتضيه السياق (وهو يصلي) جملة حالية؛ أي: صلاة نافلة؛ لأنَّ الفرائض يصليها مع النبيِّ الأعظم ﷺ بالجماعة في المسجد (في ثوب) أي: واحد (ملتحفًا)؛ بالنصب على الحال (به)؛ أي: بالثوب، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (ملتحفٌ)؛ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ملتحف، كذا في «عمدة القاري». قلت: ويجوز فيه الجر صفة لـ (ثوب) المجرور، وقيل: على الجوار، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين. (ورداؤه موضوع) : جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: موضوع على الشيء، وهناك موضوع على المشجب، كذا في «عمدة القاري». قلت: فمعنى أنه موضوع؛ يعني: عن جسده يحتمل على الأرض أو غيرها، وقوله: (وهناك)؛ يعني في باب (عقد الإزار على القفا)، والمِشْجَب؛ بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم، آخره موحدة: وهو ثلاث عيدان تعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يعلق عليها الثياب، ويقال لها: السِّيْبَه؛ بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، آخره هاء. (فلما انصرف)؛ أي: فرغ جابر من صلاته؛ (قلنا) أي: قال له أصحابه، ومنهم ابن المنكدر: (يا با عبد الله) أصله: يا أبا عبد الله؛ بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو كنية جابر ﵁، (تصلي)؛ أي: في ثوب واحد؛ والتقدير: أتصلي؛ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار (ورداؤك موضوع) عنك على الأرض أو المشجب؟ (قال)؛ أي: جابر لهم: (نعم) أي: أصلي في ثوب واحد وردائي موضوع؛ (أحببت أن يراني الجهال) وفي الرواية السابقة: (ليراني أحمق) (مثلكم)؛ بالرفع صفة لـ (الجُهَّال)، وهو بضم الجيم، وتشديد الهاء، جمع جاهل، وقدمنا هناك أن (مثل) متوغل في التنكير، فلا يتعرف وإن أضيف إلى المعرفة، فلذلك وقع صفة لنكرة، وهو قوله: (أحمق)، وأمَّا هنا؛ فإنه وقع صفة للمعرفة، فوجهه أنه إذا أضيف إلى ما هو مشهور بالمماثلة؛ تعرَّف، وههنا كذلك، على أن التعريف في (الجهال) للجنس، وهو في حكم النكرة، والمثل؛ يعني: المثيل على وزن (فعيل)، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، فلذلك لم يطابق (الجهال) مع أن التطابق بين الصفة والموصوف في الإفراد والجمع شرط، أو تقول: هو قد اكتسب الجمعية في المضاف إليه، أو هو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع، كذا قرره إمام الشَّارحين،

стр. 470

وقيل: ويجوز النصب على الحال. (رأيت النبيَّ) الأعظم ﷺ وجملة (يصلي) : محلها نصب مفعول ثان (١) لـ (رأيت) (كذا) وفي رواية الكشميهني: (هكذا)، والإشارة إلى الصلاة في ثوب واحد، وسبب تغليظه القول فيه كونه فهم من كلام السائلين الإنكار عليه، والغرض في محبته لرؤية الجهال؛ ليقع السؤال والجواب، فيستفاد منه بيان الجواز، كذا في «عمدة القاري». فإن قلت: اللام في (ليراني)؛ للتعليل والغرض، فكيف وجه إراءته الجهال غرضًا؟ قلت: الغرض بيان الجواز في ذلك الفعل، فكأنه قال: صنعته محبة لأن يراني الجهال، فينكرون علي بجهلهم، فأظهر لهم جوازه، وإغلاظه عليهم؛ لإنكارهم على فعله؛ لقولهم: (تصلي)؛ لأنَّ الهمزة فيه للإنكار، وهي مقدرة، كما ذكرنا، وقد أسند فعله إلى ما تقرر في صلاته ﷺ حيث كان يصلي هكذا، والله أعلم. (١٢) [باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ .] هذا (باب: ما يُذكَر)؛ بضم التحتية أوله، وفتح الكاف (في) حكم (الفخِذ) وفي رواية الكشميهني: (من الفخذ)، ويجوز في الخاء المعجمة الكسر والسكون، ووجه مناسبته بما قبله: هو أن المذكور في الباب قبله هو الصلاة في ثوب ملتحفًا به لستر العورة، والمذكور في هذا الباب حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة؛ يجب ستره، والستر إنَّما يكون بالثياب، فتحققت المناسبة بينهما. (قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف نفسه، كذا هو ثابت في رواية أبوي ذر والوقت، ساقط في غيرهما: (ويُروى)؛ بضم التحتية أوله مبنيًّا للمفعول، وهو تعليق بصيغة التمريض، وذكره المؤلف عن ثلاثة أنفس: الأول: (عن ابن عباس) : هو عبد الله بن عباس ﵄، وقد وصله الترمذي وأحمد، فقال الترمذي: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «الفخذ عورة»، وقال: هذا حديث حسن غريب)، وأبو يحيى القتات ضعيف، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على سبعة أقوال؛ قيل: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زاذان، وقيل: ديان، وقيل: عمران، وقيل: دينار، والقَتَّات: بفتح القاف، وتشديد المثناة الفوقية. (و) الثاني: عن (جَرْهَد)؛ بفتح الجيم، وسكون الراء، وفتح الهاء، آخره دال مهملة: هو ابن رزاح بن عدي الأسلمي، له صحبة عديدة في أهل المدينة، وقال أبو عمرو: (جعل ابن أبي حاتم جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح)، وهذا وهم، وهو رجل واحد من أسلم لا يكاد يسلم له صحبة، ويقال: إنه مات سنة إحدى وستين، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير، وأخرجه مالك في «الموطأ» عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده قال: وكان جدي من أهل الصُّفة، قال: جلس رسول الله عندي وفخذي مكشوفة، فقال: «خمر عليك، أمَا علمت أن الفخذ عورة»، وقال الدارقطني: (روى هذا الحديث أصحاب «الموطأ» : ابن بكير، وابن وهب، ومعن، وعبد الله بن يوسف، هو عند القعنبي خارج «الموطأ» في الزيادات من مالك، ولم يذكره ابن القاسم في «الموطأ» ولا ابن عفير ولا أبو مصعب... إلى آخره) كلامه، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي عاصم عن سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي، عن جده جرهد قال: مر النبيُّ الأعظم ﷺ بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، فقال: «إن الفخذ عورة»، هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل، وذكره ابن القطان، ثم قال: (وهو معلول بالاضطراب وبجهالة حال الراوي عن جرهد)، وذكره البخاري في «تاريخه»، ثم قال: (ولا يصح)، قال ابن الحذاء: (وإنما لم يخرجه البخاري في «مصنفه» لهذا الاختلاف) انتهى. قلت: لكن قد استند فيه لما روي عن ابن عباس وابن جحش، وظاهره الاعتماد عليه؛ لقوله: (وحديث جرهد أحوط)؛ يعني: فينبغي العمل به، فهذا يدل على صحته، وعدم إعلاله؛ فليحفظ. (و) الثالث: عن (محمد ابن جحش)؛ بالجيم، ثم الحاء المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو محمد بن عبد الله بن جحش، له ولأبيه صحبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمد صغيرًا في عهد النبيِّ الأعظم ﷺ ، وقد حفظ عنه، وكان مولده قبل الهجرة بخمس سنين، هاجر إلى المدينة مع (٢) أبيه، وله صحبة، وحديثه رواه الطبراني عن يحيى بن أيوب، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش قال: كنت أصلي مع النبيِّ الأعظم ﷺ ، فمرَّ على معمر بن عبد الله بن نضلة (٣) العدوي وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر؛ غطِّ فخذيك؛ فإن الفخذين عورة»، قال ابن حزم: (رواية أبي كثير مجهولة (٤))، وذكره البخاري في «تاريخه»، وأشار إلى الاختلاف فيه، ورواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، كذا قرره إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى ثلاثتهم. (عن النبيِّ) الأعظم ﷺ أنه قال: (الفخذ عورة) : وهو قول الجمهور من التابعين ومن بعدهم؛ منهم: إمامنا الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، وبه قال محمد بن إدريس، وهو الأصح عند مالك، وأصح الروايتين عن أحمد ابن حنبل حتى قال أئمتنا الأعلام: (إن صلاته مكشوف الفخذ فاسدة)، وقال الأوزاعي: (الفخذ عورة إلا في الحمام)، وقال الإمام الوبري: (السرة من العورة عند الإمام الأعظم). قلت: وهي رواية ضعيفة، والمعتمد: أن السرة ليست من العورة، كما نص عليه المنلاخسرو في «الدرر»، وتبعه البرهان الحلبي، وصاحب «البحر» و «النهر»، وقال في «المفيد» : (الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق، فاجتمع الحظر والإباحة، فغلب الحظر احتياطًا) انتهى. واختلفوا في أن الركبة مع الفخذ عضو واحد، أو كل منهما عضو على حدة؛ ففي «التجنيس» : (الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطًّى؛ جازت صلاته؛ لأنَّ نفس الركبة من الفخذ، وقيل: إنها بانفرادها عضو)، ولكن الأصح الأول؛ لأنَّه ليس بعضو على حدة في الحقيقة، بل هي ملتقى عظمي الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها؛ لتعذر التمييز، فعلى الأول: (من) تبعيضية، وعلى الثاني: بيانية، كذا في «العناية». وقال في «الخلاصة» : (والركبة لا تعتبر عضوًا على حدة، بل تبع للفخذ هو المختار) انتهى. وقال في «النهر» : (إنه الأصح)؛ فليحفظ، وعورة الرجل من تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، كذا قاله الإمام القدوري؛ لحديث علي بن أبي طالب: قال ﵇: «الركبة من العورة»، وحديث أبي أيوب: «ما فوق الركبتين، وما أسفل من السرة من العورة»، فتعارض المحرم

стр. 471

والمبيح في الركبة، فيقدم المحرم، وروى الدارقطني مرفوعًا: «عورة الرجل ما تحت السرة إلى ركبتيه»، فإن فيه جعل الركبة غاية، وقد احتمل دخولها وعدمه، والاحتياط في الدخول، فتدخل، كذا في «شرح المنية». وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها، كذا في «القدوري»، فإن وجهها وكفيها وقدميها ليس بعورة بالإجماع لا في حق الصلاة ولا في حق نظر الأجنبي، حتى إن الأجنبي يباح له النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها إذا كان بغير شهوة، وأما ذراع الحرة؛ فظاهر الرواية عن أئمتنا الأعلام: أنه عورة، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أن ذراعيها ليسا بعورة، فلو انكشف ذراعاها (١) في الصلاة؛ لا تفسد، كما في «الاختيار»، وصحح بعضهم: أنه عورة في الصلاة لا خارجها، كما في «فتح القدير»، وقال في «المجتبى» : (الذراع لا يمنع الصلاة، لكن يكره كشفه؛ ككشف القدم)، كما في «القهستاني»، فأفاد أن القدم ليس بعورة، وهو الأصح، كما في «المحيط» و «الهداية»، وقيل: إنه عورة، وصححه الأقطع، وفي «الاختيار» : (الصحيح أن القدم ليس بعورة في الصلاة، وعورة خارجها)، وفي «الحلية» : (الصحيح أنه عورة مطلقًا)، فالأقوال ثلاثة مصححة، وقال القدوري: (وما كان عورة من الرجل؛ فهو عورة من الأمَة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها؛ فليس بعورة) انتهى. ومثل الأمَة القنَّة، وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة، والمستسعاة عند الإمام الأعظم، وقال الصاحبان: المستسعاة حرة، والمراد بالمستسعاة: معتقة البعض، وأما المستسعاة المرهونة إذا أعتقها الراهن وهو معسر؛ فهي حرة اتفاقًا، كذا في «البحر الرائق»، وعورة الرقيق كعورة الحر، والخنثى المشكل الحر كالحرة، والرقيق كالأمَة، قال في «السراج» : الخنثى إذا كان رقيقًا؛ فعورته عورة الأمَة، وإن كان حرًّا؛ فعورته عورة المرأة الحرة، فإن ستر ما بين سرته وصلى؛ قال بعضهم: تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون امرأة، وقال بعضهم: لا تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون رجلًا، والإعادة أحوط، كذا في «النهر الفائق»، وفيه عن «السراج» : (الصغير جدًّا لا عورة له، ولا بأس بالنظر إليها ومسها؛ لأنَّه ﵇ كان يفعل ذلك في الحسن والحسين)، كذا في «الفتاوى»، ومثل الصغير الصغيرة، فيباح النظر والمس، كذا في «معراج الدراية»، والمراد بهما: ما لم يبلغا حد الشهوة، وتمامه في «منهل الطلاب». وزعم ابن بطال أن من صلى مكشوف العورة؛ لا إعادة عليه إجماعًا، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: دعوى الإجماع غير صحيحة، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه، انتهى. قلت: وقد نقل الشراح: أن الفخذ عورة في أصح أقوال مالك، وعليه فلا إجماع (٢) في أهل مذهبه، ولا يخفى أن ما زعمه ابن بطال غير صحيح؛ لمنافاته الأحاديث الدالة على وجوب الستر في الصلاة؛ فليحفظ. وقال في «التوضيح» : حاصل ما في عورة الرجل خمسة أوجه؛ أصحها وهو المنصوص: أنها ما بين السرة والركبة، وهما ليسا بعورة، وبه قال زفر ومالك، والأصح عند أحمد، ثانيها: أنَّهما عورة كما روي عن الإمام الأعظم، ثالثها: السرة ومن الركبة، رابعها: عكسه، خامسها: القبل والدبر، وهو قول الإصطخري، وهو شاذ، انتهى. (وقال أنس) زاد الأصيلي: «ابن مالك» : هو الأنصاري، مما وصله المؤلف قريبًا في هذا الباب: (حَسَرَ)؛ بفتح حروفها المهملات؛ أي: كشف (النبيُّ) الأعظم ﷺ في غزوة خيبر الإزار (عن فخذه) فهو دليل على أنه ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وأحمد في رواية، والإصطخري من الشافعية، قال ابن حزم: العورة المفروض سترها عن الناظر في الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ من العورة، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط، والحر والعبد والحرة والأمَة فيه سواء بلا فرق؛ لحديث أنس الذي أخرجه البخاري: أنه ﵇ غزا خيبر، وفيه: ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذه ﵇، فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة، ولو كان عورة؛ لما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أَرَاها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا من قبل النبوة، انتهى. والجواب عن هذا الحديث: أنه محمول على غير اختيار الرسول ﷺ فيه، وذلك بسبب ازدحام الناس حيث إنهم في غزوة، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه ﵇، وما ذاك إلا بسبب الازدحام (٣)، فليس للنبيِّ الأعظم ﷺ فيه اختيار، وما زعمه ابن حزم من أنه: لو كان عورة؛ لما كشفها الله من رسوله... إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ ذلك غير منافٍ؛ لأنَّه إنَّما كان لأجل التشريع حتى يظهر أن الفخذ عورة، لا سيما وقد قال ﵇: «الفخذ عورة»، فيتعين أن يكون قوله ﵇: «الفخذ عورة» بعد حسر الإزار عن فخذه إن كان بغير حاجة، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، فحديث جرهد يكون ناسخًا لحديث أنس، وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق في حديث جرهد، فإنه أعطى حكمًا كليًّا، فكان أولى، وبيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل الخصوصية للنبيِّ الأعظم ﷺ بذلك، أو البقاء (٤) على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة، انتهى. يعني: فيكون منسوخًا كما قلناه، والدليل متى طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، لا يقال: الخصوصية لا بد لها من دليل والأصل عدمها؛ لأنَّا نقول: الظاهر أن ذلك خصوصية، والدليل عليه أن أنسًا رأى فخذه ﵇ دون غيره من الصحابة، فلو كان عامًّا؛ لكان جميع الصحابة رأوا فخذه ﵇، ولم يثبت ذلك عنهم، فالظاهر أنه خصوصية أو منسوخ؛ فافهم. فإن قلت: روى الحافظ الطحاوي من حديث حفصة بنت عمر ﵄ قالت: كان رسول الله

стр. 472

صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله؛ جاء أبو بكر، وعمر، وعلي، وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان؛ تجللت ثوبك، فقال: «أولا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟!»، قالت: وسمعت أبي وغيره يحدثون نحوًا من هذا، وأخرجه أحمد والطبراني أيضًا. قلت: أجاب الحافظ الطحاوي عنه: بأنَّ هذا الحديث على هذا الوجه غريب؛ لأنَّ جماعة من أهل البيت روَوْه على غير هذا الوجه المذكور، وليس فيه ذكر كشف الفخذين، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة. وقال أبو عمر: وحديث حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه، وقال الطبري: الأخبار التي رويت عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه؛ واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين، ولا الأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والأخبار الواردة في النهي عن كشفها أخبار صحاح، انتهى. يعني: تثبت بها الحجة، والنهي يفيد الحرمة، فثبت أن الفخذ عورة يجب ستره في الصلاة وخارجها. وقال إمام الشَّارحين: وقول الحافظ الطحاوي: «لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه» : هو حديث عائشة وعثمان، فأخرجه مسلم: أن عائشة ﵂ وعثمان ﵁ قالا: إن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجته، ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال ﵇: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال؛ ألَّا يبلغ إلي في حاجته»، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلًا. فإن قلت: قد روى مسلم أيضًا في «صحيحه»، وأبو يعلى في «مسنده»، والبيهقي في «سننه» هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين، ولفظ مسلم: أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحالة، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوَّى ثيابه، فلما خرج؛ قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عثمان؛ جلست وسويت ثيابك؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!». قلت: لما أخرجه البيهقي؛ قال: لا حجة فيه؛ لأنَّه مشكوك فيه، فإن الراوي قال: «فخذيه أو ساقيه»، فدل ذلك على أن ما قاله الحافظ الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، وقال أبو عمرو: هذا حديث مضطرب، انتهى. (قال أبو عبد الله) : هو المؤلف نفسه، كذا في رواية ابن عساكر فقط: (وحديث أنس)؛ أي: ابن مالك المذكور (أسند)؛ يعني: أقوى وأحسن سندًا من الحديث السابق (و) هو (حديث جرهد) وما معه، لكن العمل به (أحوط)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من حديث أنس، (حتى يُخرَج)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الراء، وفي رواية: (حتى يَخرُج)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء، كذا في «الفرع»، قال إمام الشَّارحين: وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع؛ بفتح النون، وضم الراء، وتبعه ابن حجر (من اختلافهم)؛ أي: العلماء؛ يعني: لما وقع الخلاف في الفخذ هل هو عورة أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد، وبما روي مثله في هذا الباب، وذهب آخرون: إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس كأنَّ قائلًا يقول: إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم واحد؛ أحدهما أصح من الآخر؛ فالعمل يكون بالأصح، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب المؤلف عن هذا بقوله: «وحديث أنس أسند...» إلى آخره، وتقريره: أن يقال: نعم؛ حديث أنس أسند من حديث جرهد، إلا أن العمل بحديث جرهد؛ لأنَّه أحوط في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى؛ للخروج من اختلاف العلماء، ولأجل هذه النكتة؛ لم يقل المؤلف: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: (باب ما يذكر في الفخذ)، كذا قرره إمام الشَّارحين. قلت: يعني: إنَّما قال: (باب ما يذكر في الفخذ)؛ لأجل أن يكون جاريًا على القولين في أن الفخذ عورة أم لا؟ وقد صرح علماؤنا الأعلام: بأنه لا بأس بالعمل بالقول الضعيف. وقال الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: من السرة إلى موضع نبات شعر العانة ليس من العورة؛ لتعامل العمال في ابتداء ذلك الموضع عند الائتزار، وفي ستره نوع حرج، وهذا القول ضعيف؛ لأنَّ التعامل بخلاف النص لا يعتبر، كما صرح به في «البحر» عن السراج، ومراده بتعامل العمال: عموم البلوى، فإن الناس الآن في زماننا في جميع البلدان لا يسعهم إلا هذا القول، فإنَّهم يدخلون الحمامات، ويئتزرون في المآزر، ويقعدون على الأجران لصب الماء، وحين يصبون الماء على أجسادهم؛ يسقط المئزر عن عورتهم من غير صنع على أفخاذهم، فتنكشف السرة وما تحتها وتبقى العانة مستورة، وكلما ستروا ما فوق العانة؛ يسقط المئزر بصب الماء، وهذا مما شوهد كثيرًا وعمت به البلوى، فينبغي العمل بهذا القول وإن كان ضعيفًا؛ لأنَّ العمل بالقول الضعيف أولى وأحسن من عدم العمل بالقول الصحيح، ولا سيما في خاصة نفسه، فإنه جائز كما صرحوا به، كذا في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب. (وقال أبو موسى) : هو عبد الله بن قيس الأشعري، مما هو طرف من حديث ذكره المؤلف في (مناقب عثمان) ﵁، من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه، وفيه: (غطى)؛ بالغين المعجمة، والطاء المهملة؛ أي: ستر (النبيُّ) الأعظم ﷺ ركبتيه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (ركبته)؛ بالإفراد (حين دخل عثمان) هو ابن عفان ﵁، وذلك أدبًا معه واستحياء، وقد بين النبيُّ الأعظم ﷺ معناه، كما في «مسلم» و «البيهقي» بقوله: «ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء؟!»، وقد كان ﵇ يصف

стр. 473

كل واحد من أصحابه، ويفعل معه ما هو الغالب عليه من أخلاقه مما هو مشهور فيه، ولما كان الحياء الغالب على عثمان؛ استحى منه، وذكر أن الملائكة تستحي منه، فكانت المجازاة من جنس فعله، كذا في «عمدة القاري». وقال الكرماني: فإن قلت: الركبة لا تخلو إما أن تكون عورة أو لا، فإن كانت عورة؛ فلِمَ كشفها قبل دخول عثمان، وإن لم تكن عورة؛ فلِمَ غطاها عنه؟ قلت: الشق الثاني هو المختار، وأما التغطية؛ فكانت للأدب والاستحياء منه، انتهى. يعني: فكَشْف ركبتيه ﵇ قبل دخول عثمان ﵁ دليل على أنها ليست بعورة، مع أن ستر العورة خارج الصلاة بحضرة الناس واجب إجماعًا إلا في مواضع؛ كالتغوط، والاستنجاء، وحلق العانة، والجماع، واختلف فيه في الخلوة، والصحيح وجوبه إذا لم يكن لغرض صحيح، كما في «البحر». وقال صاحب «القنية» : وفي تجرده للاغتسال منفردًا أقوال؛ أحدها: أنه مكروه، الثاني: إذا أمن دخول الناس عليه؛ يعذر، الثالث: أنه يجوز في المدة اليسيرة، وهو قول الإمام الكرابيسي، الرابع: أنه لا بأس به، الخامس: أنه لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو في غيره في الخلوة، وهو قول الإمام أبي نصر بن سلام، السادس: أنه يجوز في بيت الحمام الصغير، وتمامه في «شرح الوهبانية». قلت: ولا يشترط سترها عن نفسه، وقيل: يشترط، قال في «مجمع الأنهر» : والشرط سترها عن غيره اتفاقًا لا عن نفسه، هو المختار، كما في «المنية»، وبه يفتى كما في «الدر المختار»، ويكره نظره إلى عورة نفسه؛ لأنَّه يورث النسيان، ومن شمائل سيدنا الصديق الأكبر ﵁: أنه ما نظر إلى عورته قط، وما مسها بيمينه، فإذا كان هذا في عورة نفسه، فما ظنك بعورة غيره؟ كذا نقله القرماني عن حافظ الدين النسفي رحمه الله تعالى. ولو نظر المصلي إلى عورة غيره؛ لا تفسد صلاته، ولو نظر المصلي إلى فرج امرأة بشهوة؛ حرمت عليه أمها وابنتها، ولو نظر إلى فرج أم امرأته بشهوة؛ حرمت عليه امرأته، ولو نظر إلى فرج امرأته التي طلقها رجعيًّا؛ يصير مراجعًا، ولا تفسد صلاته في الوجوه كلها عند الإمام الأعظم، كما في «الخانية»، وقال الصاحبان: تفسد صلاته كما في «النوازل»، وقال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا للترجمة من حيث إن الركبة إذا كانت عورة؛ فالفخذ بالطريق الأولى؛ لأنَّه أقرب إلى الفرج الذي هو عورة إجماعًا). وزعم الداودي أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وَهم، وإنما هي ليست من هذا الحديث، وقد أدخل بعض الرواة حديثًا في حديث: إنَّما أتى أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وهو في بيته منكشف فخذه، فلما استأذن عثمان؛ غطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال: «إن عثمان رجل حيي، فإن وجدني على تلك الحالة؛ لم تبلغ حاجته»، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: الذي ذكرناه من رواية عاصم يرد عليه بيان ذلك أنا قد ذكرنا أن في حديث عائشة ﵂: «كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه»، وعند أحمد بلفظ: «كاشفًا عن فخذه» من غير شك، وعنده من حديث حفصة مثله، فقد ظهر من ذلك أن البخاري لم يدخل حديثًا في حديث، بل هما قضيتان متغايرتان في إحداهما (١) كشف الركبة، وفي الأخرى كشف الفخذ، ورواية أبي موسى التي علقها البخاري في كشف الركبة، ورواية عائشة في كشف الفخذ، ووافقتهما حفصة، ولم يذكر البخاري روايتهما، وإنما ذكر مسلم رواية عائشة، كما ذكرنا) انتهى. (وقال زيد بن ثابت) : هو الأنصاري النجاري كاتب وحي النبيِّ الأعظم ﷺ ، وجامع القرآن العظيم في عهد أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، وأمره ﵇ بتعلم كتب اليهود والسريانية، فتعلم كتب اليهود في نصف شهر، والسريانية في سبعة عشر يومًا، وكان من علماء الصحابة ﵃، وقال النبيُّ الأعظم ﷺ في حقه: «أفرضكم زيد»، رواه أحمد بإسناد صحيح، وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، ودفن غربي دمشق بباب السريجة بمسجد معلوم على ما قيل، وهو مشهور بذلك في ديارنا الشريفة الشامية. وقال أبو هريرة حين توفي زيد: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا ﵃ أجمعين، وفي «عمدة القاري» : وهذا تعليق، وطرف من حديث وصله البخاري في (تفسير سورة النساء) في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...﴾؛ الآية، [النساء: ٩٥] وأخرجه في (الجهاد)، وأخرجه الترمذي في (التفسير)، وقال: (حسن صحيح)، وأخرجه النسائي في (الجهاد)، انتهى. (أنزل الله) (على رسوله ﷺ ؛ أي: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...﴾؛ الآية (وفخذه على فخذي) : جملة اسمية حالية بالواو، ولأبي ذر: بدونها، (فثَقُلت)؛ بفتح الثاء المثلثة، وضم القاف؛ أي فخذه ﵇ (عليَّ)؛ بفتح التحتية؛ أي: من ثقل الوحي النازل على رسوله ﵇، (حتى خفِت)؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ظننت (أن تُرَض)؛ بضم المثناة الفوقية، وفتح الراء، وتشديد الضاد المعجمة على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم أيضًا، كذا قاله إمام الشَّارحين. قلت: والأول أظهر، كما لا يخفى؛ ومعناه: الكسر؛ لأنَّه من الرض؛ وهو الدق، وكل شيء كسرته؛ فقد رضضته، وقوله: (فخذي)؛ بالرفع بضمة مقدرة على صيغة المجهول، أو بالنصب بفتحة مقدرة على صيغة المعلوم، لكن الأول أظهر؛ لصحة المعنى والسياق؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: (وإيراد البخاري هذا الحديث هنا ليس له وجه؛ لأنَّه لا يدل على أن الفخذ عورة، ولا يدل على أنه ليس بعورة أيضًا، فأي شيء مال إليه لا يدل عليه على أنه مال إلى أن الفخذ عورة)، قال: (وحديث جرهد أحوط، نعم؛ لو كان فيه التصريح بعدم الحائل؛ لدل على أنه ليس بعورة، إذ لو كان عورة في هذه الحالة؛ لما مكن ﵇ فخذه على فخذ زيد) انتهى. وزعم ابن حجر أن الظاهر أن المؤلف تمسك بالأصل، ورده في «عمدة القاري» فقال: (لم يبين ما مراده من الأصل، وعلى كل حال لا يدل الحديث على مراده صريحًا) انتهى. قلت: ومراده بالأصل إنَّما هو المس؛ يعني: يحمل الحديث على المس بدون حائل؛ لأنَّه الأصل، وهو يفيد أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنَّ مس العورة بدون حائل حرام؛ كالنظر إليها، ورد بأنه لو كان فيه تصريح بعدم الحائل؛ لدل على أنه ليس بعورة، ولم يكن في الحديث

стр. 474

ذكر عدم الحائل لا صريحًا ولا دلالة على أن الغالب أنه ﵇ كان ساترًا فخذه، وكذلك زيد بن ثابت كان ساترًا الفخذ، وهو بالأولى أدبًا مع النبيِّ الأعظم صلى الله عيه وسلم، واستحياءً منه، وهذا هو الظاهر، فإن المؤلف لم يعلم ما مراده بإيراد هذا الحديث، وقد يقال: إن الحديث يدل على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنَّه لا يخلو من كشف عورته غالبًا؛ بسبب الانتقال من جانب إلى آخر، وتصريح زيد بالفخذ يدل على أن فخذه ﵇ قد كشف، لكن يبقى النظر في أنه ﵇ هل أقر على الكشف أم نهى وستر عليه؟ وقد يقال: إن الحديث يدل على أن الفخذ عورة؛ لأنَّ الفخذ على الفخذ لا يكون إلا مستورًا بينهما بساتر، ووجود الساتر على الفخذ يدل عليه القرائن من الأحوال، فإنه ﵇ من عادته ألَّا يكشف عورته ولا فخذه، فإن القرينة الحالية والمقالية يدلان على أن قوله: (فخذه على فخذي)؛ أي: مع وجود الساتر بينهما لا مكشوف، كما ظهر لنا؛ فتأمل، والله أعلم. [حديث أنس: أن رسول الله غزا خيبر فصلينا عندها] ٣٧١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) : هو ابن كثير الدورقي العبدي الكوفي، فإن أصل الدورقي من الكوفة، وليس هو من بلد دورق، وإنما سمي به؛ لأنَّه كان يلبس قلنسوة دورقية، فنسب إليها (قال: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة)؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية، نسبه إلى أمه؛ لشهرته بها، فإن اسم أبيه إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري، أبو بشر الأسدي؛ أسد خزيمة، الكوفي الأصل، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وتسعين ومئة (قال: حدثنا عبد العزيز بن صُهَيْب)؛ بضم الصاد المهملة، وفتح الهاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: هو البُناني؛ بضم الموحدة، وبالنون نسبة إلى بنانة؛ بطن من قريش، التابعي هو وأبوه البصري الأعمى، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) : هو الأنصاري: (أنَّ رسول الله ﷺ غزا خيبر)؛ يعني: غزا بلدة تسمى خيبر؛ فسميت به، والمراد أهلها من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه؛ وهي بلدة عنزة من جهة الشمال أو الشرق من المدينة، على ست مراحل من المدينة، و (خيبر) : غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ولها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة وبني النضير، وكانت غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة في جمادى الأولى، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: (أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام)، كذا في «عمدة القاري». (فصلينا عندها) أي: بفنائها خارجًا عنها (صلاة الغداة) : وهي الصبح (بغَلَس)؛ بفتح الغين المعجمة واللام: وهو ظلمة آخر الليل، إنَّما فعل هكذا مع أن الإسفار في صلاة الصبح أفضل وأعظم للأجر، إما للتوسعة على أمته، وإما لكونه داخلًا على الأعداء الكفرة لقتالهم، فخشي إن أسفر أن يرَوه فيتأهبوا للقتال فيفوت المقصود، فأسرع بالصلاة في الغلس حتى يتفرغ هو وأصحابه للقتال مع المحافظة للطهارة وأداء الصلاة؛ لأنَّه ربما يشتغل بالقتال فتفوت الصلاة عن وقتها كما وقع له ﵇ في حفر الخندق، فلا دليل فيه على أن الأفضل التغليس، بل الأفضل الإسفار للأحاديث الصحاح الدالة على أن عادته ﵇ الإسفار بالفجر، بل فيها بلفظ الأمر وهو «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، والأمر للوجوب، ولما وجد الصارف عن الوجوب؛ بقي الاستحباب وهو الصواب، وفيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح خلافًا لمن زعم من الشافعية أنه مكروه؛ فليحفظ. (فركب نبي الله ﷺ ؛ أي: ركب مركوبه، وعن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف)، رواه البيهقي والترمذي، وقال: وهو ضعيف. وقال ابن كثير: والذي ثبت في «الصحيح» عند البخاري عن أنس: (أن رسول الله ﷺ أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه)، فالظاهر أنه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كذا في «عمدة القاري». قلت: ويدل على أنه ﵇ ركب يوم خيبر فرسًا قوله: (وركب أبو طلحة) : هو زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء، وكان أنس ربيبه، مات سنة اثنتين (١) أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر، والظاهر أنه ركب على فرس يدل عليه. قوله: (وأنا رديف أبي طلحة)؛ أي: قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة، والجملة اسمية وقعت حالًا، فإن الذي يردف عليه في الغالب الفرس لا الحمار؛ لأنَّه لا قوة له على حمل اثنين، بخلاف الفرس؛ فإنه يحمل اثنين أو ثلاثًا، لا سيما والوقت وقت غزاة فلا يركب في الغزاة إلا الفرس، فهذا يدل على أنه ﵇ وكذا أبو طلحة كانا راكبين في غزوة خيبر كل منهما على فرس، وما رواه البيهقي إن صح؛ فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها، كما سبق قريبًا؛ فليحفظ. (فأجرى) : على وزن (أفعل) من الإجراء وفاعله (نبيُّ الله ﷺ والمفعول محذوف؛ تقديره: أجرى مركوبه (في زُقاق خيبر)؛ بضم الزاي، وبالقافين: وهي السكة، يذكر ويؤنث، والجمع: أزقة وزُقَّان؛ بضم الزاي، وتشديد القاف، وبالنون. وقال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق، والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع: الزقان والأزقة؛ مثل: حُوَار، وحوران، وأحورة، كذا في «عمدة القاري». (وإن ركبتي) بالإفراد؛ أي: قال أنس: وإن ركبتي (لتمس) بفتح اللام (فخذ نبي الله ﷺ : حيث كان كل من النبيِّ الأعظم ﷺ ومن أبي طلحة راكبًا (٢) على فرس؛ لأنَّه لو كان النبيُّ الأعظم ﷺ راكبًا على حمار؛ لما مس فخذه ركبة أنس؛ للفرق بين العلو والسفل، لا يقال: إنَّهما كانا على حمار؛ لأنَّا نقول: هذا ممنوع؛ لقوله: (وأنا رديف أبي طلحة)، والإرداف لا يكون إلا على الفرس، ولا تخالف في تعبيره بالركبة والفخذ؛ لأنَّ مراده المشاكلة والأدب؛ حيث إن الفخذ أعلى من الركبة، فقصد الأدب في التشريف بفخذه ﵇ على أن مس

стр. 475

الفخذ منه لفخذه ﵇ لا يمكن كما يشاهد في حال الراكبين، ولو كان النبيُّ الأعظم ﷺ على حمار؛ لما أمكن مس ركبة أنس فخذه ﵇؛ لأنَّ الفرس أعلى من الحمار، فتعين أنه ﵇ كان يوم خيبر راكبًا (١) على فرس، وأن أبا طلحة كذلك؛ فليحفظ. (ثم حُسِر)؛ بضم الحاء، وكسر السين المهملتين على صيغة المجهول؛ أي: كشف (الإزار) بالرفع نائب فاعل (عن فخذه) متعلق بقوله: (حسر)، وذلك بسبب قوة جريه ﵇، أو بسبب كثرة الزحام، أو بسبب الريح، أو غير ذلك. وزعم الكرماني أن في بعض الروايات: (على فخذه)؛ أي: الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بـ (حسر)، إلا أن يقال: حروف الجر يقام بعضها مقام الآخر، قال إمام الشَّارحين: إن صحت الرواية هذه؛ يكون متعلق (على) محذوفًا كما قاله؛ لأنَّه حينئذ لا يجوز أن يتعلق (على) بقوله: (حسر)؛ لفساد المعنى، ويجوز أن تكون (على) بمعنى (من)، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: من الناس؛ لأنَّ (على) تأتي لتسعة معان (٢)؛ منها: أن تكون بمعنى (من)، انتهى. (حتى إني أنظر) : وفي رواية الكشميهني: (حتى إني لأنظر)؛ بزيادة لام التأكيد (إلى بياض فخذ نبيِّ الله ﷺ : وقد علمت أن لفظة (حُسِر) بالبناء للمجهول، وهو ثابت في أكثر الروايات، واعتمده إمام الشَّارحين قال: والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في «مسنده» من رواية إسماعيل ابن علية: (فانحسر)، وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع، وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن القاسم بن زكريا، عن يعقوب بن إبراهيم، ولفظه: (وأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر؛ إذ خر الإزار)، قال: ولا شك أن الخرور هنا بمعنى: الوقوع، فيكون لازمًا، وكذلك الانحسار في رواية مسلم، وهذا هو الأصوب؛ لأنَّه ﷺ لم يكشف إزاره عن فخذه قصدًا، وإنما انكشف عن فخذه؛ لأجل الزحام، أو كان ذلك من قوة إجرائه ﷺ ، انتهى. وفي رواية «الفرع» : (حَسر)؛ بفتح الحاء والسين المهملتين مبنيًّا للفاعل؛ أي: كشف الإزار، وزعم ابن حجر أنَّ هذا المعنى هو الصواب (٣)؛ لقول أنس في أول الباب: (حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه)، ولا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاري على خلافه، انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: اللائق بحاله الكريمة ﷺ ألَّا يثبت إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله ﷺ : «الفخذ عورة» على ما تقدم. وقوله: (لا يلزم من وقوعه...) إلى آخره: منع هذه الملازمة ممنوعة، ولئن سلمنا؛ فيحتمل أن أنسًا ﵁ لما رأى فخذه ﵇ مكشوفًا؛ ظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرنا، انتهى. قلت: على أن (حَسر) بالبناء للفاعل غير ظاهر الثبوت في الرواية، وإنما هو ظن وتخمين من ابن حجر أنه الصواب وليس بصواب كما ظن، فإن استدلاله بقول أنس أول الباب فاسد؛ لأنَّ البخاري علقه بذكر هذه القطعة من هذا الحديث، وذكره بالمعنى لا باللفظ، وأراد به الإشارة إلى أن الفخذ عورة أم لا؟ على أنه يحتمل معناه: حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه؛ أي: الإزار بسبب أنه تعلق مع غيره من الركاب، فأراد تخليصه من فرس الراكب، فانحسر عن فخذه بغير قصد منه، ويحتمل غير ذلك، فلا دلالة في ذلك على ما ادعاه. وقوله: (لا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم...) إلى آخره: ممنوع، فإن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، لا سيما في حديث واحد وقصة واحدة، فإنه قد روي أيضًا هكذا عند أحمد في «مسنده»، وكذا رواه الطبري والإسماعيلي هكذا في هذا الحديث، فمنع الملازمة ممنوع، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين أن يكون أنس رأى فخذه ﵇ مكشوفًا، فظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، والحال أنه لم يكن كذلك؛ بل من أجل الزحام، أو تعلقه بالغير من الركاب، أو غير ذلك، وهذا هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب. (فلما دخل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه (القرية)؛ أي: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية، كذا في «عمدة القاري» (قال) ﵇: (الله أكبر خربت خيبر)؛ أي: صارت خرابًا، وهل كان ذلك على سبيل الخبرية؟ فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل بخرابها لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك، قاله إمام الشَّارحين. (إنَّا) أصله: (إننا)، فحذفت نون الضمير تخفيفًا (إذا نزلنا بساحة قوم) : ساحة الدار: باحتها؛ بالحاء المهملة، والجمع: ساح وساحات، وسوح أيضًا؛ مثل: بدنة وبدن، وخشبة وخشب، كذا في «الصحاح»، قال إمام الشَّارحين: (وعلى هذا؛ فأصل «ساحة» : سوحة، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، وتطلق على الناحية، والجهة، والفناء) انتهى. قلت: ويدل عليه قول القرطبي: ومعنى بساحتهم؛ أي: بدارهم، كذا عن السدي وغيره، والساحة والسحسة في اللغة: فناء الدار، وقال الفراء: (نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء) انتهى. (﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ﴾) [الصافات: ١٧٧]؛ بفتح الذال المعجمة، (فساء) : فعل ذم بمعنى: بئس، وإن المخصوص بالذم محذوف، وهو صباحهم؛ يعني: فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام في (المنذرين) للجنس لا للعهد؛ ليحصل به التفسير بعد الإبهام، فلو حملت على العهد؛ لا يحصل ذلك، فإن أفعال المدح والذم موضوعة للمدح العام والذم العام؛ أي: لمدح المخصوص وذمه بجميع محاسن جنس الفاعل وقبائحه، وذلك إنَّما يكون بكون الفاعل معرفًا بلام الجنس أو مضافًا إلى المعرف بها؛ نحو: نعم صباح القوم زيد، والصباح مستعار من صباح الجيش الذين ساروا ليلًا نحو العدو، فوصلوا ديارهم ومنازلهم وقت الصباح، فأوقعوا بهم ما شاؤوا من النهب والغارة، فصباح الجيش المذكور وقت غارتهم، فإن عادة المغيرين أن يغيروا صباحًا، فسمى الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر تسمية للشيء باسم زمانه ومحله، وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧]؛ يريد: النبيَّ الأعظم ﷺ ، وقيل: إن معناه: نزول العذاب، فيكون استعارة تمثيلية؛ حيث شبه حال العذاب النازل بهم بعد ما أنذروا به فأنكروه

стр. 476

بحال جيش أنذر بهجومه قومه بعض نصائحهم، فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة، فأغارهم وقطع دابرهم، فإن ذلك التعبير حقيقة في هذه الهيئة المشبه بها، فأطلق على الهيئة الأولى مجازًا على طريق التمثيل، انتهى. (قالها)؛ أي: هذه الجملة ﵇ (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وإنما كررها إخبارًا منه لأصحابه أن النصرة لله ولرسوله ﵇ عليهم حقيقة، (قال)؛ أي: أنس بن مالك: (وخرج القوم إلى أعمالهم) أي: لأعمالهم التي كانوا يعملونها، فكلمة (إلى) بمعنى اللام، فإنها تأتي بمعنى اللام كثيرًا، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أن معناه: خرج القوم إلى مواضع أعمالهم، وتبعه البرماوي تعصبًا، وهذا المعنى قد رده إمام الشَّارحين ولم يرض به، ولا ريب أنه غير ظاهر؛ للفرق بين خروجهم إلى مواضع أعمالهم وبين خروجهم لأعمالهم، فإنَّهم قد يخرجون لمواضع أعمالهم ولا يعملون، ويخرجون لأعمالهم؛ أي: لأجل العمل، فالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين يدل عليه قوله ﵇: «خربت خيبر»، وذلك بسبب أنه رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم وغير ذلك من آلات الحراث، ولا ريب أنه إذا كان هذا حالهم؛ فالغلبة عليهم، وهو ظاهر في أنَّهم خرجوا لأجل أعمالهم التي يعملونها؛ فليحفظ. (فقالوا)؛ أي: أهل خيبر: (محمدٌ)؛ أي: جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد ﵇، كذا في «عمدة القاري». (قال عبد العزيز) : هو ابن صهيب أحد رواة الحديث عن أنس: (وقال بعض أصحابنا) : أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن المجهول، إذ لم يعين هذا البعض منه، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون هذا البعض هو محمد بن سيرين؛ لأنَّ المؤلف أخرج من طريقه أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا البعض هو ثابت البناني؛ لأنَّ مسلمًا أخرجه من طريقه أيضًا، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويحتمل أن يكون هذا البعض غيرهما، وعلى كل حال؛ لا يخرج عن الجهالة) انتهى. قلت: والاحتمالان اللذان (١) ذكرهما ابن حجر ظن وتخمين، فإنه لا يلزم من كون المؤلف أخرج من طريق ابن سيرين أن يكون هو ذلك البعض؛ لأنَّ عادة المؤلف التعدد في الروايات والاختلاف في الطرق، ولا يلزم أيضًا من كون مسلم أخرج من طريق ثابت أن يكون هو ذلك البعض؛ لاحتمال أنَّ هذا الطريق غير طريق المؤلف، فالصواب أنَّ هذا البعض مجهول لم يعلم اسمه؛ فافهم. (والخَميسُ)؛ بفتح الخاء المعجمة بالرفع عطفًا على قوله (محمد)، وبالنصب على أن تكون الواو بمعنى (مع)، فيكون المعنى: جاء محمد مع الجيش؛ (يعني)؛ أي: يريد ويقصد بقوله: (الخميس) (الجيش) : وهذا المعنى يحتمل أن يكون تفسيرًا من عبد العزيز، ويحتمل أن يكون ممن دونه، وأشار عبد العزيز إلى أنه لم يسمع قوله: (والخميس) من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه، كما سبق. قال إمام الشَّارحين: (وسمي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: (سمي به؛ لأنَّه يخمس ما وجده)، وقال الأزهري: الخمس إنَّما ثبت في الشرع، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس) انتهى. ثم قال الشَّارح: (والحاصل: أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمد والخميس، ثم فسر عبد العزيز (الخميس) بقوله: (الجيش)، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه، وعلى كل حال؛ فهو مدرج) انتهى. (قال)؛ أي: أنس: (فأصبناها) أي: خيبر؛ أي: أخذناها (عَنْوة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون؛ أي: قهرًا، يقال: أخذته عنوة؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذ عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: (أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف واحد، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في رفق)، وزعم ابن التين أنه يجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه»، قال إمام الشَّارحين: (وحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد) انتهى. قلت: وظاهر أنَّهم أصابوها قهرًا من غير إطاعة، بل بالقتال، يدل عليه قوله: (عنوة)؛ وهو القهر، وهو ضد الطاعة، ولهذا قال أبو عمرو: (الصحيح: في أرض خيبر كلها عنوة). وقال المنذري: واختلف في فتح خيبر هل كانت عنوة، أو صلحًا، أو أجلى أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وبعضها أجلى عنها أهلها؛ قال: والصحيح الثاني، قال إمام الشَّارحين: (وبهذا يندفع التضاد بين الآثار) انتهى. (فجُمع) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (السبي)؛ أي: بأمر النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ وهو ما يؤخذ من الكفار، وسمي سبيًا؛ لأخذه قهرًا مجانًا، (فجاء دِحية)؛ بفتح الدال المهملة وكسرها، زاد ابن عساكر الكلبي: (هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي)، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل ﵇ يأتي النبيَّ الأعظم ﷺ في صورته، وهو مدفون بقرية المزة غربي دمشق ﵁، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطني جارية من السبي)؛ أي: من الغنيمة التي غنمتها المسلمون، فإن ولاية الإعطاء لك، (فقال) ﵇ له، وفي رواية: بدون الفاء: (اذهب)؛ أي: إلى المكان الذي جمع فيه السبي (فخذ جارية)؛ أي: منه، وإنما جاز للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يأذن لدحية بأخذ جارية قبل القسمة. وأجاب إمام الشَّارحين بثلاثة أجوبة: الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذها على سبيل التفضيل له، إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده. الثاني: يجوز أن يكون أذن له من الخمس إذا ميز. الثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويحسب من سهمه) انتهى. وأجاب الكرماني: بأنه صفي المغنم لرسول الله ﷺ ، فله أن يعطيه لمن شاء، ورده إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا الجواب غير مقنع؛ لأنَّه ﵇ قال له ذلك قبل أن يعين الصفي) انتهى. قلت: ووجه فساد هذا الجواب ظاهر، كما لا يخفى؛ لأنَّه حين أذن له لم يكن علم ﵇ بما جمع كثيرًا أو قليلًا، وكم يخرج السهم وغير ذلك، وإنما الجواب ما

стр. 477

قاله الشَّارح قدس سره، فذهب دحية (فأخذ صَفية)؛ بفتح الصاد المهملة، قيل: وكان اسمها زينب (بنت حُيَيٍّ)؛ بضم الحاء المهملة وكسرها، وفتح التحتية الأولى المخففة، وتشديد الثانية: ابن أخطب بن سَعْيَه -بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح التحتية- ابن ثعلبة، وهي من بنات هارون أخ موسى ﵉، وأمها اسمها برة -بفتح الموحدة، وتشديد الراء- بنت سموءل، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق -بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى- قتل يوم خيبر، توفت في خلافة سيدنا معاوية سنة خمسين، كما قاله الواقدي، وقال غيره: ماتت في خلافة علي الصديق الأصغر ﵁، سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، كذا في «عمدة القاري». (فجاء رجل) : مجهول لم يعرف، قاله إمام الشَّارحين (إلى النبيِّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: إلى المكان الذي قاعد فيه، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطيت دحية صفية بنت (١) حيي سيدة قُرَيْظة)؛ بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المهملة (والنَضِير)؛ بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة؛ وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون ﵇، كذا في «عمدة القاري»، فإنها (لا تصلح إلا لك) : من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى ﵉، ومن بيت الرئاسة، فإنها من بيت سيد (٢) قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية، فإنه ﵇ معصوم منها، قاله إمام الشَّارحين. (قال) ﵇: (ادعوه) أي: دحية (بها) أي: بصفية، فدعوه، (فجاء بها) إلى المكان الذي فيه النبيُّ الأعظم ﷺ ، (فلما نظر إليها النبيُّ) الأعظم ﷺ ؛ أي: أعجبته من جمالها، وشرفها، وحسنها، ونسبها؛ (قال)؛ أي: لدحية: اترك صفية لي و (خذ جارية من السبي غيرها)؛ أي: غير صفية، فارتجعها منه، وهذا يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في أخذ غيرها، والثاني: أنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا، وشرفًا، وجمالًا؛ استرجعها؛ لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها، كذا في «عمدة القاري». وفيه عن «سيرة الواقدي» : (أنه ﵇ أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه ﵇ طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها) انتهى. وفي «سيرة ابن سيد الناس» : (أنه أعطاه ابنتي عم صفية) انتهى. وزعم الكرماني فإن قلت: لما وهبها من دحية؛ فكيف رجع عنها؟ قلت: إما لأنَّه لم يتم عقد الهبة بعد، وإما لأنَّه أبو المؤمنين وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنَّه اشتراها منه، انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر؛ لأنَّه لم يجر عقد هبة حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها. والثاني: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره؛ يعني: أنه ذكره ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والحال أن الجمهور على خلافه، فلا يتمشى ما ذكره على مذهب الجمهور، والأوجه هي الثلاثة التي ذكرت عند قوله: (فخذ جارية). والثالث: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه ذكر أنه اشتراها منه؛ أي: من دحية، والحال أنه لم يجر بينهما عقد بيع أولًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك؟ فإن قلت: وقع في رواية مسلم: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس). قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّه لما أخذها منه على الوجه الذي ذكرناه؛ عوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرُّم والفضل، فأطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه، انتهى. وقال القاضي عياض: (الأولى عندي: أن صفية كانت فيئًا؛ لأنَّها كانت زوجة كنانة بن الربيع وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله ﷺ ، وشرط عليهم ألَّا يكتموا كنزًا، فإن كتموه؛ فلا ذمة لهم، فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمَّس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى) انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفريع على مذهبه: أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره: أن الفيء يخمس) انتهى. قلت: يعني: إنَّما ذكر هذا الوجه؛ لأجل ترويج مذهبه من أن الفيء لا يخمس، وهو خلاف ما عليه الجمهور من أن الفيء يخمس، على أن ما ذكره ممنوع؛ لأنَّ أنسًا ﵁ لم يذكر في هذه القصة أنه ﵇ صالحهم، ولا أنه شرط عليهم، ولا أنَّهم نقضوا العهد، وغاية ما فيه أنه ﵇ دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم، ويدل عليه قول أنس: إن رسول الله ﷺ غزا خيبر...) إلى آخره، وهذا لا يدل على ما ذكره؛ فليحفظ، فالحق هو ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصواب. (قال) أي: أنس: (فأعتقها) أي: صفية (النبيُّ) الأعظم ﷺ وتزوجها) بعد ذلك، (فقال له) أي: لأنس (ثابت) : هو البناني التابعي: (يابا حمزة)؛ بالحاء المهملة والزاي، أصله: ياأبا حمزة، فحذفت الألف تخفيفًا، وهي كنية أنس ﵁، (ما أصدقها) ﵇؟ (قال)؛ أي: أنس: أصدقها (نفسها أعتقها)؛ أي: بغير عوض، (وتزوجها)؛ أي: بدون مهر، ففيه استحباب عتق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، واتفق ثابت البناني، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب عن أنس: (أنه ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد ابن حنبل، والحسن، وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: (هو سنة فاصلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول؛ فهي حرة، ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه؛ بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم). وروى الحافظ الطحاوي عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ثم قال: (فذهب

стр. 478

قوم: إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإن تزوجت؛ فلا مهر لها غير العتاق)، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» : قلت: أراد بهؤلاء القوم: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وطاووسًا، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، فإنَّهم قالوا: إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإذا عقد عليها؛ لا تستحق عليه مهرًا غير ذلك العتاق. وممن قال بذلك: سفيان الثوري، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنه قول الشافعي أيضًا، ونقل القاضي عياض عن الشافعي: أنها بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه؛ فله عليها قيمتها؛ إذ لم يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها؛ صح ذلك عنده. وقال ابن بزيزة في «الأحكام» : هذه المسألة اختلف سلف الصحابة فيها، وكان ابن عمر ﵄ لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي، وأنس، وابن مسعود، وروينا عن ابن سيرين: أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئًا ما كان، وصح مع كراهة ذلك أيضًا عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، والنخعي، وغيرهم. وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله، ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته، وذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وابن شبرمة، وجابر بن زيد: أنه ليس لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ أن يفعل فيتم النكاح بغير صداق، وإنما كان ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة؛ لأنَّ الله تعالى جعل له أن يتزوج بغير صداق، وكان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، فإن فعل هذا؛ وقع العتاق، ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه؛ تسعى له في قيمتها عند الإمام الأعظم ومحمد بن الحسن، وقال زفر ومالك: لا شيء له عليها، وفي «الأحكام» قال الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، والشافعي: إن كرهت نكاحه؛ غرمت له قيمتها، ومضى النكاح، فإن كانت معسرة؛ استسعت في ذلك، وقال زفر ومالك: إن كرهت؛ فهي حرة، ولا شيء له عليها، إلا أن يقول: لا أعتق إلا على هذا الشرط، فإن كرهت؛ لم تعتق، فإنه من باب الشرط والمشروط. قال إمام الشَّارحين: واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على الخصوصية بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ووجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يتزوج بغير صداق؛ كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق. ومما يؤيد ذلك أن النبيَّ الأعظم ﷺ أخذ جويرية (١) بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، رواه الحافظ الطحاوي من حديث ابن عمر ﵄. ثم روي عن عائشة ﵂ كيف كان عتاقه ﵇ جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها، قالت: لما أصاب النبيُّ الأعظم ﷺ سبايا بني المصطلق؛ وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، قالت: (وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت نفسه، فأتت النبيَّ الأعظم ﷺ لتستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت)، فقالت: يا رسول الله؛ أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على كتابتي، فقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك»، قلت: نعم، قال: «فقد فعلت»، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله ﷺ ، وأرسلوا ما في أيديهم، قالت: (فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها)، ورواه أبو داود أيضًا. وفيه حكم يختص بالنبيِّ الأعظم ﷺ دون غيره، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك ويكون عتقه مهرها؛ لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ ، وهذا إذا كان جائزًا للنبيِّ الأعظم ﷺ فجعل عتق الذي تولى عتقه هو مهر المرأة؛ أعتقه أولى وأحرى أن يجوز. وقال البيهقي: قال القاضي عياض البرني: قال لي يحيى بن أكتم: هذا كان للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة، وكذا روي عن الإمام الأعظم ﵁ ومحمد بن إدريس أنه حمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقًا، ثم تزوجها على غير مهر. وقوله في الحديث (حُلوة)؛ بالضم من الحلاوة، وقوله: (مُلَّاحة)؛ بضم الميم، وتشديد اللام؛ معناه: شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، وقال الزمخشري: (وكانت امرأة ملاحة بتخفيف اللام؛ أي: ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل نحو: كريم وكرام وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه)، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع، وملخصه أنه قال: (دعوى الخصوصية به ﵇ في هذا الموضع غير صحيحة والأحاديث التي ذكرت ههنا غير صحيحة). قال الشَّارح: وقد ردينا عليه في جميع ذلك في «شرحنا لمعاني الآثار»، فمن أراد الوقوف عليه؛ فعليه بالمراجعة، انتهى. قلت: وكلام ابن حزم غير معتبر أصلًا؛ لما أنه مشهور بالتعصب والتعنت فلا يلتفت إليه، لا سيما وقد دلت الآية الكريمة على الخصوصية قطعًا، وما ذكر هنا مطلق محمول على المقيد هناك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم، انتهى. قلت: وما استدل به الحافظ الطحاوي من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾؛ الآية للخصوصية ظاهر، وصدر الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَاّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ﴾؛ أي: مهورهنَّ، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، ثم قال: ﴿وَامْرَأَةً﴾؛ أي: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها بغير صداق، فكان النكاح ينعقد في حقه بدون مهر، وكان ذلك من خصائصه ﵇ في النكاح؛ لقوله لك بالخطاب، ولقوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وهو كالزيادة على الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه أيضًا لا مشاركة لأحد معه فيه. واختلف العلماء في أنه ﵇ هل كانت عنده امرأة من التي وهبت نفسها له؟ فقال عبد الله بن مسعود ومجاهد وغيرهما: (لم يكن عنده ﵇ امرأة وهبت نفسها له، ولم يكن عنده

стр. 479

امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ على طريق الشرط والجزاء؛ يعني: المهر). وقال جماعة: بل كانت عنده موهوبة، فقيل: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقيل: هي ميمونة بنت الحارث، وقيل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقيل هي خولة بنت حكيم من بني سليم، فقوله تعالى: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ دليل على جواز النكاح بلفظ الهبة له ولأمته ﵇، وزعم الشافعية أنه مخصوص به ﵇، فقالوا: معناه: إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خصائصك. ورد بأن اللفظ عام يشمله ﵇ وأمته، وبأن الخصوصية لا بد لها من من دليل ولم يوجد، وقال الأئمة الحنفية: معناه تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدًا بالتزويج، فالنكاح ينعقد بلفظ الهبة إذا طلب الزوج منها النكاح والتمكين من الوطء، فقالت: وهبت نفسي منك، وقبل الزوج؛ يكون نكاحًا، ويدل عليه هذه الآية، فإنها قد دلت على إحلال الواهبة وصحة نكاحها بلفظ (الهبة). وقد تقرر أنه ﵇ وأمته سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل، ولا دلالة في قوله (خالصة) لك على كون النكاح بلفظ (الهبة) من خصائصه ﵇؛ لما سبق من أن معناه كون الواهبة من أمهات المؤمنين لا تحل لأحد بعده أبدًا، فلو وهبت نفسها من أحد من غير مهر وقبل الزوج بمحضر الشهود؛ يصح النكاح ولها مهر مثلها، هذا هو الصواب، وبه قال إبراهيم النخعي وعلماء الكوفة وغيرهم. واختلف هل كان يحل للنبيِّ الأعظم ﷺ نكاح اليهودية أو النصرانية بالمهر؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحل له ذلك لقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾، وذهب جماعة أنه يحل له ذلك، وقال معنى الآية وهي ﴿اللَاّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾؛ أي: الإسلام؛ أي: أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه يحل له نكاح غير المسلمة، والله أعلم. (حتى إذا كان)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (بالطريق) وذلك أنه جاء في «الصحيح» فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء، وهي قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة على نحو أربعين ميلًا من المدينة أو نحوها، والروحاء بفتح الراء وبالحاء المهملة ممدود، كذا في عمدة القاري؛ (جهزتها له أم سليم)؛ بضم السين المهملة، وهي أم أنس بن مالك، (فأهدتها)؛ أي: زفتها (له) ﵇، ومعناه: أهدت أم سليم صفية للنبيِّ الأعظم ﷺ (من الليل) وفي بعض الروايات: (فهدتها)، قيل: وهي الصواب قاله الكرماني وتبعه البرماوي، ويدل عليه قول الجوهري: (الهداء) مصدر قولك هديت أنا المرأة إلى زوجها هذا، كذا في «عمدة القاري». (فأصبح النبيُّ) الأعظم ﷺ عروسًا) على وزن (فعول) يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، يقال رجل وامرأة عروس، وجمع الرجل عرس، وجمع المرأة عرائس، وفي المثل كاد العروس أن يكون ملكًا، والعروس اسم لحصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة والعريس للرجل ليس له أصل، قاله إمام الشَّارحين. وفي رواية «الصحيح» أنه ﵇ أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب، وفي رواية: (أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام فبنى بصفية)، كذا في «عمدة القاري». ويدل لهذا قوله (فقال) ﵇؛ أي: لأصحابه: (من كان عنده شيء)؛ أي: من الطعام؛ (فليجئ به) إلى مكاننا، وفي رواية: (فليجئني) بنون الوقاية، (وبَسَطَ)؛ بفتحات، (نِطعًا)؛ بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وهو الذي اختاره ثعلب في الفصيح، وهو في رواية «الفرع» وغيره. وذكر في «المخصص» : فيه أربع لغات؛ الأولى: بفتح النون وسكون الطاء، الثانية: بفتحتين، الثالثة: بكسر النون وفتح الطاء، الرابعة: بكسر النون وسكون الطاء، وجمعه أنطاع ونطوع، زاد في «المحكم» : أنطع، وقال أبو عمرو الشيباني في «نوادره» : (النطع: هو المبناة والستارة)، كذا في «عمدة القاري». قلت: والظاهر أن النطع ثوب يشبه ستارة الباب، أو المحمل، أو يشبه اللباد يبسط (١) على الأرض. (فجعل الرجل)؛ أي: من أصحابه الكرام (يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن) إلى تلك النطع فجمعوه فيها، (قال)؛ أي: عبد العزيز بن صهيب: (وأحسبه)؛ أي: أحسب أنس بن مالك (قد ذكر السَّويق)؛ بفتح السين المهملة وهو الدقيق الملتوت بالسمن، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق وزعم الكرماني، ويحتمل أن يكون فاعل قال هو البخاري ويكون مقولًا للفربري، ومقول أحسب يعقوب، ورده إمام الشَّارحين بأنه غير ظاهر والأول هو الظاهر، كما لا يخفى، انتهى. قلت: وهو كذلك فإن ما ذكره الكرماني بعيد غاية البعد لا يعول عليه؛ فافهم. (قال) أي: الراوي (فحاسوا) بالحاء والسين المهملتين؛ أي: خلطوا أواتخذوا (حيسًا)؛ بفتح الحاء والسين المهملتين، بينهما مثناة تحتية ساكنة، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يحسه؛ أي: يخلطه، وقال ابن سيده: (الحيس: هو الأقط يخلط بالتمر والسمن، وحاسه حيسًا وحيسه خلطه). وقال الجوهري: الحيس الخلط، ومنه سمِّي الحيس، وقال الشاعر: وإن تكن كريهة أدعى لها... وإذ يحاس الحيس يدعى جندب وقال آخر: التمر والسمن جميعًا، والأقط: الحيس إلا أنه لم يخلط. وفي «الغريبين» هو ثريد من أخلاط، قال الفارسي: الله أعلم بصحته، كذا في «عمدة القاري». (فكانت) بالفاء وفي رواية: (فكانوا) واسم كانت الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس، وعلى الثانية اسمها الواو؛ لأنَّ موضعه رفع وهو يعود إلى الأشياء المصنوعة. وقوله: (وليمة)؛ بالنصب خبر كان على الوجهين (رسول الله ﷺ ؛ أي: طعام عرسه، والوليمة: عبارة عن الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأنَّ الزوجين يجتمعان فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس، لأنَّه طعام الزفاف، والوكير: طعام البناء، والخرس: طعام الولادة، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار: طعام الختان، والنقيعة: طعام القادم من سفره، وكل طعام صنع لدعوة:

стр. 480

مأدبة ومأدبة جميعًا، والدعوة الخاصة: النقرى، والعامة: الجفلى والأجفلى، كذا في «عمدة القاري». وفيه: وهذا الحديث وصل الحديث الذي علقه البخاري فيما قبل [قليل] قريبًا، وهو قوله: وقال أنس: (حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه)، فإن قلت: ما كانت الفائدة بذكر هذا التعليق المقتطع من هذا الحديث المتصل قبل أن يذكر الحديث بكماله؟. قلت: يحتمل أن المؤلف أراد به الإشارة إلى أن ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليس بعورة؛ فلهذا ذكره بعد ذكر ما ذهب إليه ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، انتهى. قلت: وعلى هذا؛ فالمطابقة في هذا الحديث المتصل هو أن الفخذ ليس بعورة، ولا يخفى أن المطابقة في التعليق أظهر؛ لأنَّ الحديث يحتمل الوجهين في الفخذ، هل هو عورة أم لا؟ ويحتمل أن قول أنس ليس قطعة من هذا الحديث، بل موصول عند غير المؤلف، وأراد بذكره أن الفخذ ليس بعورة، وأراد بذكر الحديث أن الفخذ عورة؛ لأنَّ قوله (حُسِر) بصيغة المجهول يدل على أن الحسر كان بسبب الازدحام ونحوه؛ فليحفظ. وقال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام: الأول: فيه جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح، خلافًا لمن كرهه من بعض الشافعية. الثاني: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وفيه غير ما حديث. الثالث: فيه استحباب التكبير والذكر عند الحرب وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. الرابع: فيه استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: قالها ثلاثًا؛ أي: ثلاث مرات. الخامس: فيه جواز إجراء الفرس وأنه لا يخل بمراتب الكبير، لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة، أو لتدريب (١) النفس على القتال. السادس: فيه أن الزفاف في الليل، وقد جاء أنه ﵇ دخل عليها في النهار؛ ففيه جواز الأمرين. السابع: فيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول، والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة، وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة عرس أو غيرها، وبه قال مالك في رواية، وقيل: تجوز الوليمة قبل الدخول، وظاهر الحديث يرده. الثامن: فيه جواز إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم في نحو الوليمة وغيرها، ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم. التاسع: فيه دليل على أن الوليمة تحصل بأي طعام كان ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير اللحم، انتهى. قلت: وهذا الحديث يدل لذلك، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (١٣) [باب في كم تصلي المرأة في الثياب] هذا (بابٌ)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف (في كم) ثوبًا (تصلي المرأة من الثياب) ولغير الأربعة: (في الثياب)، ولفظة (كم) لها الصدارة سواء كانت استفهامية أو خبرية، ولم تبطل صدارتها هنا؛ لأنَّ الجار والمجرور في حكم الكلمة الواحدة، ومميز (كم) محذوف تقديره: كم ثوبًا؟ قاله إمام الشَّارحين. (وقال عِكْرمة)؛ بكسر العين وسكون الكاف هو مولى ابن عباس أحد فقهاء مكة وإمام تفسير القرآن: (لو وارت) أي: سترت وغطت المرأة (جسدها في ثوب) واحد وصلت فيه؛ (جاز) كذا للأربعة، وفي رواية الكشميهني: (لَأجَزْته)؛ بفتح لام التأكيد والجيم وسكون الزاي، من الإجزاء. قال إمامنا الشَّارح: وهذا التعليق قد وصله عبد الرزاق، ولفظه: لو أخذت المرأة ثوبًا فتقنعت به حتى لا يرى من شعرها شيء؛ أجزأ عنها، وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: تصلي المرأة في درع وخمار خصيف، وروي أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقًا، وذكر عن ميمونة أنها صلت في درع وخمار، ومن طريق أخرى صحيحة أنها اغتسلت في درع واحد فضلًا، وقد وضعت بعض كمها على رأسها. ومن طريق مكحول عن عائشة وعلي ﵄ قالا: (تصلي في درع سابغ وخمار)، وكذا روي عن أم سلمة من طريق أم محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفد، ومن حديث الليث عن مجاهد قال: (لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب)، وعن الحكم: (في درع وخمار)، وعن حماد: (درع وملحفة تغطي رأسها) انتهى. قلت: وما ذكره في التعليق هو معنى ما ذكره عبد الرزاق، والمراد بالثوب: الواسع، يدل عليه رواية عبد الرزاق: (حتى لا يرى...) إلى آخره، وهذا لا يكون إلا واسعًا، فهو حينئذ كثوبين؛ لأنَّ المقصود: الستر وهو يحصل بالواحد الواسع وبالاثنين، لكن المستحب للمرأة ثلاثة أثواب درع، وخمار، ومقنعة؛ فإنه أستر لها، وما ذكره هنا اقتصار بدون الأفضل، والأفضل الثلاثة، والله تعالى أعلم. [حديث: لقد كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء] ٣٧٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليمان) : هو الحكم بن نافع الحمصي (قال: حدثنا شعيب) : هو ابن أبي حمزة القرشي، (عن الزهري) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة)؛ بضم العين المهملة: هو ابن الزبير بن العوام: (أن عائشة) الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت) والله: (لقد كان رسول الله ﷺ فـ (اللام) فيه جواب قسم محذوف، كما قدرناه (يصلي الفجر)؛ أي: يصلي صلاة الفجر في بعض أحيانه، لا يقال: إنَّ (كان) تدل على الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: إن التي تدل على هذا هي الناقصة، وهنا (كان) تامة؛ بمعنى: حض، أو وقع، أو وجد، فهي تدل على تلك المرة فقط؛ وهو ذلك الحين التي أخبرت به أنه يصلي في مسجده النبوي، (فيشهد) أي: فيحضر (معه)؛ وفي رواية: (فتشهد)؛ أي: فتحضر معه (نساءٌ)؛ بالتنكير، والتنوين فيه للتنويع، وهو جمع امرأة، لا واحد له من لفظه (من المؤمنات) هو لبيان الواقع (مُتَلفِّعاتٍ)؛ بالنصب على الحال من النساء، وهو بضم الميم وفتح المثناة الفوقية، وبالعين المهملة بعد الفاء المشددة، من التلفع؛ بالفاء والعين المهملة؛ أي: متلحفات، وفي رواية: (متلففات) بالفاء المكررة بدل العين؛ وهي رواية الأصيلي في غير «الفرع»، وله في «الفرع» (متلفعاتٌ) بالرفع صفة للنساء، والأكثر على خلافه. قال الأصمعي: (التلفع بالثوب: هو أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنَّه لم يرفع جانبًا منه فيكون فرجة فيه)، وهو عند الفقهاء: مثل الاضطباع إلا أنه في ثوب واحد. وعن يعقوب: (اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة؛ أي: تلتحف به فيغيبها)، وعن كراع: (هو الملفع أيضًا)، وعن ابن دريد: (اللفاع: هو الملحفة أو الكساء)، وقال أبو عمر (٢) : (هو الكساء). وعن صاحب «العين» : (تلفع بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته). وفي «شرح الموطأ» : (التلفع: أن تلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به، ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف؛ فيكون مع تغطية الرأس وكشفه). وفي «المحكم» : (الملفعة: ما يلفع به من رداء،

стр. 481

أو لحاف، أو قناع). وفي «المغيث» : (وقيل: اللفاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ). وفي «الصحاح» : (لفع رأسه تلفيعًا: غطاه)، كذا في «عمدة القاري». (في مروطهن) المروط: جمع مِرط؛ بكسر الميم، قال القزاز: (المرط: ملحفة يتزر بها، والجمع أمراط ومروط)، وقيل: يكون المرط كساء من خز، أو صوف، أو كتان. وفي «الصحاح» : (المِرط بالكسر)، وفي «المحكم» : (وقيل: هو الثوب الأخضر)، وفي «مجمع الغرائب» : (أكيسة من شعر أسود)، وعن الخليل: (هي أكيسة معلمة)، وقال ابن الأعرابي: (هو الإزار). وقال النضر بن شميل: (لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء). وقال عبد الملك في «شرح الموطأ» : (هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كان (١) النساء في ذلك الزمان يتزرن به ويتلففن)، كذا قاله الشَّارح. (ثم يرجعن) يعني: يصلين مع النبيِّ الأعظم ﷺ صلاة الفجر، ثم يرجعن من المسجد (إلى بيوتهن)؛ أي: بيوت أزواجهن، فالإضافة فيه من حيث سكناهن في البيوت، ويحتمل أنه على الحقيقة، لكن الظاهر الأول؛ لأنَّ السكنى على الزوج شرعًا من جملة النفقة الواجبة عليه لها (ما يعرفهن أحد)؛ أي: من الغلس، كما عند المؤلف في (المواقيت) وفي «سنن ابن (٢) ماجه» : (يعني من الغلس)، وعند مسلم: (ما يعرفن من الغلس)، وعدم معرفتهن يحتمل أن تكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معناه ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: ما يعرفهن أحد؛ أي: أنساء هن أم رجال؟ وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (متلفعات في مروطهن)؛ لأنَّ المستفاد منه صلاتهن في مروط، والمرط: ثوب واحد، ففي الحديث أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع؛ جازت صلاتها، وهو الذي ترجم له؛ لأنَّه استدل به على ذلك. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى، فلا يتم له الاستدلال به؟ قلت: الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة على ما أشار إليه؛ على أنه لم يصرح بشيء، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى كلامه، وتبعه ابن حجر وغيره. قلت: ولا ريب أن الأصل عدم الزيادة، والتفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى قول بعيد؛ لأنَّه لم يكن عند النساء وكذا الرجال إلا ثوب واحد، يدل عليه حديث أبي هريرة الذي تقدم في باب (الصلاة في القميص)، وفيه: قام رجل إلى النبيِّ الأعظم ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَكلكم يجد ثوبين؟»؛ يعني: لا يجد كل واحد منكم ثوبين ونحوه عند الحافظ الطحاوي والطبراني، فهذا إخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب؛ والمعنى: أنه ليس لكل واحد منكم ثوبان، وإذا كان هذا حال الرجال؛ فالنساء أولى، فهذا الحديث وإن كان ليس فيه تقييد بذلك لكن المعنى عليه، والمطلق محمول على المقيد، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فتأمل. وفي «عمدة القاري» : واختلف في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب؛ فقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس: (تصلي في درع وخمار). وقال عطاء: (تصلي في ثلاثة: درع، وإزار، وخمار). وقال ابن سيرين: (في أربعة؛ الثلاثة المذكورة وملحفة). وقال ابن المنذر: (عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر). ولا أحسب ما روي عن المتقدمين: من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب. وقال الإمام الأعظم وسفيان الثوري: (قدم المرأة ليست (٣) بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ صحت صلاتها)، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (فسدت صلاتها)، وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهو رواية عن أحمد. وقال مالك وابن إدريس: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف، وعند ابن إدريس تعيد أبدًا) انتهى. وفيه: أن في الحديث دلالة على جواز خروج النساء للصلاة في المسجد بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب، وقال الإمام الأعظم: (تخرج العجائز لغير الظهر والعصر؛ يعني: لصلاة الفجر والعشاءين)، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن: (يخرجن لجميع الصلوات، لكن اليوم يكره خروجهن للجميع للعجائز والشواب؛ لظهور الفساد وعموم الفتنة) انتهى. قلت: ولو نظر الإمام الأعظم ما يترتب على خروجهن من الفساد والفتنة؛ لقال: بحرمة خروجهن مطلقًا، فإن الذي يشاهد منهن في ديارنا الشريفة الشامية؛ يوجب القول بالحرمة والمنع من خروجهن مطلقًا؛ فافهم. واستدل بهذا الحديث مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق على أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه ﵇ فعل ذلك مرة، ثم صار يصليها في وقت الإسفار، كما يأتي. وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور من التابعين، وغيرهم: (إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار)، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: رافع بن خديج، روى أبو داود عن محمود بن لبيد عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر»، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: (حديث حسن صحيح)، ورواه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وفي رواية: (أصبحوا بالفجر)؛ ومعناه: نوروا بصلاة الفجر، ورواه ابن حبان في «صحيحه»، ولفظه: «أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، وفي لفظ له: «فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم»، وفي لفظ للطبراني: «فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر». ومنهم: محمود بن لبيد روى حديثه الإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم»، ولم يذكر فيه رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور. وقال المزي: (محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وفي صحبته خلاف) انتهى. قال إمام الشَّارحين: (ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية، وذكر ابن أبي حاتم: أن البخاري قال: له صحبة، وقال أبي: لا يعرف له صحبة، وقال أبو عمرو: قول البخاري: «له صحبة» : أولى وأجدر، فعلى هذا؛ يحتمل

стр. 482

أنه سمع هذا الحديث من رافع أولًا فرواه عنه، ثم سمعه من النبيِّ الأعظم ﷺ فرواه عنه) انتهى. قلت: وعلى فرض كونه أسقط رافعًا (١)؛ فهو مرسل، وهو حجة عندنا والجمهور، لكن الظاهر أنه رواه مرتين كما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ. ومنهم: بلال ﵁، روى حديثه البزار في «مسنده» نحو حديث رافع، ومنهم: قتادة بن النعمان، روى حديثه الطبراني في «معجمه» من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعًا نحوه، ورواه البزار أيضًا، ومنهم: ابن مسعود ﵁، روى حديثه الطبراني أيضًا عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم: أبو هريرة ﵁، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم رجال من الأنصار أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار: أن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، ومنهم أبو هريرة وابن عباس ﵁، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر»، ومنهم: أبو الدرداء ﵁، أخرج حديثه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالفجر تفقهوا»، ومنهم: حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث أبي بجيد الحارثي عن جدته حواء الأنصارية، وكانت من المبايعات، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، وابن بُجَيْد؛ بضم الموحدة، وفتح الجيم، بعدها تحتية ساكنة، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. فإن قلت: كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه. قلت: الأمر إنَّما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة له إلى غيره، وهذه الأوامر ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب. فإن قلت: قد يؤول (الإسفار) في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يصبح الفجر، ولم يشك فيه، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة. قلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به: هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقيل: ظهور الفجر، ولا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار: إنَّما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس، وزوال الظلمة، وأيضًا فقوله ﵇: «أعظم للأجر» : يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت. وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق ابن راهويه، وأبو داود الطيالسي في «مسانيدهم»، والطبراني في «معجمه» من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع ليلهم من الإسفار». وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من حديث أبي سعيد بيان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر) انتهى. يقال: فسح البصر وانفسح؛ إذا رأى الشيء عن بعد؛ يعني به: إسفار الصبح. فإن قلت: قيل: إن الأمر بالإسفار إنَّما جاء في الليالي المقمرة؛ لأنَّ الصبح لا يتبين فيها جدًّا، فأمرهم بزيادة التبيين؛ استظهارًا باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» بسند صحيح، ثم قال: (ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﵇ عليه). فإن قلت: قد زعم ابن حزم أن خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلا أنه لا حجة فيه للحنفية إذا أضيف إلى الثابت من فعله ﵇ في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن. قلت: الثابت من فعله ﵇ في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنَّه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأنَّ قوله ﵇: «أعظم للأجر» : أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين؛ أحدهما: أكمل من الآخر؛ لأنَّ صيغة (أفعل) تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، انتهى. قلت: وما زعمه ابن حزم تناقض؛ لأنَّه قال: (خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره، وما هذا إلا تناقض، فإن قوله: (خبر الأمر بالإسفار صحيح) وهو كذلك، ويلزم منه أن يكون حجة للحنفية؛ لأنَّهم يقولون: إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار، وقد صح الحديث به، فهو حجة لهم. وقوله: (إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره: ممنوع، فإنه متى صح الأمر؛ يكون حجة لمن قال بذلك، وقوله: (إذا أضيف...) إلى آخره: ممنوع، فإنه قد ثبت ذلك في بعض الأحيان وهو لا يقاوم ما كان عادة للنبيِّ ﷺ وأصحابه، يدل عليه ما أخرجه الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وسنده صحيح، فهذا يدل على أن عادتهم في صلاة الفجر الإسفار. ولا ريب أن ذلك هو ما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ ؛ لأنَّهم أشد اتباعًا له ﵇، فثبت أن التغليس إنَّما كان في بعض الأحيان، وهو محمول على بيان الجواز لأجل التشريع، وثبت أن الأفضل في صلاة الصبح الإسفار، وأنه الثابت من فعله ﵇ على الدوام

стр. 483

والاستمرار؛ فافهم. فإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن مسعود: (أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات ﵇، ورواه ابن حبان أيضًا؛ كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي. قلت: يرد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها) انتهى. قالت العلماء: المراد بقوله: (قبل وقتها)؛ يعني: وقتها المعتاد في كل يوم؛ وهو الإسفار لا أنه صلاها قبل الفجر وإنما غلس بها، ويوضحه رواية البخاري: (والفجر حين تبزغ (١))، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاها بغلس؛ لأنَّ قوله: (قبل وقتها المعتاد) يدل على أن وقت صلاة الفجر المعتاد له ﵇ هو وقت الإسفار دائمًا أبدًا، على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد ابن حنبل: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي والدارقطني: حديثه ليس بالقوي، انتهى. قلت: وعلى هذا؛ فحديثه ضعيف لا يحتج به، وهو لا يُقاومما ذكره البخاري ومسلم؛ فليحفظ. فإن قلت: قد قال البيهقي: رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى؛ لأنَّه تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإذا دخل الوقت؛ فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأنه ﵇ لا يأمر بأن يصلى في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنته ﵇. قلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا؛ لأنَّ الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار من أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها. فإن قلت: جاء في الحديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله»، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يكون إلا عن تقصير. قلت: المراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: الفضل، فكان معنى الحديث: أن من أدَّى الصلاة أول الوقت؛ فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه؛ لامتثاله أمره وأداءه ما وجب عليه، ومن أدى الصلاة في آخر الوقت؛ فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان. قلت: فالفضل ملازم للرضوان على أن أداء الصلاة في آخر وقتها ليس تقصيرًا؛ لأنَّه قد أمر بالمحافظة وهي المداومة، وقد فعل ما أمر به وأدى ما وجب عليه، فأين التقصير الذي فعله؟ فإن قلت: جاء في الحديث: وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة في أول وقتها»، وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به. قلت: ذكر الأول للحث والتخصيص والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا؛ فالذي لا يؤدي في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله؛ لأنَّ الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع. وحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول. فإن قلت: قال البيهقي: قال الشافعي: وحديث رافع له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أنه ﵇ لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيه؛ احتمل أن يكون من الراغبين (٢) من تقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: «أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر» معترضًا، فأراد ﵇ فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر، فأمرهم بالإسفار؛ أي: بالتبيين. قلت: يرد هذا التأويل وبيطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار»، وقد مر عن قريب. قلت: وكان الشافعي أراد بهذا الكلام التوفيق بين الحديثين (٣)، ولا يخفى أن كلامه باطل غير صحيح؛ لأنَّ التضاد واقع بينهما، وقوله: (إنه ﵇ لما حض...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ لا يأمر ولا يحض على تقديم الصلاة عن وقتها، يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها...)؛ الحديث وقد مر، ولا ريب أنه إذا كان كذلك لا يأمر الناس بعدمه، كما لا يخفى. وقوله: (احتمل أن يكون...) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإنه ليس في أحاديث الإسفار والتغليس ذكر الفجر الآخر وهو الصادق، ومعلوم أن الصلاة إنَّما تجب عند دخول وقتها وهو ظهور الفجر الصادق في صلاة الفجر، وأما الفجر الكاذب؛ فإنه يكون قبل دخول الوقت، فهو لا عبرة به، ولهذا بينه ﵇ في أحاديث غيرها، ولما كان لا عبرة به هنا؛ لم يتعرض له ﵇ هنا؛ لأنَّ المراد من الإسفار بعد دخول الوقت والفجر الكاذب لا يقال له الفجر الصادق، وشتان بين الصادق والكاذب. وقوله: (فأراد ﵇...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ قد بين الأوقات، والصلاة إنَّما تجب بدخول وقتها وهو ليس فيه شك، ومن شروط الصلاة: اعتقاد دخول الوقت، والإسفار؛ معناه: التنوير كما فسره ﵇ بقوله: «نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم»، وهذا لا يكون في أول دخول وقت الفجر، بل في آخره، كما لا يخفى، فكلامه غير ظاهر؛ فافهم. وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وإنَّهم -أي: الصحابة- كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، واعترضه ابن حازم في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، فزعم أنه ليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنَّ حديث التغليس ثابت، وأنه ﵇ داوم عليه حتى فارق الدنيا. قال إمام الشَّارحين: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم؛ يعني: من قوله: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها؛ يعني: المعتاد في كل يوم، وهو في وقت الإسفار). ويدل عليه رواية

стр. 484

البخاري: (والفجرحين ترع)، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا أبدًا، وحديث التغليس ضعيف لا يحتج به، كما قاله الحفاظ، والأمر هو ما ذكره الحافظ الطحاوي، ويدل عليه اتفاق الصحابة ﵃ بعد النبيِّ الأعظم ﷺ على الإسفار بالصبح؛ لما رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، فهذا دليل واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا -أي: الصحابة- اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبيُّ الأعظم ﷺ إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح «البخاري» أنه يقول: ووهم الحافظ الطحاوي حيث ادعى أن حديث: «أسفروا» ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني؛ لما اجترأ على مثل هذا الكلام، انتهى كلام الشَّارح. قلت: وأراد بهذا البعض: ابن حجر، ولا يتعجب منه؛ لأنَّه مشهور بالتعصب، والتعنت، والعناد، وعدم الإنصاف، وما قال هذا الكلام إلا من عدم وقوفه ومعرفته بحديث إبراهيم النخعي وحديث ابن مسعود، الذي روى الأول ابن أبي شيبة والحافظ الطحاوي، والثاني: البخاري ومسلم، وما قال ذلك إلا ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولعدم معرفته بمعاني الكلام قال ما قال، فالوهم محيط به، ولله در مؤلف «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، فإنه قد أودع فيه أبحاثًا (١) رائقة، ونفحات فائقة، وأظهر الأوهام التي وقع فيها ابن حجر الذي تصدر لشرح «البخاري»، وليس الشرح في الحقيقة له، وإنما هو لمن نقل عنه، وهو الشيخ قطب الدين الحلبي، فإنه حين كان ابن حجر في حلب؛ أخذ شرحه واستنسخه ونسبه لنفسه، والله تعالى أعلم. (١٤) [باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها] هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه: (إذا صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأةً، وسواء كانت الصلاة فرضًا، أو واجبًا، أو نفلًا (في ثوب) أي: وهو لابس ثوبًا (له أعلام) : جمع عَلَم؛ بفتح العين المهملة واللام، (ونظر) أي: المصلي وهو في صلاته (إلى عَلَمها)؛ بفتح العين واللام، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يكره له ذلك أم لا؟ قال الكرماني: (والتأنيث فيه باعتبار الخميصة) انتهى. ونقله عنه ابن حجر بالعكس، قاله إمام الشَّارحين. قلت: فقد وهم ابن حجر، فاختلط عليه النقل، فكيف بذكر المعنى؛ فافهم. [حديث: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم] ٣٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن يونس) : نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإنما هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي الكوفي (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (قال: حدثنا ابن شهاب) وفي رواية ابن عساكر: (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، (عن عُرْوة)؛ بضم أوله، وسكون ثانيه المهملين: هو ابن الزُّبير -بضم الزاي- ابن العوام؛ بتشديد الواو، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن النبيَّ) الأعظم ﷺ صلى)؛ أي: صلاة الفرض بأصحابه جماعة في مسجده النبوي (في خَمِيصة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالصاد المهملة: وهي كساء أسود مربع، له أعلام أو علمان، وتكون من خز أو صوف، ولا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، وسميت بذلك؛ للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذة من الخمص؛ وهو ضمور البطن، وزعم ابن حبيب في «شرح الموطأ» أنها كساء صوف، أو مرعزي معلم الصنعة، كذا في «عمدة القاري». (لها أعلام) : جمع عَلَم؛ بفتحتين، والجملة اسمية محلها الجر؛ لأنَّها صفة لـ (خميصة)، (فنظر) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (إلى أعلامها) وهو في صلاته (نظرة)؛ أي: واحدة، (فلما انصرف)؛ أي فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل أصحابه وانتزع خميصته (قال) جواب (لما) لهم: (اذهبوا بخميصتي هذه) أي: التي صلى فيها (إلى أبي جَهْم)؛ بفتح الجيم، وسكون الهاء: هو عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، وقيل: اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وتوفي في آخر خلافة معاوية ﵁، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في (المرور)، كذا في «عمدة القاري». وفيه: فإن قلت: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟ قلت: لأنَّ أبا جهم هو الذي أهداها له ﷺ ، فلذلك ردها عليه، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن عائشة ﵂ قالت: «أهدى أبو جهم إلى النبيِّ الأعظم ﷺ خميصة شامية، لها علم، فشهد فيها النبيُّ الأعظم ﷺ الصلاة، فلما انصرف؛ قال: «ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم، فإنها كادت تفتني» انتهى. (وأتوني بأنبجانية أبي جهم) قال إمام الشَّارحين: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة ومعناها؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبَِجاني -بكسر الموحدة وفتحها-؛ إذا كان ملتصقًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وقال الجوهري: إذا نسبت إلى منبَج؛ فتحت الباء الموحدة، وقلت: كساء منبَجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، وقال أبو حاتم: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما يخطئ فيه العامة، وإنما يقال: مَنبَجاني؛ بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لم فتحت الباء، وإنما نسب إلى منبِج بالكسر؟ قال: خرج مخرج منظراني ومخبراني، قال: والنسب مما يغير البناء، وقال القزاز: والنباج: موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية، وفي «الجمهرة» : ومنبج: موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية، وفي «المحكم» : أن منبج موضع، قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنَّها إنَّما كثرت مزيدة أولًا؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولًا في الاسم والصفة، وكذلك النباج وهما نباجان؛ نباج بنتل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير القياس، وفي «المغيث» : المحفوظ كسر باء (الأنبِجانية)، وقال ابن الحصار: من زعم أنه منسوب إلى منبج؛ فقد وهم. قال إمام الشَّارحين:

стр. 485

قلت: مَنْبِج؛ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الموحدة، آخره جيم: بلدة من كور قنسرين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها: منبه، وبنى بها بيت نار ووكل بها رجلًا فعربت، فقيل: منبج، والنسبة إليها: منبجي على الأصل، ومنبجاني على غير القياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صدف: صدفي؛ بفتحها، وعن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنبِج؛ بفتح الميم، وكسر الباء، ويقال: نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وفي هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب في لفظ الحديث. وأما معناها؛ فزعم عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ» هي كساء غليظ يشبه الشملة، يكون سداه قطنًا غليظًا أو كتانًا غليظًا، ولحمته صوف ليس بالمبرم، في فتله لين غليظ يلتحف بها في الفراش، وقد يشتمل بها في شدة البرد، وقيل: هي من أدوان الثياب الغليظة، يتخذ من الصوف، وقيل: هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم؛ فهو خميصة، وإن لم يكن؛ فهو أنبجانية، انتهى كلامه (فإنها) أي: الخميصة (ألهتني)؛ أي: شغلتني، وهو من الإلهاء، وثلاثيه لهي الرجل عن الشيء يلهى عنه؛ إذا غفل، وهو من باب (علِم يعلَم)، وأما لها يلهو؛ إذا لعب؛ فهو من باب (نصَر ينصُر)، وفي «الموعب» : وقد لها يلهو والتهى، وألهاني منه كذا؛ يعني: أنساني وشغلني، كذا في «عمدة القاري». (آنفًا)؛ بفتح الهمزة الممدودة؛ أي: قريبًا، واشتقاقه من الائتناف (١) بالشيء؛ أي: الابتداء به، وكذلك الاستئناف، ومنه: أنف كل شيء وهو أوله، ويقال: قلت: آنفًا وسالفًا، وانتصابه على الظرفية، قال ابن الأثير: (قلت: الشيء آنفًا؛ أي: في أول وقت يقرب مني) انتهى. (عن صلاتي)؛ أي: عن كمال الحضور فيها، وتدبير أركانها وأذكارها، والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم القسطلاني أنه لا يقال هذا المعنى؛ لأنَّ قوله في التعليق الآتي: (فأخاف أن تفتني) يدل على نفي وقوع ذلك، انتهى. قلت: إمام الشَّارحين قد فسر معنى هذا الحديث وهو يدل على أنه قد وقع الإلهاء منه؛ لأنَّ قوله: (ألهتني) صريح في الوقوع، وأما التعليق؛ فإنه لم يتعرض له هنا، وسيأتي الكلام عليه على أنه يحتمل تعدد القصة؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: فإن قلت: كيف بعث ﵇ بشيء يكرهه إلى غيره؟ قلت: بعثها لأبي جهم لم يكن لما ذكر، وإنما كان لأنها كانت سبب غفلته وشغله عن الخشوع، وعن ذكر الله ، كما قال ﷺ : «اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان»، ألا ترى إلى قوله ﵇ لعائشة في الضب: «إنا لا نتصدق بما لا نأكل»، وكان هو ﷺ أقوى خلق الله لدفع الوسوسة، ولكن كرهها؛ لدفع الوسوسة. وزعم ابن بطال أن بعثه ﵇ الخميصة لأبي جهم وطلب أنبجانيته هو من باب الإدلال عليه؛ لعلمه بأنه يفرح بذلك، انتهى. فإن قلت: أليس فيه تغيير خاطر أبي جهم بالرد عليه؟ قلت: لعلمه بأنه يفرح بذلك، كما زعمه ابن بطال. قال إمام الشَّارحين: (وهذا ليس بشيء، والأولى منه هو ما دلت عليه رواية أبي موسى المديني: «ردوها عليه وخذوا أنبجانيته»؛ لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه، وعند أبي داود: «شغلني أعلام هذه»، وأخذ كرديًّا كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله؛ الخميصة كانت خيرًا من الكردي) انتهى. قلت: فهذا يرد ما زعمه ابن بطال، ويدل على أنه ﵇ علم أن أبا جهم يكره رد الهدية، وأنه ﵇ طلب الأنبجانية تطييبًا لخاطره، ولئلا يتأذى قلبه بذلك؛ فافهم. فإن قلت: أليس فيه إشارة إلى استعمال أبي جهم الخميصة في صلاته؟ قلت: لا يلزم منه ذلك، ومثله قوله في حلة عطارد؛ حيث بعث بها إلى عمر بن الخطاب: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها»، وإنما أباح له الانتفاع بها من جهة بيع أو كساء لغيره من النساء. فإن قلت: ليست قضية أبي جهم مثل قضية عمر؛ لأنَّه ﵇ قال له: «لم أبعث بها إليك لكذا»، وكذا وهي إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته، فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه قيل: إنه كان أعمى، فالإلهاء مقصود عنده؟ قلت: لعله ﵇ علم أنه لا يصلي فيها، ويحتمل أن يكون خاصًّا بالشَّارع، كما قال: «كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي». فإن قلت: المراقبة شغلت خلقًا من أتباعه حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم به. قلت: أولئك كانوا يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشَّارع ﵇ يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل؛ فقال: «لست كأحدكم»، وإذا سلك طريق غيرهم؛ قال: «إنما أنا بشر»، فرد إلى حالة الطبع، فنزع الخميصة ليس فيه ترك كل شاغل، انتهى. قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث أحكام؛ ففيه جواز لبس الثوب المعلم، وجواز الصلاة فيه، وفيه أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو مجمع عليه، وزعم ابن بطال وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر مما ليس متعلقًا بالصلاة، والذي حكي عن بعض السلف: أنه مما يضر غير معتد به) انتهى. وفيه طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه، ولهذا قال أصحابنا: المستحب أن يكون المصلي نظره إلى موضع سجوده؛ لأنَّه أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف يمينًا وشمالًا. وفيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة، والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. وفيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدمه إذا مشى. وفيه تكنية العالم لمن دونه وكذا الإمام. وفيه كراهة تزويق المحراب في المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات. وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم، واستدل به الباجي على صحة المعاطاة في العقود؛ لعدم ذكر الصيغة. وفيه كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على أردائهم. وفيه أن لصور الأشياء الظاهرة تأثيرًا في النفوس الطاهرة (٢) والقلوب الزكية.

стр. 486

وقال الطيبي: (إنما أرسلها إليه؛ لأنَّه كان أهداها إياه، فلما ألهاه علمها؛ أي: شغله عن الصلاة بوقوع نظره إلى نقوش العلم؛ ردها عليه، أو تفكره في أن مثل ذلك للرعونة التي لا يليق به ردها إليه، واستبدل منه أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه) انتهى. (وقال هشام بن عروة) : هو ابن الزبير، قال إمام الشَّارحين: (وهذا تعليق رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، ورواه أبو داود عن عبيد الله، عن معاذ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عنه، ورواه أبو معمر فقال: عمرة عن عائشة، قال الإسماعيلي: ولعله غلط منه، والصحيح عروة، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق، وذكره خلف) انتهى. قلت: والظاهر أنه سهو من الناسخ الأول وتبعه النساخ، والصواب عروة، كما لا يخفى، وزعم الكرماني أن قوله: (وقال هشام) عطف على قوله: (قال ابن شهاب)، وهو من جملة شيوخ إبراهيم، ويحتمل أن يكون تعليقًا، انتهى. قلت: ولو اضطلع على ما قاله إمام الشَّارحين؛ لم يحتج إلى هذا التردد على أنَّ هذا ظاهر في أنه تعليق، فكأنه لم يضطلع على ما ذكره الشَّارح فتردد، فلله در شارحنا من إمام؛ فافهم. (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) الصديقة ﵂ قالت: (قال النبيُّ) الأعظم ﷺ يومًا وهو في حجرتها: (كنت أنظر إلى علمها)؛ بفتح العين المهملة واللام؛ يعني: الخميصة (وأنا في الصلاة) : جملة حالية، (فأخاف أن تَفتِنِّي)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الثانية، وبالنونين، من فتنه يفتنه من باب (ضرب يضرِب)، وفي رواية: (يَفتنني)؛ بفتح التحتية أوله بدل الفوقية، ويجوز أن تكون بالإدغام، وأن تكون بضم المثناة الفوقية من الثلاثي المزيد، يقال: فتنه وأفتنه، وأنكره الأصمعي. فإن قلت: كيف يخاف الافتتان من لم يلتفت إلى الأكوان ما زاغ البصر وما طغى؟ قلت: إنه ﵇ كان في تلك الليلة خارجًا عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، وأما إذا رد إلى طبعه البشري؛ فإنه يؤثر في البشر، واعلم أن هذه الرواية لم يقع له ﵇ شيء من الخرق من الإلهاء؛ لأنَّه قال: «فأخاف»، وهو مستقبل، ويدل عليه أيضًا رواية مالك: «فكاد يفتنني»، فهذا يدل على أنه لم يقع، والرواية الأولى تدل على أنه قد وقع؛ لأنَّه صرح بقوله: «فإنها ألهتني»، والتوفيق بينهما يمكن بأن يقال: للنبيِّ الأعظم ﷺ حالتان؛ حالة بشرية، وحالة يختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة البشرية؛ قال: «ألهتني»، وبالنظر إلى الحالة الثانية؛ لم يحزم به، بل قال: «أخاف»، ولا يلزم من ذلك الوقوع، وأيضًا فيه تنبيه لأمته ليحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم؛ لأنَّ الصلاة المعتبرة أن يكون فيها خشوع، وما يلهي المصلي ينافي الخشوع والخضوع، كذا قرره إمام الشَّارحين، وزعم القسطلاني أن قوله: «ألهتني» في الرواية الأولى يحمل على قوله: «كاد» في رواية مالك، فيكون الإطلاق؛ للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء، انتهى. قلت: وهذا الحمل غير صحيح؛ لأنَّ الرواية الأولى صريحة في وقوع الإلهاء، فكيف يحمل على قرب الوقوع؛ لأنَّ قوله ﵇: «ألهتني»، وأمره لأصحابه بردها إلى أبي جهم، وأمرهم بأن يأتوه بأنبجانيته دليل واضح على تحقق وقوع الإلهاء، ويدل عليه رواية أبي داود: «شغلني أعلام هذه»، وهي تدل على تحقق الوقوع أيضًا، ولا مانع من ذلك؛ فافهم فافهم. فالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين هنا وهناك وهو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، ويحتمل تعدد القصة، ففي القصة المذكورة في الرواية الأولى: (ألهته)؛ يعني: تحقق وقوعه، وفي القصة المذكورة في هذا التعليق لم يقع، بل خاف وقوعه، وفي القصة المذكورة في رواية مالك لم يقع، بل قرب وقوعه؛ لقوله: «فكاد»، وفي القصة المذكورة في رواية الحافظ الطحاوي التعبير بالافتتان وهو لم يقع بل قرب وقوعه لقوله: «فكاد»، ويدل على أن القصة متعددة أن أبا جهم كان تاجرًا وأنه يستجلب أنواع الخميصة والأنبجانية من الشام، وأنه يهدي إلى النبيِّ الأعظم ﷺ في كل مرة خميصة، ويدل على ذلك أن في الرواية الأولى: قال ﵇: «ولها أعلام»؛ بالجمع، وفي الرواية الثانية قال: «إلى علمها»؛ بالإفراد، وفي رواية الحافظ الطحاوي: «لها علم»؛ أي: واحد، فهذا يدل على أن الخميصة المهداة له ﵇ متعددة؛ لأنَّ أبا جهم تارة أهدى له خميصة لها أعلام، وتارة أهدى له خميصة لها علم واحد، ويدل على ذلك أيضًا أنه في الرواية الأولى قال لأصحابه: «اذهبوا وائتوني»، وكذا في رواية أبي موسى قال: «ردوها»، وهو يدل على أن الذين تولوا ردها أصحابه. وفي رواية الحافظ الطحاوي: قال ﵇ لعائشة: «ردي هذه الخميصة» وهو يدل على أنها هي التي تولت ردها بنفسها، وهو يدل على تعدد القصة؛ لأنَّ عائشة لم تكن مع أصحابه في المسجد، بل كانت في حجرتها، وقد صلى ﵇ في حجرتها، فإنه لا يمكن اختلاط النساء بالرجال، ولو كان ذلك بحضرتها وحضرتهم؛ لما أمرها بردها، بل كان يأمر بعض أصحابه، فهذا كله يدل على أن القصة متعددة، وفيه أن صلاته في الرواية الأولى كانت فرضًا، وفي هذه الرواية كانت نفلًا، والله تعالى أعلم بالصواب. (١٥) [باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟] هذا (باب)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف (إن صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأة (في ثوب) : الجار والمجرور حال؛ أي: حال كونه في ثوب (مُصلَّب)؛ بضم الميم، وفتح اللام المشددة؛ أي: منقوش بصور الصلبان، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أي:

стр. 487

فيه صلبان، ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ليس المعنى كذلك، بل معناه: إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان) انتهى. قلت: وقوله: (منقوش بصور الصلبان) يشمل ما إذا كانت الصلبان منسوجة أو معلمة؛ لأنَّ كلًّا منهما يقال له: منقوش، وأما قول ابن حجر: (فيه صلبان) : قاصر المعنى؛ لأنَّه غير شامل لما نقش فيه، ولما علم فيه من الصور، بل قاصر على تصور الثوب صلبان، وهو خلاف المعنى المراد، فقد وهم ابن حجر في ذلك، كما بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم. (أو) : في ثوب ذي (تصاوير)؛ أي: مصور بتصاوير، وهو عطف على (مصلب) مع حذف حرف الصلة كما سيأتي، قال الجوهري: التصاوير: التماثيل، وقد جاء التصاوير، والتماثيل، والتصاليب، فكأنها في الأصل جمع تصوير، وتمثال وتصوير، وفرق العلماء بين الصورة والتمثال؛ فقالوا: الصورة تكون في الحيوان، والتمثال يكون فيه وفي غيره، ويقال: التمثال ما له جرم وشخص، والصورة ما كان رقمًا أو تزويقًا في ثوب أو حائط. وقال المنذري: قيل: التمثال: الصورة، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] : إنها صور العقبان والطواويس على كرسي سليمان ﵇ وكان مباحًا، وقيل: صور الأنبياء والملائكة ﵈ من رخام وشبه؛ لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم، وقيل: صور الآدميين من نحاس، كذا في «عمدة القاري». وزعم الكرماني أن قوله: (أو تصاوير) عطف (على ثوب) لا على (مصلب)، والمصدر بمعنى المفعول، أو على (مصلب)، لكن بتقدير: أنه في معنى ثوب مصور بالصليب فكأنه قال: مصور بالصليب أو بتصاوير غيره. وزعم ابن حجر أن قوله: (أو تصاوير)؛ أي: في ثوب ذي تصاوير، فكأنه حذف المضاف؛ لدلالة المعنى عليه، واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: جعل الكرماني (تصاوير) مصدرًا بمعنى المفعول غير صحيح؛ لأنَّ التصاوير اسم للتماثيل، كذا قاله أهل اللغة، وساق كلام الجوهري السابق، ولئن سلمنا كون التصاوير مصدرًا في الأصل جمع تصوير؛ فلا يصح أن يقال عند كونه عطفًا على (ثوب)، أن يقدر: أو إن صلى في ثوب مصورة؛ لعدم التطابق حينئذٍ بين الصفة والموصوف مع أنه شرط، والظاهر: أنه عطفٌ على (مصلب) مع حذف حرف العلة؛ تقديره: إن صلى في ثوب مصور بصلبان أو ثوب مصور بتصاوير التي هي التماثيل، وقول ابن حجر: (لدلالة المعنى عليه) : لم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو؟ والقول بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف؛ لأنَّ ذاك شائع ذائع) انتهى. قلت: فإن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، فحذف المضاف غير شائع في كلامهم على أنه لم يدل الدليل على حذفه، ولم يظهر المعنى الدال عليه، ولو ظهر لابن حجر؛ لبينه، فكأنه ذكره رجمًا بالغيب، فهو ممنوع، والظاهر بل الصواب: ما قاله الشَّارح ﵁؛ فليحفظ. (هل تفسد صلاته) : استفهام على سبيل الاستفسار، جرى المؤلف على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف؛ لأنَّ العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء، فإن كان لمعنًى في نفسه؛ فهو يقتضي الفساد، وإن كان لمعنًى في غيره؛ فهو يقتضي الكراهة أو الفساد، فيه خلاف، انتهى. (وما ينهى من ذلك)؛ أي: والذي ينهى عن ذلك المذكور؛ وهو الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير، كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (وما ينهى عنه)؛ بالضمير، وفي رواية غيرهم: (وما ينهى عن ذلك)، بكلمة (عن) موضع (من)، والأول أصح، قاله إمام الشَّارحين. [حديث: أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي] ٣٧٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو معمر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة (عبد الله بن عمرو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هو البصري (قال: حدثنا عبد الوارث) : هو ابن سعيد؛ بكسر العين المهملة، البصري (قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب)؛ بضم الصاد المهملة، البصري (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) : هو الأنصاري (قال: كان قِرام)؛ بكسر القاف، وتخفيف الراء: وهو ستر رقيق من صوف ذو ألوان، وقال أبو سعيد (١) : (القرام) : صوف غليظ جدًّا يفرش في الهودج، وفي «المحكم» : هو ثوب من صوف ملون، والجمع قرم، وعن ابن الأعرابي: جمعه قروم، وهو ثوب من صوف فيه ألوان من عهن، فإذا خيطفصار (٢) كأنه بيت؛ فهو كلة، وقال القزاز وابن دريد: هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج وغيره، وقال الخليل: يتخذ سترًا أو يغشى به هودج أو كلة، وزعم الجوهري أنه ستر فيه رقم ونقوش، قال: وكذلك المقرم والمقرمة، كذا في «عمدة القاري». (لعائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (سترت به جانب بيتها) : وفي لفظ للنسائي: (كان في بيتي ثوب فيه تصاوير، فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله ﷺ يصلي إليه)، وفي لفظ: (فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل)، وفي لفظ: (قدم النبيُّ الأعظم ﷺ من سفر وقد استترت بقرام على سهوة لي فيه تماثيل)، (فقال النبي) الأعظم ﷺ لعائشة: (أميطي)؛ أي: أزيلي (٣)، وهو أمر من أماط يميط، قال ابن سيده: يقال: ماط عني ميطًا ومياطًا، وأماط: تنحى وبعد، وأماطه وماطه عني: نحاه ودفعه، قال بعضهم: مطت به وأمطته على حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالفعل في الغالب، وماط الأذى ميطًا وأماطه: نحاه ودفعه، كذا في «عمدة القاري». (عنا قرامك هذا) : وفي لفظ للنسائي: (ثم قال: «يا عائشة؛ أخريه عني»، فنزعته فجعلته وسائد)، وفي لفظ: (فيه تصاوير، فنزعه ﵇ فقطعه وسادتين، فكان يرتفق عليهما)، وفي لفظ: «أخري هذا، فإني إذا رأيته؛ ذكرت الدنيا»، وفي لفظ: «دخل علي رسول الله ﷺ وقد استترت بقرام فيه تماثيل، فلما رآه؛ تلون وجهه، ثم هتكه بيده، وقال: «إنَّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله»، وفي لفظ: (خرج رسول الله ﷺ خرجة، ثم دخل وقد علقت قرامًا فيه الخيل أولات الأجنحة؛ فلما رآه؛ قال: «انزعيه»). (فإنه لا تزال تصاوير) بدون الضمير، والهاء في (فإنه) ضمير الشأن، وفي رواية: (تصاويره)؛ بالإضافة إلى الضمير، فالضمير في (فإنه) يرجع إلى الثوب، كذا في «عمدة القاري». (تَعرِض)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء؛ أي: تلوح لي، وفي رواية الإسماعيلي: (تَعَرَّض)؛ بفتح المثناة والعين، وتشديد الراء، وأصله: تتعرض، فحذفت إحدى التاءين كما في (نار تلظَّى) (في صلاتي)، ووجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الستر الذي فيه التصاوير إذا نهى عنه الشَّارع فمنع لبسه بالطريق الأولى. فإن قلت: الترجمة شيئان والحديث لا يدل إلا على شيء واحد وهو الثوب الذي فيه الصورة. قلت: نعم ويلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان؛ لاشتراكهما في أن كلًّا منهما عبد من دون الله، كذا قاله إمام الشَّارحين.

стр. 488

وزعم الخطابي (١) فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها، سواء كانت أشخاصًا ماثلة أو غير ماثلة، وسواء كانت في ستر، أو بساط، أو في وجه جدار، أو غير ذلك. قلت: إنَّما قال ذلك؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، وإلا؛ فالحديث لا يشمل ما يبسط ويفرش على الأرض، كما يأتي. وقال ابن بطال: علم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى، وهذا كله على الكراهة، فإن من صلى فيه؛ فصلاته مجزئة؛ لأنَّه ﵇ لم يعد الصلاة، ولأنه ﵇ ذكر أنها عرضت له ولم يقل: إنه قطعها، ومن صلى بذلك أو نظر إليه؛ فصلاته مجزئة عند العلماء. وقال المهلب (٢) : وإنما أمرنا ﵇ باجتناب هذا؛ لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي الشغل، وقيل: إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف ﵁، رواه مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله: (أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع غطاء تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: لأنَّ فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ ما قد علمت، قال: ألم يقل إلا ما كان رقمًا في ثوب؟ قال: بلى، ولكنه لم يكن أطيب لنفسي)، وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب، عن معن، عن مالك به، واحتج أصحابنا بهذا الحديث على أن الصور التي تكون فيما يبسط، ويفترش، ويمتهن خارجة عن هذا النهي الوارد في هذا الباب، وبه قال الثوري، والنخعي، ومالك، وأحمد في رواية، وقال أبو عمر: ذكر ابن القاسم قال: كان الإمام الأعظم وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا في أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، وقال أبو عمر (٣) (وكره الليث التماثيل في البيوت، والأسرة، والقباب، والطساس، والمنارات إلا ما كان رقمًا في ثوب، وأما الشافعي؛ فإنه كره الصور مطلقًا سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوهما، واحتج بعموم حديث النهي، ولم يفرق في ذلك) انتهى. قلت: والحديث حجة عليه؛ لأنَّه قد فرق بين المعلق وبين المنبسط المفترش، فالأول مكروه دون الثاني؛ فليحفظ. وذكر القسطلاني أن أمره ﵇ بالإماطة في حديث الباب يستلزم النهي عن الاستعمال، انتهى. قلت: وفيه نظر، فإنه ﵇ ذكر سبب الأمر بالإماطة أنه تعرض له في صلاته، فالأمر بالإماطة قاصر على ما كانت الصور في البيوت والستور المعلقة، فلا يشمل ما إذا كانت مبسوطة مفروشة يوطأ عليها بالأرجل، فالنهي خاص بما قلنا، وهو لا يستلزم النهي عن الاستعمال فيما ذكر، لا سيما وقد دل حديث سهل بن حنيف أن النهي منسوخ؛ فافهم. وما في حديث عائشة عند المؤلف في (اللباس) قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا نقضه)؛ فهو لا يدل على النفي على العموم؛ لأنَّ التصليب خلاف الصورة التي في الثوب، فإنما كان ينقض التصليب؛ لأنَّه معبود عند النصارى، بخلاف الصورة في الثوب، فإنه كان يتركها تبسط وتفرش، يدل عليه حديث سهل بن حنيف على أن قوله: (إلا نقضه)؛ معناه: حوَّله إلى مكان آخر، يقال: نقض زيد باب داره؛ بمعنى: حوَّله، فكان يحوِّله عن موضع صلاته، فالحديث ليس على العموم؛ فافهم. وحكى مكي في «الهداية» له: أن جماعة جوزت التصوير، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾، قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه، ورده القرطبي فقال: (ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم: عمل الصور جائز؛ لهذه الآية، وقال قوم: صح النهي عن النبيِّ الأعظم ﷺ عنها، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله بهذا ما كان مباحًا قبله، وكانت الحكمة في ذلك أنه ﵇ بعث والصور تعبد من دون الله، فكان الأصلح إزالتها، وكان ذلك جائزًا في شريعة سليمان ﵇، ونسخ ذلك في شريعة النبيِّ الأعظم ﷺ انتهى. (١٦) [باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه] هذا (باب)؛ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف؛ يذكر فيه حكم (من صلى في فَرُّوج)؛ بفتح الفاء، وضم الراء المشددة، آخره جيم: وهو القباء الذي شق من خلفه، وقال أبو العلاء المعري: يقال فيه: بضم الفاء من غير تشديد على وزن (خروج)، وقال القرطبي: (القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين، ضيق الوسط، مشقوق من خلف، يشمر فيه للحرب والأسفار) انتهى. والمعنى: من صلى وهو لابس فروجًا من (حرير)؛ بالجر صفة لـ (فروج) (ثم نزعه) : بعد فراغه من الصلاة، وهذا حكاية ما وقع من النبيِّ الأعظم ﷺ . [حديث: لا ينبغي هذا للمتقين] ٣٧٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) : هو التنيسي المصري (قال: حدثنا الليث) : هو ابن سعد المصري، وزعم الكرماني أنه عرض عليه المنصور ولاية مصر فاستعفى، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد قيل: إنه ولي مدة يسيرة، وكان على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ انتهى. قلت: ويدل لذلك ما قاله المؤرخون منهم: -ابن خلكان-: إن الليث حنفي على مذهب الإمام الأعظم ﵁، وما قيل: إنه مجتهد؛ فباطل وتعصب؛ فافهم. (عن يزيد) زاد الأصيلي: (هو ابن أبي حبيب)، وفي رواية ابن عساكر: (ابن أبي حبيب) : هو المصري، (عن أبي الخير) : هو مَرثد -بفتح الميم، وبالثاء المثلثة- اليَزَنِي؛ بفتح التحتية والزاي، بعدها نون مكسورة، (عن عقبة بن عامر) : هو الجهني ﵁، كان فصيحًا كاتبًا قارئًا شاعرًا، وهو أحد من جمع القرآن في المصحف، وكان مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان بن عفان ﵁، وقد شهد وقعة صفين مع معاوية ﵁، وكان أميرًا على مصر من قبل معاوية، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح، ودفن بمصر سنة ثمان وخمسين ﵁ (قال: أُهدِي)؛ بضم الهمزة، وكسر الدال المهملة على صيغة المجهول من الماضي (إلى النبيِّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ فَرُّوج)؛ بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة وتخفيفها، آخره جيم، وحكي: ضم أوله وتخفيف الراء على وزن (خروج)؛ وهو قباء مشقوق من خلفه، وهو من لبوس الأعاجم (حرير)؛ بالإضافة؛ كما في ثوب خزٍّ، وخاتم فضة، ويجوز أن يكون (حرير) صفة لـ (فروج)، والإعراب يحتمل ذلك والكلام في الرواية، والظاهر أنها الأول، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وكان الذي أهداه إلى النبيِّ الأعظم ﷺ أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وذكر أبو نعيم أنه أسلم وأهدى إلى النبيِّ الأعظم ﷺ حلة سيراء، وقال ابن الأثير: أهدى للنبيِّ الأعظم ﷺ وصالحه ولم يسلم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم؛ فقد أخطأ خطأً ظاهرًا، وكان نصرانيًّا، ولما صالحه النبيُّ الأعظم ﷺ ؛ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدًا أسره لما حاصر دومة الجندل أيام أبي بكر الصديق الأكبر ﵁، فقتله مشركًا نصرانيًّا، وأُكَيْدر؛ بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وبالدال والراء المهملتين، ودومة الجندل: اسم لحصن، قال الجوهري: (أصحاب اللغة يقولون: بضم الدال المهملة، وأهل الحديث: يفتحونها، وهو اسم

стр. 489

موضع فاصل بين الشام والعراق، على سبع مراحل من دمشق، وعلى ثلاث عشرة (١) مرحلة من المدينة) انتهى كلامه؛ فافهم. (فلبسه) : النبيُّ الأعظم ﷺ (فصلى فيه)؛ أي: صلاة الفرض في مسجده، (ثم انصرف)؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة، (فنزعه نزعًا شديدًا)؛ يعني: بسرعة (كالكاره له) ولم يعد تلك الصلاة، فاستدل به بعضهم على جواز الصلاة في الثياب الحرير؛ لكونه ﵇ لم يعد تلك الصلاة، وهذا الاستدلال غير صحيح في ذلك؛ لأنَّ ترك إعادة الصلاة لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده؛ ففيه خلاف العلماء، فقال الإمام الأعظم وأصحابه ﵃: تصح صلاته في الثوب الحرير، ولكنها تكره ويأثم؛ لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال ابن القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير؛ يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جل أصحابه، وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره (٢)، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة، وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك لا يجوز؛ يعيد، وفي الحديث جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها، والله أعلم. (وقال) ﷺ حين نزعه: (لا ينبغي) أي: لا يطلب لبس (هذا) : الثوب الحرير (للمتقين)؛ أي: عن الكفر، وهم المؤمنون، أو عن المعاصي كلها، وهم الصالحون. فإن قلت: النساء المتقيات يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهنَّ؟ قلت: هذه المسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن؛ فالحل لهن علم بدليل آخره، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وفي الحديث أحكام؛ منها: حرمة لبس الحرير للرجال في كل الأحوال إلا في صورة يستثنى منها في الحرب، فيجوز لبسه للرجال عند الإمامين: أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ومنها: للجرب، ومنها: لأجل البرد إذا لم يجد غيره، وقد جوز طائفة من الظاهرية: لبسه للرجال مطلقًا، وإليه ذهب عبد الله بن أبي مليكة، واحتجوا في ذلك بحديث مسور بن مخرمة أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي على ما نذكره في موضعه، واحتج الجمهور في ذلك بأحاديث كثيرة؛ منها حديث الباب، وأخرج الحافظ أبو جعفر الطحاوي في هذا الباب عن خمسة عشر نفرًا، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، ومسلمة بن مخرمة، وعقبة بن عامر الجهني، وأبو أمامة، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم. وفي الباب عن أم هانئ عند أبي يعلى الموصلي، وأبي ريحانة عند أبي داود، واسم أبي ريحانة شمعون، وأبي موسى الأشعري عند الترمذي، وأحاديث هؤلاء نسخت ما فيه الإباحة للبسه. فإن قلت: إذا كان حرامًا على الرجال، فكيف لبس رسول الله ﷺ ؟ قلت: كان ذلك قبل التحريم، وزعم النووي ولعل أول النهي والتحريم كان عند نزعه، ولهذا قال في حديث جابر الذي عند مسلم: (صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: «نهاني عنه جبريل ﵇»)، فيكون أول التحريم بهذا، وزعم الكرماني أنَّ هذا تخصيص، ولم يجعله نسخًا؛ حيث قال: شرط النسخ: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، ثم قال: ولئن سلم أنه حكم شرعي؛ فالنسخ: هو رفع الحكم عن كل المكلفين، وهذا هو عن البعض، فهو تخصيص. ورده إمام الشَّارحين؛ حيث قال: لبسه ﷺ حكم، ثم نزعه حكم آخر ينسخ الأول، فكما أن الثاني حكم شرعيٌّ كان الأول كذلك، ولكنه نسخ، وكان الثاني يعم الرجال والنساء، لكن خرجت النساء بدليل آخر، وذهبت طائفة إلى تحريم الحرير للرجال والنساء جميعًا، واحتجوا في ذلك بما رواه الحافظ الطحاوي قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: (سألت امرأة ابن عمر قالت: أَنحلَّى بالذهب؟ قال: نعم، قالت: ما تقول في الحرير؟ فقال: يكره ذلك، قلت: ما يكره، أخبرني أحلال هو أم حرام؟ قال: كنا نتحدث أن من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة)، وبما رواه الحافظ الطحاوي أيضًا عن بجر بن ناصر قال: حدثنا وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر: أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: «إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها؛ فلا تلبسنها في الدنيا»، وبما رواه أيضًا من حديث الأزرق بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية وهو يقول: (يا أيها الناس؛ لا تلبسوا الحرير ولا تلبسوها نساءكم ولا أبناءكم، فإنه من لبس في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة)، وأخرجه مسلم أيضًا. وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن ما روي عن ابن عمر محمول على الرجال خاصة، يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب والحرير حل لإناث أمتي، وحرام على ذكورها»، رواه الحافظ الطحاوي والطبراني، وما روي أيضًا عن علي بن أبي طالب: أن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي»، أخرجه الحافظ الطحاوي وابن ماجه، وما روي أيضًا عن أبي موسى الأشعري: عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «الحرير والذهب حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها»، أخرجه الحافظ الطحاوي والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح)، وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر، وبأن ما روي عن عقبة يخالفه روايته الأخرى، وهي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم»، وبأن ما روي عن ابن الزبير بأنه لم يبلغه الحديث المخصص؛ لعموم الحرمة في قوله: (من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة) انتهى. وقال ابن العربي: (اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال؛ الأول: محرم بكل حال، الثاني: محرم إلا في الحرب، الثالث: يحرم إلا في السفر، الرابع: يحرم إلا في المرض، الخامس: يحرم إلا في الغزو، السادس: يحرم إلا في العلم، السابع: يحرم على الرجال والنساء، الثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل؛ وهو الفرش، التاسع: مباح بكل حال، العاشر: محرم وإن خلط مع غيره؛ كالخز) انتهى. قلت: وفيه تكرار، فإن الحرب والغزو شيء واحد، فالقولان يرجعان إلى قول واحد، وقد يقال بدله: يحرم على الرجال دون النساء، ويزاد حادي عشر: يحرم إلا في البرد، والقول الثامن: وهو عدم حرمة افتراشه هو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وتبعه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وهو قول العراقيين، وهو إحدى قولين عند الشافعي. قال النووي: وهو الأصح، فإن الافتراش ملحق بزينة النساء للأزواج؛ لأنَّ ذلك من تمام

стр. 490

التزيُّن للزوج المطلوب شرعًا، وصحح الرافعي التحريم، والله تعالى أعلم. (١٧) [باب الصلاة في الثوب الأحمر] هذا (باب) : بيان حكم (الصلاة في الثوب الأحمر)؛ يعني: يجوز ويكره، وزعم ابن حجر أنه يشير إلى الجواز، والخلاف مع الحنفية، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: (مر بالنبيِّ الأعظم ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهو حديث ضعيف الإسناد) انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: لا خلاف للحنفية في جواز ذلك، ولو عرف هذا القائل مذهب الحنفية؛ لما قال ذلك، ولم يكتف بهذا حتى قال: وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر، ولا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأنَّهم لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى تأولوا هذا، وإنما قالوا: مكروه لحديث آخر، وهو نهيه ﷺ عن لبس المعصفر، والعمل بما ورد من الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجوا بالأول على الجواز، وبالثاني على الكراهة. وما زعمه هذا القائل من (أن من أدلتهم ما أخرجه أبو داود...) إلى آخره: ممنوع، وعرق العصبية حين تحرك حمله على أن سكت عن قول الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث، قال: (هذا حديث حسن صحيح) انتهى. فانظر إلى تعصب ابن حجر وتعنته كيف يطيل لسانه، وهذا عرق فيه قد صار من أعضائه. [حديث: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم] ٣٧٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عرعرة)؛ بالعينين والراءين المهملات، غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث: هو ابن البِرنْد؛ بكسر الموحدة والراء وبفتحها، وبسكون النون، البصري (قال: حدثني) بالإفراد (عُمَر) بضم العين المهملة وفتح الميم (بن أبي زائدة)؛ بالزاي: هو أخو زكريا الهمداني الكوفي، (عن عون) بالنون في آخره (بن أبي جُحَيْفَة)؛ بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وفتح الفاء، (عن أبيه) : هو أبو جحيفة المذكور، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي؛ بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم ألف (١)، الكوفي ﵁ (قال: رأيت رسول الله ﷺ أي: بالإبطح بمكة، وقد صرح بذلك في رواية مسلم: (قال: أتيت النبيَّ الأعظم ﷺ بمكة وهو بالإبطح)، وهو الموضع المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منًى أقرب، وهو المحصب، وهو خيف (٢) بني كنانة، كذا في «عمدة القاري». وزعم ابن حجر أنه ذو طُوًى، قال إمام الشَّارحين: (وليس كذلك، كما نبه عليه ابن قرقول) انتهى. قلت: وكان ابن حجر لم يقف على ما ذكره ابن قرقول؛ لعدم اطلاعه في كتب اللغة، فيقول رجمًا بالغيب، وهو خطأ ظاهر؛ فافهم. (في قُبَّة) بضم القاف، وتشديد الموحدة المفتوحة (حمراء من أدم) وعند النسائي: (وهو في قبة حمراء في نحو من أربعين رجلًا)، قال الجوهري: (القبة: من البناء، والجمع قبب وقباب) انتهى. ورده إمام الشَّارحين فقال: المراد من القبة هنا: هي التي تعمل من الجلد، وقد فسر ذلك بكلمة (من) البيانية، والأَدم؛ بفتح الهمزة، والدال المهملة، جمع الأديم، وفي «المحكم» : الأديم: الجلد ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأفيق، وذلك إذا تم واحمرَّ، والأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، و (الأدم) : اسم الجمع عند سيبويه، والأدايم جمع أديم؛ كيتيم وأيتام وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أدم. وفي «المخصص» : إذا شق (٣) الجلد وبسط حتى يبالغ فيه ما قبل من الدباغ؛ فهو حينئذ أديم وأدم (٤) وآدمة، وفي «النوادر» للحياني: الأدم والأدم جمع الأديم؛ وهو الجلد، وفي «الجامع» : الأديم: باطن الجلد، انتهى. (ورأيت بلالًا) : هو مؤذن النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ بكسر الموحدة أوله (أَخذ)؛ بفتح الهمزة، والخاء المعجمة؛ أي: قد أخذ، ويجوز فتح الهمزة الممدودة، وكسر الخاء المعجمة، والظاهر أن الرواية الأول (وَضوء رسول الله ﷺ ؛ بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به، وفي المعنى الأول: رآه قد أخذه، وفي الثاني: رآه وهو آخذ، وذلك بعد ما توضأ النبيُّ الأعظم ﷺ ، (ورأيت الناس) أي: الصحابة (يبتدرون) أي: يتسارعون ويتسابقون إلى (ذلك)؛ باللام، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (ذاك)؛ بغير لام (الوَضوء)؛ بفتح الواو، لأجل التبرك بآثاره الشريفة، (فمن أصاب) أي: أخذ (منه) أي: من الماء (شيئًا؛ تمسح به)؛ أي: بأن مسح وجهه ولحيته وصدره، (ومن لم يصب) أي: من لم يأخذ (منه شيئًا)؛ أي: لكثرة الناس والازدحام، أو لعدم وجود شيء منه؛ (أخذ من بلل يد صاحبه)؛ أي: رفيقه؛ حوزًا على الفضيلة العظيمة، وفي رواية: (من بَلال)؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفتح أفصح، وفي رواية مسلم: (وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي؛ فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك)، وفي رواية: (فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله علي وسلم، فابتدره الناس، فنلت منه شيئًا) انتهى. قلت: وهذه الرواية تدل على أنه أخذ شيئًا يسيرًا منه، ورواية الباب تدل على أنه لم يأخذ منه شيئًا، لكن لما كان في يده؛ كان هو أحرص على أخذه من غيره؛ فافهم. (ثم رأيت بلالًا) بكسر الموحدة؛ أي: المؤذن (أخذ عَنَزَة)؛ بفتح العين المهملة، والنون، والزاي؛ وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، وفيها سنان؛ مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها، كذا في «عمدة القاري»، وفي رواية ذكرها القسطلاني: (عنزة له) انتهى. قلت: يحتمل عود الضمير في (له) إلى النبيِّ الأعظم ﷺ ، ويحتمل عوده إلى بلال، ويدل للأول قوله: (فركزها)؛ أي: أدخلها في الأرض بأمر النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ لأجل الصلاة. (وخرج النبيُّ) الأعظم ﷺ أي: من قبته الحمراء (في حلة حمراء) : الجار والمجرور محله نصب على الحال، والحلة: ثوبان؛ إزار ورداء، وقيل: هي ثوبان من جنس واحد، سميا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يحل على الآخر، وقيل: أصل تسميتها بذلك إذا كان الثوبان جديدين كأحل طيتهما؛ فقيل لهما: حلة لهذا، ثم استمر عليها الاسم. وقال ابن الأثير: الحلة: واحدة الحلل؛ وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وقال غيره: والجمع: حلل وحلال، وحلله الحلة: ألبسه عليها. وفي رواية أبي داود: (وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري)، فقوله: (برود) جمع برد، مرفوع؛ لأنَّه صفة الـ (حلة)، وقوله: (يمانية) صفة لـ (برود)؛ أي: منسوبة إلى اليمن، وقوله: (قِطْري)؛ بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، والأصل: قَطَري؛ بفتح القاف والطاء؛ لأنَّه نسبة إلى قطر؛ بلد بين عمان وسيف البحر، ففي النسبة خففوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القطري: ضرب من البرود، وفيها حمرة، وقيل: ثياب حمر لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد، وتحمل من قبل البحرين، وإنما لم يقل: قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنَّه بكثرة

стр. 491

الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل. ووصف الحلة بثلاث صفات؛ الأولى: صفة الذات، وهي قوله: (حمراء)، والثانية: صفة الجنس، وهي قوله: (برود)، فبيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة: صفة النوع، وهي قوله: (قطري)؛ لأنَّ البرود اليمانية أنواع؛ نوع منها قطري بيَّنه بقوله: (قطري) انتهى. وزعم ابن حجر أنه إنَّما لبس النبيُّ ﵇ الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدو، ويجوز أن يلبس في الغزو بما لا يلبس في غيره. ورده إمام الشَّارحين فقال: (فيه نظر؛ لأنَّه ﷺ لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنَّه كان عقيب حجة الوداع، ولم يبق له غزو إذ ذاك، وكأنَّ هذا القائل نقل عن بعض الأئمة الحنفية أنه ذهب إلى عدم جواز لبس الثوب الأحمر، ثم لما أوردوا عليه ما روي في هذا الحديث؛ أجاب بما ذكرنا). قلت: لا النقل عنه صحيح، ولا هو مذهب الأئمة الحنفية، فلا يحتاج إلى الجواب المذكور؛ فافهم. (مُشمِّرًا) ثوبه؛ بضم الميم الأولى، وكسر الثانية، وهو بالنصب على الحال من النبيِّ ﷺ ، يقال: شمَّر إزاره تشميرًا: رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمَّر في أمره: خف؛ والمعنى: رفعها إلى أنصاف ساقيه، كما جاء في رواية مسلم: (كأني أنظر إلى بياض ساقيه)، كذا في «عمدة القاري». (صلى إلى العنزة) أي: مقابل العصا (بالناس) صلاته هذه (ركعتين) : وهي صلاة الظهر، وفي رواية مسلم: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة) (ورأيت الناس) أي: الأولاد ونحوهم (والدواب) أي: الخيل والحمير والإبل (يمرون بين يدي العنزة) وفي رواية أبي ذر: (من بين يدي العنزة)، وفي رواية: (يمر من ورائها الهراة)، وفي لفظ: (يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع)، ففيه استعمال المجاز، فإن العنزة لا يد لها، وفيه: جواز لبس الثوب الأحمر، وجواز الصلاة فيه، والباب معقود عليه، وفيه: جواز ضرب الخيام والقباب في الأسفار ونحوها، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وفيه: استحباب نصب علامة بين يدي المصلي في الصحراء، وفيه: جواز قصر الصلاة في السفر وهو الأفضل عند إمامنا الأعظم، وأصحابه، والجمهور، ويدل عليه أيضًا ما في رواية مسلم، وهو حجة على من زعم أن الإتمام أفضل، وفيه: جواز المرور وراء سترة المصلي، وفيه: جواز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير، والزهد في الدنيا، والحمرة أشهر الملونات، وأجمل الزينة في الدنيا. وزعم ابن بطال وفيه: طهارة الماء المستعمل، وهو حجة على الحنفية في قولهم: بنجاسته. ورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والعجن به غير أنه ليس بطهور، فلا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، وكونه نجسًا رواية ضعيفة عن الإمام الأعظم، وليس العمل عليها على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب؛ فينجس حكمًا، بخلاف فضل وضوء النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ فإنه طاهر من بدن طاهر، وهو طهور أيضًا، أطهر من كل طاهر وأطيب) انتهى. قلت: وإنما قال الإمام الأعظم في هذه الرواية بنجاسة المستعمل؛ لما قد شاهد من الناس أنه ينزل الماء من وجوه بعضهم أسود، وتارة ينزل من أيديهم أحمر، وتارة ينزل أصفر، فاستدل به على ارتكابهم شرب الخمر، وأكل الربا، وعدم بر الوالدين، وغير ذلك، وإن هذه الذنوب تذهب مع الماء المتوضأ به، والذنوب نجسة، فالماء المخلوط بها نجس، وهذا من بعض ولاية الإمام الأعظم ﵁؛ فإنه رئيس المجتهدين وسيدهم التابعي الجليل، ويكفيه شرفًا وولاية أن الحكام والسلاطين على مذهبه إلى يوم القيامة، وأن الأولياء العظام من أتباعه، لا سيما مالك بن أنس، والليث بن سعد، ومحمد بن الحسن؛ كلهم من أتباعه، ولا سيما محمد بن إدريس من أتباع محمد بن الحسن. وهذا الفضل لم يجتمع في غيره من الأئمة، فحقيق بأن يلقب بالإمام الأعظم، فإذا أطلق؛ لا يراد به غيره، وأن يلقب بإمام الأئمة؛ لأنَّه إمامهم وشيخهم، فهم عياله، كما قال محمد بن إدريس، وكل ما جاء بعده؛ فهو متصرف في مذهبه؛ لأنَّ الروايات عنه كثيرة، فما قال قولًا إلا قال به مجتهد، فله الرئاسة العظمى في العلم والاجتهاد رضي الله تعالى عنه، وحشرنا من بعض خدمهِ تحت لواء سيد المرسلين النبيِّ الأعظم ﷺ . (١٨) [باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب] هذا (باب) حكم (الصلاة في) : بمعنى (على)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ (١) فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (المنبر)؛ بكسر الميم، من نبرت الشيء؛ إذا رفعته، والقياس فيه فتح الميم؛ لأنَّ الكسر علامة الآلة، ولكنه سماعي (والسُّطوح)؛ بضم السين المهملة، جمع سطح البيت، (والخشب)؛ بفتحتين وبالضمتين أيضًا؛ يعني: يجوز، ولما كان فيه خلاف لبعض التابعين وللمالكية في المكان المرتفع لمن كان إمامًا؛ لم يصرح المؤلف بالجواز وعدمه، كذا في «عمدة القاري». قلت: والترجمة شاملة لمن كان في المكان المرتفع، وهو إمام والناس خلفه في المكان المتسفل، ولمن كان في المكان المرتفع وهو مقتدٍ والناس خلفه في المكان المتسفل، وشاملة أيضًا لمن كان في المكان المرتفع وخلفه بعض والبعض أسفل منهم، ولمن كان مقتديًا وحده والإمام والناس وحدهم، وكل ذلك جائز، لكن مع الكراهة؛ لأنَّ فيه التشبه بأهل الكتاب؛ حيث اختص الإمام وكذا المقتدي بمكان وحده، كما سيأتي بيانه. (قال أبو عبد الله) : هو المؤلف نفسه: (ولم ير) أي: يعتقد (الحسن) : هو البصري التابعي (بأسًا) أي: حرجًا ومنعًا (أن يُصلَّى)؛ أي: الشخص؛ بضم التحتية، وفتح اللام المشددة (على الجَمْد)؛ بفتح الجيم، وسكون الميم، آخره دال مهملة، قال السفاقسي: (الجمد؛ بفتح الجيم وضمها: مكان صلب مرتفع). وزعم ابن قرقول أن في رواية الأصيلي وأبي ذر: بفتح الميم، وقال ابن التين: بضمها، لكن قال القاضي عياض: الصواب سكونها؛ وهو الماء الجامد من شدة البرد، وفي «المحكم» : (الجمد: الثلج)، وفي «المثنى» لابن عديس: (الجَمد؛ بالفتح)، وقال أبو عبد الله موسى بن جعفر: (الجمَد؛ محرك الميم: الثلج الذي يسقط من السماء)، وقال غيره: الجَمد والجُمد؛ بالفتح والضم، والجُمُد بضمتين: ما ارتفع من الأرض، وفي «ديوان الأدب» للفارابي: (الجمد: ما جمد من الماء، وهو نقيض الذَّوب (٢)، وهو مصدر في الأصل)، وفي «الصحاح» : (الجمد؛ بالتحريك، جمع جامد؛ مثل: خادم وخدم، والجمْد والجمُد؛ مثل: عسْر وعسُر؛ مكان صلب مرتفع، والجمع أجماد وجماد؛ مثل: رمح وأرماح

стр. 492

ورماح)، كذا في «عمدة القاري». (والقناطر)؛ بفتح القاف، جمع قنطرة، وفي رواية الحمُّوي والمستملي: (والقناطير)، قال ابن سيده: (وهو ما ارتفع من البنيان)، وقال القزاز: (القنطرة معروفة عند العرب)، قال الجوهري: (وهي الجسر)، قال إمام الشَّارحين: (القنطرة: ما يبنى بالحجارة، والجسر يعمل من الخشب أو التراب) انتهى. قلت: وقد يطلق على كل منهما جسر، لكن الفرق هو الأظهر. (وإن) هذه تسمى وصلية؛ لأنَّها توصل حكم ما قبلها بما بعدها؛ فليحفظ (جرى تحتها بول) أو غيره من النجاسات، والضمير في قوله: (تحتها) يرجع إلى (القناطر) فقط، كذا زعمه الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: يجوز أن يرجع الضمير إلى (الجمد) أيضًا؛ لأنَّ الجمد في الأصل ماء، فبشدة البرد يجمد، وربما يكون ماء النهر يجمد فيصير كالحجر حتى تمشي عليه الناس، فلو صلى شخص عليه وكان تحته بول أو نحوه؛ لا يضر صلاته. فإن قلت: على هذا كيف يرجع الضمير في (تحتها) إلى الجمد وهو غير مؤنث؟ قلت: قد سبق أن الجوهري في «الصحاح» قال: إن الجمد جمع جامد، فإذا كان جمعًا؛ يجوز إعادة الضمير المؤنث إليه، وكذلك الضمير في قوله: (أو فوقها أو أمامها)؛ بفتح الهمزة، يجوز أن يرجع إلى (القناطر) بحسب الظاهر، وإلى (الجمد) بالاعتبار المذكور، والمراد من (أمامها) : قدامها، انتهى. وزعم ابن حجر الجمد: الماء إذا جمد، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي: (أنه صلى على الثلج). ورده إمام الشَّارحين فقال: (إن لم يقيد الثلج بكونه متجمدًا متلبدًا؛ لا تجوز الصلاة عليه، فلا يكون مناسبًا له، وقال في «المجتبى» : سجد على الثلج، أو الحشيش الكثير، أو القطن المحلوج؛ يجوز إن اعتمد حتى استقرت عليه جبهته، ووجد حجم الأرض، وإلا؛ فلا يجوز، وفي «فتاوى أبي حفص» : لا بأس أن يصلي على الجمد، والبر، والشعير، والتبن، والذرة، ولا يجوز على الأرز؛ لأنَّه لا يستمسك، ولا يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجد حجمه) انتهى. (إذا كان بينهما)؛ أي: بين القناطر والبول، أو بين المصلي والبول، وهذا القيد مختص بلفظ (أمامها) دون أخواتها، كذا قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (المصلي غير مذكور، إلا أن يقال قوله: أن يصلي يدل على المصلى) انتهى. (سترة) : والمراد بها: أن يكون المانع بينه وبين النجاسة إذا كانت قدامه ولم يعين حد ذلك، والظاهر أن المراد منه ألَّا يلاقي النجاسة سواء كانت قريبة منه أو بعيدة، كذا قاله إمام الشَّارحين، وزعم ابن حبيب من أصحاب مالك إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه؛ أعاد الصلاة، إلا أن تكون بعيدة جدًّا، وفي «المدونة» : (من صلى وأمامه جدار أو مرحاض؛ أجزأه) انتهى. ونص علمائنا الأعلام أن الصلاة في قرب النجاسة تجوز وتكره؛ لاحتمال أن يعود عليه منها شيء، كما تكره الصلاة في الحمام، والكنيف، والمقبرة، والمغتسل، والمزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، ونحوها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (وصلى أبو هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (على ظهر المسجد) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: (على سقف المسجد)، والمراد به: السطوح، ففيه المطابقة للترجمة (بصلاة الإمام) يعني: مقتديًا بالإمام، فيكون الإمام أسفل من المقتدي، وهو جائز، إلا أنه مكروه، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة قال: (صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل)، وصالح تكلم فيه غير واحد، ولكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة، فتقوَّى بذلك، فلأجل هذا ذكره البخاري بصيغة الجزم، وروى ابن أبي شيبة عن أبي عامر، عن سعيد بن مسلم قال: (رأيت سالم بن عبد الله يصلي فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ومعه رجل آخر-يعني: ويأتم بالإمام في رمضان- فقال: لا أعلم به بأسًا إلا أن يكون بين يدي الإمام). قلت: وهذا يدل على أن الإمام والمقتدين معه وهو في ظهر المسجد يقتدي بالإمامولا كراهة فيه، وإنما المكروه قيام الإمام على مكان مرتفع والمقتدون أسفل منه، أو قيامه على مكان متسفل والمقتدون خلفه مرتفعون عنه، فهذا مكروه في الصورتين إلا إذا كان مع الإمام واحد يقتدي به، فتنتفي الكراهة، وقد وَرَدَ في حديث ابن مسعود ﵁: (أنه ﵇ نهى أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه؛ يعني: أسفل منه)، كذا في «إمداد الفتاح»، فيكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر إلا إذا أراد التعليم لأفعال الصلاة، أو أراد المأموم التبليغ للقوم؛ فلا كراهة عندنا، وبه قال محمد بن إدريس، وإذا كره أن يعلو الإمام؛ فالمأموم أولى، وهو مذهبنا والشافعيِّ، وزعم ابن حزم أنه لا يجوز ذلك عند الإمام الأعظم ومالك، ورده إمام الشَّارحين، فقال: (ليس مذهب الإمام الأعظم هذا، وإنما مذهبه أنه يجوز، ولكنه يكره) انتهى. قلت: ولا عجب من ابن حزم، فإنه ينقل الأقوال التي لا أصل لها في المذهب، ويعتمد عليها في كتبه، وهو لا يدل إلا على عدم اطلاعه في المذاهب، وقال إمامنا شيخ الإسلام: إنَّما يكره إذا لم يكن عذر، أما إذا كان عذر؛ فلا كراهة، كما في الجمعة إذا كان القوم على الرفِّ وبعضهم على الأرض، والرفُّ؛ بتشديد الفاء شبه الطاق، وقال الحافظ الطحاوي: أنه لا يكره، وعليه أكثر مشايخنا الأعلام رحمهم الملك العلام. (وصلى ابن عمر) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (على الثلج)؛ بالمثلثة والجيم؛ يعني: وكان الثلج متلبدًا؛ لأنَّه إذا كان متجافيًا؛ لا تجوز الصلاة عليه، وليس لهذا الأثر مطابقة للترجمة إلا إذا شرطنا التلبد؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مُتحجرًا، فيشبه السطح أو الخشب، قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ. قلت: ووجهه ظاهر، فإن الثلج إذا لم يكن متلبدًا؛ يتسفل شيئًا فشيئًا، فلا تستقرُّ عليه الجبهة عند السجود، فاشتراط التلبد لا بد منه، فهذا الأثر فيه اختصار، ومع التلبد يكون متحجرًا، فيشبه السطح؛ لأنَّه عالٍ (١) على الأرض، فبهذا تحصل المطابقة. [حديث: ما بقي بالناس أعلم مني هو من أثل الغابة] ٣٧٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) : هو ابن المديني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عُيَيْنة؛ بضم المهملة، وفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية (قال: حدثنا أبو حازم) بالحاء المهملة، وبالزاي: هو مسلمة بن دينار (قال) أي: أبو حازم: (سألوا) أي: التابعون؛ لأنَّه حين السؤال لم يكن بالمدينة صحابة غير سهل المذكور؛ لقوله الآتي: (ما بقي بالناس أعلم مني)؛ بسكون العين المهملة: هو الساعدي، آخر من مات من الصحابة بالمدينة: (من أي شيء) أي: من أي عود (المِنْبر؟)؛ بكسر الميم، وسكون النون؛ أي: النبوي، فـ (اللام) فيه للعهد عن منبر النبيِّ الأعظم ﷺ ، وفي رواية أبي داود: (أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد أمتروا في المنبر، ممِّ عوده؟)؛ أي: وقد شكوا، واختلفوا في منبر النبيِّ الأعظم ﷺ من أي شيء كان عوده؟ كذا قاله إمام الشَّارحين، فليحفظ. (فقال) أي: سهل للسائلين:

стр. 493

(ما بقي بالناس) وفي رواية الكشميهني: (في الناس)، وفي رواية: (من الناس) (أعلم مني) أي: بذلك المنبر من أي شيء، وهذا لا ينافي وجود أحد من الصحابة في غير المدينة؛ كالكوفة والبصرة؛ لأنَّ مراده الناس التي بالمدينة، وقد يكون الذي في غيرها غير عالم بذلك؛ لكونه صغيرًا؛ فتأمل. (هو) : مبتدأ؛ أي: المنبر (من أَثْل الغابة) خبره، وفي رواية أبي داود: (من طرفاء الغابة)، و (الأَثْل)؛ بفتح الهمزة، وسكون المثلثة: شجر شبه الطَّرْفاء إلا أنه أعظم منه، قاله ابن سيده، وقال أبو زياد: الأثل: شجر طوال ليس له ورق يثبت، مستقيم الخشب، وخشبه جيد يحمل إلى القرى فيبنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق، وليس له شوك، يصنع منه القصاع، والأواني الصغار والكبار، والمكاتب، والأبواب، وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب للآنية، وأجود النضار الورس؛ لصفرته، ومنبره ﵇ نضار، وفي «الواعي» : الأثل: حمصة؛ مثل الأشنان، ولها حب؛ مثل حب التنوم، ولا ورق له، وإنما هي أشنانه، يغسل بها القصارون غير أنها ألين من الأشنان. وقال القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء، وليس به شوك وهو أجود منه عودًا، ومنه يصنع قداح الميسر والتَّنُّوْم -بفتح المثناة الفوقية، وضم النون المشددة، وبعد الواو الساكنة ميم-؛ وهو نوع من نبات الأرض، فيه وفي ثمره سواد قليل. و (الغابة)؛ بالغين المعجمة والموحدة: أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل النبيِّ الأعظم ﷺ مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه ﵇، وقال ياقوت: (بينها وبين المدينة أربعة أميال)، وقال البكري: (هما غابتان عليا وسفلى)، وقال الإمام الزمخشري: (الغابة: بريد من المدينة من طريق الشام)، وقال الواقدي: (ومنها صنع المنبر)، وفي «الجامع» : (كل شجر ملتف؛ فهو غابة)، وفي «المحكم» : (الغابة: الأجمة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة)، وقال الإمام: هي أجمة القصب، وقد جعلت جماعة الشجر غابًا، مأخوذ من الغيابة، والجمع: غابات وغاب. و (الطَّرْفاء)؛ بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء المهملة، ممدودة؛ شجر من شجر البادية، واحدها طَرفة؛ بفتح الطاء؛ مثل: قصبة وقصبًا، وقال سيبويه: (الطرفاء واحد وجمع)، كذا في «عمدة القاري». قلت: والطرفاء: شجر له ساق وورق صغير ناعم؛ مثل الصنوبر، قد رأيته في أرض المرج؛ الغوطة عند البحرة، والله أعلم. (عمله) أي: المنبر؛ يعني: صنعه ونجره (فلانٌ)؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف؛ لأنَّه كناية عن علم المذكر، بخلاف فلانة؛ فإنها كناية عن علم المؤنث، والمانع من صرفه وجود العلتين؛ وهما العلمية والتأنيث، كذا في «عمدة القاري». قال إمام الشَّارحين: (واختلفوا في اسم فلان الذي نجر منبره ﵇؛ ففي كتاب «الصحابة» لابن الأمين الطليطلي: أن اسم هذا النجار قبيصة المخزومي، ويقال: ميمون، وقيل: صلاح غلام العباس بن عبد المطلب، وقال ابن بشكوال: وقيل: هو ميناء، وقيل: إبراهيم، وقيل: باقوم؛ بالميم في آخره، وقال ابن الأثير: (عمله باقوم، وكان روميًّا غلامًا لسعيد بن العاص، مات في حياة النبيِّ ﷺ . وروى ابن سعد في «شرف المصطفى» من طريق ابن لهيعة عن سهل قال: (كان في المدينة نجار واحد يقال له: ميمون)؛ وذكر قصة المنبر، وقال ابن التين: (عمله غلام لسعد بن عبادة، وقيل: لامرأة من الأنصار)، وروى أبو داود عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ لما بدن؛ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك؟ قال: «بلى»، فاتخذ له منبرًا مرقاتين). وفي «طبقات ابن سعد» من حديث أبي هريرة قالوا: (كان النبيُّ الأعظم ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائمًا، فقال: «إن القيام شق علي»، فقال تميم الداري: ألا أعمل لك منبرًا كما رأيت بالشام؟ فشاور النبيُّ ﷺ المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلامًا يقال له: كلاب [مِنْ] أعمل الناس، فقال النبيُّ الأعظم ﷺ : «مره أن يعمله»، فعمله درجتين ومقعدًا، ثم جاء به فوضعه في موضعه) انتهى. قلت: وروى عبد الرزاق: أن اسم هذا النجار: باقول؛ باللام، والظاهر: أن الأقرب من هذه الأقوال أن اسم هذا النجار كلاب غلام للعباس بن عبد المطلب، كما يدل عليه حديث أبي هريرة، وكذا حديث ابن عمر، والظاهر: أنه هو اختيار إمام الشَّارحين، ويحتمل أن الأقرب أنه باقوم -بالميم- الرومي غلام سعيد بن العاص، كما قاله ابن الأثير، وكذا الغافقي، وزعم ابن حجر أن الأقرب أنه ميمون، كما قاله الصغاني. قلت: وهو ممنوع، فإنه لا دليل على أنه هو، وما روى ابن سعد من طريق ابن لهيعة لا يعتمد عليه؛ لشهرة ابن لهيعة بالضعف؛ لأنَّه كذوب، فلا يعول عليه، والأقرب أنه كلاب، كما دل عليه حديث أبي هريرة وابن عمر المروي؛ الأولى: عند ابن سعد، والثاني: عند أبي داود من طريق صحيح؛ فليحفظ. (مولى فلانةَ) : ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن علم المؤنث؛ وهي عائشة الأنصارية، كما قاله إمام الشَّارحين، وسيأتي بيانه، فيحتمل أنها زوجة العباس بن عبد المطلب، ويحتمل أنها زوجة سعيد بن العاص، فأطلق على النجار أنه مولًى لها، إما على الحقيقة، وإما على المجاز؛ فتأمل. قال إمام الشَّارحين: وفي «الدلائل» (١) لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء الرجال في الصحابة: علاثة؛ بالعين المهملة، وبالثاء المثلثة، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم، وقال فيه: أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل، قال أبو موسى: (صحف فيه جعفر أو شيخه، وإنما هي فلانة)، وقال الذهبي: (علاثة في حديث سهل: «أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا»، وإنما هي فلانة) انتهى. وقال الكرماني وتبعه البرماوي: قيل في فلانة: اسمها عائشة الأنصارية، وزعم ابن حجر أنَّه أظنُّه صحَّف المصحَّف. ورده إمام الشَّارحين فقال: (قلت: هذا الطبراني روى في «معجمه الأوسط» من حديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى سارية المسجد، ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا، وبه يستدل على أن فلانة هي عائشة المذكورة، ولا سيما قال قائله: (الأنصارية)، ولا يستبعد

стр. 494

هذا وإن كان إسناد الحديث ضعيفًا؛ فحينئذٍ أن المصحِّف من قال: علاثة، لا من قال: عائشة الأنصارية؛ فليحفظ. ثم قال: وجاء في رواية في «الصحيح» : (أرسل؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ إلى فلانة -سماها سهل-: «مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلمت الناس»، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت بها إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت ههنا). وعن جابر: أن امرأة قالت: (يا رسول الله؛ ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا...)؛ الحديث، وفي «الإكليل» للحاكم عن يزيد بن رومان: (كان المنبر ثلاث درجات، فزاد فيه معاوية لعله قال: جعله ستَّ درجات، وحوَّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذٍ، قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبيِّ الأعظم ﷺ إلى المكان الذي وضعه فيه، وفي «الطبقات» : (كان بينه وبين الحائط ممرَّ الشاة)، وفي «الإكليل» أيضًا من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس ﵁: (لما كثر الناس؛ قال النبيُّ الأعظم ﷺ : «ابنوا لي منبرًا»، فبنوا له عتبتين، وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر: (مرقاتين)؛ وهي تثنية مرقاة؛ وهي الدرجة. فإن قلت: في الصحيح ثلاث دَرَجٍ، فما التوفيق بينهما؟ قلت: الذي قال: (مرقاتين) : كأنه لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها، والذي روى ثلاثًا؛ اعتبرها، انتهى كلامه. قلت: وهو توفيق حسن بين الروايتين، والله أعلم. (لرسول الله) أي: لأجله ﷺ : ويحتمل أن القصة متعددة، وأن كل واحد من المذكورين قد عمل منبرًا وأنه ﵇ قد اختار لنفسه منهم واحدًا، ويحتمل أن الجميع اشتركوا في عمله، ويحتمل أن كل واحد عمل منبرًا على التعاقب، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم. (فقام) بالفاء، وفي رواية: (وقام)؛ بالواو، وفي رواية: (فرقى) (عليه) أي: على المنبر (رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه أعجبه (حين عُمِل)؛ بضم العين المهملة مبني للمجهول؛ أي: بعد أن فرغ من عمله وجيء به بين يديه (ووُضع)؛ بضم أوله مبني للمجهول أيضًا، في المكان الذي أراده ﵇، فبعد الوضع قام عليه (فاستقبل) ﵇ (القِبلة)؛ بكسر القاف؛ أي: توجه إليها، (كبر) بدون الواو؛ لأنَّه جواب عن سؤال، كأنه قيل: ما عمل بعد الاستقبال؟ قال: كبر، وفي بعض الأصول: (فكبر) بالفاء، وفي بعض النسخ: (وكبر) بالواو، كذا في «عمدة القاري». (وقام الناس) أي: الصحابة (خلفه)؛ أي: خلف النبيِّ الأعظم ﷺ ؛ أي: وراءه صفوفًا، فكبروا مقتدين به، (فقرأ) ﵇ ما تيسر له من القرآن، (وركع وركع الناس خلفه)؛ أي: متابعين له، (ثم رفع رأسه) أي: من الركوع، (ثم رجع القهقرى)؛ أي: رجع إلى ورائه. فإذا قلت: رجعت القهقرى؛ فكأنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ القهقرى ضرب من الرجوع، فيكون انتصابه على أنه مفعول مطلق، لكنه من غير لفظ؛ كما تقول: قعدت جلوسًا، كذا في «عمدة القاري». قلت: وإنما فعل ﵇ ذلك حتى يكون مستمرًّا على الاستقبال، ولئلَّا يولي ظهره القبلة؛ لأنَّه لو استدبر القبلة؛ لفسدت صلاته، فالاستدامة على استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إن لم يكن خائفًا، كما هو مقرر في الفروع. (فسجد على الأرض) وسجد الناس خلفه، (ثم عاد إلى المنبر) قائمًا، (ثم قرأ) ما تيسر له من القرآن، (ثم ركع) وركع الناس خلفه، وإنما لم يذكر ذلك؛ للعلم به مما قدمه، وهو معلوم أيضًا من المقام، (ثم رفع رأسه) من الركوع، (ثم رجع القهقرى) أي: رجع إلى ورائه (حتى سجد بالأرض) : والفرق بين قوله السابق: (على الأرض) وبين ما هنا من حيث إن في الأول لوحظ معنى الاستعلاء، وهنا لوحظ معنى الإلصاق، أفاده إمام الشَّارحين. (فهذا شأنه) ﵇؛ أي: في هذه الصلاة، أو معناه من حيث صلاته إمامًا واقتداء الناس به، أو نحو ذلك، قال إمام الشَّارحين: (ففي الحديث الدلالة على ما ترجم له؛ وهو جواز الصلاة على المنبر، وقد علل ﵇ صلاته عليه، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم؛ جاز، ولكنه مكروه إلا لحاجة كمثل هذا؛ فمستحب، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والليث بن سعد، وبه قال محمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وعن مالك بن أنس: المنع، وبه قال الأوزاعي، وعندنا: جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامة، وعن مالك: يجوز في الارتفاع اليسير، وهذا الحديث حجة عليه؛ فافهم. وزعم ابن حزم أن مذهبنا المنع، وهو باطل لا أصل له في المذهب، وما هو إلا من تعصُّبه وعدم اطلاعه. وفي الحديث: أن المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقال صاحب «المحيط» : المشي في الصلاة خطوة؛ لا يبطلها، وخطوتين أو أكثر؛ يبطلها، وعلى هذا؛ كان ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان لمصلحة؛ ينبغي ألَّا تفسد صلاته، ولا تكره أيضًا، كما في مسألة: من انفرد خلف الصف وحده؛ فإن له أن يجذب واحدًا من الصف الأول إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين، قاله إمام الشَّارحين. وزعم الخطابي فيه أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر ثلاث مراق (١)، ولعله إنَّما قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوتان، انتهى. قلت: وهذه الكيفية التي فعلها ﵇ في صلاته لا تفسدها؛ لأنَّ العمل الكثير المفسد للصلاة إنَّما يكون مفسدًا إذا كان في ركن واحد، أما إذا كان متفرقًا في أركانه؛ فلا يفسد، ولا يجمع، بل يعتبر كل فعل بمفرده، فقول صاحب «المحيط» السابق هذا الحديث يشهد له؛ لأنَّه ﵇ صعد في الركعة الثانية، ونزل في الركعة الأولى، ونزوله خطوة واحدة وهو ركن واحد، وصعوده خطوة واحدة وهو ركن واحد، وعلى كل حال؛ فلا فساد؛ فليحفظ. وما زعمه الخطابي يرده رواية أبي داود عن ابن عمر قال: (مرقاتين)، وفي «الإكليل» من حديث المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: (فبنوا له عتبتين)، وعلى هذا؛ فيكون قيامه

стр. 495

عليه السَّلام على الأولى منهما، فليس في نزوله وصعوده إلا خطوة واحدة؛ فافهم. وفي الحديث: استحباب اتخاذ المنبر، وكون الخطبة على شيء مرتفع؛ كمنبر ونحوه، وفيه: استحباب التدريس على شيء مرتفع؛ كالكرسي ونحوه؛ كما يفعله الأتراك في وعظهم، وفيه: تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، وأنه لا يقدح ذلك في صلاته، وليس هو من باب التشريك في العبادة، بل هو كرافع صوته بالتكبير؛ ليسمعهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفيه: أن العالم إذا انفرد بعلم شيء؛ يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه، وفيه جواز الصلاة على الخشب ونحوه، بل هو الأفضل عندنا؛ لأنَّه تستحب (١) الصلاة على الأرض أو على ما تنبته الأرض، وكرهه الحسن وابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، والحديث حجة عليهما، كما لا يخفى؛ فافهم. (قال) وللأصيلي: (وقال) (أبو عبد الله) هو البخاري نفسه: (قال علي بن عبد الله) وفي رواية أبي ذر: (قال علي ابن المديني) : هو الحجة شيخ المؤلف: (سألني أحمد ابن حنبل) : هو الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين، وزعم الشافعية أن أحمد ابن حنبل متصرِّف في مذهب الشافعي؛ لأنَّه ألف مذهبين؛ قديم وجديد، فأخذ أحمد بأحدهما وجعله مذهبًا له. قلت: وهذا كلام باطل، بل الإمام أحمد علمه مشهور، وهو حافظ السنة، وفقهه وورعه ظاهر مقبول، فانظر هذه الجرأة على مثل هذا الإمام وما هي إلا من قلة الأدب، ولا عجب؛ فإن دأبهم القدح في الأئمة الأعلام، ولا ريب أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب؛ كما أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وما مثلهم إلا كمثل الذباب الذي تحت ذنب جواد في سيره وكرِّه؛ فلا يعتريه نقص عن حاله، والله تعالى أعلم. (عن هذا الحديث)؛ أي: المذكور في هذا الباب (قال) وفي رواية: (فقال) (فإنما) وفي رواية ابن عساكر والأصيلي: (وإنما) (أردت أن النبيَّ) الأعظم ﷺ كان أعلى)؛ أي: أرفع (من الناس) : الذين خلفه في الصلاة؛ (فلا) ولابن عساكر: (ولا) (بأس)؛ أي: لا حرج ولا كراهة (أن يكون الإمام أعلى من الناس) حال الصلاة (بهذا الحديث)؛ أي: بدلالة هذا الحديث، وجوز العلوُّ بقدر درجات المنبر، وزعم بعض الشافعية لو كان الإمام على رأس منارة المسجد والمأموم في قعر بئره؛ صح الاقتداء. قلت: وهو مذهب الإمام الأعظم ﵁؛ لأنَّ الشرط تقدُّم الإمام على المأموم، سواء كان أعلى من الناس أو أسفل منهم، بشرط أن يكونوا في المسجد لا في الصحراء، كما هو مقرر في الفروع. (قال) أي: علي بن عبد الله المديني: (فقلت)؛ أي: لأحمد ابن حنبل، وفي رواية: (قال: قلت)؛ بدون الفاء: (إن سفيان) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: (فإن سفيان) (بن عُيَيْنة)؛ بضم العين المهملة، وفتح المثناة التحتية الأولى، وسكون الثانية (كان يُسأل)؛ بضم أوله على صيغة المجهول (عن هذا)؛ أي: الحديث المذكور (كثيرًا، فلم) أي: أفلم (تسمعه منه؟ قال: لا) فهو متضمن للاستفهام بدليل الجواب بكلمة (لا)، ثم إن المنفي هو جميع الحديث؛ لأنَّه صريح في ذلك، ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على ذلك: أن أحمد قد أخرج في «مسنده» عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل: (كان المنبر من أثل الغابة) فقط، كذا في «عمدة القاري». قلت: فهذا صريح في أن أحمد لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة، والله أعلم. [حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا] ٣٧٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) : هو الحافظ البغدادي المعروف بصاعقة (قال: حدثنا يزيد بن هارون) : هو الواسطي (قال: أخبرنا حميد) بضم الحاء المهملة (الطويل) : هو البصري، (عن أنس بن مالك) هو الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ سقط عن فرس)؛ بدون الضمير، وفي رواية: (عن فرسه)؛ بالضمير، فعلى الأولى؛ يحتمل أن الفرس عارية، وعلى الثانية؛ أن الفرس ملك النبيِّ الأعظم ﷺ ، وفي رواية أبي داود: (فصرع عنه)؛ ومعناه: سقط أيضًا، وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، (فجُحِشَت ساقه)؛ بضم الجيم، وكسر الحاء المهملة، وفتح الشين المعجمة، من الجحش، وهو جحش الجلد؛ وهو الخدش، يقال: جحشه يجحشه جحشًا: خدشه، وقيل: أن يصيبه شيء يجحش؛ كالخدش أو أكثر من ذلك، وقيل: الجحش فوق الخدش، وقد يكون ما أصابه ﵇ من ذلك السقوط مع الخدش رضٌّ في الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة، كذا قاله إمام الشَّارحين، (أو كتفه)؛ يعني: أو جحشت كتفه بالشك من الراوي، وفي رواية: بـ (الواو) الواصلة، وفي رواية الزهري عن أنس عند المؤلف: (فجحش شقه الأيمن)، وعند أحمد عن حميد عن أنس بسند صحيح: (انفكت قدمه)، كذا في «عمدة القاري». قلت: وعند الإسماعيلي من رواية بشر بن المفضل عن حميد: (انفكت قدمه)، كما عند أحمد، والفرق بين هذه الروايات ظاهر، وليس لأحدها شمول للأخرى، وزعم القسطلاني أن رواية المؤلف (فجحش شقه الأيمن) أشمل. قلت: وهو غير ظاهر، فإن معناه: الجنب؛ وهو الخاصرة، فلا يشمل الكتف ولا الساق، كما لا يخفى. (وآلى من نسائه شهرًا)؛ أي: حلف ألَّا يدخل عليهنَّ شهرًا، والإيلاء على وزن (إفعال)؛ هو الحلف، يقال: آلى يُولي، وتألَّى بالياء، والألية: اليمين، والجمع ألايا؛ كعطية وعطايا، وإنما عُدِّي آلى بكلمة (من) وهو لا يعدى إلا بكلمة (على)؛ لأنَّه ضمن فيه معنى البعد، ويجوز أن تكون (من) للتعليل مع أن الأصل فيه أن تكون للابتداء؛ أي: آلى من نسائه؛ أي: بسبب نسائه ومن أجلهنَّ، كذا قاله إمام الشَّارحين. ثم قال: (وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء؛ وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر وأكثر منها عند الإمام الأعظم، وعند مالك، والشافعي، وأحمد: لا بد من أكثر، والمولي: من لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء يلزمه، فإن وطئها في المدة؛ كفَّر؛ لأنَّه حنث في يمينه، وسقط الإيلاء، وإلا؛ بانت بتطليقة واحدة، وكان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية، فغير الشرع حكمه، ويأتي بيان حكمه في بابه إن شاء الله تعالى) انتهى كلامه (فجلس) ﵇ (في مَشْرَبة)؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وضمها؛ وهي الغرفة، ويقال: هي
следующие страницы →