وعلى كل حال؛ فلا دلالة في الحديث لما ترجم له المؤلف، وقد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة تدل على كراهة الصلاة في المقبرة، واستدلت بها جماعة على كراهة الصلاة فيها، لكن المؤلف لم يشر إليها ولم يحتج بها؛ لكونها ليست على شرطه، وهي ما روي عن أبي سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عبَّاس، وحذيفة، وأنس بن مالك، وأبي أمامة، وأبي ذر.
فروى الترمذي حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، ثم قال الترمذي: (وفي الباب: عن علي)، وذكر من ذكرناهم، ففيه كراهة الصلاة في المقبرة والحمام، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وتبعهم مالك والشافعي، يدل عليه عموم قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وبه قال الأوزاعي والثوري، وزعم أبو ثور أنَّه لا يُصلى في المقبرة والحمام، وزعم أهل الظاهر أنَّه تحرم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وقال أحمد: لا تصح الصلاة في المقبرة والحمام، وقد صلى الحسن البصري في المقبرة، وقد سبق بيانه.
وفي حديث الباب دليل على أنَّ من صلى في بيته جماعة؛ فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها، وقال إبراهيم النخعي: إذا صلى الرجل مع الرجل؛ فهما جماعة، ولهما التضعيف خمسًا وعشرين درجة، وقال أئمتنا الأعلام: الأفضل في غير الفرائض المنزل، وروي عن جماعة: أنَّهم كانوا لا يتطوعون في المسجد؛ منهم: حذيفة، والسائب بن يزيد، والربيع بن خيثم، وسويد بن غفلة، وروي: أنَّ أحمد، وإسحاق، وابن المديني اجتمعوا في دار أحمد، فسمعوا النداء، فقال أحدهم: اخرج بنا إلى المسجد، فقال أحمد: خروجنا إنَّما هو للجماعة، ونحن جماعة، فأقاموا الصلاة وصلوا في البيت، وروى ابن أبي شيبة بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا»، وروى أيضًا عن علي يرفعه: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا».
قلت: وهذا يؤيد القول بأنَّ الحديث ورد في صلاة الفريضة؛ ليقتدي به من لا يستطيع الخروج إلى المسجد؛ فافهم.
وروى الطحاوي من حديث سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده: أنه ﵇ صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ؛ رأى الناس يسبحون، فقال: «يا أيها الناس؛ إنَّما هذه الصلاة في البيوت»، وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا.
قلت: ومعنى (يسبحون)؛ أي: يصلون النافلة؛ بدليل قوله: (إنَّما هذه الصلاة).
وروى الحافظ الطحاوي أيضًا من حديث عبد الله من حديث عبد الله بن سعد قال: سألت النبيَّ ﷺ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد، فقال: «قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد؛ إلا أن تكون صلاة مكتوبة»، وأخرجه الطبراني أيضًا.
وقال الإمام المرغيناني في «الهداية» : (ويستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، والسنة فيها الجماعة على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها؛ كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض؛ فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة؛ لأنَّ أفراد الصحابة يُروى عنهم التخلف) انتهى.
وقد ترجم الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي (باب القيام في شهر رمضان) : هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام؟ وروى حديث أبي ذر قال: صُمت مع النبيِّ ﷺ ... ؛ الحديث، وفيه: (أنَّ القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة)، وذهب جماعة من أصحاب الإمام الأعظم-وهم: عيسى بن أبان، وبكار بن قتيبة، وأحمد بن أبي عمران، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك-: إلى أنَّ القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، استدلالًا بهذه الأحاديث، وتبعهم أحمد، وإسحاق، والمزني، وابن الحكم من أصحاب الشافعي، وهو المروي عن جابر، وعلي، وعبد الله، وابن سيرين، وطاووس، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وخالفهم في ذلك مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وربيعة، وإبراهيم، والحسن، وعلقمة، فقالوا: صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وبه قال سالم والقاسم، وروي عن ابن عمر، ولكن الأحاديث تدل للأول، وهي حجة عليهم؛ فافهم، وتمامه في «عمدة القاري» اللهم؛ فرج عني ما أهمني برحمتك يا باري.
(٥٣) [باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب]
هذا (باب) حكم (الصلاة) : فرضها، وواجبها، ونفلها (في مواضع)؛ بالجمع، وللأصيلي: (في موضع)؛ بالإفراد (الخَسف)؛ بفتح الخاء المعجمة؛ أي: في الأمكنة التي خسفت بأهلها من الأمم السابقة (والعذابِ)؛ بالجر عطفًا على ما قبله، من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ الخسف من أفراد العذاب، والخسف للمكان: ذهابه في الأرض؛ والمعنى: وباب حكم الصلاة في مواضع نزل عليها العذاب.
يقال: خَسَف المكان يَخْسف خسفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسفًا؛ أي: غاب به فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، وخُسُوف العين: ذهابها في الرأس، وخُسُوف القمر: كسوفه، وخسف هو في الأرض، وخسف به.
وتقديرنا لفظ (حكم) تبعًا لإمام الشَّارحين أولى من تقدير (جواز) كما فعل العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعم، وعادة المؤلف إطلاق الترجمة حتى تشمل الجواز وعدمه وإن كان المراد منها جواز الصلاة في هذه الأمكنة على خلاف فيه، سيأتي، ولكن بقي الإبهام في الكراهة وعدمها؛ لأنَّ المؤلف كعادته لم يبين ذلك، ولكن تصديره بأَثَرِ عَليٍّ يدل أنَّ الصلاة في هذه الأمكنة مكروهة، كما سيأتي.
والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأنَّ كلًّا منهما في بيان كراهة الصلاة، والأول في المقابر، وهذا في موضع العذاب؛ فافهم.
(ويُذكر) : بضمِّ التحتية أوله، تعليق بصيغة التمريض، ومطابقته للترجمة ظاهرة، وهو يدل على أنَّ مراده من عقد الباب
стр. 597
الإشارة إلى أنَّ الصلاة في مواضع الخسف مكروهة؛ لأنَّه قال: (أن عليًّا) : هو الصديق الأصغر ابن أبي طالب ﵁ (كره الصلاة) : فرضها، وواجبها، ونفلها (بخسف بابل) : اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، قاله الجوهري، وقال البكري: (بابل بالعراق؛ مدينة السحر معروفة)، وقال الأخفش: (ممنوعة من الصرف؛ للعَلَمِيَّة والتأنيث)، قال إمام الشَّارحين: (وذلك أنَّ اسم كل شيء مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف؛ فإنَّه لا ينصرف في المعرفة)، قال: وربما سموا العراق: بابلًا، قال عمر بن أبي ربيعة -وأتى البصرة فضافه ابن هلال المعروف بصديق الجن-:
يا أهل بابل ما نَفَست عليكم... من عيشكم إلا ثلاث خِلال
ماء الفرات وظل عَيْش بارد... وغِنَى مسمعتين لابن هلال
وذكر الطبري: (أنَّ بابل: اسم قرية، أو موضع من مواضع الأرض، واختُلف فيها؛ فقال السدي: هي بابل دنياوند، وقيل: بالعراق، وورد في ذلك حديث مروي عن عائشة، وإنَّما سميت ببابل؛ لأنَّه بات الناس ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنتين وسبعين لسانًا، كُلٌ يبلبل بلسانه، فسمي الموضع: بابلًا) انتهى.
قلت: والمشهور أنَّ أرض بابل من مدينة حلب وما وراءها؛ كمرعش، وديار بكر، وغيرهما؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة: عن وكيع: حدثنا سفيان: حدثنا عبد الله بن شريك عن عبد الله بن أبي المُحِلِّ العامري قال: «كنا مع علي ﵁، فمررنا على الخسف الذي ببابل، فلم يُصلِّ حتى أجازه»؛ أي: تعداه، والمُحِلُّ بضمِّ الميم، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام) انتهى.
قلت: وقد رواه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن علي قال: (ما كنت لأصلي في أرض خَسَف الله بها ثلاث مرار)، قاله ابن حجر، ثم قال: (والظاهر أنَّ قوله: «ثلاث مرار» ليس متعلقًا بالخسف؛ لأنَّه ليس فيه إلا خسف واحد، وإنَّما أراد الرواي: أنَّ عليًّا قال ذلك ثلاثًا) انتهى.
قلت: وفيه نظر، بل الظاهر أنَّ قوله: (ثلاث مرار)، متعلق بالخسف؛ يعني: أنَّ الخسف وقع لهذه الأرض ثلاث مرار؛ بأن خسف بها أولًا، ثم أعيدت، ثم خسف بها ثانيًا، ثم أعيدت، ثم ثالثًا، ولا مانع من ذلك؛ لأنَّ القدرة صالحة، وفيه تنبيه إلى مبدأ الإنسان ومعاده ومبعثه، فقوله: (لأنَّه ليس فيه إلا خسف واحد)؛ ممنوع؛ لأنَّها دعوى بلا دليل، وهي غير مقبولة.
وقوله: (وإنَّما الراوي...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لكان يقال: (ثلاثًا) بدون تصريح بقوله: (مرار) الدالة على تكرار وقوع الخسف، فصريح قوله: (ثلاث مرار) يدل لما قلناه؛ فليُحفظ.
قال إمام الشَّارحين: (وروى أبو داود في «سننه» من حديث حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري، عن علي ﵁: «أنَّه مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر، فلما برز منها؛ أتى المؤذن فأقام، فلما فرغ من الصلاة؛ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنَّها ملعونة»، قال ابن يونس: «أبو صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن روى عن علي، وما أظنه سمع منه»، وقال ابن القطان: «في سنده رجال لا يُعرفون»، وقال عبد الحق: «حديث واه»، وقال البيهقي: «إسناده غير قوي») انتهى.
قلت: وحاصله أنَّه ضعيف، وزعم ابن حجر أنَّ اللائق بتعليق المؤلف ما رواه ابن أبي شيبة، انتهى.
ورده العجلوني فقال: (ما رواه أبو داود وابن أبي شيبة كلاهما لائق به، وما رواه أبو داود أليق؛ لأنَّ المؤلف أورده بصيغة التمريض؛ فتأمل) انتهى.
قلت: تأملته؛ فرأيته في غاية من الحسن، بل قلت: إنَّ ما رواه أبو داود هو اللائق قطعًا بتعليق المؤلف؛ لأنَّه قد صرح به: بأنَّها ملعونة؛ يعني: لم ينزل عليها من الرحمات شيء، وقول المؤلف: (ويذكر) صيغة تمريض تدل على ضعف إسناد الحديث، وقد صرَّح الأئمة بضعفه، كما علمت؛ فافهم.
والمراد بالخسف: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ...﴾؛ الآية [النحل: ٢٦]، قال الإمام النسفي: (إنَّ هذا البناء كان لبختنصر)، وقال ابن عبَّاس وزيد بن أسلم: (هو صرح نمرود بن كنعان)، قال ابن عبَّاس: (كان طوله في السماء خمسة آلاف ذراع)، وقال كعب: (كان طوله في السماء فرسخين)، وبه قال مقاتل، انتهى.
وقال أهل الأخبار: إنَّ المراد بذلك ما بناه نمرود بن كنعان؛ فإنَّه بنى ببابل بنيانًا عظيمًا يقال له: المجدل؛ أي: القصر، انتهى.
قال النسفي: (قال مقاتل: فهبت ريح فألقت رأسها في البحر، وخَرَّ عليهم الباقي من فوقهم، وذلك لأنَّهم كانوا يترصدون (١) خبر السماء، فأهب الله الريح، فخرَّ عليه وعلى قومه فهلكوا).
قال الخطابي: (لا أعلم أحدًا من العلماء حَرَّم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا»، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون نهاه أن يتخذها وطنًا ومقامًا، فإذا أقام بها؛ كانت صلاته بها، وهذا من باب التعليق في علم البيان) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (قلت: أراد بها الملازمة الشرعية؛ لأنَّ من لَازِمِ إقامة الشخص بمكان أن تكون صلاته فيه، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وإنَّما قيدنا الملازمة بالشرعية؛ لانتفاء الملازمة العقلية) انتهى كلامه، وقد اختصر عبارته العجلوني ونسبها لنفسه؛ فليتنبه.
وقال الخطابي أيضًا: (لعل النهي لعلي خاصة، ألا ترى أنَّه قال: «نهاني»، ولعل ذلك إنذار منه ما لقي من المحنة بالكوفة) انتهى.
قلت: دعواه الخصوصية تحتاج إلى دليل، وقوله: (نهاني) لا يدل عليها؛ لأنَّه ﵇ قال ذلك له عند إرادته السفر، فهو توصية له بذلك، وهي على العموم، ولهذا ترجم المؤلف بـ (باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب)، ولم يجعل ذلك خاصًّا بعلي؛ فافهم.
على أنَّ الظاهر: أنَّه نهاه أن يتخذها وطنًا؛ لأنَّه إذا أقام بها كانت صلاته بها؛ فتأمل.
وقال إمام الشَّارحين: (وقد وردت أحاديث فيها النهي عن الصلاة في مواضع؛ منها: حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن
стр. 598
يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله»، رواه الترمذي وابن ماجه، قال القرطبي: «وإسناده ليس بقوي؛ لأنَّه فيه: زيد بن جبيرة، وقد تكلم فيه من قِبِل حفظه».
وقال ابن العربي: المواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة عشر موضعًا، فذكر السبعة المذكورة، وزاد: الصلاة إلى المقبرة، وكذا الصلاة وأمامك جدار مرحاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبِيْعة، وفي قبلتك تماثيل، وفي دار العذاب.
وزاد بعضهم: الصلاة في الأرض المغصوبة، وإلى النائم، والمتحدث، والصلاة في بطن الوادي، والصلاة في بطن الضراوي، فصارت الجملة ثمانية عشر، فنقول:
أمَّا المزبلة؛ فهي المكان الذي يلقى فيه الزبل؛ وهو السرجين، وفيها لغتان؛ فتح الموحدة وضمها، والصلاة فيها، فإن كانت فيها نجاسة؛ فلا تصح عليها بدون حائل، وإن فرش عليها حائلًا (١) بينه وبينها وصلى؛ فصلاته مكروهة تحريمًا، وإن لم يعلم فيها نجاسة أم لا وصلَّى فيها بحائل؛ فصلاته مكروهة تنزيهًا.
وأمَّا المجزَرة؛ فهي -بفتح الزاي-: المكان الذي ينحر فيه الإبل، ويذبح فيه البقر والغنم، وهي أيضًا محل الدماء والأرواث، فصلاته فيها على التفصيل في المزبلة، وهذا مذهب الإمام الأعظم، ومالك، وغيرهما، وقال أحمد: الصلاة فيهما لا تصح.
وأمَّا المقبرة؛ فقدمنا الكلام فيها.
وأمَّا قارعة الطريق؛ فلما فيها من شغل الخاطر بمرور الناس ولفظهم، ويلحق بها صلاته في دكانه، فإنَّه مكروه لذلك.
وأمَّا الحمام؛ فالصلاة فيه مكروهة عند الجمهور، وفصَّل أئمتنا الأعلام، فقالوا (٢) : إن صلى في داخله بأن غسل موضعًا وصلى فيه؛ فصلاته مكروهة، وإلا؛ فلا، وإن صلى في خارجه عند محل خلع الثياب؛ فلا بأس بذلك، وقال أحمد: لا تصح الصلاة في الحمام، ومن صلى؛ أعاد، والعلة في الكراهة الغُسَالات، وقيل: لأنَّها مأوى الشياطين، فعلى الأول؛ إن صلى في مكان طاهر فيها؛ لا تكره تحريمًا، بل تنزيهًا، وعلى الثاني؛ تكره الصلاة فيه، سواء كان في داخله أو خارجه، ويلزم منه أن تكره الصلاة في غير الحمام أيضًا؛ لعدم خلوِّ الأمكنة من الشياطين.
قلت: وقد يقال: إنَّ الشياطين في الحمام أكثر من غيره.
وأمَّا معاطن الإبل؛ فقد سبق الكلام عليه.
وأمَّا الصلاة فوق ظهر بيت الله؛ ففيه تفصيل، قال في «نور الإيضاح» : (صح فرض ونفل فيها؛ لقوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ...﴾؛ الآية [البقرة: ١٢٥]، ولحديث بلال: «أنَّه ﵇ دخل البيت وصلى فيه»، وصح فرض ونفل فوقها وإن لم يتخذ سترة، لكنه مكروه؛ لإساءة الأدب باستعلائه عليها، ومن جعل ظهره إلى غير وجه إمامه فيها أو فوقها؛ صح اقتداؤه، إلا أنَّه يكره إذا قابل وجهه وجه إمامه، وإن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لا يصح، وصح الاقتداء خارجها بإمام فيها والباب مفتوح، وإن تحلقوا حولها والإمام خارجها؛ صح، إلا أنَّه لا يصح صلاة من كان أقرب إليها من جهة إمامه) انتهى بزيادة من الشرح.
وقال أحمد: لا تصح الصلاة فوقها، وفي «شرح الترمذي» : (لم يصح فيه حديث).
وأمَّا الصلاة إلى جدار مرحاض؛ فلما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن عمر قال: (لا يصلى إلى الحش)، وعن علي: (لا يصلى تجاه الحش)، وعن إبراهيم: (كانوا يكرهون ثلاثة أبيات القبلة)، وذكر منها: الحش، وهو حجة على الشافعي؛ حيث قال: لا تكره الصلاة وبين يديه جيفة، وحكى الطبري: أنَّه يكره استقبال الجدار النجس في الصلاة، وقال ابن حبيب المالكي: من تعمَّد الصلاة إلى نجاسة؛ بطلت صلاته، إلا أن يكون بعيدًا جدًّا، ونص علماؤنا الأعلام: على أنَّه تكره الصلاة قريبًا من نجاسة.
وأمَّا الصلاة في الكنيسة والبَيعة؛ فكرهها الحسن البصري، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» : أنَّ ابن عبَّاس كره الصلاة في الكنيسة إذا كانت فيها تصاوير، ولم يَرَ الشَّعبي وعطاء بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسًا، وكذلك ابن سيرين، وقال الإمام الأعظم: تُكره الصلاة في الكنيسة والبيعة، وإن تكرر منه الدخول إليهما؛ يعذر بما يليق به، كما صرح به في «البحر».
وأمَّا الصلاة إلى قبلة فيها تماثيل؛ فهي مكروهة كما قدمناه.
وأمَّا الصلاة في دار العذاب؛ فلما تقدم من تعليق المؤلف عن علي.
وأمَّا الصلاة في الأرض المغصوبة؛ فلما فيه من استعمال حق الغير بغير إذنه، وهو حرام، فتحرُم الصلاة فيها، ولا ثواب له، فإن كانت لكافر؛ لا يصلي فيها، ويصلي في الطريق، وإن كانت لمسلم؛ صلى فيها؛ لأنَّ المسلم يعفو عن المسلم.
وأمَّا الصلاة إلى النائم والمتحدث؛ فلما روى ابن عبَّاس النهي عن ذلك، رواه أبو داود وابن ماجه؛ لأنَّه يشغل البال، ويُخلُّ بالخشوع، وربما تفسد صلاته من ظهور شيء من النائم والمتحدث؛ فافهم.
وأمَّا الصلاة في بطن الوادي؛ فهو خوف السيل السالب للخشوع.
وأمَّا الصلاة في مسجد الضِرار؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقال ابن حزم: (لا تصح الصلاة فيه؛ لأنَّه ليس موضع صلاة)، وقال: (لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله، أو رسوله، أو بشيء من الدين، أو في مكان يُكفر فيه بشيء، فإن لم يمكنه الخروج وصلى؛ جازت صلاته) انتهى.
قلت: ولا فرق في ذلك بينها وبين الكنيسة والبيعة، فإنَّ فيهما يكفر بالله ورسوله؛ فلا وجه؛ لعدم صحة صلاته، بل صلاته فيه صحيحة مع الكراهة؛ فافهم ذلك، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في آخر الباب.
[حديث: لا تدخلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكين]
٤٣٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسماعيل) : هو ابن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، وتكلم فيه كأبيه، لكن أثنى عليه أحمد ابن حنبل وابن معين (قال: حدثني)؛ بالإفراد خالي (مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن عبد الله بن دِينار)؛ بكسر أوله: هو المدني، (عن عبد الله بن عمر) : هو ابن الخطاب القرشي العدوي المدني: (أنَّ رسول الله ﷺ ؛ بفتح الهمزة، وجملة: (قال) : محلها رفع خبر (أنَّ)؛ أي: لأصحابه حين مروا بالحجر وديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك: (لا تَدخُلوا) بفتح الفوقية، وضم الخاء المعجمة (على هؤلاء المعذَّبين)؛ بفتح الذال المعجمة؛ يعني: ديار هؤلاء وهم
стр. 599
أصحاب الحِجْر قوم ثمود، وهؤلاء قوم صالح ﵇، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ...﴾ الآية [الحجر: ٨٠]، و (الحِجْر)؛ بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: يطلق على معان؛ منها: الكعبة، ومنها: الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]؛ أي: حرامًا محرمًا، ومنها: العقل؛ لقوله تعالى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]، والحجر: حجر القميص، ومنها: القوس الأنثى، ومنها: ديار ثمود -وهو المراد ههنا-: وهي ما بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي فيه ثمود، قاله قتادة، وقال الطبري: (هي أرض بين الحجاز والشام، وهم قوم صالح)، وقال الزهري: هو اسم مدينتهم، وإنَّما قال: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ -وهو صالح وحده- إشعارًا بأنَّ من كذب نبيًّا؛ فقد كذب الأنبياء؛ لأنَّهم على دين واحد في الأصول، فلا يجوز التفريق بينهم، وقيل: كذَّبوا صالحًا ومن تقدمه من النبيين، وروى المؤلف في (المغازي) عن ابن عمر: (أنَّ النبي الأعظم ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك؛ أمرهم ألَّا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنَّا واستقينا، فأمرهم أن يهريقوا الماء، وأن يطرحوا العجين)، وروى أيضًا في (التفسير) عن ابن عمر: (أنَّ الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر في أرض ثمود، فاستقَوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم أن يهريقوا ما استقَوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تَرِدُها الناقة)، وروى أيضًا في (الأنبياء) عن ابن عمر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر، فقال لنا رسول الله: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم...»؛ الحديث، قال المهلب: إنَّما قال ﵇: «لا تدخلوا» من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط والغضب، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] في مقام التوبيخ على السكون فيها، وقد تشاءم ﵇ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها ثم صلى، فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى.
ثم استثنى من ذلك، فقال: (إلا أن تكونوا باكين) حقيقة، أو متباكين حالًا أو مآلًا في ذلك المكان من شدة الخوف، فأباح الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار خوفًا من حلول مثل ذلك بكم، وهذا يدل على أنَّ من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأنَّ الصلاة موضع البكاء والاعتبار، وزعمت الظاهرية أنَّ من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك؛ فعليه سجود السهو إن كان ساهيًا، وإن تعمد ذلك؛ بطلت صلاته، قال الشَّارح: (وهو خُلفٌ من القول؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على فساد صلاة من لم يبكِ، وإنَّما فيه خوف نزول العذاب به) انتهى.
وزعم ابن حجر: ليس المراد الاقتصار في البكاء على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأمَّا الاستغراق؛ فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية، وسيأتي أنَّه ﵇ لم ينزل فيه ألبتة، انتهى.
قلت: وهذا كلام فيه نظر، وبُعدٌ عن الظاهر؛ لأنَّ ظاهر الحديث يدل على إباحة دخولهم إذا كانوا باكين مطلقًا، سواء كانوا حقيقة أو متباكين في حال دخولهم أو في انتهائه، والمراد به الخوف والاعتبار، وهو يحصل بدون بكاء، فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم له، فلا يلزم البكاء دائمًا كما زعمه، بل يلزم دوام الخوف والاعتبار مع البكاء في جزء من الدخول، سواء كان في الابتداء أو في الانتهاء، والبكاء لا يلزم أن يكون حقيقة، بل يجوز أن يكون حكمًا وهو المتباكي، وقوله: (وسيأتي...) إلخ: ممنوع، فإنَّا قدمنا عن المؤلف: أنَّه ﵇ نزل على الحجر... ؛ الحديث، وقد رواه المؤلف من طرق متعددة في أبواب متفرقة، وهو صريح في أنه نزل فيه ألبتة؛ فافهم، والله أعلم.
(فإن لم تكونوا باكين)؛ أي: حالًا أو مآلًا في ذلك المكان من شدة الخوف حقيقة، ولا متباكين ولا خائفين معتبرين، أمرهم بالتفكر في أحوالهم؛ (فلا تدخلوا عليهم)؛ أي: لا تدخلوا ديارهم، قال الخطابي: معنى الحديث: أنَّ الداخل في ديار القوم الذين أهلكوا بالعذاب إذا دخلها ولم يجلب ما يرى من آثار ما نزل بهم بكاءً، ولم يبعث حزنًا، إمَّا شفقة عليهم، وإمَّا خوفًا من حلول مثلها به؛ فهو قاسي القلب، قليل الخشوع، غير مستشعر للخوف والوجل، فلا يأمن إذا كان حاله هكذا أن يصيبه ما أصابهم، وهذا معنى قوله: (لا يصيبُكم)، وللمؤلف في (الأنبياء) : (أَن يصيبكم)؛ بفتح الهمزة، وفيه إضمار؛ تقديره: حذرًا أن يصيبكم، أو خشية أن يصيبكم (ما أصابهم)؛ أي: من العذاب، و (يصيبُكم) بالرفع؛ على أن (لا) نافية؛ لأنَّه استئناف كلام، وفسَّره ابن حجر؛ أي: لئلا يصيبكم، وردَّه إمامنا الشَّارح فقال: (الجملة الاستئنافية لا تكون تعليلًا)؛ فافهم، ثم قال ابن حجر: (ويجوز الجزم على أن «لا» ناهية، وهو أوجه)، واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا مبنيٌّ على صحة الرواية بذلك، وقوله: «وهو أوجه» غير موجَّه؛ فإنَّه لم يبين وجهه) انتهى.
قلت: والظاهر من كلام ابن حجر أنه تفسير إعراب، ولم أر أحدًا من الشراح ذكر الرواية في ذلك، والظاهر: أنَّه بالرفع لا غير؛ لأنَّه استئناف كلام؛ فافهم.
وقال الكرماني: (فإن قلت: كيف يصيب عذاب الظالمين لغيرهم وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]؟)
قلت: لا نسلِّم الإصابة إلى غير الظالمين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وأمَّا الآية الأولى؛ فمحمولة على عذاب يوم القيامة، ولا نسلِّم أنَّ الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم؛ لأنَّ ترك التضرع فيما يجب التضرع فيه ظلمٌ، انتهى.
قلت: يعني: فيُطلب في حقه الخوف والاعتبار؛ لأنَّه تعالى مقلِّب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، ولا (١) يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
قال الكرماني: (فإن قلت: كيف دلالة الحديث على الترجمة؟ قلت: من جهة استلزامه مصاحبة الصلاة بأسرِها للبكاء، وهي مكروهة، بل لو ظهر من البكاء حرفان أو حرف مفهم، أو ممدود؛ تبطل صلاته) انتهى.
قلت: لا يلزم مصاحبة الصلاة بأسرها للبكاء؛ لأنَّ المراد بالحديث: الخوف والاعتبار، وهو يحصل بدون البكاء، ويلزم مصاحبة البكاء في جزء من الدخول، ولا يلزم في الصلاة البكاء؛ لأنَّ الصلاة محلٌّ للبكاء والخشوع؛ ولهذا قال ابن بطال: (والحديث يدلُّ على إباحة الصلاة هناك؛ لأنَّ الصلاة موضع بكاء وتضرع) انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ فلا مطابقة للحديث على الترجمة، لكن قال إمام الشَّارحين: (هذا الحديث مطابق لأثر عليٍّ من حيث عدم النزول من النبي الأعظم ﷺ لما مرَّ بالحجر ديار ثمود في حالة توجهه
стр. 600
إلى تبوك، وأثر عليٍّ كذلك من حيث إنَّه لم ينزل لما أتى خسف بابل، فأثر عليٍّ مطابق للترجمة على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك حديث ابن عمر مطابق للترجمة؛ لأنَّ المطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء، وعدم نزولهما فيهما يستلزم عدم الصلاة فيهما، وعدم الصلاة لأجل الكراهة، والباب معقود لبيان الكراهة، فحصلت المطابقة) انتهى.
ثم قال: وفي الحديث دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكَن بعدهم، ولا تتخذ وطنًا؛ لأنَّ المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيًا أبدًا، وقد نُهي أن تُدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وروى الحاكم في «الإكليل» بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: (رأيت رجلًا جاء بخاتم وجده بالحِجر في بيوت المعذَّبين، فأعرض عنه النبي الأعظم ﷺ ، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: «ألقِه»، فألقاه)، وقدمنا أن عند المؤلف في (المغازي) و (التفسير) و (الأنبياء) : أنَّه ﵇ نهى أن يُستقى من مياههم... ؛ إلى آخر ما قدمنا.
وفي الحديث: المنع من المقام بدورهم والاستيطان بها، وفيه: الإسراع عند المرور بديار المعذبين؛ كما فعل ﵇ في وادي محسر؛ لأنَّ أصحاب الفيل هلكوا هناك؛ ولهذا قنَّع النبي الأعظم ﷺ رأسه لما مرَّ بديار المعذبين، وقد أسرع السير حتى جاز المدينة ولم يصلِّ هناك، وكذلك عليٌّ وضع على رأسه حين مرَّ بابل، وفيه: أمرهم بالبكاء؛ لأنَّه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك، وقال ابن الجوزي: (التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل هذا المقام ثلاثة أقسام:
أحدها: تفكر يتعلق بالله تعالى إذ قضى على أولئك بالكفر.
الثاني: يتعلق بأولئك القوم إذ بارزوا ربهم (١) بالكفر والعناد.
الثالث: يتعلق بالمارِّ عليهم؛ لأنَّه وفق للإيمان، وتمكن من الاستدراك والمسامحة في الزلل) انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ ينبغي أيضًا الإسراع عند المرور بمقابر الكفار اليهود والنصارى؛ لأنَّهم معذبين تنزل عليهم اللعنة والغضب؛ خوفًا من أن يصيبه منه شيء.
وفي الحديث: دلالة على كراهة الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، والباب معقود عليه، وفيه: دلالة على كراهة الدخول في تلك المواضع، سواء كانت موضع مقام الكفار أو موضع خسف أو عذاب، وأمر ﵇ بهرق ما استقوا من بئر ثمود، وإلقاء ما عجن وخبز به؛ لأجل أنَّه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به؛ فرارًا من سخط الله تعالى، وقال: «اعلفوه الإبل»، فالوضوء به مكروه.
وأمره ﵇ أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم، وخَفِيت آثارهم؛ كما أنَّ في الأول دليلًا (٢) على بغض أهل الفساد، وذمِّ ديارهم وآثارهم، هذا وإن كان التحقيق أنَّ الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمبغوض مبغوض.
وقال الإمام أحمد ابن حنبل: (ولا تصحُّ الصلاة في بقعة مغصوبة، ومقبرة، وحمام، وحشٍّ، وأعطان إبل، ومجزرة وإن كانت طاهرة، ولا في قارعة الطريق، ولا بأسطحتها، ولا في الكعبة)، قال ابن العربي: (فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»؛ فلا يجوز التيمُّم بترابها، ولا الوضوء بمائها، ولا الصلاة فيها؛ لحديث ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أن يُصلَّى في سبع مواطن...»؛ الحديث، رواه الترمذي)، وقال مالك في «المجموعة» : (لا يصلَّى في أعطان الإبل وإن فرش ثوبًا، ولا على بساط فيه تماثيل، ولا في الدَّار المغصوبة، وذكر بعضهم: أنَّه كره مالك الصلاة في الدار المغصوبة)، قال القرطبي: (والصحيح الذي يدلُّ عليه الخبر والنظر: أنَّ الصلاة بكل موضع طاهر صحيحةٌ جائزة، وما روي من قوله ﵇: «إنَّ هذا وادٍ به شيطان»، وقول عليٍّ: «نهاني رسول الله أن أصلي [بأرض] بابل»، وقوله: حين مر بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المُعذَّبين»)؛ فإنَّه مردود إلى الأصول المجمع عليها، وما روي من النهي عن الصلاة في تلك المواضع؛ كله منسوخ ومدفوع بقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فإنَّه قال: «أُعطيت خمسًا لم يؤتهن أحد قبلي...»؛ الحديث رواه الجماعة، ومن الجائز على فضائله ﵇ الزيادة، وغير جائز النقصان، يدلُّ عليه قوله ﵇ لأبي ذر: «حيث ما أدركتك الصلاة؛ فصلِّ، فإن الأرض كلها مسجدٌ (٣)» ذكره المؤلف، ولم يخص موضعًا من موضع.
وأمَّا حديث الترمذي؛ فهو انفرد به زيد بن جبيرة، وأنكروه عليه، ولا يعرف الحديث مسندًا إلا برواية يحيى بن أيوب عن (٤) زيد بن جبيرة، وكتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث، فكتب إليه ابن نافع: (لا أعلم من حدَّث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل) ذكره الحلواني عن ابن أبي مريم عن الليث.
وحديث علي: (نهاني...)؛ إسناده ضعيف.
واتخاذه ﵇ مسجده على مقبرة المشركين دليل: جواز الصلاة في المقبرة، وكذلك وردت السنة باتخاذ البيع والكنائس مساجد، وروى النسائي عن طلق بن علي قال: (خرجنا وفدًا إلى النبيِّ ﷺ ، فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا...)؛ الحديث، وفيه: «فإذا أتيتم أرضكم؛ فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدًا»، وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أنه ﵇ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم.
وهذا كله حجة مستقيمة على أحمد ومن تبعه في عدم جواز الصلاة في تلك المواضع.
وقول ابن العربي: (فإن هذه المواضع مستثناة من قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا») ممنوع؛ فإنَّه دعوى باطلة لا دليل عليها، بل المراد بالأرض كلها، كما جاء في رواية المؤلف، كما سبق، والله تعالى أعلم.
стр. 601
(٥٤) [باب الصلاة في البيعة]
هذا (باب) حكم (الصلاة) : فرضها، وواجبها، ونفلها (في البِيعة) بكسر الموحدة: معبد النصارى، والكنيسة: معبد اليهود.
فإن قلتَ: إذا كان كذلك؛ فكيف عقد الباب للصلاة في البيعة، والمذكور في الحديث هو الكنيسة؟
قلتُ: عقد الباب هكذا على قول من لم يفرِّق بينهما؛ فإن الجوهري قال: (الكنيسة والبيعة للنصارى)، ويقال البيعة: (صومعة الراهب) ذكره في «المحكم»، ويقال: البيعة، والكنيسة: للنصارى، والصلوات: لليهود، والصوامع: للرهبان، وقال الداودي: (البيع: لليهود، والصلوات: للصابئين، وقيل: كالمساجد للمسلمين)، وقال القاضي عياض: (وأنكر بعض أهل اللغة هذه المقالة)، وقال الجواليقي: (جعل بعض العلماء البيعة والكنيسة فارسيتين معرَّبتين)، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وحاصله: أنَّه اختلف أهل اللغة في ذلك، فقال بعضهم: البيعة للنصارى، والكنيسة لليهود، وقال بعضهم: البيعة والكنيسة للنصارى، والصلوات لليهود، والصوامع للرهبان.
وزعم ابن حجر أنَّ المعتمد الثاني، ويدخل في حكم البيعة: الكنيسة وبيت المدراس، والصومعة وبيت الصنم، وبيت النار ونحو ذلك، انتهى.
قلت: ولم يقل أحد من أهل اللغة أنَّ المعتمد الثاني، بل ذكروا هذا وهذا، فهو اعتماد من عنده، وهو مردود، على أن كلامه فيه تناقض؛ لأنَّه قال: (ويدخل في حكم البيعة: الكنيسة)؛ فجعل الكنيسة غير البيعة؛ فافهم.
وفي «القاموس» : (أنَّ الكنيسة والبيعة للنصارى)، وعليه؛ فتحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، قال العجلوني: (ويقال قاس البيعة في الترجمة، على الكنيسة في الحديث) انتهى.
قلت: ولم يبين الجامع بينهما، وقد يقال: الجامع بينهما هو وجود التماثيل في كلٍّ، لكن يقال عليه: إنَّ التماثيل في البيعة فقط؛ لأنَّ النصارى هم الذين يصورون صور عبادهم من الرهبان، بخلاف اليهود، فإنَّهم لا يصورون ولا يضعون الصور في كنائسهم؛ فافهم.
والظاهر: هو الأول، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] فالصوامع: جمع (صومعة)؛ وهو موضع يتعبد فيه الرهبان، والبيع: جمع (بيعة)؛ وهي للنصارى، وصلوات كنائس اليهود، والصلوات معرَّبة أصلها بالعبرانية: صلواث بالمثلثة، وهي في لغتهم بمعنى: المصلى؛ فافهم.
وقال المهلب: (هذا باب ليس معارضًا لباب: من صلى وقدامه نار أو تنور؛ لأنَّ الاختيار ألَّا يبتدئ بالصلاة إلى شيء من معبودات الكفار، إلا أن يعرض له، كما في حديث صلاة الخسوف، وعرض النار عليه ﷺ .
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (تقرير معنى المعارضة بين البابين أن في هذا الباب كراهة الصلاة أو تحريمها، وفي ذلك الباب جوازها مع عدم الكراهة، وتقرير الجواب: أن ما كان في ذاك الباب بغير الاختيار، وما في هذا الباب من قول عمر: «إنَّا لا ندخل كنائسكم»؛ يعني: بالاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إلى ذلك) انتهى.
وأراد المؤلف بهذه الترجمة؛ على أنَّ الصلاة في البيع، والكنائس، ونحوهما مكروهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه ﵃، وذلك لأنَّ في الصلاة عندهم يجلب الاستهزاء بعبادتنا، ويلزم عليه المجادلة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ...﴾؛ الآية [العنكبوت: ٤٦]، ولأن فيها الصور والتماثيل، وقد نهينا عن الصلاة عندها، ولهذا قالوا: إذا تكرَّر منه الدخول للبيع ونحوها؛ يعزَّر بما يليق به، كما صرَّح به صاحب «البحر» وقال الشافعي: (الصلاة في البيع ونحوها مكروهة بشرط وجود التماثيل، وهو مروي عن ابن عبَّاس) والله أعلم.
(وقال عمر) : هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁، مما وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: لما قَدِم عمر الشام؛ صنع له رجل من النصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أحبُّ أن تجيبني وتكرمني، فقال له عمر: (إنَّا)؛ بكسر الهمزة، أصله: إننا، فحذفت النون الثانية تخفيفًا، وهي للتأكيد، والمحذوفة: اسمها (لا ندخل كنائسكم)؛ بكاف الخطاب، وميم الجمع، وللأصيلي: (كنائسهم) بضمير الجمع الغائب، والرجل المذكور اسمه قسطنطين، سمَّاه مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مسجعة بن ربعي عن عمر في قصة طويلة أخرجها، وقول عمر هذا في حكم المرفوع؛ لأنَّ معناه: نهينا أن (١) ندخل كنائسكم، والناهي هو النبيُّ الأعظم ﷺ لا غير، فقول الصحابي: إنَّا لا نفعل كذا، ونحوه في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال من قبل الرأي، لأنَّه لا مجال للرأي فيه، والنهي يقتضي الكراهة؛ فدل هذا على كراهة الصلاة في البيع، والكنائس، ونحوهما؛ فافهم.
وقوله: (من أجل التماثيل)؛ جمع (تِمثال) بكسر أوله؛ وهو الصورة (التي فيها الصور) بالجمع، قيل: وفي نسخة بالإفراد؛ تعليل لعدم دخوله كنائسهم.
قال إمام الشَّارحين: (الجملة اسمية؛ لأنَّ الصور بالرفع مبتدأ مؤخر، وقوله: «فيها» خبره مقدَّم؛ أي: في الكنائس، والجملة صلة الموصول، وقعت صفة للكنائس لا للتماثيل؛ لفساد المعنى، لأنَّ التماثيل هي الصور، ويروى: «الصورِ»؛ بالجر، فعلى هذا؛ يكون الموصول مع صلته صفة التماثيل، ويكون (الصورِ)؛ بالجر بدلًا من التماثيل، أو عطف بيان، ويجوز نصب الصور على الاختصاص، وفي رواية الأصيلي: «والصور»؛ بواو العطف على التماثيل، والمعنى: ولأجل الصور التي فيها، والصورة أعم من التماثيل) انتهى كلامه
وقال العجلوني: (ويجوز جعل «التي» نعتًا للتماثيل، و «فيها الصور» من مبتدأ وخبر، أو الظرف المقدَّر بـ «استقرَّ»، وفاعله صلة الموصول، و «الصور»؛ بمعنى: المصورات، وبينها وبين التماثيل عموم وخصوص مطلق؛ فكل تمثال صورة، ولا عكس، وضمير «فيها» على هذا للتماثيل، وهو من ظرفية العام في الخاص، أو هو من باب التجريد) انتهى.
قلت: وظاهر كلام إمام الشَّارحين، وكذا الكرماني أن جعل (التي) نعتًالـ (كنائس) متعين؛ لأنَّه قد نفى جعلها صفة للتماثيل؛ لفساد المعنى، وهو كذلك؛ لأنَّ عدم دخوله الكنائس من أجل الصور لا التماثيل؛ لأنَّ التمثال قد يكون على خلاف الصورة، والمراد بالتماثيل: الصلبان المعلقة في الكنائس، فهي ليست بصورة ذي روح، فبين الصور والتماثيل عموم وخصوص وجهي يجتمع أحدهما في مادة، وينفرد أحدهما في مادة أخرى، فيجتمعان في الصورة مطلقًا، وتنفرد الصورة بذي الروح، وتنفرد التماثيل في غير ذي روح؛ مثل الصلبان ونحوها، إذا علمت هذا؛ لم يصح جعلها نعتًا لـ (التماثيل)؛ لفساد المعنى؛ فافهم.
ثم قال العجلوني: (وقوله: «لأن التماثيل هي الصور»؛ فيه أنَّ الصور أعم) انتهى.
قلت: هذا أخذه من كلام إمام الشَّارحين حيث قال: والصورة
стр. 602
أعم من التماثيل، انتهى.
قلت: فإذا كان هذا كلامه؛ كيف يعترض عليه؟ وقد يقال هذا على المعنى الثاني الذي ذكرناه.
ورواية الرفع لأبي ذر، ورواية النصب صحح عليها في «الفرع» و «أصله»، ويجوز نصبها بإضمار: أعني، فتكون مفعولة لفعل محذوف، وقال في «المصابيح» عن ابن مالك: (إنه يجوز في رواية الجر كونه معطوفًا بواو محذوفة).
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ حروف العطف كأحرف الجر لا تعمل محذوفة، فيتعيَّن كونه بدلًا أو عطف بيان، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد صرح أن في رواية الأصيلي: بواو العطف على التماثيل، وعليه؛ فلا حاجة إلى هذا؛ فافهم.
وقد انتهت الجهالة لابن حجر، فزعم أنَّ (الصورُ)؛ بالرفع أي: أنَّ التماثيل مصورة، والضمير في (فيها) على هذا للتماثيل، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين بأنَّ هذا توجيه من لا يعرف من العربية شيئًا، انتهى.
وتبعه العجلوني فقال: (هو غير ظاهر، سواء كان بيان معنى أو إعراب، وقد يقال: إنَّما هو من قلم الناسخ، فأراد أن يقول: أي: أنَّ «الصور»؛ بمعنى: المصورة مظروفة في التماثيل، ولهذا جعل ضمير «فيها» راجعًا إلى التماثيل لا إلى الكنيسة مع أنه لا يستقيم المعنى؛ لأنَّه يلزم عليه أن تكون التماثيل مصورة في التماثيل) انتهى.
قلت: ولا يلزم أن يقال: (هو من قلم الناسخ)؛ لأنَّ كم مرة ظهر عدم معرفته في علم العربية، وهذا منها، فلا تغترَّ بما قاله؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنَّ عدم دخوله في كنائسهم لأجل الصور التي فيها، ولولا الصور؛ ما كان يمتنع من الدخول، وعند الدخول لا يمنع الصلاة، فحينئذ صحَّ فعل الصلاة في البيعة من غير كراهة إذا لم يكن فيها تماثيل، ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن سهل بن سعد، عن حميد، عن بكر قال: كتبت إلى عمر ﵁ من نجران: إنَّهم لم يجدوا مكانًا أنظف ولا أجود من بيعة؛ فكتب إليه، انضحوها بماء وسدر، وصلوا فيها) انتهى.
قلت: يعني: لأنَّه يغلب عليها النجاسات، وهم لا يفرقون (١) الطهارة من النجاسة، فأفاد أنَّ الصلاة في البيع والكنائس إنَّما تكون صحيحة إذا كان المكان طاهرًا، والصلاة فيها حينئذ غير مكروهة، يدل عليه: أنَّ السنة وردت باتخاذ البيع والكنائس مساجد، وقد يقال: إنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة؛ لأنَّها بقعة غضب وسخط، فإنَّها بقعة يُعصَى الله تعالى فيها، ويكفر به، وليس كذلك المقبرة؛ مع أنَّ الجمهور على أنَّ الصلاة في المقبرة مكروهة، وذهب أحمد وغيره: إلى أنها لا تصح، كما قدمناه، ولأنَّ في صلاته في البيع ونحوها يلزم منه استهزاء الكفار بعبادة الإسلام، وقد نُهينا عن مجادلتهم؛ لأنَّه يلزم منه المجادلة في الديانات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ...﴾؛ الآية [العنكبوت: ٤٦]، فليكن الحق أنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة مطلقًا، سواء كان فيها تماثيل وصور أم لا؛ فافهم.
(وكان) عبد الله (ابن عبَّاس) حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄ (يصلي) أي: الفرض وغيره (في البِيْعة)؛ بكسر الموحدة، وسكون التحتية: معبد النصارى (إلا بيعة فيها تماثيل) جمع (تِمثال)؛ بكسر الفوقية.
وهذا التعليق وصله البغوي في «الجعديات»، وزاد فيه: (فإن كان فيها تماثيل؛ خرج فصلَّى في المطر)، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند فيه خصيف-وفيه كلام- عن مقسم عن ابن عبَّاس أنه: كره الصلاة في الكنيسة؛ إذا كان فيها تصاوير، ولم يَرَ عطاء والشعبي وابن سيرين بالصلاة في الكنائس والبيع بأسًا، وهو قول مالك، وروي عنه: أنه كره الصلاة فيها؛ لما يصيب أهلها فيها من الخنازير والخمر، إلا أن يضطر إلى ذلك من شدة طين أو مطر، كذا في «عمدة القاري».
قلت: ومطابقته للترجمة ظاهرة، وقد يقال: الصلاة في الكنائس والبيع مكروهة؛ لأنَّها مأوى الشياطين، وبقعة غضب الله عليها؛ لأنَّها محل يكفر بالله فيه، وهو مذهب الحسن البصري.
ويدل للكراهة: أنَّ الكنائس والبيع مأوًى لكلٍّ من الخنازير، والكلاب، والخمر، ونحوها من النجاساتالتي يجتنبها المصلي إذا أراد الصلاة، وقد نصَّ أئمتنا الأعلام على أنَّ الصلاة تكره في قرب النجاسات؛ كالمزبلة وحائط نجس.
[حديث: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا]
٤٣٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد) : غير منسوب، وفي رواية ابن عساكر: (محمد بن سلَام)؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وعزاها صاحب «عمدة القاري» لابن السكن؛ فإنَّه صرَّح به في روايته (قال أخبرنا)؛ بالجمع، وللأصيلي بالإفراد (عَبْدة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة آخره هاء، هو لقبه، واسمه عبد الرحمن بن سليمان، (عن هِشام بن عُروة)؛ بكسر الهاء في الأول، وضم العين المهملة في الثاني، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن أم سَلَمة)؛ بفتح الهمزة في «أن»، وفتح المهملات في «سلمة»؛ أم المؤمنين، واسمها: هند -على الأصح- بنت أبي أمية المخزومية، هاجر بها زوجها إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة؛ مات زوجها، فتزوجها النبيُّ الأعظم ﷺ .
(ذكرتْ) بتاء التأنيث (لرسول الله ﷺ كَنيسة)؛ بفتح الكاف: معبد اليهود، ويقال لها: صِلاة؛ بكسر الصاد المهملة، ويقال: إنَّها معبد النصارى (رأتها)؛ أي: أم سلمة، (بأرض الحبشة) حين كانت مع زوجها الأول أبو سلمة هناك (يقال لها)؛ أي: لتلك الكنيسة، و «يُقال»؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول: (مارِيةُ)؛ بتخفيف الراء والتحتية: النقرة، وبتشديدها: القطاة الملساء، قاله إمام الشارحين، وهي بالرفع نائب فاعل «يقال».
(فذكرتْ) أي: أم سلمة (له) أي: للنبيِّ الأعظم ﷺ (ما رأت فيها) أي: في الكنيسة (من الصور)؛ أي: التماثيل المصورة، (فقال رسول الله ﷺ أي: لها: (أولئكِ) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث، ويجوز فتحها (قوم)؛ أي: من النصارى، (إذا مات فيهم العبد الصالح)؛ أي: من نبي أو غيره، (أو الرجل الصالح) : كذلك، وكلمة «أو» للشك من الراوي، والظاهر: أنَّه من هشام؛ (بنوا على قبره مسجدًا) هذا جواب كلمة «إذا»، (وصوروا فيه) أي: في المسجد (تلكِ الصور)؛ باللام، وفي رواية: «تيكِ»؛ بفوقية ثم تحتية، بدل اللام، والكاف فيهما مكسورة، ويجوز فتحها؛ أي: لأجل
стр. 603
أن يتذكروا عبادته، فيجتهدوا في العبادة.
وقال القرطبي: (وذكر أنَّها صور الأنبياء ﵈ والعلماء، وكانت تصوَّر في المساجد؛ ليراها الناس؛ فيزدادوا عبادة واجتهادًا).
(أولئكَِ)؛ بكسر الكاف وفتحها (شِرار الخلق عند الله)؛ بكسر الشين المعجمة، جمع (الشر)؛ كالخيار جمع (الخير)، والتجار جمع (التجر)، وأما الأشرار؛ فقال يونس: (واحدها شر)، أيضًا قال الأخفش: (شرِّير مثل يتيم وأيتام).
قال القرطبي: (إنَّما صوَّروا أوائلهم الصور؛ ليتأنَّسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة؛ فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خَلَف من بعدهم خلوف وجهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان: إنَّأسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيُّ الأعظم ﷺ عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسد الذرائع في قبره ﵇.
وكان ذلك في مرض موته؛ إشارة إلى أنَّه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده، ولمَّا احتاجت الصَّحابة والتَّابعون ﵃ إلى زيادة مسجده ﵇؛ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلَّا يصلِّ إليه العوام، فيؤدِّي إلى ذلك المحذور، ثمَّ بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر، انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: «بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور»؛ لأنَّ الباب معقود في الصلاة في البيعة، وقد مرَّ أنَّها تكره الصلاة في البيعة إذا كانت فيها الصور) انتهى.
وزعم العجلوني والقسطلاني تبعًا لابن حجر أن وجه المطابقة في قوله: (بنوا على قبره مسجدًا)؛ فإن فيه الإشارة إلى نهي المسلم عن أن يصلي في الكنيسة؛ فيتخذها بصلاته مسجدًا، انتهى.
قلت: وهو قاصر؛ لأنَّ الباب معقود؛ لبيان جواز الصلاة في البيعة، مع عدم الكراهة إذا لم يكن فيها صور، وليس المراد منه النهي عن أن يتخذ المسلم الكنيسة بصلاته مسجدًا، فإنَّه لو كان كما قالوا؛ فلا دلالة في الحديث على الترجمة، فما قاله إمام الشَّارحين هو الصواب.
وفي الحديث: كراهة الصلاة في الكنيسة، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومثلها البيعة، وبه قال الشافعية، وزعم الحنابلة أنَّ الصلاة غير مكروهة، والحديث حجة عليهم، وفيه النهي عن فعل التصاوير، وأنَّه حرام، سواء كان في حيوان أو غيره.
وفيه: منع بناء المساجد على القبور، وفيه: ذم فاعل المحرمات، وفيه: جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وفيه: أنَّ الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
ومقتضى الأحاديث تدل على أنَّ الصور ممنوعة، ثم جاء: (إلا ما كان رقمًا في ثوب)؛ فخُصَّ من جملة الصور، ثم تثبت الكراهة فيه بقوله ﵇ لعائشة في الثوب: «أخِّريه عني»، وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» : وهو يدلُّ على المنع من التصوير بشيء؛ أي شيء كان، ويستثنى من ذلك لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة: أنَّه ﵇ تزوجها وهي بنت سبع (١)، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع، ولُعَبُها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة، وعنها أيضًا قالت: (كنت ألعب بالبنات عند النبيِّ الأعظم ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان ﵇ إذا دخل؛ يتقمعن منه، فيسريهن إلي؛ فيلعبن معي) أخرجهما مسلم في «صحيحه»، قال العلماء: وذلك للضرورة الداعية إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن، انتهى.
قلت: هذا أمر باق إلى يومنا هذا؛ فإن البنات يجعلن شيئًا من الخروق وغيره، ويجعلنه كالبنات ويلعبن فيه البنات؛ فهو مستثنًى من النهي للحاجة، والله تعالى أعلم.
(٥٥) [باب....]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين ثابت لأكثر الرواة، ساقط في رواية الأصيلي، ولم يذكر له ترجمة عند من أثبته، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وله تعلُّق بذاك، ووجه تعلُّقِه أنَّ كلًّا منهما مشتمل على الزجر عن اتخاذ القبور مساجد، والتصوير مذكور هناك، وههنا يشير إلى أن اتخاذ القبور مساجد مذموم، سواء كان فعل ذلك بصور أم لا، كذا قرره إمام الشَّارحين.
[حديث: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]
٤٣٥ - ٤٣٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليَمان)؛ بفتح التحتية: هو الحَكَم-بفتحتين- ابن نافع الحمصي، البهراني، مولى امرأة من بهراء، المتوفى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين (قال أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة؛ بالمهملة، والزاي، دينار القرشي، الأموي، مولاهم: أبو بشر، (عن الزهري) هو محمد بن مسلم ابن شهاب المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عتْبة) بسكون الفوقية، هو ابن مسعود: (أن عائشة)؛ بفتح الهمزة، هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (وعبد الله بن عبَّاس) بالنصب عطفًا على عائشة ﵃ (قالا) بالتثنية: (لما نزل)؛ بفتحتين، على صيغة المعلوم، في رواية أبي ذر، وفاعله محذوف؛ أي: الموت، وفي رواية غيره: بضمِّ النون، وكسر الزاي على صيغة المجهول.
وقوله: (برسول الله ﷺ نائب فاعل، والنزلة كالزكام، قاله العجلوني.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ في تمثيله بالزكام سوء أدب في حقه ﵇؛ لأنَّه يلزم منه نزول أنفه ﵇، فربما يأنف منه من رآه، فيقع في محظور، وإنَّما النزلة مثل وجع رأس، أو ظهر، أو قلب، مما لم ينفر من رآه؛ فافهم.
وقوله: (طفِق) جواب (لمَّا) وهي بكسر الفاء، وقد تفتح (٢)، وقد تبدل باء موحدة.
قال إمام الشَّارحين: (وهو من أفعال المقاربة: وهي على ثلاثة أنواع؛ منها: ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ وطفق وجعل وعلق واحد، وتعمل هذه الأفعال عمل كان إلا أن خبرهن يجب كونه جملة، وحكى الأخفش طَفَق يَطْفِق، مثل ضرَب يضرِب
стр. 604
وطَفِق يَطْفَق، مثل علِم يعلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرًا، حكى الأخفش: طفوقًا؛ عمن قال: طَفق بالفتح، وطِفقًا بالكسر، ومعناه ههنا: جعل) انتهى.
قلت: واسمها عائد للنبيِّ الأعظم ﷺ ، وخبرها جملة قوله: (يطرح خميصة)؛ بالنصب مفعول (يطرح)؛ وهي كساء له أعلام، أو علمان أسود مربع (له) جار ومجرور محله النصب صفة لـ (خميصة) (على وجهه) متعلق بقوله: يطرح، (فإذا اغتمَّ) بالغين المعجمة؛ أي: صار له غم، وأخذ بنفسه من شدة الحر الحاصل من طرحها على وجهه، وفي «القاموس»؛ الغم: شدة الحر كاد يأخذ بالنفس، انتهى.
قلت: فتفسير الشراح له: (تسخن) تفسيرٌ باللازم، قال الكرماني: ويقال: غمَّ يومنا؛ إذا كان يأخذ بالنفس من شدة الحر، انتهى؛ فافهم
(كشفها) أي: الخميصة (عن وجهه) الشريف، قلت: والظاهر أنَّها الكفية التي يستعملها الأعراب، والبغداديون، والمسافرون؛ لأجل دفع حر الشمس؛ فافهم.
(فقال) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وهو كذلك) أي: وهو في تلك الحالة؛ أي: حالة الطرح والكشف عن وجهه، وهذا مقول الراوي.
وزعم ابن حجر ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرت فيه أم سلمة وأم حبيبة أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا بعيد جدًّا لا يخفى على الفطن) انتهى.
قلت: ووجه بعده: أنَّ ظاهر لفظ الحديث يرده ويخالفه؛ لقوله: (فإذا اغتم؛ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك) حيث أتى بـ (الفاء) التي للتعقيب، فعقب القول بالكشف على أنَّ هذا فيما ذكر في باب (هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) والقصة هناك غير القصة ههنا، بدليل أنَّ التي ذكرت هناك هي أم سلمة وأم حبيبة، وههنا ذكرت عائشة وابن عبَّاس، مع اختلاف الألفاظ، فالتباين بينهما ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم
ولا يقال: إنَّه قد ذكر ذلك في باب (الصلاة في البيعة)؛ لأنَّه حين ذكرت أم سلمة الكنيسة؛ فقال: «أولئك...» إلى آخره وهذا غير ذاك كما لا يخفى.
(لعنة الله) مبتدأ ومضاف إليه، وخبره: قوله (على اليهود والنصارى) واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، يقال: لعنه الله، يلعنه لعنًا فهو ملعون، ولعين، ويقال: رجل لُعَنة؛ بفتح العين المهملة؛ أي: كثير اللعن، ولعْنة؛ بسكونها؛ أي: تلعنه الناس، وقال مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال: (دواب الأرض تلعنهم)، وقال ابن عبَّاس: (اللاعنون: كل شيء إلا الإنس والجن)، وقال قتادة: (هم الملائكة)، وقال عطاء: (الإنس والجن)، وقوله ﵇: «من أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وقوله ﵇: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق»، سميت ملاعن؛ لأنَّ الناس يلعنون فاعل ذلك، فهي مواضع لعن، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] هي: الشديدة من شدائد الدهر، ثم أتبعه ﵇ ببيان سبب لعنهم فقال: (اتخذوا) أي: اليهود والنصارى (قبور أنبيائهم مساجد) فهي جملة مستأنفة بيانية لموجب لعنهم، وقال إمام الشَّارحين: كأنَّه جواب عن سؤال سائل، ما سبب لعنهم؟ فأجيب عنه بقوله: (اتخذوا)؛ يعني: القبور مساجد يعبدون أنبياءهم المدفونة بها.
وقوله: (يُحذِّر)؛ بتشديد الذال المعجمة المكسورة، وضم التحتية أوله، والفاعل (١) هو النبيُّ الأعظم ﷺ (أمته) أي: أمة الإجابة لا الدعوة؛ بدليل قوله: (ما صنعوا) أي: من اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، جملة مستأنفة أخرى من كلام الراوي، لا من كلامه ﵇، وإنَّما كان يحذرهم من ذلك الصنيع؛ لئلا يفعل بقبره الشريف مثله، ولعلَّ الحكمة فيه: أنَّه يصير بالتدريج شبيهًا بعبادة الأصنام، وكلمة (ما) موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد إليه محذوف تقديره: (صنعوه)، كما ثبت في نسخة، في محل نصب على المفعول الثاني لـ (يحذر)، ومفعوله الأول: محذوف يقدر بما قلناه، وضمير المرفوع عائد إلى اليهود والنصارى.
فإن قلت: استشكل ذكر النصارى في الحديث؛ لأنَّهم ليس لهم نبي إلا عيسى، ولا قبر له؛ لأنَّه حي في السماء.
قلت: يحتمل أنَّه من باب التغليب؛ حيث غلَّب اليهود على النصارى بجامع الكفر في كل منهما.
ويحتمل كونه على حذف جملة تقديره: اتخذت اليهود قبور أنبيائهم مساجد، واتخذت النصارى أمكنة عيسى مساجد، فإنَّهم قد اتخذوا مكان ولادته في بيت لحم، ومكان النخلة، ومكان مهده، وغير ذلك مساجد.
ويحتمل أنَّهم اتخذوا قبور الأنبياء السابقة مساجد؛ كداود وسليمان.
ويحتمل أنَّ المراد: الأنبياء وصالحو (٢) أتباعهم؛ حيث اكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر صالحيهم على حد قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ويؤيده ما في رواية مسلم من طريق جندب: «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم»، ولهذا قال في النصارى حين أفردهم: «إذا مات فيهم الرجل الصالح»، وقال في اليهود حين أفردهم: «اتخذوا قبور أنبيائهم».
ويحتمل أنَّ المراد بالاتخاذ أعم من كونه ابتداعيًّا أو اتباعيًّا؛ لأنَّ اليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب أنَّ النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود؛ فتأمل.
وزعم ابن حجر فأجاب: بأنَّ للنصارى أنبياء غير عيسى، لكنهم ليسوا برسل؛ كالحواريين ومريم في قول.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (وفيه نظر؛ لأنَّه جاء في رواية عن عكرمة وقتادة والزهري «أنَّ الثلاثة الذين أتوا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] كانوا رسلًا من الله تعالى، وهم: صادق ومصدوق وشلوم»، وعن قتادة أنَّهم كانوا رسلًا من عيسى ﵇، فعلى هذا؛ لم يكونوا أنبياء، فضلًا عن أن يكونوا رسلًا من الله تعالى، وأما مريم؛ فزعم ابن حزم وآخرون أنَّها نبية، وكذلك سارة أم إسحاق وأم موسى ﵈، وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة أنَّ النبوة مختصة بالرجال،
стр. 605
وليست في النساء نبية) انتهى.
واعترضه العجلوني تعصبًا لابن حجر، فقال: لا نظر؛ لأنَّ المجيب قال: (في قول)؛ فافهم.
قلت: بل فيه نظر؛ لأنَّ الاعتراض متوجه على هذا القول الذي اعتمده قائله وجزم به؛ لأنَّه لم يذكر غيره؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للترجمة التي في باب المترجم، في قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ لأنَّهم إذا اتخذوها مساجد يصلون فيها، ويسمون المساجد البيع والكنائس، والباب معقود في الصلاة في البيع) انتهى.
قلت: وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاة في البيع والكنائس مكروهة ولو لم يكن فيها تصاوير، فإنَّ هذا الباب تابع للباب السابق، فالظاهر: أنَّ المؤلف ألحقه؛ لبيان ثبوت الكراهة؛ فافهم.
[حديث: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]
٤٣٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسلَمة)؛ بفتح الميم واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو القعنبي المدني، (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني التابعي، (عن سعيد بن المسيّب)؛ بفتح التحتية وكسرها، هو المدني التابعي، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي ﵁ (أنَّ)؛ بفتح الهمزة وتشديد النون (رسول الله ﷺ ؛ بالنصب: اسمها، وخبرها: جملة قوله (قال: قاتل الله اليهود)؛ أي: قتلهم الله؛ لأنَّ فَاعَل (يجيء) بمعنى فَعل أيضًا، كقولهم سافر وسارع بمعنى: سفر وسرع، ويقال: معناه: لعنهم الله، ويقال: عاداهم الله، ويقال: القتال ههنا: عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدى اللعنة واحد، وإنَّما خصص اليهود ههنا بالذكر بخلاف ما تقدم؛ لأنَّهم أسسوا هذا الاتخاذ وابتدؤوا به، واتبعتهم النصارى، فهم أظلم، أو لأنَّهم أشد غلوًّا فيه، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة، جواب سؤال سائل يقول: ما سبب قوله: قاتل الله اليهود؟ فأجاب بقوله: «اتخذوا...» إلى آخره.
ومطابقة (١) الحديث لترجمة الباب المترجم ظاهرة مما سبق، وفيه: منع البناء على القبر؛ لأنَّ أبا داود أخرج هذا الحديث، وترجم له: (باب البناء على القبر)، وروي أيضًا عن أحمد ابن حنبل: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سمع جابرًا يقول: (سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يقعد على القبر وأنيقصَّص، وأن يبنى عليه)، وأخرجه مسلم أيضًا والترمذي، وفي روايته (وأن يكتب عليها)، والنسائي أيضًا، وفي روايته (وأن يزاد عليه) انتهى.
قلت: ففيه النهي عن القعود على القبر، ومقتضاه التحريم، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أنَّ القعود على القبر؛ لقراءة القرآن لا يكره، وكذلك وطؤها؛ لما رواه مالك في «الموطأ» : أنَّ عليًّا ﵁ كان يتوسد القبور ويضطجع عليها، وفي «الصحيح» تعليقًا، قال نافع: (كان ابن عمر يجلس على القبور)، ووصله الحافظ أبو جعفر الطحاوي، ثم أخرج عن زيد بن ثابت مرفوعًا قال: (وإنَّما نهى النبيُّ ﷺ عن الجلوس على القبور؛ لحدث، أو بول، أو غائط، وأمَّا الجلوس لغير ذلك؛ فلم يدخل في النهي عن ذلك)، وهذا قول الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال مالك.
وفي الحديث الذي عند أبي داود النهي عن أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ومقتضى النهي التحريم، وقد صرَّح أئمتنا الأعلام بحرمة البناء عليه، وتجصيصه؛ للزينة، وأمَّا الكتابة؛ فقال صاحب «المحيط» : (إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر، ولا يمتهن به؛ جازت، أما الكتابة من غير عذر؛ فلا) انتهى والله تعالى أعلم.
(٥٦) [باب قول النبي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا]
هذا (باب) بيان (قول النبيِّ) الأعظم ﷺ في الحديث المشهور (جعلت لي) أي: ولأمتي (الأرض) أي: جنسها (مسجدًا وطَهورًا)؛ بفتح الطاء المهملة على المشهور، فتجوز الصلاة في أي مكان كان منها، إلا أن يمنع مانع شرعي، وتقدم ذلك في حديث جابر في أوائل (التيمم)، ولا تفاوت بينهما في المعنى.
وفائدة إيراد هذا الباب عقيب الأبواب المتقدمة: الإشارة إلى أنَّ الكراهة فيها ليست للتحريم؛ لأنَّ عموم قوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» يدلُّ على جواز الصلاة على أي جزء كان من أجزاء الأرض، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وقيل: إنَّ الكراهة فيها للتحريم، وعموم الحديث مخصوص بها، والأول هو الأولى عند المحققين؛ لأنَّ الحديث إنَّما سيق في مقام الاستنان، فلا ينبغي أن يكون مخصوصًا، فدخل في عمومه -كما قال ابن بطال- المقابر والمرابض والكنائس، وغيرها.
قلت: ولا يَرِد المتنجس من الأرض؛ لأنَّه لعارض شرعي؛ فافهم.
[حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي]
٤٣٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن سِنان)؛ بكسر المهملة وتخفيف النون، هو أبو بكر البصري الباهلي العَوَقِي؛ بفتح المهملة والواو مع كسر القاف، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال حدثنا هُشَيْم)؛ بضمِّ الهاء وفتح المعجمة وسكون التحتية: هو ابن بَشِير؛ بفتح الموحدة وكسر المعجمة، السلمي، مولاهم الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال القسطلاني: («بشير» بوزن «عظيم»، الفقيه الثبت، لكنَّه كثير التدليس والإرسال الخفي) انتهى.
قلت: التدليس والإرسال الخفي إذا كان لغرض صحيح؛ غير مذموم، وهو معتبر عند المحدثين، كما عُلم في محله، وقول العجلوني: هشيم بن كثير؛ بالمثلثة، مكبرًَّا خطأٌ ظاهر؛ فليتنبه.
(قال حدثنا سَيَّار)؛ بفتح المهملة أوله وتشديد التحتية، آخره راء، على وزن (فعَّال) بالتشديد: هو ابن أبي سيار، واسمه وردان العنزي الواسطي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئة، وقوله (هو أبو الحَكَم)؛ بفتحتين لقب سيار، يحتمل أنَّه من كلام محمد بن سنان، ويحتمل أنَّه من كلام المؤلف؛ للتعريف، وجزم العجلوني بالثاني، قلت: وليس له دليل عليه، وإنَّما هو محتمل، بل الظاهر الأول، يدل عليه أنَّ التعريف يكون من شيخه؛ لأنَّه لم يدركه؛ فافهم.
(قال: حدثنا يَزيد)؛ بفتح أوله من الزيادة؛ هو ابن صُهيب؛ بضمِّ الصاد المهملة (الفقير) الكوفي، الثبت، الفقيه، الحجة، التابعي الجليل، أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وإنَّما
стр. 606
اشتهر بالفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره (قال: حدثنا جابر بن عبد الله) هو الأنصاري، الصحابي الجليل ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ أي: عام غزوة تبوك، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أحمد: (أعطيت)؛ بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول؛ أي: أعطاني الله (خمسًا) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فضلت على الأنبياء بست»، ولعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي، وإلا؛ فخصوصياته كثيرة، والتنصيص على العدد لا يدل على نفي ما عداه، وتمامه في «عمدة القاري» (لم يعطهن أحد)؛ بالبناء للمفعول؛ كالأفعال بعده؛ أي: لم تجتمع لأحد، قاله الداودي وغيره (من الأنبياء قبلي)؛ أي: ولا نبي بعده، وأمته في بعضها تبع له، وزاد في حديث ابن عبَّاس: «لا أقولهن فخرًا»، وظاهر هذا الحديث أنَّ كلَّ واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك (نُصِرت)؛ بضمِّ النون، وكسر المهملة (بالرُّعب)؛ بضمِّ الراء أي: الخوف، الخوف يقذف في قلوب أعدائه (مسيرة شهر)؛ بالنصب على الظرفية، وجعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه (وجُعلت لي)؛ أي: ولأمتي أمة الإجابة؛ لأنَّ أمة الدعوة غير مخاطبين بفروع الإيمان على التحقيق عند الجمهور (الأرض) أي: كلها (مسجِدًا)؛ بكسر الجيم؛ أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون آخر، ويحتمل أنَّه مجاز عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلمَّا جازت الصلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.
فإن قلت: ما الداعي إلى العدول عن حمله على حقيقته اللغوية، وهي موضع السجود؟
قلت: أجاب في «المصابيح» : بأنَّه إن بني على قول سيبويه: أنَّه إذا أريد به موضع السجود قيل: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أنَّ الخصوصية هي كون الأرض محلًّا لإيقاع الصلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنَّه لم ينقل عن الأمم الماضية أنَّها كانت تخص السجود بموضع دون موضع، انتهى.
قلت: وفيه نظر، فقد نقل ذلك في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم»، وهذا نص في محل النزاع، فتثبت الخصوصية، ويدل عليه ما أخرجه البزار من حديث ابن عبَّاس نحو حديث الباب وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه»؛ فليحفظ.
وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوص بما نهى الشَّارع عن الصلاة فيه، ففي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والترمذي (نهى النبيُّ الأعظم ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن، في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي، وقد تُكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وفي حديث أبي سعيد الخدري، عند أبي داود والترمذي مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» قال الترمذي: حديث فيه اضطراب، وقد ضعفه غيره، وفي حديث عليٍّ أنَّه كره الصلاة بخسف بابل، رواه المؤلف تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف، وفي حديث ابن عمر كما تقدم، جميع ذلك في الأبواب المتقدمة، فهي محمولة على الكراهة في هذه المواضع، كما قدمناه.
(و) جعلت لي الأرض (طَهورًا)؛ بفتح الطاء على المشهور، والمراد: جميع أجزائها؛ من حجر، ومدر، وتراب، ورمل، وجص، ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] : وهو كل ما كان من أجزاء الأرض؛ ففيه جواز التيمم بجميع أجزائها، وهو مذهب الإمام الأعظم، ومالك، والجمهور، وهو حجة على الشافعي؛ حيث شرط التراب استدلالًا برواية مسلم: «وجعلت تربتها لنا طهورًا» فقال: هو خاص يحمل على العام، ورُدَّ بأنَّه لا خصوصية بلفظ التراب؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وحجر ومدر ونحوها، وأجيب: بأنَّه قد ورد الحديث المذكور بلفظ التراب، رواه ابن خزيمة، ورُدَّ بأنَّه إن صح؛ يحمل على الغالب، فإنَّ الغالب على أجزاء الأرض التراب، فذكره؛ لكونه غالبًا لا للاحتراز، وتمامه فيما قدمناه؛ فافهم.
(وأيما) بالواو، وللأصيلي: (فأيما) (رجلٍ) بالجر على الإضافة كائنٍ (من أمتي) والنساء والخناثى كالرجال (أدركته الصلاة) أي: دخل وقتها، والجملة محلها الجر: صفة لرجل و (أي) : مبتدأ فيه معنى الشرط، زيد عليها (ما)؛ لزيادة التعميم، و (رجل) مضاف إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: «فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء، وجد الأرض طهورًا ومسجدًا»؛ (فليصل) أي: حيث أدركته الصلاة في أي مكان كان، وهو خبر المبتدأ، (وأحلت لي الغنائم)؛ جمع غنيمة، وفي رواية مسلم: (المغانم)؛ جمع مغنم، وهي ما حصل من الكفار بعد قتالهم، وفي رواية المؤلف السابقة: «ولم تحل لأحد قبلي»؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانت الغنيمة حرامًا عليهم، بل تجيء نار تحرقها (وكان النبي) أي: غيري من الأنبياء (يبعث إلى قومه) المبعوث إليهم (خاصة)؛ بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة)، كـ (القافية) و (العافية) منصوب على أنَّه مفعول مطلق بمحذوف تقديره: أخص النبي غيري من الأنبياء بالبعثة إلى قومه خصوصًا؛ بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِد؛ بكسر الكاف، خلافًا لابن مالك، و (التاء) فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال بمعنى: مخصوصًا، كما أوضحته في شرحي على «شرح الأزهرية» الذي سميته «تاج الأسطوانية»؛ فيراجع، (وبعثت إلى الناس كافة) أي: جميعًا، وهو مما يلزمه النصب على الحال، واستهجن إضافتها؛ نحو كافتهم، كذا قاله الشَّارح؛ أي: قومي وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، فـ (الناس) : يشمل الإنس والجن، فمن أجاب منهم؛ يقال له: أمة الإجابة، والذي لم يجب؛ يقال له: أمة الدعوة، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «وأرسلت إلى الخلق كافة»؛ وهي أصرح الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه
стр. 607
عليه السلام أرسل إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، (وأعطيت الشفاعة)؛ أي: العظمى، أو التي لأهل الصغائر والكبائر، أو من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، أو لرفع الدرجات في الجنة، أو في إدخال قوم الجنة بلا حساب، انتهى، وتمامه فيما قدمناه في (التيمم)، لكنَّ الشفاعة العظمى لا يشاركه بها أحد من الأنبياء وغيرهم، أمَّا غيرها؛ فيشاركه بها الأنبياء والعلماء وغيرهم؛ فافهم، والله أعلم.
(٥٧) [باب نوم المرأة في المسجد]
هذا (باب) حكم (نوم المرأة في المسجد) سواء كانت حرة أو أمة، فإذا أمِنَت على نفسها، ولم يكن لها مسكن؛ فيجوز نومها فيه، كما يجوز لها السكنى فيه أيضًا، كذا أطلق الشراح، وينبغي تقييده بما إذا لم تكن حائضة، فإنَّ في حال حيضها لا يجوز لها النوم ولا السكنى في المسجد، كما لا يخفى.
[حديث: أن وليدة كانت سوداء]
٤٣٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبيد)؛ بضمِّ أوله؛ مصغرًا غير مضاف، وفي رواية: عبيد الله (بن إسماعيل) هو الكوفي الهَبَّاري، بفتح الهاء وتشديد الموحدة، وعبد الله: اسمه في الأصل كما ثبت في هذه الرواية، وعبيد: لقبه غلب عليه، وعرف به (قال: حدثنا أبو أسامة) : هو حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، (عن هِشام)؛ بكسر الهاء هو ابن عروة، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام المدني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أنَّ)؛ بفتح الهمزة (وَليدة)؛ بفتح الواو مكبرًا؛ يعني: أمة، والوليدة في الأصل: الطفلة، وقد تطلق على الأَمَة وإن كانت كبيرة، وفي «المخصص» : إذا ولد المولود، فهو وليد ساعة تلده أمه، والأنثى وليدة، وفي «المحكم» : الجمع: ولدان، كذا في «عمدة القاري» (كانت سوداء)؛ يعني: كانت امرأة كبيرة سوداء، ولم يذكر أحد اسمها، قاله إمام الشَّارحين (لحي من العرب) أي: لقبيلة منهم، ومتعلق اللام محذوف تقديره: كانت لحي من العرب، وهي في محل نصب على الوصفية، ولم يذكر أحد اسم الحي التي كانت لهم، قاله إمام الشَّارحين، (فأعتقوها) أي: الوليدةَ قومُها، (فكانت معهم) أي: لم تخرج عنهم، (قالت) أي: الوليدة: (فخرجت صبية) لم يقف على اسمها إمام الشَّارحين (لهم) أي: لهؤلاء الحي، وروى ثابت في «الدلائل» من طريق أبي معاوية عن هشام، فزاد فيه: أنَّ الصبية كانت عروسًا، فدخلت في مغتسلها، وكان (عليها) أي: الصبية (وشاح أحمر)؛ بكسر الواو، وبضمِّها، وتبدل همزة مكسورة، فيقال: الإشاح على البدل من الواو؛ وهو خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، والجمع: أوشحة، ووشح، ووشائح وفي «المخصص» : (الوشاح: من وسط إلى أسفل، ولا يكون الوشاح وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ أو ودع)، وفي «الجامع» : (الوشاح: خرز تتوشح المرأة به، ويقال له أيضًا: الوشجن)، وفي «المغيث» : (الوشاح: قلادة) (من سُيور)؛ بضمِّ المهملة، جمع سَير؛ بفتحها، وهو ما يقطع من الجلد غالبًا، وفي «المنتهى» : (إشاح: وهو ينسج من أديم عرضًا، وينظم عليه الجواهر، فيكون نظمان؛ أحدهما معطوف على الآخر، والجمع: وشح)، وفي «الصحاح» (الوشاح: ينسج من أديم عرضًا، ويرصع بالجواهر، وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها)، وقال الداودي: (الوشاح: ثوب؛ كالبُرد، ونحوه)، قال في «المصابيح» : (هذا يصلح تفسيرًا لما في الحديث) انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ الوشاح هو من الجلد بدليل قوله: (من سيور) وهو: ما يقطع من الجلد، وكان عليه اللؤلؤ، فهذا يخالف ما زعمه؛ فافهم.
(قالت) أي: الوليدة، وزعم القسطلاني، وتبعه العجلوني؛ أي: عائشة.
قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ عائشة لم تحضر القصة، وإنَّما الوليدة الحاضرة، وهي تقص القصة على عائشة، ويدل عليه ما رواه ثابت في «الدلائل» وفيه: (أنَّ الصبية كانت عروسًا، فدخلت في مغتسلها، فوضعت الوشاح)، فهذا يدل على أنَّ القائل ذلك هي الوليدة، ويدل عليه أيضًا آخر الحديث؛ حيث قالت عائشة: فحدثتني بهذا؛ فافهم.
(فوضعته) أي: الوشاح على الأرض، أو شيء؛ لأجل الاغتسال (أو وقع منها) بالشك من الراوي، والظاهر أنَّه من عائشة، وروى ثابت في «الدلائل» : فوضعت الصبية الوشاح، من غير شك (فمرت به) أي: بالوشاح، وسقطت لفظة (به) للأربعة (حُدَيَّاة)؛ بضمِّ الحاء وفتح الدال المهملتين، وتشديد التحتية، بعدها ألف، وفي آخره تاء، قال إمام الشَّارحين: والأصل فيها أن يقال حُديْأة؛ بهمزة مفتوحة بعد التحتية الساكنة؛ لأنَّها مصغر (حدأة) على وزن (عنبة)، ولكن أبدلت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصارت حدية، فقيل: حصلت الألف من إشباع الفتحة، وقيل: إنَّها كلمة موضوعة بلفظ التصغير مرادفة لـ (الحدأة)، وقال أمامنا الشَّارح: (وجمع الحدأة: حدء (١) مقصور [و] مهموز نص عليه ثعلب)، وقال ابن قتيبة: (وجمعه حدان)، وقال ابن سيده: (والحداء أيضًا؛ بالمد والكسر: جمع الحدأة وهو نادر)، وقال ابن عديس: (ومن العرب من يسميها أيضًا الحِدَو؛ بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين بعدها واو ساكنة)، قال أبو منصور: (ومنه قول ابن عبَّاس «لا بأس بقتل الحدو»)، وقال ابن عديس: (وهي الحدى؛ مثل العزى، وأهل الحجاز يقولون لها: حديَّة، يشددون التحتية ولا يهمزون، والجمع: حدادي، وعن أبي حاتم أنَّه خطَّأهم في هذا، وقال ابن الأنباري: (الحداء جمع حدأة، وربما فتحوا الحاء فقالوا: حدأة وحداء، والكسر أجود)، وفي «الموعب» : (هي طائر يأكل الجرزان).
قال إمام الشَّارحين: (هي الطائر المعروف الذي هو من الفواسق الخمس المأذون بقتلهن في الحل والحرم) انتهى.
قلت: وهي معروفة يقال لها: شوحة، تأكل الجيف.
(وهو) أي: الوشاح (مُلقًى)؛ بضمِّ الميم: اسم مفعول؛ أي: مرميٌّ على الأرض، أو على السرير ونحوه، والجملة محلها نصب على الحال من الوشاح أو من ضميره، (فحسِبته) أي: ظنت الحدياة الوشاح (لحمًا) أي: سمينًا؛ لأنَّه كان من جلد أحمر، وعليه اللؤلؤ، وهذا لا ينافي كونه مرصعًا باللؤلؤ والجواهر؛ لأنَّ بياض اللؤلؤ والجوهر على حمرة الجلد يصير كاللحم السمين المرغوب فيه لمن يأكله، (فخطَفته)؛ بفتح الطاء المهملة، وزعم القسطلاني وتبعه العجلوني أنَّه بكسر الطاء المهملة على الأفصح، انتهى.
قلت: وفتح الطاء أيضًا فصيح؛ لأنَّه من باب نصر ينصُر؛ فافهم، والخطف: الأخذ بالقوة والقهر بدون حق مترتب.
(قالت) أي: الوليدة: (فالتمسوه) أي: طلب هؤلاء الحي الوشاح المذكور بالسؤال والتفتيش عنه، (فلم يجدوه)؛
стр. 608
أي: الوشاح عند الصبية، وفي الكلام حذف وهو: أنَّ الصبية التمست وشاحها أولًا، فلم تجده فسألت عنه الحي المذكور، فالتمسوه ثانيًا، فلم يجدوه؛ فافهم.
(قالت) أي: الوليدة: (فاتهموني به) أي: بأخذ الوشاح المذكور؛ يعني: بسرقته (قالت) أي: الوليدة لا عائشة كما زعم القسطلاني وتبعه العجلوني: (فطفقوا) أي: شرعوا (يفتشون)؛ أي: يكشفون عن ثيابها وينظرون ثيابها، هل الوشاح معها؟ ويؤيد ما قلناه رواية الأصيلي وابن عساكر: (يفتشوني)؛ بضمِّير المتكلم، فهو يدل على أنَّ هذا قول الوليدة، وزعم العجلوني أنَّ هذه الرواية على حكاية لفظ الوليدة، انتهى.
قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ هذا ليس بقول عائشة، بل هو قول الوليدة؛ لأنَّها المخبرة عن حالها في ذلك، وهذا هو الحقيقة، وما زعمه محاولة وخروج عن الظاهر؛ فافهم.
(حتى) أي: إلى أن (فتشوا قبُلها)؛ بضمِّ القاف والموحدة؛ أي: فرجها، فإن قلت كان القياس أن يقال: (قبلي)، بياء المتكلم.
قلت: إن كان هذا من كلام عائشة؛ فهو على الأصل، وإن كان من كلام الوليدة؛ فهو من باب الالتفات، أو من باب التجريد، فكأنَّها جردت من نفسها شخصًا وأخبرت عنه، والظاهر: أنَّه من كلام الوليدة، كذا قاله إمام الشَّارحين، وكذا استظهر أنَّه من كلام الوليدة ابن حجر العسقلاني في «فتحه».
قلت: وهذا هو الظاهر، ويدل عليه رواية الأصيلي وابن عساكر السابقة، وكذلك رواية المؤلف في (أيام الجاهلية) : (حتى فتشوا قبلي) بياء المتكلم؛ فليحفظ
(قالت) أي: الوليدة (والله إني لقائمة معهم) أي: مع هؤلاء الحي (إذ مرت الحدياة) أي: المذكورة، وكلمة (إذ) على أربعة أقسام؛ أحدها: أن تكون اسمًا للزمن الماضي، والثالث في استعمالها: أن تكون ظرفًا، و «إذ» ههنا من هذا القبيل، وتمامه في موضعها، قاله إمام الشارحين.
قلت: وهي وإن كانت ظرفًا إلا أنَّها ههنا للمفاجأة؛ فافهم.
زاد ثابت في «الدلائل» : (قالت: فدعوت الله أن يبرئني، فجاءت الحدياة، وهم ينظرون) (فألقته) أي: رمت الحدياة الوشاح المذكور (قالت) أي: الوليدة: (فوقع) أي: الوشاح (بينهم) أي: بين هؤلاء الحي (قالت) أي: الوليدة: (فقلت) أي: لهؤلاء الحي: (هذا) أي: الوشاح المذكور هو (الذي اتهمتموني به) أي: نسبتموني إلى سرقته (زعمتم) أي: أني أخذته، فحذف مفعول (زعمت)؛ للقرينة الدالة عليه، بل صرح به في نسخة، قال الأصمعي: (الزعم: الكذب)، وقال الواحدي: (وأكثر ما يستعمل بمعنى فيمالا يتحقق)، قال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان؛ إذا شك فيه ولم يدر لعله كذب أو باطل)، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب) انتهى.
فقولها: (زعمتم) تريد: كذبتم علي (وأنا منه بريئة)؛ الجملة حالية، والضمير في (منه) يرجع إلى الزعم الذي يدل عليه (زعمتم) ويجوز أن يرجع إلى الوشاح؛ أي: من أخذه؛ قاله إمام الشَّارحين.
قلت: والذي يظهر أنَّ المعنى الثاني أوفق للمقام، وإن كان المعنى الأول صحيحًا؛ فتأمل.
(وهو ذا هو) قال إمام الشَّارحين: فيه أوجه من الإعراب:
الأول: أن يكون (هو) الأول مبتدأً و (ذا) خبره، و (هو) الثاني خبر بعد خبر، ويكون (هو) الأول راجعًا (١) إلى الوشاح و (ذا) إشارة إلى المُلقى.
الثاني: أن يكون (هو) الثاني تأكيدًا للأول.
الثالث: أن يكون تأكيدًا لـ (ذا).
الرابع: أن يكون بيانًا له.
الخامس: أن يكون (ذا) مبتدأ ثانيًا، وخبره (هو) الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
السادس: أن يكون (هو) ضمير الشأن، ويكون (ذا) مع (هو) الثاني جملة، أو الثاني خبرًا (٢) محذوفًا والجملة تأكيدًا للجملة.
السابع: أن يكون (ذا) منصوبًا على الاختصاص.
ووقع في رواية أبي نعيم (وها هو ذا)، وفي رواية ابن خزيمة (وهو ذا) كما ترون، انتهى.
(قالت) أي: عائشة، قاله الشَّارح وتبعه الشرَّاح: (فجاءت)؛ أي: الوليدة؛ أي: بعد ما هاجرت من بلاد هؤلاء الحي (إلى رسول الله) وللأصيلي: (إلى النبي الأعظم) ﷺ ؛ أي: إلى مدينته المنورة حتى تشرفت برؤيته، (فأسلمت)؛ أي: على يديه، (قالت)؛ أي: عائشة: (فكانت)؛ أي: الوليدة، وللكشميهني (فكان)، قلت: والظاهر: أنها بمعنى: وجد، وقوله (لها خباء) خبر ومبتدأ، و (في المسجد) متعلق بـ (وجد).
وزعم العجلوني أن (كان) في هذه الرواية على إسناد (كان) إلى خباء في (لها خباء) و (لها) خبرها مقدم، والأقرب جعله حالًا والخبر (في المسجد) (٣) انتهى.
قلت: وهو غير ظاهر مع ما فيه من التعسف؛ فافهم، و (الخِباء) : بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة، وبالمد؛ وهي خيمة تكون من وبر، أو صوف، وهي على عمودين أو ثلاثة وما فوقها.
وقال أبو عبيدة: (الخباء لا يكون إلا من شعر).
قلت: وفيه نظر، ففي «المخصص» : (الخباء: يكون من وبر، أو صوف، ولا يكون من شعر).
وقال الكلبي: (بيوت العرب ستة: مظلة من شعر، خباء من صوف، بجاد من وبر، خيمة من شجر، أقنة (٤) من حجر، قبة من أدم).
وقال ابن دريد: (الأخبية: بيوت الأعراب، فإذا ضخم الخباء؛ فهو بيت، والخباء مشتق من خبأت خبيئًا، ويقال: تخبأت).
وعن الفارسي: (أصل هذه الكلمة التغطية)، وعن ابن السكيت: (أخبينا خباء: نصبناه، واستخبيناه: نصبناه ودخلنا فيه) انتهى.
(في المسجد)؛ أي: النبوي، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حال و (ال) في (المسجد) للعهد؛ أي: المعهود عن عائشة، وهو مسجده ﵇ (أو حِفْش) بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء آخره شين معجمة؛ وهو بيت صغير قريب السمك، مأخوذ من الانحفاش؛ وهو الانضمام، وذكر ابن عديس: أنه الصغير من بيوت الأعراب، وقيل الحفش: بالفتح والكسر والاسكان: وبفتح الفاء: البيت القريب السمك من الأرض وجمعه: أحفاش وحفاش، وفي «المخصص» : (أنه من الشعر، لا من الآجر)، وفي «المغرب» : (استعير من حفش المرأة؛ وهو درجها)، وقال أبو عبيد: (هو البيت البردي، وقيل: الخرب)، وقال الجوهري: (وهو وعاء المغازل).
قلت: (لكنه استعير للبيت الصغير) قاله إمام الشَّارحين.
وكلمة (أو) للشك من عائشة (قالت)؛ أي: عائشة: (فكانت)؛ أي: الوليدة (تأتيني فتحدِّث عندي)؛ بلفظ المضارع، أصله: تتحدث من التحدث، فحُذفت إحدى التاءين، فعند سيبويه: المحذوف التاء الثانية؛ لأنَّ الثقل نشأ منها، وقيل: هي الأولى؛ لأنَّها زائدة، كذا في
стр. 609
«عمدة القاري».
قلت: والأظهر: الأول، والعلة في الحذف التخفيف.
(قالت)؛ أي: عائشة (فلا تجلس)؛ أي: الوليدة المذكورة (عندي مجلسًا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا)؛ بمثناة فوقية، قبل العين، كذا في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية غيرهم (من أعاجيب) بالهمزة بدل التاء، وأعاجيب جمع (أعجوبة)، كأحدوثة، وكذلك تعاجيب، فلا واحد له من لفظه، كما قاله ابن سيده، والجوهري، وقال الزركشي: (لا واحد له من لفظه، ومعناه: عجائب)، قال في «المصابيح» : (ولا أدري لم لا يُجعل جمعًا لتعجيب مع أنَّه ثابت في اللغة؟ يقال: عجَّبت فلانًا تعجيبًا إذا جعلته يعجب، وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع) انتهى.
قلت: ولم أر من الشراح من تكلم فيه، والظاهر: أنَّه وجيه، لكن أهل اللغة كالجوهري، وابن سيده، وغيرهما، لم يسلموه؛ فافهم.
(ألا)؛ بتخفيف اللام للضرورة؛ استفتاحية (إنَّه)؛ بكسر الهمزة؛ أي: الله تعالى (من بلدة الكفر أنجاني)، وهذا البيت من البحر الطويل، وأجزاؤه ثمانية، وهي فعولن مفاعيلن، ثمان مرات، وفيه القبض في الجزء الأول، وهو حذف الخامس الساكن قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن حجر إن أشبعت حركة الحاء من (الوشاح)؛ صار سالمًا أو قلت: (ويوم وشاحٍ)؛ بالتنوين، وبحذف (أل) : من الوشاح صار في أول جزء من البيت، وهو أخفُّ من الأول، واستعمال القبض في الجزء الثاني وكذا السادس في أشعار العرب؛ كثيرٌ، وأما أشعار المولدين؛ فيندر استعماله، انتهى.
قلت: هذا قياس علم العروض، لكنَّ الرواية ههنا تخالفه؛ فافهم.
(قالت: عائشة)؛ أي: الصديقة ﵂: (فقلت لها) أي: للوليدة: (ما شأنك لا تقعدين)؛ بضمِّ العين المهملة (معي مَقعدًا)؛ بفتح الميم (إلا قلت هذا)؛ أي: إلا أنشدت هذا البيت، (قالت)؛ أي: عائشة: (فحدثتني بهذا الحديث)؛ أي: المتضمن للقصة المذكورة، أو المراد بالحديث القصة المعروفة.
ومطابقته للترجمة في قولها: (وكان لها خباء في المسجد)؛ لأنَّها لم تنصب (خباء) فيه إلا للبيتوتة، والنوم فيه.
قال ابن بطال: (وفي الحديث: أنَّ من لم يكن له مسكن، ولا مكان مبيت؛ أن يباح له المبيت في المسجد سواء كان رجلًا أو امرأة عند حصول الأمن من الفتنة) انتهى.
قلت: ومن كان بهذه الحالة؛ فهو المسافر، أمَّا المقيم؛ فيكره له النوم في المسجد سواء كان ليلًا أو نهارًا، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.
وفي الحديث جواز استظلال الشخص في المسجد بالخيمة ونحوها مما لم يكن فيه تضييق على المصلين.
وفيه أنَّ السنة الخروج من بلدة جرت فيها فتنة على الإنسان؛ تشاؤمًا بها، وربما كان الذي جرى عليه من المحنة سببًا لخير أراده الله بها في غير تلك البلدة كما جرى لهذه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية سيد الأنام ﵇، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧]، وفيه فضل الهجرة من دار الكفر، انتهى.
وزعم العجلوني أنَّ فيه إجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرًا؛ لأنَّ في السياق ما يدل على أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة، انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر السياق يدلُّ على أنَّ إسلامها كان قبل قدومها، ولئن سلم؛ فيحتمل أنَّها أسلمت قبل، ثم جدَّدت إسلامها بعد قدومها، لكن ليس في السياق ما يدلُّ على دعوتها أيضًا، وعلى كلٍّ؛ فهو غير ظاهر؛ والله أعلم.
(٥٨) [باب نوم الرجال في المسجد]
هذا (باب) حكم (نوم الرجال) : ليلًا أو نهارًا (في المسجد) (أل) فيه للجنس.
قال إمام الشَّارحين (فإن قلت: لم ما قال: نوم الرجل؛ مثل ما قال في الباب السابق: نوم المرأة على الإفراد؟
قلت: أمَّا الإفراد هناك؛ فلأجل أنَّ الحديث الذي فيه في قصة امرأة واحدة، وأمَّا الجمع ههنا؛ فلأن الأثر الذي ذكره في أول هذا الباب في الجماعة، على أنَّ في بعض النسخ: باب «نوم الرجل») انتهى.
قلت: يعني: بالإفراد وهو للجنس، فيساوي الجمع، وتقديرنا الحكم أولى من تقدير غيرنا الجواز؛ لأنَّ الحكم أعم؛ فيشمل الجائز المكروه وغيره؛ فافهم.
وإن كان مراد المؤلف الجواز على ما فيه، كما سيأتي؛ فافهم.
(وقال أبو قِلَابة)؛ بكسر القاف، وتخفيف اللام، واسمه عبد الله بن زيد، قال إمامنا الشَّارح: هذا التعليق قطعة من قصة العرنيين، وقد تقدم حديثهم في (الطهارة)، وهذا اللفظ أورده المؤلف موصولًا في (المحاربين) من طريق وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، (عن أنس) زاد الأصيلي (ابن مالك) : هو الأنصاري أنَّه قال: (قدِم) بكسر الدال المهملة (رَهط)؛ بالراء المهملة: هو ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة (من عُكْل) بضمِّ المهملة وسكون الكاف وبلام: قبيلة من العرب معروفة (على النبيِّ) الأعظم ﷺ ، فكانوا) أي: الرهط (في الصُفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء؛ وهي موضع في أخريات المسجد النبوي، عليه سقائف مظلله، تأوي إليه الفقراء والمساكين، فنُسبوا إليها، فيقال لهم: أصحاب الصُفَّة، وقيل سموا بأصحاب الصفة؛ لأنَّهم كانوا يصفون على باب المسجد.
ومطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنَّهم كانوا ينامون في الصفة على عهده ﵇، وهو يدلُّ على الجواز من غير كراهة؛ لأنَّهم كانوا غرباء مسافرين، أمَّا المقيمون؛ فكره ذلك لهم؛ لأنَّ المقيم لابدَّ له من مسكن، أمَّا الغريب المسكين؛ فليس له مسكن، فيباح له ذلك؛ فافهم.
(وقال عبد الرحمن بن أبي بكر) زاد الأصيلي: (الصديق) ﵁، شهد عبد الرحمن بدرًا مع المشركين، ثم أسلم، وهاجر قبل الفتح، وكان أشجع قريش، مات قريب مكة سنة ثلاث وخمسين، وقيل: بعدها، وحمل على رقاب الرجال إلى مكة، وهو شقيق عائشة أم المؤمنين، ولمَّا أخبرت بموته؛ خرجت من المدينة حاجَّة حتى وقفت على قبره، فبكت وتمثلت بقول الشاعر:
стр. 610
وكنا كندمان جذيمة حقبة... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكًا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقالت: أما والله لو حضرتك؛ لدفنتك حيث مت.
وزعم العجلوني أن عبد الرحمن هذا ليس هو المدفون بمرج الدحداح- مقبرة من مقابر دمشق الشام- بل ذاك من نسله على ما قيل، انتهى.
قلت: وقد اشتهر هذا المكان بقبر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄، وعليه قبة عظيمة ومكان مبارك يقصد بالزيارة، ويستجاب فيه الدعاء.
(كان أصحاب الصُفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: موضع مظلل من المسجد، تأوي إليه المساكين، ولهذا قال: (الفقراء)؛ بالتعريف لغير الأربعة ولهم (فقراء)؛ بالتنكير، وعليه؛ فهو خبر (كان) لا غير، بخلافه على التعريف؛ فهو إما اسم (كان) مؤخرًا، و (أصحاب) خبرها مقدم؛ لأنَّهما معرفتان أو بالعكس وهو أولى.
قال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق أول حديث طويل يأتي ذكره في باب: «السَمَر مع الأهل»، وأوله: حدثنا أبو النُّعمان قال: حدثنا معتمر قال: حدثنا أبو (١) سليمان قال: حدثنا أبو عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء وأن النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «من كان عنده طعام اثنين؛ فليذهب بثالث...»؛ الحديث) انتهى.
قلت: ووجه مطابقته للترجمة من حيث إنَّ قوله: (أصحاب الصفة)؛ مشعر بنومهم في المسجد؛ لأنَّها من المسجد؛ ففيه جواز النوم في المسجد للفقراء الغرباء الذين ليس لهم مسكن ولا مأوًى، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، كما رواه عنهما ابن أبي شيبة، وسيأتي تمامه، إن شاء الله تعالى.
[حديث ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد]
٤٤٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) : هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان، (عن عُبيد الله)؛ بضمِّ العين المهملة؛ مصغرًا: هو ابن عمر العمري (قال: حدثني) بالإفراد (نافع) : هو مولى ابن عمر المدني (قال أخبرني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمر) : هو ابن الخطاب القرشي العدوي، وسقط (ابن عمر) لغير أبي ذر: (أنه كان ينام وهو شاب) جملة اسمية حالية (أعزب) نعت لشاب، أو خبر بعد خبر، و (أعزب) : بالهمزة رواية الأكثرين وهي لغة قليلة، بل أنكرها القزاز حيث قال في «الجامع» : (العزب: الذي لا امرأة له، وكذلك المرأة التي لا زوج لها، كل واحد منهما عزب، وعزبة، وقد عزب الرجل يعزب عزوبة فهو عزب، ولا يقال: أعزب).
وردَّ أبو إسحاق الزجَّاج على ثعلب في «الفصيح» في قوله: (امرأة عزبة) فقال: (هذا خطأ، وإنَّما يقال: رجل عزب وامرأة عزب، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ لأنَّه مصدر، قال الشاعر:
يا من يدل عزبًا على عزب... على فتاة مثل نبراس الذهب)
والنِبْراس؛ بكسر النون وسكون الموحدة: المصباح.
والمشهور: عَزَب؛ بفتحتين، كذا ضبطه الدمياطي، وقال صاحب «المنتهى» : (العزب؛ بالتحريك نعت للذكر والأنثى، لكن قد ثبت في رواية أبي ذر: عزِب؛ بكسر الزاي وبدون الهمز).
قال البرماوي: (وهي اللغة الفصيحة).
وقال الكسائي: (العزبة التي لا زوج لها، والأول أشهر).
وقال ابن درستويه: (العامة تقول: عزبة؛ وهو يجوز في المصادر إذا غلبت على الصفة حتى جرت مجرى الأسماء، وليس بالمختار).
وفي «المحكم» : (رجل عزب ومعزابة: لا أهل له، وامرأة عزبة وعزب، والجمع «أعزاب»، وجمع العازب: «عزاب»، والعزب: اسم للجمع، وكذلك العزيب: اسم للجمع).
وقال في «القاموس» : (العزب؛ محركة: من لا أهل له؛ كالمعزابة والعزيب، ولا تقل: أعزب أو قليل، والجمع «أعزاب»، وهي عزبة وعزب، والاسم العزبة والعزوبة، والفعل كنصر، وتعزَّب: ترك النكاح).
وزعم العجلوني: أن في القسطلاني تبعًا «للمصابيح»، وفي رواية أبي زيد: (عزب)، قال: أقول: هو أبو زيد المروزي وهو محتمل؛ فإن القسطلاني ذكره في (الخطبة) انتهى.
قلت: وهو فاسد؛ لأنَّ العجلوني نقل عن هذه النسخة المصحَّفة، وإنما نسخ القسطلاني جميعها، (ولأبي ذر...) إلخ. وإذا كان صاحب «المصابيح» روى عن أبي زيد؛ لا يلزم أن يكون هو الراوي ههنا؛ فإنَّا لم نعهد رواية عن أبي زيد المروزي ههنا، ولا يلزم من ذكر القسطلاني له في (الخطبة) أن يكون راويًا عن المؤلف ههنا، وليس في ذلك احتمال، كما لا يخفى؛ فافهم.
(لا أهل له)؛ أي: لا زوجة لابن عمر، وهو إن كان مفهومًا من قوله: (أعزب) إلا أنَّه قد ذكره؛ لأجل التأكيد، أو التأسيس، أو التعميم، فإنَّه من العام بعد الخاص؛ لأنَّ الأهل يشمل الأقارب والزوجة؛ فافهم.
(في مسجد النبيِّ) الأعظم ﷺ الجار والمجرور متعلق بقوله (ينام) وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أواخر (الصلاة) في باب (فضل قيام الليل مطولًا)، وفيه: (وكنت غلامًا شابًّا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ...)؛ الحديث، وأخرجه مسلم وابن ماجه، ولفظ مسلم: (كنت أبيت في المسجد ولم يكن لي أهل)، ولفظ ابن ماجه: (كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، ففيه: جواز النوم في المسجد لمن هو أعزب غير غريب، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وابن سيرين، وهو أحد قولي الشافعي.
ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ النوم في المسجد لغير الغريب مكروه؛ لأنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة لا للنوم، وهو مذهب ابن عبَّاس، فإنَّه قال: (لا تتخذوا المسجد مرقدًا)، وروي عنه أنه قال: (إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس)،
стр. 611
وقال مالك: (لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد)، وبه قال أحمد وإسحاق، وكره النوم فيه: ابن مسعود، وطاووس، ومجاهد، وهو قول الأوزاعي.
والظاهر: أنَّ نوم ابن عمر فيه كان نهارًا لا ليلًا؛ لأنَّ قوله: (كان ينام)، أو (كنت أنام)، أو (كنا ننام) على اختلاف الروايات؛ محتمل للوجهين؛ أرجحهما: الأول، فلا دلالة فيه على ما ذكر، وسُئِل ابن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه فقالا: (كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصُفَّة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد).
قلت: وهذا يدلُّ على الإباحة للغريب الفقير الأعزب، ويدلُّ على كراهته لغيره، كما لا يخفى، وذكر الطبري عن الحسن قال: (رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين).
قلت: لعله كان نائمًا نهارًا لا ليلًا، ويحتمل أنَّه كان ينتظر الصلاة، ومثل النوم فيه الأكل، والشرب، والجلوس؛ فهو مكروه إلا لمعتكف؛ لأنَّ المساجد قد بنيت للعبادة، كما لا يخفى؛ فافهم، والصحيح عند الشافعي: عدم الكراهة، وما ذكرناه حجة عليه؛ فافهم.
[حديث: قم أبا تراب قم أبا تراب]
٤٤١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة بن سعِيد)؛ بكسر العين المهملة: هو ابن جميل الثقفي البلخي، و (قتيبة) : لقبه، غلب عليه وعرف به، واسمه يحيى (قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي: هو المدني، ولم يكن بالمدينة أفقه منه بعد مالك المتوفى سنة أربع وثمانين ومئة، (عن) أبيه (أبي حازم) واسمه سَلَمَة -بفتحات- ابن دينار الأعرج المدني الزاهد، (عن سهل بن سعْد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن مالك الساعدي الأنصاري الصحابي آخر من مات من الصحابة ﵁ (قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة)؛ أي: الزهراء ابنته ﵇، و (بيت) منصوب: مفعول (جاء)؛ لأنَّه متعدٍّ، (فلم يجد عليًّا)؛ أي: ابن أبي طالب الصديق الأصغر زوج فاطمة ﵄ (في البيت) وهل البيت لعلي أو لفاطمة؟ ظاهر اللفظ: يدل للثاني، ويحتمل أنَّه لعلي، وعبَّر به باعتبار سكناها فيه؛ فافهم.
(فقال)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ لابنته فاطمة: (أين ابن عمكِ؟)؛ بكسر الكاف: أراد به: علي بن أبي طالب، وفي الحقيقة: هو ابن عم النبيِّ الأعظم ﷺ ، وإنَّما اختار هذه العبارة ولم يقل: أين زوجك؟ أو أين علي؟ لأنَّه ﵇ فهم أنَّه جرى بينهما شيء؛ فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة النسبية التي بينهما) قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وفيه إطلاق ابن العم على أقارب الأب؛ لأنَّه ابن عم أبيها، ويحتمل أنَّه أراد بهذه العبارة ظاهرها، وهو أنَّه يقال لوالد الزوج: عم في العرف؛ فأراد ابن عمها في الزوجية؛ فافهم.
(قالت) ولابن عساكر (وقالت)؛ بالواو، وللأصيلي (فقالت)؛ بالفاء؛ أي: فاطمة: (كان بيني وبينه شيء)؛ أي: أمر يقتضي المنافرة بين الزوجين عادة، (فغاضبني) من باب المفاعلة الموضوع لمشاركة الاثنين، لكنه ابتدأ هو بالمغاضبة، (فخرج)؛ أي: علي، (فلم)؛ بالفاء، وللأصيلي (ولم)؛ بالواو (يَقِل)؛ بفتح التحتية، وكسر القاف: من القيلولة، وللأصيلي وابن عساكر (يُقل)؛ بضمِّ أوله من (الإقالة)؛ بمعنى: (القيلولة)، والقائلة: وهو النوم في نصف النهار، وقال الزمخشري: (الهاء في القائلة تدل على الساعة؛ كقولهم: الهاجرة)، وقال الفراء: (قلت: وأنا أقيل قيلًا ومقيلًا وقيلولة وقائلة)، وفي «نوادر اللحياني» : (أنا قائل، والجمع قائلون وقيال)، وفي «المخصص» : (قوم قيَّل؛ بالتشديد)، وفي «الصحاح» : (قيل؛ بالتخفيف مثل صاحب وصحب)، كذا في «عمدة القاري».
(فقال رسول الله ﷺ لإنسان) وللطبراني: (فأمر إنسانًا معه، فوجده مضطجعًا في فيء الجدار، وقال بعضهم: هو عمران بن حصين).
وزعم ابن حجر أنَّه ظهر له أنَّه سهل راوي الحديث؛ لأنَّه لم يذكر أنَّه كان معه غيره.
قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لو كان هو الراوي؛ لكان يقول: فقال لي، ولم يقل: لإنسان، وظاهر اللفظ: يدل على أنَّ سهلًا لم يحضر القصة، بل كان في المسجد؛ فسمع هذه القصة من عمران، وقوله: (لأنَّه لم يذكر...) إلخ: تردُّه رواية الطبراني: (فأمر إنسانًا معه)؛ فهي تدلُّ على أنَّ (الإنسان) هو عمران بن حصين، وهو الصواب؛ فافهم.
(انظر أين هو)؛ أي: في أي مكان علي؟
فإن قلت: ينافيه ما للمؤلف في «الأدب» : (أنه ﵇ قال لفاطمة: «أين ابن عمك؟» قالت: في المسجد).
قلت: لا ينافيه؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد من قوله: «انظر أين هو» : المكان المخصوص من المسجد، أو هل بقي فيه، أو تحول منه؟ فافهم.
(فجاء)؛ أي: فذهب ذلك الإنسان الذي أمره، فرأى عليًّا في المسجد، ثم جاء إلى النبيِّ الأعظم ﷺ (فقال: يا رسول الله؛ هو) أي: علي (في المسجد)؛ أي: النبوي والجار والمجرور متعلق بقوله: (راقدٌ)؛ أي: نائم، وهو بالرفع خبر لقوله: (هو)، ويحتمل أنَّه خبر أول، و (راقد) خبر ثان، (فجاء رسول الله ﷺ ؛ أي: إلى المسجد المدني؛ ليراضي عليًّا، ولا يخفى ما فيه من غاية التواضع واللطف منه ﵇؛ حيث إنَّه لم يستحضر عليًّا للمنزل، بل ذهب بنفسه الشريفة إليه؛ فرآه (وهو مضطجع) : جملة اسمية محلها نصب على الحال، وكذلك قوله: (قد سقط) أي: وقع (رِدَاؤه)؛ بكسر الراء، وفتح الدال المهملتين: وهو ما يستر أعلى البدن، جملة حالية (عن شِقه)؛ بكسر الشين المعجمة؛ أي: جانبه الأيسر؛ لأنَّه كان ينام على الأيمن، كما هو السنة (وأصابه) أي: عليًّا (تراب)؛ أي: من تراب المسجد، والجملة حالية، (فجعل رسول الله ﷺ : ملاطفًا ومؤانسًا لعلي (يمسحه) أي: التراب (عنه)؛ أي: عن علي (ويقول) له: (قم؛ أبا تراب، قم أبا تراب)؛ بتكرار الجملة للتأكيد، إيقاظًا لعلي من نومه، و (أبا تراب) : منادى حذف منه حرف النداء تقديره: يا أبا تراب، على حد قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]
ومطابقة الحديث للترجمة، ظاهرة وظاهر الحديث: يدل على أنَّ
стр. 612
نوم علي في المسجد إنَّما كان نهارًا لا ليلًا، يدل عليه قولها: (فخرج، فلم يَقِل)؛ يعني: وأنَّه أقال في المسجد، والقيلولة: النوم في نصف النهار؛ ففيه: دليل على جواز النوم نهارًا في المسجد لغير الغريب، ولغير الفقير، ولغير الأعزب، وهذا القيد وهو كونه (نوم النهار) قد غفل عنه العجلوني.
وقد يقال: لا دلالة فيه لجواز النوم في المسجد لغير الغريب؛ لأنَّ عليًّا لما كان ممنوعًا من النوم في البيت من أجل المغاضبة؛ فكأنه كالغريب الأعزب؛ حيث إنَّه منع من البيت والزوجة طبعًا؛ لعدم الائتلاف الحاصل بينهما؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام:
الأول: فيه جواز دخول الوالد بيت ولده بغير إذن زوجها.
الثاني: فيه استعطاف الشخص غيره بذكر ما بينهما من القرابة.
الثالث: فيه إباحة النوم في المسجد لغير الغريب، أو لغير الفقير، وكذلك القيلولة في المسجد؛ فإنَّ عليًّا لم يقل عند فاطمة ونام في المسجد، وروى أبو نعيم في كتاب (المساجد) بسنده إلى جبير بن مطعم عن أبيه يرفعه: «لاتمنعوا القائلة في المسجد مقيمًا ولا ضعيفًا»
الرابع: فيه جواز الممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنية، إذا كان ذلك لا يغضبه، بل يؤنسه.
الخامس: فيه مداراة الصهر، وتسلية أمره في غيابه.
السادس: فيه جواز التكنية بغير الولد؛ لأنَّه ﵇ كناه: (أبا تراب)، وعند المؤلف في (الاستئذان) : (ما كان لعلي اسم أحبُّ إليه من أبي تراب، وأنَّه كان يفرح بها).
السابع: فيه فضيلة عظيمة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، انتهى.
وزعم العجلوني أنَّ فيه: أنَّه لا بأس بإبداء المنكبين في غير الصلاة، انتهى.
قلت: بل لا بأس بذلك في الصلاة أيضًا؛ لأنَّه ليس فيه كشف العورة؛ فافهم.
وفيه إباحة الأكل والشرب في المسجد قياسًا على النوم فيه إذا لم يضر المسجد، والظاهر: أنَّه مباح للغريب، والمسافر، والفقير، أمَّا المقيم الذي له مسكن؛ فيكره ذلك له؛ لأنَّ منزله أولى في ذلك.
وفيه جواز النوم على التراب إذا لم يضر جسده، والله أعلم.
[حديث: رأيت سبعين من أصحاب الصفة]
٤٤٢ - وبالسند إليه قال: (حدثنا يوسف بن عيسى) : هو ابن يعقوب المروزي (قال حدثنا ابن فُضَيْل)؛ بضمِّ الفاء وفتح المعجمة؛ مصغرًا: هو محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومئة، (عن أبيه) هو فضيل المذكور، (عن أبي حازم)؛ بالحاء المهملة، والزاي: هو سلْمان؛ بسكون اللام: الأشجعي الكوفي المدني.
قال إمام الشَّارحين: (وأبو حازم هذا أكبر من أبي حازم الذي قبله في السن واللقاء وإن كانا جميعًا مدنيين، تابعيين، ثقتين، ويحتاج الواقف هنا أن يكون على التيقُّظ؛ لئلَّا يقع التلبيس؛ لأجل التشابه) انتهى.
وذكر نحوه ابن حجر، واعترضه العجلوني فقال: (يفترقان بأنَّ الأول اسمه سلمة بن دينار ويروي عن سهل بن سعد، وهذا اسمه سلمان الأشجعي ويروي عن أبي هريرة؛ فاعرف الامتياز بينهما) انتهى.
قلت: هذا التفريق يحتاج إلى التأمل والتفحص عن أسماء الرجال، والمؤلف ذكر الأول والثاني بلفظ: (أبو حازم)، ولا ريب أنَّ فيه اشتباهًا، ولا يلزم من رواية الأول عن سهل ألَّا يروي عن أبي هريرة أو بالعكس؛ لأنَّ كلًّا منهما تابعي يروي عن الصحابي، فما زعمه العجلوني ليس في محله، وهو غير ظاهر، كما لا يخفى؛ فافهم.
(عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر؛ الدوسي الصحابي الجليل ﵁ أنَّه (قال: رأيت) وفي رواية الأربعة: (لقد رأيت) (سبعين) أي: شخصًا (من أصحاب الصُّفَّة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: موضع في مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ تأوي إليه الفقراء والمساكين، كما مر.
وهذا يشعر بأنَّهم كانوا أكثر من سبعين وهو كذلك، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبيُّ الأعظم ﵇ في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصُّفَّة أيضًا، لكنَّهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة) انتهى.
قلت: وقد جمع ابن الأعرابي، والسلمي، والحاكم، وأبو نعيم: أصحاب الصفة وعند كل منهم ما ليس عند الآخر؛ فيراجع.
وقوله: (ما منهم رجل عليه رِدَاء)؛ بكسر الراء وفتح الدال المهملتين، والمد: هو ما يستر أعلى البدن، جملة حالية من (سبعين)، ويحتمل أنَّها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ فتأمل.
(إمَّا) بكسر الهمزة؛ للتفصيل (إزار)؛ بكسر الهمزة، والمعجمة والمهملة: هو ما يستر النصف الأسفل من البدن؛ يعني: إمَّا عليه إزار فقط، فـ (إزار) : خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه (وإِمَّا كِساء)؛ بكسر الهمزة، وكسر الكاف مع المدِّ، لكنَّه على الهيئة المذكورة في قوله: (قد ربطوا)؛ أي: الأكسية، وهي صفة لـ (الكساء) والعائد إليه محذوف للعلم به، تقديره: (ربطوه)، وجمع الضمير في (ربطوا) العائد إلى (الرجل) و (الكساء)؛ لأنَّ المراد به: الجنس؛ كالضمير في قوله: (في أعناقهم)؛ لأنَّ المراد به الجنس، (فمنها)؛ أي: الأكسية، وجمع باعتبار أنَّ المراد بـ (الكساء) الجنس أيضًا (ما يبلغ نصف الساقين) ولم يُثنَّى لفظ: (النصف)؛ للعلم بأنَّ المراد منه التشبيه؛ حيث أضيف إلى الساقين؛ قاله العجلوني.
قلت: ليس كذلك، فإنَّه لو أريد به التثنية لم تسقط الألف، بل النون فقط للإضافة، فلم يبق علامة تدل على التثنية، بل لفظ: (نصف) مفرد، ولم يُثنِّه؛ للعلم بأنَّ لكل رجل منهم ساقين؛ فافهم
(ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه)؛ أي: يجمع الواحد منهم الكساء بيده، وزاد الإسماعيلي في روايته: (أنَّ ذلك في حال كونهم في الصلاة) قاله إمامنا الشَّارح، وعزا هذه الرواية القسطلاني للأصيلي، انتهى.
قلت: والظاهر: أنَّه خطأ، بل هي
стр. 613
رواية الإسماعيلي، كما ذكرها الشَّارحون؛ فافهم
(كراهية)، بتخفيف التحتية، وفي رواية: (كراهة) بحذفها، وفي رواية: (مخافة)، وهي بالنصب مفعول لأجله (أن تُرى) بضمِّ الفوقية (عورته)؛ أي: من تحت الإزار والكساء، والمعنى: أنَّه لم يكن لأحد منهم ثوبان، ويدلُّ عليه قول جابر بن عبد الله: (وأيُّنا كان له ثوبان على عهد رسول الله ﷺ ؟)، كما سبق في باب (عقد الإزار على القفا).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (من أصحاب الصفة)؛ لأنَّه يشعر بأنَّهم كانوا ينامون فيها، واستوطنوها.
وفيه: جواز النوم للفقير الغريب الأعزب في المسجد، وهو يفيد أنَّه يكره النوم في المسجد للمتزوج، وكذلك من له مسكن، وهو كذلك؛ فإنَّ المساجد إنَّما بنيت للعبادة؛ كصلاة، وتلاوة قرآن، وتدريس فقه أو حديث ونحوها مما لم يشغل المصلين، فما يفعله بعض المتصوفة: من إقامة الأذكار في المساجد مع رفع الصوت والتغني؛ فهو أمر منكر مذموم لا أصل له في السنة، بل هو بدعة منكرة، كيف وقد ثبت عن صاحب الرسالة العظمى والنبوة الكبرى: «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي»؛ فيجب على كل من له قدرة أن يغير المنكرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي الحديث: افتراض ستر العورة في الصلاة وخارجها، وفيه: جواز الأكل والشرب في المسجد للغريب والفقير الأعزب؛ كالهنود، والأغوان الذين في رواق المسجد الأموي في ديارنا الشريفة الشامية.
(٥٩) [باب الصلاة إذا قدم من سفر]
هذا (باب) حكم (الصلاة) في المسجد، وغيره (إذا قدم)؛ بكسر الدال المهملة؛ أي: الرجل (من سفر)؛ بالتنكير، وظاهره: الإطلاق؛ أي: سواء كان طويلًا، أو قصيرًا في طاعة أو لا، وزعم العجلوني أنَّ المتبادر منه الطويل، انتهى.
قلت: ليس كذلك، بل المتبادر منه الإطلاق؛ لأنَّ الإتيان بالصلاة بعد القدوم من السفر إنَّما هي لأجل الشكر على نعمة السلامة، وهي لا تخص سفرًا دون سفر، كما لا يخفى، ويدلُّ عليه تنكيره السفر في الترجمة؛ فإنَّه يفيد الإطلاق وهو الأولى؛ فافهم
(وقال كعب بن مالك) : هو الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين أنزل الله فيهم آية: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وشهد العقبة مع السبعين، المتوفى بالمدينة سنة خمسين: (كان النبيُّ) الأعظم ﷺ إذا قدم) بكسر الدال المهملة (من سفر)؛ بالتنكير، وقوله (بدأ)؛ بالهمز في آخره؛ جواب (إذا) (بالمسجد)؛ أي: النبوي (فصلى فيه)؛ أي: في المسجد قبل ذهابه لبيته، وأقلُّ الصلاة فيه: ركعتان ينوي بهما سنة القدوم من السفر، ويحصل بها تحية المسجد؛ لأنَّ النفل يتداخل بعضه في بعض، كما لو نوى سنة الوضوء، وسنة تحية المسجد وغيرهما من النوافل في صلاة واحدة؛ كفى ذلك وحصل ثواب الجميع.
قال إمام الشَّارحين: وهذا التعليق ذكره البخاري مسندًا في غزوة تبوك، وهو حديث طويل يرويه عن يحيى ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدثني حين تخلف عن غزوة تبوك... ؛ الحديث بطوله، وفيه: (وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد؛ فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس...)؛ الحديث، ومطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.
[حديث: صل ركعتين]
٤٤٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد بن يحيى)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام على وزن (فعَّال)؛ بالتشديد: هو ابن صفوان الكوفي السلمي سكن مكة، وتوفي سنة سبع عشرة ومئتين (قال: حدثنا مِسْعَر)؛ بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين المهملتين: هو ابن كدام الكوفي (قال: حدثنا مُحَارِب) بضمِّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر الراء، آخره موحدة (بن دِثار)؛ بكسر الدال المهملة، وبالمثلثة، وبالراء: هو السدوسي قاضي الكوفة؛ (عن جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري الصحابي ﵁ أنَّه (قال: أتيت النبيَّ)؛ الأعظم ﷺ وقوله: (وهو في المسجد)؛ أي: المدني، جملة محلها نصب على الحال من (النبي) (قال: مِسْعَر) : المذكور (أُراه)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّ محاربًا شيخه (قال: ضحًى)؛ أي: وقت الضحوة؛ أي: زاد جابر لفظة: (ضحى)؛ لكن هل زادها عقب أتيت أو عقب وهو في المسجد؟ توقف فيه العجلوني.
قلت: والظاهر: الثاني، يدلُّ عليه تأخير كلام مِسْعَر المشعر بأنَّه زادها عقب قوله: (وهو في المسجد)؛ فهو كلام مدرج من الراوي، وأن ضمير (أراه) المنصوب يرجع لـ (محارب).
(فقال)؛ أي: لي النبي الأعظم ﷺ : (صل ركعتين)؛ أي: للقدوم من السفر وليستا بتحية المسجد، وإن حصل بهما التحية، بل تحصل بكل صلاة عقب دخوله ما لم يوجد قاطع، ولا يتقيَّد فعل هاتين الركعتين بالمسجد؛ بل يجوز فعلهما (١) في المنزل، لكن المسجد أفضل؛ لأنَّه المأثور، ويشترط لصحة هذه الصلاة ونحوها ألَّا يؤديها في وقت منهيٍّ عنه كالأوقات الثلاث المشهورة؛ وهي عند الطلوع، وعند الاستواء، وعند الغروب؛ فإنَّ هذه الأوقات تكره فيها النافلة، وكذلك كل ما وجب في الذمة -فرضًا كان أو واجبًا- قبل دخولها؛ فلا يصحُّ؛ فافهم؛
стр. 614
كما دلَّ عليه هذا الحديث، وأمَّا الصلاة في ابتداء السفر؛ فالسنة فعلها في المسجد.
وقوله: (وكان لي عليه)؛ أي: على النبي الأعظم ﷺ (دين) هو أوقيَّة ثمن بعير (فقضاني)؛ أي: فقضانيه عند قدومه من السفر (وزادني)؛ أي: على الدين، من كلام جابر، وفي رواية الحموي: (وكان له)؛ أي: لجابر عليه؛ أي: على النبي، (فقضاني)، وعلى هذه الرواية ففيه التفات، وزعم ابن حجر أنَّ رواية غير الحموي أيضًا فيه التفات، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (الالتفات لا يجيء إلا في رواية الحموي، لا مطلقًا)؛ فافهم.
وفي الحديث استحباب قضاء الدين زائدًا، وهو من باب المروءة.
وفي الحديث دليل على أنَّه لا يصحُّ في الأوقات الثلاثة شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخول هذه الأوقات، وأمَّا النافلة؛ فتكره كراهة تحريم في هذه الأوقات ولو كان لها سبب؛ كالمنذور وركعتي الطواف وتحية المسجد ونحوها؛ لقوله في الحديث: (ضحًى)؛ أي: وقت الضحى؛ وهو ارتفاع الشمس قدر رمحين؛ لأنَّه ﵇ حضر في المسجد مع طلوع الشمس، فلم يصلِّ حتى ارتفعت الشمس، وبعد ارتفاعها صلَّى؛ ولهذا قال مسعر: (ضحًى).
وزعم ابن حجر أنَّ الحديث لا حجة فيه؛ لأنَّها واقعة عين، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ عادته ﵇ سفرًا وحضرًا عدم الصلاة في هذه الأوقات، ويدلُّ عليه حديث عقبة بن عامر: (ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وحين تضيف (١) للغروب حتى تغرب)، رواه مسلم وغيره، ونحوه للنسائي ومالك في: «الموطأ»، ولعل ابن حجر لم يطَّلع على هذا، ولا ريب أنَّ النهي يقتضي الكراهة التحريمية، ولأنَّ الصلاة وجبت في وقت كامل؛ فلا تؤدَّى في وقت ناقص؛ لأنَّه ﵇ قال: «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت؛ فارقها...» الحديث، رواه النسائي، ولنا أحاديث كثيرة في ذلك.
قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ الترجمة في بيان الصلاة عند القدوم من السفر، ومشروعية هذه الصلاة أعمُّ من أن يكون بفعله ﵇ وأن يكون بقوله، فبيَّن الأول بالحديث المعلق، والثاني بحديث جابر) انتهى.
وزعم ابن حجر: أنَّ ذكر حديث جابر بعد المطلق ليجمع بين فعله ﵇ وأمره، فلا يظن أن ذلك من خصائصه، انتهى، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: فلا يظن أن ذلك من خصائصه) ليس كذلك؛ لأنَّه يشعر أن كل فعل يصدر منه ﵇ يظن فيه أنَّه من خصائصه، وليس كذلك؛ فإنَّ مواضع الخصوص لها قرائن تدل على ذلك، انتهى.
قلت: على أن ما ذكره ابن حجر اقتصار على مجرد النقل من غير معرفة حق الكلام.
وأجاب ابن حجر في «الانتقاض» بأنَّه ليس في الكلام إشعار بما قال، انتهى.
قلت: وهو كلام فاسد، بل في كلامه إشعار، كما قاله إمامنا الشَّارح؛ لأنَّه جعل الجمع بين الفعل والأمر ينفي ظنَّ أنَّ الفعل من خصائصه، ومفهومه أنَّه لولا الجمع بينهما؛ لظن ذلك في كل فعل؛ إذ لا فرق بين هذه المسألة وغيرها؛ فليحفظ.
وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه دلالته على الترجمة؟ قلت: هذا الحديث مختصر من مطول ذكره في (البيوع) وغيره، وفيه: أنَّه قال: (كنت مع النبي ﷺ في غزاة واشترى مني جملًا بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي، وقدمت بالغداة، فوجدته على باب المسجد، فقال: «الآن قدمت؟» قلت: نعم، قال: «فادخل فصلِّ ركعتين»)، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (هذا في الحقيقة وجه الترجمة على ما ذكرناه، ولكنَّه اقتصر على مجرد النقل، ولم يوفِ حق الكلام)، وقال صاحب «التلويح» : (وليس فيه ما بوب عليه هذا؛ لأنَّ لقائل أن يقول: إن جابرًا لم يقدم من سفر؛ لأنَّه ليس فيه ما يشعر بذلك)، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام عجيب، وكيف هذا والحديث مختصر من مطول؟ وفيه التصريح بقدومه من السفر، وقد جرت عادة البخاري في مثل هذا الإحالة على أصل الحديث؛ فافهم) انتهى.
وقد اعترضه العجلوني بأنَّ هذه الاعتراضات غير واردة على ما ذكره إلا على ما ذكره ابن حجر.
قلت: بل هي واردة على جميع ما ذكر، كما علمت من عبارتهم، والحق أحقُّ أن يتبع، ولا يقول هذا إلا من لم يكن عنده شيء من الفهم؛ فافهم، والله أعلم.
(٦٠) [باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين]
هذا (باب) بالتنوين (إذا دخل)؛ أي: الداخل المفهوم من دخل (المسجد) : (أل) فيه للجنس؛ فيشمل كل مسجد، وفي رواية الأصيلي وكريمة: (إذا دخل أحدكم المسجد)، وقوله: (فليركع) جواب (إذا)؛ ولذا دخلته الفاء، وقوله: (ركعتين) ثابت في أكثر الروايات، ساقط في بعضها، والمراد بها: تحية المسجد؛ فإنَّه يسنُّ فعلها في وقت غير مكروه، وإنَّما اقتصر على الركعتين؛ لأنَّها المذكورة في حديث الباب، فلا يطلب في حقِّه الزيادة عليهما؛
стр. 615
فلو زاد عليهما بتسليمة واحدة؛ جاز، وتصير الصلاة جميعها نفلًا، وتكفي عن التحية؛ لأنَّ المراد الصلاة، وقد حصلت؛ فافهم، (قبل أن يجلس)؛ فإذا جلس؛ هل تفوت أم لا؟ ومفهوم الترجمة: أنَّها تفوت، لكن هذا التقييد اتفاقي أغلبي، فإذا جلس؛ لا تفوت، فيصليهما، ولكن الأفضل فعلهما قبله، كما صرَّح بذلك أئمتنا الأعلام، وسيأتي بيانه، وقوله: (فليركع)؛ المراد به: فليُصلِّ؛ فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ فافهم، وقوله: (قبل أن يجلس) ثابت عند ابن عساكر، ساقط عند غيره.
[حديث: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس]
٤٤٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، المتوفى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي (يوسُف) : تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني (عن عامر بن عبد الله بن الزُّبَير)؛ بضمِّ الزاي، وفتح الوحدة: هو ابن العوام القرشي المدني أبو الحارث؛ بالمثلثة، كان عالمًا عابدًا (عن عَمْرو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم (ابن سُلَيْم)؛ بضمِّ السين المهملة، وسكون التحتية (الزُّرَقي)؛ بضمِّ الزاي، وفتح الراء: هو الأنصاري المدني (عن أبي قَتادة)؛ بفتح القاف: هو الحارث -بالمثلثة- ابن رِبْعيٍّ؛ بكسر الراء، وسكون الموحدة، وبالعين المهملة، وبالتحتية المشددة (السَّلَمي)؛ بفتح السين المهملة واللام، كذا للأصيلي والجياني، وقال القاضي عياض: (أهل العربية يفتحون اللام؛ كراهة توالي الكسرات، وأمَّا الأكثرون من أصحاب الحديث؛ فضبطوها بكسر اللام؛ نسبة إلى سِلمة؛ بكسرها)، فارس رسول الله ﷺ المتوفى بالمدينة سنة أربع وخمسين، قاله ابن الأثير، وقال في «التقريب» : (أبو قتادة الأنصاري: هو الحارث، ويقال: أبو عمرو، أو النعمان، بن ربعي بن بلدمة، السَّلَمي المدني، شهد أُحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا).
وقال إمام الشَّارحين: (وقال الدارقطني: رواه شيخ يقال له: سعيد بن عيسى، عن عبد الله بن إدريس، عن زكريا، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبي قتادة، ولم يتابع عليه، وسعيد هذا ضعيف، وليس هو من حديث زكريا، ولا من حديث الشعبي، والمحفوظ قول مالك ومن تابعه: وقال سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر بن عبد الله؛ فَوَهِم بذكره جابرًا)، وقال الطوسي في «الأحكام»، والترمذي في «الجامع» : (حديث سهيل غير محفوظ)، وقال علي بن المديني: (حديث سهيل خطأ)، وقال ابن ماجه: (رواه الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عامر، عن أبي قتادة، وهو وهم) انتهى.
قلت: والحاصل: أنَّ سهيلًا (١) رواه عن جابر بدل عن أبي قتادة، وهو خطأ، والمحفوظ عن أبي قتادة؛ فافهم.
(أنَّ رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد)؛ أي: وهو متوضئ، أو هو مُحدث، لكنه توضَّأ قبل جلوسه وبعده، كما سيأتي، و (أل) فيه للجنس؛ فيشمل كلَّ مسجد ولو مُصلَّى عيد وجنازة؛ (فليركع)؛ أي: فليصلِّ، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والأمر فيه ليس للفرض، بل للسنيَّة والاستحباب (ركعتين) تحية المسجد؛ فإنَّها حقُّ المسجد.
فإن قلت: الشرط: سبب للجزاء؛ فما السبب ههنا؟ هل هو الركوع، أم الأمر بالركوع؟
قلت: إن أريد بالأمر تعلُّق الأمر؛ فهو الجزاء، وإلا؛ فالجزاء هو لازم الأمر؛ وهو الركوع، والمراد من الركعتين: تحية المسجد، ولا يتأدَّى هذا بأقل من الركعتين؛ لأنَّ هذا العدد المفهوم لأكثره بالاتفاق، واختلف في أقله، والصحيح: اعتبارهما، قاله إمام الشَّارحين.
(قبل أن يجلس)؛ تعظيمًا للبقعة، فلو جلس؛ هل يشرع له التدارك أو لا؟ صرَّح أئمتنا الأعلام بأنَّها لا تفوت بالجلوس، فيصليها ولو جلس، ولكنَّ الأفضل فعلها قبله، ولهذا قال عامة العلماء: يصليها كلما (٢) دخل، وقال بعضهم: يجلس ثم يقوم، فيصليها، ويدلُّ لما قلناه: ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» : عن أبي ذر قال: (دخلت المسجد؛ فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فقال: «يا أبا ذر؛ إنَّ للمسجد تحيةً، وإنَّ تحيته ركعتان، فقم فاركعهما»، قال: فقمت، فركعتهما).
قال صاحب «البحر» : (وإذا تكرر دخوله؛ يكفيه ركعتان في اليوم، وقال في «الإمداد» : (وأداء الفرض ينوب عنها)، قاله فخر الدين الزيلعي، وذلك بأن دخل المسجد، فرأى القوم شرعوا في صلاة الفرض، أو قَرُب قيام القوم، وهو يريد الصلاة معهم، فإنَّه يصلي معهم، وتندرج التحية في الفرض وإن لم ينوِها، وصرَّح في «البدائع» : أن كل صلاة صلاها فقد حصَّل التحية، انتهى.
قلت: إلا أنَّه يُستثنى سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، فإنَّها لا تكفي؛ لأنَّها ليست (٣) صلاةً حقيقية، وتكره التحية للداخل والخطيبُ على المنبر؛ لأنَّه ممنوع من الصلاة وقتئذٍ، وكذلك يكره فعلها عند إقامة الصلاة المكتوبة؛ لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة»، رواه الشيخان، ولا تسنُّ لداخل المسجد الحرام؛ لاشتغاله بالطواف، واندراجها تحت ركعتيه، وإنَّما تسنُّ التحية إذا دخل في غير وقت كراهة، أما إذا دخل في الأوقات الثلاثة المنهي عن الصلاة فيها؛ فلا يصليها، بل يؤخرها؛ ولهذا قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (من دخل المسجد في أوقات النهي؛ فليس بداخل في أمره ﵇ بالركوع عند دخوله المسجد) انتهى.
قلت: يعني: فإن الأمر لا يشملها؛ لأنَّ حديث الباب وإن كان مطلقًا (٤) إلا أنَّه مقيَّد في الأحاديث غيره؛ ففي حديث عقبة بن عامر: (ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وحين تضيف (٥) للغروب حتى تغرب)، رواه مسلم وغيره.
قال ابن حجر: (وهما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة؛ فلا بد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص الأمر وتعميم النهي، وهو قول الحنفية والمالكية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو الأصحُّ عند الشافعية) انتهى.
قلت: وبقول الحنفية قالت الحنابلة، وقد يقال: إنَّ الأمر بالصلاة لكل داخل وإن كان مطلقًا (٦) فهو محمول على المقيد في أحاديث (٧) النهي؛ فليس فيهما عمومان، بل عموم واحد؛ وهو الأمر بالصلاة لكل داخل سوى الأوقات المنهية.
وقال ابن بطال: (اتفق أئمة الفتوى على أنَّ الأمر محمول على الندب، والاستحباب، والإرشاد، مع استحبابهم الركوع لكل من دخل المسجد؛ لما روي: أنَّ
стр. 616
كبار أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون)، وأوجب أهل الظاهر فرضًا على كلِّ مسلم داخل في وقت تجوز فيه الصلاة الركعتين، وزعم ابن حجر: واجب في كل وقت؛ لأنَّ فعل الخير لا يُمنع منه إلا بدليل لا معارض له، انتهى.
قلت: وهو كلام فاسد الاعتبار؛ فإن الصلاة في الأوقات المنهي عنها ليس هو فعل خير، ألا ترى إلى قوله ﵇: «إنَّ الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت؛ فارقها، ثم إذا استوت؛ قارنها، فإذا زالت؛ فارقها، فإذا دَنَت للغروب؛ قارنها، فإذا غربت؛ فارقها»، ونهى عن الصلاة في تلك الساعات، رواه مالك في «الموطأ»، والنسائي، وغيرهما، ولا ريب أنَّ هذا دليل لا معارض له؛ لأنَّه قطعي، كما علم فيالأصول، وقال الحافظ الطحاوي: ويدلُّ لعدم الوجوب: قوله ﵇ للذي رآه يتخطى: «اجلس، فقد آذيت»، ولم يأمره بصلاة، انتهى.
واعترضه ابن حجر بأنَّ الأمر بالجلوس حتى لا يتخطى؛ فلا ينافي أنَّه يصلي في مجلسه، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه؛ فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء؛ فإنَّ أمره ﵇ بالجلوس أعم من ألَّا يتخطى وألَّا يصلي في مجلسه؛ لأنَّه لو كان مراده الصلاة؛ لقال له ﵇: صلِّ مكانك، على أنَّ فيه أنَّه لم يأمره بالصلاة، فهو دليل واضح لما قلناه، فإنَّه لو كان الوقت وقت صلاة؛ لأمره بالصلاة، فقُدِّم ذلك دليل على أنَّه ليس بواجب عليه؛ فافهم.
وزعم ابن حجر معترضًا على ابن بطال بنقله الوجوب عن أهل الظاهر؛ فقال: الذي صرَّح به ابن حزم عدمه، انتهى.
قلت: ابن حزم-وإن كان لا يقول بالوجوب- لا ينافي أنَّه ليس واجبًا عند أهل الظاهر، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مُقدَّمٌ على النافي؛ فافهم.
واعلم أن حديث الباب قد ورد على سبب؛ وهو أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي الأعظم ﷺ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال له: «ما منعك أن تركع؟» قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، أخرجه مسلم وغيره، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من وجه آخر حسن عن أبي قتادة: «أعطوا المساجد حقَّها»، قيل: يا رسول الله؛ وما حقها؟ قال: «ركعتين قبل أن تجلس»، وزاد أبو أحمد الجرجاني: (وإذا دخل بيته؛ فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرًا)، لكن قال: (وإسناده منكر)، ونقل أبو محمد الإشبيلي عن البخاري: أن هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك ابن قطان، وزعم أنَّه لا يصحُّ نسبته إليه، وروى ابن حبان في «صحيحه» حديث التحية عن أبي قتادة يرفعه بزيادة: (قبل أن يجلس أو يستخير)، قال العجلوني: (ولينظر معنى: «أو يستخير») انتهى.
قلت: معناه: قبل أن يستخير موضعًا لصلاته وجلوسه؛ لأنَّ الداخل في المسجد ينظر موضعًا يكون نظيفًا خاليًا عن الزحمة وغيرها، فأمره ﵇ قبل أن يجلس أو يستخير موضعًا لصلاته المفروضة ولجلوسه: أن يركع ركعتين، هذا ما ظهر لي، والعلم عند الله.
وقال السفاقسي: (وفقهاء الأمصار حملوا الأمر في الحديث على الندب؛ لقوله ﵇ للذي سأله عن الصلوات الخمس: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، ولو قلنا بوجوب الركعتين؛ لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل بذلك، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء؛ لزم منه أنَّه لا يجب عليه سجودهما، فإن قصد دخول المسجد ليصلي فيه في الأوقات المكروهة؛ فلا يجوز له ذلك عند الشافعي)، وردَّه النووي فقال: (هي سنة بالإجماع؛ فإن من دخل في وقت كراهة؛ يكره له أن يصليهما في قول أبي حنيفة وأصحابه، وحكي ذلك عن الشافعي، والصحيح: أنه لا كراهة) انتهى.
قلت: وفي دعواه الإجماع نظر، فقد قال القاضي عياض: وظاهر مذهب مالك: أنَّهما من النوافل، وقيل: من السنن، فإذا دخل مجتازًا؛ فهل يؤمر بهما؟ خفف مالك في ذلك، وعن بعض أصحابه: أنَّ من تكرَّر دخوله المسجد سقطتا عنه، انتهى، وهذا يدلُّ على أنَّها ليست سنة، فأين الإجماع؟!
واستدلَّ ابن حجر بقوله: (قبل أن يجلس) على أنَّه إذا خالف وجلس؛ لا يشرع له التدارك، ونقله القسطلاني عن جماعة من الشافعية.
قلت: وردَّه إمام الشَّارحين بما رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي ذر: (أنَّه دخل المسجد، فقال له النبي الأعظم ﷺ : «أركعت ركعتين؟» فقال: لا، قال: «قم فاركعهما»)، وترجم عليه ابن حبان: (باب تحية المسجد لا تفوت بالجلوس)، وقال الطبري: (يحتمل أن يقال: فِعلُهما قبل الجلوس فضيلة، وبعده جواز، ويحتمل أن يقال: فعلهما قبله أداء، وبعده قضاء، ويحتمل أنَّ مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يَطُل الفصل) انتهى.
قلت: الاحتمال الأول هو الصواب، أمَّا الثاني؛ ففيه نظر؛ لأنَّ النفل لا يوصف بأداء ولا قضاء، فإذا فات وقت النافلة؛ لا تقضى، وأمَّا الثالث؛ ففيه نظر أيضًا؛ لأنَّ ظاهر الأحاديث أن مشروعيتهما من وقت الدخول، ويستمر إلى ما بعد الجلوس إلى أن يؤديها أو يصلِّي فريضة أو نافلة غيرها، أو يخرج من المسجد، وقال فقهاؤنا الأعلام: ومن دخل المسجد ولم يتمكن من صلاة التحية؛ فليقل أربع مرات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنَّها الباقيات الصالحات، وصلاة الحيوانات والجمادات.
ويكره دخول المسجد على سبيل المرور من غير صلاة؛ فإن اضطرَّ إلى ذلك؛ فلينو الاعتكاف ويدخل، فإنَّه يجوز وإن لم يجلس؛ لأنَّ بوضع القدم على الأرض يحصل ذلك، فإنَّ أدنى الاعتكاف لحظة من الزمن، وهي فائدة عظيمة تخفى على كثير ممن يدَّعي العلم، وأمَّا الجلوس في المسجد للمحدث [حدثًا] أصغر؛ فيجوز إجماعًا ولو لغير غرض، ولا كراهة فيه، وحديث: «إنما بُنِيت المساجد لذكر الله»؛ فضعيف، وهذا بخلاف ما يفعله أهل زماننا من الجلوس في المسجد والتكلم بكلام الناس مع الغيبة وغيرها؛ فحرام قطعًا؛ لأنَّ الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات؛ كما تأكل النار الحطب، كما ورد في الحديث، فهذا في المباح، فما بالك في الغيبة التي صارت في زماننا فاكهة المجالس؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(٦١) [باب الحدث في المسجد]
هذا (باب) حكم (الحدث) الحاصل (في المسجد)
стр. 617
والمراد منه: الحدث الناقض للوضوء؛ كالريح ونحوه، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: الحدث لغة: الشيء الحادث، وأمَّا شرعًا؛ فمانعية شرعية رافعة للطهارة إلى استعمال المطهر؛ كالريح ونحوه، وزعم العجلوني أنَّ الحدث يُطلق شرعًا على أمور؛ منها: الأمر الناقض للوضوء، انتهى.
قلت: وهو فاسد؛ فإن الحدث هو المعنى الحالُّ بصاحبه، الرَّافعُ للطهارة إلى استعمال المطهِّر، وليس له إطلاقات، بل هو أصل وتحته أمور معنوية، وليست هي أمورًا (١) حقيقية؛ فافهم.
وقال المازري: أشار البخاري إلى الرد على مَنْ مَنَع المُحدِث من دخول المسجد والجلوس فيه، وجعله كالجُنُب، وهو مبني على أنَّ الحدث ههنا الريح ونحوه، وبذلك فسره أبو هريرة، كما سبق في كتاب (الطهارة)، وزعم ابن حجر: قيل: المراد بالحدث هنا أعم؛ أي: مالم يحدث سواء، ويؤيده رواية مسلم: «ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه» على أنَّ الثانية تفسير للأولى، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (لا نسلِّم أنَّ الثانية تفسير للأولى؛ لعدم الإبهام، غاية ما في الباب ذكر فيه شيئين؛ أحدهما: حدث الوضوء، والآخر: حدث الإثم، على أنَّ مالكًا وغيره قد فسَّروا الحدث بنقض الوضوء) انتهى.
ثم قال: فإن قلت: قد ذكر ابن حبيب عن إبراهيم النخعي: أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يقول: «هو حدث الإثم»، قلت: لا منافاة بين التفسيرين؛ لكونهما مصرحين في رواية مسلم، وروايةالبخاري مقتصرة على تفسير مالك وغيره، ولهذا جاء في رواية أخرى للبخاري: «ما لم يُؤذِ؛ يُحدِث فيه»؛ فهذه تصرِّح بأن المراد من الأذى: هو الحدث الناقض للوضوء، ومن هذا قالوا: إنَّ رواية الجمهور: (ما لم يحدث) في الحديث؛ بالتخفيف: من الإحداث، لا بالتشديد: من التحديث، كما رواه بعضهم، وليست بصحيحة، ولهذا قال السفاقسي: (لم يذكر التشديد أحد) انتهى.
قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) : ابن حجر العسقلاني؛ فإنَّه قد زعم أن (يحدِّث) بالتشديد، ولا معنى له ههنا، وهو كلام من لم يذق شيئًا من الفهم، ولهذا قال الزركشي: (المراد به: الحدث الناقض للوضوء)، وهو تفسير أبي هريرة راوي الحديث، انتهى.
يعني: فلا عبرة بتفسير غيره؛ فافهم
[حديث: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه]
٤٤٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) : هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي الزِّنَاد)؛ بكسر الزاي، وفتح النون: هو عبد الله بن زكوان المدني، (عن الأعرج) : هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي ﵁: (أنَّ)؛ بفتح الهمزة، وتشديد النون (رسولَ الله ﷺ ؛ بالنصب اسمها، وخبرها جملة قوله: (قال: الملائكة) وفي رواية الكشميهني: (أنَّ الملائكة) وهي جمع (ملاك)، على الأصل؛ كالشمائل جمع (شمال)، وهو مقلوب (مألك) من (الألوكة)؛ وهي الرسالة؛ لأنَّهم وسائط بين الله وبين الناس، فهم رسل الله أو كالرسل إليهم، كذا قيل.
والمشهور: أن أصل ملائكة: ملأك على وزن (فعلل)، نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت الهمزة تخفيفًا؛ فصار ملك، فلما رجع؛ ردت الهمزة المحذوفة، فقيل: ملائك، والتاء فيه؛ لتأنيث الجمع؛ لكونه بمعنى: الجماعة، كما في الصياقلة في جمع (صيقل)، وإنَّ أصله: مألك على وزن (مفعل) من (ألك)؛ بمعنى: أرسل، وفاؤه همزة، وعينه لام، و (الألوكة) : الرسالة، و (مألك) : موضع الرسالة أو مصدر بمعنى المفعول؛ فيكون (ملاك) مقلوبًا من (ملأك) نقلت همزة (مألك) إلى مكان اللام وقدمت اللام، فقيل: (ملأك) على وزن (مفعل)، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، فصار: (ملك) على وزن (معل)؛ بحذف الفاء، فلما جمع؛ ردت الهمزة المحذوفة، فقيل: (ملائك) على وزن (معافل) بالقلب؛ لأنَّ التكسير يردُّ الأشياء إلى أصولها، فعلى هذا؛ تكون ميم (ملك) زائدة ويكون وزنه (معلًا)، وذهب بعضهم إلى أنَّ الميم في (ملك) : أصلية والهمزة زائدة، واختاره ابن كيسان.
واختلف الناس في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنَّها ذوات موجودة قائمة بأنفسها؛ فذهب أكثر المسلمين إلى أنَّها أجسام لطيفة هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلِّين بأنَّ الرسل كانوا يرونهم كذلك، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان، وزعم الحكماء أنَّها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، منقسمة إلى قسمين:
قسم: شأنهم الاستغراق في معرفة الله والتنزُّه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم التنزيل فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] : وهم العليون والمقربون.
وقسم: يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء، وجرى به القلم الإلهي، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم المدبِّرات أمرًا؛ فمنهم سماوية، ومنهم أرضية على تفصيل في ذلك مذكور في كتاب «الطوالع».
(تصلي على أحدكم) : قال إمامنا الشَّارح: («الملائكة» : جمع محلًّى باللام؛ فيفيد الاستغراق) انتهى؛ يعني: يشمل الحفظة، والسيارة، وغيرهما، وتبعه الكرماني، والقسطلاني، وغيرهما، وخالفهم ابن حجر فقال: (المراد بالملائكة الحفظة أو السيارة، أو أعم من ذلك) انتهى.
قلت: وفيه قصور؛ لأنَّ لفظ: (الملائكة) جمع محلًّى باللام؛ فيفيد العموم ولا مخصص، ولا وجه لتخصيص العام من غير مخصص؛ فيشمل جميع الملائكة الذين قدمنا ذكرهم؛ لأنَّ اللفظ عام؛ فافهم.
(مادام) أي: أحدكم؛ أي: مدة دوامه (في مُصلاه)؛ بضمِّ الميم، وهو اسم مكان، قاله إمام الشَّارحين؛ يعني: في مكان صلاته (الذي صلى فيه) وهو المسجد يدلُّ على ذلك رواية البخاري، فيما يتعلق بالمساجد على ما يأتي، ولفظه: «فإنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد؛ كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه...»؛ الحديث.
والأحاديث تفسِّر بعضها بعضًا، فعلم أنَّ المراد بقوله: (في مصلاه) : هو المكان الذي يصلَّى فيه في المسجد، وإن كان بحسب اللغة يطلق على المُصلَّى الذي في غير المسجد، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
قلت: وعلى هذا؛ يقال فيما رواه المؤلف في باب (من جلس في المسجد ينتظر الصلاة) ولفظه: «ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة»؛ فإن المراد: مكان الصلاة؛ وهو المكان الذي يصلِّي
стр. 618
فيه، فقوله: «ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه»؛ قيد؛ لصلاة الملائكة عليه، ومفهومه: إذا انصرف من مكانه الذي يصلي فيه في المسجد؛ لا تصلي عليه الملائكة، وليس كذلك؛ لأنَّه صرح في الحديث، كما نقله إمامنا الشَّارح قريبًا ولفظه: «كان في صلاة ما كانت تحبسه...»؛ الحديث، وعلى هذا؛ فالمراد به: أنَّه تصلي عليه الملائكة ما دام منتظرًا للصلاة، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحوَّل إلى غيره ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج منه؛ فلا تصلي عليه؛ فالمراد بقوله: «في مصلاه» : إنَّما هو المسجد، كما قرره إمام الشَّارحين قريبًا.
وقال ابن حجر: (يمكن حمل «في مصلاه» ههنا على المكان المُعدِّ للصلاة لا الموضع الخاص بالسجود، فلا تخالف بين حديث الباب والحديث (١) الأتي في باب «من جلس في المسجد») انتهى.
قلت: إن كان مراده بالمكان المعد للصلاة: المسجد؛ فمسلَّم، كما ذكرناه، وإن كان مراده غير ذلك؛ فغير مسلَّم، كما بيناه قريبًا، والله أعلم.
وقوله: (ما لم يُحْدِث) : قيد ثان لصلاة الملائكة عليه، وهو بضمِّ التحتية أوله، وسكون الحاء المهملة، والمراد به: الحدث الناقض للوضوء، والمعنى: تصلِّي عليه مدة دوامه في المسجد، ومدة دوامه لم يحصل منه حدث.
قال إمام الشَّارحين: (رواية الجمهور؛ بالتخفيف من الإحداث، لا بالتشديد من التحديث، كما رواه بعضهم وليست بصحيحة، ولهذا قال السفاقسي: «لم يذكر التشديد أحد») انتهى.
قلت: مراده بقوله: (بعضهم) : ابن حجر العسقلاني؛ فإنَّه رواها بالتشديد من التحديث، وليست هذه الرواية بصحيحة؛ لأنَّ المراد بالحدث: الناقض للوضوء، ولهذا نفى السفاقسي عن جميع الرواة ذكرها.
وقال الزركشي في «التنقيح» : (قصد البخاري بهذا الباب تفسير الحدث بالناقض للطهارة، وهو تفسير أبي هريرة راوي الحديث، وفسره غيره بالحديث في غير ذكر الله) انتهى.
قلت: ولا ريب أن تفسير أبي هريرة هو الصواب؛ لأنَّ صاحب الدار أدرى، ولهذا قال الداودي: (روي: «يحدِّث»؛ بتشديد الدال، وهو غريب) انتهى.
وقوله: (تقول) أي: الملائكة: (اللهم؛ اغفر له)؛ يعني: يا ألله؛ اغفر له ذنوبه (اللهم؛ ارحمه)؛ يعني: يا ألله؛ أنزل عليه رحمتك؛ بيان وتفسير لقوله: (تصلي) السابق.
قال إمام الشَّارحين: (والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة: ستر الذنوب، والرحمة: إفاضة الإحسان إليه) انتهى.
وقال العجلوني: (وذكر غيره أنَّ المغفرة لا تستدعي سبق ذنب) انتهى.
قلت: وهو ممنوع، ويردُّه قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ فإنَّه يدلُّ على أن المغفرة ستر الذنوب الحاصلة سابقًا ولاحقًا؛ لأنَّ معنى الآية قيل: (ما تقدم) : قبل الوحي (وما تأخر) : بعد الوحي، وقيل: قبل الهجرة وبعدها، وقيل: قبل المعراج، وقيل: (ما تقدم) : من ذنب آدم وحواء، (وما تأخر) : من ذنب الأُمَّة، وقيل: ما كان قبل النبوة، (وما تأخر) : عصمته من ذلك، وقيل: المراد ذنوب أمته، وعلى كل حالٍ؛ فهو دليل على أن المغفرة لا تكون إلا بعد سبق الذنوب؛ فالمغفرة سترها.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مما سبق، والحاصل في معناه: أنَّ الملائكة تصلي على العبد ما دام في المسجد متوضئًا، فإذا خرج من المسجد؛ فلا تصلي عليه، وإنَّهم يصلون عليه ما لم تُنقض طهارته، فإذا أحدث؛ حُرِم صلاتهم، ولو كان مستمرًّا جالسًا ينتظر الصلاة.
وقال السفاقسي: (الحدث في المسجد خطيئة يُحرَم به المُحدِث الاستغفار من الملائكة، ولما لم يكن الحدث فيه الكفارة ترفع أذاه عنهم، كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه؛ عوقب العبد بحرمان الاستغفار من الملائكة؛ لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة).
وقال ابن بطال: (من أراد أن تحطَّ عنه الذنوب بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة؛ ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجوٌّ إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]).
وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحول إلى غيره، وفيه: أن الحدث في المسجد يبطل ذلك ولو استمر جالسًا، وفيه أن الحدث في المسجد أشد من النخامة فيه) انتهى.
قلت: إنَّما كان أشد؛ لأنَّ النخامة كفارتها دفنها، وأما الحدث؛ فلا كفارة له.
وقال إمام الشَّارحين: (اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد؛ فروي عن أبي الدرداء: أنَّه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء، وعن عليٍّ مثله، وروي ذلك عن عطاء، والنخعي، وابن جبير، وكَرِه ابن المسيب والحسن البصري أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء) انتهى.
قلت: وهل إذا أحدث في المسجد، ثم توضأ وانتظر، يعود استغفار الملائكة عليه أم لا؟ والظاهر: أنَّه يعود؛ لأنَّ المراد: انتظاره متطهرًا وقد حصل وإن كان قد وقع منه الحدث؛ لأنَّ هذا من باب زوال المانع؛ فتأمل، والله أعلم.
(٦٢) [باب بنيان المسجد]
هذا (باب) بيان صفة (بُنيان)؛ بضمِّ أوله: مصدر (المسجد)؛ أي: النبوي، فاللام فيه للعهد، وجوَّز البرماوي كونها للجنس، قال العجلوني: (وهو غير ظاهر).
قلت: بل الظاهر: كونها للعهد؛ فافهم.
قال في «القاموس» : (البني: نقيض الهدم (٢)، بناه يبنيه بنيًا، وبناءً، وبنيانًا، وبنيةً، وبنايةً، والبناء: المبني والجمع «أبنية»، وجمع الجمع: «أبنيات»، والبُِنية -بالكسر والضم-: ما بنيته، والجمع «بُِنًى»؛ بالضم والكسر، ثم قال: والبنية؛ كغنية: الكعبة، وبنى فلانًا: اصطنعه (٣)، وعلى أهله، وبها: زفها؛ كابتنى) انتهى.
وقال الجوهري: (البنيان: الحائط يقال: بنى فلانٌ (٤) بيتًا، من البنيان، وبنى على أهله بناء؛ أي: زفها، والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ) انتهى.
(وقال أبو سعيد) : هو سعْد -بسكون العين- ابن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر -بالموحدة والجيم- وهو خدرة الذي ينسب إليه أبو سعيد، فيقال: الخدري، وهو ابن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الخدري، وغزا أبو سعيد أُحدًا، وبعد ذلك مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وكان أبوه سعد بن مالك صحابيًّا استشهد يوم أُحد، ولم يكن في أصحابه أفقه أو أعلم من أبي سعيد، كذا قاله سهل بن سعد، كما رواه حنظلة الجمحي، توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، أو أربع وسبعين، ودفن بالبقيع (كان سقف المسجد)؛ أي: مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ في زمنه، فاللام فيه للعهد، وزعم الكرماني أنَّها للجنس، قال إمام الشَّارحين: (وهو بعيد) انتهى.
قلت: ووجهُ بعده أنَّ هذا التعليق رواه المؤلف مسندًا في (الاعتكاف)، وأبواب (صلاة الجماعة)، فهو مختصر من مطول، ولفظه: (قال أبو سعيد: جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف...) إلى أن قال: (فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته)؛ فهذا يدلُّ على أن المسجد إنَّما هو المسجد النبوي المدني؛ فافهم.
(من جَريد النخل)؛ بفتح الجيم: هو الذي يجرد عنه الخوص، فإن لم يجرد؛ يسمى سعفًا، ومطابقة
стр. 619
هذا التعليق للترجمة ظاهرة، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
(وأَمَرَ) بفتحات (عمر) : هو ابن الخطاب أمير المؤمنين ﵁؛ أي: في زمن خلافته (ببناء المسجد)؛ أي: مسجد النبيِّ الأعظم ﷺ (وقال)؛ أي: عمر للصانع الذي يبنيه: (أكِنَّ الناس من المطر) : قال إمام الشَّارحين: فيه أوجه:
الأول: (أَكِنَّ)؛ بفتح الهمزة، وكسر الكاف، وفتح النون، على صورة الأمر: من الإكنان، وهي رواية الأصيلي؛ يعني: اصنع لهم كنًّا يسترهم عن المطر والشمس، وهذه الرواية هي الأظهر، يدلُّ عليه أنَّه ذكر قبله قوله: (أمر عمر) وقوله بعده: (وإياك) وذلك؛ لأنَّه أولًا أمَر بالبناء، وخاطب أحدًا بذلك، ثم حذَّره من التَّحمير والتصفير بقوله: «وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر» والإكنان: من أكننت الشيء إذا صنته وسترته، وحكى أبو زيد والكسائي: كننته من الثلاثي؛ بمعنى أكننته، وقال ثعلب: (أكننت الشيء إذا أخفيته، وكننته: إذا سترته بشيء، ويقال: أكننت الشيء: سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي: أسررته)، وقال أبو عبيدة: (قالت تميم: كننت الجارية أكِنها كِنًّا -بكسر الكاف- وأكننت العلم والسر، وقالت قيس: كننت السر والعلم؛ بغير ألف، وأكننت الجارية؛ بالألف)، وقال ابن الإعرابي: (أكننت السر وكننت وجهي من الحر وكننت سيفي، قال: وقد يكون هذا بالألف أيضًا).
الوجه الثاني: (أُكِنُّ الناس) : بضمِّ الهمزة، وكسر الكاف، وتشديد النون المضمومة، بلفظ المتكلم من المضارع، قال ابن التين: (هكذا رويناه، وهي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي)، وفي هذا الوجه التفات، وهو أنَّ عمر أخبر عن نفسه، ثم التفت إلى الصانع، فقال: (وإياك)، ويجوز أن يكون تجريدًا، فكأن عمر بعد أن أخبر عن نفسه جرَّد عنها شخصًا؛ ثم خاطبه بذلك.
الوجه الثالث: قاله القاضي عياض: (كِنَّ الناس) : بحذف الهمزة، وكسر الكاف، وتشديد النون من: كنَّ يكن وهو صيغة أمر، وأصله: (أكن)؛ بالهمزة، لكنها حذفت تخفيفًا على غير قياس، وهذه رواية غير أبي ذر، والأصيلي.
الوجه الرابع: (كُنَّ) بضمِّ الكاف: من (كنَّ) فهو مكنون وهذا له وجه، ولكن الرواية لا تساعده، انتهى كلام إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
قلت: وهذا الوجه الأخير ذكره أيضًا ابن مالك، ومعناه: صانه، لكن الرواية لا تساعده، كما قال؛ فافهم.
واعترض العجلوني الوجه الثاني؛ فقال: التجريد ذكره ابن حجر، وأما الالتفات؛ فليتأمل في صحته، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه؛ فإن ما ذكره ابن حجر من التجريد هو قد أخذه من كلام إمام الشَّارحين ونسبه لنفسه، فلله درُّ إمامنا الشَّارح ما أغزر علمه وفهمه! وقوله: (وأما الالتفات...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه صحيح، كما لا يخفى على أهل التحقيق، ولا يلزم من عدم ذكر ابن حجر للالتفات ألا يكون صحيحًا؛ لأنَّ ابن حجر ليس عنده إحاطة بجميع المعاني، بل ما ذكره هو مَبْلَغه من العلم، على أنَّ وجه الالتفات ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، وليس للعجلوني كلام مع إمام الشَّارحين؛ فافهم.
(وإياك) تحذير للصانع (أن تُحَمِّر أو تُصَفِّر)؛ بضمِّ أولهما، وفتح ثانيهما، وتشديد الثالث مكسورًا، ومفعولهما محذوف؛ أي: (احذر من أن تحمِّر المسجد، أو تصفِّره)؛ فكلمة: (أن) مصدرية، ومراده: الزخرفة، وروى ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعًا: «ما ساء عملُ قومٍ قط إلا زخرفوا مساجدهم»، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فَتَفْتِن الناس)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون الفاء من (فتن يفتن)، من باب ضرب يضرِب، فتنًا وفتونًا؛ إذا امتحنه.
وضبطه ابن التين؛ بضمِّ المثناة الفوقية من (أفتن)، والأصمعي أنكر هذا، وأبو عبيدة أجازه وقال: فتن وأفتن بمعنًى وهو قليل، والفتنة: اسم وهو في الأصل من الافتتان والاختبار، ثم كثر استعمالها؛ بمعنى: الإثم والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصَّرف عن الشيء، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وقد تبع ابن التين الزركشي، فضبطه بضمِّ الفوقية.
وقال الكرماني: وتفتن من «الفتنة»، وفي بعضها من «التفتين».
واعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان من (التفتين)؛ يكون من باب التفعيل، وماضيه فتَّن بتشديد التاء الفوقية، وعلى ضبط ابن التين يكون من باب الإفعال وهو: الإفتتان بكسر الهمزة، وعلى كل حال؛ فهو بفتح النون؛ لأنَّه معطوف على منصوب بكلمة (أن)، انتهى.
ومطابقته للترجمة ظاهرة، والمراد بالمسجد: مسجده ﵇، ويأتي في هذا الباب: أنه روي من حديث نافع إلى آخره ورواه أبو داود، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني أنَّ هذا الأثر المروي عن عمر طرفٌ من قصة في ذكر تجريده المسجد؛ فافهم.
وقال ابن بطال: (كأنَّ عمر فهم ذلك من الشَّارع؛ حيث ردَّ خميصة أبي جهم من أجل أعلامها، وقوله فيها: «إنها ألهتني عن صلاتي»، ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم خاص بهذه المسألة؛ فقد روى ابن ماجه بسنده إلى عمر مرفوعًا: «ما ساء عمل قوم قطٌّ إلا زخرفوا مساجدهم»، ورجاله ثقات إلا شيخه جبارة بن المفلس، ففيه مقال) انتهى.
قلت: فعلى الأول: يكون عمر قاس أعلام الخميصة على زخرفة المساجد بجامع الإلهاء في كلٍّ عن الخشوع في الصلاة، وعلى الثاني: يكون الاستدلال من الحديث، لكن الاحتمال الأول أظهر؛ لأنَّ حديث أبي جهم مذكور في «الصحيحين»؛ فافهم. والله أعلم.
(وقال أنس) : هو ابن مالك الأنصاري خادم رسول الله ﷺ : (يَتباهَون)؛ بفتح أوله والهاء: من المباهاة، وهي المفاخرة؛ أي: يتفاخرون (بها)؛ أي: بالمساجد، والسياق يدلُّ عليه؛ يعني: أنَّهم يزخرفون المساجد ويزيِّنونها بأنواع البناء والزينة، ثم يتعدون فيها ويتمارون، (ثم لا يُعمِّرونها)؛ بضمِّ أوله، وتشديد الميم، ويجوز فتح أوله التحتية، وضم الميم، ويجوز كسرها: من التعمير، والضمير يرجع إلى المساجد؛ يعني: لا يشتغلون بما بنيت المساجد له من الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر، والتدريس، ونحوها (إلا قليلًا)؛ بالنصب على الاستثناء، ويجوز الرفع من جهة النحو على أنَّه بدل من ضمير الفاعل، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: ضمير الفاعل يرجع إلى الناس؛ كالضمير في (يتباهون) المدلول عليه، وضمير (بها) يرجع إلى المساجد، كما قدمنا؛ للقرينة الحالية والمقامية، وأفاد إمامنا الشَّارح أنَّ الرفع يجوز من جهة القواعد النحوية، ولكن الرواية لا تساعده؛ لأنَّها بالنصب؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق مرفوع في «صحيح ابن خزيمة» عن محمد: حدثنا سعيد عن أبي عامر قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية-يعني: قصر أنس- فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد، فقال بعض القوم: نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمِّرونها إلا قليلًا أو قال: يعمِّرونها قليلًا»، ورواه أبو يعلى الموصلي أيضًا في «مسنده»، وروى أبو داود في «سننه» عن أنس:
стр. 620
أنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، وأخرجه ابن ماجه، والنسائي أيضًا، وروى أبو نعيم في كتاب «المساجد» من حديث علي بن حرب عن سعد بن عامر عن الخزاز: «يتباهون بكثرة المساجد»، ومن حديث محمد بن مصعب القرقساني عن حماد: «يتباهى الناس ببناء المساجد») انتهى.
قلت: والحديث الأول أولى، وأنسب بمراد البخاري، وروى البغوي عن أنس بلفظ: «سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد، ولا يعمِّرونها إلا قليلًا».
قلت: وفي حديث أنس عَلَمٌ من أعلام نبوته؛ لإخباره ﵇ بما سيقع في أمته، فوقع كما قال، والله أعلم، وفيه: أن نقش المسجد وتزيينه مكروه، وهو قول الإمام الأعظم رأس المجتهدين ﵁، وتمامه سيأتي، والله أعلم.
(وقال ابن عبَّاس) : هو عبد الله أحد العبادلة الأربعة، وحَبْرُ هذه الأمة وترجمان القرآن ﵄: (لِتُزَخْرِفُنها)؛ باللام المكسورة أو المفتوحة، وضم الفوقية وفتح الزاي، وسكون المعجمة، وكسر الراء، وضم الفاء؛ لإسناده إلى واو الضمير المحذوفة؛ لالتقائها ساكنة مع نون التأكيد، والضمير المنصوب يعود على المساجد، والضمير المرفوع إلى المذكورين، وهو من التزخرُّف، وهو التزين، يقال: زخرف الرجل كلامه: إذا موَّهه وزيَّنه بالباطل، والزُّخرف: الذهب ونحوه.
وأما اللام فيه؛ فذكر الطيبي في «شرح المشكاة» فيه وجهين؛ الأول: أن تكون مكسورة، وهي لام التعليل؛ للنفي قبله والمعنى: ما أُمرت بتشييد المساجد لأجل زخرفتها، والتشييد: -من شيَّد (١) يشيِّد- رفع البناء والإحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، والوجه الثاني: فتح اللام على أنها جواب القسم، انتهى.
واعترضه ابن حجر فزعم أنَّ هذا الوجه الثاني هو المعتمد، والأول لم تثبت به الرواية أصلًا.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الذي قاله الطيبي هو الذي يقتضيه الكلام ولا وجه لمنعه، ودعوى عدم ثبوت الرواية يحتاج إلى برهان) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ ما قاله الطيبي محتمل إن جعله من كلام ابن عبَّاس تعليلًا للحديث قبله، وإن ادَّعى أنَّه من كلام النبيِّ ﵇؛ فلا وجه له، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه، ولا يذهب عليك أن كلام الطيبي مبني على كلام ابن عبَّاس؛ لأنَّه صرَّح بقوله؛ تعليلًا للنفي قبله، وليس الطيبي يدَّعي أنَّه من كلام النبيِّ الأعظم ﷺ ، على أنه إذا كان من كلامه؛ فما المانع من عدم وجهه؟ لأنَّ كلام ابن عبَّاس وإن كان في الظاهر مفعولًا؛ إلا أنه متعلق بما قبله وعلى الانفعال يظهر المعنى أيضًا؛ فافهم، ولا تغترَّ بما زعمه العجلوني؛ لأنَّه مشهور بالتعصُّب، والمعنى ههنا: تمويه المساجد بالذهب، ونحوه.
(كما زخرفت)؛ أي: زينت (اليهود)؛ أي: كنائسهم (و) زخرفت (النصارى)؛ أي: بيعهم؛ فالمفعول في كلٍّ منهما محذوف للعلم به، قال الخطابي: (إنَّما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم حين حرَّفت الكتب وبدَّلتها؛ فضيَّعوا الدين وعرَّجوا على الزخارف والتزين) انتهى.
وقال البغوي: (إنَّهم زخرفوا المساجد عندما بدَّلوا دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتزبينها) انتهى.
قلت: وقول الخطابي والبغوي: (إنَّ التَّزخرف وقع حين تبديل الكتب والدين)؛ يحتاج إلى حجة وبرهان؛ لأنَّه لا يلزم من تبديل الكتب زخرفة معابدهم، وقول البغوي: (بالمساجد) : غير مناسب؛ لأنَّ المساجد للمسلمين، ولليهود الكنائس، وللنصارى البيع، فكان عليه أن يقول: زخرفوا معابدهم، كما لا يخفى.
وقال إمام الشَّارحين: (وهذا التعليق رواه أبو داود موصولًا عن ابن عبَّاس هكذا موقوفًا، وروى معه مرفوعًا من حديث الثوري عن يزيد بن الأصم عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أُمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عبَّاس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، وإنما اقتصر البخاري على الموقوف منه ولم يذكر المرفوع منه؛ للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله، وإرساله، ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة) انتهى.
وزعم ابن حجر -بعد أن ذكر مثل هذا آخذًا من كلام إمام الشَّارحين- فزعم أن كلام ابن عبَّاس فيه مفصول من كلام النبيِّ ﵇ في الكتب المشهورة، انتهى.
قلت: وهو ممنوع؛ فإن ظاهر اللفظ يدل على أنه موصول بكلام النبيِّ الأعظم ﷺ ، كما صرح به أبو داود، كما قدمناه.
وقد روي الحديث من طريقين عن ابن عبَّاس موقوفًا ومرفوعًا، فالموقوف مفصول ظاهرًا، لكنه متعلق بما قبله، والمرفوع موصول، وقد خفي هذا على ابن حجر حتى زعم هذا الكلام.
وفي الحديث المرفوع وهذه الآثار المذكورة دليلٌ واضح لمذهب أئمتنا الأعلام حيث قالوا: إن نقش المسجد وتزيينه مكروه، ولا يجوز من مال الوقف، فإن فعل؛ يغرم الذي يخرجه سواء كان ناظرًا أو غيره، ووجه الكراهة إذا كان من مال الناظر شيئان؛ أحدهما: اشتغال المصلين بذلك، فيُخل بالخشوع، وربما يجرهم إلى فساد الصلاة، وثانيهما: إخراج المال في غير وجهه، فيكون تبذيرًا وإسرافًا وهو مكروه، وعند الشافعي كذلك، قال في «الروض» و «شرحه» : (ويُكره نقش المسجد واتخاذ الشرفات له؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، فإن كان ذلك من ريع الوقف؛ فحرام) انتهى.
وقد خفي على ابن حجر الحكم عند الشافعي؛ فزعم في «المنحة» أنه لا بأس بنقش المسجد إذا كان المال من غير بيت المال على سبيل التعظيم، واعترضه العجلوني فقال: (هذا جارٍ على غير مذهبه) انتهى.
قلت: بل هو ليس جاريًا على مذهبه، ولا على مذهب غيره، بل هو قول بالرأي، ولعله جَنَح إلى قول بعض أئمتنا الأعلام: (لا بأس بنقش المسجد للتعظيم)، وهذا القول معناه: أن تركه أولى؛ كما صرَّح به الشراح، ومنهم إمام الشَّارحين؛ فابن حجر قد خفي عليه هذا المعنى، وخفى الصحيح في مذهب الإمام الأعظم، وخفي عليه أيضًا مذهب إمامه الشافعي، فلا تغترَّ بكلامه، وعرِّج عنه، وانظر الصحيح
стр. 621
ودع الفاسد.
وزعم ابن حجر أنَّ التشييد: من شيَّد يشيِّد؛ رفع البناء والإحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] انتهى.
قلت: الحصر المذكور فاسد، فإنَّه يجوز أن يكون من شاد الحائط بالشيد؛ طينه، وقال في «القاموس» : (شاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد؛ وهو ما طلي به حائط من جص ونحوه).
وقول الجوهري: (من طين أو بلاط بالموحَّدة غلط، والصواب بالميم؛ لأنَّ البلاط حجارة لا يطلى بها، وإنما يطلى بالملاط: وهو الطين، والمَشيْد: المعمول به، وكمؤيَّد (١) : المطول) انتهى؛ فافهم، ثم رأيت العجلوني اعترض بنحو ما ذكرته؛ فافهم.
[حديث: أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنيًا باللبن]
٤٤٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله) : هو ابن جعفر بن نجيح أبو الحسن المشهور بالمديني المصري (قال: حدثنا) كذا للأصيلي، ولغيره (حدثني) بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم)، زاد الأصيلي: (ابن سعْد)؛ بسكون العين المهملة (قال: حدثنا أبي) : هو إبراهيم المذكور، ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأصل العراقي الدار (عن صالح بن كيسان)؛ بفتح الكاف: هو أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز الأموي (قال: حدثنا نافع) : هو مولى ابن عمر المدني، ففي السند رواية الأقران: وهي رواية صالح عن نافع؛ لأنَّهما من طبقة واحدة، وفيه رواية التابعي عن التابعي؛ لأنَّ صالحًا ونافعًا كلاهما تابعيان، قاله إمام الشَّارحين: (أنَّ) بفتح الهمزة (عبد الله) زاد الأصيلي (ابن عمر) : هو ابن الخطاب القرشي العدوي (أخبره) أي: أخبر نافعًا (أنَّ) بفتح الهمزة أيضًا (المسجد)؛ أي: النبوي، فالألف واللام فيه للعهد (كان) أي: المسجد (على عهد) أي: أيام وزمان (رسول الله)، وللأصيلي: (النبي) الأعظم ﷺ مَبْنيًّا)؛ بفتح الميم، وسكون الموحدة، وتشديد التحتية، من البناء؛ وهو وضع شيء على شيء بصفة يراد بها الثبوت والدوام (باللَّبِن)؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، ويجوز فيه تسكين الموحدة مع كسر اللام أيضًا: وهو الطوب النيء قبل أن يشوى، فإذا شوي؛ فهو الآجرُّ؛ بالمد، (وسقفه الجريد)؛ أي: جريد النخل؛ وهو الذي يجرد عنه الخوص، وإذا لم يجرد؛ يسمى: سعفًا، والجملة محلها نصب على الحال، ويحتمل عطف سقفه على اسم (كان) المستتر؛ لوجود الفاصل، فتنصب (الجريد) عطفًا على خبرها، وهذا الاحتمال ذكره العجلوني، ولكن فيه نظر، على أن الرواية لا تساعده؛ فافهم، وذكر مثله مع ما فيه من الركاكة وعدم مساعدة الرواية له في قوله: (وعُمُده خشب النخل) : الجملة حالية كالأولى على الأظهر و (العُمُد)؛ بضمَّتين، أو بفتحتين: كخشب، قال العجلوني: (ويجوز تسكين الثاني في المضمومتين منهما، فيجوز فيهما ستة أوجه؛ فتدبر) انتهى، قلت: يتأمل توجيهها، والظاهر أنَّها أربعة أوجه؛ فافهم، قال الجوهري: (العمود: عمود البيت، وجمع القلة: «أعمدة» وجمع الكثرة: «عُمُد» و «عَمد»، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩])، وقال الكرماني: (والخشب: مفردًا وجمعًا) وظاهره: في جميع وجوهه؛ فتأمل، (فلم يزد فيه) أي: المسجد (أبو بكر) : هو الصديق الأكبر ﵁ (شيئًا)؛ المراد به: أنه لم يغير فيه شيئًا زمن خلافته لا بزيادة ولا نقصان، (وزاد فيه) أي: المسجد (عمر) هو ابن الخطاب ﵁؛ أي: في زمن خلافته يعني: في الطول والعرض، وهذه الزيادة وكذا زيادة عثمان قد بيَّنها مفصلة السمهودي في «تاريخه»، (وبناه) أي: عمر حين زاد فيه (على بنيانه) أي: الأصلي الذي كان (في عهد) أي: زمن (رسول الله ﷺ والجار والمجرور: صفة للبنيان، أو حال منه.
قال الكرماني: (فإن قلت: إذا بنى على ذلك البنيان؛ فكيف زاد فيه؟ قلت: لعلَّ المراد بالبنيان: بعضها أو الآلات، أو بزيادة رفع سمكها، أو المراد على هيئة بنيانه ووصفها) انتهى.
قلت: والذي يظهر من السياق أن الصواب هو المعنى الأخير؛ لأنَّ بنيان بعضها غير ظاهر، وكذلك الآلات غير ظاهر أيضًا، وكذلك زيادة رفع سمكها؛ لأنَّه في هذه الأوجه لا يقال: إنَّه بناه على بنيانه، فالمراد: أنه بناه على هيئة بنيانه ووصفها الأصلية مع زيادة طوله وعرضه، ويدل لهذا قوله: (باللبن والجريد) : متعلق بقوله: (وبناه)؛ يعني: في حيطانه وسقفه؛ كما كان على عهده ﵇ بهما (وأعاد) أي: عمر ﵁ (عمده خشبًا)؛ أي: كما كانت؛ لأنَّها تَلِفَت وبَلِيَت، فلم يغير فيه شيئًا من هيئته إلا توسعته وبناه بجنس آلاته الأصلية، قال السهيلي: (نخرت عمده في خلافة عمر، فجددها) انتهى.
(ثم غَيَّره)؛ بفتح العين المعجمة، وتشديد التحتية (عثمان بن عفان) : أمير المؤمنين ﵁؛ أي: زمن خلافته فوسعه وغير آلاته، (فزاد) أي: عثمان (فيه) أي: في المسجد النبوي (زيادة) : كثيرة؛ أي: من جهة التوسيع، (وبنى جداره)؛ بالإفراد، والظاهر: أنَّ المراد: جدرانه الأربع، وقد يقال: إنه بنى جداره الذي زاده (بالحجارة المنقوشة)؛ بالتعريف فيهما، هكذا رواية غير الحموي والمستملي، وفي روايتهما: (بحجارة منقوشة)؛ بالتنكير؛ أي: بدلًا عن اللبن كذا في «عمدة القاري»، (والقَصَّةِ)؛ بالجر، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهو الجص بلغة أهل الحجاز، يقال: قصَّص جداره؛ أي: جصَّصَه، وزعم الخطابي: القصَّة: تشبه الجص، وليست هي، وقال إمام الشَّارحين: (القصة: الجص، لغة فارسية معربة، وأصلها: كج، وفيه لغتان: فتح الجيم وكسرها، وهو الذي تسميه أهل مصر: جيرًا، وأهل البلاد الشامية يسمونه: كِلْسًا) انتهى، قلت: هو بكسر الكاف وسكون اللام آخره مهملة، وهو الحجارة الكدانة تحرق فتصير كلسًا، وقوله: (وجعل عمده) : عطف على قوله: (وبنى جداره) (من حجارة منقوشة)، وقوله (وسَقَفَه)؛ بلفظ الماضي: من التسقيف، من باب التفعيل عطفًا على (جعل)، وفي رواية «فرع اليونينية» : (وسقْفَه) : بلفظ الاسم عطف على (عمده)، أفاده إمام الشَّارحين، قلت: فهو بإسكان القاف، وفتح الفاء، وضبطه البرماوي: (وسقَّفه) : بتشديد القاف، انتهى، قلت: التشديد؛ للمبالغة ولا مبالغة في السقف، على أن (٢) الرواية لا تساعده؛ لأنَّها إما بلفظ الماضي مخففًا أو الاسم؛ فافهم، وقوله: (بالساج) : متعلق بقوله: (وسَقَفَه)، وزعم العجلوني أنَّه متعلق بقوله: (وجعل)، قلت: والظاهر: ما ذكرناه؛ فافهم، و (الساج)؛ بالسين المهملة، والجيم؛ وهو ضرب من الخشب معروف يؤتى به من الهند، وله قيمة، قاله إمام الشَّارحين، أي: عظيمة، الواحدة: ساجة.
قال إمامنا الشَّارح: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
وقال ابن بطال: (ما ذكره البخاري في هذا الباب يدل على أنَّ السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تشييدها وتحسينها؛ خشية الفتنة والمباهاة ببنائها، وكان عمر مع الفتوحات التي كانت في أيامه وتمكنه
стр. 622
من سعة المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي الأعظم ﷺ ، وإنَّما احتاج إلى تجديده؛ لأنَّ جريد النخل قد كان نخر في أيامه وبلي، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر؛ فحسنه بما يقتضي الزخرفة، فلم يزد فيه على أن جعل مكان اللبن حجارة وقصة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصر هو وعمر رضي الله عنهماعن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علمهما بكراهة النبي الأعظم ﷺ ذلك، وليُقتدى بهما في الأخذ من المقاصد بالقصد والكفاية، والزهد في معالي أمورها، وإيثار البلغة منها، ولهذا فقد أنكر على عثمان بعض الصحابة) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة ﵃، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك؛ صونًا من الفتنة) انتهى.
قلت: وذكر النووي وغيره أن أول من وسَّع المسجد واتخذ له جدارًا دون القامة عمر بن الخطاب، وذلك؛ لأنَّه اشترى دورًا وضمَّها إليه، ثم وسَّعه عثمان واتَّخذ له الأروقة وبناه بالأحجار المنقوشة، ثم وسعه عبد الله بن الزبير، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم المأمون، وعليه استقرَّ بناؤه إلى الآن على الصحيح، انتهى، قلت: وقد وسَّعه أيضًا السلطان عبد المجيد العثماني في زمن خلافته سنة نيف وسبعين ومئتين وألف.
وقال ابن المُنيِّر: (لما شيَّد الناس بيوتهم وزخرفوها؛ ناسب أن يُصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة، وقد حدث عند الناس مؤمنهم وكافرهم تشييد بيوتهم وتزيينها ولم يمكن أن يمنعوا من ذلك؛ فكان بيت الله أولى، وذلك لو أنا بنينا مساجدنا باللبن النيء وسقفناها بالسعف، وجعلناها متطامنة بين الدور الشاهقة، وفعلها أهل الذمة؛ لكانت مستهانة، فحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا، ولو أنَّ المسجد الشريف أعيد بالطين والسعف، وشيدت دور المدينة إلى جنبه؛ لكان ذلك إهمالًا من المسلمين؛ فالذي اختاره الله تعالى الآن للمسلمين خيرًا إن شاء الله تعالى، ولو كان الزمان كما كان؛ لما عدل منه عن إعادة المسجد إلى ما يناسب حال القوم من التواضع والتقنع) انتهى.
واعترضه بعضهم -على ما نقله ابن حجر- بأن المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السلف وترك الرفاهية؛ فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة؛ فلا؛ لبقاء العلة، انتهى.
واعترضه العجلوني فقال: (المقرر في مذهبهم التفصيل بين كونه في القبلة؛ فيكره، وإلا؛ فلا)، قال الشيخ خليل في «مختصره» : (وكره تزويق قبلة المسجد) انتهى؛ فاعرفه، انتهى.
وزعم ابن حجر: ورخَّص في ذلك بعضهم وهو قول أبي حنيفة ﵁ إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (مذهب أصحابنا: أنَّ ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد؛ معناه: تركه أولى، وقدمرَّ الكلام فيه عن قريب) انتهى.
قلت: وعبارته فيما تقدم، وبهذا استدل أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه، وقول بعض أصحابنا: لا بأس بنقشه؛ معناه: أنَّ تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يصرفه سواء كان ناظرًا أو غيره، انتهى.
واعترضه العجلوني بعبارة «النهر» منتصرًا لابن حجر؛ فإنَّها يعلم منها أنَّه قيل: بندبه، لا كما يُفهمه كلامه، وعبارة «النهر» : (ولا يُكره أيضًا نقشه بالجِصِّ -بالكسر والفتح، معرَّب كج- وبالذهب ونحوه)، قيل: هذه العبارة مساوية لقول «الجامع» : (لا بأس بذلك)؛ بناءً على أنَّ المنفي كراهة التحريم، وأنَّ لفظ: (لا بأس) لا يلزم استعماله فيما تركه أولى.
وقال السرخسي: (إن ما في «الجامع» فيه إشارة إلى أنه لا يأثم، ولا يؤجر، وقيل: يندب، والكلام في غير المحراب: أمَّا هو؛ فيكره نقشه، وفي داخل المسجد، أما خارجه؛ فيكره) انتهى.
قلت: وكلام العجلوني فاسد الاعتبار؛ فإن المصرَّح به في كتب المذهب المعظم كـ «التنوير» و «شروحه» : أنه لا بأس بنقش المسجد -خلا محرابه- بجص وماء ذهب لو بماله لا من مال الوقف، وضمن متولِّيه لو فعل، قال صاحب «النهاية» : (أفاد أنَّ المستحب غيره؛ لأنَّ البأس الشدَّة؛ فلفظ: «لا بأس» : دليل على أنَّ المستحب غيره)، انتهى، وقال في «المضمرات» : (الصرف إلى الفقراء أفضل، وعليه الفتوى)، ومثله في: «الهندية»، وقيل: إنه مكروه؛ للحديث الصحيح: «إن من أشراط الساعة أن تزيَّن المساجد...» الحديث؛ فإن العلة في الكراهة: هو إلهاء (١) المصلين، وقد صرَّح صاحب «البدائع» وغيره أن الخشوع في الصلاة مستحب، ومثله في «الأشباه» فأفاد أن الكراهة للتنزيه، وهي أمارة قولهم: (لا بأس)، فإنَّها تدل على أن تركه أولى؛ وهي مفادة كراهة التنزيه، ولا فرق في جدرانه؛ لأنَّ المحراب يلهي الإمام، وجدار القبلة بتمامه يلهي المصلين خلفه، وكذا حائط الميمنة والميسرة يلهي القريب منه، بخلاف السقف والمؤخر؛ لأنَّه لا يلهي، وإذا كان الإلهاء موجودًا في حائط القبلة والميمنة والميسرة؛ للمصلين؛ فات الخشوع، وتكون الصلاة مكروهة تنزيهًا، ففعل النقش في هذه الحيطان مكروهة تنزيهًا؛ كما لا يخفى، وهذا معنى عبارة «النهر» وهو الموافق لعبارة إمام الشَّارحين، فما فهمه العجلوني غير صحيح؛ فافهم.
(٦٣) [باب التعاون في بناء المسجد]
هذا (باب) حكم (التعاون)؛ أي: تعاون الناس بعضهم بعضًا (في بناء المسجد)؛ بالإفراد، والألف واللام فيه للجنس، وهي رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي: (في بناء المساجد)؛ بالجمع.
و (التعاوُن)؛ بضمِّ الواو: مصدر تعاون القوم؛ تساعدوا، وتقدير الحكم في الترجمة أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعم والثاني أخص، ومراد المؤلف: العموم كما هي عادته في جميع التراجم، وأشار المؤلف بهذه الترجمة إلى أنَّ التعاون في فعل الخير بين الناس مطلوب مرغوب فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]؛ فتعاون الناس بعضهم بعضًا مندوب كبناء المساجد، وتعمير السُّبُلات وغير ذلك، فمن زاد في معاونته؛ زاد أجره، وهو شامل للمعاونة بالمال أو البدن، أما الصلاة والصوم؛ فليس فيهما معاونة؛ لأنَّهما عبادة قاصرة على صاحبها، فلا يجوز التعاون فيها؛ كما لا يخفى؛ فافهم.
стр. 623
(وقول الله كذا في رواية الكشميهني على ما قاله القسطلاني، لكن قال إمام الشَّارحين: (إنها رواية الأكثرين)، وزاد فيه: (إلى قوله: ﴿المهتدين﴾)، وتبعه ابن حجر في «الفتح» و «العمدة»، وقال إمام الشَّارحين أيضًا: (وفي رواية أبي ذر: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]، ولم يقع في روايته لفظ: «وقول الله ») انتهى، وفي رواية ابن عساكر: (قوله تعالى)، كذا ذكرها القسطلاني بدون عطف، وفي رواية بالعطف، والله تعالى أعلم: (﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾)؛ أي: بالله؛ أي: ما ينبغي لهم وما استقام لهم (﴿أَن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللهِ﴾)؛ بالإفراد في رواية الأكثرين، وهي قراءة يعقوب، وأبي عمرو، وابن كثير، وأراد به: المسجد الحرام، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (﴿مساجد﴾)؛ بالجمع على ما في القسطلاني، وقد اشتبه عليه العجلوني عبارته؛ فزعم أن رواية أبي ذر: (﴿مسجد﴾)؛ بالإفراد وليس كذلك، وهذه الرواية هي قراءة الآخرين، والمراد بقراءة الجمع: المسجد الحرام أيضًا، ولهذا قال الحسن البصري: (إنما قال: ﴿مساجد﴾؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها)، وقال القزاز: (إنما ذهبت العرب بالواحد إلى الجميع، وبالجميع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون، فيقول: أخذت في ركوب البراذين، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، ويريد: الدراهم والدنانير)، وقال صاحب «الكشاف» : (والمراد بـ «المسجد»؛ بالإفراد: المسجد الحرام، يدل عليه أن سبب نزول الآية: أنَّ المهاجرين والأنصار أقبلوا على أسارى بدر، فعيَّروهم بالشرك، وطفق علي بن أبي طالب يوبِّخ العبَّاس بقتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، وأغلظ عليه في القول، فقال العبَّاس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقالوا: أوَلكم محاسن؟ فقالوا: نعم، ونحن أفضل منكم جدًّا، إنَّا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني؛ فنزلت)، ولا يرد على هذا قراءة: (المساجد)؛ بالجمع التي هي قراءة الأكثرين؛ لأنَّهم جوزوا أنَّ المراد بها: المسجد الحرام، وإنَّما جمع؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر سائر المساجد، أو لأنَّ كل بقعة منه مسجد، أو أنَّ المراد به الجنس؛ أي: جنس المساجد، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها؛ دخل تحت ذلك ألَّا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد؛ لأنَّ طريقه طريق الكناية؛ كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله؛ أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك، انتهى.
وزعم ابن حجر أنَّ المؤلف ذكر هذه الآية لمصيره إلى ترجيح أحد الاحتمالين من الآية؛ لأنَّ قوله: ﴿مساجد الله﴾ : يحتمل أن يراد بها: موضع السجود، وأن يراد بها: المساجد، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها: بنيانها، وأن يراد بها: الإقامة فيها لذكر الله تعالى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ما قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلًا، وإنَّما يناسب معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...﴾ الآية [التوبة: ١٨]، على أن أحدًا من المفسِّرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرُّف منه بالرأي في القرآن؛ فلا يجوز ذلك، ويجب الإعراض عنه، قال المفسرون: معنى هذه الآية؛ ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده [لا شريك له، ومن قرأ ﴿مسجد الله﴾ أراد به: المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض] (١) الذي (٢) بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسَّسه خليل الرحمن ﵇، ثم ساق عبارة الزمخشري...) إلى آخر كلامه ﵁.
واعترضه العجلوني؛ فقال: (دعواه عدم مناسبة ما قاله ابن حجر لمعنى هذه الآية وحصره المناسبة لمعنى الثانية؛ غير ظاهر، وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد من المفسرين؛ لأنَّه قد ذكر هذا المعنى البغوي في «تفسيره» وعبارته: «أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأنَّ المساجد إنَّما تعمر لعبادة الله تعالى وحده، فمن كان كافرًا بالله؛ فليس من شأنه أن يعمرها؛ فذهب جماعة إلى أنَّ المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب؛ فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل، وحمل بعضهم العمارة ههنا على دخول المسجد والقعود فيه» انتهى، فانظر إلى قوله: «فذهب جماعة...» إلخ؛ تجده دافعًا لاعتراضه، وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما ذكره ابن حجر، على أنَّ الكرماني وغيره قال في كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم، وفيه إرشاد إلى أن للعالم الفَهِم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين بشرط موافقته للأصول الشرعية، انتهت؛ فأعجب من قوله وتشنيعه) انتهى.
قلت: وما ذكره العجلوني فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قوله (دعواه عدم مناسبة ما قاله...) إلى آخره،؛ ممنوع؛ فقد ذكر ذلك القاضي البيضاوي، وعبارة البيضاوي: (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ...﴾ الآية؛ أي: إنَّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها، وصيانتها عما لم تُبنَ له: كحديث الدنيا، وعن النبي ﷺ : قال الله تعالى: «إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زوَّاري فيها عُمَّارها؛ فطوبى لعبد تطهَّر في بيته ثم زارني في بيتي؛ فحقعلى المَزُور أن يكرم زائره») انتهى، فهذا دليل ظاهر على أن ما ذكره مناسب لمعنى الآية الثانية؛ كما قاله إمام الشَّارحين، لكن فيه أن ما زعمه ابن حجر تلفيق وخلط؛ لأنَّ بعضه يوافق معنى ما ذكره البيضاوي، وبعضه لا يوافق أصلًا؛ بل ولا يوافق أحدًا، فهو خبط في الكلام؛ فكأنَّه قال ولا يدري ما يقول؛ فافهم.
وقوله: (وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ فإن عبارة البغوي لا تدل على ما قاله؛ لأنَّه لم يقل: إنَّ المراد من الآية: أن يراد بها موضع السجود، فهو قول بالرأي بعينه، وكذا لم يقل البغوي: وأن يراد بها المساجد.
وقوله: (فانظر إلى قوله: فذهب جماعة...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه وإن كان ظاهره أنَّه موافق لما قاله ابن حجر، لكنه في الحقيقة مخالف له ومباين؛ لأنَّ عبارة البغوي مبنية على مرمة المساجد؛ لأنَّه قال: (من مرمته عند الخراب)، وما زعمه ابن حجر أنَّه يراد بعمارتها: بنيانها؛ لأنَّ منطوق الآية ومفهومها أنه يجب على المسلمين منعهم من بناء المساجد؛ كما قاله البغوي وغيره؛ فلا شك أن ما قاله ابن حجر تصرُّف من عنده وهو القول بالرأي
стр. 624
بعينه، وإنَّما اقتصرنا على عبارة البغوي؛ لأنَّ العجلوني جعلها سندًا ومستندًا له، والحال أن ابن حجر قد تصرَّف في عبارة البغوي، وخبط وخلط، ونسبها لنفسه، وليس في ذلك دفع لما قاله إمام الشَّارحين، بل الصواب هو ما قاله إمام الشَّارحين.
وقول العجلوني: (وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما قاله ابن حجر)؛ ممنوع، فإن المنافاة بينهما ظاهرة لمن كان عنده شيء من العلم، كما علمت من عبارته، وما قاله إمام الشَّارحين من معنى الآية هو ما قاله الإمام مفتي الثقلين العلامة أبو السعود ونجم الدين النسفي والبيضاوي وغيرهم، وهو خلاف ما زعمه ابن حجر؛ لأنَّ قوله: (وأن يراد بها الإقامة فيها لذكر الله) : هذا توجيه معنًى بالرأي بعينه أيضًا؛ فإن الكافر المشرك لا يوحِّد الله، ولا يصلي في مسجد، ولم يقل أحد من المفسرين ذلك، وعلى كلٍّ فما ذكره العجلوني لا ينهض دليلًا لصحة كلام ابن حجر؛ فليحفظ.
وما نقله عن الكرماني... إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ما ذكره خاص بالمجتهد المطلق كإمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ومن جرى مجراه، وابن حجر لم يبلغ رتبة الاجتهاد، بل ولا رتبة المؤلفين المتقنين، وإنما هو من المؤلفين الغير المتقنين، على أنَّ ما ذكره مقيَّد بأن يكون موافقًا للأصول الشرعية، وما ذكره ليس كذلك، بل هو قولٌ بالرأي بعينه؛ لأنَّه لم يذكره أحد من المفسِّرين؛ فيجب الإعراض عنه.
وقوله: (فأعجب من قوله وتشنيعه)، لا عجب ولا تشنيع، بل ما ذكره إمام الشَّارحين هو الصواب الموافق لقول العلماء الراسخين، وليس له في ذلك حظ نفس ولا هوًى، وإنما هو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يخل ذلك بمعنى القرآن العظيم، وأعجب من قول العجلوني حيث درج على هذا الكلام الذي يرده أهل العلم العظام.
(﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾) الظرفان متعلقان بـ ﴿شاهدين﴾ وهو حال من فاعل ﴿يعمروا﴾؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين؛ عمارة بيت الله وكفرهم بالله بعبادة غيره، وقال الحسن: (لم يقولوا: نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر)، وقال الضحاك، عن ابن عبَّاس: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك لأنَّ كفار قريش كانوا ينصبون أصنامهم على البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكلما طافوا شوطًا؛ سجدوا لأصنامهم ولم يزدادوا بذلك من الله إلا بعدًا)، وقال السُّدي: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر: هو أنَّ النصراني يُسأل من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك)، وقال النسفي: (هو قولهم: لبيك لا شريك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك؛ أي: ليس لهم أن يحجوها وهم قائلون ذلك في الحج).
(﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾)؛ أي: بطل ثوابها لشركهم، والمراد بالأعمال: ما ذكروه من محاسنهم، كذا قاله نجم الدين النسفي، وقال جار الله الزمخشري: هي العمارة والحجابة، وفك العاني، والسقاية ونحوها، انتهى، قلت: وهي بمعنى ما تقدم.
واعترضه العجلوني فزعم أنَّ الأولى العموم؛ لأنَّ أعمال الكفار كلها مردودة لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، انتهى.
قلت: العموم موجود في كلام الزمخشري؛ لأنَّه بيَّن أعمالهم التي يفتخرون بها، وعمم بقوله: وغيرها، وما ذكره من الآية فيه نظر؛ لأنَّ الآية مخصوصة بالدار الآخرة، فلا يجازون عليها في الآخرة وإنما المجازاة تكون في الدنيا، فإن الكفار إذا عملوا خيرًا؛ يجازون عليه في الدنيا بكثرة الأموال والأولاد، أو دفع الضرر والشدة وغير ذلك، فإذا وصلوا للدار الآخرة؛ لم يجدوا من أعمالهم شيئًا؛ فافهم.
(﴿وَفِي النَّارِ﴾)؛ أي: الجهنمية؛ أي: لا في غيرها (﴿هُمْ خَالِدُونَ﴾)؛ أي: لكفرهم لا غيرهم من المسلمين؛ فافهم، وإن عُذِّب منهم من يعذب، فإنَّهم إلى الجنة صائرون، ومهما طالت مدتهم لا بد من دخولهم الجنة، وقول المتصوفة: (إن الكفار يعتادون عذاب النار فلم يحصل لهم بعد ذلك ألم العذاب) مردود بنصوص القرآن؛ لأنَّ الله وصف العذاب بكونه مؤلمًا، وإذا كان كما زعمه؛ يلزم في ذلك ألَّا يكونوا معذبين، وهو خلاف إخبار الله عنهم، وهو لا يخلف الميعاد.
(﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ﴾) في قراءة ﴿مسجد الله﴾ بالإفراد كما في «الكشاف» (﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾) وحده، والإيمان بالنبي الأعظم ﷺ ، وإنما لم يذكره؛ لأنَّه إذا جرى ذكر الله تعالى؛ يكون ذكره ﵇ مقارنًا لذكره تعالى، كما في كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة وغيرها، فلما كانا مزدوجين صارا كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن الآخر، فكان الإيمان به ﵇ مندرجًا تحت ذكر الإيمان بالله تعالى، ويحتمل أنه لم يذكره لدلالة قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ لأنَّهما ذكرتا بلام العهد والمعهود من الصلاة والزكاة عند المسلمين ليس إلا الأعمال التي أتى بها رسول الله ﷺ ، وإتيان تلك الأعمال يستلزم الإيمان به ﵇؛ فافهم، (﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾) ﴿من﴾ الموصولة أو النكرة الموصوفة فاعل ﴿يعمر﴾ المقدم عليه المفعول؛ اعتناءً بالمساجد، (﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾)؛ أي: أداها وحافظ عليها في أوقاتها، وهو معطوف على قوله: ﴿آمن﴾ (﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾)؛ أي: أداها لأربابها، والمعنى: إنَّما يستحق القيام بعمارة المساجد من كان متصفًا بهذه الأوصاف المذكورة (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ﴾)؛ أي: لم يخف في الدين غير الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، قاله البغوي، وقال صاحب «الكشاف» : (فإن قلت: المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك ألَّا يخشاها، قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وألَّا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه حق الله وحق نفسه؛ قدم حق الله على حق نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم، وهذه الآية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كالمؤكدة
стр. 625
بمضمون السابقة؛ ومعناه: إنَّما يستقيم عمارة المساجد لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج والمصابيح، ورَمِّ (١) ما وَهَى منها وإصلاحه، وقمِّها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومنه: درس العلم؛ بل هو أجلُّه وأعظمه، وصيانتها مما لم تبنَ له من أحاديث الدنيا، فضلًا عن فضول الحديث) انتهى.
قلت: وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] فإن الخوف من المضار النفسانية أمر جبلِّي لا محذور فيه، وإنما المحذور ترجيح حق نفسه على حق الله تعالى، وأن يجعل فوات حظ نفسه كعذاب الله تعالى.
(﴿فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾) [التوبة: ١٨] جمع؛ مراعاة لمعنى ﴿من﴾ بعد الإفراد لمراعاة لفظها، قال البيضاوي: (ذكره بصيغة التوقع؛ قطعًا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخًا لهم بالقطع بأنَّهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرًا بين «عسى» و «لعل»، فما ظنك بأضدادهم؟! ومنعًا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا على أعمالهم) انتهى، وقال الإمام نجم الدين النسفي: («عسى» من الله إطماع، وإطماع الكريم إيجاب؛ أي: المستكملون هذه الأوصاف والخصال ثابتون على الهداية خارجون عن الضلالة)، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي الأعظم ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ﴾ ...» الآية [التوبة: ١٨]، وقال القشيري: (عمارة المساجد التي هي مواقف العبودية لا تتأتى إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمِّر المسجد بتخريب أوطان شهوته، والزاهد يعمِّره بتخريب أوطان مُنْيَته، والعارف يعمِّره بتخريب أوطان عِلاقَته، والموحِّد يعمِّره بتخريب أوطان ملاحظته، ولكلٍّ منهم صنف مخصوص، وكذلك رتبتهم في الإيمان مختلفة، فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتَّان ما هم) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ثمَّ إنَّ البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة، وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ الآية؛ لكان أجدر وأقرب للمطابقة، ولكن يمكن أن يوجه ذلك وإن كان فيه بعض تعسُّف؛ وهو أن يقال: إنَّه أشار به إلى أنَّ التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنَّما يكون للمؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة، ألا ترى أنَّ العبَّاس لما أُسِر (٢) يوم بدر وعيَّره علي بن أبي طالب بكفره وأغلظ له؛ ادَّعى أنَّهم كانوا يعمرون المسجد الحرام، فبيَّن ذلك الله تعالى أنَّه غير مقبول منهم؛ لكفرهم؛ حيث أنزل على نبيه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٧]، ثم أنزل في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ ... ؛ الآية، والمعنى: إنِّما العمارة المعتدة بها: عمارة من آمن بالله، فجعل عمارة غيرهم كلا عمارة؛ حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في «مسنده» عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ عمَّار المسجد هم أهل الله» ورواه أبو بكر البزَّار، ولا شكَّ أنَّ أهل الله هم المؤمنون) انتهى.
واعترضه العجلوني فزاد في الطنبور نغمة، فزعم أنَّ الآيتين (٣) مذكورتان في رواية أبي ذر التي ذكرها، وهما دالتان على فضيلة تعمير المساجد ومدح العامرين بها، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وليس لقائله مسٌّ بفهم المعاني، فإنَّ كون الآيتان مذكورتين (٤) في رواية أبي ذر لا ينافي أنَّ الآية الأولى من جملة الترجمة، وأنَّها لا تطابق حديث الباب، فكم ذكر المؤلف آية أو حديثًا في باب مترجم وهو لا يطابق الترجمة؟! لكن يجب على المؤلف أن يصدِّر بآية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾؛ لأنَّ مراد المؤلف: الاستدلال على ما ترجم له، وهذه الآية صريحة في الدلالة على ذلك، وأن الآية الأخرى لا يُستدلُّ بها؛ لأنَّ العمارة المقبولة إنَّما هي من المؤمنين، وأمَّا الكفار؛ فلا يُعتدُّ بفعلهم، كيف يجعل فعل الكفار دليلًا على حكم من أحكام الله مع أنَّه تعالى قد ذمَّ فعلهم ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١٧]؟!، فهذا ذمٌّ وعدم رضًا بهذا الفعل منهم فالآية الأولى تطابق الترجمة، وأمَّا الثاني؛ فإنَّها قريبة من التطابق لما ذكره إمام الشَّارحين من الوجه المذكور، على أنَّ الحديث المروي عن أنس صريح في أنَّ الذي يمدح في عمارة المسجد إنَّما هو المؤمن لا الكافر، فكيف يقول: (وهما دالَّتان...) إلخ؟ فمن أين جاءت الدلالة المذكورة؟ ومن أين جاء المدح للعامرين؟ نعم؛ مدح الله المؤمنين في الآية الثانية، وذمَّ ومنع المشركين في الآية الأولى، وما هذا إلا قول أضعف من [بيت] العنكبوت، فلا تغتر بكلام العجلوني، فإنَّه مشهور بالتعصب على إمام الشَّارحين، ولم يصل إلى مرتبة علمه في العالمين؛ فافهم.
وروى البغوي «بسنده» إلى أبي هريرة أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد وراح؛ أعدَّ الله له منزلة من الجنة كلَّما غدا وراح»، وروى أيضًا بسنده إلى عثمان بن عفان أنَّه أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك وأحبُّوا أن يدعه، فقال عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له قصرًا كهيئته في الجنة»، وفي لفظ له من طريق آخر: «بنى الله له بيتًا في الجنة»، وقال صاحب «الكشاف» : وعن النبي الأعظم ﷺ : «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد، يقعدون فيها حِلَقًا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة»، وعنه ﵇: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»، وقال ﵇: «من أَلِفَ المساجد؛ أَلِفَه الله»، وعن أنس بن مالك: «من أَسْرَج في مسجد سراجًا؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك
стр. 626
المسجد ضوءه» انتهى.
[حديث: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة]
٤٤٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) : هو ابن مسرهد الأسدي البصري، (قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار) أبو إسحاق الدباغ البصري الأنصاري، وفي بعض الأصول: (المختار)؛ باللام؛ للمح الأصل، (قال: حدثنا خالد الحَذَّاء)؛ بفتح المهملة، وتشديد المعجمة، هو ابن مهران البصري، (عن عكرمة) : هو مولى ابن عبَّاس، المفسِّر المشهور، وقد سكن البصرة (قال لي)؛ أي: قال: قال لي: (ابن عبَّاس) : هو عبد الله، حَبر هذه الأمة وترجمان القرآن، قال إمام الشَّارحين: (وهذا الإسناد كلُّه بصري؛ لأنَّ ابن عبَّاس أقام على البصرة أميرًا مدة وعكرمة معه) انتهى، (ولابنه) : معطوف على الياء بإعادة الجار؛ ليكون جائزًا اتفاقًا، والضمير فيه يرجع إلى ابن عبَّاس، وقوله: (عليٍّ)؛ بالجر بدل من ابنه، أو عطف بيان، هو ابن عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وكنيته أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، وكان مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب؛ فسمي باسمه وكني بكنيته، وكان غاية في العبادة، والزهادة، والعلم، والعمل، وحسن الشكل، والثقة، وكان يدعى السجَّاد-بتشديد الجيم-؛ لكونه كثير الصلاة، فقد كان يصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة، وكان له خمس مئة أصل زيتون، فيصلي في كل يوم عند أصل كل شجرة ركعتين، وهو جدُّ السفاح والمنصور الخليفتين، المتوفى قبل العشرين ومئة، إمَّا سنة أربع عشرة، أو سبع عشرة، أو عشرة، عن ثمان أو تسع وسبعين سنة، أفاده إمامنا الشَّارح، قلت: وقول العجلوني: (مات بعد العشرين ومئة) خطأ ظاهر: (انطلِقا)؛ بكسر الهمزة واللام: فعل أمر مثنَّى (إلى أبي سعيد) : هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، (فاسمعا) ولأبي ذر: (واسمعا) بالواو (من حديثه)؛ أي: المطلق الذي يسمعه الناس، وزعم العجلوني: أنَّه يحتمل أنَّه عيَّن لهما الحديث يسألانه عنه أو أطلق، انتهى، قلت: ظاهر اللفظ يدل على الإطلاق، ويدل عليه أنَّه أتى به بصيغة التنكير، والاحتمال الأول بعيد جدًّا؛ لأنَّه لو كان مراده التعيين لعيَّن لهما الحديث لأجل السؤال عنه، وظاهر اللفظ يخالفه؛ فافهم، وقوله: (فانطلقنا) من مقول عكرمة؛ (فإذا هو) أي: أبو سعيد، وكلمة (إذا) ههنا للمفاجأة (في حائط) أي: بستان له وسمِّي به؛ لأنَّه لا سقف له كذا في «عمدة القاري» (يصلحه) جملة محلها الرفع؛ لأنَّها خبر لقوله: (هو)، وهل المراد بالإصلاح السقي أو الزراعة وحفر الأرض ونحوها؟ فإن اللفظ عام، وقد بيَّن المؤلف في (الجهاد) أنَّ المراد به الأول، ولفظه: (فأتيناه وهو وأخوه في حائطهما يسقيانه)، قال إمام الشَّارحين: (قيل: أخوه هذا لأمه وهو قتادة بن النعمان، ورُدَّ بأن هذا لا يصح؛ لأنَّ علي بن عبد الله بن عباس ولِد في آخر خلافة علي بن أبي طالب ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر بن الخطاب، وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أمه إلا قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور هو أخوه من الرَّضاعة، والله أعلم) انتهى، (فأخذ رِدَاءه)؛ بكسر الراء وفتح الدال المهملتين، وهو ما يستر النصف الأعلى؛ أي: فأخذ أبو سعيد رداء نفسه.
قال العجلوني: كأنَّه بعد أن سألاه الحديث أو اتفق له ذلك، انتهى.
قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ المراد: سماع الحديث لا السؤال عنه، فإنَّه لم يقل لهما ابن عبَّاس: اذهبا فاسألانه؛ بل أَخْذُ الرداء قد اتفق له في هذه الحالة كما ذكرنا؛ فافهم.
(فاحتَبَى)؛ بالحاء المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وفتح الموحدة؛ يقال: احتبى الرجل؛ إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، كذا في «عمدة القاري».
قال العجلوني: ويحتمل أنَّه احتبى بردائه.
قلت: واحتباء الرجل أن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه ملتفًّا في ثوبه الواحد، والظاهر أنَّه احتبى بردائه؛ لأنَّه كان في حائطه يصلحه، والغالب أن يكون غير محبيٍّ به، فلما فرغ من ذلك؛ أخذ ردائه، فاحتبى به، وهذه الاحتمالات من أجل عدم وجود لفظة (به)، فلو كانت؛ لتعين ما قلناه؛ فافهم.
(ثم أنشأ)؛ أي: شرع أبو سعيد، قال إمام الشَّارحين: وهي بمعنى: طفق، وهما من أفعال المقاربة، وضعا للدلالة على الشروع في الخبر، ويعملان عمل (كان) إلا أنَّ خبرهما يجب أن يكون جملة، ويشاركهما في هذا: (جعل) و (علق) و (أخذ)، انتهى، فقوله: (يحدثنا)؛ جملة محلها النصب خبر (أنشأ) (حتى أتى) أي: أبو سعيد (ذِكْرَ)؛ بالنصب مفعول (أتى)، وفي رواية كريمة والأربعة: (حتى إذا أتى على ذِكْرِ)، وفي رواية الأصيليوأبي ذر عن المستملي والكشميهني: (حتى أتى على ذكر) (بناء المسجد) أي: النبوي، فالألف واللام فيه للعهد (فقال) أي: أبو سعيد (كنا) أي: معشر الصحابة (نحمل لَبِنةً)؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، بعدها نون، وهي: الطوب النيئ، فإذا شوي بالنار؛ فهو الآجر؛ بالمد، وانتصابها على المفعولية لـ (نحمل)، وقوله: (لبنةً) بالتكرار؛ منصوب على التأكيد، وأفاد التكرار أنَّ كل واحد يحمل في كل مرة لبنة، (وعمَّار)؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر (لبنتين لبنتين)؛ بالتكرار أيضًا؛ يعني: يحمل عمَّار في كلِّ مرة لبنتين، وزاد معمر في روايته: (لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ ، وفيه زيادة أيضًا لم يذكرها البخاري، ووقفت عليها عند الإسماعيلي وأبي نعيم في «المستخرج» من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذَّاء؛ وهي: (فقال رسول الله ﷺ : «يا عمَّار؛ ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد من الأجر»)، قاله إمام الشَّارحين، قلت: يعني: يريد الزيادة في الثواب بحمله أكثر من أصحابه، (فرآه النبي) الأعظم ﷺ ؛ الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمَّار ﵁، (فينفض)؛ بالمضارع موضع الماضي؛ لاستحضار صورة النفض في نفس السامع حتَّى كأنَّه شاهده، ولابن عساكر وأبي الوقت: (فنفض)؛ بالماضي، وللأصيلي وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني: (فجعل ينفض) (التراب عنه)؛ أي: عن عمَّار، وزاد المصنف في (الجهاد) : (عن رأسه)، وكذا هي رواية مسلم، (ويقول)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ في هذه الحالة (ويح عمَّار!)؛ بفتح الحاء المهملة لا غير، يحتمل أنَّه منادى بحذف حرف النداء على حد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، و (ويح) : كلمة رحمة، بخلاف (ويل)؛ فإنَّها كلمة عذاب، لكن كلام الجوهري وغيره صريح في أنَّ نصبه بفعل مقدَّر، فإنَّه قال: (تقول: ويحٌ لزيد وويلٌ له، برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: ويحًا لزيد وويلًا له، فتنصبهما بإضمار فعل، ولك أن تقول: ويحك وويلك، وويل زيد وويحه
стр. 627
بالإضافة، فتنصبهما لا غير بإضمار فعل)؛ فافهم، (تقتله الفئة) أي: الجماعة (الباغية)؛ أي: المخالفة للإمام بتأويل، الخارجة عن طاعته بتأويل باطن ظنًّا وبمتبوع مطاع، قيل: هم الشاميون أصحاب معاوية ﵁ الذين قتلوه في وقعة صفين (يدعوهم إلى الجنة)؛ أي: يدعو عمَّارٌ الفئة الباغية إلى سبب دخول الجنَّة؛ وهو إطاعة الإمام الواجب اتِّباعه؛ وهو علي بن أبي طالب، وأعيد الضمير إليهم وهم غير مذكورين صريحًا (ويدعونه إلى النار)؛ أي: تدعوا هؤلاء الفئة الباغية عمَّارًا إلى النار؛ أي: إلى سبب دخولها، فإنَّ الطاعة سبب دخول الجنَّة، كما أنَّ المعصية سبب دخول النار؛ وهي المخالفة، لكنَّهم معذورون؛ لتأويلهم الذي ظهر لهم، وسقط في رواية الأكثرين: (تقتله الفئة الباغية)، فأشكل عليها مرجع الضمير في (يدعوهم)، فإنَّه أعيد الضمير عليهم مع أنَّهم غير مذكورين صريحًا، لكن ثبت في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما هذه الزيادة، وكذلك ثبتت في نسخة الصغاني المقابلة على نسخة الفربري التي بخطه، ولهذا أثبتُّها تبعًا لإمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: كان قتل عمَّار بصفين، وكان مع علي بن أبي طالب، وكان الذين قتلوه مع معاوية، وكان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز أن يدعونه إلى النار؟! وأجاب ابن بطال فقال: «إنما يصح هذا في الخوارج الذين بَعَثَ إليهم عليٌّ عمَّارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنَّه لا يجوز أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل»).
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (تبع ابن بطَّال في ذلك المهلَّب، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب، ولكن لا يصحُّ هذا الجواب؛ لأنَّ الخوارج إنَّما خرجوا على علي بن أبي طالب بعد قتال عمَّار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك؛ لأنَّ ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية، ولم يكن التحكيم إلا بعد انتهاء القتال بصفِّين، وكان قتل عمَّار قبل ذلك قطعًا) انتهى.
ويقال أيضًا: إنَّ المبعوث إليهم عمَّار إنَّما هم أهل الكوفة ليستنفرهم (١) على قتال عائشة ومن معها في وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة كثيرون.
وزعم ابن حجر فأجاب: بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار: كفار قريش.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (وهذا لا يصح؛ لأنَّه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضح بأن الضمير يعود على قتلة عمَّار، وهم أهل الشام).
قال الحميدي: لعل هذه الزيادة لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدًا، ولم يذكرها في «الجمع بين الصحيحين»، قال: وقد أخرجها الإسماعيلي، والبرقاني في هذا الحديث، انتهى.
ثم قال إمام الشَّارحين: (والجواب الصحيح في هذا أنَّهم كانوا مجتهدين ظانين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم، فإن قلت: المجتهد إذا أصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجر، فكيف الأمر ههنا؟ قلت: الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يذكر في حق الصحابة خلاف ذلك؛ لأنَّ الله أثنى عليهم وشهد لهم بالخيرية والفضل بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال المفسرون: هم أصحاب النبي الأعظم ﷺ انتهى.
قلت: ويؤيده قوله ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ولأن معاوية ﵁ كان أمين الوحي وكاتبه، وثبت أنه ﵇ قال له: «إذا ولِّيت؛ فاعدل»، فلهذا طلب الولاية لنفسه؛ حيث إنَّه بشَّره ﵇ بها، فلا تغتر بقول الزنادقة الملحدين الذين يقذفون في حق معاوية ﵁، فهو بريء مما قالوا، فلو أنفق أَحَدٌ مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ فضلهم، كما صرح به الحديث وتمامه في «شرح الشفا» لمنلا علي القاري قُدِّس سره.
قال الحميدي: ويظهر لي أنَّ البخاري حذف هذه الزيادة وهي: «تقتله الفئة الباغية»؛ لنكتة، وهي أن أبا سعيد اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي الأعظم ﷺ ، فدل على أنَّها في هذه الرواية مدرجة، والرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري، وأخرجها البزار بسنده إلى أبي سعيد، لكن فيه: قال أبو سعيد: فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله ﷺ أنَّه قال: «يا ابن سميَّة؛ تقتلك الفئة الباغية»، وقد عين أبو سعيد من حدَّثه بذلك؛ ففي «مسلم» و «النسائي» عن أبي سعيد قال: حدثني من هو خير مني أبو قتادة، فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد منه ﵇ دون غيره.
(قال) أي: أبو سعيد: (يقول عمَّار: أعوذ بالله من الفِتن)؛ بكسر الفاء، جمع فِتنة؛ بكسرها أيضًا، وهي الامتحان والاختبار كقوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، يقال: افتتن الرجل؛ إذا أصابته فتنة، فذهب عقله أو ماله؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أنَّ التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأنَّه مما يجري للإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وكري الأنهار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها.
وفيه: الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه، ألا ترى أن ابن عبَّاس مع سعة علمه أمر ابنه عليًّا بالأخذ عن أبي سعيد الخدري؟ قيل: يحتمل أن يكون إرسال ابن عبَّاس إليه؛ لطلب علو الإسناد؛ لأنَّ أبا سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعًا من النَّبي الأعظم ﷺ ، قلت: ومع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه.
وفيه: أنَّ العالم له أن يتهيأ للحديث، ويجلس له تعظيمًا.
وفيه: ترك التحديث في حالة المهنة؛ إعظامًا للحديث وتوقيرًا لصاحبه، وهكذا كان السلف.
وفيه: أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البِر ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمَّار لبنتين.
وفيه: إكرام العامل في سبيل الله والإحسان إليه بالفعل والقول.
وفيه: علامة النبوة؛ لأنَّه ﵇ أخبر بما يكون، فكان كما قال.
وفيه: إصلاح الشخص ما يتعلق بأمر دنياه، كإصلاح بستانه وكَرْمِه بنفسه، وأنَّه كان السلف على ذلك؛ لأنَّ فيه إظهار التواضع ودفع الكبر، وهما من أفضل الأعمال الصالحة.
стр. 628
وفيه: فضيلة ظاهرة لعليٍّ وعمَّار ﵄.
وفيه: ردٌّ على النواصب الزاعمين أن عليًّا لم يكن مصيبًا على حروبه.
وفيه: استحباب الاستعاذة من الفتن؛ لأنَّه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور أم مأزور؟ إلا بغلبة الظن، ولو كان مأجورًا؛ لما استعاذ عمَّار من الأجر) انتهى.
وقال ابن بطال: (وفيه: ردٌّ للحديث الشائع: «لا تستعيذوا بالله من الفتن فإنَّ فيها حصاد المنافقين»).
قال الشَّارح: (ويروى: «لا تكرهوا الفتن»، ولكن لم يصح هذا فإن عبد الله بن وهب قد سئل عن هذا فقال: إنَّه باطل) انتهى.
قلت: وقد قال غيره كالسخاوي: إنه باطل، لكن له وجه صحيحومعنى صريح: في أن وجود الفتن تجرُّ بعض المنافقين للوقوع في الهلاك، فيتخلص (١) منهم الصالحون المتقون ويستريحون من إيذائهم، وإنِّما استعاذ عمَّار؛ لأنَّه بسبب وجود الفتنة ربما الإنسان لا يصبر فيحصل له الضجر، وربما يقع في محظور وغير ذلك، أمَّا الذي يحفظ دينه وعرضه وماله؛ فهو في الفتنة مأجور؛ لأنَّها من قبيل الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فافهم.
(٦٤) [باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد]
هذا (باب) حكم (الاستعانة) أي: طلب الإعانة (بالنَّجَّار)؛ بفتح النون، وتشديد الجيم على وزن «فعَّال»، وهو الذي يعمل صنعة النجارة (والصُّنَّاع)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وتشديد النون جمع: صانع، وهو من قبيل عطف العام على الخاص، قاله إمام الشَّارحين، (في أعواد المنبر والمسجد) متعلق بـ (الاستعانة)، فهو متعلق معنًى بـ (النجار والصناع)، و (المسجد) : عطف على (المنبر) أو على (أعواد)، قاله الكرماني، وتبعه البرماوي، واعترضه العجلوني فقال: (عطفه على «المنبر» لا يخلو من توقف) انتهى، قلت: لا توقف فيه أصلًا، بل المعنى فيه صحيح، كما لا يخفى.
وزعم ابن حجر فيه لف ونشر، فقوله: (في أعواد المنبر) يتعلق بالنَّجار، وقوله: (والمسجد) يتعلق بـ (الصُّنَّاع)؛ أي: والاستعانة بالصُنَّاع في بناء المسجد.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (لا يصح ذلك من حيث المعنى؛ لأنَّ النَّجار داخل في الصُّنَّاع، وشرط اللف والنشر أن يكون من متعدد) انتهى.
واعترضه العجلوني فزعم أن ما ذكره ابن حجر مقابل لعطف العام على الخاص، وعليه فلا يكون النَّجار داخلًا في الصُّنَّاع، على أنَّه وإن كان داخلًا فيه؛ فالتعدد موجود، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ كونه من عطف العام على الخاص يلزم عليه أن يكون النَّجار داخلًا في الصُّنَّاع؛ لأنَّ النَّجار صانع من جملة الصُّنَّاع.
وقوله: (على أنَّه...) إلخ: هذا تنزل في الجواب، وهو ليس بشيء أيضًا، فإن التعدد غير موجود، فإن النَّجار يقال له: صانع، وهو من جملة الصُّنَّاع؛ فإن الذي يحتاج في بناء المسجد النَّجار وغيره من الصُّنَّاع، وكذلك المنبر؛ فافهم، على أنَّه وإن كان بحسب الظاهر من اللفظ أنَّه متعدد، لكن من حيث المعنى غير متعدد، بل هو شيء واحد؛ لأنَّ لفظ (الصُّنَّاع) ومعناه واحد وتحته أفراد، وعلى كل حال فما زعمه ابن حجر والعجلوني غير صحيح، كما لا يخفى.
[حديث: بعث رسول الله إلى امرأة أن مري غلامك النجار يعمل لي]
٤٤٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قتيبة) زاد الأصيلي: (ابن سعِيد) بكسر العين المهملة (قال: حدثنا عبد العزيز) : هو ابن أبي حازم (عن أبي حازم) : هو سلمة بن دينار، ولأبوي ذر والوقت: (حدثني) بالإفراد (أبو حازم) (عن سهل) : هو ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة الساعدي الأنصاري ﵁ (قال: بعث رسول الله ﷺ أي: أرسل (إلى امرأة) : هي عائشة الأنصارية، كما صرَّح الطبراني: (أن مري غلامكِ)؛ بكسر الكاف؛ وكلمة: (أن) مفسرة بمنزلة (أي)، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ويحتمل أن تكون مصدرية؛ بأن يقدر قبلها حرف الجر، وعن الكوفيين: إنكار (أن) التفسيرية ألبتة، ويروى: (مري) بدون (أن)، و (مري) : أمرٌ من (أمر يأمر)، والياء التحتية علامة الخطاب للمؤنث، كذا قرره إمام الشَّارحين، قلت: وعلى مذهب الكوفيين يتعين جعلها مصدرية، و (مري) أفصح من (اؤمري)؛ لأنَّه في ابتداء الكلام؛ فافهم.
وهذا الغلام هو مولى هذه المرأة، واسمه باقوم-بالميم- الرومي، وقيل: باقول: باللام، فيما رواه عبد الرزاق، وقيل: قبيصة المخزومي، وقيل: مينا، وقيل: صالح مولى العبَّاس، وقيل: ميمون، كما تقدم ذلك في باب (الصلاة في السطوح والمنبر والخشب).
(يعملْ) : مجزوم في جواب الأمر؛ أي: يصنع لي (أعوادًا)؛ أي: منبرًا مركبًا منها (أجلسُ عليهن)؛ بالرفع؛ أي: أنا أجلس عليها، والجملة صفة (أعوادًا) مقدرة أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.
قال إمام الشَّارحين: (وههنا مسألة وهي: أنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ بذلك الشيء أم لا؟ وهل الغلام مأمور من قبل النبي الأعظم ﷺ أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح عدمه) انتهى.
قلت: الأصوليون منعوا ذلك، وعليه فلا يكون النَّجار مأمورًا من جهته ﵇، ونظيره قوله ﵇: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين».
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في (البيوع) بهذا الإسناد بتمامه، وههنا اختصره، وفيه: الاستعانة بأهل الصنعة فيما يشمل المسلمين نفعه، وفيه: التقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، وفيه: استحباب الجلوس على شيء مرتفع لأجل الوعظ والدرس ونحوه، والله أعلم.
[حديث: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه]
٤٤٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا خَلَّاد)؛ بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام: هو ابن يحيى صفوان السلمي الكوفي نزيل مكة (قال: حدثنا عبد الواحد بن أَيْمَن)؛ بفتح الهمزة، وسكون التحتية، وفتح الميم، آخره نون؛ هو الحبشي المكي القرشي المخزومي، (عن أبيه) : هو أيمن المذكور (عن جابر) زاد الأصيلي: (ابن عبد الله) : هو الأنصاري الصحابي ﵄: (أن امرأة) : هي عائشة الأنصارية، كما صرح بها الطبراني، وهي المذكورة في حديث سهل (قالت: يا رسول الله؛ ألا) :
стр. 629
هي مخففة مركبة من همزة الاستفهام و (لا) النافية، وليست حرف تنبيه، ولا حرف تحضيض، كذا قاله إمام الشَّارحين، قلت: فهي للعرض، (أجعل لك شيئًا) أي: منبرًا (تقعد عليه) أي: حين الخطبة (فإن لي غلامًا نَجَّارًا)؛ بفتح النون، وتشديد الجيم: صانع النِّجارة، وفي «عمدة القاري» : أن في رواية الكشميهني: (فإن لي غلامٌ نجارٌ) انتهى؛ يعني: برفع (غلام) على أن اسم (أن) ضمير الشأن، وزعم العجلوني أن في بعض نسخ القسطلاني: (فإني لي غلام)، وهي ظاهرة، قلت: جميع نسخ القسطلاني: (فإن لي) بدون تحتية، فمن أين أتى بها شيخ عجلون؟! فافهم، والمراد به: المملوك (قال) أي: النبي الأعظم ﷺ لها: (إن شئتِ)؛ بكسر التاء الفوقية؛ خطاب المؤنث؛ يعني: إن شئت؛ فافعلي لي ذلك، وقال إمامنا الشَّارح: الجزاء محذوف؛ تقديره: إن شئت؛ عملت، ويروى: «إن شئت فعلت»، فلا حذف؛ فافهم، (فعملت) أي: المرأة المذكورة (المنبر)؛ أي: النبوي، وإضافة العمل إلى المرأة مجاز؛ كإضافة الجعل إليها؛ لأنَّ العامل إنَّما هو الغلام، وهي الآمرة بذلك، فالإضافة باعتبار أنَّها آمرة العامل حقيقة، فهو كقولهم: كسا الخليفة الكعبة.
فإن قلت بين هذين الحديثين تخالف؛ لأنَّه ﵇ في حديث سهل سأل المرأة، وفي حديث جابر: أنَّ المرأة سألته ﵇.
قلت: لا تخالف؛ لأنَّه ﵇ أرسل إلى المرأة وأمرها بأن تأمر غلامها يعمل له أعوادًا يجلس عليهن، فظنت أنَّ المراد به لأجل القعود فقط، فسألته ﵇ أنَّ الغلام يجعل له أعوادًا لأجل المنبر يخطب (١) عليه، فالسؤال منها كان بيانًا لسؤاله ﵇، ويحتمل تعدد القصة؛ لأنَّ الغلام اختُلف باسمه، فيحتمل أن كل واحد منهم عمل منبرًا، ويحتمل أنَّهم اشتركوا في عمله، وسأل مولاته أن تسأله ﵇ عن صفته؛ فافهم.
وأجاب ابن بطال: (بأن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال، فلما أبطأ الغلام في عمله؛ أرسل إليها ﵇ يستنجزها إتمامه؛ لعلمه بطيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، ويمكن أن يكون إرساله ﵇ إلى المرأة؛ ليُعرِّفها صفة ما يصنع الغلام في الأعواد) انتهى.
وزعم ابن حجر أنَّ المصنف أخرجه في (علامات النبوة) من هذا الوجه بلفظ: (ألا أجعل لك منبرًا)، فلعل التعريف وقع بصفة مخصوصة للمنبر، ويحتمل أنَّه لما فوَّض إليها بقوله لها: (إن شئت) كان ذلك سبب البطء، لا أنَّ الغلام كان شرع وأبطأ، ولا أنَّه جهل الصفة، وهذا أوجه الأوجه في نظري، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، فإن التعريف إنَّما وقع لأجل بيان الشيء الذي يقعد عليه وهو المنبر؛ لأنَّ قولها: (أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟) يوهم أن يكون ذلك الشيء كرسي أو تخت، وهذه الرواية عرَّفت أنَّ المراد به: المنبر.
وقوله: (وقع بصفة مخصوصة...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ المنبر ليس له أوصاف متعددة حتى يبين الصفة المخصوصة؛ بل هو معلوم بصفة واحدة؛ فافهم.
وقوله: (ويحتمل أنه لمَّا فوَّض...) إلخ: ممنوع أيضًا، فإنَّ قوله: (إن شئت) ذكره لأجل تطييب خاطرها تواضعًا منه ورحمة بها، مع علمه (٢) بها أنها تريد خدمة النبي الأعظم ﷺ بذلك، على أنها قالت له: (ألا أجعل؟) فكانت هي السائلة لذلك، وإذا كان الأمر هكذا؛ فلا يحصل منها ولا من غلامها بطء، غاية الأمر أن غلامها قد شرع في عمل المنبر، فاشتبه عليه أنَّ المراد بذلك الشيء هل هو شيء يقعد عليه كالتخت والسرير أو المنبر؟ فأبطأ حتى استفهم عنه؛ لأنَّه كان جاهلًا تلك الصفة؛ لأنَّها لم تكن معهودة عنده، بدلالة قرينة الحال والمقال من الحديثين المذكورين؛ فافهم.
فإن قلت: حديثي الباب لا يدلان على الترجمة بتمامها، بل على الشق الأول منها، وهو الاستعانة بالنَّجار في أعواد المنبر، ولا يدلان على الشق الثاني منها، وهو الاستعانة بالصُّنَّاع في المسجد.
قلت: أجاب الكرماني: (بأنَّه إمَّا اكتفى بالنَّجار والمنبر؛ لأنَّ الباقي يعلم منه، وإمَّا أنَّه أراد أن يُلحِق إليه ما يتعلق بذلك ولم يتفق له، أو لم يثبت عنده بشرطه حديثٌ يدل عليه)، قال إمام الشَّارحين: (الجواب الأول أوجه من الثاني) انتهى.
قلت: ويحتمل أنَّه أراد أنَّ عمل المنبر يحتاج إلى الصُّنَّاع؛ لأنَّه لا بد فيه من عمل الخشب، والرفوف، والمسامير، والنجار، وكل ذلك يعمله الصُّنَّاع المتفاوتون في الصناعة؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أنه أشار به إلى حديث طلق بن علي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ فكان يقول: «قربوا اليمامي من الطين، فإنَّه أحسنكم له مسًّا، وأشدكم له سكبًا»، رواه أحمد، وفي لفظ له: فأخذت المسحاة، فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: «دعوا الحنفي والطين، فإنَّه أضبطكم للطين»، ورواه ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: فقلت: يا رسول الله أنا أنقل كما ينقلون، فقال: «لا، ولكن اخلط لهم الطين فأنت أعلم به» انتهى.
قلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن المؤلف لم يتفق له ذكر ترجمة ويشير بها إلى حديث لم يذكره أصلًا وليس على شرطه، وهو كلام غير موجه وبعيد عن الأذهان؛ لأنَّه معيب في الصناعة، والبخاري دقيق النَّظر، وإنَّما هذا من فتور ذهن ابن حجر، فإنَّه من دأبه ذكر كلام لا طائل تحته، ولا معنى عنده، بل هو كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العلم؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: قيل: هذا الحديث لا يدل على الاستعانة؛ لأنَّ هذه المرأة قالت ذلك من تلقاء نفسها، وأجيب: بأنَّها استعانت بالغلام في نجارته المنبر، ومن فوائد هذا الحديث: قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن يعلم منه الإجابة، والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، انتهى، والله أعلم.
(٦٥) [باب من بنى مسجدًا]
هذا (باب) بيان فضل (من بنى) أي: الذي عمَّر (مسجدًا) لله تعالى؛ أي: تقربًا إليه، وطلبًا لثوابه، وهربًا من عقابه.
[حديث: من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة]
٤٥٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى بن سُلَيْمان)؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية: هو ابن يحيى الجعفي المكي، المتوفى بمصر يوسف ﵇، سنة ثمان وثلاثين ومائتين (قال: حدثني) بالإفراد، ولابن عساكر: (حدثنا) بالجمع (ابن وهب)؛ مكبَّرًا: هو عبد الله المصري القرشي الثقة (قال: أخبرني) بالإفراد (عَمرو)؛ بفتح العين المهملة: هو ابن الحارث
стр. 630
أبو أمية المؤدب الأنصاري المصري الفقيه، المتوفى بمصر سنة ثمان وأربعين ومئة، المعروف: بدرة الغواص: (أَنَّ) بفتح الهمزة (بُكَيْرًا)؛ بضمِّ الموحدة، وفتح الكاف، وسكون التحتية: هو ابن عبد الله الأشج المدني، خرج قديمًا إلى مصر فنزل بها (حدثه) وللأصيلي: (أخبره)؛ أي: حدَّث عمرًا: (أَنَّ) بفتح الهمزة (عاصم بن عُمر) بضمِّ العين المهملة (بن قَتادة)؛ بفتح القاف، الأوسي الأنصاري، المتوفى بالمدينة سنة عشرين ومئة (حدثه)؛ أي: حدَّث بكيرًا: (أَنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: عاصمًا (سمع عُبيد الله)؛ بضمِّ العين المهملة، مصغَّرًا: هو ابن الأسود الخَوْلاني؛ بفتح المعجمة، وسكون الواو، وبالنون؛ نسبة إلى خولان قبيلة، وهو ربيب ميمونة أم المؤمنين ﵄: (أنه سمع عثمان بن عفان)؛ بمنع الأول، وصرف الثاني، وقال في «القاموس» : («عفان» كشدَّاد، اسم ويصرف) انتهى، ولك أن تأخذه من العفِّ، فتمنعه من الصرف، فتأمل.
قال إمام الشَّارحين: وفي هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وهم بكير وعاصم وعبيد الله، وفيه ثلاثة من أول الإسناد مصريون، وثلاثة في آخره مدنيون، وفي وسطه مدني سكن مصر؛ وهو بكير، انتهى.
(يقول) : جملة محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا من عثمان ﵁ (عند قول الناس فيه)؛ أي: في عثمان ﵁، وذلك أن بعضهم أنكروا عليه عند تغييره بناء المسجد، وجعله بالحجارة المنقوشة والقصة، وتسقيفه بالساج، ووقع بيان ذلك عند مسلم؛ حيث أخرجه من طريق محمود بن لبيد الأنصاري- وهو من صغار الصحابة- قال: (لمَّا أراد عثمان بناء المسجد؛ كره الناس ذلك، وأحبوا أن يَدَعوه على هيئته)؛ أي: في عهد النبي الأعظم ﷺ ، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنة خلافته، ففي كتاب «السر» عن ابن وهب: أخبرني مالك: أنَّ كعب الأحبار كان يقول عند بناء عثمان المسجد: (لوددت أنَّ هذا المسجد لا ينجز، فإنَّه إذا فرغ من بنائه؛ قُتل عثمان)، قال مالك: (فكان كذلك) انتهى.
وجمع ابن حجر بين القولين: بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني كان تاريخ انتهائه. انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ المدة بينهما كثيرة، فإن القول الثاني شاذ، وإن أول خلافته كانت سنة ثلاث وعشرين، ووفاته كانت سنة خمس وثلاثين؛ فافهم.
(حين بنى) أي: أمر ببنائه (مسجد الرسول)، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحموي: (مسجد رسول الله)، وفي رواية: (مسجد النبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: بنى جداره بحجارة منقوشة وبالقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، كما بينته رواية ابن عمر في باب (بنيان المسجد)، كما مر، وكذلك رواية مسلم السابقة.
قال إمام الشَّارحين: (ولم يبن عثمان المسجد إنشاء، وإنما وسَّعه)، وقال البغوي: (لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسعته) انتهى، قلت: وهو كذلك؛ لأنَّه ﵇ قال: (مسجدي هذا مسجد، ولو مد إلى صنعاء)، كما سيأتي في «الصحيح»، ولأن زخرفة المساجد غير مطلوبة، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عن أنس مرفوعًا: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على النَّاس زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا»، وروى أبو داود عن أنس أنَّه ﵇ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى النَّاس في المساجد»، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وروى أبو داود عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أُمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عبَّاس: (لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى)، كما قدمناه.
وزعم ابن حجر أنه يؤخذ منه: إطلاق البناء في حق من جدد، كما يطلق في حق من أنشأ، أو المراد بـ (المسجد) هنا: بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ذكر هذا القائل شيئين: الأول: مستغنًى عنه فلا حاجة إلى ذكره، والثاني: لا يصح؛ لأنَّه ذكر في «باب بنيان المسجد» حديث عبد الله بن عمر، وفيه: «ثم غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج» انتهى، فهذا يدلُّ على أنَّه غيَّر الكل وزاد فيه؛ يعني: في الطول والعرض، وكان المسجد مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النَّخل، وبناه عثمان بالحجارة، وجعل عمده من الحجارة، وسقفه بالساج، فكيف يقول هذا القائل: «أو المراد بالمسجد هنا: بعضه»، فهذا كلام من لم يتأمل ويتصرف من غير وجه) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.
وقوله: (إنكم أكثرتم) : مقول لقوله: (يقول) ومفعوله محذوف؛ للعلم به، والتقدير: إنكم أكثرتم الكلام في الإنكار على ما فعلته، (وإني سمعت النبي) الأعظم، ولأبوي ذر والوقت: (رسول الله) ﷺ ، وقوله: (يقول) جملة محلها نصب على الحال أو مفعول ثانٍلـ (سمعت) على القولين المشهورين: (من بنى مسجدًا) التنوين فيه للشيوع، فيتناول من بنى مسجدًا صغيرًا أو كبيرًا، يدل عليه حديث أنس بن مالك أخرجه الترمذي مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، وروى ابن أبي شيبة حديث الباب عن عثمان من وجه آخر، وزاد فيه: (ولو كمفحص قطاة)، وروى مسلم عن ابن عبَّاس مثله، وزاد فيه: (ولو كمفحص قطاة)، وروى ابن خزيمة عن جابر مرفوعًا: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن ولا أنسولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر؛ بنى الله له بيتًا في الجنة».
وللعلماء في توجيه هذا قولان؛ فقال أكثرهم: هذا محمول
стр. 631
على المبالغة؛ لأنَّ المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه، لا يكفي مقداره للصلاة فيه، ويؤيده حديث جابر الذي ذكرناه، وقال آخرون: هو على ظاهره، والمعنى على هذا: أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر.
قيل: هذا كله بناءًا (١) على أنَّ المراد بالمسجد ما يتبادر إليه الذهن؛ وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد: موضع السجود؛ وهو ما يسع الجبهة؛ فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر.
قلت: قوله (من بنى) يقتضي وجود بناء على الحقيقة مشتمل على المسجد المعهود بين الناس، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة عند الطبراني في «الأوسط» مرفوعًا: «من بنى لله بيتًا»، وحديث عمر ﵁ مرفوعًا: «من بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، رواه الطبراني في «معجمه»، وفي لفظ: «من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله»، وكل ذلك يدل على أنَّ المراد بالمسجد: هو المكان المتخذ لا موضع السجود فقط، وهو الذي ذهب إليه الفرقة الأولى، ولكن لا يمنع إرادة موضع السجود مجازًا، فيدخل فيه المواضع المحوطة إلى جهة القبلة، وفيها هيئة المحراب في طرقات المسافرين والحال أنها ليست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف، وربما يجعل منها موضع في غاية الصغر، يدل عليه حديث أبي قرصافة عند الطبراني في «الكبير» : أنه سمع النبي الأعظم ﷺ يقول: «ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، قال رجل: يا رسول الله؛ وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: «نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين»، واسم أبي قرصافة: جندرة بن خيشنة، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» رحمه الباري.
قلت: ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «من بنى مسجدًا يصلى فيه؛ بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه»، رواه الطبراني في «معجمه الكبير»، وهو يدل على أنَّ المراد بالمسجد: المسجد المعهود بين الناس؛ فافهم.
ويشترط أن يكون البناء من المال الحلال؛ لأنَّ المسجد قربة إلى الله تعالى، والمال الحرام لا يتقرب به، ولا يحصل له هذا الثواب المخصوص إلا إذا كان من الحلال، يدل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة من الدُّر والياقوت»، رواه البيهقي في «الشعب» والطبراني في «الأوسط»، وحديث أنس مرفوعًا: «كل بناء وَبَاله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإنَّ له به قصرًا في الجنَّة من لؤلؤ»، رواه أبو نعيم، وهذا يدل على أنَّ المسجد الذي يكون عليه هذا الأجر هو من بُني من المال الحلال، أما الذي بُني من أموال الناس، كبعض المساجد والمدارس في ديارنا الشامية؛ بنتها الوزراء؛ فهي عليهم وزر، ولا يثابون عليها، ولهذا تراها مظلمة مأوى غير أهلها؛ فافهم.
و (المَفحَص) : بفتح الميم والحاء المهملة كـ (مقعَد)، هو مجثمها؛ لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنها تفحص عنه التراب؛ أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف.
(قال بكير) هو ابن عبد الله الأشج المذكور: (وحسبت) أي: ظننت (أنَّه) أي: عاصمًا شيخه الذي روى عنه هذا الحديث (قال) في روايته: (يبتغي)؛ أي: يطلب (به)؛ أي: ببنائه المسجد (وجه الله) تعالى؛ أي: ذاته.
قال إمام الشَّارحين: وهذه الجملة مدرجة معترضة، وقعت في البين ولم يجزم بها بكير، فلذلك ذكرها بالحسبان، وليست هذه الجملة في رواية جميع من روى هذا الحديث، فإن لفظهم فيه: «من بنى لله مسجدًا، بنى الله له مثله في الجنة»، فكأن بكيرًا نسي لفظة «لله» فذكرها بالمعنى، فإن معنى قوله «لله» : يبتغي به وجه الله؛ لاشتراكهما في المعنى المقصود؛ وهو الإخلاص، ثم إن لفظة «يبتغي به» على تقدير ثبوتها في كلامه ﵇؛ تكون حالًا من فاعل «من بنى»، والمراد بـ «وجه الله» : ذاته تعالى، وابتغاء وجه الله: هو الإخلاص؛ وهو أن يكون بنيَّةٍ مخلصةٍ في ذلك طلبًا لمرضات الله تعالى من دون رياء وسمعة، حتى قال ابن الجوزي: «من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه؛ كان بعيدًا من الإخلاص».
فإن قلت: فعلى هذا لا يحصل الوعد المخصوص لمن يبنيه بالأجرة؛ لعدم الإخلاص؟
قلت: الظاهر هذا، ولكنَّه يؤجر في الجملة، يدل عليه ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «إنَّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة؛ صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممد به»، فقوله: «المحتسب في صنعته» : هو من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يكون إلا من المتطوع.
فإن قلت: قوله: «من بنى» حقيقته أن يباشر البناء بنفسه؛ ليحصل له الوعد المخصوص فلا يدخل فيه الأَمْرُ بذلك.
قلت: يتناول الأمرَ أيضًا بنيَّتِه، والأعمال بالنيات، لا يقال: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممتنع؛ لأنَّا نقول لا امتناع (٢) فيه عند الشافعي، وأمَّا عند الأئمة الحنفية؛ فهو من باب عموم المجاز، وهو أن يحمل الكلام على معنًى مجازيٍّ يتناول الحقيقة، وهذا يسمى عموم المجاز، ولا نزاع في جواز استعمال اللفظ في معنًى مجازيٍّ يكون المعنى الحقيقي من أفراده، كاستعمال (الدابة) عرفًا فيما يدب على الأرض، ومثال ذلك: فيمن أوصى لأبناء زيد مثلًا، وله أبناء أبناء أبناء يستحق الجميع عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ عملًا بعموم المجاز؛ حيث يطلق الأبناء على الفريقين) انتهى كلام إمام الشَّارحين.
وزعم الكرماني أن من كتب اسمه على المسجد الذي بناه؛ يريد به: التذكير بالدعاء له؛ فإنَّه لا يكون بعيدًا من الإخلاص.
قلت: وكأنه مراده الاعتراض على ابن الجوزي فيما ذكره قريبًا، ولا ريب أنَّه بعيد عن الإخلاص؛ لأنَّه وإن كان مراده التذكير بالدعاء له، لكنه مشوب بالرياء والسمعة، والإخلاص: هو الخالي عن الرياء والسمعة، وليس هذا منه؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أنه يدخل في بناء المسجد من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، أو وقف بناء كان يملكه مسجدًا، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وهو مشتمل على شيئين؛ الأول: أنه من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، وهذا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ التحويط لا يقال له: بناء، ولأن المراد من المسجد: هو الذي يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة، أما هذا؛ فهو قريب التغيير، ولا يعلم أنه مسجد؛ لأنَّ الذي يعلم أنه مسجد هو ما يبنى مسجدًا ويجعل له محراب وغيره من صفة المساجد، والثاني: أنَّه من وَقف بناء كان يملكه مسجدًا، وهذا أيضًا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ المراد بالبناء مسجدًا: البناء قصدًا لجعله مسجدًا، أما هذا؛ فهو ليس مراده ببنائه مسجدًا؛ بل إنَّما عرض له أن يجعله مسجدًا، وهو وإن كان له ثواب في الجملة، لكن ليس كالثواب الموعود به المخصوص، فإن الأحاديث تدل على أنَّ المراد به: البناء قصدًا، ودلت أيضًا على أنَّ المراد بـ (المسجد) :
стр. 632
المسجد المعهود عند الناس، فالأرض المحوطة ليست مسجدًا داخلة في بناء المسجد؛ لأنَّها تقبل التغيير، كما لا يخفى؛ فافهم.
وقوله: (بنى الله له مثلَه في الجنة) : جواب الشرط، وإسناد البناء إلى الله مجاز اتفاقًا قطعًا، وإنما أظهر الفاعل فيه؛ لأنَّ في تكرار اسمه تعظيم له، وتلذُّذ للذاكر كقوله:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره... هو المسك ما كرَّرته يتضرَّع
قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن حجر: لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهَّم عوده على باني المسجد.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (كلا الوجهين غير صحيح، أمَّا الأول؛ فلأنَّ التنافر إنَّما يكون إذا كانت الضمائر كثيرة، وليس هنا كذلك، وأمَّا الثاني؛ فممنوع قطعًا؛ للقرينة الحالية والمقالية) انتهى.
و (مثلَه) : منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: بناءً مثلَه في الجنة، متعلِّق بمحذوف وقع صفة لـ (مثله)، والتقدير: بنى الله له مثله كائنًا في الجنة.
وزعم ابن حجر أنَّه متعلق بـ (بنى) أو هو حال من مثله.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، وكيف يكون حالًا من مثله، وشرط الحال أن يكون من معرفة، كما عرف في موضعه، ولفظة «مثل» لا تتعرف وإن أضيفت (١)) انتهى.
واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ (مثل) يتخصص، وهو كافٍ في مجيء الحال منه.
قلت: وهو فاسد؛ لأنَّ النحاة نصُّوا على أن (مثل) لا يتعرف، وإن أضيف فهو على التنكير أبدًا، ولم ينصَّ أحد على أنَّه يتخصَّص، ولا على أنَّه كافٍ، فهو قول لا دليل عليه؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (و «المثل» في اللغة: الشبه، يقال: هذا الشيء على مثل هذا؛ أي: شبهه، وقال الجوهري: «مثل» : كلمة تسوية، يقال: هذا مِثله؛ بكسر الميم، ومَثله؛ بفتحها، كما يقال: شِبهه؛ بالكسر، وشَبهه؛ بالفتح، وعند أهل المعقول المماثلة بين الشيئين: هو الاتحاد في النوع، كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية، وإذا كان في الجنس يسمى مجانسة، كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية.
وقد اختلفوا في المراد بالمثلية ههنا؛ فقال قوم- منهم ابن العربي-: يعني مثله في القدر والمساحة، قلت: يردُّ هذا حديث عبد الله بن عمرو عند أبي نعيم الأصبهاني بلفظ: «بنى الله له بيتًا أوسع منه»، ورواه الإمام أحمد أيضًا، وكذلك في حديث أسماء وأبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم، وقال قوم: يعني مثله في الجودة، والحصانة، وطول البقاء، قلت: هذا ليس بشيء على ما لا يخفى، مع أنَّه قد ورد في حديث واثلة بن الأسقع عند أحمد والطبراني: «بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه») انتهى كلام إمام الشَّارحين.
وقال صاحب «المفهم» : (هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنَّما يعني أنَّه يبني له بثوابه بيتًا أشرف وأعظم وأرفع منه).
وقال النووي: (يحتمل قوله: «مثله» أمرين؛ أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأمَّا صفته في السعة وغيرها، فمعلوم فضلها؛ فإنَّها «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، والثاني: أنَّ معناه: أنَّ فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا) انتهى.
واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: (الوجه الثاني لا يخلوعن بُعد) انتهى.
قلت: يعني: أنَّ الوجه الأول له وجه، وأما الثاني؛ فليس له وجه صحيح؛ لأنَّ البيوت في الجنة تشمل بيوت الأنبياء، والأصحاب، والأولياء، والمجتهدين، والصديقين، فمن بنى مسجدًا لله تعالى؛ لا يسع أحدًا أن يقول: بنى الله له بيتًا مثل بيوت الأنبياء أو أفضل منها، وما هذا إلا قول صادر من غير تأمل، ولا تصرف كما لا يخفى، فقد ورد في «الصحيح» : أنَّ من أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ فضل أصحابه ﵇؛ فكيف يبلغ ببنائه المسجد بيتًا أفضل من بيته ﵇ في الجنة، فهذا قول غير صحيح أصلًا، كما لا يخفى.
وقال بعض شرَّاح «الترمذي» : ويحتمل أنَّه أراد أن ينبِّه بقوله: (مثله) على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع به في الدنيا، في كونه ينفع المصلين ويكنُّهم عن الحر والبرد، ويكون في مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به؛ ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة.
وقال صاحب «المفهم» : (هذا البيت -والله أعلم- مثل بيت خديجة ﵂ الذي بُشرت به «ببيت في الجنة من قصب»؛ يريد: من قصب الزمرد والياقوت).
واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرنا حديث أبي هريرة عند الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «شعب الإيمان» : «بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت») انتهى، قلت: يعني: فلا خصوصية لبيت خديجة، بل هو عام لكل من بنى لله مسجدًا، ويدل على العموم حديث أنس عند أبي نعيم: «كل بناء وباله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤ»، ومثله حديث ابن عبَّاس عند أبي مسلم الكجي، فهو يدل على أن ذلك عام، وإفادة هذه الرواية أنَّ المثل المراد به: القصر؛ لأنَّه ينتفع به أكثر؛ لأنَّه يطلُّ على أنهار الجنة وثمارها، وغير ذلك من أنواع النعيم.
وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فما معنى التقييد بـ «مثله»؟
قلت: أجابوا عن هذا بوجوه؛ الأول: ما قاله بعضهم أنه ﵇ قاله قبل نزول هذه الآية، قلت: وهذا بعيد ولا يعلم ذلك إلا بالتأريخ، الثاني: أنَّ المثليَّة إنَّما هي بحسب الكميَّة، والزيادة تحصل بحسب الكيفية، قلت: المثلية بحسب الكمية تسمى مساواة؛ كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، وفي الكيفية تسمى مشابهة، الثالث: أن التقييد به لا ينفي الزيادة، واستبعده بعضهم، وليس ببعيد، الرابع: أن المقصود منه بيان المماثلة في أن أجزاء هذه الحسنة من جنس العمل لا من غيره، وعندي جواب آخر فتح لي به من الأنوار الإلهية؛ وهو أنَّ المجازاة بالمثل عدلٌ منه، والزيادة عليه بحسب الكيفية والكمية فضلٌ منه) انتهى كلام إمام الشَّارحين.
قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد ذكر هذا الجواب في «شرحه»، وهو غير صحيح؛ لأنَّه إنَّما يعلم ذلك بثبوت التاريخ، ولم يوجد، فهو قول بالرأي، والجواب الثالث: قاله الكرماني أيضًا، وهو صحيح؛ لأنَّ القاعدة أنَّ التنصيص على عدد لا ينفي الزيادة عليه، وهو قول المحققين، فكيف يقول ابن حجر: (وهو بعيد)، والظاهر أنَّ معناه بعيد عن فهمه لا عن فهم غيره؛ فافهم، والذي أجاب به إمامنا الشَّارح هو الصواب، ويكون المعنى فيه: بنى الله له عشرة أبنية مثله بحكم الفضل وأوسع بما «لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وإن كان الأصل أن يكون واحدًا بحكم العدل، وفضل الله أوسع.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّ الباب معقود في بيان فضل من بنى المسجد؛ ففيه دليل على استحباب بناء المساجد؛ لأنَّها بيوت الله تعالى وقد أضافها تعالى لنفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ...﴾ الآية [التوبة: ١٨]، وحسبك بهذا شرفًا لها، وقد تفضَّل الله على بانيها بأن له بيتًا في الجنة، وثواب المسجد جارٍ مستمرٌّ لمن بناه في حياته وبعد مماته ما دامت السماوات والأرض؛ لأنَّه مسجد إلى يوم القيامة ولو خرب ودثر؛ لأنَّ مراد الواقف الدوام والاستمرار، وزعم ابن بطال أنه إذا خرب ولم يذكر الله فيه؛ لا يكون له ثوابه، وهو ممنوع، فإن الثواب حاصل له مطلقًا؛ لأنَّه مسجد ولو صار
стр. 633
كومًا من تراب؛ فافهم.
وفي الآية دليل على أنَّ الباني يختم له بالإيمان، وفي الحديث دليل على أنَّ الباني يدخل الجنة؛ لأنَّ المراد بالبناء له أن يسكنه فيه، وهو لا يكون إلا بعد دخول الجنة، رزقنا الله ذلك بفضله.
ومما يدل على فضل المسجد، ما رواه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «العلل» من حديث معاذ مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن علَّق فيه قنديلًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يطفئ ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاة؛ كان له كِفلان من الأجر»، قال إمام الشَّارحين: (وفيه كلام كثير) انتهى، قال العجلوني: (ولينظر هل المراد الطعن فيه أم لا؟) انتهى، قلت: لا محل للطعن هنا؛ لأنَّ المقام في فضائل الأعمال، وهو يعمل فيه بالحديث الضعيف، ولكن مراده: أنَّ الأحاديث الواردة في فضل المساجد كثيرة، واقتصر على ما ذكره منها مع أنه ﵀ قد أطال في شرحه «عمدة القاري»، وأخرج حديث الباب عن ثلاثة وعشرين صحابيًّا؛ فارجع إليه إن شئت، وقد خفي هذا على العجلوني وغيره ممن تصدر لشرح «الصحيح»؛ فافهم، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.
(٦٦) [باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد]
هذا (بابٌ) -بالتنوين- ثابت عند الأكثرين، ساقط عند الأصيلي (يأخذ) أي: شخص (بنصول النبل) كذا في رواية الأكثرين، ولابن عساكر: (يأخذ بنصال النبل) بالموحدة فيهما، ولأبي ذر: (يأخذ نصول النبل) بحذف الموحدة.
و (النصول) : جمع نصل، ويجمع أيضًا على نصال، كما في لفظ حديث الباب، وقال الجوهري: (النصل: نصل السهم والسيف والرمح، والجمع نصول ونصال)، وقال في «القاموس» : (النصل والنصلان: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن مقبض، والجمع: أنصل ونصال ونصول).
و (النَّبْل)؛ بفتح النون، وسكون الموحدة، آخره لام: السهام العربية، مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، وفي «القاموس» : (النَّبل: السهام بلا واحد أو نبلة، والجمع: أنبال ونبال ونبلان، والنَّبَّال: صاحبه وصانعه؛ كالنَّابل، وحرفته النبالة) انتهى.
وقوله: (إذا مر في المسجد) يجوز في (إذا) أن تكون لمجرد الظرفية متعلقة بـ (يأخذ)، وأن تكون شرطية وجوابها محذوف مقدَّر بـ (يأخذ بنصول النبل)؛ لدلالة (يأخذ) المتقدم عليه.
وقال إمام الشَّارحين: (وجواب «إذا» : هو قوله «يأخذ» مقدمًا)، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف مذهب للكوفيين، أو مقدر بيستحب لمن معه نبل أن يأخذ بنصولها.
قلت: كونه ضعيفًا ممنوع؛ لأنَّه مذهب مستقل صحيح للأئمة الكوفيين، ولم ينص أحد على ضعفه من النحاة في هذه المسألة، وقوله: (أو مقدر...) إلخ؛ لا يلزم هذا التقدير؛ لأنَّ المعنى على عدمه صحيح، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين فإن عادة المؤلف إطلاق تراجمه، وإحالة الحكم على الحديث الذي يذكر بعدها؛ فافهم.
نعم؛ يقدر الحكم المطلق ويحال بيانه على الحديث، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (هذا باب فيه بيان أنَّ الشخص يأخذ بنصول السهم إذا مرَّ في مسجد من المساجد، وإنما قدَّرنا هكذا؛ لئلا يقع لفظ: «باب» ضائعًا، وأيضًا فيه بيان أنَّ الضمير المرفوع في «يأخذ» يرجع إلى هذا المقدر؛ لئلا يكون إضمارًا قبل الذكر، وليلتئم التركيب، ولم أر أحدًا من الشراح يذكر شيئًا في مثل هذه المواضع، مع أن فيهم من يدعي دعاوى عريضة في هذا الباب، وليس له حظٌّ من هذه الدقائق) انتهى.
قلت: فأفاد أن ذكر الشخص مقدمًا على (يأخذ) أولى؛ لأنَّ فيه التئام (١) الباب معه، وعليه فلا يحتاج لتقدير في لفظ (باب)، وهذا معنى صحيح، وأفاد أيضًا: أنَّ الضمير في (يأخذ) يرجع على الشخص المدلول عليه: بـ (يأخذ)، أو مر عليه أو لاختصاره، ولا ريب أن هذه دقائق وحقائق من المعاني المفردة، وبهذا ظهر أن تقدير إمام الشَّارحين أولى من تقدير العجلوني، على أنه قد أخذه منه ونسبه إلى نفسه، وقال: هو أولى، وليس كذلك، فمن تأمل كلامه؛ علم أنه مأخوذ من كلام إمامنا الشَّارح، فحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين ﵁، ورحمه أرحم الراحمين.
[حديث: أمسك بنصالها]
٤٥١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قُتيبة) بضمِّ القاف، زاد الأربعة: (ابن سعيد) : هو ابن جميل بن طريف الثقفي البغلاني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة الكوفي ثم المكي، فإن قلت: قد تغير حفظه وربما دلَّس؛ قلت: إنَّما تغير حفظه في آخر عمره، وإنَّما يدلِّس عن الثقات، وهذا لا يقدح فيه؛ فافهم، (قال: قلت لعَمرو)؛ بفتح العين المهملة، هو ابن دينار: (أسمعت) بهمزة الاستفهام (جابر بن عبد الله) : هو ابن عمرو بن حرام-بمهملتين- الأنصاري ثم السَّلَمي؛ بفتحتين، وقوله: (يقول) جملة محلها نصب على أنَّها حال أو مفعول ثان لـ (سمعت) : (مر رجل) لم يعلم اسمه (في المسجد)؛ أي: النبوي، فـ (أل) فيه للعهد (ومعه سِهام)؛ بكسر السين المهملة: جمع سهم؛ يعني: قد أبدى وأظهر نصولها، وعند مسلم في (الأدب) من طريق أبي الزبير عن جابر: (أن النبي الأعظم ﷺ أمر رجلًا كان يتصدق بالنَّبل في المسجد ألَّا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها)، (فقال له) أي: للرجل (رسولُ الله ﷺ ؛ أي: حين رآه يفعل ذلك: (أمسك بنصالها)؛ أي: مخافة أن تخدش أحدًا من المسلمين، جمع (نصل)؛ وهو رأس الرمح من الحديد، ويقال لها: الحربة.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ أمره بإمساك النصال عند المرور في المسجد.
قال إمام الشَّارحين: (وفيه-أي الحديث-: السؤال عن السماع بطريق الاستفهام، ولم يذكر له جواب؛ يعني: لم يذكر قتيبة جواب عمرو عن الاستفهام).
قال ابن بطال: (فإن قيل: حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد؛ لأنَّه لم يقل سفيان: إن عمرًا قال له: نعم؛ قلنا: قد ذكر البخاري في غير كتاب «الصلاة» أنه قال له: نعم؛ فبان بقوله: «نعم» إسناد الحديث).
وقال صاحب «التلويح» : (هذه المسألة اختلف فيها المحدثون؛ فمنهم من شرط النطق إذا قال له التلميذ: أخبرك فلان بكذا؟ ومنهم من لم يشترطه، وذكره البخاري في موضع آخر عن علي بن عبد الله عن سفيان فقال: نعم) انتهى.
قال إمامنا الشَّارح: (المذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين -منهم البخاري- أن قول الشيخ: «نعم» لا يشترط، بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا، فعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهر، ومع ذلك فقد جاء في رواية الأصيلي أنه قال له: «نعم»، فانقطع النزاع) انتهى.
وزعم ابن حجر أنَّه لم ير هذه الزيادة في رواية الأصيلي، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (عدم رؤيته لا يستلزم عدم الرواية عنه، فإن لم يره هو، فقد حكى من هو أكبر منه أنه روى عنه لفظ: «نعم») انتهى، قلت: فمن روى هذه الزيادة وحكاها هو أكبر من ابن حجر في العلم والفضل؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين في «شرحه» : (وأخرج الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث أبي البلاد عن محمد بن عبد الله قال: كنَّا عند أبي سعيد الخدري، فقلب رجل نبلًا، فقال أبو سعيد: «أما كان هذا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن تقليب السلاح، وسله؟!»؛ يعني: في المسجد، وروى ابن ماجه من حديث زيد بن جبير -وهو ضعيف- عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: «خصال لا تنبغي في المسجد؛ لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيها سلاح، ولا يُنْبَضُ فيه بقوس،
стр. 634
ولا ينثر فيه نبل، ولا يمرُّ فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حدٌّ، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقًا»، وروي أيضًا من حديث الحارث بن نبهان؛ وهو متروك الحديث، عن عتبة بن يقظان؛ وهو غير ثقة، عن أبي سعيد؛ وهو مجهول الحال والعين، عن مكحول، عن واثلة؛ وأنكر سماعه منه ابن مسهر والحاكم، وقال البخاري في «تاريخه الأوسط» سمع منه: أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال: «جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمِّروها في الجُمَع»، وعنده أيضًا من حديث ابن عبَّاس ﵄: «نزِّهوا المساجد ولا تتخذوها طرقًا، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسلُّ فيه سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا ينشد فيه شعر، فإن أنشد؛ فقل: فضَّ الله فاك».
ويستفاد من الحديث تأكيد حرمة المسلمين؛ لأنَّ المساجد مورودة بالخلق لا سيما في أوقات الصلوات، وهذا التأكيد من النبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه خشي أن يؤذى بها أحد، وفيه: كريم خلقه ورأفته ﵇ بالمؤمنين، وفيه: التعظيم لقليل الدم وكثيره، وفيه: أنَّ المسجد يجوز فيه إدخال السلاح) انتهى، والله أعلم.
(٦٧) [باب المرور في المسجد]
هذا (باب) حكم (المرور) بالنبل (في المسجد) : الألف واللَّام فيه للجنس، فيشمل كلَّ مسجد، وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعمُّ، وإن كان المراد به الجواز؛ والتقدير: باب جواز المرور بالنبل في المسجد إذا أمسك نصالها.
قال إمام الشَّارحين: (وفي هذه التَّرجمة نوعُ قصورٍ على ما لا يخفى) انتهى، قلت: وجه القصور: أنَّ المؤلف أطلق ترجمته وكان عليه أن يقيِّدها بقوله: بابالمرور في المسجد بالنبل إذا أمسك نصالها؛ فافهم.
[حديث: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها]
٤٥٢ - وبالسند إلى المؤلِّف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) : هو المنقري التَّبوذكي البصري (قال: حدثنا عبد الواحد) : هو ابن زياد، العبدي مولاهم، البصري (قال: حدثنا أبو بُرْدة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون الرَّاء: هو بُريد؛ مصغَّر بَرْد، ضدُّ الحَرِّ (بن عبد الله) : هو ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي (قال) أي: أبو بردة (سمعت) جدي (أبا بردة) : هو عامر، فأبو بردة الأصغر يروي عن جده أبي بردة الأكبر؛ وهو يروي (عن أبيه) : هو أبو موسى، واسمه عبد الله بن قيس الأشعري الصَّحابي الجليل ﵄.
وزعم العجلوني أنَّه وقع في القسطلاني تسمية أبي موسى بعامر، وهو سبق قلم؛ فاعرفه.
قلت: لم يسبق قلم القسطلاني إلى ذلك، وإنَّما قال: (سمعت جدي أبا بردة عامرًا عن أبيه أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس) : هكذا عبارته في جميع النُّسخ، وكأنَّ العجلوني سبق قلمه إلى هذا الكلام، وهو غير صواب؛ فافهم.
(عن النَّبي) الأعظم ﷺ أنَّه (قال: من مر في شيء) أي: مسجد (من مساجدنا) أي: المسلمين (أو) مر في سوق من (أسواقنا)؛ أي: المسلمين، وهذا يدل على أنَّ المسلم إذا مر بها في كنيسة أو بيعة أو سوق كفار؛ لا يطلب منه أن يأخذ بنصالها؛ لأنَّ الكافر لا حرمة له، وقد يقال: إنَّ لهم مالنا، وعليهم ما علينا، ويمكن أن يقال: المراد من عدم الأخذ بنصالها: هو بيان استعلاء المسلمين على الكافرين، وحرمتهم عليهم، وتذكيرًا لهم بعدم المخالفة، وتنبيهًا على أنَّهم إن خالفوا؛ فدواؤهم السيف في أعناقهم؛ فليحفظ، قال إمامنا الشَّارح: (وكلمة «من» موصولة تضمنت معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وخبره قوله: «فليأخذ»، وكلمة «أو» للتنويع من الشَّارع، وليست للشك من الراوي) انتهى، وقوله (بنبل) : متعلق بـ (مر)، والباء فيه للمصاحبة؛ ومعناه: من مر مصاحبًا للنبل، وليست الباء فيه للإلصاق؛ مثل: مررت بزيد، كذا في «عمدة القاري»، ويحتمل أن الجار والمجرور حال من ضمير قوله: (مرَّ)؛ فتأمل، و (النَّبل)؛ بفتح النُّون وسكون الموحَّدة: السهام العربية، مؤنثة لا واحد لها من لفظها، كما قدمناه، وقوله: (فليأخذ على نصالها) : جواب (مَنْ) الموصولة أو خبرها، زاد الأصيلي: (بكفه)، و (على نصالها) متعلق بـ (يأخذ) لتضمنه معنى الاستعلاء للمبالغة، فعديت بـ (على)، وإلا فالوجه تعديته بالباء، ويحتمل أن (على) بمعنى الباء؛ كما هي في رواية حمَّاد بن عمرو من طريق ثابت عن أبي بردة، (لا يعقرُ)؛ أي: لا يجرح، وهو مرفوع، ويجوز الجزم نظرًا إلى أنَّه جواب الأمر، قاله إمام الشَّارحين، وجوز القسطلاني تبعًا لـ «المصابيح» جزمه بـ (لا) الناهية، والظَّاهر: أن الرواية بالرفع، ويحتمل أنها بالجزم؛ فافهم، وفي «القاموس» : (العقر: الجرحُ وأثرٌ كالحز في قوائم الفرس والإبل، والعقيرة: ما عقر من صيد أو غيره، واعتقر الظهر من الرحل والسرج) انتهى، (بكفه مسلمًا) : الباء فيه تتعلق بقوله: (فليأخذ) لا بقوله: (لا يعقر)، فإن العقر بالكف لا يتصور.
ووقع في رواية الأصيلي: (فليأخذ على نصالها بكفه لا يعقر مسلمًا)، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وقال الكرماني: (يحتمل أن يراد منه: كف النفس؛ أي: لا يعقر بكفه نفسه عن الأخذ؛ أي: لا يجرح بسبب تركه أخذ النصال).
واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: لا يبعد هذا الاحتمال، ولكن الأول راجح، ويؤيده رواية مسلم من حديث أبي أسامة: «فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين»، وله من طريق ثابت عن أبي بردة: «فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها» انتهى.
قلت: وعلى هذا يتعين المعنى الأول، ويكون هو الصَّواب، وما ذكره الكرماني بعيد عن الصَّواب، فإن الأول قد تبعه فيه صاحب «التنقيح» والقسطلاني وغيرهما، فليكن هو الصَّواب؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَن مرَّ»؛ فإنَّه صرح فيه بلفظ المرور، وجعله شرطًا، ورتَّب عليه الجزاء، وهو قوله: «فليأخذ»، فدلَّ هذا على جواز المرور في المسجد بنبل يأخذ نصالها، وبهذا التقدير: يحصل الجواب عن سؤال الكرماني حيث قال: «فإن قلت: ما وجه تخصيص هذا الحديث -يعني: حديث أبي موسى- بهذا الباب، وتخصيص الحديث السَّابق -يعني: حديث جابر المذكور- بالباب السَّابق مع أن كلًّا من الحديثين يدل على كل من التَّرجمتين؟»، وتقدير الجواب: هو أنَّه نظر إلى لفظ الرسول ﵇، حيث لم يكن في الأول لفظ المرور في لفظ الرسول ﵇، وفي الثاني ذكره معقودًا بالوجه الذي ذكرناه) انتهى كلام إمام الشَّارحين، وانتهت الجهالة لابن حجر، فذكر كلامًا لا يليق بهذا المقام؛ فاجتنبه.
(٦٨) [باب الشِّعر في المسجد]
هذا (باب) حكم إنشاد (الشِّعْر في المسجد)؛ بكسر [الشين المعجمة، وإسكان] العين المهملة، وهو الكلام الموزون المقفَّى، والألف واللَّام في (المسجد) : للجنس، فيشمل مسجد النَّبي الأعظم ﷺ وغيره
стр. 635
من المساجد، قال إمام الشَّارحين: وفي بعض النُّسخ: (باب إنشاد الشعر في المسجد).
[حديث: يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس]
٤٥٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليَمان) بفتح التحتية (الحَكَم) بفتحتين (بن نافع) هو البهراني الحمصي، وسقط للأصيلي: (أبو اليمان) (قال: أخبرنا شعيب) : هو ابن أبي حمزة -بالمهملة والزاي- الأموي، واسم أبي حمزة: دينار الحمصي (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب التَّابعي المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله، وقيل: إسماعيل (بن عبد الرحمن بن عوف) هو الزهري المدني؛ هكذا رواه شعيب عن الزهري بلفظ: (أخبرني أبو سلمة)، وتابعه إسحاق بن راشد عن الزهري كذلك؛ كما أخرجه النسائي، لكن أخرجه البخاري في (بدء الخلق) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري بلفظ: (عن سعيد بن المسيب) بدل (أبي سلمة)، وتابعه معمر عند مسلم، وإبراهيم بن سعيد وإسماعيل بن أمية عند النسائي، وهذا الاختلاف غير قادح؛ لأنَّ الزهري من أصحاب الحديث، فالراجح عنده أنَّه عنهما معًا، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وهو لا يضر؛ لأنَّ الزهري إمام تابعي ثقة، فلا يقدح ذلك فيه؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن في الإسناد نظر؛ لأنَّ لفظ سعيد بن المسيب: (مر عمر في المسجد وحسان ينشد الشعر فيه، فزجره، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله...)؛ الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة مرسلة؛ لأنَّه لم يدرك زمن المرور.
قلت: وقد رده إمام الشَّارحين فقال: (يحتمل أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعد، أو من حسان، أو وقع استشهاد أبي هريرة لحسان مرة أخرى، فحضر سعيد ذلك، ويؤيده سياق حديث الباب، فإن فيه: أن أبا سلمة سمع حسانًا يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنَّه أصغر من سعيد، فدل ذلك على تعدد الاستشهاد، ويحتمل أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة واستشهاده به إنَّما وقع متأخرًا؛ لأنَّ كلمة «ثم» لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، غاية الأمر: أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنَّه المرفوع، وهو موصول بلا تردد) انتهى.
(أنه) أي: أبا سلمة (سمع حسان بن ثابت) : هو ابن المنذر بن حرام؛ ضد الحلال (الأنصاري) المدني، شاعر النَّبي الأعظم ﷺ ، من فحول شعراء الإسلام والجاهلية، وعاش كل واحد منهم مئة وعشرين سنة، وقال أبو نعيم: لا يعرف بالعرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، واتفقت مددأعمارهم هذا القدر غيرهم، وعاش حسان في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام كذلك، مات سنة خمسين بالمدينة.
فإن قلت: حسان منصرف أو غير منصرف؟ قلت: إن كان مشتقًا من (الحسن)؛ فهو: منصرف، وإن كان من (الحس)؛ فغير منصرف؛ فافهم كذا في «عمدة القاري».
قلت: وعلى منع الصرف يكون فيه العلمية، وزيادة الألف والنُّون، وحاصله: أنَّه يجوز فيه الصرف وعدمه على ما علمت، وقول العجلوني: يجوز في (حسان) الصرف وعدمه، ليس على إطلاقه، بل على هذا التفصيل؛ فافهم.
(يستشهد أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁؛ يعني: يطلب منه الشهادة، والجملة محلها النصب على الحال من (حسان).
فإن قلت: لا بد للشهادة من نصاب، فكيف يثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة فقط؟
قلت: أجيب بأن هذه رواية حكم شرعي، وفيها يكفي عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنَّه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد كما بين في موضعه، قاله إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند حسان، أو من مسند أبي هريرة؟
قلت: لم يذكر أبو مسعود (١) والحميدي وغيرهما أن لحسان رواية في هذا الحديث، ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنَّما أوردُوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة، وخالف خلفٌ فذكره في مسند حسان، وأنه روى عن النَّبي الأعظم ﷺ هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة: أن البخاري أخرجه في «الصلاة» عن أبي اليمان، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين؛ أحدهما هذا، وذكر أنَّه في «سنن أبي داود» من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: وليس في حديثه استشهاد حسان به، وأنه في «النسائي» مرة بالاستشهاد، ومرة من حديث سعيد عن عمر بعدمه، ثم أورده في مسند أبي هريرة من طريق أبي سلمة عنه، وفي «كتاب ابن منده» من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: «مرَّ عمر بحسان...»؛ الحديث، وقال المنذري: وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وإن كان سمع ذلك من حسان؛ فمتصل، وأخرج النسائي الحديث في «القضاء»، عن ابن بزيع، عن ابن زريع، عن شعبة، عن عدي، عن البراء بن عازب، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ : «اهجهم أو هاجهم -يعني: المشركين- وجبريل معك»، رواه سفيان عن شعبة، فجعله من مسند البراء بن عازب ﵁ انتهى كلام إمام الشَّارحين.
(أَنشُدك اللهَ)؛ بفتح الهمزة، وضم الشين المعجمة، ونصب الجلالة؛ ومعناه: سألتك الله، قاله إمام الشَّارحين، وزعم العجلوني تبعًا لغيره أن معناه: ذكَّرتك الله، وفي رواية كما في «التنقيح» : (بالله)، قلت: أما المعنى الذي ذكره؛ فغير صحيح، وأما الرواية؛ فلم يَعزُها لأحد من الرواة، ولم يذكرها الشَّارح، ولا غيره، فالله أعلم بصحتها، وإنما كان المعنى غير صحيح؛ لما في «عمدة القاري» : (قال الجوهري: «نشدت فلانًا أنشده نشدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله»، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشدانًا ومناشدة، وتعديته إلى مفعولين؛ إما لأنَّه بمنزلة «دعوت»؛ حيث قالوا: نشدتك الله وبالله؛ كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد، أو لأنَّهم ضمَّنوه معنى «ذكرت»، فأما أنشدتك بالله؛ فخطأ) انتهى، قلت: وبهذا ظهر أن ما قاله العجلوني تبعًا لما زعمه ابن حجر من أن النشد: التذكير (٢)؛ فغير صحيح؛ لأنَّ مراد حسان: القسم والسؤال بالله على صحة كلامه، وأما التذكير؛ فهو يسبقه النِّسيان، وهو غير صحيح، كما لا يخفى؛ فافهم، ويدل عليه ما في «القاموس» : (فلان نشد؛ قال له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، وقد ناشده مناشدة ونشادًا: حلفه) انتهى، قلت: وبهذا علم أن المراد به: التحليف للمخاطب، لا التذكير؛ فليحفظ.
(هل سمعت النَّبي) الأعظم ﷺ وقوله: (يقول) جملة فعلية محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت)؛ فافهم: (يا حسان؛ أجب عن (٣) رسول الله ﷺ وفي رواية سعيد: (أجب عني)، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة النَّبي الأعظم ﷺ ، ولفظ: الجهة مقدر، ويجوز أن يُضمَّن (أجب) معنى: ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله ﷺ الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ ، ولهذا عدَّاه بـ (عن)، وليس هو من إجابة السؤال، ولا هو منه، ويحتمل أن يكون الأصل رواية سعيد وهي: (أجب