← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 115

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

عبد القادر الأسطواني

Полный текст (750 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

على المبالغة؛ لأنَّ المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه، لا يكفي مقداره للصلاة فيه، ويؤيده حديث جابر الذي ذكرناه، وقال آخرون: هو على ظاهره، والمعنى على هذا: أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر. قيل: هذا كله بناءًا (١) على أنَّ المراد بالمسجد ما يتبادر إليه الذهن؛ وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد: موضع السجود؛ وهو ما يسع الجبهة؛ فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر. قلت: قوله (من بنى) يقتضي وجود بناء على الحقيقة مشتمل على المسجد المعهود بين الناس، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة عند الطبراني في «الأوسط» مرفوعًا: «من بنى لله بيتًا»، وحديث عمر ﵁ مرفوعًا: «من بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، رواه الطبراني في «معجمه»، وفي لفظ: «من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله»، وكل ذلك يدل على أنَّ المراد بالمسجد: هو المكان المتخذ لا موضع السجود فقط، وهو الذي ذهب إليه الفرقة الأولى، ولكن لا يمنع إرادة موضع السجود مجازًا، فيدخل فيه المواضع المحوطة إلى جهة القبلة، وفيها هيئة المحراب في طرقات المسافرين والحال أنها ليست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف، وربما يجعل منها موضع في غاية الصغر، يدل عليه حديث أبي قرصافة عند الطبراني في «الكبير» : أنه سمع النبي الأعظم ﷺ يقول: «ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى مسجدًا لله؛ بنى الله له بيتًا في الجنة»، قال رجل: يا رسول الله؛ وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: «نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين»، واسم أبي قرصافة: جندرة بن خيشنة، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» رحمه الباري. قلت: ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «من بنى مسجدًا يصلى فيه؛ بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه»، رواه الطبراني في «معجمه الكبير»، وهو يدل على أنَّ المراد بالمسجد: المسجد المعهود بين الناس؛ فافهم. ويشترط أن يكون البناء من المال الحلال؛ لأنَّ المسجد قربة إلى الله تعالى، والمال الحرام لا يتقرب به، ولا يحصل له هذا الثواب المخصوص إلا إذا كان من الحلال، يدل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة من الدُّر والياقوت»، رواه البيهقي في «الشعب» والطبراني في «الأوسط»، وحديث أنس مرفوعًا: «كل بناء وَبَاله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإنَّ له به قصرًا في الجنَّة من لؤلؤ»، رواه أبو نعيم، وهذا يدل على أنَّ المسجد الذي يكون عليه هذا الأجر هو من بُني من المال الحلال، أما الذي بُني من أموال الناس، كبعض المساجد والمدارس في ديارنا الشامية؛ بنتها الوزراء؛ فهي عليهم وزر، ولا يثابون عليها، ولهذا تراها مظلمة مأوى غير أهلها؛ فافهم. و (المَفحَص) : بفتح الميم والحاء المهملة كـ (مقعَد)، هو مجثمها؛ لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنها تفحص عنه التراب؛ أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف. (قال بكير) هو ابن عبد الله الأشج المذكور: (وحسبت) أي: ظننت (أنَّه) أي: عاصمًا شيخه الذي روى عنه هذا الحديث (قال) في روايته: (يبتغي)؛ أي: يطلب (به)؛ أي: ببنائه المسجد (وجه الله) تعالى؛ أي: ذاته. قال إمام الشَّارحين: وهذه الجملة مدرجة معترضة، وقعت في البين ولم يجزم بها بكير، فلذلك ذكرها بالحسبان، وليست هذه الجملة في رواية جميع من روى هذا الحديث، فإن لفظهم فيه: «من بنى لله مسجدًا، بنى الله له مثله في الجنة»، فكأن بكيرًا نسي لفظة «لله» فذكرها بالمعنى، فإن معنى قوله «لله» : يبتغي به وجه الله؛ لاشتراكهما في المعنى المقصود؛ وهو الإخلاص، ثم إن لفظة «يبتغي به» على تقدير ثبوتها في كلامه ﵇؛ تكون حالًا من فاعل «من بنى»، والمراد بـ «وجه الله» : ذاته تعالى، وابتغاء وجه الله: هو الإخلاص؛ وهو أن يكون بنيَّةٍ مخلصةٍ في ذلك طلبًا لمرضات الله تعالى من دون رياء وسمعة، حتى قال ابن الجوزي: «من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه؛ كان بعيدًا من الإخلاص». فإن قلت: فعلى هذا لا يحصل الوعد المخصوص لمن يبنيه بالأجرة؛ لعدم الإخلاص؟ قلت: الظاهر هذا، ولكنَّه يؤجر في الجملة، يدل عليه ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «إنَّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة؛ صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممد به»، فقوله: «المحتسب في صنعته» : هو من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يكون إلا من المتطوع. فإن قلت: قوله: «من بنى» حقيقته أن يباشر البناء بنفسه؛ ليحصل له الوعد المخصوص فلا يدخل فيه الأَمْرُ بذلك. قلت: يتناول الأمرَ أيضًا بنيَّتِه، والأعمال بالنيات، لا يقال: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممتنع؛ لأنَّا نقول لا امتناع (٢) فيه عند الشافعي، وأمَّا عند الأئمة الحنفية؛ فهو من باب عموم المجاز، وهو أن يحمل الكلام على معنًى مجازيٍّ يتناول الحقيقة، وهذا يسمى عموم المجاز، ولا نزاع في جواز استعمال اللفظ في معنًى مجازيٍّ يكون المعنى الحقيقي من أفراده، كاستعمال (الدابة) عرفًا فيما يدب على الأرض، ومثال ذلك: فيمن أوصى لأبناء زيد مثلًا، وله أبناء أبناء أبناء يستحق الجميع عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ عملًا بعموم المجاز؛ حيث يطلق الأبناء على الفريقين) انتهى كلام إمام الشَّارحين. وزعم الكرماني أن من كتب اسمه على المسجد الذي بناه؛ يريد به: التذكير بالدعاء له؛ فإنَّه لا يكون بعيدًا من الإخلاص. قلت: وكأنه مراده الاعتراض على ابن الجوزي فيما ذكره قريبًا، ولا ريب أنَّه بعيد عن الإخلاص؛ لأنَّه وإن كان مراده التذكير بالدعاء له، لكنه مشوب بالرياء والسمعة، والإخلاص: هو الخالي عن الرياء والسمعة، وليس هذا منه؛ فافهم. وزعم ابن حجر أنه يدخل في بناء المسجد من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، أو وقف بناء كان يملكه مسجدًا، انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وهو مشتمل على شيئين؛ الأول: أنه من حوَّط بقعة من الأرض مسجدًا، وهذا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ التحويط لا يقال له: بناء، ولأن المراد من المسجد: هو الذي يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة، أما هذا؛ فهو قريب التغيير، ولا يعلم أنه مسجد؛ لأنَّ الذي يعلم أنه مسجد هو ما يبنى مسجدًا ويجعل له محراب وغيره من صفة المساجد، والثاني: أنَّه من وَقف بناء كان يملكه مسجدًا، وهذا أيضًا لا يسمى مسجدًا؛ لأنَّ المراد بالبناء مسجدًا: البناء قصدًا لجعله مسجدًا، أما هذا؛ فهو ليس مراده ببنائه مسجدًا؛ بل إنَّما عرض له أن يجعله مسجدًا، وهو وإن كان له ثواب في الجملة، لكن ليس كالثواب الموعود به المخصوص، فإن الأحاديث تدل على أنَّ المراد به: البناء قصدًا، ودلت أيضًا على أنَّ المراد بـ (المسجد) :

стр. 632

المسجد المعهود عند الناس، فالأرض المحوطة ليست مسجدًا داخلة في بناء المسجد؛ لأنَّها تقبل التغيير، كما لا يخفى؛ فافهم. وقوله: (بنى الله له مثلَه في الجنة) : جواب الشرط، وإسناد البناء إلى الله مجاز اتفاقًا قطعًا، وإنما أظهر الفاعل فيه؛ لأنَّ في تكرار اسمه تعظيم له، وتلذُّذ للذاكر كقوله: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره... هو المسك ما كرَّرته يتضرَّع قاله إمام الشَّارحين. وزعم ابن حجر: لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهَّم عوده على باني المسجد. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (كلا الوجهين غير صحيح، أمَّا الأول؛ فلأنَّ التنافر إنَّما يكون إذا كانت الضمائر كثيرة، وليس هنا كذلك، وأمَّا الثاني؛ فممنوع قطعًا؛ للقرينة الحالية والمقالية) انتهى. و (مثلَه) : منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: بناءً مثلَه في الجنة، متعلِّق بمحذوف وقع صفة لـ (مثله)، والتقدير: بنى الله له مثله كائنًا في الجنة. وزعم ابن حجر أنَّه متعلق بـ (بنى) أو هو حال من مثله. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، وكيف يكون حالًا من مثله، وشرط الحال أن يكون من معرفة، كما عرف في موضعه، ولفظة «مثل» لا تتعرف وإن أضيفت (١)) انتهى. واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ (مثل) يتخصص، وهو كافٍ في مجيء الحال منه. قلت: وهو فاسد؛ لأنَّ النحاة نصُّوا على أن (مثل) لا يتعرف، وإن أضيف فهو على التنكير أبدًا، ولم ينصَّ أحد على أنَّه يتخصَّص، ولا على أنَّه كافٍ، فهو قول لا دليل عليه؛ فافهم. وقال إمام الشَّارحين: (و «المثل» في اللغة: الشبه، يقال: هذا الشيء على مثل هذا؛ أي: شبهه، وقال الجوهري: «مثل» : كلمة تسوية، يقال: هذا مِثله؛ بكسر الميم، ومَثله؛ بفتحها، كما يقال: شِبهه؛ بالكسر، وشَبهه؛ بالفتح، وعند أهل المعقول المماثلة بين الشيئين: هو الاتحاد في النوع، كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية، وإذا كان في الجنس يسمى مجانسة، كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية. وقد اختلفوا في المراد بالمثلية ههنا؛ فقال قوم- منهم ابن العربي-: يعني مثله في القدر والمساحة، قلت: يردُّ هذا حديث عبد الله بن عمرو عند أبي نعيم الأصبهاني بلفظ: «بنى الله له بيتًا أوسع منه»، ورواه الإمام أحمد أيضًا، وكذلك في حديث أسماء وأبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم، وقال قوم: يعني مثله في الجودة، والحصانة، وطول البقاء، قلت: هذا ليس بشيء على ما لا يخفى، مع أنَّه قد ورد في حديث واثلة بن الأسقع عند أحمد والطبراني: «بنى الله له بيتًا في الجنة أفضل منه») انتهى كلام إمام الشَّارحين. وقال صاحب «المفهم» : (هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنَّما يعني أنَّه يبني له بثوابه بيتًا أشرف وأعظم وأرفع منه). وقال النووي: (يحتمل قوله: «مثله» أمرين؛ أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأمَّا صفته في السعة وغيرها، فمعلوم فضلها؛ فإنَّها «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، والثاني: أنَّ معناه: أنَّ فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا) انتهى. واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: (الوجه الثاني لا يخلوعن بُعد) انتهى. قلت: يعني: أنَّ الوجه الأول له وجه، وأما الثاني؛ فليس له وجه صحيح؛ لأنَّ البيوت في الجنة تشمل بيوت الأنبياء، والأصحاب، والأولياء، والمجتهدين، والصديقين، فمن بنى مسجدًا لله تعالى؛ لا يسع أحدًا أن يقول: بنى الله له بيتًا مثل بيوت الأنبياء أو أفضل منها، وما هذا إلا قول صادر من غير تأمل، ولا تصرف كما لا يخفى، فقد ورد في «الصحيح» : أنَّ من أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ فضل أصحابه ﵇؛ فكيف يبلغ ببنائه المسجد بيتًا أفضل من بيته ﵇ في الجنة، فهذا قول غير صحيح أصلًا، كما لا يخفى. وقال بعض شرَّاح «الترمذي» : ويحتمل أنَّه أراد أن ينبِّه بقوله: (مثله) على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع به في الدنيا، في كونه ينفع المصلين ويكنُّهم عن الحر والبرد، ويكون في مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به؛ ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة. وقال صاحب «المفهم» : (هذا البيت -والله أعلم- مثل بيت خديجة ﵂ الذي بُشرت به «ببيت في الجنة من قصب»؛ يريد: من قصب الزمرد والياقوت). واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (قد ذكرنا حديث أبي هريرة عند الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «شعب الإيمان» : «بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت») انتهى، قلت: يعني: فلا خصوصية لبيت خديجة، بل هو عام لكل من بنى لله مسجدًا، ويدل على العموم حديث أنس عند أبي نعيم: «كل بناء وباله على صاحبه يوم القيامة إلا المسجد؛ فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤ»، ومثله حديث ابن عبَّاس عند أبي مسلم الكجي، فهو يدل على أن ذلك عام، وإفادة هذه الرواية أنَّ المثل المراد به: القصر؛ لأنَّه ينتفع به أكثر؛ لأنَّه يطلُّ على أنهار الجنة وثمارها، وغير ذلك من أنواع النعيم. وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فما معنى التقييد بـ «مثله»؟ قلت: أجابوا عن هذا بوجوه؛ الأول: ما قاله بعضهم أنه ﵇ قاله قبل نزول هذه الآية، قلت: وهذا بعيد ولا يعلم ذلك إلا بالتأريخ، الثاني: أنَّ المثليَّة إنَّما هي بحسب الكميَّة، والزيادة تحصل بحسب الكيفية، قلت: المثلية بحسب الكمية تسمى مساواة؛ كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، وفي الكيفية تسمى مشابهة، الثالث: أن التقييد به لا ينفي الزيادة، واستبعده بعضهم، وليس ببعيد، الرابع: أن المقصود منه بيان المماثلة في أن أجزاء هذه الحسنة من جنس العمل لا من غيره، وعندي جواب آخر فتح لي به من الأنوار الإلهية؛ وهو أنَّ المجازاة بالمثل عدلٌ منه، والزيادة عليه بحسب الكيفية والكمية فضلٌ منه) انتهى كلام إمام الشَّارحين. قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد ذكر هذا الجواب في «شرحه»، وهو غير صحيح؛ لأنَّه إنَّما يعلم ذلك بثبوت التاريخ، ولم يوجد، فهو قول بالرأي، والجواب الثالث: قاله الكرماني أيضًا، وهو صحيح؛ لأنَّ القاعدة أنَّ التنصيص على عدد لا ينفي الزيادة عليه، وهو قول المحققين، فكيف يقول ابن حجر: (وهو بعيد)، والظاهر أنَّ معناه بعيد عن فهمه لا عن فهم غيره؛ فافهم، والذي أجاب به إمامنا الشَّارح هو الصواب، ويكون المعنى فيه: بنى الله له عشرة أبنية مثله بحكم الفضل وأوسع بما «لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وإن كان الأصل أن يكون واحدًا بحكم العدل، وفضل الله أوسع. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّ الباب معقود في بيان فضل من بنى المسجد؛ ففيه دليل على استحباب بناء المساجد؛ لأنَّها بيوت الله تعالى وقد أضافها تعالى لنفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ...﴾ الآية [التوبة: ١٨]، وحسبك بهذا شرفًا لها، وقد تفضَّل الله على بانيها بأن له بيتًا في الجنة، وثواب المسجد جارٍ مستمرٌّ لمن بناه في حياته وبعد مماته ما دامت السماوات والأرض؛ لأنَّه مسجد إلى يوم القيامة ولو خرب ودثر؛ لأنَّ مراد الواقف الدوام والاستمرار، وزعم ابن بطال أنه إذا خرب ولم يذكر الله فيه؛ لا يكون له ثوابه، وهو ممنوع، فإن الثواب حاصل له مطلقًا؛ لأنَّه مسجد ولو صار

стр. 633

كومًا من تراب؛ فافهم. وفي الآية دليل على أنَّ الباني يختم له بالإيمان، وفي الحديث دليل على أنَّ الباني يدخل الجنة؛ لأنَّ المراد بالبناء له أن يسكنه فيه، وهو لا يكون إلا بعد دخول الجنة، رزقنا الله ذلك بفضله. ومما يدل على فضل المسجد، ما رواه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «العلل» من حديث معاذ مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن علَّق فيه قنديلًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يطفئ ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرًا؛ صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير، ومن أخرج منه قذاة؛ كان له كِفلان من الأجر»، قال إمام الشَّارحين: (وفيه كلام كثير) انتهى، قال العجلوني: (ولينظر هل المراد الطعن فيه أم لا؟) انتهى، قلت: لا محل للطعن هنا؛ لأنَّ المقام في فضائل الأعمال، وهو يعمل فيه بالحديث الضعيف، ولكن مراده: أنَّ الأحاديث الواردة في فضل المساجد كثيرة، واقتصر على ما ذكره منها مع أنه ﵀ قد أطال في شرحه «عمدة القاري»، وأخرج حديث الباب عن ثلاثة وعشرين صحابيًّا؛ فارجع إليه إن شئت، وقد خفي هذا على العجلوني وغيره ممن تصدر لشرح «الصحيح»؛ فافهم، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾. (٦٦) [باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد] هذا (بابٌ) -بالتنوين- ثابت عند الأكثرين، ساقط عند الأصيلي (يأخذ) أي: شخص (بنصول النبل) كذا في رواية الأكثرين، ولابن عساكر: (يأخذ بنصال النبل) بالموحدة فيهما، ولأبي ذر: (يأخذ نصول النبل) بحذف الموحدة. و (النصول) : جمع نصل، ويجمع أيضًا على نصال، كما في لفظ حديث الباب، وقال الجوهري: (النصل: نصل السهم والسيف والرمح، والجمع نصول ونصال)، وقال في «القاموس» : (النصل والنصلان: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن مقبض، والجمع: أنصل ونصال ونصول). و (النَّبْل)؛ بفتح النون، وسكون الموحدة، آخره لام: السهام العربية، مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، وفي «القاموس» : (النَّبل: السهام بلا واحد أو نبلة، والجمع: أنبال ونبال ونبلان، والنَّبَّال: صاحبه وصانعه؛ كالنَّابل، وحرفته النبالة) انتهى. وقوله: (إذا مر في المسجد) يجوز في (إذا) أن تكون لمجرد الظرفية متعلقة بـ (يأخذ)، وأن تكون شرطية وجوابها محذوف مقدَّر بـ (يأخذ بنصول النبل)؛ لدلالة (يأخذ) المتقدم عليه. وقال إمام الشَّارحين: (وجواب «إذا» : هو قوله «يأخذ» مقدمًا)، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف مذهب للكوفيين، أو مقدر بيستحب لمن معه نبل أن يأخذ بنصولها. قلت: كونه ضعيفًا ممنوع؛ لأنَّه مذهب مستقل صحيح للأئمة الكوفيين، ولم ينص أحد على ضعفه من النحاة في هذه المسألة، وقوله: (أو مقدر...) إلخ؛ لا يلزم هذا التقدير؛ لأنَّ المعنى على عدمه صحيح، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى عند المحققين فإن عادة المؤلف إطلاق تراجمه، وإحالة الحكم على الحديث الذي يذكر بعدها؛ فافهم. نعم؛ يقدر الحكم المطلق ويحال بيانه على الحديث، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (هذا باب فيه بيان أنَّ الشخص يأخذ بنصول السهم إذا مرَّ في مسجد من المساجد، وإنما قدَّرنا هكذا؛ لئلا يقع لفظ: «باب» ضائعًا، وأيضًا فيه بيان أنَّ الضمير المرفوع في «يأخذ» يرجع إلى هذا المقدر؛ لئلا يكون إضمارًا قبل الذكر، وليلتئم التركيب، ولم أر أحدًا من الشراح يذكر شيئًا في مثل هذه المواضع، مع أن فيهم من يدعي دعاوى عريضة في هذا الباب، وليس له حظٌّ من هذه الدقائق) انتهى. قلت: فأفاد أن ذكر الشخص مقدمًا على (يأخذ) أولى؛ لأنَّ فيه التئام (١) الباب معه، وعليه فلا يحتاج لتقدير في لفظ (باب)، وهذا معنى صحيح، وأفاد أيضًا: أنَّ الضمير في (يأخذ) يرجع على الشخص المدلول عليه: بـ (يأخذ)، أو مر عليه أو لاختصاره، ولا ريب أن هذه دقائق وحقائق من المعاني المفردة، وبهذا ظهر أن تقدير إمام الشَّارحين أولى من تقدير العجلوني، على أنه قد أخذه منه ونسبه إلى نفسه، وقال: هو أولى، وليس كذلك، فمن تأمل كلامه؛ علم أنه مأخوذ من كلام إمامنا الشَّارح، فحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين ﵁، ورحمه أرحم الراحمين. [حديث: أمسك بنصالها] ٤٥١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قُتيبة) بضمِّ القاف، زاد الأربعة: (ابن سعيد) : هو ابن جميل بن طريف الثقفي البغلاني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة الكوفي ثم المكي، فإن قلت: قد تغير حفظه وربما دلَّس؛ قلت: إنَّما تغير حفظه في آخر عمره، وإنَّما يدلِّس عن الثقات، وهذا لا يقدح فيه؛ فافهم، (قال: قلت لعَمرو)؛ بفتح العين المهملة، هو ابن دينار: (أسمعت) بهمزة الاستفهام (جابر بن عبد الله) : هو ابن عمرو بن حرام-بمهملتين- الأنصاري ثم السَّلَمي؛ بفتحتين، وقوله: (يقول) جملة محلها نصب على أنَّها حال أو مفعول ثان لـ (سمعت) : (مر رجل) لم يعلم اسمه (في المسجد)؛ أي: النبوي، فـ (أل) فيه للعهد (ومعه سِهام)؛ بكسر السين المهملة: جمع سهم؛ يعني: قد أبدى وأظهر نصولها، وعند مسلم في (الأدب) من طريق أبي الزبير عن جابر: (أن النبي الأعظم ﷺ أمر رجلًا كان يتصدق بالنَّبل في المسجد ألَّا يمر بها إلا وهو آخذ بنصولها)، (فقال له) أي: للرجل (رسولُ الله ﷺ ؛ أي: حين رآه يفعل ذلك: (أمسك بنصالها)؛ أي: مخافة أن تخدش أحدًا من المسلمين، جمع (نصل)؛ وهو رأس الرمح من الحديد، ويقال لها: الحربة. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنَّه ﵇ أمره بإمساك النصال عند المرور في المسجد. قال إمام الشَّارحين: (وفيه-أي الحديث-: السؤال عن السماع بطريق الاستفهام، ولم يذكر له جواب؛ يعني: لم يذكر قتيبة جواب عمرو عن الاستفهام). قال ابن بطال: (فإن قيل: حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد؛ لأنَّه لم يقل سفيان: إن عمرًا قال له: نعم؛ قلنا: قد ذكر البخاري في غير كتاب «الصلاة» أنه قال له: نعم؛ فبان بقوله: «نعم» إسناد الحديث). وقال صاحب «التلويح» : (هذه المسألة اختلف فيها المحدثون؛ فمنهم من شرط النطق إذا قال له التلميذ: أخبرك فلان بكذا؟ ومنهم من لم يشترطه، وذكره البخاري في موضع آخر عن علي بن عبد الله عن سفيان فقال: نعم) انتهى. قال إمامنا الشَّارح: (المذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين -منهم البخاري- أن قول الشيخ: «نعم» لا يشترط، بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا، فعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهر، ومع ذلك فقد جاء في رواية الأصيلي أنه قال له: «نعم»، فانقطع النزاع) انتهى. وزعم ابن حجر أنَّه لم ير هذه الزيادة في رواية الأصيلي، وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (عدم رؤيته لا يستلزم عدم الرواية عنه، فإن لم يره هو، فقد حكى من هو أكبر منه أنه روى عنه لفظ: «نعم») انتهى، قلت: فمن روى هذه الزيادة وحكاها هو أكبر من ابن حجر في العلم والفضل؛ فافهم. وقال إمام الشَّارحين في «شرحه» : (وأخرج الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث أبي البلاد عن محمد بن عبد الله قال: كنَّا عند أبي سعيد الخدري، فقلب رجل نبلًا، فقال أبو سعيد: «أما كان هذا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن تقليب السلاح، وسله؟!»؛ يعني: في المسجد، وروى ابن ماجه من حديث زيد بن جبير -وهو ضعيف- عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: «خصال لا تنبغي في المسجد؛ لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيها سلاح، ولا يُنْبَضُ فيه بقوس،

стр. 634

ولا ينثر فيه نبل، ولا يمرُّ فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حدٌّ، ولا يقتص فيه من أحد، ولا يتخذ سوقًا»، وروي أيضًا من حديث الحارث بن نبهان؛ وهو متروك الحديث، عن عتبة بن يقظان؛ وهو غير ثقة، عن أبي سعيد؛ وهو مجهول الحال والعين، عن مكحول، عن واثلة؛ وأنكر سماعه منه ابن مسهر والحاكم، وقال البخاري في «تاريخه الأوسط» سمع منه: أنَّ النبي الأعظم ﷺ قال: «جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمِّروها في الجُمَع»، وعنده أيضًا من حديث ابن عبَّاس ﵄: «نزِّهوا المساجد ولا تتخذوها طرقًا، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل، ولا ينثر فيه نبل، ولا يسلُّ فيه سيف، ولا يضرب فيه حد، ولا ينشد فيه شعر، فإن أنشد؛ فقل: فضَّ الله فاك». ويستفاد من الحديث تأكيد حرمة المسلمين؛ لأنَّ المساجد مورودة بالخلق لا سيما في أوقات الصلوات، وهذا التأكيد من النبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه خشي أن يؤذى بها أحد، وفيه: كريم خلقه ورأفته ﵇ بالمؤمنين، وفيه: التعظيم لقليل الدم وكثيره، وفيه: أنَّ المسجد يجوز فيه إدخال السلاح) انتهى، والله أعلم. (٦٧) [باب المرور في المسجد] هذا (باب) حكم (المرور) بالنبل (في المسجد) : الألف واللَّام فيه للجنس، فيشمل كلَّ مسجد، وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعمُّ، وإن كان المراد به الجواز؛ والتقدير: باب جواز المرور بالنبل في المسجد إذا أمسك نصالها. قال إمام الشَّارحين: (وفي هذه التَّرجمة نوعُ قصورٍ على ما لا يخفى) انتهى، قلت: وجه القصور: أنَّ المؤلف أطلق ترجمته وكان عليه أن يقيِّدها بقوله: بابالمرور في المسجد بالنبل إذا أمسك نصالها؛ فافهم. [حديث: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها] ٤٥٢ - وبالسند إلى المؤلِّف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) : هو المنقري التَّبوذكي البصري (قال: حدثنا عبد الواحد) : هو ابن زياد، العبدي مولاهم، البصري (قال: حدثنا أبو بُرْدة)؛ بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون الرَّاء: هو بُريد؛ مصغَّر بَرْد، ضدُّ الحَرِّ (بن عبد الله) : هو ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي (قال) أي: أبو بردة (سمعت) جدي (أبا بردة) : هو عامر، فأبو بردة الأصغر يروي عن جده أبي بردة الأكبر؛ وهو يروي (عن أبيه) : هو أبو موسى، واسمه عبد الله بن قيس الأشعري الصَّحابي الجليل ﵄. وزعم العجلوني أنَّه وقع في القسطلاني تسمية أبي موسى بعامر، وهو سبق قلم؛ فاعرفه. قلت: لم يسبق قلم القسطلاني إلى ذلك، وإنَّما قال: (سمعت جدي أبا بردة عامرًا عن أبيه أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس) : هكذا عبارته في جميع النُّسخ، وكأنَّ العجلوني سبق قلمه إلى هذا الكلام، وهو غير صواب؛ فافهم. (عن النَّبي) الأعظم ﷺ أنَّه (قال: من مر في شيء) أي: مسجد (من مساجدنا) أي: المسلمين (أو) مر في سوق من (أسواقنا)؛ أي: المسلمين، وهذا يدل على أنَّ المسلم إذا مر بها في كنيسة أو بيعة أو سوق كفار؛ لا يطلب منه أن يأخذ بنصالها؛ لأنَّ الكافر لا حرمة له، وقد يقال: إنَّ لهم مالنا، وعليهم ما علينا، ويمكن أن يقال: المراد من عدم الأخذ بنصالها: هو بيان استعلاء المسلمين على الكافرين، وحرمتهم عليهم، وتذكيرًا لهم بعدم المخالفة، وتنبيهًا على أنَّهم إن خالفوا؛ فدواؤهم السيف في أعناقهم؛ فليحفظ، قال إمامنا الشَّارح: (وكلمة «من» موصولة تضمنت معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وخبره قوله: «فليأخذ»، وكلمة «أو» للتنويع من الشَّارع، وليست للشك من الراوي) انتهى، وقوله (بنبل) : متعلق بـ (مر)، والباء فيه للمصاحبة؛ ومعناه: من مر مصاحبًا للنبل، وليست الباء فيه للإلصاق؛ مثل: مررت بزيد، كذا في «عمدة القاري»، ويحتمل أن الجار والمجرور حال من ضمير قوله: (مرَّ)؛ فتأمل، و (النَّبل)؛ بفتح النُّون وسكون الموحَّدة: السهام العربية، مؤنثة لا واحد لها من لفظها، كما قدمناه، وقوله: (فليأخذ على نصالها) : جواب (مَنْ) الموصولة أو خبرها، زاد الأصيلي: (بكفه)، و (على نصالها) متعلق بـ (يأخذ) لتضمنه معنى الاستعلاء للمبالغة، فعديت بـ (على)، وإلا فالوجه تعديته بالباء، ويحتمل أن (على) بمعنى الباء؛ كما هي في رواية حمَّاد بن عمرو من طريق ثابت عن أبي بردة، (لا يعقرُ)؛ أي: لا يجرح، وهو مرفوع، ويجوز الجزم نظرًا إلى أنَّه جواب الأمر، قاله إمام الشَّارحين، وجوز القسطلاني تبعًا لـ «المصابيح» جزمه بـ (لا) الناهية، والظَّاهر: أن الرواية بالرفع، ويحتمل أنها بالجزم؛ فافهم، وفي «القاموس» : (العقر: الجرحُ وأثرٌ كالحز في قوائم الفرس والإبل، والعقيرة: ما عقر من صيد أو غيره، واعتقر الظهر من الرحل والسرج) انتهى، (بكفه مسلمًا) : الباء فيه تتعلق بقوله: (فليأخذ) لا بقوله: (لا يعقر)، فإن العقر بالكف لا يتصور. ووقع في رواية الأصيلي: (فليأخذ على نصالها بكفه لا يعقر مسلمًا)، كذا قاله إمام الشَّارحين. وقال الكرماني: (يحتمل أن يراد منه: كف النفس؛ أي: لا يعقر بكفه نفسه عن الأخذ؛ أي: لا يجرح بسبب تركه أخذ النصال). واعترضه إمام الشَّارحين، فقال: لا يبعد هذا الاحتمال، ولكن الأول راجح، ويؤيده رواية مسلم من حديث أبي أسامة: «فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين»، وله من طريق ثابت عن أبي بردة: «فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها» انتهى. قلت: وعلى هذا يتعين المعنى الأول، ويكون هو الصَّواب، وما ذكره الكرماني بعيد عن الصَّواب، فإن الأول قد تبعه فيه صاحب «التنقيح» والقسطلاني وغيرهما، فليكن هو الصَّواب؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مَن مرَّ»؛ فإنَّه صرح فيه بلفظ المرور، وجعله شرطًا، ورتَّب عليه الجزاء، وهو قوله: «فليأخذ»، فدلَّ هذا على جواز المرور في المسجد بنبل يأخذ نصالها، وبهذا التقدير: يحصل الجواب عن سؤال الكرماني حيث قال: «فإن قلت: ما وجه تخصيص هذا الحديث -يعني: حديث أبي موسى- بهذا الباب، وتخصيص الحديث السَّابق -يعني: حديث جابر المذكور- بالباب السَّابق مع أن كلًّا من الحديثين يدل على كل من التَّرجمتين؟»، وتقدير الجواب: هو أنَّه نظر إلى لفظ الرسول ﵇، حيث لم يكن في الأول لفظ المرور في لفظ الرسول ﵇، وفي الثاني ذكره معقودًا بالوجه الذي ذكرناه) انتهى كلام إمام الشَّارحين، وانتهت الجهالة لابن حجر، فذكر كلامًا لا يليق بهذا المقام؛ فاجتنبه. (٦٨) [باب الشِّعر في المسجد] هذا (باب) حكم إنشاد (الشِّعْر في المسجد)؛ بكسر [الشين المعجمة، وإسكان] العين المهملة، وهو الكلام الموزون المقفَّى، والألف واللَّام في (المسجد) : للجنس، فيشمل مسجد النَّبي الأعظم ﷺ وغيره

стр. 635

من المساجد، قال إمام الشَّارحين: وفي بعض النُّسخ: (باب إنشاد الشعر في المسجد). [حديث: يا حسان أجب عن رسول الله اللهم أيده بروح القدس] ٤٥٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليَمان) بفتح التحتية (الحَكَم) بفتحتين (بن نافع) هو البهراني الحمصي، وسقط للأصيلي: (أبو اليمان) (قال: أخبرنا شعيب) : هو ابن أبي حمزة -بالمهملة والزاي- الأموي، واسم أبي حمزة: دينار الحمصي (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب التَّابعي المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمَة)؛ بفتحات، هو عبد الله، وقيل: إسماعيل (بن عبد الرحمن بن عوف) هو الزهري المدني؛ هكذا رواه شعيب عن الزهري بلفظ: (أخبرني أبو سلمة)، وتابعه إسحاق بن راشد عن الزهري كذلك؛ كما أخرجه النسائي، لكن أخرجه البخاري في (بدء الخلق) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري بلفظ: (عن سعيد بن المسيب) بدل (أبي سلمة)، وتابعه معمر عند مسلم، وإبراهيم بن سعيد وإسماعيل بن أمية عند النسائي، وهذا الاختلاف غير قادح؛ لأنَّ الزهري من أصحاب الحديث، فالراجح عنده أنَّه عنهما معًا، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وهو لا يضر؛ لأنَّ الزهري إمام تابعي ثقة، فلا يقدح ذلك فيه؛ فافهم. وزعم ابن حجر أن في الإسناد نظر؛ لأنَّ لفظ سعيد بن المسيب: (مر عمر في المسجد وحسان ينشد الشعر فيه، فزجره، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله...)؛ الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة مرسلة؛ لأنَّه لم يدرك زمن المرور. قلت: وقد رده إمام الشَّارحين فقال: (يحتمل أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعد، أو من حسان، أو وقع استشهاد أبي هريرة لحسان مرة أخرى، فحضر سعيد ذلك، ويؤيده سياق حديث الباب، فإن فيه: أن أبا سلمة سمع حسانًا يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنَّه أصغر من سعيد، فدل ذلك على تعدد الاستشهاد، ويحتمل أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة واستشهاده به إنَّما وقع متأخرًا؛ لأنَّ كلمة «ثم» لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، غاية الأمر: أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنَّه المرفوع، وهو موصول بلا تردد) انتهى. (أنه) أي: أبا سلمة (سمع حسان بن ثابت) : هو ابن المنذر بن حرام؛ ضد الحلال (الأنصاري) المدني، شاعر النَّبي الأعظم ﷺ ، من فحول شعراء الإسلام والجاهلية، وعاش كل واحد منهم مئة وعشرين سنة، وقال أبو نعيم: لا يعرف بالعرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، واتفقت مددأعمارهم هذا القدر غيرهم، وعاش حسان في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام كذلك، مات سنة خمسين بالمدينة. فإن قلت: حسان منصرف أو غير منصرف؟ قلت: إن كان مشتقًا من (الحسن)؛ فهو: منصرف، وإن كان من (الحس)؛ فغير منصرف؛ فافهم كذا في «عمدة القاري». قلت: وعلى منع الصرف يكون فيه العلمية، وزيادة الألف والنُّون، وحاصله: أنَّه يجوز فيه الصرف وعدمه على ما علمت، وقول العجلوني: يجوز في (حسان) الصرف وعدمه، ليس على إطلاقه، بل على هذا التفصيل؛ فافهم. (يستشهد أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁؛ يعني: يطلب منه الشهادة، والجملة محلها النصب على الحال من (حسان). فإن قلت: لا بد للشهادة من نصاب، فكيف يثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة فقط؟ قلت: أجيب بأن هذه رواية حكم شرعي، وفيها يكفي عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنَّه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد كما بين في موضعه، قاله إمام الشَّارحين. ثم قال: (فإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند حسان، أو من مسند أبي هريرة؟ قلت: لم يذكر أبو مسعود (١) والحميدي وغيرهما أن لحسان رواية في هذا الحديث، ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنَّما أوردُوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة، وخالف خلفٌ فذكره في مسند حسان، وأنه روى عن النَّبي الأعظم ﷺ هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة: أن البخاري أخرجه في «الصلاة» عن أبي اليمان، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين؛ أحدهما هذا، وذكر أنَّه في «سنن أبي داود» من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: وليس في حديثه استشهاد حسان به، وأنه في «النسائي» مرة بالاستشهاد، ومرة من حديث سعيد عن عمر بعدمه، ثم أورده في مسند أبي هريرة من طريق أبي سلمة عنه، وفي «كتاب ابن منده» من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: «مرَّ عمر بحسان...»؛ الحديث، وقال المنذري: وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وإن كان سمع ذلك من حسان؛ فمتصل، وأخرج النسائي الحديث في «القضاء»، عن ابن بزيع، عن ابن زريع، عن شعبة، عن عدي، عن البراء بن عازب، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ : «اهجهم أو هاجهم -يعني: المشركين- وجبريل معك»، رواه سفيان عن شعبة، فجعله من مسند البراء بن عازب ﵁ انتهى كلام إمام الشَّارحين. (أَنشُدك اللهَ)؛ بفتح الهمزة، وضم الشين المعجمة، ونصب الجلالة؛ ومعناه: سألتك الله، قاله إمام الشَّارحين، وزعم العجلوني تبعًا لغيره أن معناه: ذكَّرتك الله، وفي رواية كما في «التنقيح» : (بالله)، قلت: أما المعنى الذي ذكره؛ فغير صحيح، وأما الرواية؛ فلم يَعزُها لأحد من الرواة، ولم يذكرها الشَّارح، ولا غيره، فالله أعلم بصحتها، وإنما كان المعنى غير صحيح؛ لما في «عمدة القاري» : (قال الجوهري: «نشدت فلانًا أنشده نشدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله»، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشدانًا ومناشدة، وتعديته إلى مفعولين؛ إما لأنَّه بمنزلة «دعوت»؛ حيث قالوا: نشدتك الله وبالله؛ كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد، أو لأنَّهم ضمَّنوه معنى «ذكرت»، فأما أنشدتك بالله؛ فخطأ) انتهى، قلت: وبهذا ظهر أن ما قاله العجلوني تبعًا لما زعمه ابن حجر من أن النشد: التذكير (٢)؛ فغير صحيح؛ لأنَّ مراد حسان: القسم والسؤال بالله على صحة كلامه، وأما التذكير؛ فهو يسبقه النِّسيان، وهو غير صحيح، كما لا يخفى؛ فافهم، ويدل عليه ما في «القاموس» : (فلان نشد؛ قال له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، وقد ناشده مناشدة ونشادًا: حلفه) انتهى، قلت: وبهذا علم أن المراد به: التحليف للمخاطب، لا التذكير؛ فليحفظ. (هل سمعت النَّبي) الأعظم ﷺ وقوله: (يقول) جملة فعلية محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت)؛ فافهم: (يا حسان؛ أجب عن (٣) رسول الله ﷺ وفي رواية سعيد: (أجب عني)، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة النَّبي الأعظم ﷺ ، ولفظ: الجهة مقدر، ويجوز أن يُضمَّن (أجب) معنى: ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله ﷺ الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ ، ولهذا عدَّاه بـ (عن)، وليس هو من إجابة السؤال، ولا هو منه، ويحتمل أن يكون الأصل رواية سعيد وهي: (أجب

стр. 636

عني)، ثم نقل حسان ذلك بالمعنى، وزاد فيه لفظ: (رسول الله ﷺ ؛ تعظيمًا له، ويحتمل أن تكون تلك لفظه ﵇ بعينه؛ لأجل المهابة، وتقوية لداعي الأمور، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكما يقول: (الخليفة أمير المؤمنين يرسم لك)؛ لأنَّ فيه تعظيمًا له، وتقوية للمأمور ومهابة، بخلاف قوله: (أنا أرسم)، والمراد بالإجابة: الرد على الكفار الذين هجوه ﵇، وروى ابن ماجه، عن البراء بن عازب، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ : «اهجهم أو هاجهم -يعني المشركين- وجبريل معك»، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»؛ فافهم، (اللهم) أي: يا الله (أيِّده)؛ بفتح الهمزة، وتشديد التحتية؛ أي: قوِّيه، قال الشَّارح: وهذا دعاء منه ﵇ لحسان، دعا له بالتأييد؛ وهو القوة على الكفار (بروح القُدُس) : الباء فيه تتعلق بقوله: (أيده)، والمراد به هنا: جبريل ﵇، يدل عليه ما رواه البخاري من حديث البراء بلفظ: (وجبريل معك). و (القُدُس) : بِضَمِّ القاف والدَّال؛ بمعنى: الطهر، وسمي جبريل بذلك؛ لأنَّه خلق من الطهر، وقال كعب: القدس: الرب ، ومعنى روح القدس: روح الله، وإنما سمي بالروح؛ لأنَّه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيا (١) به الأرواح، وقيل: معنى القدس: البركة، ومن أسماء الله تعالى: القدوس؛ أي: الطاهر المنزه عن العيوب، ومنه: الأرض المقدسة وبيت المقدس؛ لأنَّه الموضع الذي يُتقَدَّس فيه؛ أي: يُتطَهَّر فيه من الذنوب، كذا قاله الشَّارح. قلت: وقيل: روح القدس: مَلَك عظيم، أعظم الملائكة خلقًا، وقيل: مَلَك أشرف الملائكة، وقيل: خلق كهيئة الناس، وقيل: أرواح بني آدم، وبيت المَقْدِس؛ يقال: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدَّال، ويقال: بِضَمِّ الميم، وفتح القاف، وفتح الدَّال المشددة؛ لغتان مشهورتان، قال في «الصِّحاح» : بيت المقدس؛ يشدد ويخفف، والذي يفهم من كلام الجوهري وإمامنا الشَّارح أنَّه اسم ومصدر، قال أبو علي: وأما بيت المقدس؛ فلا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فإن كان مصدرًا؛ كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا؛ فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: على معنى إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزَّجاج: البيت المقدس؛ أي: المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، انتهى، والله أعلم. (قال أبو هريرة: نعم)؛ أي: سمعته يقول ذلك، بل روى الترمذي مُصححًا عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار). قال إمام الشَّارحين: (ومطابقته للتَّرجمة غير ظاهرة ههنا؛ لأنَّه ليس فيه صريحًا أنَّه كان في المسجد، والتَّرجمة هو الشعر في المسجد، ولكن البخاري روى هذا الحديث في «بدء الخلق» وفيه التصريح أنَّه كان في المسجد، فقال: حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: مرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله؛ أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»، قال: نعم، وهما حديث واحد، ويقال: إن الشعر المشتمل على الحق مقبول؛ بدليل دعاء النَّبي الأعظم ﷺ لحسان على شعره، فإذا كان كذلك؛ لا يمنع في المسجد، كسائر الكلام المقبول، ومراد البخاري من وضع هذه التَّرجمة: هو الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، والحديث يدل على هذا بهذا الوجه، فيقع التطابق بين الحديث والتَّرجمة لا محالة) انتهى. ثم قال: (ففيه الدلالة: على أنَّ الشعر الحق لا يحرم في المسجد، والذي يحرم فيه الخنا، والزور، والكلام الساقط). وقد اختلف العلماء في جواز إنشاد الشعر مطلقًا: فذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نَكْتُ عِرض من المسلمين، ولا فحش، وبه قال الإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد بن الحسن، والشعبي، وابن سعد البجلي، وابن سيرين، وابن المسيب، والقاسم، والثَّوري، والأوزاعي، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ لحديث الباب، وحديث الترمذي عن عائشة المارِّ قريبًا، وحديث ابن ماجه، عن البراء، عن حسان قال: قال رسول الله ﷺ : «اهجهم أو هاجهم -يعني: المشركين- وجبريل معك». وذهب الحسن البصري إلى أنَّه يكره رواية الشعر وإنشاده، وبه قال: مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن شعيب؛ لما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (نهى النَّبي ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد)، وحسَّنه الترمذي، والطوسي، وما رواه أبو داود عن زُفر بن وثيمة عن حكيم بن حزام مرفوعًا: (نهى النَّبي ﷺ أن يستفاد في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود)، وما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» من حديث ابن المنكدر عن أُسيد بن عبد الرحمن: أن شاعرًا جاء إلى النَّبي ﷺ وهو في المسجد قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: «لا»، قال: بلى، فقال له ﵇: «فاخرج من المسجد»، فخرج، فأنشد، فأعطاه ﵇ ثوبًا، وقال: «هذا بدل ما مدحت به ربك»، وما رواه الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي من حديث عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا؛ خير له من أن يمتلئ شعرًا»، ورواه البزار وابن أبي شيبة، وأخرجه المؤلف عن ابن عمر، ولما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن النَّبي ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يريه؛ خير من أن يمتلئ شعرًا»، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه والطَّحاوي والطَّبراني عن عوف بن مالك وأبي الدرداء. وأجاب الجمهور: بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، حتى قال ابن حزم: إنَّه لا يصح، وأما حديث حكيم بن حزام؛ فإنَّه ضعيف، كما قاله الإشبيلي، وقال ابن القطان: لم يبين أبو محمَّد من أمره شيئًا، وعلته الجهل بحال زفر؛ فلا يعرف، قلت: أما زفر؛ فإن حاله معروف، وقد وثقه عثمان الدارمي، ويحيى، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وصحح له الحاكم، وإنما العلة في حكيم بن حزام، وأما حديث أسيد؛ ففي سنده ابن أبي نجيح، شيخ الشَّافعي، وفيه كلام شديد، وهو ضعيف، فلا يعول عليه.

стр. 637

وقالوا: إن هذه الأحاديث قد وَرَدت على خاص من الشعر، وهو أن يكون فيه فحش وخنا. وقال أبو نعيم الأصبهاني: (نُهِي عن تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين في المسجد، فأما أشعار الإسلام والمحقين؛ فواسع غير محظور). وقال الشعبي: (المراد من الشعر الممنوع: هو الذي هجي به النَّبي ﵇، وقال أبو عبيد: (عندي غير ذلك؛ لأنَّ ما هجي به ﵇ لو كان شطر بيت؛ لكان كفرًا، ولكن وجهه: أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر)، قيل: فيه نظر؛ لأنَّ الذين هجوا رسول الله ﷺ كانوا كفارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشعبي أوجه، وقال الإمام الطَّحاوي: (لو كان أريد بذلك ما هجي به رسول الله ﵇ من الشعر؛ لم يكن لذلك الامتلاء معنًى؛ لأنَّ قليل ذلك وكثيره كفر، ولكن ذكر الامتلاء يدل على معنى في الامتلاء ليس فيما دونه، فهو على الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا ذكر ولا تسبيح ولا غيرها، فأما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك؛ فليس ممن يمتلئ جوفه شعرًا، فهو خارج من قوله ﵇: «لأن يمتلئ جوف أحدكم...»؛ الحديث). وقال أبو عبد الملك: (كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش (١)، وكان المشركون إذ ذاك يدخلون المسجد، فلما كمل الإسلام؛ زال ذلك كله)، قلت: أشار بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك، كذا قاله في «عمدة القاري». ثم قال: (وقوله في حديث عمر: «قيحًا»؛ منصوب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح، وقوله: «حتى يريه» : من الوَرْي، وهو الداء، يقال: وَرِيَ يَرِي (٢)، فهو مَوْرِيٌّ إذا أصاب جوفه الداء، وقيل: معناه: حتى يصيب رئته (٣)، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه خلاف السياق. وفي حديث الباب: جواز الانتصار من الكفار، وينبغي ألا يبدأ المشركون بالسب والهجاء؛ مخافةً من سبهم الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كابتدائهم به؛ فيكف أذاهم أو نحوه كما فعله ﵇. وفيه: استحباب الدعاء لمن قال شعرًا، مثل قصة حسان، وفيه: فضيلة حسان ﵁، والله تعالى أعلم. وفي «المنحة» : (والحاصل: أن إنشاد الشعر جائز بلا كراهة إن كان حقًّا، ومكروه تحريمًا إن كان باطلًا، ومكروه تنزيهًا إذا غلب عليه اشتغال به عن القرآن والذكر) انتهى. قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الشعر لا يخلو (٤) إما أن يكون جائزًا أولا، والثاني مكروه تحريمًا، فكراهة التنزيه ليس لها محل؛ فافهم. (٦٩) [باب أصحاب الحراب في المسجد] هذا (باب) حكم لعب (أصحاب الحِراب) بحرابهم (في المسجد)؛ أي: في أي مسجد من المساجد، فـ (أل) فيه: للجنس، و (الحِراب) : بكسر الحاء المهملة: جمع حربة، كالقصاع جمع قصعة، والحِراب أيضًا: مصدر من حارب يحارب محاربة وحرابًا، والمراد هنا الأول، ونصال حرابهم: مشهورة، والمراد من أصحاب الحراب هنا: هم الذين يتشاققون بالسلاح كالحراب ونحوها؛ للاشتداد والقوة على الحرب مع أعداء الدين. وما قدَّرنا أولى من تقدير العجلوني الجواز؛ لأنَّ الحكم أعم وأشمل، وكذا هو أولى من تقدير ابن حجر والقسطلاني: جواز دخولهم، كما لا يخفى؛ لأنَّ دخول أصحاب الحراب المسجد لا يسع أحدًا أن يقول: غير جائز، وإنما المقصود هنا: بيان حكم لعبهم بالحراب في المسجد، هل هو جائز أم لا؟ وحديث الباب يدل على جوازه في المسجد وغيره؛ لأنَّه يعين على قتال أعداء الدين. وقال المهلب: (المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال الجامعة لمنفعة الدين وأهله؛ فهو جائز في المسجد وغيره، واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من الاستعداد للعدو، والقوة على الحرب) انتهى. وذكر نحوه ابن بطال، وذلك لتكون كلمة الله العليا (٥)، وهو على نصرهم إذا يشاء قدير. وزعم ابن حجر أن البخاري أشار إلى تخصيص الحديث السَّابق في النَّهي عن المرور في المسجد بالنصل غير معمود، والفرق بينهما: أن التحفظ في هذه الصورة سهل، بخلاف مجرد المرور، فإنَّه قد يقع بغتة، فلا يتحفظ منه، انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، فإن البخاري ليس مراده بهذا الباب تخصيص الحديث السَّابق، وليس في كلامه الإشارة إلى ذلك أصلًا، فمن أين علم ذلك؟ بل قصد البخاري في هذا الباب والتَّرجمة: بيان حكم مستقل لا تعلق فيه بما قبله، وما ذكره من الفرق ممنوع؛ لأنَّ التحفظ باللعب بالحراب أمر صعب كما هو مشاهد لكل بصير؛ لأنَّه تارة يقف، وتارة يرجع يمينًا، وتارة شمالًا، وتارة جنوبًا، وتارة خلفًا، ولابد من وجود أناس معهم، فالغالب في ذلك وجود العطب، أما حال المرور في المسجد؛ فالتحفظ ممكن؛ لأنَّه ليس له شيء يشغله، فدائمًا متحفظ وآخذ بالنصل؛ مخافة أن يصيب أحدًا من المسلمين؛ فانظر إلى ما زعمه هذا القائل تجده غير صواب، والله أعلم. [حديث: لقد رأيت رسول الله يومًا على باب حجرتي] ٤٥٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) : هو ابن يحيى أبو القاسم القرشي العامري المدني (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، (عن صالح) زاد الأصيلي: (ابن كيسان) : هو أبو محمَّد المؤدب التَّابعي، [مؤدب] ولد عمر بن عبد العزيز الأموي، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني التَّابعي (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين المهملة في الأول، وضم الزاي المعجمة في الثاني: هو ابن العوام المدني التَّابعي: (أن) بفتح الهمزة (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت: لقد رأيت)؛ أي: والله لقد أبصرت (رسول الله ﷺ وفُهِم معنى القسم من اللَّام و (قد) اللتان تدلان على التأكيد، و (رأيت) بمعنى: أبصرت؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد (يومًا) بالنصب على الظرفية (على باب حجرتي)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة، وفي رواية: (في باب حجرتي)؛ وهي البيت الذي يُنَام فيه، وهي: الأدورة (٦) (والحبشة) : هي جنس من السودان مشهور (يلعبون في المسجد)؛ أي: بحرابهم، والجملة محلها نصب على الحال من الفاعل أو المفعول، وجملة (ورسول الله ﷺ يسترني) محلها نصب على الحال أيضًا، قال إمام الشَّارحين: (وهذا يدل على أنَّ هذا كان بعد نزول

стр. 638

الحجاب) (برِدائه)؛ بكسر الرَّاء: هو ما يستر النصف الأعلى من البدن؛ حتى لا يراني أحد من الأجانب (أنظر إلى لعبهم)؛ أي: بحرابهم، وهو يستلزم النَّظر إلى ذواتهم، ففيه دليل واضح على (١) جواز نظر النساء إلى الرجال، ووجوب استتارهن عنهم، وهذا مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه ﵁، والجمهور من العلماء، وخالفهم الشَّافعي؛ فزعم أن نظر الأجنبية إلى الأجنبي حرام، والحديث حجة عليه. وزعم ابن حجر أن حديث الباب لا يدل على جواز النَّظر؛ لأنَّ عائشة نظرت لعبهم وحرابهم لا وجوههم وأبدانهم، ولا يلزم منه تعمد نظر البدن، وإن وقع بلا قصد؛ صَرَفَتْه حالًا، ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، أو عائشة لم تبلغ مبلغ النساء، ولأنه ﵇ أمر ميمونة وأم سلمة وقد رآهما تنظران لابن أم مكتوم بالاحتجاب منه، فقالت له أم سلمة: أليس هو أعمى لا يبصر؟ فقال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» كذا زعمه العجلوني. قلت: وهذا الاستدلال فاسد وبعيد عن الأفهام؛ لأنَّ عائشة كانت تنظر إلى لعبهم بالحراب، وهو يستلزم النَّظر إلى أبدانهم وذواتهم ضرورة، والنَّبي الأعظم ﷺ لم ينهها أن تنظر ذواتهم وأبدانهم، بل أطلق لها إباحة النَّظر في لعبهم وأبدانهم وذواتهم، فبقي الحكم على العموم، ويدل لذلك ما ذكره البخاري في باب (إذا كان الثوب ضيقًا)، عن سهل الساعدي، وفيه قال النَّبي ﷺ للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا»، وعند أحمد، وأبي داود بلفظ: «فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم»؛ كراهة أن يرين عورات الرجال، انتهى، فهذا يدل على إباحة نظر النساء للرجال؛ لأنَّه لو كان غير جائز؛ لما أباح لهن الصلاة خلف الرجال، وبين في الحديث أن النَّهي في رفع رؤوسهن؛ خشية رؤيتهن عورات الرجال، وهو يدل على أنَّ رؤية ذوات الرجال وأبدانهم للنساء جائز لا محظور فيه، ويدل لذلك إباحة خروج النساء للجماعات في المساجد، وكذلك خروجهن للحمامات ولأجل شراء الأكل ونحوه من الرجال الأجانب في الأسواق، ويلزم على ما زعمه الحرج في ذلك، وهو مدفوع بالنص. وقوله: (ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الحجاب) : ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما كان ﵇ يسترها، فستره لها دليل على أنَّه كان ذلك بعد نزول الحجاب، ولهذا كان يدخل على زوجاته ﵇ البر والفاجر في ابتداء الإسلام كما قال عمر بن الخطاب، وسأله أن يحجب نساءه، فأنزلت آية الحجاب، فلو كان ذلك قبل نزولها؛ لما سترها ﵇ بردائه. وقوله: (أو عائشة لم تبلغ مبلغ النساء) : ممنوع أيضًا؛ لأنَّ قولها: (يسترني بردائه) يدل على أنَّها كانت وقتئذ بالغة مبلغ النساء. وقوله: (ولأنه ﵇ أمر ميمونة...) إلى آخره؛ هذا حديث ضعيف، كما قاله الثقات، ولئن صح؛ فهو لا يقاوم الصَّحيح على أنَّه محتمل؛ لأنَّ أم سلمة وميمونة كانتا غير متسترتين (٢) كما يستتر النساء من الرجال، فأمرهما بالاحتجاب؛ لكونهما كانتا مكشوفتين، ويدل لذلك قول أم سلمة: (أليس هو أعمى؟)؛ أي: لا يبصرنا، ونحن كذلك، ويحتمل أنَّه أمرهما بذلك؛ لأجل أن الخلوة بالمرأة الأجنبية حرام، فالنَّهي إنَّما كان لأجل الخلوة، لا لأجل النَّظر إليه، ويحتمل أن ابن أم مكتوم كان ذا (٣) ثوب واحد مستتر فيه، فخشي ﵇ أن ينظرن إلى عورته، ويحتمل غير ذلك، والدليل إذا طرقه الاحتمالات؛ سقط الاستدلال به، فبقي الحكم؛ وهو حل نظر النساء للرجال بدون شهوة، وهو الصَّواب، وما عداه مكابرة وعناد، والحق أحق أن يتبع. وفي الحديث: دليل على جواز النَّظر إلى اللعب باللهو المباح، بل هذا في الحقيقة طاعة؛ لأنَّه مما ينتفع به في الجهاد وإن كان لعبًا صورة، ولهذا جاز اللعب في المسجد، وقد ترك ﵇ عائشة تنظر إلى لعبهم؛ لتضبط السُّنَة في ذلك، وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين، وتعرفهم بذلك. وفيه: حسن خلقه ﵇، ومعاشرته لأهله، وفضيلة عائشة، وعِظَم منزلتها عنده عليه وعليها السَّلام، والله أعلم. ٤٥٥ - (زاد) ولأبي الوقت: (وزاد) (إبراهيم بن المنذر) : هو ابن عبد الله الأسدي الحزامي؛ نسبة لجده حزام، وقول العجلوني والقسطلاني: الحازمي؛ خطأ ظاهر، كما لا يخفى؛ فاعرفه، (قال: حدثنا) ولأبي الوقت وابن عساكر: (حدثني)؛ بالإفراد، وفي القسطلاني: وفي رواية: (حدثه)، قال العجلوني: هو عليها من الالتفات على رأي السكَّاكي، قلت: لكن لم يعزها لأحد من الرواة، فالظَّاهر أنها تحريف، ولئن صحت؛ فهو من باب التجريد؛ بأن جرد من نفسه شخصًا فخاطبه؛ فافهم، (ابن وهب) : هو عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي مولاهم، المصري، وقول العجلوني: هو عبد الله بن مسلم، خطأ؛ فاجتنبه، (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) : هو ابن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) : هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني (عن عروة) هو ابن الزُّبير بن العوام، (عن عائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهماأنها (قالت: رأيت) أي: أبصرت (النَّبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ﷺ ؛ أي: في المسجد النَّبوي (والحبشة) : هم جنس من السودان (يلعبون بحرابهم) الجار والمجرور مفعول لقوله: (زاد ابن المنذر)؛ وهو فاعل (قال)، يعني: أن رواية إبراهيم بن المنذر مثل رواية صالح بن كيسان لكن بزيادة لفظة: (بحرابهم)، فيحصل بها المطابقة للتَّرجمة. وقال الكرماني: (يحتمل قوله: «زاد إبراهيم» التَّعليق)، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (هو تعليق بلا احتمال، وقد وصله الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر عن يونس) انتهى. وفي هذا دليل على جواز نظر النساء إلى الرجال، ووجوب استتارهنَّ عنهم. وفيه: جواز اللعب بالحراب في المسجد على الوجه الذي ذكرناه، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة؛ أما القرآن؛ فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وأما السنة؛ فحديث واثلة بن الأسقع الذي أخرجه ابن ماجه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم»، ورُدَّ بأنَّ الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادَّعاه، ولا عُرف التاريخ حتى يثبت النَّسخ، انتهى. قال العجلوني: (وقد يقال: إن الحديث بنحو ما رواه البخاري في «التاريخ الأوسط» بلفظ: «جنبوا مساجدنا صبيانكم، ومجانينكم، وشرائكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم،

стр. 639

وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمِّروها في الجُمَع) انتهى. قلت: وهو وإن كان بنحوه، لكنه أيضًا لا يدل على منع لعبهم في المسجد؛ لأنَّ الحديثان ليس فيهما منع اللعب، بل فيهما منع المقاتلة بالسيوف. وزعم ابن حجر عن مالك: (أن لعبهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة فيه، وهذا لا يثبت؛ لأنَّ مالكًا صرح في طرف هذا الحديث بخلافه، وفي بعضها: أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال النَّبي ﵇: «دعهم»، فإن اللعب بالحراب ليس لعبًا مجردًا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو) انتهى. قلت: والظَّاهر أن مذهب مالك منع اللعب بالحراب في المسجد كما يؤخذ من كلام أبي الحسن اللخمي؛ وهو غير صحيح؛ لأنَّ حديث الباب صريح في الجواز، فيكون حجة عليه، وقوله: (إن لعبهم كان خارج المسجد) يرده قول عائشة: (والحبشة يلعبون في المسجد). وزعم ابن حجر أن البخاري قصد بالتَّرجمة أصل الحديث لا خصوص السياق الذي يورده، ولم أقف على طريق يونس من رواية إبراهيم بن المنذر موصولة، انتهى. قلت: وهذا غير صحيح، فإن البخاري قصده الإشارة بالتَّرجمة للسياق الذي يورده؛ لأنَّه يجعله دليلًا على التَّرجمة؛ لأنَّ الحديث وإن كان ليس فيه تصريح بأن لعبهم كان بحرابهم، لكن اللعب لا يكون إلا بالحراب، وساق التَّعليق بعده؛ ليدل على هذا القيد فيكون دليلًا على ترجمته. وقوله: (ولم أقف...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإن من هو أكبر منه -إمام الشَّارحين- قد وقف على وصله عند الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر عن يونس، وعند مسلم عن أبي طاهر عن ابن وهب؛ فافهم، والله أعلم. (٧٠) [باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد] هذا (باب) حكم (ذكر البيع والشراء)؛ أي: الإخبار بوقوعهما من غير كراهة في الخطبة (على المنبر) الكائن (في المسجد)؛ أي: النَّبوي وغيره، بخلاف فعل البيع والشراء، فإنَّه منهي عنه فيه، وليس المراد: أنَّه أوقعهما فيه كما توهمه بعضهم؛ حيث زعم أنَّه لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، كما نبَّه عليه إمام الشَّارحين، فقوله: (على المنبر) : متعلق بقوله: (ذِكرُ)، وقوله: (في المسجد) : صفة للمنبر أو حال منه، وفي رواية تقديم (المسجد) على (المنبر)، وفي رواية أبي ذر: (على المنبر والمسجد)؛ بالواو العاطفة، وعليها فيشكل تعدية (ذكر) بـ (على) بالنسبة للمسجد؛ لأنَّ التقدير يكون: وعلى المسجد، وأجاب إمام الشَّارحين: (بأنه ضمَّنه معنى الاستعلاء؛ عكس قوله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وبأنه يغتفر بالتَّابع ما لا يغتفر في المتبوع، وبأنه من باب قولهم: علفتها تبنًا وماء باردًا؛ فإن تقديره: وسقيتها ماء باردًا؛ لأنَّه لا يعلف بالماء) انتهى بزيادة. وقال المازري: اختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع، انتهى. قلت: فيه نظر، فإن العقد حال الخطبة جائز مع الحرمة عند الإمام الأعظم وأصحابه، وغير صحيح عند مالك ومن تبعه، وأما العقد في المسجد في غير حال الخطبة من غير إحضار السلعة؛ فجائز غير مكروه، وبها؛ مكروه؛ فافهم. وقد خبط هنا العجلوني وخلط، وأطلق في محل التقييد، وغير العبارة، ولم يفهم الإشارة؛ فافهم. [حديث: ابتاعيها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق] ٤٥٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا علي بن عبد الله)، هو المديني ابن جعفر السعدي مولاهم، المدني البصري (قال: حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري، وفي «مسند الحميدي» : (عن سفيان: حدثنا يحيى) (عن عَمْرة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية الموثقة، المتوفاة قبل المئة، ويقال: بعدها، كذا في «التقريب»، قلت: وقد كان ابن المديني يفخم أمرها، وهي إحدى الثقات العلماء، المتوفاة سنة ثمان وتسعين على الأصح، كما قاله الكرماني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄ (قالت) أي: عائشة: (أتتها بريرة)، فاعل (قالت) : يحتمل أن يكون عمرة، ويحتمل أن يكون عائشة، فإن كان عمرة؛ فلا التفات، وإن كان عائشة؛ ففيه التفات من الحاضر إلى الغائب. و (بَرِيْرَة)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الرَّاء الأولى، وفتح الثانية، بينهما تحتية ساكنة، وزعم القرطبي: أن وزنها: «فعيلة»، من البر، ويحتمل أن يكون بمعنى: مفعولة؛ أي: مبرورة؛ كـ (أكيلة السبع)؛ أي: مأكولة، ويحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة؛ كرحيمة؛ بمعنى: راحمة، وهي بنت صفوان، كانت لقوم من الأنصار، أو مولاة لأبي أحمد بن جحش، وقيل: مولاة لبعض بني هلال، وكانت قبطية، وزعم الكرماني: أنها مولاة لعائشة كانت لعتبة بن أبي لهب. قلت: ذكرها الذهبي في «الصَّحابيات» وقال: يقال: إن عبد الملك بن مروان سمع منها، وفي «معجم الطَّبراني» من حديث عبد الملك بن مروان قال: (كنت أجالس بريرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك؛ إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته؛ فاحذر الدنيا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق») انتهى، وعبد الملك اختلف في مولده، فقال خليفة بن خياط: سنة ثلاث، وقال أبو حسان الزيادي: سنة خمس، وقال محمَّد بن سعد: سنة ست وعشرين، وولاه معاوية ﵁ ديوان الخراج (١)، وعمره ست عشرة سنة، فعلى هذا؛ تكون بريرة موجودة بعد سنة أربعين. وقد اختلف في اسم زوج بريرة، ففي الصَّحيح: أنَّه مُغِيْث؛ بِضَمِّ الميم، وكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية، آخره مثلثة، وعند الصريفيني عن العسكري: معتِب؛ بعين مهملة، وكسر المثناة الفوقية، آخره موحَّدة، وعند أبي موسى الأصبهاني: أنَّه مقسم؛ بميم، ثم قاف، ثم سين مهملة، آخره ميم، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». وقال القسطلاني: (بريرة: بعدم الصرف؛ لأنَّه منقول من بريرة؛ واحدة البرير؛ وهو ثمر الأراك، وهي بنت صفوان فيما نقل عن النَّووي في «التهذيب»، قال البلقيني: لم يقله غيره، وفيه نظر) انتهى. (تسألها)؛ أي: تستعطي بريرة عائشة (في كتابتها)؛ أي: في شأنها، والجملة محلها نصب على الحال من (بريرة)، والأصل في السؤال أن يعدَّى بـ (عن)؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ولكن لما كان سؤالها بمعنى: الاستعطاء؛ بمعنى: تستعطيها في أمر كتابتها؛ عُدِّي بكلمة الظرف، ويجوز أن يكون معنى (تسأل) : تستعين بالتضمين، على أنَّ في رواية جاءت

стр. 640

هكذا. والكتابة: لغة: مصدر كتب، من الكَتْب؛ وهو الجمع، ومنه: كتبت القربة إذا خرزتها، وسمي هذا العَقْد كتابة ومكاتبة؛ لأنَّ فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأنَّ فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأنَّ كلًا منهما يكتب الوثيقة، وفي الشرع: تحرير المملوك يدًا في الحال، ورقبة في المآل؛ لأنَّ المكاتب لا يتحرر رقبة إلا إذا أدى المال، وهو بدل الكتابة، وأما في الحال؛ فهو حر من جهة اليد فقط، حتى يكون أحق بكسبه، ويجب على المولى الضمان بالجناية عليه أو على ماله، ولهذا قيل: (المكاتب طار عن ذل العبودية، ولم ينزل في ساحة الحرية، فصار كالنعامة إن استطيرت؛ تباعدت، وإن استحملت؛ تطايرت)، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري». (فقالت)؛ أي: عائشة مخاطبة لبريرة: (إن شئتِ)؛ بكسر التَّاء؛ لأنَّه خطاب المؤنث؛ (أعطيتُ) بلفظ المتكلم (أهلَكِ) بكسر الكاف؛ أي: مواليك، وهو منصوب على أنَّه مفعول أول لـ (أعطيت)، ومفعوله الثاني محذوف وهو ثمنك؛ لدلالة الكلام عليه، كذا قاله إمامنا الشَّارح، (ويكون الوَلاء)؛ بفتح الواو، هو في عرف الفقهاء: تناصر يوجب الإرث والعقل؛ لأنَّ الولاء لغة: النصرة والمحبة، إلا أنَّه اختص في الشرع بولاء العتق والموالاة، واشتقاقه من (الولي) وهو القربوحصول الثاني بعد الأول من غير فصل، انتهى، (لي) أي: لا لأهلك، (وقال أهلها) أي: موالي بريرة لعائشة ﵄: (إن شئتِ) بكسر التَّاء؛ (أعطيتِها)؛ بكسر التَّاء أيضًا؛ أي: بريرة، وهو مقول القول (ما) أي: الذي (بقي) من مال الكتابة في ذمة بريرة. قال إمام الشَّارحين: (ومحل هذه الجملة النصب؛ لأنَّها وقعت مفعولًا ثانيًا لقوله: «أعطيتها»، ومفعوله الأول الضمير المنصوب في «أعطيتها») انتهى. واعترضه العجلوني بأن محل (ما) الموصولة النصب، لا الجملة على الصَّحيح، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ دأب المؤلفين التسامح في مثل هذا في عباراتهم، ومعلوم أن محل الموصول النصب؛ فافهم، وقد يقال أيضًا: إن جمهور النحاة جوزوا أن يكون محل الجملة بتمامها النصب، وقال بعضهم: وهو الأصح، وعلى هذا فالاعتراض غير وارد من أصله؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كم كان مال الكتابة على بريرة؟ قلت: ذكر في باب «الكتابة» من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نُجمت عليها في خمس سنين...»؛ الحديث. فإن قلت: ذكر في باب «سؤال الناس» : كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني، فقال: «خذيها فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، فبين الروايتين تعارض. قلت: هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك، ولأن راوي هذا عن أمه، وهو أعرف بحديث أمه وخالته. وقيل: يحتمل أن تكون هذه الخمسة الأواق التي قد استحقت عليها بالنجوم من جملة التسعة، أو أنها أعطت نجومًا وفَضُلَ عليها خمسة. قلت: هذا يرده ما رواه البخاري في «الشروط في البيع» : «ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا». والأواق: جمع أُوقيَّة؛ بِضَمِّ الهمزة، وتشديد التحتية، والجمع يشدد ويخفف، مثل أثفية وأثافي وأثافٍ، وربما يجيء في الحديث: «وقية» (١)، وليست بالعالية، وهمزتها زائدة، وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، ثم إنها تختلف باختلاف اصطلاح البلاد)، انتهى كلام إمام الشَّارحين. واعترضه العجلوني فزعم أن قوله: (هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك) : كلٌّ منهما متصل، كما يعلم من الوقوف عليه، وعبارته غير محررة، وقوله: (بحديث أمه وخالته)؛ أين الأم والخالة؟ وقوله: (يرده ما رواه...) إلخ؛ لا ينافيه؛ لاحتمال أنها جاءت مرتين، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه، فإن البخاري ذكر في باب (المكاتب ونجومه) تعليقًا عن اللَّيث: حدثني يونس، عن ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: (إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمسة أواق، نُجمت عليها في خمس سنين...)؛ الحديث، ولا ريب أنَّه منقطع، وأن عروة ابن أخت عائشة، فهي خالته، كما لا يخفى، وفي بعضها: عن أسماء؛ وهي أخت عائشة وأم هشام وعروة؛ لأنَّ المؤلف قد ذكر هذا الحديث في أربعة عشر (٢) موضعًا، وقوله: (لا ينافيه...) إلخ؛ ممنوع؛ فإن المنافاة بينهما ظاهرة كما لا يخفى؛ فافهم. والأوقية في ديارنا الشامية: سبعة وستين درهمًا، وكذلك في حلب، إلا أنها في سنة تسع وسبعين صارت في حلب فقط ثمانين درهمًا، وفي المدينة: عشرين درهمًا، والله تعالى أعلم. (وقال سفيان) هو ابن عيينة، أحد الرواة المذكورين في الحديث (مرة) أي: أخرى، فهو موصول غير معلق، وأشار بذلك إلى أن سفيان حدَّث به على وجهين، فمرة قال: (إن شئتِ؛ أعطيتِها ما بقي)، ومرة قال: (إن شئتِ) بكسر التَّاء (أعتقتِها)؛ أي: بدل (أعطيتِها)، والمثناة الفوقية فيهما مكسورة بلا تحتية بعدها على الأفصح، (ويكون الوَلاء) بفتح الواو (لنا) أي: عليها، (فلما جاء رسول الله ﷺ ؛ أي: لحجرة عائشة ﵂؛ (ذكَّرتْهُ) بتشديد الكاف، وسكون التَّاء بعدها هاء؛ أي: النَّبيَّ الأعظم ﷺ (ذلك)؛ أي: الشرط المذكور. وقال إمام الشَّارحين: («ذكرته» يحتمل أربعة وجوه؛ الأول: «ذكَّرته» : بالتشديد، وبالضمير المنصوب، الثاني: «ذكَّرت» : بالتشديد بدون الضمير، والثالث: «ذَكَرت» : على صيغة الماضي للمؤنث الواحدة بالتخفيف بدون الضمير، والرابع: «ذَكَرته» : بالتخفيف والضمير؛ لأنَّ «ذَكَر» بالتخفيف يتعدى؛ يقال: ذَكَرت الشيء بعد النِّسيان، وذَكَرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنًى) انتهى. قلت: ولم يبين الرواية ههنا، لكن الذي يظهر من كلامه وكذا من كلام صاحب «التنقيح» : أن الرواية ههنا: بتشديد الكاف، وبهاء الغيبة للمنصوب، وهو المفهوم من كلام القسطلاني؛ حيث قال: بتشديد الكاف، وسكون تائها (٣)؛ كما في (الفرع) و (أصله)، وقال الكرماني: («ذَكَرتُه»؛ بلفظ التكلم، والمتكلم به عائشة، والراوي نقل لفظها بعينه،

стр. 641

وبالغيبة؛ كأن عائشة جردت من نفسها شخصًا، فحكت عنه، فالأول: حكاية الراوي عن لفظ عائشة، والثاني: حكاية عائشة عن نفسها) انتهى، قلت: ولم يبين وجه الرواية. وقال القسطلاني: («ذَكَّرَتْه»؛ بتشديد الكاف، وسكون التَّاء، كما في «الفرع» و «أصله»، فيكون من كلام الراوي بمعنى ما وقع من عائشة، أو بِضَمِّها مع سكون الرَّاءبلفظ التكلم (١)، ويكون من كلام عائشة) انتهى. وزعم ابن حجر: «ذكَّرته ذلك» : كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك وغيره بلفظ: ذكرت؛ لأنَّ التذكير يستدعي سبق علم بذلك، ولا يتجه تخطئة هذه الرواية؛ لاحتمال السبق على وجه الإجمال، انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين أحد ههنا راوي التشديد، ولا راوي التخفيف، واللَّفظ يحتمل أربعة أوجه...) إلى آخر (٢) ما قدمناه عنه قريبًا، انتهى. واعترضه العجلوني فزعم أن راوي التشديد هنا الجميع، وراوي التخفيف مالك وغيره، وما ذكره من الوجوه، لا داعي إليها، بل لا يصح بعضها، انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لم يعلم الرواية في لفظ (ذكرته)، فمن أين يزعم أن راوي التشديد هنا الجميع؟ لأنَّه لم ينص أحد من الشراح على أنَّ الرواية عند الجميع بالتشديد، غير أن القسطلاني قال: بتشديد الكاف في (الفرع) و (أصله)، وهو لا يدل على أنَّه عند الجميع، وكون راوي التخفيف مالك وغيره؛ كلام من لم يمس شيئًا من المعاني؛ لأنَّه لا يخفى أن رواية مالك وغيره ليست في «الصَّحيح» هنا، بل في غير «الصَّحيح»، فلا داعي لذكرها هنا؛ فافهم، وما زعمه من أنَّه (لا داعي لذكره الوجوه)؛ ممنوع؛ لأنَّه لما كانت (٣) الرواية هنا غير معلومة صريحًا؛ احتاج إلى بيان احتمالات اللَّفظ، وهو أكبر داعٍ لذكرها؛ وكون لا يصح بعضها؛ ممنوع أيضًا، بل هي جميعًا صحيحة، ولم يبين وجه عدم صحة بعضها، ولو كان لها وجه صحيح؛ لذكره، وما هذا إلا من كثرة تعصبه، وشدته في كلامه. وحاصله: أن الأوجه الأربعة صحيحة المعنى سواء كانت الرواية بالتشديد أو بالتخفيف، على أنَّ أمام الشَّارحين قد ذكر وجه كل وجه منها، وهو يدل على صحتها عند أهل المعاني والعرفان، لا عند أهل الغفلة والنِّسيان؛ فافهم. وأشار ابن حجر بقوله: (فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك بالتخفيف) إلى ما قاله الزركشي من أن الصَّواب: (ذكرت له ذلك) انتهى. واعترضه الدماميني فقال: وكأنَّه فهم أن الضمير المنصوب عائد إلى النَّبي ﵇ و (ذلك) مفعول، فاحتاج إلى تقدير الحرف ضرورةَ أنَّ (ذكر) إنَّما يتعدى بنفسه، وليس الأمر كما ظنه، بل الضمير المنصوب عائد إلى الأمر المتقدم، و (ذلك) بدل منه، والمفعول الذي يتعدى إليه هذا الفعل بحرف الجر حذف مع الحرف الجار له؛ لدلالة ما تقدم عليه، فآل الأمر إلى أنَّها قالت: فلمَّا جاء رسول الله ﵇ ذكرت ذلك الأمر له، وليت شعري! ما المانع من حمل هذه الرواية الصَّحيحة على الوجه السائغ، ولا غبار عليه؟! انتهى. واعترضه العجلوني فزعم أنَّه لا يتأتَّى هذا إلا مع التخفيف، مع أن فيه كثرة حذف، وقوله: (ليت شعري...) إلخ، فيه أنَّ الرواية بالتخفيف، على هذا المنوال لم نر أحدًا أثبتها هنا في هذا الموضع، نعم؛ هي رواية مالك المعلقة، ولو جعل (ذكر) المشدد بمعنى المخفف، وأعرب اسم الإشارة بدلًا من الضمير الراجع إلى الأمر؛ لكان وجهًا، انتهى. قلت: وهذا كلام غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (لا يتأتَّى هذا...) إلخ؛ ممنوع، فما المانع من إجرائه في رواية التشديد؟ وقوله: (مع أن فيه كثرة حذف)؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه ليس فيه كثرة حذف، ألا ترى إلى قوله: (فآل الأمر...) إلخ، فأين كثرة الحذف؟ فافهم. وقوله: (فيه أنَّ الرواية...) إلخ؛ ممنوع، بل الرواية على هذا المنوال بالتشديد أيضًا، فكما يجوز توجيه التشديد بذلك، كذلك يجوز توجيه التخفيف. وقوله: (لم نر أحدًا أثبتها...) إلخ؛ ممنوع، فإن إمام الشَّارحين ورئيس المحققين قد أثبتها في الأوجه الأربعة التي ذكرها في «شرحه»، مع أنَّها ثابتة في رواية مالك وغيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثْبِت مقدَّم على النافي. وقوله: (ولو جعل «ذكر» ...) إلخ؛ هذا التوجيه هو عين ما ذكره الدماميني، فكيف يعترض عليه ويذكر مثله، وينسبه لنفسه، ويعتمد عليه؟! وما هو إلا تناقض وعدم معرفة بمعاني الكلام. وحاصله: أنَّ ما زعمه العجلوني بعيد عن النَّظر، وتعصب وعناد؛ فاجتنبه، والله أعلم. (فقال) وقوله (النَّبي) الأعظم ﷺ ثابت عند أبي ذر ساقط عند غيره؛ أي: قال لعائشة: (ابتاعيها) أي: اشتري بريرة، (فأعتقيها) بهمزة القطع في الثاني، والوصل في الأول، (فإنَّ الوَلاء)؛ بفتح الواو مع المد؛ أي: الإرث، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (فإنما الولاء) (لمن أعتق)، وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، واختلفوا فيمن أعتق على أنلا ولاء له؛ وهو المسمى بالسائبة؛ ومذهب الجمهور: أن الشرط باطل، والولاء لمن أعتق، وعند أحمد: أنَّه لم يكن له الولاء عليه، فلو أخذ من ميراثه شيئًا؛ رده في مثله، وقال مالك، ومكحول، وأبو العالية، والزهري، وعمر بن عبد العزيز: يُجعل ولاؤه لجماعة المسلمين؛ كما فعله بعض الصَّحابة، كذا في «عمدة القاري». (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)؛ أي: خطيبًا يوم الجمعة، ولهذا أتى بـ (ثم) التي للتراخي حتى يكون الحكم عامًّا، وكان ﵇ من عادته أنَّه إذا لم يعجبه أمر من أصحابه؛ قام على المنبر خطيبًا، وذكره مبهمًا؛ تطييبًا لخاطرهم، فمن كان فعل شيئًا منه؛ انتهى عنه ورجع. (وقال سفيان) هو ابن عيينة أحد الرواة المذكورين في الحديث (مرة: فصعِد) بكسر العين المهملة، وقد تفتح بِقلَّة؛ أي: بدل (قام) (رسول الله ﷺ على المنبر)؛ أي: خطيبًا، وأراد أنَّه روي بوجهين مرة قال: (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر)، ومرة قال: (فصعد رسول الله ﷺ على المنبر)؛ يعني: أنَّه روي عنه اللَّفظان في مرتين، وذكر في باب (الشراء والبيع

стр. 642

مع النَّساء) : قال لي النَّبي ﷺ : «اشتري وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام من العشيِّ، فأثنى على الله بما هو أهله...»؛ الحديث (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في خطبته: (ما بال أقوام)؛ أي: ما حالهم وشأنهم، وفي باب (الشراء والبيع مع النَّساء) : «ما بال أناس»، وإنَّما لم يصرح ﵇ بالقائل؛ لأنَّه من خلقه العظيم؛ لأنَّه لا يواجه شخصًا معينًا بمكروه، ولا يذكره بين الناس بشيء لا يوافق الشرع، بل يأتي بلفظ مبهم، فصاحب الأمر يفهم ذلك ويرتدع عنه، (يشترطون شروطًا) جمع شرط؛ أي: في عقودهم وبيعهم وشرائهم (ليس) التذكير باعتبار جنس الشرط، أو باعتبار المذكور، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال الكرماني: (التذكير باعتبار الاشتراط)، قال إمام الشَّارحين: وفيه نظر لا يخفى، انتهى، قلت: وهو كذلك لأنَّ الاشتراط قول غير مذكور، فلا يصح عليه المعنى؛ فافهم، وفي رواية الأصيلي: (ليست) بالتأنيث؛ أي: الشروط (في كتاب الله) ولا في سنة رسوله، فأجاب ﵇ عن ذلك بقوله: (من اشترط) أي: من الناس (شرطًا) في بيعه أو شرائه (ليس) أي: الشرط (في كتاب الله) ولا في سنة رسوله ﵇؛ (فليس) أي: ذلك الشرط (له) أي: لا يستحقه (وإن) وصلية (اشترط) في عقده (مئة مرة)، وعند المؤلف في باب (الشراء والبيع مع النَّساء) : «وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أحق وأوثق»، وكذا في رواية ابن ماجه، وذكر (المئة) للمبالغة في الكثرة، لا أنَّ (١) هذا العدد بعينه هو المراد، قاله إمام الشَّارحين. وزعم ابن حجر أنَّ لفظ (المئة) للمبالغة، فلا مفهوم له، وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (لم يدر هذا القائل أنَّ مفهوم اللَّفظ في اللُّغة هو معناه، وعلى قوله؛ يكون هذا اللَّفظ مهملًا، وليس كذلك، وإن كان قال ذلك على رأي الأصوليين؛ حيث فَرَّقوا بين مفهوم اللَّفظ ومنطوقه، فهذا الموضع ليس محله) انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: يحتمل أن يريد بـ «كتاب الله» : حكم الله، ويراد بذلك: نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإنَّ الشريعة كلها في كتاب الله إما بغير واسطة كالمنصوصات في القرآن من الأحكام، وإما بواسطة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، و ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] انتهى. وقال الخطابي: (ليس المراد: أنَّ ما لم ينص عليه في كتاب الله باطل، فإن لفظ «الولاء لمن أعتق» -أي: مثلًا- من قوله ﵇، لكنَّ الأمر بطاعته في كتاب الله، فجاز إضافته إلى الكتاب)، واعتُرض بأن ذلك لو جاز؛ لجازت إضافة ما اقتضاه كلامه ﵇ إليه، ورُدَّ بأنَّ الإضافة إنَّما هي بطريق العموم، وهذا بناء على أنَّ المراد بكتاب الله تعالى: القرآن، نظير قول ابن مسعود لأم يعقوب في الواشمة: (مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﵇، وهو في كتاب الله بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾). وأجاب إمام الشَّارحين: بأنه يحتمل أن يكون المراد بكتاب الله: حكم اللهسواء ذكر في القرآن أو السنة، أو المراد من الكتاب: المكتوب، يعني: المكتوب في اللوح المحفوظ، انتهى. قلت: وهذا الجواب هو الصَّواب، ولهذا اقتصر عليه القسطلاني وغيره من الشراح؛ فافهم. قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُعلم من قوله ﵇: «ما بال أقوام يشترطون...» إلى آخره؛ لأنَّه ﵇ ذكر هذا عقيب قضية مشتملة على بيع وشراء، وعتق وولاء؛ لأنَّه ﵇ لمَّا قال: «ابتاعيها فأعتقيها، فإنَّ الولاء لمن أعتق» قبل صعوده المنبر؛ دلَّ على حكم هذه الأشياء، ثم لمَّا قال على المنبر: «ما بال أقوام...» إلى آخره؛ أشار به إلى القضية التي وقعت، فكأنَّ إشارته به إليها كوقوعها على المنبر في المسجد، وهذا هو الوجه، لا ما ذكره أكثر الشراح بما تنفر عنه الطباع وتمج عنه الأسماع، وسيعلم ذلك من يقف عليه) انتهى، قلت: وأشار بهذا إلى ما زعمه ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد قام وقعد، وخلط وخبط، وقال ولا يدري ما يقول، من فهمه السقيم وذهنه الفاتر العميم؛ فافهم ذلك. وفي الحديث أحكام ذكرها إمامنا الشَّارح: الأول: فيه دليل على جواز الكتابة، فإنْ كاتب رجلٌ عبده أو أمته على ما شرط عليه، وقَبِلَ العبد ذلك؛ صار مكاتبًا، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ودلالة هذا على مشروعية العقد لا تخفى على عارفٍ بلسان العرب سواء كان الأمر للوجوب أو لغيره، وهذا ليس أمر إيجاب بإجماع بين الفقهاء، سوى ما ذهب إليه داود الظَّاهري ومن تبعه، وروي نحوه عن عمرو بن دينار، وعطاء، وأحمد في رواية، والشَّافعي في رواية. فإن قلت: ظاهر الأمر للوجوب، كما ذهب إليه هؤلاء. قلت: هذا في الأمر المطلق المجرد عن القرائن، وأما ههنا؛ فالأمر مقيد بقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وهو قرينة صارفة عن الوجوب، فيكون الأمر للندب. وذهب بعض أصحابنا إلى أنَّه أمر إباحة، وفيه نظر؛ لأنَّ الحمل على الإباحة إلغاء الشرط؛ لأنَّه مباح بدونه بالاتفاق، وكلامه تعالى منزَّه عن ذلك. والمراد بالخير المذكور: ألا يضر المسلمين بعد العتق، فإن يضرهم؛ فالأفضل ألَّا يكاتبه وإن كان يصح، وعن ابن عبَّاس وابن عمر وعطاء: الخير: الكسب خاصة، وعن الثَّوري والحسن: أنه الأمانة والدِّين خاصة، وقيل: هو الوفاء والصلاح، وإذا فقد الأمانة والكسب؛ لا يكره عندنا، وبه قال مالك والشَّافعي، وقال أحمد وإسحاق وابن القطان من الشَّافعية: يكره. ولا يعتق المكاتب إلا بأداء الكلِّ عند الجمهور؛ لما رواه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبي الأعظم ﷺ أنَّه قال: «المكاتب عبد ما بقي من كتابته درهم»، وروى الشَّافعي في «مسنده» : أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن زيد بن ثابت قالفي المكاتب: (هو عبد ما بقي عليه درهم)، واختاره لمذهبه، وهو مذهب أئمتنا الأعلام، وفيه اختلاف الصَّحابة، ومذهب ابن عبَّاس: أنَّه يعتق كما أخذ الصحيفة من مولاه؛ يعني: يعتق بنفس العقد، وهو غريم المولى بما عليه من بدل الكتابة، ومذهب ابن مسعود: أنَّه يعتق إذا أدى قيمة نفسه، ومذهب زيد: ما ذكرناه وإنما اختاره الأربعة؛ لأنَّه مؤيد بالحديث المذكور، انتهى. قلت: بقي على الشَّافعي أنَّ ما رواه لا ينهض دليلًا لمذهبه؛ لأنَّ في سنده ابن أبي نجيح؛ وهو ضعيف، ولأنَّه موقوف؛ وهو لا يحتج به؛ فافهم. الثاني من الأحكام: جواز تزويج الأمة المزوجة؛ لأنَّ بريرة كانت مزوجة، وقد ذكرنا اسمه والاختلاف فيه. فإن قلت: كان زوجها حرًّا أو عبدًا؟ قلت: في رواية البخاري عن ابن عبَّاس قال: (رأيته عبدًا-يعني: زوج بريرة- كأنَّي أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النَّبي الأعظم ﷺ لعمه العبَّاس: «ألا تعجب من حب (٢) مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا؟!» فقال ﵇: «لو راجعْتِه»، قالت: يا رسول الله؛ تأمرني، قال: «إنما أنا شافع»، قالت: فلا حاجة لي فيه). فإن قلت: ذكر في (الفرائض) : (قال الحَكَم: كان زوجها حرًّا)، قلت: وقول الحكم مرسل، وذكر في (ميراث السائبة) : قال الأسود: (وكان زوجها حرًّا)، قال: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس أصح، وفي «مسلم» أيضًا عن عبد الرحمن: (وكان زوجها عبدًا). الثالث من الأحكام: فيه دليل على تنجم الكتابة؛ لقولها: (كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية). وقال الشيخ تقي الدين: وليس فيه تعرض للكتابة (٣) الحالَّة فنتكلم عليه،

стр. 643

قلت: يجوز عند أصحابنا الأعلام أن يشترط المال حالًّا ومنجَّمًا؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوَهُمْ﴾ من غير شرط التنجيم والتأجيل، فلا يزاد على النصِّ بالرأي، وبه قال مالك، وفي «الجواهر» قال أبو بكر: ظاهر قول مالك: أنَّ التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: وعلماؤنا النظار يقولون: إنَّ الكتابة الحالَّة جائزة، ويسمونها قطاعة، وهو القياس، وقال الشَّافعي: لا تجوز الكتابة حالًّا، ولابد من نجمين، وبه قال أحمد في رواية، وأخرى عنه؛ كما ذهب إليه أئمتنا الأعلام، وهو الصَّواب. الرابع من الأحكام: اشتراط الولاء للبائع، هل يفسد العقد؟ فيه خلاف، وظاهر الحديث يدل على أنَّه لا يفسده؛ لما قال في الحديث المذكور: «واشترطي لهم الولاء»، ولا يأذن النَّبي الأعظم ﷺ في عقد باطل، وقال الشيخ تقي الدين: إذا قلنا: إنَّه صحيح: فهل يصح الشرط؟ فيه خلاف عند الشَّافعي، والقول ببطلانه موافق للحديث، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين. فإن قلت: كيف يأذن النَّبي الأعظم ﷺ في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط ويُقدم البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟ قلت: أجيب عنه بأجوبة: الأول: ما قاله الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: وهو أنَّه لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام، فأما من سواه، وهو اللَّيث بن سعد وعمرو بن الحارث؛ فإنَّهما رويا عن هشام أن (١) السؤال لولاء بريرة إنَّما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم، فقال ﷺ : «لا يمنعك ذلك عنها، ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق»، وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام: «خذيها واشرطي، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، مع أنَّه يحتمل أن يكون معنى (اشرطي) : أظهري؛ لأنَّ الاشتراط في كلام العرب: الإظهار، ومنه قول أوس بن حجر: فأشرط فيها نفسه وهو مُعصم... . . . . . . . . . . . . . أي: أظهر نفسه، أي: أظهري الولاء الذي يوجبه إعتاقك أنَّه لمن يكون العتاق منه دون من سواه. الثاني: أن معنى (اشترطي لهم)؛ أي: عليهم، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، قيل: فيه نظر؛ لأنَّ سياق الحديث وكثيرًا من ألفاظه ينفيه، ورُدَّ بأنَّ القرينة الحالية تدل على هذا مع أن مجيء اللَّام بمعنى (على) كثير في القرآن، والحديث، والأشعار، كما لا يخفى. الثالث: أنَّه على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النَّهي، كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ [الإسراء: ٦٤]، ألا ترى أنَّه ﵇ صعد المنبر وخطب، وقال: (ما بال أقوام...) إلى آخره. الرابع: أنَّه ﵇ قد كان أخبرهم بأنَّ الولاء لمن أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فوَرَد هذا اللَّفظ على سبيل الزجر، والتوبيخ، والتنكير؛ لمخالفتهم الحكم الشرعي. الخامس: أنَّ إبطال هذا الشرط عقوبة ونكال؛ لمعاندتهم في الأمر الشرعي فصار هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل من الميراث، وكان ﵇ بيَّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما لحُّوا وعاندوا؛ أبطل شرطهم. السَّادس: أنَّ هذا خاص بهذه القضية، لا عام في سائر الصور، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط: المبالغة في زجرهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج. وقال القاضي عياض: (المشكل في هذا الحديث: ما وقع في طريق هشام ههنا، وهو قوله ﵇: «اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء»، فكيف أمرها ﵇ بهذا وفيه عقد بيع على شرط؛ وهو لا يجوز وتغرير (٢) بالبائعين إذا شرط لهم ما لا يصح؟ ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس؛ أنكر هذا الحديث أصلًا، وحكي ذلك عن يحيى بن أكتم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللَّفظة، وهذا الذي شجع يحيى على إنكارها) انتهى. الخامس من الأحكام: ما زعمه الخطابي أنَّ فيه دليلًا على جواز بيع المكاتب رضي به أو لم يرض، عجز عن أداء نجومه أو لم يعجز، أدى بعض النجوم أم لا، وقال الشيخ تقي الدين: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والفرق بين أن يُشتَرى للعتق؛ فيجوز، أو للاستخدام؛ فلا يجوز، أما من أجاز بيعه؛ فاستدل بهذا الحديث، فإنَّه ثبت أنَّ بريرة كانت مكاتبة، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية، وقال أبو حنيفة والشَّافعي ومالك في رواية: لا يجوز بيعه، وهو قول ابن مسعود وربيعة، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه: أنَّه لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبًا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته (٣) بحال، وهو قول الشَّافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: يجوز بيعه، وقال النَّووي: (قال بعض العلماء يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام) انتهى. السَّادس من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه جواز بيع الرقبة بشرط العتق؛ لأنَّ القوم قد تنازعوا الولاء، ولا يكون الولاء إلا بعد العتق، فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع. واعترضه إمامنا الشَّارح فقال: إذا اشترط البائع على المبتاع إيقاع معنًى من معاني البر، فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل، كالعتق المعجل؛ فذلك جائز عند الشَّافعي، وغير جائز عند الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁. فإن امتنع البائع من إنفاذ العتق؛ فقال أشهب: يجبر على العتق، وقال ابن كنانة: لو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك ويعتق عليه، وقال ابن القاسم: إن كان اشتراه على إيجاب العتق؛ فهو حر، وإن اشتراه من غير إيجاب عتق؛ لم يجبر على عتقه، والإيجاب: أن يقول: [إن] اشتريته منك؛ فهو حر، وإن لم يقل ذلك وإنما اشترط أن يستأنف عتقه (٤) بعد كمال ملكه؛ فليس بإيجاب، وقال الشَّافعي: (البيع فاسد، ويمضي العتق اتباعًا للسنة)، وروي عنه: (البيع جائز والشرط باطل)، وروى المزني عنه: (لا يجوز تصرف المشتري بحال في البيع الفاسد)، وهو قول الإمام الأعظم وأصحابه ﵃، واستحسن الإمام الأعظم والإمام محمَّد بن الحسن أن يجيز له العتق، ويجعل عليه الثمن، وإن مات قبل أن يعتقه؛ كانت عليه القيمة، وقال الإمام أبو يوسف: (العتق جائز وعليه القيمة). والحجة القوية للإمام الأعظم في هذا الباب وأمثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النَّبي الأعظم ﷺ : (نهى عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيعة)، وعنه أيضًا: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، أخرجه الأربعة والطَّحاوي بأسانيد صحاح، وفسروا قوله ﵇: (وعن شرطين في بيع)؛ بأن البيع في نفسه شرط، فإذا شرط فيه شرط آخر؛ فقد

стр. 644

صار شرطين. وقول الخطابي: (فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع)؛ لا دليل له فيه ظاهرًا، والحكم به على جواز البيع بالشرط غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لظاهر الحديث الصَّحيح؛ فليحفظ. السَّابع من الأحكام: ما زعمه الخطابي أيضًا: فيه أنَّه ليس كل شرط يشترط في بيع كان قادحًا في أصله ومفسدًا له، وأن معنى ما وَرَد من النَّهي عن بيع وشرط منصرف إلى بعض البيوع وإلى نوع من الشروط، وقال القاضي عياض: (الشروط المقارنة للبيع ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون من مقتضى العقد؛ كالتسليم وجواز التصرف في البيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه؛ لأنَّه يقضى به وإن لم يشترط، والثاني: ألا يكون من مقتضاه، لكنها من مصلحته؛ كالحيل، والرهن، واشتراط الخيار، فهذا أيضًا يجوز اشتراطه؛ لأنَّه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه، الثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود، بل يمنع من مقتضى العقد، أو يوقع فيه غررًا (١) أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة، وهذا موضع اضطراب العلماء) انتهى. قال إمام الشَّارحين: وعند أصحابنا الأعلام البيع بالشرط على ثلاثة أوجه: الأول: البيع والشرط كلاهما جائزان، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: أنَّ كل شرط يقتضيه العقد ويلائمه؛ فلا يفسده؛ بأن اشترى أمة بشرط أن تخدمه أو يغشاها، أو دابة بشرط أن يركبها، ونحو ذلك، النوع الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، ولكنه يلائمه بأن شرط أن يرهنه بالثمن رهنًا وسماه، أو يعطيه كفيلًا وسماه، والكفيل حاضر، فقبله، وكذلك الحوالة؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر رحمه الله تعالى، النوع الثالث: كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولكن وَرَد الشرع بجوازه؛ كالخيار والأجل، أو لم يرد الشرع به ولكنه متعارف متعامل بين الناس به؛ بأن اشترى نعلًا على أنْ يحذوه البائع أو قلنسوة بشرط أن يبطنها؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر ﵁. الوجه الثاني: البيع والشرط (٢) كلاهما فاسدان، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه؛ بأن اشترى حنطة على أنْ يطحنها البائع، أو عبدًا على ألا يبيعه، وكذا على ألا يعتقه، خلافًا للشافعي فيه، فإن أعتقه ضَمِنَ الثمن استحسانًا عند الإمام الأعظم، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن: عليه قيمته. الوجه الثالث: البيع جائز والشرط باطل، وهو على ثلاثة أنواع؛ الأول: كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة، بل فيه مضرة؛ بأن باع ثوبًا أو دابة بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، أو طعامًا بشرط ألا يأكل منه ولا يبيعه (٣)؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، وليس فيه منفعة ولا مضرة لأحد؛ بأن باع طعامًا بشرط أن يأكله؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثالث: كل شرط يوجب منفعة لغير المتعاقدين والمبيع؛ نحو: البيع بشرط أن يقرض أجنبيًّا؛ لا يفسد البيع، انتهى. الثامن من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه دليل على أنَّه لا ولاء لمن أسلم على يديه ولا لمن حالف إنسانًا على المناصرة، وقال الشيخ تقي الدين: فيه حصر الولاء للمعتق فيقتضي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة، وبإسلام الرجل على يدي الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين الفقهاء، ومذهب الشَّافعي: لا ولاء في شيء منها؛ للحديث، انتهى. قال إمام الشَّارحين: الولاء عند أصحابنا الأعلام نوعان؛ أحدهما: ولاء العتاقة، والآخر: ولاء الموالاة، وقد كانت العرب تتناصر بأشياء؛ بالقرابة، والصداقة، والحلف، والمؤاخاة، والعصبة، وولاء العتاقة، وولاء الموالاة، وقد قرر النَّبي الأعظم ﷺ تناصرهم بالولاء بنوعيه؛ وهما: العتاقة وولاء الموالاة، وقال ﵇: «إنَّ مولى القوم منهم وحليفهم منهم»، رواه أربعة من الصَّحابةرضي الله عنهم، فالإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» من حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مولى القوم منهم، وابن أختهم منهم، وحليفهم منهم»، والبزار في «سننه» من حديث أبي هريرة عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «حليف القوم منهم، وابن أختهم منهم»، والدارمي في «مسنده» من حديث عمرو بن عوف: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ابن أخت القوم منهم، وحليف القوم منهم»، والطَّبراني في «معجمه» من حديث عتبة بن غزوان عن النَّبي الأعظم ﷺ ؛ نحوه، والمراد بالحليف: مولى الموالاة (٤)؛ لأنَّهم كانوا يؤكدون الموالاة (٥) بالحلف، انتهى. قلت: وهذه الأحاديث صحيحة الأسانيد، وهي حجة على الشَّافعي وغيره ممن (٦) منع ذلك؛ فافهم. التاسع من الأحكام: ما قاله إمامنا الشَّارح: فيه أنَّه يستحب للإمام عند وقوع بدعة أن يخطب الناس، ويبين لهم حكم ذلك وينكر عليهم، كما فعل النَّبي الأعظم ﷺ . العاشر من الأحكام: فيه أنَّه يستحب للإمام أن يحسن العشرة مع رعيته، ألا ترى أنَّه ﵇ لما خطب الناس؛ لم يواجه صاحب الشرط بعينه؛ لأنَّ المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشهرة عليه. الحادي عشر: فيه المبالغة في إزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه. الثاني عشر: فيه جواز كتابة الأمَة دون زوجها. الثالث عشر: فيه أنَّ زوج (٧) الأمة ليس له منعها من السعي في كتابتها. وقال أبو عمرو: لو استدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها؛ كان حسنًا، انتهى، قلت: ليس هذا بحسن أصلًا، فإن الحسن ما استحسنه الشَّارع، وقد فرض الخدمة داخل الدار على الزوجة، وخارج الدار على الزوج، وهو حكمة بالغة من الشَّارع وحس عظيم؛ فافهم. الرابع عشر: فيه دليل على أنَّ العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها، وفراقها له، كما أنَّ لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه، وكذلك له أن يبيعها من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده. الخامس عشر: فيه دليل على أنَّ بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها؛ لأنَّ العلماء قد اجتمعوا -ولم يُختلف في تلك الأحاديث أيضًا-: أن بريرة كانت حين اشترتها عائشة ذات زوج، وإنما اختلفوا في زوجها هل كان حرًّا أو عبدًا؟ وقد أجمع علماء المسلمين على أنَّ الأمة إذا أُعتقَتْ وزوجها عبد أنَّها تُخير، واختلفوا إن كان زوجها حرًّا هل تخير أم لا؟ السَّادس عشر: فيه دليل على جواز أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس؛ لترك النَّبي الأعظم ﷺ زجرها عن مسألة عائشة؛ لأنَّها كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس، وقال: يطعمني أوساخ الناس. السَّابع عشر: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة؛ لأنَّها إذا خيرت فاختارته؛ بقيت معه وهو عبد وهي حرة.

стр. 645

الثامن عشر: قالوا: فيه دليل على ثبوت الولاء في سائر وجوه (١) العتق؛ كالكتابة والتَّعليق بالصِّفة وغيرها. التاسع عشر: فيه دليل على قبول خبر العبد والأمة؛ لأنَّ بريرة أخبرت أنَّها مكاتبة، فأجابتها عائشة بما أجابت، انتهى. (قال علي) هو ابن عبد الله المديني شيخ البخاري: (قال يحيى) هو ابن سعيد القطان (وعبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد الثقفي وهو معطوف على يحيى، وفي رواية ابن عساكر: (قال أبو عبد الله -يعني: البخاري- قال: يحيى وعبد الوهاب)، وعليها فيكون معلقًا، وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمَّد بن بشار عنهما، (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري، (عن عمرة)؛ أي: المذكورة في السند السَّابق زاد الأصيلي: (نحوه)؛ يعني: نحو رواية مالك من صورة الإرسال، وعدم ذكر (المنبر) و (عائشة)، (وقال جعفر بن عَون) بالنُّون آخره قبلها واو ساكنة، وعين مفتوحة مهملة، مما وصله النسائي والإسماعيلي، (عن يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري (قال: سمعت عمرة قالت: سمعت عائشة)، ففي هذا الطريق التصريح بسماع كل من يحيى وعمرة، فأُمِنَ بذلك الإرسال بخلاف السَّابق، فإنَّه بالعنعنة مع إسقاط عائشة، وإنما أفرد المؤلف رواية سفيان؛ لمطابقتها للتَّرجمة بذكر المنبر فيها، ويؤيده أنَّ التَّعليق عن مالك متأخر في رواية كريمة عن طريق جعفر بن عون؛ فافهم، وتمامه في «عمدة القاري». (رواه) ولأبي ذر، والأصيلي: (ورواه) بالواو؛ أي: حديث الباب، وهذه رواية (الفرع) وفي رواية تقديمه عن قوله: (قال علي) (مالك) : هو ابن أنس الأصبحي، فيما وصله المؤلف في باب المكاتب، (عن يحيى) هو ابن سعيد، (عن عمرة) هي بنت عبد الرحمن المذكورة: (أن بريرة)؛ يعني: فذكر الحديث، لكنه لم يسنده إلى عائشة، (ولم يذكر) مالك فيه قوله: (فصعد المنبر)، وفي رواية: (ولم يذكر صعد على المنبر)، فصورة سياقه الإرسال، وقد وصله النسائي والإسماعيلي من رواية جعفر بن عون، وفيه عن عائشة قالت: (أتتني بريرة...)؛ فذكر الحديث، وليس فيه ذكر المنبر أيضًا، والله تعالى أعلم. (٧١) [باب التقاضي والملازمة في المسجد] هذا (باب) بيان حكم (التقاضي) بالضَّاد المعجمة؛ أي: مطالبة الغريم بقضاء الدَّين (و) حكم (الملازمة)؛ أي: ملازمة الغريم في طلب الدَّين، وقوله: (في المسجد) متعلق بـ (التقاضي)، وبـ (الملازمة) أيضًا بالتقدير؛ لأنَّه معطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين، قلت: فهو على سبيل التنازع أو حذف من الأول بناء على ما اختاره البصريون، والألف واللَّام في (المسجد) للجنس، فيشمل كل مسجد من مساجد المسلمين، وجوَّز العجلوني أن يكون (في المسجد) حال من التقاضي ومن الملازمة، قلت: الأول أظهر كما لا يخفى؛ فافهم. [حديث: ضع من دينك هذا] ٤٥٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولابن عساكر: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمَّد) هو ابن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري، المعروف بالمسندي، المتوفى يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومئتين (قال: حدثنا عثمان بن عُمر)؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن فارس البصري العبدي (قال: أخبرنا يونس) هو ابن يزيد الأيلي، (عن الزهري) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب المدني، (عن عبد الله بن كعب بن مالك) هو الأنصاري السلمي المدني (عن كعب)؛ أي: أبيه ابن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...﴾ الآية [التوبة: ١١٨]، المتوفى بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عمي ﵃: (أنه) بفتح الهمزة؛ أي: كعبًا (تقاضى)؛ بالضَّاد المعجمة؛ أي: طالب، وهو على وزن (تفاعل)، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قاله الشَّارح، وقوله: (ابنَ أبي حدرد) بنصب (الابن) مفعول لـ (تقاضى)؛ لأنَّه متعد إلى مفعول واحد وهو الابن، قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان (تفاعل) من (فاعل) المتعدي إلى مفعول واحد كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد، انتهى، قلت: فقد أطلق الكرماني في محل التقييد، والمراد: الثاني، كما لا يخفى. وقوله: (دينًا) : منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين؛ قاله الكرماني. قال الشَّارح: إنَّما وُجِّه بهذا؛ لأنَّا قلنا أن (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، انتهى. قلت: وعلى هذا فليس (دينًا) منصوب بـ (تقاضى)؛ لأنَّ (تقاضى) مطاوع (قاضى) المتعدي إلى اثنينن فيتعدى لواحد، وقول «القاموس» : من تقاضاه الدين؛ بمعنى: أقبضه لا طالبه، كما ذكره المؤلف في باب (الصلح). وقول العجلوني: (ويجوز أن يكون بمعنى: سأله الدين، فيصح أن ينصب مفعولين)؛ ممنوع؛ لأنَّ اللَّفظ يرده، فإن المقاضاة غير السؤال، كما لا يخفى. واسم أبي حدرد: عبد الله بن سلامة، كما صرح به البخاري في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما بعدها، توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة، وقال الذهبي: عبد الله بن سلامة بن عُمَيْر؛ هو عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي، أُمِّر على غير سرية، وحروف (حَدْرَد) كلها مهملات، والحاء والرَّاء مفتوحتان، والدَّال ساكنة، وقال الجوهري: حدرد: اسم رجل، ولم يأت من الأسماء على «فعلع»؛ بتكرار العين غيره، كذا في «عمدة القاري»، قلت: وهو في الأصل: القصير، ثم جعل عَلمًا؛ فافهم. وقوله: (كان له عليه) : جملة محلها النصب صفة لقوله: (دينًا)؛ أي: كان لكعب على ابن أبي حدرد، وكان الدين أوقيتين، كما أخرجه الطَّبراني من طريق الزهري عن كعب: أنَّه ﵇ مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له ﵇: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه»، (في المسجد)؛ أي: الشريف النَّبوي، والجار والمجرور متعلق بـ (تقاضى)، قاله الشَّارح، قلت: فالألف واللَّام فيه للعهد. وجوز العجلوني أن يكون الجار والمجرور حال من فاعله أو مفعوله أو منهما، انتهى. قلت: الأول أظهر؛ لأنَّ ذلك صفة لازمة سيق به؛ لأجل مطابقته للتَّرجمة، أما الحال؛ فصفة غير لازمة، فكونه حالًا هنا غير ظاهر، والأظهر الأول كما لا يخفى؛ فافهم. (فارتفعت)؛ أي: عَلَتْ عن الأصل (أصواتهما) بالجمع، وهو فيه من قبيل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله إمامنا الشَّارح (حتى سمعهما)؛ أي: الرجلين باعتبار الأصوات

стр. 646

أو باعتبار الصوتين نظرًا إلى أنَّه المراد، ويدل عليه أنَّه عند أبي ذر والأصيلي في روايتهما: (حتى سمعها)؛ أي: الأصوات (رسول الله ﷺ ، وقوله: (وهو) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (في بيته) جملة اسمية في محل نصب على الحال من رسول الله ﵇، (فخرج) أي: النَّبي الأعظم ﵇ من بيته (إليهما)؛ أي: إلى الرجلين؛ ليفصل بينهما، والفاء للتعقيب، وفي رواية الأعرج: (فمر بهما النَّبي الأعظم ﷺ . قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين؛ لأنَّ الخروج غير المرور؟ قلت: وفَّق قوم بينهما بأنَّه يحتمل أن يكون مرَّ بهما أولًا، ثم إنَّ كعبًا لما أشخص خصمه للمحاكمة فتخاصما، وارتفعت أصواتهما، فسمعها ﵇، وهو في بيته فخرج إليهما). واعترضه ابن حجر فزعم أن فيه بعدًا؛ لأنَّ في الطريقين أنَّه ﵇ أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدم؛ لما احتاج إلى الإعادة، والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: وقوله: «وفيه بعد» الذي استبعد هذا فقد أبعد؛ لأنَّ إعادة ذلك قد تكون للتأكيد؛ لأنَّ الوضيعة أمر مندوب، والتأكيد بها مطلوب. وقوله: «والأولى...» إلخ؛ إن أراد بالأمر المعنوي: الخروج؛ ففيه إخراج اللَّفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة، والأولى أن يكون اللَّفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنَّه ﵇ لما سمع أصواتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، والأحاديث يُفسر بعضها بعضًا، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة، وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: (أنه ﵇ مر به، وهو ملازم رجلًا (١) في أوقيتين، فقال له ﵇: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أدِّ إليه ما بقي من حقه») انتهى. قلت: وهذا هو الصَّواب، وما زعمه ابن حجر باطل ممنوع. وقوله: (فيه بُعد)؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر الإشارة إلى كعب بالوضعية في الطريقين ألا يكون ﵇ مر بهما، مع أنَّه قد ثبت في رواية الطَّبراني: (أنه ﵇ مر بهما) كما ساقها إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، وإعادته ﵇ الأمر له بالوضيعة ظنًّا منه ﵇ باحتمال عدم الوضع؛ لأنَّ الأمر فيه للندب، فأعاده؛ للتأكيد ولخوف الغفلة والنِّسيان. وقوله: (والأولى...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يبين ما معنى هذا الأمر المعنوي؟ وكيف يحمل عليه واللَّفظ في الأحاديث صريح في المعنى الحقيقي؟! فالحمل عليه متعين؛ لأنَّه لا يعدل عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، وههنا يتعين الحمل على الحقيقي، والحمل على المعنوي هنا مخالف لصريح لفظ الأحاديث، فلا يعول عليه مع أن معناه غير ظاهر؛ فافهم. وزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم معترضًا على إمام الشَّارحين فقال: (أقول: لا شك في استبعاده، واحتمال التأكيد خلاف الأصل، ومراده «والأولى...» إلى آخره؛ أي: من هذا الوجه المستبعد، وإن كان الأولى منهما بقاء اللَّفظ على حقيقته) انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، بل الصَّواب أنَّه غير بعيد عن الأفهام، والمعنى الصَّحيح الموافق للأحاديث هو ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه لم يُخلَّ بمعنًى من المعاني ويلزم على ما ذكره الزاعم فوت بعض معاني الأحاديث بدون فائدة، وكلامه ﵇ مصان ومنزه عن عدم الفائدة. وقوله: (واحتمال التأكيد...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ التأكيد ههنا لازم؛ حيث إنَّ الأمر المذكور للندب لا للفرضية، فلو كان الأمر فرضًا؛ لا يلزم التأكيد، لكن لما كان الأمر فيه للندب؛ كان التأكيد فيه لازمًا، لاسيما أنَّه ﵇ قد ظنَّ أنَّه نسي أو غفل بسبب المخاصمة، فأعاده؛ لأجل التأكيد والتذكير وغير ذلك مما يفيد إتيانه بالوضيعة. وقوله: (ومراده...) إلخ؛ هذا تَنزُّلٌ منه، والمحققون قالوا: لا يجوز العدول عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا، فالحمل على المعنى الحقيقي ههنا متعين؛ لأنَّه الأصل في الكلام، والمعنى عليه في الروايات، وعلى ما زعمه الزاعم؛ يلزم منه الخلل في المعاني والألفاظ، وخلو الأحاديث عن المعنى، وهو غير جائز؛ فاجتنب ذلك ولا تكن من الغافلين، والله أعلم؛ فافهم. (حتى كَشَفَ)؛ بفتحات؛ أي: رفع (سِجْف)؛ بكسر السين المهملة وفتحها، بعدها جيم ساكنة وفاء، قاله إمام الشَّارحين، قلت: وظاهره أن الكسر والفتح سواء، وزعم ابن حجر أنَّه بكسر السين، وقد تفتح فجعل الفتح أقل من الكسر، وهو مخالف لما في «القاموس»؛ لأنَّه قال: السَّجفويكسر، وككِتَاب، وهو صريح في أن الكسر مساوي للفتح أو أقل من الفتح، وهو يَرد ما زعمه ابن حجر، ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين، أي: ستر (حُجرته)؛ بِضَمِّ الحاء المهملة: حظيرة الإبل، ومنه: حجرة الدار، تقول: احتجر حجرة؛ أي: اتخذها، والجمع: حُجَر -كغُرْفَة وغُرَف- وحُجُرات؛ بِضَمِّ الجيم، وهو غاية لقوله: (فارتفعت أصواتهما)، ووجه جعله غاية أنَّه ﵇ لما سمع صوتهما؛ إما أنَّه رفع صوته حتى أسمعهما أنَّه سيخرج إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، وأنه علم بحالهما، وإما أنَّه قام من مجلسه ومشى حتى انتهى إلى باب حجرته حتى كشف سجفها، فقوله: (فخرج إليهما) يحتمل المعنيين المذكورين، فهذا وجه جعله غاية لقوله: (فخرج إليهما). وقد خفي هذا على العجلوني فزعم: (وانظر وجه جعله غاية لقوله: «فخرج إليهما» ولو قال: حين كشف؛ لكان أظهر، فكأنَّه أوَّل «فخرج إليهما» بـ «أراد»؛ فتأمل) انتهى. قلت: أما قوله: (وانظر...) إلى آخره؛ قد علمت وجهه مما ذكرناه، وقوله: (ولو قال...) إلى آخره؛ ممنوع، ولا حاجة إليه مع ظهور وجهه؛ لأنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يصار إلى المجاز عند المحققين، وعدم التأويل أولى من التأويل، ولا ريب أن كلام الراوي أظهر وأولى؛ لأنَّه متضمن لمعانٍ قد خفيت على كثير؛ فافهم. وقال إمام الشَّارحين: (قال ابن سيده: السجف: الستر، وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين؛ فكل شق منه سجف، والجمع: أسجاف وسجوف، وربما قالوا: السجاف والسجف والتسجيف: إرخاء السجف، زاد في «المخصص» و «الجامع» : وبيت مسجف، وفي «الصِّحاح» : أسجفت الستر؛ أي: أرسلته، وقال:

стр. 647

القاضي عياض: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين، قلت: الذي قاله ابن سيده يرده) انتهى كلام إمامنا الشَّارح. قلت: ووجه الرد أنَّه قال: السَّجف: الستر، وهو الأشمل بما قاله القاضي، وكذلك قول «الصِّحاح» : أسجفت الستر: أرسلته، فإنَّه أيضًا أشمل، وكذلك قول «القاموس» : السجف: الستر. وزاد في الطنبور نغمة العجلوني معترضًا على الشَّارح بأن قول ابن سيده: (وقيل: هو الستران...) إلخ، وكذا وقع في قول «القاموس»؛ هو عين ما قاله القاضي عياض، والشيء إذا كان فيه خلاف؛ لا يرد أحد القولين بالآخر إلا إذا كان منه، انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول ابن سيده: (وقيل) قول ضعيف عند اللغويين؛ لأنَّه صيغة تمريض يأتي بها المؤلفون؛ للإشارة لضعف قول قائله وشذوذه، فهو غير مُعْتد به؛ لأنَّ الذي عليه أئمة اللُّغة هو الأول، وهو ظاهر في الرَّد على القاضي عياض، وكذلك عبارة «القاموس»؛ لأنَّه قال: (السجف: الستر، سجوف وأسجاف)، ثمَّ قال: (والسجف: الستران)، وهو عين كلام ابن سيده، وعلى كلِّ حال فإنَّ القول الثاني شاذ أو ضعيف، والصَّحيح الأول، وهو ظاهر في الرد عليه، فكأنَّه لا خلاف؛ لضعف القول الثاني، فحينئذ صح القول بالرد؛ فافهم. (فنادى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (يا كعبُ) بالبناء على الضم (قال)؛ أي: كعب: (لبيك يا رسول الله) تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي (١) الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لب؛ أي: أنا مقيم على إجابتك وطاعتك إقامة بعد إقامة، أفاده إمام الشَّارحين، (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (ضعْ) على وزن (فع) أمر من وضع يضع، والمراد به: الحط من الدين؛ أي: حط عن غريمك (من دينك)، والأمر فيه للندب، قاله الشَّارحون، قلت: الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف عنه، وههنا جاء الدليل على الندب كما يفهم من كلامهم، (هذا) مفعول قوله: (ضع)، وهو إشارة إلى الشطر الآتي (وأومأ) بهمز أوله وآخره؛ أي: أشار ﵇ (إليه) أي: إلى كعب، وقوله: (أي الشطرَ)؛ أي: النصف، تفسير من الراوي لقوله: (هذا)، وجاء تفسير (الشطر) بالنصف في رواية الأعرج، كما سيأتي عند المؤلف، و (الشطر) : منصوب تفسير لقوله: (هذا) المنصوب، وضمير (إليه) راجع إلى كعب كما ذكرناه، (قال) أي: كعب: والله (لقد فعلت يا رسول الله)؛ أي: ما أمرت به، وأخرجت منه الشطر، إنَّما أتى به ماضيًا مؤكدًا باللَّام والقسم المدلول عليه بها وبـ (قد)؛ مبالغة في امتثال ما أمره به، ولأبي ذر وابن عساكر والمستملي: (قد فعلت) بإسقاط اللَّام و (يا رسول الله)، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لابن أبي حدرد: (قم) خطاب لابن أبي حدرد؛ (فاقضه)؛ أي: حقه، وهو الشطر على الفور والأمر على جهة الوجوب، لأنَّ رَبَّ الدين لما أطاع بوضع ما أُمر به؛ تعيَّن على المديان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يجتمع على رَبِّ الدين وضيعة ومطل، قاله إمام الشَّارحين. وفيه إشارة إلى أنَّه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل؛ لأنَّ صاحب الدين يتضرر -كما ذكرناه- إلا أن يرضى رَبَّ الدين بالتأجيل، فيكون جائزًا؛ لأنَّه قد رضي بماله مؤجلًا، فلا عذر له. قال إمام الشَّارحين: وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة؛ فبوجهين؛ أحدهما: أن كعبًا لما طالب ابن أبي حدرد بديْنه في مسجده ﵇؛ لازمه إلى أن خرج النَّبي الأعظم ﷺ وفصل بينهما، والآخر: أنَّه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما سنذكرها، فذكر في باب (الصلح) وفي باب (الملازمة) عن عبد الله بن كعب عن أبيه: (أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه...)؛ الحديث، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا إلى الحديث المذكور، على أنَّ ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التَّرجمة بهذه الطريقة، انتهى. ثم قال: (وفي الحديث دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه ﵇، وقد أفرد له البخاري بابًا يأتي عن قريب. فإن قلت: قد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم»، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا يرفع فيه الأصوات»، وكذا حديث ابن عمر عند (٢) أحمد. قلت: أجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض، ولكن هذا الجواب لا يعجبني؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: «لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه») انتهى كلام إمامنا الشَّارح. وزعم ابن بطال: وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد بغير القراءة إلا أنَّه ﵇ لم يُعنفهما على ذلك؛ إذ كان لا بد لهما منه، انتهى. قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّه ليس في الحديث الإنكار في رفع الصوت في المسجد، وإنما كان خروجه ﵇ إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، ولاحتمال وقوع مشاتمة بينهما توجب التعزير (٣) فبادر ﵇ للفصل بينهما، ولهذا قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز؛ لما تركهما النَّبي ﵇، ولبيَّن لهما ذلك، انتهى. واعترضه ابن حجر فزعم بأنَّ لِمَن منع ذلك أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به واقتصر على الصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه لو كان تقدم نهيه عن ذلك؛ لما كان يحصل بينهما مخاصمة ورفع صوت، ولكان ﵇ يعيد النَّهي لهما على سبيل التأكيد والتذكير، واقتصاره على الصلح إنَّما كان لأجل تطييب خاطرهما، وحتى لا يحصل بينهما مشاتمة ومنافرة توجب التعزير، فاقتصاره على الصلح كان لأجل هذا لا لأجل ترك المخاصمة، فإن المخاصمة؛ لإظهار الحقوق غير مذمومة سواء كانت في المسجد أو غيره؛ فافهم. وقال إمامنا الشَّارح: (وفي الحديث جواز الاعتماد على الإشارة؛ لقوله «هكذا»، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت؛ لدلالتها عليه، فيصح على هذا يمين الأخرس، وشهادته، وأمانه، وعقوده؛ إذا فهم عنه ذلك.

стр. 648

وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأنَّ نزاعهما لم يكن في الدَّين، وإنَّما كان في التقاضي، وأمّا الصلح على الإنكار؛ فأجازه الإمام الأعظم وكذا مالك بن أنس، وهو قول الحسن وغيره، ومنعه محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن أبي ليلى. وفيه: الملازمة في الاقتضاء، وفيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحُسن التوسط بينهم، وفيه: قبول الشفاعة في غير معصية، وفيه: إسبال الستور عند الحجرة) انتهى. وقال ابن بطال: (وفيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة، وفيه: الحض على الوضع عن المعسر والقضاء بالصلح إذا رآه صلاحًا، والحكم عليه بالصلح إذا كان فيه صلاح له؛ لقوله: «قم فاقضه») انتهى. (٧٢) [باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان] هذا (باب) بيان فضل (كَنس المسجد)؛ بفتح الكاف، مصدر كَنَسَ؛ كـ (نَصَرَ) : إزالة الكُناسة -بالضم- وهي القمامة منه، قال الدماميني: (نبه به على مشروعية مثل هذا ولا يتخيل أنَّه ترفُّه للمصلين واشتغال بالدنيا وزينتها) انتهى، قلت: يعني: أنَّه نبَّه بهذا على أنَّه يستحب تنظيف محل الصلاة كالمسجد ونحوه التي هي أفضل العبادة ومناجاة الرب ، فيكون على أكمل الحالات وأحسن الهيئات، (والتقاط الخِرَق)؛ بكسر الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء: جمع خِرْقَة -كسِدْرَة وسِدَر- وهي قطع الثوب البالي الممتهن، قال إمام الشَّارحين: (والالتقاط هو أن تعثر على الشيء من غير قصد وطلب) انتهى. واعترضه العجلوني (بأنَّه لم يعثر عليه في اللُّغة، لكنه قد يوافق الاصطلاحي، واستند لما في «القاموس» : الالتقاط: مصدر التقط؛ وهو أخذ الشيء من الأرض) انتهى. قلت: وهذا كلام بارد من ذهن شارد، فإنَّه لا يلزم من عدم اطلاعه (١) عدم اطلاع غيره عليه لاسيما وقد أثبته مثل هذا الإمام فلا ينبغي القول بعدم وجوده؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مقدَّم على النافي، على أنَّه ما ذكره عن «القاموس» غير صحيح؛ لأنَّ عبارة «القاموس» هكذا: (لقطه: أخذه من الأرض...) إلى أن قال: (والتقطه: عثر عليه من غير طلب) ثم قال: (واللُّقاطة (٢)؛ بالضم: ما كان ساقطًا مما لا قيمة له) انتهى، ومثله في «مختار الصِّحاح»، وزاد فيه: (من باب «نصر») انتهى، فهذا كما رأيت يوافق ما قاله إمام الشَّارحين، ويخالف ما زعمه شيخ عجلون، وكأنَّه لم يفهم عبارة «القاموس» حتى قال هذا الكلام، أو أنَّ نسخته غير مصححة، ويلزمه النقل عن نسخة صحيحة، ثم إنْ كان فيه كلام؛ يتكلم، وإلا فما بلغ رتبة هذا أن يتكلم على إمام الشَّارحين؛ فافهم. (و) التقاط (القَذَى) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم تأخيره عن قوله: (العيدان)، و (القَذَى)؛ بفتح القاف والذَّال المعجمة: جمع قذاة، وجمع الجمع: أقذية، قال الجوهري: (القذى في العين والشراب: ما يسقط فيه)، قلت: المراد منه ههنا: كِسر الأخشاب، والقش ونحو ذلك، قاله إمامنا الشَّارح ﵁، قلت: فالمراد به هنا: كل ما يسقط في البيت ونحوه إذا كان يسيرًا، كالقش وكسر الخشب ونحوها، (والعِيدان)؛ بكسر العين المهملة: جمع عُود؛ بالضم، فقلبت الواو ياء في الجمع؛ لانكسار ما قبلها، ويجمع أيضًا على أعواد، والمراد به: أعواد الخشب والشجر ونحوها، وقوله: (منه) ثابت في رواية الأصيلي ساقط عند غيره، ولكن يُقدَّر فيه، وهو يتعلق بـ (الالتقاط)، وعطف الالتقاط وما بعده على ما قبله من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الكنس أعم من الالتقاط؛ لأنَّه يزيل الخرق والقذى والعيدان، وكذا التراب ونحوه، فهو أعم كما لا يخفى، ووهم العجلوني تبعًا لابن حجر في «المنحة»، فزعم أنه من عطف العام على الخاص، ووجه الوهم ما ذكرناه؛ فافهم. [حديث: أفلا كنتم آذنتموني به دلوني على قبره] ٤٥٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب)؛ ضد الصلح، هو البصري الأزدي القاضي بمكة، الواشحي؛ بمعجمة فمهملة؛ نسبة إلى واشح؛ بطن من الأزد، (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت) هو أبو محمَّد البناني البصري، قال بكر بن عبد الله: (من سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت، يظل يراوح بين قدميه وجبهته)، وكان يقوم الليل خمسين سنة رحمه الله تعالى، (عن أبي رافع) هو نُفَيْع؛ بِضَمِّ النُّون، وفتح الفاء، وسكون التحتية، الصائغ التَّابعي الكبير، قال إمام الشَّارحين: ولقد وهم من قال إن أبا رافع صحابي وقال: وهو رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قاله، فإن ثابتًا البناني لم يدرك أبا رافع الصَّحابي، انتهى، قلت: فإن أبا رافع الصَّحابي مولى النَّبي الأعظم ﷺ ، واختلف في اسمه فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، قاله في «الاستيعاب»؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁: (أنَّ) بفتح الهمزة (رجلًا أسود أو امرأة سوداء) كلمة (أو) فيه للشك. قال إمام الشَّارحين: (الشك فيه إمَّا من ثابت أو من أبي رافع، ولكن الظَّاهر أنَّه من ثابت؛ لأنَّه رواه عنه جماعة هكذا، وأخرج البخاري أيضًا عن حمَّاد بهذا الإسناد قال: «ولا أراه إلا امرأة»، وأخرجه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «امرأة سوداء» من غير شك، ووقع في رواية البيهقي من حديث ابن بريدة عن أبيه: أن اسم المرأة أم محجن) انتهى كلامه، قلت: وحديث ابن بريدة سنده حسن، ورواية ابن خزيمة تعيَّن أنَّ الشك من ثابت، وبه جزم أبو الشيخ في كتاب «الصلاة» بسند مرسل، فالأرجح أنَّ الشك من ثابت؛ فليحفظ. قال ابن حجر: فإن كان محفوظًا؛ فهذا اسمها، وكنيتها أم محجن، انتهى، قلت: لاشك أن كون اسمها أم محجن؛ لأنَّه رواه البيهقي بسند حسن هكذا كما رأيت، ولا ريب أنَّه هو المحفوظ. وفي «المنحة» : (اسمها أم محجن، وقيل: محجنة، وأما الرجل؛ فلم يُسمَّ) انتهى، قلت: وعلى هذا فاسمها محجنة، وكنيتها أم محجن؛ فتأمل. وذكر ابن منده في الصَّحابة: خرقاء: امرأة كانت تَقُم المسجد، انتهى، قلت: يحتمل أنَّ هذه المرأة غيرها، وأن اللاتي (٣) يقمن المسجد غير واحدة؛ لأنَّ مرادهن الثواب والفضل، فكل واحدة تباشر يومًا، والله أعلم. وزعم في «المنحة» تبعًا للكرماني أنَّ الشك من أبي هريرة، قلت: وهو بعيد عن النَّظر، ويدل عليه ما أخرجه ابن خزيمة الذي ذكره قريبًا إمام الشَّارحين؛ فافهم. (كان) أو كانت (يقُم)؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نَصَرَ ينْصُر)؛ ومعناه: كنس (المسجد)؛ أي: النَّبوي من القُمامة؛ بالضم، وهي الزبالة، وقال إمام الشَّارحين: القمامة؛ بالضم: الكناسة، قاله ابن سيده، وقال اللحياني: قمامة البيت ما كسح منه فألقى بعضه على بعض، وهي لغة حجازية، والمِقمَّة؛ بكسر الميم: المكنسة، وفي «الصِّحاح» : والجمع: القمام. وتقديرنا: (أو كانت) هو المناسب لسابقه أو يجعل اسم (كان) ضمير المذكور أو الشخص؛

стр. 649

فافهم. قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «كان يقم المسجد»؛ أي: يكنسه، فإن قلت: و «التقاط الخرق...» إلى آخره من جملة التَّرجمة، وليس في الحديث ما يدل عليه، قلت: أجاب الكرماني: بأنه لعل البخاري حمله بالقياس على الكنس والجامع بينهما التنظيف) انتهى. قلت: ويدل عليه أنَّ الكنس أعم من التقاط الخرق ونحوها، والتكنيس يستلزم التقاط الخرق؛ لأنَّه إذا كنس التراب والقشَّ؛ فبالأولى أن يكنس الخرق؛ فافهم. وأجاب ابن حجر، فزعم أنَّ الذي يظهر من تصرف البخاري أنَّه أشار بكل ذلك إلى ما وَرَد في بعض طرقه صريحًا، ففي طريق العلاء المتقدم: (كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد)، وفي حديث بريدة المتقدم: (كانت مولعة بلقط الأذى من المسجد)، ثم زعم وتكلف من لم يطلع (١) على ذلك، فزعم أنَّه يؤخذ من إتيان النَّبيِّ القبرَ حتى صلى عليه، فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد، انتهى. قلت: وهذا كلام صادر من غير تأمل؛ لأنَّه كيف يترجم المؤلف بشيء، ويشير في ترجمته إلى طريق لم يذكره هو تحت ترجمته ولا في بابه، وهذا من أبعد البعيد؛ لأنَّه لو كان مراده الإشارة إليه؛ لكان يضعه في الباب تحت تلك التَّرجمة. فإن قلت: عدم ذكره له؛ لكونه غير موافق لشرطه؛ قلت: إذا كان غير موافق لشرطه؛ يكون غير محتج به، ولا يصلح دليلًا لما ترجم له، ولهذا ترك ذكره وإنما أراد بقوله: (والتقاط الخرق) بالقياس على الكنس؛ لأنَّ كلًّا منهما المراد به: التنظيف، ولأنَّ الكنس أعم وأشمل. وقوله: (وتكلف...) إلخ؛ مراده به: ابن بطال الشَّارح؛ لأنَّه ذكره في «شرحه»، وسنذكر عبارته، وهو غير تكلف (٢)، فإنَّ صلاته ﵇ على قبره؛ إكرامًا وتعظيمًا له؛ حيث إنَّه كان ينظف المسجد، فيؤخذ منه الترغيب في تنظيف المسجد، ويدل عليه أنَّه ﵇ سأل عنه ولم يسأل عن غيره من الناس ممن دُفن ولم يعلم به، وإن علم بدفن أحد؛ لم ينقل أنَّه صلَّى عليه، ولم يقل لهم: (أفلا آذنتموني به)، فسؤاله ﵇ وصلاته عليه إنَّما كان لأجل كونه كان يكنس المسجد، وينظفه فجعل ذلك إكرامًا له وتعظيمًا؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية ابن حجر، فإنَّه مشهور. (فمات)؛ أي: الرجل، أي: أو ماتت المرأة، (فسأل النَّبي) الأعظم ﷺ عنه)؛ أي: أو عنها؛ أي: عن حاله أو حالها، ومفعول (سأل) محذوف؛ أي: سأل الناس عنه، (فقالوا)؛ أي: الناس؛ يعني: الصَّحابة (مات)؛ أي: أو ماتت، وفي «عمدة القاري» : وفي رواية البيهقي: أنَّ الذي أجاب النَّبي ﷺ عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق ﵁، انتهى، قلت: لكن يعكر عليه قوله ههنا: (فقالوا)؛ بصيغة الجمع الذكور، إلا أن يقال: إنَّهم اشتركوا في الجواب، ونص على أبي بكر؛ لكونه أفضل الصَّحابة وأعظمهم منزلة؛ فتأمل. (قال) : ولأبوي ذر والوقت: (فقال)؛ بالفاء؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (أفلا) : الهمزة إما مقدمة من تأخير؛ لدلالة الآتي عليه، أو في محلها، لكن قال إمام الشَّارحين: ولابد من مقدر بعد الهمزة، والتقدير: أدفنتم؟ (٣) فلا (كنتم آذنتموني)؟؛ بفتح الهمزة مع المد؛ أي: أعلمتموني (به) أو بها؛ أي: بموته أو بموتها حتى أصلي عليه، وعند المؤلف في (الجنائز) : (فحقروا شأنه)، ولابن خزيمة: (قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك). وفي «عمدة القاري» : وإنما قال ذلك؛ لأنَّ صلاته ﵇ عليهم رحمة ونور في قبورهم، على ما جاء في رواية مسلم: (أن امرأة أو شابًّا...)؛ الحديث، وزاد في آخره: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم»، قيل: لم يخرِّج البخاري هذه الزيادة؛ لأنَّها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيَّن ذلك غير واحد من أصحاب حمَّاد بن زيد. قلت: قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة (٤)، فإمَّا أن يكون عن ثابت عنه ﵇ مرسلًا، كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت، عن أنس، عنه ﵇، رواه غير حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع فلم يذكرها، ووقع في «مسند أبي داود الطيالسي» عن ثابت بهذه الزيادة، وزاد بعدها: (فقال رجل من الأنصار: إن أبي أو أخي مات أو دفن؛ فصلِّ عليه، فانطلق معه ﵇...)؛ الحديث، انتهى. (دلوني على قبره، أو قال: على قبرها) كلمة (أو) للشك، يحتمل من ثابت، ويحتمل من أبي رافع، والأظهر الأول كما سبق، (فأتى) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (قبره) ولابن عساكر: (قبرها)، (فصلى عليه) وفي رواية: (عليها)، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النَّبي الأعظم ﷺ فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: فلانة، فعرفها، وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها»، ثم أتى القبر فصفنا خلفه، فكبَّر عليه، انتهى. قال صاحب «التلويح» : وهذا يحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأنَّ يزيد قُتل باليمامة سنة ثنتي عشرة، وخارجة توفي سنة مئة أو أقل من ذلك، وسنه سبعون سنة، فلا يتجه سماعه منه بحال، كذا في «عمدة القاري». قال ابن بطال: (وفي الحديث الحض على كنس المساجد، وتنظيفها؛ لأنَّه ﵇ إنَّما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي أنَّه ﵇ كنس المسجد) انتهى، وسلمه إمام الشَّارحين، واعترضه ابن حجر تعصبًا بأنه تكلف، وقد سبق رده قريبًا، فلا تغفل. وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: استحباب الإعلام بالموت. وفيه: أن على الراوي التنبيه على شكه فيما رواه مشكوكًا. وفيه: خدمة الصالحين، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده. وفيه: المكافأة بالدعاء والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم. وفيه: الرغبة في شهود جنائز الصالحين. وفيه: جواز الصلاة على القبر، وهي مسألة خلافية؛ فجوَّزها طائفة؛ منهم: علي، وأبو موسى، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، والشَّافعي، ومنعها طائفة؛ منهم: النخعي، والحسن البصري، والثَّوري، وهو قول الإمام الأعظم أبي حنيفة، واللَّيث، ومالك، ومنهم من قال: إنَّما يجوز إذا لم يصلِّ الولي أو الوالي، ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يَبْلَ جسده، وقيل: أبدًا) انتهى.

стр. 650

وقال الكرماني: (وفي الحديث: جواز الصلاة على القبر، وأنَّها لا تجوز عليه إلا عند حضور قبره) انتهى، قلت: فالحديث حجة على الشَّافعي في جوازه الصلاة على الغائب؛ لأنَّه ﵇ سأل عنه حتى دلوه على قبره، فقام فصلى عليه، ولم يصلِّ في مسجده عليه صلاة الغائب، كما لا يخفى. وزعم العجلوني أنَّ مذهب الشَّافعي أنَّه تصح الصلاة عليه، ولو بعد بلائه على الصَّحيح؛ لبقاء عجب الذنب، انتهى. قلت: ويردُّ هذا أنَّه ﵇ صلى عليه قبل ثلاثة أيام؛ لما رواه ابن حبان من حديث خارجة بن زيد المتقدم، وفيه: (فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد...)؛ الحديث، ومن المعلوم أن الجديد: ما دفن يومه إلى دون الثلاثة أيام، ويدل على ذلك حديث الباب؛ لأنَّه قال: (فمات، فسأل النَّبي ﷺ عنه، فقالوا: مات...)؛ الحديث، فأتى بالفاء التعقيبية بألفاظه الدَّالة على أنَّهم لمَّا رجعوا من دفنه سألهم ﵇ عنه، ثم بادروا إلى الصلاة على قبره، وهذا يدل على أنَّ الصلاة بعد ثلاثة أيام لا تجوز، كما لا يخفى. ومذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين أنَّه إذا صُلِّي على جنازة؛ لا تعاد الصلاة عليها ثانيًا؛ لأنَّها غير مشروعة، وصلاته ﵇ إنَّما كانت خصوصية ورحمة به، يدل عليه قوله ﵇: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم»، رواه مسلم، وقوله ﵇: «فإنَّ صلاتي عليه رحمة له»، رواه ابن حبان في «صحيحه»، فهذا دليل واضح على أنَّ صلاته عليه كانت خصوصية ورحمة للميت، كما صرح به الحديث، وله ﵇ أن يخصَّ ما شاء بمن شاء؛ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فافهم. واستثنى أئمتنا الأعلام ما إذا صلى على جنازةٍ غير الوليِّ ثم حضر الوليُّ بعد الصلاة؛ فله أن يعيد الصلاة عليها، وإذا لم يصلِّ عليه حتى دفن؛ صلى على قبره مالم ينتفخ أو ينفسخ، وقدَّره المتأخرون بثلاثة أيام، ومذهبنا هو الصَّواب، وحديث الباب يدل عليه، وكذلك حديث مسلم وحديث ابن حبان، كما رأيت بيانه، وسيأتي تمام الكلام عليه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى. (٧٣) [باب تحريم تجارة الخمر في المسجد] هذا (باب) بيان (تحريم تجارة الخمر في المسجد) : الجار والمجرور متعلق بالتحريم لا بالتجارة، ولابد من تقدير مضاف؛ لأنَّ المراد: بيان ذلك وبيان أحكامه، وليس المراد أن تحريمها مختص بالمسجد؛ لأنَّها حرام سواء كانت في المسجد أو في غيره؛ كذا قاله إمام الشَّارحين. [حديث: لما أنزل الآيات في الربا من سورة البقرة في الربا] ٤٥٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَبْدان)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الموحَّدة، بصورة المثنى، فيجوز إعرابه كإعرابه وكإعراب المفرد، وهذا لقب له كما سبق، واسمه عبد الله بن عثمان المروزي، وأصله من البصرة، توفي سنة إحدى وعشرين ومئتين، (عن أبي حمزة)؛ بالمهملة والزاي: هو محمَّد بن ميمون السكري، (عن الأعمش) : هو سليمان بن مهران الكوفي التَّابعي، (عن مسلم) : هو ابن صُبَيح؛ بِضَمِّ المهملة، وفتح الموحَّدة، مصغر صبح، أبي الضُّحى الكوفي التَّابعي، (عن مسروق) : هو ابن الأجدع الكوفي التَّابعي، وسمِّي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهماأنها (قالت: لما أُنْزِل) بِضَمِّ الهمزة، وسكون النُّون، وكسر الزاي، ولأبي ذر وابن عساكر: (أُنْزِلَت)؛ بالتَّاء مع البناء للمفعول أيضًا، ولابن عساكر أيضًا: (نَزَلَت)؛ بالبناء للفاعل مخففًا (الآياتُ)؛ بالرفع: فاعل أو نائبه (من سورة) وفي رواية: (في سورة) (البقرة)؛ أي: في السورة التي ذكرت فيها البقرة، والجار والمجرور صفة لـ (الآيات)، أو حال منها ويحتمل تعلقه بالفعل، لكنه بعيد؛ فتأمل، (في الربا) بالقصر؛ أي: في تحريمه، والجار والمجرور يحتمل (١) أنَّه متعلق بالفعل، ويحتمل كونه صفة لـ (الآيات) أو حالًا منها، والأول أظهر. قال إمام الشَّارحين: (والربا: مقصور من ربا يربو؛ إذا زاد، فيكتب بالألف، وأجاز الكوفيون كتبه بالياء؛ بسبب الكسرة في أوله، وقد كتب في المصحف بالواو، قال الفراء: إنَّما كتبوه بالواو؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلموا الخطَّ من أهل الحيرة، ولغتهم: الربو، فعلموهم صورة الخط على لغتهم، قال: ويجوز كتبه بالألف وبالواو وبالياء) انتهى، وزعم العجلوني أن ظاهر كلام الفراء: أنَّ هذه تجري في المصحف وفي غيره؛ فيراجع، انتهى، قلت: الظَّاهر أنَّها لا تجري في المصحف؛ لأنَّ رسم الكلام القديم سنَّة متَّبعة، والمتواتر أنَّ رسمه هكذا بالواو، فلا يجوز كتبه بغيرها، وكلام الفراء مبني على اللُّغة العربية والقواعد الرسمية، وهو لا ينافي ذلك، قال الكرماني: (إنَّما رُسم في القرآن بالواو، كالصلاة؛ لتغليظه وتفخيمه في لغة، وأما في غير القرآن؛ فيكتب بالألف) انتهى، وقال القسطلاني: (زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، والمراد بـ «الآيات» : قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَايَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ...﴾ إلى آخر العشر؛ أي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، والمراد من الأكل: الأخذ والتناول، وإنما خصَّ الأكل بالذكر؛ لأنَّه أعظم منافع المال، ولأنَّ الربا شائعٌ في المطعومات) انتهى. وقوله (خرج النَّبي) الأعظم ﷺ أي: من بيته (إلى المسجد) جواب (لمَّا)، و (أل) في (المسجد) : للعهد؛ أي: المعهود؛ وهو المسجد النَّبوي (فقرأهنَّ) أي: الآيات المذكورة (على الناس)؛ أي: الصَّحابة، والمراد: من كان حاضرًا منهم،) (ثم حرَّم) بالتشديد؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ؛ أي: ذكر تحريم (تجارة الخمر)؛ أي: في المسجد، والمراد: أنَّه بيَّن أن تجارة الخمر حرام، فهو تأكيد للأمر بالتحريم، أعاده؛ لاحتمال عدم فهم تحريمها من الآيات، فأعاده بيانًا وإيضاحًا لما تلاه، قال إمام الشَّارحين: (تجارة الخمر؛ أي: بيعها وشرائها) انتهى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقال صاحب «التوضيح» آخذًا من كلام ابن بطال: (وغرض البخاري في هذا الباب أن المسجد لمَّا كان للصلاة ولذكر (٢) الله، منزهًا عن الفواحش والخمرُ والرِّبا من أكبر الفواحش؛ يمنع من ذلك، فلمَّا ذكر الشَّارع تحريمهما في المسجد؛ ذكر أنَّه لا بأس بذكر المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها والمنع منها) انتهى. وأخذ

стр. 651

ابن حجر من كلامه فقال: («باب تحريم تجارة الخمر في المسجد»؛ أي: جواز ذكر ذلك) انتهى. وردَّ هذا كله إمامنا الشَّارح، فقال: (كلُّ هذا خارج عن المهيع، وتصرفات بغير تأمُّل؛ لأنَّه لا فائدة في بيان جواز ذكر ذلك في المسجد؛ إذ هو مبيَّن من الخارج، وليس غرض البخاري ذلك، وإنما غرضه بيان أنَّ تحريم تجارة الخمر وقع في المسجد؛ لأنَّ ظاهر حديث الباب يصرح بذلك؛ لأنَّ عائشة ﵂ قالت: «لما نزلت الآيات في سورة البقرة في الربا؛ خرج النَّبي ﷺ إلى المسجد...»؛ الحديث، فهذا ظاهره أن تحريم تجارة الخمر بعد نزول آيات الربا. فإن قلت: كان تحريم الخمر قبل نزول آيات الربا بمدة طويلة، كما صرحوا به، فلما حُرِّمت الخمر؛ حُرِّمت التجارة فيها أيضًا قطعًا، فما الفائدة في ذكر تحريم تجارتها ههنا؟ قلت: يحتمل كون تحريم التجارة فيها قد تأخر عن وقت تحريم عينها، ويحتمل أن يكون ذكره ههنا تأكيدًا ومبالغة في إشاعة ذلك، أو يكون قد حضر المجلس من لم يبلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك، فأعاد ﵇ ذكر ذلك للإعلام لهم، وكان ذلك لرسول الله ﵇ في المسجد، وهذا أيضًا هو موقع التَّرجمة، وليس ذلك مثل ما قال بعضهم: «وموقع التَّرجمة أن المسجد منزه عن الفواحش فعلا وقولًا، لكن يجوز ذكرها فيه للتحذير منها» انتهى، قلت: إذا كان ذكر الفواحش جائزًا في المسجد؛ لأجل التحذير، فما وجه تخصيص ذكر صاحبه تحريم الخمر بالمسجد؟ وجواب هذا يلزم هذا القائل، فعلى ما ذكرناه لا يَرِد سؤال، فلا يحتاج إلى جواب) انتهى كلام إمام الشَّارحين، قلت: ومراده بقوله: (بعضهم) ابن حجر؛ فإنَّه القائل لهذا، آخذًا من كلام صاحب «التوضيح»؛ فاعرفه. وزعم العجلوني: إن كان النَّبي ﵇ لم يذكر تحريم التجارة في الخمرة قبل هذه القصة؛ فالحقُّ ما قاله صاحب «عمدة القاري»، وإلا؛ فالحقُّ ما قاله ابن حجر وابن الملقن، ويكون ذكر تحريمها ثانيًا؛ لمزيد التأكيد، وإن لم يعلم واحد من الأمرين بخصوصه؛ فالأمر محتمل، والتَّرجمة كذلك، لكنَّها ظاهرة فيما قاله صاحب «عمدة القاري»، ويدل للأخير كل (١) منهم) انتهى. قلت: هذا كلام متناقض، والحقُّ أحق أن يتَّبع، فإنَّ الحق ما قاله إمام الشَّارحين، ولا ريب أن النَّبي الأعظم ﷺ لم يذكر تحريم تجارة الخمر قبل هذه القصة؛ لأنَّ حديث الباب صريح في ذلك؛ لأنَّ قول عائشة: (فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر) صريح في ذلك قطعًا، وقوله: (وإلا فالحقُّ...) إلخ؛ غير صحيح كما ذكرنا، وقوله: (ويكون ذكر...) إلخ؛ غير صحيح أيضًا؛ لأنَّه ﵇؛ إذا ذكر أمرًا أو نهيًا لشيء؛ يذكره مرة واحدة، فإنَّ تجارة الخمر حرام، فذكر حرمتها حين قرأ الآيات، ومن عادته عدم الإعادة، ولا فائدة في التأكيد هنا؛ لأنَّ الحكم واحد لم يتغير؛ حيث إنَّه قد ذكره عند قراءته الآيات، وقوله: (وإن لم يعلم...) إلخ؛ لا احتمال في الأمر ولا في التَّرجمة، ومقصود البخاري هو ما قاله إمام الشَّارحين قطعًا، والعناد بعد ذلك مكابرة. وزعم العجلوني أن قول إمام الشَّارحين: (فإن قلت...) إلخ، قد سبقه إليه القاضي عياض: فنسبه لنفسه، انتهى. قلت: هذا تعصب بارد من ذهن شارد، فإنَّ إمامنا الشَّارح قد اشتهر فضله وعلمه في الآفاق، وعُلم عند المحققين أن مثل هذا الكلام يقوله من تلقاء نفسه من علمه وفضله، ولا كلام لنا مع القاضي إذا كان قال مثل قوله؛ فقد صادف الرأيان على السواء، وهذا لا يعد نقصًا في حق إمام الشَّارحين، بل هو دال على كثرة علمه، وغزارة فهمه، وقوة استحضاره، فرحم الله تعالى هذا الشَّارح، وحقيق بأن يلقَّب بإمام الشَّارحين؛ فافهم، ولا تكن من المتعصبين. وقال ابن كثير في «تفسيره» : (قال بعض من تكلم على هذا الحديث: لما حرَّم الربا ووسائله؛ حرَّم (٢) الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك)، قال إمامنا الشَّارح: (ظاهر هذا يدل على أنَّ تحريم الخمر كان مع تحريم الربا، ولكن قالوا: إن تحريم الخمر قبل تحريم الربا بمدة طويلة كما ذكرنا عن قريب) انتهى. وفي الحديث أحكام؛ الأول: فيه تحريم الرِّبا، وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهماأنَّه قال: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق)، وروى ابن جرير عن ابن عبَّاس قال: (يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قال: وذلك حين يقوم من قبره)، الثاني: فيه تحريم تجارة الخمر، الثالث: فيه تحريم الخمر، والعلة فيه: النَّجاسة الخفيفة في رواية عن الإمام الأعظم، أو الغليظة في رواية أخرى، والإسكار، وعند الشَّافعي كذلك، وسيأتي مزيد كلام لذلك في محلِّه إن شاء الله تعالى. (٧٤) [باب الخدم للمسجد] هذا (باب) في بيان أمر (الخَدَم)؛ بفتحتين: جمع خادم، ويجمع أيضًا على خُدَّام؛ بِضَمِّ المعجمة، وتشديد المهملة (للمسجد)؛ باللَّام رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: (في المسجد)، وكان المناسب أن يكون هذا الباب عقيب باب (كنس المسجد) على ما لا يخفى، كذا قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ. (وقال ابن عبَّاس) هو عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب، حبر هذه الأمَّة، ويسمَّى البحر؛ لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد الصديق والفاروق، ويشاورانه مع أهل بدررضي الله عنهم، توفي بالطَّائف سنة ثمان وستين، عن إحدى وسبعين سنة. وهذا التَّعليق وصله الضحاك في «تفسيره» عنه، ووصله أيضًا ابن أبي حاتم -لكن بمعناه- في تفسير قوله تعالى حكاية عن حَنَّة -بفتح المهملة، وتشديد النُّون آخره هاء- بنت فاقوذا -بالفاء أوله بعد ألف، ثم قاف بعد واو، ثم ذال معجمة ثم ألف- وهي: امرأة عمران بن ماثان، وهي أم مريم والدة عيسى النَّبي الذي ينزل في ديارنا آخر الزمان، وليس هو عمران بن يصهر؛ لأنَّه والد موسى الكليم وهارون الكريم، وكان بين العمرانين ألف

стр. 652

وثمان مئة سنة، كما قاله أبو السعود، وكانت حَنَّة عاقرًا، فرأت يومًا طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحقَّقت الحمل؛ قالت ما أخبر الله تعالى عنها بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي﴾ (﴿نَذَرْتُ﴾) : النَّذر: ما كان وعدًا على شرط، كما في «القاموس»، والنَّذر: واحد النُّذور، وقد نذر لله كذا، من باب (ضرب) و (نصر)، ويقال: نذر على نفسه نذرًا، ونذر ماله نذرًا، وتناذر القوم كذا؛ خوف بعضهم بعضًا، كذا في «مختصر الصِّحاح»، والنَّذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى، كذا في «تعريفات السيد»، قلت: وهذا أولى مما في «القاموس»؛ فافهم، فعلي (﴿لَكَ﴾)؛ أي: قاصدًا بالنذر ابتغاء وجهك؛ أي: ذاتك (﴿مَا فِي بَطْنِي﴾) : إنَّما عبرت بـ (ما) الموضوعة لمن لا يعقل؛ لأنَّه مبهم لم تعلمه أذكر أم أنثى (﴿مُحَرَّرًا﴾) [آل عمران: ٣٥]، كذا في رواية الأكثرين، وهو بالنصب على الحال، أي: معتقًا، وفي رواية الأصيلي: (تعني: محررًا)، وعليها؛ فهو منصوب بـ (تعني) على المفعولية، والضمير في (تعني) يرجع إلى حنة أم مريم، (للمسجد)؛ أي: الأقصى، فاللَّام للعهد، وهو بيت المقدس بالاتفاق، قالوا: وسمِّي الأقصى؛ لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام (تخدُمه)؛ بِضَمِّ الدَّال، وفي أوله مثناة فوقية أو تحتية للمؤنث الغائب؛ أي المسجد: لا أُشغله بشيء سوى الخدمة، أو مخلصًا للعبادة، وفي رواية أبي ذر: (تخدمها)؛ أي: المساجد، أو الصخرة، أو الأرض المقدسة. قال البيضاوي: (روي أنَّ أمَّ مريم كانت عاقرًا عجوزًا، فبينا هي في ظل شجرة؛ إذ رأت طائرًا يطعم فرخه، فحنَّت إلى الولد وتمنَّته، فقالت: اللهم إنَّ لك نذرًا إن رزقتني ولدًا؛ أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من خَدَمِه، فحملت بمريم، ومات عمران، وهذا النذر كان مشروعًا عندهم في الغلمان، فلعلَّها بَنَتِ الأمر على التقدير أو طلبت ذكرًا، فلما وضعتها؛ قالت: ﴿رب إني وضعتها أنثى﴾، قالته تحسرًا وتحزنًا لما فاتها مما كانت ترجوه من ذكر؛ لتحرره لخدمة المسجد الأقصى، ﴿فتقبَّلها ربها﴾ [آل عمران: ٣٧] : فرضيها في النذر مكان الذكر) انتهى. قلت: والظَّاهر أن قولها: ﴿رب إنِّي وضعتها أنثى﴾ ليس للتحسُّر والتحزُّن لما فاتها من ذكر، بل لكون المسجد يدخل فيه الكبير والصغير، والذكر، والبرُّ والفاجر، فخافت من خدمتها الفتنة والعار، ووقوعها في المحظور؛ لأنَّ الذكر إذا خالط الذكور وغيرهم؛ لا يقع في الفتنة، بخلاف الأنثى، فقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ يعني: حفظها ورضيها للنذر مكان الذكر، وأنَّه حفظها مما يُتوهم وقوعه من الفتنة؛ فيراجع. وقال إمام الشَّارحين: (أشار البخاري بهذا التَّعليق إلى أن تعظيم المسجد بالخدمة كان مشروعًا في الأمم الماضية، ألا ترى أن الله تعالى حكى عن حَنَّة أمِّ مريم أنَّها لمَّا حَبلَت؛ نذرت لله تعالى أن يكون ما في بطنها محرَّرًا، يعني: عتيقًا يخدم المسجد الأقصى، ولا يكون لأحد عليه سبيل، ولولا أنَّ الخدمة للمساجد مما يتقرب به إلى الله تعالى؛ لمَا نذرت به، وهذا موضع التَّرجمة) انتهى، قلت: وهذا مبني على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأنَّه تعالى قصَّه علينا ورسوله ﵇ من غير إنكار، فصارت خدمة المسجد مطلوبة. بقي أنَّه هل يصح النذر بخدمة المسجد؟ والظَّاهر: أنَّه غير صحيح؛ لأنَّه ليس من جنسه واجبًا؛ فيراجع. وزعم ابن حجر أن مناسبة هذا التَّعليق لحديث الباب؛ من جهة صحَّة تبرع المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النَّبي ﷺ لها على ذلك، انتهى. قلت: وأراد بالمرأة التي أقامت نفسها لخدمة المسجد: المرأة السَّوداء، فإنَّه ﵇ أقرَّها ولم ينكر عليها، لكنَّ فيه أنَّ مريم لم تتبرَّع بنفسها، بل أمها نذرت أن تكون خادمة للمسجد، والنذر من الشَّخص لا يجري على غيره ولو كان ولدًا له، فما قاله غير ظاهر. وزعم العجلوني أنَّه لا يقال: حقه أن يقول: بإقامة ولدها؛ لأنَّ النَّاذرة هي أمُّ مريم لا مريم نفسها، ولعله أراد: أن مريم أقامت نفسها بعد أن بلغت مبلغًا يصح منها الإقامة، انتهى. قلت: وفيه بعد؛ لأنَّ أمَّ مريم وإن كانت هي النَّاذرة، لكنَّها لم تنذر نفسها، بل نذرت ولدها، وهي لا تملك منعه من الاشتغال بغير خدمة المسجد. ولو قيل: (حقه أن يقول: بإقامة ولدها) لا يصح أيضًا؛ لأنَّ المرأة السوداء ليس لها ولد، ولو كان؛ فهي لم تقمه لأجل خدمة المسجد، بل تولت خدمته بنفسها؛ فهذا الجواب غير صحيح. وأما قوله: (ولعله أراد...) إلخ؛ فله وجه، لكن إن ثبت أنَّ مريم كانت بالغة، مع أن الذي ذكره المفسِّرون أن حَنَّة وضعت مريم في المسجد قبل بلوغها مبلغًا يصح منها الإقامة، ويلزم أيضًا ثبوت تبرُّع مريم بالخدمة في المسجد؛ لاحتمال عدم رضاها بالمكث فيه، وأمها لم تملكها، والذي يجنح للقلب أن المناسبة بين التَّعليق والحديث: هو مجرد خدمة مريم في المسجد مع قطع النَّظر عن النِّذر الذي وقع من أمها حَنَّة، كما أنَّ المرأة السوداء تبرَّعت بالخدمة من غير نذر منها ولا من أمها إن لو كانت، ولهذا أشار البخاري بالتَّعليق إلى أنَّ تعظيم المساجد بالخدمة مطلوب، وهو مشروع في الأمم السَّالفة، وقد أقرَّه النَّبي الأعظم ﷺ ، ولم ينكره؛ فليحفظ. [حديث: أن امرأةً كانت تقم المسجد] ٤٦٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن واقد)؛ بالقاف والدَّال المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو أحمد بن عبد الملك بن واقد الحرَّاني البصري، أبو يحيى، المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وفي «التقريب» : (أنَّه ثقة تُكلم فيه بلا حجة) (قال: حدثنا حمَّاد)؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، زاد الأصيلي: (ابن زيد) هو ابن درهم الأزدي الحمصي البصري، (عن ثابت)؛ بالمثلَّثة: هو أبو محمَّد البناني البصري، (عن أبي رافع) هو نُفيع الصائغ التَّابعي الكبير، كما سبق؛ فافهم، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁: (أنَّ) بفتح الهمزة (امرأة أو رجلًا) وكلمة (أو) للشك من أبي رافع، أو أبي هريرة، أو ثابت (كانت تقم)؛ أي: أو كان يقم؛ بِضَمِّ القاف، من قمَّ الشيء يقُمُّ قمًّا، من باب (نصر ينصر)؛ أي: يكنس (المسجد)؛ أي: النَّبوي -فاللَّام للعهد- من القُمامة، وهي الزبالة والكناسة، فحذف في هذا الباب ما يتعلق بالمذكر، عكس ما سبق في باب (كنس المسجد)، وكلٌّ منهما جائز. وزعم العجلوني أن ما هنا أولى. قلت: لم يبين وجه الأولوية، ولا وجه لما زعمه، بل كل (١) منهما جائز، وليس أحدهما أولى من الآخر، وقال الدماميني: (حذف «أو كان» كما سبق، فحذف من الأول خبر المؤنث، وهنا خبر المذكر؛ اعتبارًا بالسَّابق؛ ليكون جاريًا على المهيع الكثير، وهو الحذف

стр. 653

من الثاني؛ لدلالة الأول) انتهى. قال القسطلاني: (نعم؛ في رواية أبي ذر: «كان يقم المسجد»؛ بالتذكير) انتهى، واستدل العجلوني بهذه الرواية على أولوية ما هنا، كما سبق، قلت: وهو لا يدلُّ لما قاله؛ لأنَّ هذه الرواية ذكرت كبقية الروايات، فليست تدل على الأولوية، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنَّه أكثر الروايات: (كانت) بالتأنيث؛ فليحفظ. وقوله: (ولا أراه) بِضَمِّ الهمزة؛ أي: لا أظنه (إلا امرأة) من كلام أبي رافع، ويحتمل أن يكون من كلام أبي هريرة، قاله إمام الشَّارحين. قلت: والضَّمير في (أراه) يرجع إلى الشَّخص المذكور الذي كان يقمُّ المسجد. وأمَّا قوله: (فذكر) أي: أبو هريرة (حديث النَّبي) الأعظم ﷺ أي: الذي تقدم ذكره قريبًا: (أنَّه) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (صلَّى)؛ أي: صلاة الجنازة (على قبره)؛ أي: الرجل، فهو من كلام أبي رافع لا غير، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (قبرها)؛ أي: المرأة، وفي رواية: (على قبر)؛ بالتنكير. وزعم الكرماني أن لفظة: (أنَّه) يحتمل أن يكون تفسير الحديث، فلا يكون المذكور إلا الصلاة، وأن يراد به ذكر الحديث الذي فيه: (أنَّه صلى على قبرها)، فالمذكور جميع الحديث الذي تقدم في باب كنس المسجد، انتهى، قلت: وهذا كله صادر من غير تأمُّل؛ لأنَّ قوله: (فذكر حديث النَّبي ﷺ صريح في أنَّه ذكره بتمامه، وأن من جملة الحديث أنَّه ﵇ صلَّى على قبرها، فالضَّمير في (أنَّه) يتعين رجوعه إلى النَّبي الأعظم ﷺ ، ثم رأيت البرماوي قال: (والضمير في «أنَّه» راجع إلى النَّبي ﵇ انتهى، قلت: فلا حاجة إلى ما زعمه الكرماني؛ لأنَّ لفظ السياق يردُّه، كما لا يخفى؛ فافهم. ففي الحديث المطابقة للتَّرجمة، وفيه: الحضُّ على كنس المسجد وتنظيفه؛ لأنَّه ﵇ إنَّما خصَّه بالصَّلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روي عنه ﵇: (أنَّه كنس المسجد)، وفيه: الترغيب في شهود الجنائز لا سيما الصَّالحون. وفيه: جواز الصلاة على القبر، وهو مروى عن علي وأبي موسى، وهو قول الأوزاعي وأحمد والشَّافعي، ومنعها الإمام الأعظم، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثَّوري، واللَّيث، ومالك، وأجابوا عن حديث الباب ونحوه: بأنه خصوصية ورحمة للميت؛ يدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» : (إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)، وما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن يزيد بن ثابت قال: (خرجنا مع النَّبي ﷺ ، فلما وَرَد البقيع؛ إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؛ فقيل: فلانة، فعرفها وقال: «ألا آذنتموني بها، فإنَّ صلاتي عليها رحمة لها» ...)؛ الحديث، فهذا يدل على أنَّ صلاته كانت خصوصية، وقد سبق بقية الكلام عليه في الباب السَّابق؛ فيراجع، والله أعلم. (٧٥) [باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد] هذا (باب) في بيان حكم (الأسير) : (فعيل) بمعنى (مفعول)، من أسره: شده بالأساري، وهو القِد، ومنه سمِّي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يشدُّونه بالقِد، فسمِّي كلُّ أخيذٍ أسيرًا وإن لم يشدَّ به، كذا في «عمدة القاري»، (أو) حكم (الغريم)؛ وهو الذي عليه الدَّين، وقد يكون الغريم الذي له الدَّين، والمراد هنا: الأول، قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وكلمة (أو) فيه للتنويع، وهي رواية الأكثرين، وفي رواية ابن السكن وابن عساكر: (والغريم) بواو العطف، انتهى، وقوله: (يُربَط)؛ بِضَمِّ أوله مبني للمجهول (في المسجد) : اللَّام فيه للجنس؛ أي: أي مسجد كان، جملة وقعت حالًا من كل واحد من الأسير والغريم، بتقدير جملة أخرى نحوها للمعطوف عليه، كذا قاله إمامنا الشَّارح. واعترضه العجلوني بأنه لا حاجة إليه، وجوَّز كون جملة (يربط في المسجد) حال من المضاف إليه، قال: (ويجوز جعلها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وحقه تثنية ضمير «يربط» على الروايتين؛ لأنَّ «أو» التنويعية كالواو، ولعله أراد كلًّا منهما أو المذكور) انتهى. قلت: وهذا تعصب بارد، فإنَّ ما قاله إمامنا الشَّارح صحيح المعنى، كما لا يخفى؛ لأنَّ البخاري أتى بكلمة (أو) إشارة إلى أن حكم الأسير كحكم الغريم، وأن كلًّا منهما يربط في المسجد، ولا ريب أنَّ الأسير غير الغريم لكنَّ حكمهما واحد، وعلى هذا فالجملة تكون حالًا من كل منهما بالتقدير المذكور. وما زعمه العجلوني غير ظاهر؛ لأنَّه على جعل الجملة حالًا من المضاف إليه -وهو الأسير- لا يكون للغريم حكم، ويصير الضمير في (يربط) للأسير، وهو باطل؛ لأنَّه يكون حكم الغريم مسكوتًا عنه، وهو خلاف المقصود. وقوله: (وحقه...) إلخ: غير صحيح؛ لأنَّ ضمير (يربط) على كون الجملة من الأسير والغريم يعود على كل واحد منهما، فيقال: حكم الأسير حال كونه يربط في المسجد، وحكم الغريم حال كونه يربط في المسجد، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، على أنَّ كلمة (أو) هنا المراد بها: تنويع الجنس لا الحكم، فإن الحكم فيهما واحد، والجنس مختلف؛ لأنَّ الأسير غير الغريم، فمراد المؤلف: بيان أن حكم الأسير كحكم الغريم. وقوله: (ولعله...) إلخ: لا حاجة لما زعمه بعدما علمت ما ذكرناه، وتقديرنا الحكم عند قوله: (أو الغريم) لازم ظاهر المعنى، وذلك حتى يعود الضمير في (يربط) إلى كل واحد منهما؛ فافهم. وزعم العجلوني أنَّه يجوز تنوين (باب)، وما بعده: مبتدأ ومعطوف عليه، والجملة في (يربط في المسجد) خبره. قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يلزم عليه فوتَ حكم الغريم، وخلوَّ ضمير في (يربط) يعود على الغريم، فيصير قوله: (أو الغريم) لا فائدة فيه، وهو غير ظاهر؛ فافهم. ثم قال العجلوني: (وأمَّا قول القسطلاني: «باب» حكم «الأسير أو الغريم» حال كونه «يربط في المسجد» الإباحة؛ فلعله تقدير معنى لا إعراب) انتهى. قلت: هو ممنوع، بل هو تقدير معنى وإعراب أيضًا؛ لأنَّ قوله: (باب) : خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب، وقوله: (حكم) : مبتدأ، وقوله: (الإباحة) : خبره، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم ذلك، ولا تكن من المتعصبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 654

والمراد بالحكم: الإباحة، وسيأتي أن القاضي شريح كان يأمر بربط الغريم في سارية من سواري المسجد. [حديث: إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة] ٤٦١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هو أبو يعقوب الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، وهو من مشايخ الشَّافعي كما ذكره الرازي، وقال أحمد ابن حنبل: (إسحاق عندي إمام، وما عبر الجسر أفقه منه)، ولد سنة إحدى وستين ومئة، وتوفي بنيسابور سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومئتين، وإنما لقب براهويه؛ لأنَّه ولد في طريق مكة، ومعنى الطريق بالفارسية: (راه)، ومعنى: (ويه) : وجد، فكأنَّه وجد في الطريق، (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (رَوح)؛ بفتح الرَّاء آخره حاء مهملة: هو ابن عُبادة؛ بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الموحَّدة، ابن العلاء البصري، المتوفى سنة خمس ومئتين (ومحمَّد بن جعفر) هو الهذلي البصري، المشهور بغُندر؛ بِضَمِّ الغين المعجمة؛ كلاهما (عن شعبة) هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري (عن محمَّد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية، هو القرشي الجمحي المدني التَّابعي الجليل، وقول العجلوني: (مولى آل عثمان بن مظعون) خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁، (عن النَّبي) الأعظم ﷺ أنَّه (قال: إن عِفريتًا)؛ بكسر العين المهملة: على وزن: (فِعليت)، قاله ابن الحاجب، وفي «المحكم» : (رجل عفر وعفرية وعفارية وعفريت: بيِّن العفارة خبيث منكر)، وقال الزجاج: (العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء، وقد تعفرت)، وفي «الجامع» : (والشَّيطان: عفريت وعفرية، وهم العفاريت والعفارية، قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩]، وقرأ بعضهم: «عفرية من الجن»)، قال الجوهري: (إذا سكنت الياء؛ صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها؛ فالتَّاء هاء في الوقف)، كذا في «عمدة القاري»، (من الجن) احترازًا عن العفريت من غيرهم، قال ابن سيده: (الجن: نوع من العالم، والجمع: جنان، وهم الجِنَّة، والجني؛ منسوب إلى الجن أو الجنة، والجنة: طائفة الجن، والمجنة والجن، وأرض مجنة: كثيرة الجن، والجان: أبو الجن، وهم اسم جمع) انتهى، وفي «القاموس» : (والجان: اسم جمع للجن وحية أكحل العينين لا تؤذي، كثيرة في الدور، والجِن؛ بالكسر: الملائكة كالجِنة، ومن الشباب وغيره: أوله وحدثانه، ومن النبت: زهره ونوره، والجِني؛ بالكسر: نسبة إلى الجن أو الجنة) انتهى هذه عبارة «القاموس» الصَّحيحة، وقد نقل العجلوني عبارته بتصحيف ظاهر مُخلٍّ بالمعنى من عدم معرفته؛ فافهم. ويطلق الشَّيطان على كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن، والشَّيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن إغوائه؛ ذهب إلى متمرد من الإنس، فأغراه على المؤمن ليفتنه، وقال مالك بن دينار: (شياطين الإنس أشدُّ عليَّ من شياطين الجن؛ لأنَّي إذا تعوذت بالله من شياطين الجن؛ ذهبوا عني، وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال إمام الشَّارحين: واعلم أنَّ الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هم الأرواح، وهي إما سفلية أو علوية؛ فالسفلية؛ إمَّا خيرة؛ وهم صالحوا الجن، أو شريرة؛ وهم مردة الشياطين، والعلوية؛ إما متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح الفلكية، أو غير متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح المطهرة المقدسة، وقال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنَّى واحد: إذا ستره، وكل شيء استتر عنك؛ فقد جن عنك، وبه سميت الجن، وقال ابن عقيل: إنَّما سمي الجن جنًّا؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، انتهى. ثم قال إمام الشَّارحين: ثم اعلم أنَّ الجن يتطورون في صور شتى، ويتشكلون في صورة الإنس، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير. وقال القاضي أبو يعلى: (ولا قدرة للشياطين ولا للجن ولا الملائكة على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، إنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله تعالى كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعلهوتكلم به؛ نقله الله من صورة إلى صورة أخرى، وأمَّا أن يصوِّر نفسه؛ فذلك محال؛ لأنَّ انتقالهم من صورة إلى صورة [إنما يكون] بنقض (١) البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت؛ بطلت الحياة، والقول في تشكيل الملائكة كذلك) انتهى. (تَفلَّت)؛ بفتح المثناة الفوقية، وتشديد اللَّام؛ أي: تعرض فلتة؛ أي: بغتة، وفي «المحكم» : أفلت الشيء: أخذه بغتةً في سرعة، وكان ذلك فلتة؛ أي: فجأة، والجمع: فلتات، لا يجاوز بها جمع السَّلامة، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي «المنتهى» : تفلت علينا وإلينا، وفي «الصِّحاح» : أفلت الشيء تفلت وانفلت بمعنًى، وأفلته غيره، كذا في «عمدة القاري»، وقال القزاز: تفلت؛ أي: توثب (عليَّ) بتشديد الياء المفتوحة (البارحةَ)؛ بالنصب على الظرفية لـ (تفلت)، وهي أقرب ليلة مضت، وفي «المنتهى» : كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة والبارحة الأولى، ومنه ثلاث ليالٍ، وفي «المحكم» : البارحة: هي الليلة الحالية (٢)، ولا تحقر، وقال قاسم في «الدلائل» : يقال: بارحة الأولى: يضاف الاسم إلى الصِّفة، كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: «كانت لي شاة فعدا (٣) عليه الذئب بارحة الأولى»، كذا في شرح إمام الشَّارحين. قلت: وظاهره أنَّها لا تطلق على الليلة البعيدة، بقي أنَّ ظاهر كلام «المحكم» أنَّها تطلق على الليلة الحالية، وهو خلاف المتبادر من كلامهم، وخلاف الاستعمال، إلا أن يقال: إنَّها الحالية بمعنى المتصلة بالليلة الحالية لكنَّه بعيد؛ فافهم. (أو قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (كلمة)؛ أي: جملة كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقد قال هو جملة من كلمات (نحوَها)؛ بالنصب صفة لـ (كلمة)؛ أي: نحو قوله: (تفلت عليَّ البارحة) والمراد أنَّها تشبهها، كما في الرواية الآتية للمؤلف آخر (الصلاة) : «عرض لي فشد علي»، ووقع في رواية عبد الرزاق: «عرض لي في صورة هر»، ووقع في رواية مسلم: «جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي»، فضمير (نحوها) يرجع إلى قوله: (تفلت عليَّ البارحة)، كما ذكرنا، وبه علم أنَّ قول العجلوني: (فضمير «نحوها» لجملة «تفلت علي البارحة») ليس على إطلاقه؛ لأنَّ الضمير في (نحوها) ليس عائدًا على الجملة، بل على قوله: (تفلت علي البارحة)؛ فافهم، وأمَّا قول الكرماني: (فضمير «نحوها» يرجع إلى «البارحة»)؛ فغير ظاهر؛ لأنَّ صريح اللَّفظ يدل على أنَّه قال نحو قوله: (تفلت علي البارحة)، ويدل عليه رواية البخاري ومسلم وعبد الرزاق كما علمتها آنفًا؛ فافهم، (ليَقْطَع) بفتح التحتية، والطاء المهملة، وسكون القاف (عليَّ) بتشديد التحتية المفتوحة (الصلاة) قال العجلوني: لم أقف على تعيين الصلاة، ولعلها نافلة الليل، انتهى، قلت: ويحتمل أنَّها نافلة النهار، ويحتمل أنَّها فريضة الليل أو النهار، ولا مانع منه؛ فليحفظ، (فأمكنني) بعدم الإدغام (الله منه)؛ يعني: قوَّاني وعصمني الله منه، وقد جاء في تفسير ذلك في رواية النسائي حيث قال: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي» انتهى، (فأردت) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (وأردت)؛ بواو العطف (أن) بفتح الهمزة

стр. 655

(أربِطه) بكسر الموحَّدة الخفيفة وضمها (إلى سارية) أي: مع سارية (من سوار المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام للعهد، والسارية: الأسطوانة؛ أي: من أسطوانة من أساطين المسجد النَّبوي، قال القليوبي: وجملتها الآن مئتان وست وتسعون أسطوانة، انتهى، وقد زاد في عمارته السلطان عبد المجيد العثماني زيادة لم أرها، ونسأل الحنان المنان أن يرزقنا زيارة النَّبي الأعظم ﷺ بالصحة والأمان، آمين، (حتى تصبحوا)؛ أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر (وتنظروا إليه) أي: إلى العفريت (كلُّكم) بالرفع تأكيد للضمير المرفوع. قال إمام الشَّارحين: يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تفسد به الصلاة، انتهى. قال العجلوني: (والأرجح كون ربطه خارج الصلاة؛ لأنَّ ربطه بالسارية يحتاج إلى عمل كثير لا يسير كما قاله، على أنَّ في رواية النسائي السَّابقة أنَّها تدل على كثرة العمل؛ فتأمل) انتهى. قلت: بل هما احتمالان، والأرجح أنَّه ﵇ أراد ربطه وهو في الصلاة، يدل عليه صريح لفظ الحديث؛ حيث قال: «فأمكنني الله منه فأردت...» إلخ، فأتى بالفاء المفيدة للتعقيب؛ يعني: أنَّه وقت إمكانه منه أراد ربطه؛ لأجل ألا يفر منه، فيفوت المقصود وهو نظرهم إليه. وقوله: (لأنَّ ربطه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه ﵇ كان قريبًا من السارية، أو أشار إليها لتقرب منه، وربطه لا يحتاج إلى عمل كثير؛ لأنَّ الكثير ما يستكثره الناظر، أو ما يفوَّض إلى رأي المصلي، والربط لا يكون كذلك، بل هو عمل يسير غير مفسد للصلاة، ورواية النسائي السَّابقة لا تدل على العمل الكثير؛ لأنَّه قال فيها: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه»، فهي ظاهرة في أنَّها عمل يسير لا كثير، ويحتمل تعدد القصة، فكل رواية في قصة بانفرادها، وهو الأظهر، ويحتمل أنَّ على رواية النسائي يكون المعنى: فأخذته بيدي من رقبته حتى خنقته ووجدت برد لسانه، فهو عمل واحد يسير لا كثير كما زعمه؛ فليحفظ. (فذكرت) أي: تذكرت (قول أخي) أي: في النُّبوة أو الدِّين (سليمان) هو ابن داود ﵉ الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]؛ أي: مطيع رجَّاع، وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأنَّ الله تعالى قد أثنى على عبدين أحدهما صابروالآخر شاكر ثناءًا واحدًا، فقال: في وصف أيِّوب: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقال في وصف سليمان: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ انتهى، قلت: وعلى هذا لا فضل للغني الشاكر على الفقير الصابر، بل هما في الفضل سواء، وفيه خلاف؛ والجمهور على أنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأنَّ نفعه عام لنفسه ولغيره فهو أولى بالفضل، وأمَّا الفقير الصابر؛ فنفعه قاصر على نفسه فقط؛ فليحفظ: (﴿رب اغفر لي﴾)؛ أي: ذنبي، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين (﴿وهب لي﴾) [ص: ٣٥] كذا لأبي ذر، ولغيره: (رب هب لي) وإسقاط (﴿رب اغفر لي﴾) سوى ابن عساكر، فإنَّه رواه بلفظ (هب لي) فقط كما في (الفرع) و (أصله)، ووقع في رواية مسلم كرواية أبي ذر على نسق التلاوة. قال ابن حجر: (والظَّاهر أنَّ غير رواية أبي ذر من تغيير بعض الرواة) انتهى. قلت: وعليه فهو تصحيف من بعض الرواة، وليس كذلك؛ لأنَّ أكثر الرواة رووا: (ربِّ هب لي)، ولا يمكن اجتماع الجمهور على تصحيف الرواية، وكل راوٍ روى على ما سمعه فهذه الجرأة مذمومة؛ ولهذا قال الكرماني: (لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن، لا على قصد أنَّه قرآن) انتهى، قلت: يعني: أنَّ رواية أبي ذر على قصد أنَّه قرآن، ورواية غيره على قصد الاقتباس من القرآن، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ لأنَّه صادر من غير تأمل؛ فليحفظ. (﴿مِلكًا﴾) بكسر الميم مفعول ﴿هب﴾، وزعم العجلوني أنَّه بِضَمِّ الميم، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ القاعدة عند المحققين أنَّ المُلك إذا أضيف لله تعالى بِضَمِّ الميم؛ كقوله: ﴿المُلْكُ اليَوْمَ (١) لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وإذا أضيف إلى العبد بكسر الميم؛ كقولنا: الدار مِلك زيد؛ فليحفظ. فإن قلت: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه فيها وحقارتها لديه؟ قلت: هو محمول على أداء الحقوق لله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، وظهور عبادته، ونظم قانون الحكم النافذ على خلقه منه، وتحقيق الموعود في أنَّه يعلم مالا يعلم أحد (٢) من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وحاشى سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنَّه هو والأنبياء ﵈ أزهد خلق الله في الدنيا، وإنَّما كان سؤاله مملكتها لله تعالى؛ كما سأل نوح دمارها وهلاكها، وكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، وقد قيل: إنَّ ذلك كان بأمر من الله على الصِّفة التي علم الله أنَّه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده. قال الحسن البصري: (ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمة غير سليمان فإنَّه قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا..﴾ الآية [ص: ٣٩])، قلت: وهذا يردُّ ما رُوي في الخبر أنَّ آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود؛ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا ذكره صاحب «القوت»، قلت: وقد نص الحفاظ الثقات أنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له؛ لأنَّه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنَّه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة وهو سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠]، ويدل عليه ما عند المؤلف في «الصَّحيح» : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته...»؛ الحديث، فجعل له من قبيل السؤال حاجة مقضية، فلهذا لم تكن عليه تبعة، والله تعالى أعلم. (﴿لا ينبغي﴾) أي: لا يطلب (﴿لأحد من بعدي﴾)؛ أي: من البشر أو أعم؛ أي: أن يسأله فكأنَّه ﵇ سأل منع السؤال لأحد من بعده حتى لا يتعلق به أمل لأحد،

стр. 656

ولم يسأل منع الإجابة، وقيل: إنَّ سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السماوات والأرض؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النَّبي الأعظم ﷺ العفريت المذكور، وأراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان؛ تركه مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان وأنَّه مما اختص به، فلو أعطي أحد بعده مثله؛ ذهبت هذه الخصوصية، فكأنَّه ﵇ كره أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنَّه شيء هو الذي خص به من سحرة الشياطين، وأنَّه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده، والله أعلم؛ فليحفظ. وقال القاضي عياض: (امتنع ﵇ من ربطه؛ إمَّا لأنَّه لم يقدر عليه؛ لأنَّه قد رده الله خاسئًا، وإما لأنَّه لما ذكر دعوة سليمان؛ لم يتعاطَ ربطه؛ لظنه أنَّه لا يقدر عليه أو تواضعًا وتأدبًا) انتهى. قلت: يرد هذا ما جاء في رواية النسائي بقوله: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وعند ابن أبي الدنيا: «فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق؛ ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح طريحًا في المسجد»؛ فافهم، وأجاب العلامة القاري: (إنَّما تركه إيماء لكونه معجزة مختصة بسليمان)، قلت: وهو الظَّاهر؛ فتأمَّل. قال القسطلاني: (وزاد في حاشية «الفرع» و «أصله» بعد قوله: «﴿بعدي﴾» مما ليس عليه رقم أحد من الرواة: «﴿إنَّك أنت الوهاب﴾»). (قال روح) هو ابن عبادة المذكور في سند الحديث دون رفيقه محمَّد بن جعفر، فهو موصول لا غير، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد تردد الكرماني في كونه معلقًا أو موصولًا، قلت: ولا وجه لتردده، بل هو موصول قطعًا بدليل رواية البخاري في (أحاديث الأنبياء) عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر وحده، فزاد في آخره أيضًا: «فرددته خاسئًا»، وفي رواية مسلم: «فرده الله خاسئًا»، فعلى هذا دلَّ على أنَّ قوله: (قال روح) داخل تحت الإسناد، كما لا يخفى، ولعل الكرماني لم يطلع على ذلك؛ فافهم: (فرده) أي: رد النَّبيُّ الأعظم ﷺ العفريتَ حال كونه (خاسئًا)؛ أي: مطرودًا بعيدًا، وفي «الصِّحاح» : خسأت الكلب: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى، ويكون الخاسئ بمعنى: الصاغر الذليل، وفي «المحكم» : (الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين بالبعد: الذي لا يترك أن يدنو من الناس، وخسأ الكلب يخسأ خسئًا وخسوءًا، فخسأ وانخسأ، ويقال: أخسأُ إليك وأخسأْ عني) انتهى. قلت: فعلى ما شرحنا يكون فاعل (رده) النَّبي الأعظم ﵇، ويؤيده رواية المؤلف في (الأنبياء) لكن عن محمَّد بن جعفر وحده: «فرددته خاسئًا»، ويحتمل أن يكون فاعل (رده) الله تعالى، ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ: «فرده الله خاسئًا»، قيل: وفي بعض النُّسخ هنا: (فرده الله خاسئًا)؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «الأسير» ظاهرة، وأمَّا قوله: «والغريم»؛ فبالقياس عليه؛ لأنَّ الغريم مثل الأسير في يد صاحب الدين، ففي الحديث: دليل على إباحة ربط الأسير والغريم في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري، ومن هذا قال المهلب: إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دين والتوثق منه في المسجد وغيره) انتهى. وقال الخطابي: (فيه دليل على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف؛ فدركه غير ممتنع أصلًا، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]؛ فإنَّ ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك) انتهى، واعترضه الكرماني فقال: (لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت) انتهى، قلت: وقد تبعه البيضاوي؛ حيث قال: (ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا) انتهى، يعني: في بعض أحوالهم، وهو حال بقائهم على صورهم الأصلية؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدل على رؤيتهم، وهو جواب عنه؛ فافهم. وقال الإمام جار الله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيه دليل بيِّن على أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعْمَ من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) انتهى، واعترضه العجلوني فقال: (حديث الباب وغيره من الأحاديث يرده) انتهى، قلت: ما بلغ هذا رتبة الرد على مثل هذا الإمام؛ لأنَّ الآية صريحة فيما قاله، وأما الحديث وغيره؛ فليس فيه ردٌّ لما قاله؛ لأنَّ رؤية النَّبي الأعظم ﷺ العفريتَ خاص به دون غيره من أمته، كما أنَّ رؤيته الملائكةَ خاص به، يدل عليه أنَّه ﵇ لما خرج في جنازة بعض أصحابه؛ مشى على رؤوس رجليه، فسئل عن ذلك، فقال: «لازدحام الملائكة»، فأصحابه لم يروا الملائكة وقتئذٍ، وكذلك الجن؛ فإن رؤيتهم كانت خاصة به ﵇ دون غيره من الأُمَّة، ويدل على الخصوصية أنَّ أحدًا من أصحابه لم ير أحدًا منهم، إلا أنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وذلك لأنَّهم لا قدرة لهم على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنَّما يظهرون إذا فعلوا ضروبًا من الأفعال أو قرأوا كلمات علمهم الله إياها، إذا فعلوها أو تكلموا بها؛ نقلهم الله من صورة إلى صورة أخرى، ولا يمكن أن يصوروا أنفسهم؛ لأنَّ ذلك محال؛ لأنَّه يلزم منه نقض البُنية؛ وهو يستلزم تفريق الأجزاء؛ وهو يستلزم إبطال الحياة، فالصورة الحقيقية التي لهم لا ترى للأنس أصلًا، إنَّما يرى صورة أخرى كما ذكرنا، هذا معنى كلام الإمام جار الله، وقد خفي هذا على العجلوني حتى قال ما قال ولم يدر المقال؛ فافهم. وفي «عمدة القاري» : (قال ابن بطال: ورؤيته ﵇ العفريتَ هو مما خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة، وقد أخبر ﵇: أنَّ جبريل ﵇ له ست مئة جناح، ورأى النَّبي ﵇ الشَّيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأنَّ الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه ألقى في روعه ما وهب سليمان ﵇، فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به وحرصًا على إجابة الله دعوته، وأمَّا غير النَّبي ﵇ من الناس؛ فلا يُمكَّن منه، ولا يرى أحدٌ الشَّيطانَ على صورته غيره ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله، فمات الرجل به، وبيَّن النَّبي ﵇ ذلك بقوله: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم؛ فاقتلوه»، رواه الترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد الخدري) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم. وحديث الباب رواه مسلم، قال النَّووي في «شرحه» : فيه دليل على أنَّ الجن موجودون وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية؛ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالة لما قال النَّبي عليه السَّلام

стр. 657

ما قال من رؤيته إياهم، ومن أنَّه كان يربطه لتنظروا إليه ويلعبوا به ولدان أهل المدينة) انتهى. قلت: قوله: (وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين) : المراد بهم: النَّبي الأعظم ﷺ وسليمان دون أمة (١) نبينا ﵇، وكذلك قوله: (وأمَّا الآية...) إلخ: خاصٌّ بالنَّبي الأعظم وسليمان دون أمة نبينا، وقوله: (ومن أنه...) إلخ: هذا يدل على أنَّه ﵇ أحب أن تنظر إليه أصحابه، لكن منعه من ذلك دعوة سليمان مع أنَّ الجن مستورون عن الإنس، ولا يمكن رؤية البشر الجن على الصِّفة الأصلية، بل إذا تصوروا بصورة أخرى يمكن، وقوله: (ويلعبوا به...) إلخ: هذه دعوى لا دليل عليها فهي مردودة؛ فافهم. وقال القاضي عياض: (وقيل: إنَّ رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية، إلا للأنبياء ومن خرقت له العادة، وإنَّما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار) انتهى. واعترضه النَّووي فقال: هذه دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إن رؤيتهم...) إلخ: دليلها صريح الآية ظاهرًا، وقوله: (إلا للأنبياء) دليله حديث الباب فإنَّ رؤية العفريت مما اختص به ﵇ دون أحد من أصحابه وكذلك سليمان، وقوله: (ومن خرقت له العادة)، هم الأبدال والنجباء؛ لما في الحديث أنَّه كل واحد منهم على قدم نبي من الأنبياء، وما كان معجزة لنبي؛ جاز أن يكون كرامة لولي، وفيه أحاديث يطول سردها، وقوله: (وإنما يراهم...) إلخ: دليلها الآثار التي ذكرها، فكيف قال النَّووي ما قال؟! فافهم. وقد ذكر سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي أنَّه كان يجتمع بالقاضي شمهورش، ويقرأ عليه، ويدارسه، وهو كان قاضي الجن، وقيل: إنَّه صحابي؛ لأنَّه بلغ من العمر مدة طويلة، قيل: من جن نصيبين أو من غيرهم. وقد اشتهر عند علماء الروحاني أنهم قالوا: إذا قرأ الإنسان كلمات وأسماء سريانية عددًا مخصوصًا بصفة مخصوصة؛ أنَّه يجتمع بالجن الخادم لهذه الكلمات، كما ذكر ذلك أحمد البوني في «شمس المعارف»، والله أعلم أن الظَّاهر أن الممتنع رؤيتهم على صورتهم الأصلية من غير طلب وقصد، أمَّا على صورة أخرى بطلب من عزيمة ونحوها؛ فغير ممتنع؛ فليحفظ. وقد حدثني شيخي عن شيخه الشيخ محمَّد الكزبري: أنَّه كان عنده مرة الشيخ عبد القادر القباني فأخبره: أنَّ له شيخًا من الجن، فاستأذنه بالاجتماع به، فأذن له، فاستأذن الشيخ الجني، فأذن له لكن بشرط أن يكون الوقت ليلًا وأن يكون بغير نور، فاجتمعوا في مكان، وسمع صوته ولم ير شخصه، وأنَّ صوته رقيقٌ (٢)، هكذا قال، والله أعلم. قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ أصحاب سليمان ﵇ كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم؛ لم تكن تقوم الحجة له؛ لمكانته عليهم) انتهى، واعترضه العجلوني فزعم أنَّ في دلالته على ما ذكر خفاء، انتهى، قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الحديث فيه أنَّه ﵇ أحبَّ أن يربط العفريت، وتنظر إليه أصحابه ويشاهدوه، فتذكَّر قول سليمان؛ حيث إنَّه كانت أصحابه تشاهد الجن؛ فلم يفعل وترك ذلك؛ حرصًا على إجابة دعوة سليمان؛ فافهم، وفي «تفسير القرطبي» : (قال علي: بينا سليمان على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه؛ إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، قال جابر: قال ﵇: «كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله»، وحكى يحيى الشيباني عن ابن عبَّاس: أنَّ الذي أخذ خاتمه صخر من الشياطين، ثم إنَّه وجد الخاتم في عسقلان، قال علي ﵁: لما أخذ سليمان الخاتم؛ أقبلت إليه الشياطين، والجن، والإنس، والطير، والوحش، والريح، وهرب الشَّيطان، فاستشارهم حتى أرسل إليه، وأوثقه في جبل الدخان) انتهى، قلت: فهذا يدل على أنَّ أصحاب سليمان يشاهدون الجن والشياطين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ...﴾؛ الآية [النمل: ١٧]، وبهذا كفاية، والله أعلم. وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ الجن ليسوا باقين على عنصرهم النَّاري، ولأنَّه ﵇ قال: «إنَّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهتي»، وقوله ﵇: «رأيت ليلة أسري بي عفريتًا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت إليه رأيته»، ولو كانوا باقين على عنصرهم النَّاري، وأنهم نار محرقة؛ لما احتاجوا إلى أن يأتي الشَّيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشَّيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما يحرق الآدميَّ النَّارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل هذا على أنَّ تلك النَّارية انغمرت (٣) في سائر العناصر حتى صار البرد، ويؤيده قوله ﵇: «حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وفي رواية: «برد لعابه») انتهى، قلت: وهذا كلام في غاية من التحقيق. وقال البغوي: (وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأمَّا الشياطين؛ فليس فيهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس)، وذكر وهب: أنَّ من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، من نار السموم: ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله، ويقال: السموم بالنهار، والحرور بالليل، وعن الكلبي: السموم: نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السَّماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجب فهوت إلى ما أمرت، فالهدة التي تسمع هي خرق (٤) ذلك الحجاب، وقيل: نار السموم: لهب النَّار، وقيل: من نار السموم؛ أي: من نار جهنم. وعن الضحاك عن ابن عبَّاس: (كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وأما الملائكة؛ فخلقوا من النور) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ. قلت: وما يزعمه الناس من أنَّ الجن تصرع بعض الإنس بكلمات يقرؤها المشايخ؛ فباطل، ولهذا قال الإمام الجبائي: الناس يقولون: المصروع إنَّما حصلت له تلك الحالة؛ لأنَّ الشَّيطان يمسه ويصرعه؛ وهو باطل؛ لأنَّ الشَّيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشَّيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهذا صريح في أنَّه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء. وثانيها: أنَّ الشَّيطان ليس كثيف الجسم، وإلا لوجب أن نشاهده؛ إذ لو كان كثيفًا ويحضر ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس، ورعود، وبروق، وجبال، ونحن لا نراها، وذلك جهالة؛ لأنَّه لو كان جسمًا كثيفًا؛ كيف يمكن أن يدخل الشَّيطان في باطن بدن الإنسان؟ ولو لم يكن جسمًا كثيفًا؛ لكان جسمًا لطيفًا كالهواء، ومثل ذلك يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرًا على الصرع للإنسان وقتله. ثالثها: لو كان الشَّيطان يقدر على أنْ يصرع ويقتل؛ لصحَّ أن يفعل مثل معجزات الأنبياء، وذلك يجر إلى الطعن في النُّبوة. رابعها: أنَّ الشَّيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولمَ لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا ينصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويزيل عقولهم؟ وكل هذا ظاهر الفساد. وزعم قوم أنَّ الشَّيطان يقدر على ذلك لما روي: (أنَّ الشياطين في زمان سليمان كانوا يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل)، ولقوله تعالى ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا صريح في ذلك. وأجيب عن الأول: بأنَّه تعالى كثَّف (٥) أجسامهم في زمان سليمان، فلما صارت كثيفة؛ قدرت على الأعمال الشاقة، وهو من معجزاته. وعن الثاني: أنَّ الشَّيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو قول أيِّوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وإنَّما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة؛ لأنَّ الله خلقه عند ضعف الطبع وغلبة السوداء عليه، فلا جرم يخاف ويفزع عند تلك الوسوسة، ولهذا لا يوجد في الفضلاء. وقد أفرد بيان الجن وأحكامها الإمام العلامة بدر الدين الشبلي الحنفي في كتاب سماه «آكام المرجان في أحكام الجان»، فعليك به؛ لأنَّه لم يُسبق بمثله، وقد أودع فيه من التحقيقات الرَّائقة والتدقيقات الفائقة بما لم يسمع بمثله، فلله دره ما أعلمه، وفيه من أحكامهم: ولا خلاف في أنَّهم مكلفون، مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النَّار، واختلفوا في ثواب الطائعين؛ ففي «الفتاوى البزازية»

стр. 658

معزوًّا (١) لـ «الأجناس» عن الإمام الأعظم أنَّه قال: (ليس للجن ثواب) انتهى، وذلك؛ لأنَّه جاء في القرآن فيهم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١١] والمغفرة لا تستلزم الإثابة؛ لأنَّه ستر؛ منه: المغفر للبيضة (٢)، والإثابة بالوعد فضل، فثوابهم النَّجاة من النَّار، وإليه ذهب جماعة، وبه قال اللَّيث وأبو الزناد، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: (لهم ثواب كما عليهم عقاب)، وبه قال مالك وابن أبي ليلى. قال في «الفتاوى السراجية» : (ولا تجوز المناكحة بين بني آدم والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس) انتهى، وتبعه في «منية المفتي»، و «الفيض»؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] أي: من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقكم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: من الآدميين، ولما رواه حرب الكرماني في «مسائله» عن الزهري قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الجن) وهو مرسل، لكنَّه حجة عند الجمهور لا سيما وقد اعتضد بأقوال العلماء؛ فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحاكم، وابن (٣) قتيبة، وإسحاق بن راهويه، وعقبة [بن] الأصم، وغيرهم، فإذا تقرر المنع من نكاح الأنسي الجنية، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى. وسئل مالك عن نكاح الجن، فقال: (ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن أكره إذا وجد امرأة حامل، قيل لها: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام) انتهى. قال الإمام الجليل قاضيخان في «فتاواه» : (امرأة قالت: معي جني يأتيني في النَّوم مرارًا، وأجد منه في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها) انتهى، وقيده المحقق الكمال بن الهمام بما إذا لم تُنزل، أمَّا إذا أَنزلت؛ وجب الغسل؛ لأنَّه احتلام. ويصح الصلاة خلف الجني؛ لأنَّه مكلف بلا خلاف، وتنعقد الجماعة بهم؛ لما رواه أحمد في «مسنده» عن ابن مسعود في قصة الجن وفيه: (لما قام رسول الله ﷺ يصلِّي؛ أدركه شخصان منهم فقالا: يا رسول الله؛ إنَّا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، فقال: فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، ثم انصرف). ورواية الجني مقبولة، وقال السيوطي: لا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه سواء علم الإنسي بهم أولا، وأمَّا رواية الإنسي عنهم؛ فالظَّاهر منعها؛ لعدم حصول الثِّقة بعدالتهم. وذبيحة الجني لا تؤكل؛ لأنَّه ﵇ نهى عن أكل ذبائح الجن كما في «الملتقط». والجمهور على أنَّه لم يكن من الجن نبي، وذهب الضحاك وابن حزم على أنَّه كان منهم نبي، وتمامه في «آكام المرجان». ولم يعرف العجلوني مذهب إمامه، فلم يتعرض لأحكامهم مع أنَّه لازم؛ تتميمًا للفائدة حتى لا تشتاق النفس إلى ذلك؛ فليحفظ والله أعلم. (٧٦) [باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد] (باب الاغتسال إذا أسلم)؛ أي: هذا باب في بيان حكم اغتسال الكافر إذا أسلم؛ أي: في المسجد (و) بيان حكم (ربط الأسير) (فعيل) بمعنى (مفعول) قال في «الصِّحاح» : أسره؛ أي: شده بالأساري، وهو القد، ومنه سمي الأسير؛ لأنَّهم كانوا يشدونه بالقد، كما مر، (أيضًا) مصدر (أضَّ) بمعنى: رجع، وقوله: (في المسجد) اللَّام فيه للجنس، والجار والمجرور متعلق بـ (الاغتسال) و (ربط الأسير) على سبيل التنازع، أو حال منهما، أو صفة لهما؛ فافهم، وفي رواية أبي ذر: (ويربط الأسير أيضًا في المسجد) وعليها؛ فالجار والمجرور متعلق بـ (يربط)، ويجوز تنوين (باب) خبرًا لمبتدأ محذوف، وجعل (الاغتسال) مرفوعًا مبتدأ، والخبر محذوف؛ تقديره: مندوب، فيقال: بابٌ -بالتنوين- الاغتسال على الكافر إذا أسلم مندوب، وقوله: (وربط الأسير) بالرفع معطوف على الاغتسال، وقوله: (في المسجد) متعلق أيضًا: بـ (الاغتسال)، وبـ (يربط)، أو حال منهما أو صفة لهما. قال إمام الشَّارحين: (وهذه التَّرجمة وقعت هكذا في أكثر الروايات، وليس في رواية كريمة والأصيلي قوله: «وربط الأسير أيضًا في المسجد») انتهى، وقال القسطلاني: (إنَّ قوله: «وربط الأسير...» إلى أول السند ساقط عند ابن عساكر، وأبوي ذر والوقت). وقال إمام الشَّارحين: (ووقع عند البعض لفظ «باب» بلا ترجمة، وهو الصَّواب لأنَّ حديث الباب من جنس حديث الباب الذي قبله، ولكن لما كانت بينهما مغايرة ما؛ فصل بينهما بلفظ «باب» مفردًا، وهو أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ همَّ بربط العفريت بنفسه ولكنه لم يربطه؛ لمانع ذكرناه، وههنا ربطه غيره، فلذلك فصل البخاري بينهما بلفظ «باب» مفردًا، وهذا أصوب من النُّسختين المذكورتين؛ لأنَّ في نسخة الجمهور، ذكر الاغتسال إذا أسلم، وليس في حديث الباب ذكر لذلك ولا إشارة إليه، وفي نسخة الأصيلي: «ربط الأسير» غير مذكور، وحديث الباب يصرح بذلك) انتهى. واعترضه العجلوني بأنَّ ما أوردَه على نسخة الجمهور غير وارد إن لم نجعل (في المسجد) متعلقًا بـ (الاغتسال) أيضًا، وحديث الباب مصرح فيه بالاغتسال، لكنه خارج المسجد، وظاهره وإن كان قبل الإسلام، لكنَّ المراد: بعد الإسلام؛ لما في حديث ابني خزيمة وحبان من التصريح بأنه بعد الإسلام، ويمكن حمل ما هنا على أنَّه أظهر الإسلام بين الصَّحابة وإن كان أسلم قبلُ عند خروج النَّبي ﵇ إليه في المرة الثالثة؛ فتأمَّل) انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وقول صادر من غير اعتبار؛ لأنَّ كون (في المسجد) متعلقًا بـ (الاغتسال) و (ربط الأسير) متعين كما أوضحناه قريبًا، وذلك لصحة المعنى، وحديث الباب غير مصرح بالاغتسال في المسجد، بل صرح بالاغتسال خارج المسجد وهو غير مراد، وصريح الحديث أنَّ الاغتسال منه وقع قبل الإسلام، وكونه بعد الإسلام يحتاج لدليل، وما ذكره عن ابن حبان وابن خزيمة، لا ينهض دليلًا؛ لأنَّ فيه (فمرَّ عليه النَّبي ﵇ يومًا فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل...)؛ الحديث، ويأتي بتمامه قريبًا، وهو يقتضي أنَّ القصة متعددة، ويحتمل أنَّ معنى: (أسلم) انقاد للإسلام؛ لأنَّ في أول الحديث أنَّه ﵇ كان يهدده، ويقول ثمامة: (إن تقتل تقتل)، وفي آخر الحديث قال ﵇ لأصحابه: «لقد حسن إسلام أخيكم»، وهذا يدل على أنَّ إسلامه الحقيقي كان بعد الاغتسال، وعلى كل حال؛ فالاغتسال إنَّما كان خارج المسجد، وإمكان كونه أظهر الإسلام بين الصَّحابة ممنوع؛ لأنَّه لو كان كما ذكر؛ لكانت الصَّحابة أخبرت النَّبي ﵇ بإسلامه ولما قالوا له: (ما تصنع بقتل هذا؟) كما عند ابني خزيمة وحبان، وهو كان يهدده وهم شاهدون، وهذا ظاهر في مرات متعددة، ولم يكن إسلامه قبل خروجه ﵇، بل إنَّما كان بعد حله وبعثه لأجل الاغتسال، كما هو صريح حديث الباب، وحديث ابني خزيمة وحبان. والحاصل: أنَّ ما قاله إمام الشَّارحين هو الصَّواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وما زعمه العجلوني باطل صادر من فكر عاطل؛ فافهم، والله أعلم. وقال ابن المُنَيِّر: (ولم يورد المؤلف قصة ثمامة في باب «الأسير يربط في المسجد» مع أنَّها أليق بحسب الظَّاهر؛ لاحتمال أنَّ المؤلف آثر الاستدلال بقصة

стр. 659

العفريت على قصة ثمامة، لأنَّ الذي همَّ بربط العفريت هو النَّبي ﵇، والذي ربط ثمامة غيره، ولمَّا رآه مربوطًا قال: «أطلقوا ثمامة»، فهو بأن يكون إنكار الربط أولى من [أن] يكون تقريرًا) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا قول صادر من غير تأمل؛ لأنَّ ابن إسحاق صرح في «المغازي» أنَّ النَّبي ﵇ هو الذي أمرهم بربط ثمامة، فإذا كان كذلك؛ كان حديث ثمامة من جنس حديث العفريت، ولكن لما كان بينهما مغايرة ما؛ فصل بينهما بلفظ «باب») انتهى. وتبعه ابن حجر حيث قال: (وكأنَّ ابن المُنَيِّر لم ينظر سياق هذا الحديث تامًّا لا في «البخاري» ولا في غيره، فقد أخرجه البخاري في «المغازي» من هذا الوجه مطولًا، وفيه أنَّه ﵇ مرَّ على ثمامة ثلاث مرات، وهو مربوط في المسجد، وإنَّما أمر بإطلاقه في اليوم الثالث، وكذا أخرجه مسلم وغيره، وإني لأتعجب منه كيف جوز أنَّ الصَّحابة يفعلون في المسجد أمرًا لا يرضى به النَّبي ﵇؟! فهو كلام فاسد مبني على فاسد) انتهى. واعترضه العجلوني بأنَّ التَّرجمة وقعت لابن المُنَيِّر كما ذكر، فاحتاج إلى توجيهها، ولم ينظر لما وقع في غيرها، فإن نظر إليه؛ اتجه اعتراض ابن حجر عليه بما ذكره وإن كان فيه تكلف، انتهى. قلت: وقوع التَّرجمة هكذا غير عذر؛ لأنَّه كان يمكنه تصحيحها بالمقابلة على نسخة صحيحة، على أنَّ توجيهها بما ذكر غير صواب؛ لأنَّه مخالف لصريح الأحاديث مع الجرأة على الصَّحابة الكرام، ولا مانع من نظره لما وقع في غيرها وعدم فهم معناها؛ لأنَّ الذي يقول هذا الكلام لا يفهم المعنى المرام، فصح قول ابن حجر: (فهو كلام فاسد مبني على فاسد)، وصح قول إمام الشَّارحين: (هذا قول صادر من غير تأمل)؛ فافهم. وقال إمام الشَّارحين: (وأبعد من الكل النُّسخة التي ذكرها ابن المُنَيِّر وهي: «باب ذكر الشراء والبيع» فيه: «أبو هريرة بعث رسول الله ﵇ خيلًا...»؛ الحديث، ثم قال: وجه مطابقة حديث ثمامة للبيع والشراء في المسجد أنَّ الذي تخيل المنع مطلقًا إنَّما أخذه من ظاهر أنَّ هذه المساجدإنَّما بنيت للصلاة ولذكر الله، فبيَّن البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد، وهو ربط ثمامة؛ لأنَّه مقصود صحيح، فالبيع كذلك، انتهى، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقال صاحب «التلويح» بعد أن نقل هذا الكلام منكرًا عليه ومستبعدًا وقوعه منه: وذاك لعمري قول من لم يمارس... كتاب «الصَّحيح» المنتقى في المدارس ولم ير ما قد قاله في الوفود من... سياق حديث واضح متجانس وكان الشيخ قطب الدين الحلبي تبع ابن المُنَيِّر في ذلك، وأنكر عليه تلميذه صاحب «التوضيح»، وهو محل الإنكار؛ لأنَّ التَّرجمة التي ذكرها ليست في شيء من نسخ «البخاري») انتهى كلام إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح. وقال ابن حجر: (يحتمل أن يكون البخاري بيَّض للتَّرجمة فسدَّ بعضهم البياض بما ظهر له، ويدل عليه أنَّ الإسماعيلي ترجم عليه بـ «باب دخول المشرك المسجد»، وأيضًا فالبخاري لم تجرِ عادته بإعادة لفظ ترجمة عقب الأخرى، و «الاغتسال إذا أسلم» لا تعلق له بأحكام المساجد إلا على بُعْد بأن يقال: الكافر جنب غالبًا، والجُنب ممنوع من المسجد إلا لضرورة، فلما أسلم؛ لم تبق ضرورة للبثه في المسجد جنبًا فاغتسل؛ لتُسوَّغ له الإقامة في المسجد) انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ احتمال كون البخاري بيَّض للتَّرجمة ممنوع؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يذكر تعليقًا وحديثًا، وهذا أبعد البعيد أن يذكر التَّعليق والحديث، ويبيض للتَّرجمة، واحتمال أن بعضهم سد هذا البياض أبعد منه؛ لأنَّ رواة «البخاري» كلهم عدول، ولم يحصل من العدل جرأة على مثل «البخاري»، فهذا يعد نقصًا في رواة «البخاري»، وهو غير صحيح، وكون الإسماعيلي ترجم له بما ذكر؛ لعلَّ هذه التَّرجمة مثل ترجمة ابن المُنَيِّر لم توجد في نسخ البخاري، وكون البخاري لم تجر عادته بإعادة ترجمة عقب أخرى؛ ممنوع؛ لأنَّ عادته إعادة الأحاديث مرات في أبواب متعددة وهذا مثله، والعادة تثبت بمرة، وكون الاغتسال لا تعلق له بأحكام المساجد؛ ممنوع؛ لأنَّ تعلقه ظاهر، فإنَّ الكافر جنب في الغالب، وهو ممنوع من دخول المسجد، فلمَّا أسلم؛ احتاج إلى الصلاة في المسجد، فيغتسل ثم يدخل، فهو حكم من أحكام المساجد، والله أعلم. (وكان شُرَيْح)؛ بِضَمِّ الشين المعجمة، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، هو ابن الحارث الكندي، كان من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وكان في زمن النَّبي الأعظم ﷺ ، ولم يلقه، قضى بالكوفة من قبل عمر بن الخطاب ﵁، ومن بعده ستين سنة، مات سنة ثمانين، كذا قاله إمام الشَّارحين، وفي «التقريب» : (شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي أبو أمية، مخضرم ثقة، وقيل: له صحبة، مات قبل الثمانين أو بعدها، وله مئة وثمان سنين أو أكثر، يقال: حكم سبعين سنة) انتهى، (يأمر الغريم)؛ أي: الذي عليه الدين، وقد يكون الغريم الذي له الدين، والمراد هنا الأول؛ فافهم، (أن يُحبَس)؛ بِضَمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يأمره بأن يحبس نفسه في المسجد (إلى) أي: مع (سارية) أي: أسطوانة (المسجد)؛ أي: مسجد الكوفة، فاللَّام فيه للعهد، ويحتمل أنَّه ضَمَّن (يحبس) معنى (يضم) فعدي بـ (إلى)، قيل: وفي نسخة (أن يَحبِس) بالبناء للفاعل، قال ابن مالك: (وفي إعراب هذا وجهان؛ أحدهما: أن يكون الأصل «بالغريم»، و «أن يحبس» بدل اشتمال، ثم حذفت الباء كما في قول الشاعر: أمرتك الخير والثاني: أن يريد: كان يأمره أن ينحبس، فجعل المطاوَع موضع المطاوِع لاسلتزامه إياه) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا تكلف، وحذف الباء في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، وهذا التركيب ظاهر، فلا يحتاج إلى مثل هذا الإعراب، ولا شك أنَّ المأمور هو الغريم، أمر بأن يحبس نفسه

стр. 660

في المسجد، فإن قضى ما عليه من الدينح ذهب في حاله، وإلا أُمِر به في السجن، و «أن يحبس» أصله: بأن يحبس، و «يحبس» على صيغة المجهول؛ يعني: أمره أن يحبس نفسه في المسجد أولًا، وعند المُطل يحبس في السجن) انتهى. واعترضه العجلوني فزعم: يتأمل دعواه ظهور التركيب مع جريانه على القواعد من غير ما قاله ابن مالك، فإنَّ المراد أنَّ شريحًا يأمر غيره بأن يحبس الغريم، ويربطه بسارية المسجد، على أنَّ الباء في الغريم موجودة في بعض الأصول الصَّحيحة؛ فتأمل. قلت: تأملته فوجدته فاسد الاعتبار، فإنَّ ظهور التركيب مع جريانه على القواعد غير ما زعمه ابن مالك ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، كما بيَّنها إمام الشَّارحين، كما رأيت، فيقال: (كان شريح) (كان) واسمها، و (يأمر الغريم) : فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر (كان)، و (أن) حرف مصدري، و (يحبس) : فعل مضارع منصوب بها، وهي في تأويل مصدر؛ تقديره: بحبس نفسه... إلخ. وقوله: (فإنَّ المراد...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ ظاهر اللَّفظ أنَّ شريحًا يأمر الغريم بحبس نفسه في المسجد، وليس في هذا التَّعليق ذكر غير شريح والغريم كما رأيت، فإنَّ في وقتهم لم يكن حاجب ولا شرطي، بل بمجرد علمه الحق وأنَّه يجب عليه كذا؛ يفعل ذلك الغريم وحده، ولا يقاس زمانهم على زماننا، فإنَّه قياس مع الفارق؛ فافهم. وقوله: (على أنَّ الباء...) إلخ، الله أعلم بصحة هذا الأصل الموجودة فيه، لأنَّ أحدًا من الشراح لم يذكرها أصلًا، لا من نسخة صحيحة ولا غيرها، والظَّاهر أنَّها تحريف من الناسخ، فلا يعول عليها، على أنَّ من القواعد أنَّ حذف الباء في الشعر جائز؛ للضرورة، وأمَّا ههنا؛ فلا يجوز؛ لعدم الضرورة، فقياس النثر على الشعر قياس مع الفارق؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الأثر للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة، وهو تعليق من البخاري، وقد وصله معمر عن أيِّوب عن ابن سيرين قال: (كان شريح إذا قضى على رجل بحق؛ أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق، وإلا أمر به في السجن) انتهى. [حديث: بعث النبي خيلًا قبل نجد فجاءت برجل] ٤٦٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف)؛ تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: حدثنا اللَّيث)؛ بالمثلَّثة: هو ابن سعد الفهمي، المصري، القلقشندي المولد، الحنفي المذهب على التحقيق (قال: حدثني) بالإفراد رواية الأربعة، ولغيرهم: (حدثنا) بالجمع (سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين المهملة فيهما، واسم أبي سعيد: كيسان، هو المقبري المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومئة، لا يقال: إنَّه مدلس؛ لاحتمال التحديث والسَّماع قبل الاختلاط؛ فافهم: (أنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: سعيدًا (سمع أبا هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل ﵁، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (حدثني أبو هريرة) (قال) أي: أبو هريرة: (بعث النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست، قاله ابن إسحاق، أو على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة، قاله ابن سعد، إلى القُرَطَاء؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء والطاء المهملة، وهم نفر من بني أبي بكر بن كلاب، وكانوا ينزلون البَكرات؛ بفتح الموحَّدة في الأصل؛ جمع بكرة، وهي ماء بناحية ضَرِيَّة؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وكسر الرَّاء، وتشديد التحتية؛ وهي أرض كثيرة العشب، وإليها ينسب الحمى، وضريَّة في الأصل: بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وسمي الموضع المذكور باسمها، وبين ضريَّة والمدينة: سبع ليال، كذا قرره إمام الشَّارحين، (خيلًا)؛ أي: فرسانًا، قاله الجوهري، والخيل أيضًا: الخيول، قاله إمامنا الشَّارح. وزعم ابن حجر (أي: رجالًا على خيل)، وردَّه في «عمدة القاري» : (بأنَّ هذا تفسير من عنده، وهو غير صحيح، بل المراد ههنا من الخيل: هم الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي: بفرسانك ورجالتك، والخيَّالة: أصحاب الخيول) انتهى. واعترضه العجلوني فزعم أنَّ تفسيره (خيلًا) هنا بـ (رجالًا على خيل) صحيح على أنَّ الذي رأيناه في نسخ ابن حجر: خيلًا؛ أي: فرسانًا، والأصل أنَّهم كانوا رجالًا على خيل، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ المراد بالخيل -كما قاله إمام اللُّغة الجوهري-: الفرسان، وقد جاء ذلك في القرآن، ومثله في «مختصر الصِّحاح»؛ حيث قال: (والخيل: الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾؛ أي: بفرسانك ورجالتك) انتهى، ومثله في «القاموس» حيث قال: (الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له، والفرسان) انتهى، وعلى هذا فتفسير ابن حجر غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لأهل اللُّغة، وهو تفسير من عنده، وهو مردود، والذي يفهم من «القاموس» أنَّ الرجل الراكب على فرس يقال له: فارس، وجمعه: فرسان، فالفارس: اسم للرجل والدَّابة معًا؛ فافهم. وقوله: (على أنَّ الذي...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ جميع نسخ ابن حجر هكذا: (خيلًا؛ أي: رجالًا على خيل) فكيف يدعي هذا هربًا من الاعتراض؟ وقوله: (والأصل...) إلخ؛ لا عبرة بهذا؛ لأنَّه غير مراد، بل المراد تفسير أئمة اللُّغة، وهو يخالفه، على أنَّه وإن كان الأصل فيه ذلك لا يقال له ذلك؛ لأنَّه خلاف اللُّغة؛ فافهم. (قِبَل نَجْد)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة، وهو الجهة، يقال: جلس قُبالته؛ بالضم؛ أي: تجاهه والمقابلة: المواجهة، ونَجْد؛ بفتح النُّون وسكون الجيم؛ وهي الأرض المرتفعة، ضد الغور، وهي تهامة إلى العراق، وهي من جزيرة العرب. قال المدائني: (جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، أمَّا التهامة؛ فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأمَّا نجد؛ فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأمَّا الحجاز؛ فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأمَّا العروض؛ فهي اليمامة إلى البحرين). وقال الواقدي: (الحجاز من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يشارف (١) أرض البصرة؛ فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطَّائف؛ نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر؛ فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد؛ فهو حجاز، سمي به؛ لأنَّه يحجز بينهما) انتهى. (فجاءت)؛ أي: الخيل، وهذا المبعث هو سرية كان أميرها محمَّد بن مسلمة، أرسله ﵇ في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطَاء، وكانت غيبته بها تسع عشرة ليلة، وقدم آخر ليلة من المحرم، (برجل من بني حَنيفة)؛ بفتح الحاء المهملة قبيلة مشهورة (يقال له) أي: للرجل: (ثُمَامة بن أُثَال) بالمثلَّثة فيهما مع ضم أولهما، وتخفيف ثانيهما ورابعهما، وهو في الأول ميم، وفي الثاني لام؛ فافهم، (فربطوه)؛ أي: فربط الخيلُ الرجلَ بأمر من النَّبي الأعظم ﷺ كما صرح به ابن إسحاق في «مغازيه»، وزعم العجلوني أنَّه يحتمل غيرهم، قلت: وهذا الاحتمال بعيد عن النَّظر؛ فافهم، (بسارية) أي: أسطوانة (من سواري) أي: من أساطين (المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وعلى هذا؛ فيكون حديث ثمامة من جنس حديث العفريت غير أنَّ بينهما فرقًا؛ من حيث إنَّ هناك حصل من النَّبي الأعظم ﷺ همٌّ وإرادةٌ لربطه، وإنَّما امتنع لمانع، وههنا أمرهم بربطه، كما رواه ابن إسحاق كما ذكرناه، وزعم العجلوني أنَّ هنا حصل ربطه منهم، فأقره ﵇، كما تقدم فيما رواه ابن إسحاق، انتهى، قلت: الذي تقدم عن ابن إسحاق أنَّه ﵇ هو الذي

стр. 661

أمرهم بربطه كما صرح به إمام الشَّارحين، وابن حجر، والقسطلاني، وغيرهم، فما نقله العجلوني غير صحيح؛ فليحفظ. (فخرج النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: من حجرته بعدما أمرهم بربطه، ودخل حجرته (فقال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ لأصحابه، أو للذين ربطوه، وذلك في اليوم الثالث لما تقدم أنَّ الحديث أخرجه المؤلف في «المغازي»، وفيه أنَّه ﵇ مرَّ على ثمامة ثلاث مرات، وهو مربوط في المسجد، ففي المرة الثالثة قال لهم: (أطلقوا) بفتح الهمزة، وهي همزة قطع (ثمامة)؛ أي: من القيد، إنَّما أمرهم بإطلاقه؛ منًّا عليه؛ إما للتآلف، وإما لأنَّه أسلم لمَّا مر عليه النَّبي الأعظم ﷺ ، كما رواه ابني خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة. وقال الكرماني: (يحتمل أنَّه ﵇ أطلقه لما علم أنَّه آمن بقلبه وسيظهره بكلمة الشهادة، وقال ابن الجوزي: لم يسلم تحت الأسر؛ لعزة نفسه، وكان ﵇ أحس بذلك منه، فقال: «أطلقوه»، فلما أُطلق؛ أسلم) انتهى. وردَّهما إمام الشَّارحين، فقال: (يرد هذا حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وابن حبان، وفيه: «فمرَّ ﷺ عليه يومًا فأسلم فحلَّه»، فهذا يصرح بأنَّ إسلامه كان قبل إطلاقه، فيُعذر الكرماني في هذا؛ لأنَّه قال بالاحتمال، ولم يقف على حديث أبي هريرة، وأمَّا ابن الجوزي؛ فكيف غفل عن ذلك مع كثرة اطلاعه في الحديث؟!) انتهى. قلت: أي: في الموضوع لا الصَّحيح حتى أفرط في أحاديث صحاح، وحكم عليها بالوضع، وقد قال الحفاظ: لا عبرة بوضع ابن الجوزي ورفع الحاكم، فيحتمل أنَّه لم يطلع على حديث أبي هريرة، لا يقال: يمكن حمل كلامهما -كما زعمه العجلوني- على أنْ يريد بقوله سيظهره بعد إطلاقه بين جمع الصَّحابة؛ لأنَّا نقول: صريح حديث أبي هريرة: أنَّه أسلم حين مرَّ عليه النَّبي ﵇، وكان بين جمع الصَّحابة، فأمرهم ﵇ بإطلاقه؛ لإسلامه صريحًا بين الصَّحابة، فإسلامه كان بعد إطلاقه؛ فليحفظ. (فانطلق) وفي رواية: (فذهب)؛ أي: ثمامة، وهذا تفريع على قوله: (فأطلقوه) يعني: فأطلقوه، فانطلق (إلى نَجْلٍ) بفتح النُّون، وسكون الجيم، آخره لام، وهو الماء النابع من الأرض، وقال الجوهري: (استنجل الموضع؛ أي: كثر به النجل، وهو الماء يظهر من الأرض)، وهكذا وقع في النُّسخة المقروءة على أبي الوقت، وكذا زعم ابن دريد. وفي أكثر الروايات: (إلى نخل)؛ بالخاء المعجمة، وكذا في رواية مسلم، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: (أنَّ ثمامة أُسِر، فكان النَّبي ﷺ يغدو إليه فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: إن تقتل؛ تقتل ذا دم، وإن تمنَّ؛ تمنَّ على شاكر، وإن تُرِد المال؛ نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب النَّبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمرَّ عليه النَّبي ﷺ يومًا، فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النَّبي ﷺ : «لقد حسن إسلام أخيكم»)، وبهذا اللَّفظ أيضًا خرَّجه ابن حبان في «صحيحه». وأخرجه البزار أيضًا بهذا الطريق وفيه: (فأمره النَّبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)، وفي بعض الروايات: (أنَّ ثمامة ذهب إلى المصانع، فغسل ثيابه واغتسل)، وفي «تاريخ البرقي» : (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر ﵄، قاله إمام الشَّارحين. قلت: وهذا كله يؤيد الرواية بالخاء المعجمة؛ لأنَّ (الحائط) البستان، والغالب فيه الماء. وذكر ابن حجر حديث أبي هريرة وأيد به رواية الخاء المعجمة. واعترضه العجلوني بأنّه لا تأييد فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكون انطلاقه إلى حائط أبي طلحة إلى حاجة، فرأى فيه النجل الذي هو الماء، انتهى. قلت: واعتراضه مردود عليه، بل فيه تأييد ظاهر؛ لأنَّ (الحائط) البستان الذي فيه الماء، والنجل؛ بالجيم: موضع الماء النابع. وكون ثمامة انطلق لحاجة في حائط أبي طلحة فرأى فيه الماء؛ يحتاج إلى دليل، بل إنَّما ذهب لحائطه؛ لأنَّ النَّبي الأعظم ﷺ بعث به إليه، وأمره أن يغتسل فيه، كما تقدم في حديث أبي هريرة قريبًا. وعند البزار: (فأمره ﵇ أن يغتسل بماء وسدر)، فهذا دليل على أنَّ ثمامة إنَّما ذهب لأجل الاغتسال، كما هو صريح الحديث، وإنَّما أمره ﵇ وبعث به إلى الحائط؛ لأجل الاغتسال، ولا حاجة لثمامة غير الاغتسال وغسل الثياب، ولا يمكن من ثمامة قضاء حاجة غير الاغتسال؛ لأنَّ النَّبيَّ الأعظم ﷺ بعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، كما في حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في أنَّه ﵇ بعث [معه] بعضًا من الصَّحابة حتى لا يهرب إلى أهله، ومعلوم أنَّ الأسير يكون بيد الناظر عليه كالطير في القفص، وأصحابه ﵇ لا يخالفون أمره ﵇، فلا يمكن منهم ذلك كما لا يخفى؛ فافهم. (فاغتسل)؛ أي: ثمامة، وفي رواية البزار: (أنَّه ﵇ أمره أن يغتسل بماء وسدر)، وفي بعض الروايات: (فغسل ثيابه واغتسل)، وفي «تاريخ البرقي» : (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر ﵄، والظَّاهر أنَّه لأجل أن يعلِّموه كيفية الاغتسال، وغسل الثياب، والطهارة وغير ذلك من فروع الإيمان، وفي رواية أبي هريرة في «صحيحي ابني (١) خزيمة وحبان» : (أنه اغتسل وصلى ركعتين) (ثم دخل المسجد)؛ أي: النَّبويَّ، فاللَّام فيه للعهد، وفيه النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه الكرام، (فقال)؛ أي: ثمامة (أشهد)؛ أي: أقر وأذعن بقلبي، وأصدق بلساني: (أن لا إله إلا الله) وإنَّما قدَّم النَّفي على الإثبات، ولم يقل: الله لا إله إلا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون هناك إله غير الله؛ فقد فرغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظَّاهرة والباطنة؛ فافهم. (وأنَّ محمَّدًا رسول الله)؛ أي: وأشهد أنَّه رسول الله؛ لأنَّ المراد بالشهادة: تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكره من الاعتقادات، ولهذا قال في «الأشباه» : الإيمان: تصديق محمَّد ﷺ في جميع ما جاء به من الدين ضرورة، والكفر: تكذيبه ﵇ فيما جاء به من الدين ضرورة، انتهى. قلت: وعلى هذا فلا بدَّ من إعادة (أشهد) في صحة الإسلام عند الحنفية، وهو المرجح عند الشَّافعية؛ فيراجع. قال العجلوني: (ولم نرَ من ذكر من الشراح أنَّ هذا الحديث من مراسيل أبي هريرة مع أنَّ إسلامه سنة سبع، وهذه القضية وقعت قبل، كما تقدم، لكنَّ مرسل الصَّحابي حكمه الوصل على الصَّواب؛ فليعرف) انتهى. قلت: ولكون حكم مرسل الصَّحابة الوصل؛ لم يتعرض أحد من الشراح لذلك؛ لكونه معلومًا ضرورة؛ فليحفظ. قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة، كما في الأثر المذكور) انتهى. قلت: بقي على المؤلف أنَّه لم يذكر حديثًا يطابق الجزء الأول من التَّرجمة؛ لأنَّ من المعيب على كلِّ مصنف أن يترجم لشيء ولم يتعرض له

стр. 662

بذكر حديث يطابقه. وقد يقال: إنَّ هذا الحديث مصرح به بالاغتسال، لكنَّه خارج، وظاهره أنَّه كان قبل إسلامه، لكن المراد أنَّه بعد إسلامه؛ لحديث أبي هريرة عند ابني حبان وخزيمة من التصريح بأنَّه بعد إسلامه، فيحتمل أنَّ المؤلف أراد حمل حديث الباب على هذا، ويحتمل أنَّه أراد أنَّ ثمامة أظهر إسلامه بين الصَّحابة، وإن كان أسلم قبلُ عند خروجه ﵇ إليه في المرة الثالثة لكنه بعيد؛ لأنَّه عليه لا يكون الاغتسال وقع في المسجد، والتَّرجمة أنَّه كان في المسجد، فالصَّواب من القول: أنَّ لفظ (باب) مجردًا من غير ترجمة أحسن، ولا احتياج إلى التكلفات والتعسفات؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر المسجد، وقال ابن التين: وعن مجاهد وابن محيريز: جواز دخول أهل الكتاب فيه، وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك والمزني: لا يجوز، وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة: يجوز للكتابي دخول المسجد دون غيره، واحتج بما رواه أحمد ابن حنبل في «مسنده» بسند جيد عن جابر ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد») انتهى. قلت: وحديث الباب يدل لما قاله؛ فافهم. واعترضه العجلوني بأنَّ المحفوظ عن الحنفية الجواز مطلقًا، ولعله قول للإمام، انتهى. قلت: ما آن لهذا أن يحفظ مذهب الأئمة الحنفية فضلًا عن مذهبه، بل هذا الذي قاله إمام الشَّارحين هو مذهب الإمام الأعظم؛ لما في «الأشباه والنظائر» من أحكام الذمي: (ولا يمنع من دخول المسجد جنبًا بخلاف المسلم، ولا يتوقف جواز دخوله على إذن مسلم عندنا، ولو كان المسجد الحرام) انتهى. فهذا هو المحفوظ، لا ما زعمه هذا القائل؛ فافهم. وقال إمام الشَّارحين: (واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها، وبقوله ﵇: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»، والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله ﵇: «لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب» والكافر جنب) انتهى. قلت: ولا حجة له في ذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ معناه كما قاله المفسرون: أنجاس في اعتقادهم، وأفعالهم، وأقوالهم؛ لأنَّهم يشركون بالله غيره، ويريدون بأعمالهم سواه، فالآية في دخولهم للحج؛ لأنَّهم كانوا يعملون في الحج أعمال المشركين، فأمر الله بتنزيه المسجد الحرام والحرم عن ذلك، فأمَّا نفس الدخول للمسجد ولو المسجد الحرام؛ فغير ممنوع؛ لأنَّ الجمهور اتفقوا على أنَّ الكفر لا يؤثر في نجاسة بدن الكافر نجاسة حقيقية، وإنَّما يؤثر في نجاسة باطنه، فكأنَّ صفة الكفر القائم بهم بمنزلة النَّجاسة الملتصقة بالشيء في باطنه، والنَّجاسة إذا كانت في معدنها لا تؤثر في الظَّاهر، ألا ترى أنَّ المسلم حاملٌ للنجاسة في باطنه، وهي غير مؤثرة في ظاهره، كما لا يخفى. ولأنَّ قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ معناه كما قاله المفسرون: ترفع بالصلوات وتلاوة القرآن، ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: الأذكار من تسبيح، وتهليل، وذكره تعالى وغير ذلك، هذا هو المراد برفعها، فلا تناقض بدخول الكفار المساجد لرفعها؛ لأنَّهم لا يؤثرون في الظَّاهر، ولا يلزم من دخولهم إبطال الصلوات والأذكار، فدخولهم ليس بممنوع، كما لا يخفى. وقال مجاهد: ﴿أَن تُرْفَعَ﴾ معناه: تبنى، وعليه أيضًا فلا تناقض في ذلك، لأنَّ دخول الكافر لا ينافي عمارتها وبناءها، كما لا يخفى. وقال الحسن: معناه: تعظَّم، وعليه فدخوله لا ينافي تعظيمها، والجمهور على الأول؛ فافهم. ولأنَّ قوله ﵇: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»؛ المراد به: حقيقة النَّجاسة، ولا شكَّ أنَّ المسجد يجب تنزيهه عنها، وأمَّا الكافر؛ فليس بنجس حقيقة ولا حكمًا. وقوله: (والكافر لا يخلو عن ذلك) ممنوعٌ؛ لأنَّ هذا من الأمور الوهمية، والأحكام لا تبنى على الوهم؛ لأنَّه يجوز أن يكون الكافر نظيفًا ومغتسلًا من النَّجاسات ليس عليه شيء منها. ولأنَّ قوله ﵇: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» أي: حقيقة، وكون الكافر جنبًا أمر موهوم، والأحكام لا تبنى عليه، على أنَّ حديث الباب يدل صريحًا على جواز دخول الكافر المسجد؛ لأنَّ الصَّحابة لما جاؤوا بثمامة؛ أمرهم النَّبي الأعظم ﷺ أن يربطوه في المسجد، كما صرح به ابن إسحاق، وثمامة كان وقتئذٍ كافرًا، فلو كان الكافر نجسًا أو يناقض لرفع المسجد؛ لما أمرهم بربطه، وكون الكافر لا يخلو عن الأقذار والجنابة أمر موهوم فلم يلتفت إليه النَّبي الأعظم ﷺ ، وأمر به فربط في المسجد، وبقي على ذلك أيامًا. والحاصل: أنَّ ما استدل به مالك من المنع غير ظاهر، ولا ينهض دليلًا لما قاله؛ فليحفظ. وقال الشَّافعي وأحمد ابن حنبل: يجوز دخول الكافر سواء كان كتابيًا أو غيره المسجد لحاجة وإذن مسلم ولو حكمًا، إلا المسجد الحرام فلا يمكَّن الكافر منه؛ لحديث الباب، ولأنَّ ذات الكافر ليست بنجسة. قلت: وحديث الباب يدل على جواز دخول الكافر المُعاهِد؛ لأنَّ ثمامة كان من خدمة أهل العهد، واشتراط الإذن من المسلم زائد على النص؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث؛ لأنَّ ثمامة كان بأيديهم مغلولًا، وجاؤوا به وربطوه في المسجد، أمَّا لو جاء وحده ودخل بإذن منهم؛ ينبغي أن يكون دليلًا مع أنَّه غير مصرح به في الأحاديث، فهو شرط زائد على النص؛ فلا يقبل. واستثناء المسجد الحرام ممنوع، ويرده قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والخطاب إنَّما كان للمشركين كما هو صدر الآية، فالمعاهد خارج عن الآية، فيجوز له الدخول في الحرم كما هو صريح الآية؛ فافهم. وفي الحديث: طلب الاغتسال إذا أسلم الكافر، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب له الاغتسال، وإن أسلم جنبًا؛ فُرض عليه الاغتسال، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ ثمامة يحتمل أن يكون طاهرًا أو جنبًا، فإن كان طاهرًا؛ فأمره ﵇ له بالاغتسال محمولٌ على الندب؛ لأنَّه للتنظيف، يدل عليه ما رواه البزار وغيره من حديث أبي هريرة، وفيه: (فأمره ﵇ أن يغتسل بماء وسدر)، فإنَّما كان السدر؛ لأجل النظافة، والاغتسال؛ لأجل أن يألف العبادات ويتعلمها، ويدل عليه أنَّ في بعض الروايات: (أمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر)، وما ذاك إلا لأجل أن يتعلم ثمامة منهما كيفية الاغتسال، وإن كان جنبًا؛ فيحتمل أنَّه ﵇ علم حاله فأمره بالاغتسال على سبيل الوجوب، ويدل عليه ما في «صحيح ابن حبان» أنَّه أمره أن يغتسل ويصلِّي ركعتين. وقال ابن بطال: (أوجب أحمد الغسل على من أسلم مطلقًا). قلت: الأمر عند الجمهور للندب، بل هو على التفصيل، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب في حقه الاغتسال، وإن جنبًا؛ افترض عليه، فلو أسلم طاهرًا متوضئًا أو مغتسلًا حال الكفر وأراد الصلاة بعد الإسلام؛ جازت صلاته بذلك الوضوء أو الغسل؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، هذا مذهب

стр. 663

الإمام الأعظم رئيس المجتهدين. وزعم الشَّافعية الأفضل أن يغتسل إن لم يكن جنبًا، وإلا؛ وجب الغسل وإن اغتسل في الكفر؛ لعدم صحة الغسل منه عندهم. وزعم ابن بطال وقال مالك: إذا أسلم النصراني؛ فعليه الغسل؛ لأنَّهم لا يتطهرون، فقيل: معناه: لا يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّه استحيل عليهم التطهير من الجنابة وإن نووها؛ لعدم الشرع، وقال: وليس في الحديث أنَّه ﵇ أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا أنَّه ﵇ أمر أحدًا أسلم بالغسل، انتهى. قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الكفار يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّهم يغتسلون بالصيف بالمياه الباردة، وفي الشتاء بالمياه الحارة في الحمامات، كما هو مشاهد من حالهم، لكن ليس اغتسالهم على الوجه المخصوص، بل يعممون البدن بالماء، وهو كاف في صحة الغسل، ولم يلزم لهم نية؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، فلو أسلم بعده؛ جازت صلاته به؛ فافهم. وقوله: (وقال: وليس في الحديث...) إلخ: رده إمام الشَّارحين، فقال: (قد مر في حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن حبان، وابن خزيمة، والبزار، وفيه: «فأمره ﵇ أن يغتسل»، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن أبيه، عن جده قال: «لما أسلمت؛ أمرني النَّبي ﷺ بالاغتسال»، وفي «الحلية» لأبي نعيم عن واثلة قال: «لما أسلمت؛ قال لي النَّبيُّ ﷺ : اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر»، وفي كتاب «القرطبي» روى عبد الرحيم بن عبيد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ أمر رجلًا أسلم أن يغتسل بماء وسدر) انتهى. قلت: إذا علمت ذلك؛ ظهر لك أنَّ في الحديث أنَّه ﵇ أمره بالاغتسال، فلا عبرة بكلامه؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مقدم على النافي، وإنما ذكر ذلك ترويجًا لمذهبه. وقول مالك: (لم يبلغنا...) إلخ: يرده ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه قد ثبت أنَّه ﵇ أمر بذلك، وهو لا ينافي بلوغه لغيره؛ لأنَّ الحفاظ قد أثبتوه في كتبهم الصِّحاح. وزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم أنَّه يحمل كلام مالك على عدم بلوغ الخبر إليه بحسب ظنه، أو لأنَّه لم يثبت عنده، فلا ينافي ما مر، انتهى. قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مالكًا قد نفى بلوغ الخبر إليه قطعًا، ولم يقل: بحسب ظني، وكونه لم يثبت عنده؛ ممنوع؛ لأنَّه قال: لم يبلغنا، ولم يقل: لم يثبت عندنا. وقوله: (فلا ينافي ما مر)؛ أي: الأحاديث الدَّالة على أمره بالاغتسال، بل هو مناف لكلامه؛ لأنَّه قد نفى ذلك، وهو ثابت في الأحاديث الصِّحاح، فكيف لا ينافيه وما ذا إلا تعصب بارد من ذهن شارد؛ فليحفظ. وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أسر الكافر وجواز إطلاقه، وللإمام في حق الأسير العاقل القتل، أو الفداء، أو الاسترقاق، أو الإطلاق منًّا عليه. وفيه: جواز ربط الأسير في المسجد، وزعم القرطبي يمكن أن يقال: إنَّ ربطه بالمسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، فيأنس ذلك). قلت: يوضح هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن عثمان بن أبي العاص: أنَّ وفد ثقيف لما قدموا؛ أنزلهم النَّبيُّ ﵇ المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم، وقيل: يمكن أن يكون ربطه في المسجد؛ لأنَّه لم يكن له موضع يربط فيه إلا المسجد. ثم قال: (وأخذ ابن المنذر من هذا الحديث: جواز دخول الجنب المسلم المسجد، وأنَّه أولى من المشرك؛ لأنَّه ليس بنجس بخلاف المشرك) انتهى. قال العجلوني: (وهذا القول في غاية الضعف والغرابة) انتهى. قلت: ليس هذا القول بأضعف من قول إمامه الشَّافعي: في جواز دخول المسلم الجنب المسجد على وجه المرور، بل هو غريب أيضًا؛ لأنَّ المرور دخول وزيادة، وقد قال ﵇ في الحديث الصَّحيح: «لا أُحِل المسجد لحائض ولا جنب»، وهو محكم لا يحتمل غيره، وقوله تعالى: ﴿إِلَّاعَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فمعناه: أي: مسافرين، باتفاق المفسرين؛ فليحفظ. (٧٧) [باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم] هذا (باب) : حكم نصب (الخَيْمة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية: البيت المستدير، أو الذي على ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام، ويستظل بها في الحر والمطر، أو هي كل بيت يبنى من عيدان الشجر، والجمع: خيمات، وخيام، وخيم؛ بالفتح، وكعنب كما في «القاموس»، (في المسجد للمرضى)؛ أي: لأجلهم، وهو جمع مريض من نزل به المرض (وغيرهم)؛ أي: من ذوي العاهات والحاجات، وتقديرنا الحكم أولى من تقدير الجواز كما فعل العجلوني، وإن كان المراد بالحكم الجواز؛ لحديث الباب، إلا أنَّ الحكم أعم؛ لشموله الجواز وغيره؛ فافهم. [حديث: أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل] ٤٦٣ - وبالسند إلى المؤلف: (حدثنا زكريا) : يجوز فيه المد والقصر (ابن يحيى) : هو ابن عمر أبو السكين الطائي الكوفي، قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، وقال القسطلاني: (هو البلخي اللؤلؤ الحافظ) انتهى، وتقدم في باب (إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا) أنَّه اختلف فيه، ومال الغساني والكلاباذي هناك: أنَّه زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤ البلخي، المتوفى سنة ثلاثين ومئتين، ومال إمام الشَّارحين وابن حجر: أنَّه زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السكين، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين، فالخلاف هناك جارٍ ههنا؛ فليحفظ، وكل (١) منهما شيخ للبخاري، ويروي عن عبد الله المذكور؛ فليحفظ. (قال: حدثنا عبد الله بن نُمَيْر) بِضَمِّ النُّون، وفتح الميم، وسكون التحتية، هو الكوفي (قال: حدثنا هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) هو عروة بن الزُّبير بن العوام المدني، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: أنَّها (قالت: أُصيب) بِضَمِّ الهمزة، مبنيًّا للمجهول (سَعْد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن معاذ أبو عمرو سيد الأوس، بدري كبير، قال أبو نعيم: مات سنة خمس في شوال، وكذا قال ابن إسحاق، ونزل في جنازته سبعون ألف مَلَك ما وطئوا الأرض قبل، واهتز له عرش، وفي رواية: العرش. فإن قلت: ما وجه اهتزاز العرش له؟ قلت: أجيب عنه بأجوبة؛ الأول: أنَّه اهتز استبشارًا لقدوم روحه، الثاني: أن المراد: اهتزاز حملة العرش ومن عنده من الملائكة، الثالث: المراد بالعرش: الذي وضع عليه، وسيأتي عند البخاري: أنَّ رجلًا قال لجابر بن عبد الله: إنَّ البراء بن عازب يقول: اهتز السرير، فقال: إنَّه كان بين هذين الحيين ضغائن، قال ابن الجوزي وغيره: يعني بالحيين: الأوس والخزرج، وكان سعد من الأوس، والبراء من الخزرج، وكل منهم لا يقر بفضل صاحبه عليه، قال صاحب «التلويح» : وفيه نظر من حيث إنَّ سعدًا والبراء كل منهما أوسي، وإنما أشكل عليهم فيما أرى أنَّه رأى في نسب البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، وسعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث الأوسي، فظن أنَّ الخزرج الأول هو أبو الخزرجيين ففرق بينهما، وإنما هو الخزرج أبو الحارثين المذكورين في نسبهما، وهو ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة،

стр. 664

كذا ذكر نسبهما ابن سعد، وابن إسحاق، وخليفة، وآخرين. (يوم الخندق) ويسمى: الأحزاب، وكان في ذي القعدة، ذكره ابن سعد، وقال موسى بن عقبة: (في شوال سنة أربع)، وقال ابن إسحاق: (في شوال سنة خمس)، وذكر أبو عمرو أن سعدًا مات بعد الخندق بشهر، وبعد قريظة بليال، كذا في «عمدة القاري»، (في الأَكْحل)؛ بفتح الهمزة، والحاء المهملة، بينهما كاف ساكنة، على وزن (الأفعل) : عرق في اليد، ويقال له: النساء في الفخذ، وفي الظَّهر: الأبهر، قاله في «المخصص» و «المجمل»، وقيل: الأَكحل: عرق الحياة، ويدعى: نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع من اليد؛ لم يرق الدم، وفي «الصِّحاح» : (هو عرق في اليد يفصد، ولا يقال: عرق الأكحل)، قاله إمام الشَّارحين. قلت: فقول العجلوني: (هو عرق في وسط الذراع)؛ غير ظاهر؛ لأنَّه مخالف لكلام أهل اللُّغة؛ فافهم. قال إمام الشَّارحين: رماه رجل من قريش يقال له: حبان ابن العرقة، وهو حبان بن أبي قيس من بني معيص (١) بن عامر بن لؤي، والعرقة: هي أم عبد مناف، واسمها قلابة بنت سعد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص، سميت العرقة؛ لطيب ريحها، فيما ذكره الكلبي، وقال أبو عبيد بن سلام: (العرقة: هي أم حبان، وتكنى: أم فاطمة)، قال السهيلي: (وهي جدة خديجة، أم أمها هالة) انتهى؛ فليحفظ. (فضرب النَّبي) الأعظم ﷺ خيمة في المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، و (ضرب) يستعمل لمعاني كثيرة، وأصل التركيب يدل على الإيقاع، والباقي يستعمل ويحمل عليه، وههنا المعنى: نصب خيمة وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض، والخيمة: بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، والجمع: خيمات وخيم؛ مثل: بدرة وبدر، والخيم مثل الخيمة، والجمع: خيام؛ مثل: فرخ وفراخ، وعند أبي نعيم الأصبهاني: (ضرب له النَّبي ﷺ خباء في المسجد)، والخباء: واحد الأخبية، هو من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك؛ فهو بيت، كذا قاله إمامنا الشَّارح. قلت: وضرب الخيمة إنَّما كان لسعد؛ (ليعوده) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (من قريب)؛ أي: من مكان قريب له ﵇، وذلك لمحبته لسعد ولعيادة المرضى؛ فليحفظ، (فلم يَرُعْهم)؛ بِضَمِّ الرَّاء، وفتح التحتية أوله، وسكون العين المهملة، من الروع؛ وهو الفزع، يقال: رعت فلانًا، وروعته فارتاع؛ أي: أفزعته ففزع، وقال الخطابي: الروع: إعظامك الشيء وإكباره فترتاع، قال: وقد يكون من خوف، وفي «المحكم» : الروع، والرواع، واليروع: الفزع، راعني الأمر روعًا ورووعًا -عن ابن الأعرابي كذلك حكاه بغير همز، وإن شئت؛ همزت-، وارتاع منه وله، وروَّعه فتروَّع، ورجل روع ورائع متروع، كلاهما على النسب. والمعنى ههنا: فلم يرعهم؛ أي: لم يفزعهم إلا الدم، وقال الخطابي: (والمعنى: أنَّهم بينا هم في حال طمأنينة وسكون حتى أفزعهم رؤية الدم فارتاعوا له)، كذا قرره إمام الشَّارحين. وزعم العجلوني أنَّه يجوز في (يرعهم) ضم أوله، وكسر الرَّاء، على أنَّه من أراع؛ بمعنى: أفزع، انتهى. قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الرواية لا تساعده، ولأنَّ المعنى عليه غير ظاهر؛ فتأمل. (وفي المسجد) أي: النَّبوي (خيمة) أي: أخرى (من بني غِفار)؛ بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء، آخره راء: هم من كنانة رهط أبي ذر الغِفاري، والجملة معترضة بين الفعل -أعني: (لم يرعهم) - والفاعل؛ أعني: قوله: (إلا الدم)، وجوز العجلوني كون الجملة حالًا. قلت: هو غير ظاهر، وكونها معترضة هو الصَّواب، ولهذا اقتصر عليها إمام الشَّارحين؛ فافهم. (يسيل إليهم)؛ أي: إلى بني غِفار؛ لأنَّ خيمتهم كانت أنزل من خيمة سعد، قال إمامنا الشَّارح: (وهذه الخيمة كانت لرقية الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت به ضيعة من المسلمين) انتهى. (فقالوا) أي: بنو غِفار: (يا أهل الخيمة؛ ما هذا الذي يأتينا من قِبَلكم؟)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: من جهتكم، وكلمة (ما) استفهامية، والإشارة إلى الذي يسيل، فاستفهامهم إنَّما كان عن ذات الذي يسيل إليهم؛ لأنَّهم لم يعلموا كونه دمًا أو غيره؛ لوقوعه ليلًا؛ يعني: فإن كان نجسًا؛ احترزنا منه، وإلا؛ فنحفظ ثيابنا منه أيضًا لتلوثها. وقول العجلوني: (واستفهامهم إمَّا عن ذات الآتي، وإمَّا عن سببه إن علموه)؛ لا وجه لتردده، والاحتمال الثاني بعيد؛ لأنَّ استفهامهم إنَّما كان عن ذاته ما هو؟ أنجسٌ أم ماء طاهر؟ لأجل الاحتراز عنه، ويدل عليه الإشارة في قوله: (ما هذا؟)؛ فافهم. (فإذا سعد يغذو)؛ بالغين والذَّال المعجمتين؛ أي: يسيل، وهو فعل مضارع، من غذا العرق نفسه، يغذوغذوًا (٢) غذوانًا؛ إذا سال، وكل ما سال؛ فقد غذا، والغذوان: المسرع، كذا في «عمدة القاري». وقيده الخطابي بالدوام، فقال: (غذا الجرح: سال ودام سيلانه) انتهى. قلت: وهذا القيد غير لازم؛ لأنَّ أئمة اللُّغة لم يقيدوه بالدوام، فإنَّ مجرد السيلان كاف، كما هو ظاهر لفظ الحديث، فهذا القيد من عنده، وهو غير مقبول؛ فافهم. وقوله: (جُرحُه) بِضَمِّ الجيم، مرفوع؛ لأنَّه فاعل (يغذو) (دمًا) منصوب على التمييز، (فمات) أي: سعد (فيها)؛ أي: في الخيمة، أو في الجراحة التي الجرح بمعناها، أو في المرضة على أنَّ (في) للسببية، وفي رواية الأربعة: (منها)؛ أي: الجراحة أو المرضة، ونسب هذه الرواية إمام الشَّارحين للكشميهني والمستملي، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أن السلطان أو العالم إذا شق عليه النهوض إلى عيادة المريض، يزوره ممن يهمه أمره؛ ينقل المريض إلى موضع يخف عليه فيه زيارته ويقرب منه) انتهى. قلت: وفي الحديث: استحباب عيادة المريض للحديث، ومما وَرَد في الحديث الصَّحيح في حق الزائر قوله ﵇: «عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع»، والمخارف: جمع مخرفة؛ كمرسلة البستان؛ يعني: من فَعَل عيادة المريض؛ فهو على بساتين الجنة. وقال ابن بطال: (في الحديث: جواز سكن المسجد للعذر، والباب مترجم به). وقال إمام الشَّارحين: (استدل بالحديث مالك وأحمد على أنَّ النَّجاسة ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا؛ لما أجاز ﵇ للجريح أن يسكن في المسجد، وبه قال الشَّافعي في القديم. قلت: لقائل أن يقول: إنَّ سَكَنَ سعد في المسجد كان بعد ما اندمل جرحه، والجرح إذا اندمل؛ زال ما يخشى من نجاسته) انتهى كلامه. قلت: واستدلالهم بذلك فيما ذكر فاسد؛ لأنَّ هذه القصة واقعة حال، فعليه يحتمل أنهم غسلوه، وهو الظَّاهر من حالهم من حيث استفهام بني غِفار وسؤالهم عن الذي سال إليهم، هل هو نجس أم ماء طاهر؟ فانتظروا بذلك الجواب عن الحال، وأنهم إذا قالوا: نجس؛ يغسلوه؛ فافهم. ولنا أدلة أخرى على وجوب إزالة النَّجاسة. وزعم العجلوني أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين هو أحد قولي مالك: أنَّ إزالة النَّجاسة للصلاة سنة، والصَّحيح عنده خلافه، ولا نعرف قولًا فيه لأحمد والشَّافعي في القديم، نعم؛ في رواية عن أحمد: أنَّها واجبة، والصَّحيح: أنَّها شرط، كما في «المنتهى»، انتهى. قلت: وما زعمه هذا القائل هو ظاهر الفساد؛ لأنَّ المشهور عن مالك: أنَّ النَّجاسة ليست إزالتها بفرض، وهو المعتمد عندهم، وفي

стр. 665

قول ضعيف عندهم: أنَّها واجبة، ولهذا قال ابن بطال المالكي: (وفي الحديث: أنَّ النجاسات ليست إزالتها بفرض، ولو كانت فرضًا؛ لما أجاز ﵇ للجريح أن يسكن في المسجد) انتهى. فهذا -كما رأيت- نص على أنَّ المعتمد عند مالك عدم الوجوب، وصاحب الدار أدرى، ثم رأيت القرطبي المالكي صرَّح بذلك، فما زعمه العجلوني فاسد. وقوله: (ولا نعرف...) إلى آخره: انظر هذا القائل هل أحاط علمه بمذهب الشَّافعي الجديد حتى يكون أحاط علمه بمذهبه القديم، وهل أحاط بمذهب أحمد بعد الإحاطة بمذهبه، على أنَّ قول إمام الشَّارحين معتمد، بل هو أوثق من غيره من الشراح، فإنَّ عدم معرفة هذا القائل بمذهبه (١) القديم لا ينفي معرفته عن غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبِت مقدَّم على النافي، وكون الرواية عن أحمد: أنَّها واجبة؛ ضعيفة، وكون الصَّحيح: أنَّها شرط عندهم؛ إنَّما هو عند المتأخرين، أمَّا عند المتقدمين؛ فليست بشرط، وهو الصَّحيح كما نص عليه في «الغاية» و «شرحها»؛ فانظر تعصب العجلوني البارد، ولا غروًا، فإن الشَّافعية هذا حالهم. واعلم أنِّي أكثر النقل عن إمام الشَّارحين لا للتبري، بل لكونه أوثق من غيره من الشراح، وحتى يعرف الحاسدون أنَّ جميع الشراح عيال على شرحه، ألا ترى أنَّك إذا نظرت إلى الشروح الموجودة؛ تجدها كلها مأخوذة منه، وهذا شيء محقق؛ لأنَّه مبني على المشاهدة والعيان، فلله دره من إمام، والله تعالى أعلم. (٧٨) [باب إدخال البعير في المسجد للعلة] هذا (باب) حكم (إدخال البعير) يشمل الجمل والناقة؛ كالإنسان للرجل والمرأة (في المسجد) اللَّام فيه للجنس، فيشمل كل مسجد (للعلة)؛ أي: الحاجة، وهي أعم من أن يكون الضعف أو غيره، وقيل: المراد بالعلة: الضعف. واعترض عليه بأنَّ هذا ظاهر في حديث أم سلمة دون حديث ابن عبَّاس. وأجيب: بأنَّ أبا داود روى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قدم مكة، وهو يشتكي فطاف على راحلته، ومع هذا كله؛ فتقييد العلة بالضعف لا وجه له؛ لأنَّا قلنا: إنَّها أعم، فيتناول الضعيف، وأن يكون طوافه على بعيره؛ ليراه الناس، كما جاء عن جابر: أنَّه إنَّما طاف على بعيره؛ ليراه الناس وليسألوه، فإنَّ الناس غشوه، كذا قرره إمام الشَّارحين. (وقال ابن عبَّاس) هو عبد الله المطلبي، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن: (طاف النَّبي) الأعظم ﷺ على بَعيره)؛ بفتح أوله يشمل الجمل والناقة؛ كالإنسان للرجل والمرأة، وإنما سمي بعيرًا إذا أجدع، والجمع أبعرة، وأباعر، وبعران، كذا في «مختصر الصِّحاح»، وفي رواية: (على بعير)؛ أي: في المسجد؛ لأنَّه لا يصح الطواف خارجه. وقال إمامنا الشَّارح: (ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ فيه إدخال البعير في المسجد للعلة؛ لأنَّه ﵇ لما قدم مكة؛ كان يشتكي على ما رواه أبو داود عنه، فذكره البخاري معلقًا، وذكره مسندًا في باب «من أشار إلى الركن» في كتاب «الحج») انتهى. [حديث: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة] ٤٦٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (٢)، الدمشقي الأصل (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن محمَّد بن عبد الرحمن) هو ابن الأسود (ابن نَوفَل) بفتح النُّون والفاء، المعروف بيتيم عروة بن الزُّبير، (عن عروة) زاد ابن عساكر: (ابن الزُّبير) هو ابن العوام المدني، (عن زينب) وفي رواية: (بَرة)؛ بفتح الموحَّدة، وتخفيف الرَّاء، وهو اسمها الأصلي قبل تغيير النَّبي الأعظم ﷺ له (بنت أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، (عن) أمها (أم سلمة) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية. قال إمام الشَّارحين: (وفي إسناده رواية تابعي عن تابعي، وهما: محمَّد وعروة، ورواية عروة عن صحابية، وهي زينب؛ لأنَّها سمعت النَّبي ﷺ عند البخاري، وفيه رواية صحابية عن صحابية، وهما: زينب وأم سلمة، وفيه أنَّ رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري) انتهى. أنَّها (قالت) أي: أم سلمة: (شكوت إلى رسول الله ﷺ وقوله: (إنِّي أَشتكي)؛ بفتح الهمزة، محله نصب؛ لأنَّه مفعول (شكوت)، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه؛ إذا توجع منه، وشكوت فلانًا؛ إذا خبرت عنه بسوء فعله بك، قاله إمامنا الشَّارح، (قال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ لها: (طوفي) أي: حول الكعبة (من وراء الناس وأنتِ) بكسر التَّاء (راكبة) الواو للحال، والجملة حالية؛ والمعنى: طوفي من ورائهم حال كونك راكبة على البعير، وإنَّما أمرها بالطواف من وراء الناس؛ لأنَّها إذا طافت معهم ربما تؤذي الدَّابة أحدًا أو تدوس عليه، والإيذاء حرام، قالت: (فطفت) أي: كما أمرها ﵇؛ أي: راكبة على بعير من وراء الناس، قال إمام الشَّارحين: (ففيه المطابقة للتَّرجمة، وفيه: جواز إدخال البعير في المسجد لعلة الضعف) انتهى، وجملة: (ورسول الله ﷺ يصلِّي) أي: الصبح -كما في الكفيري- (إلى جنب) وفي نسخة: (جانب) (البيت)؛ أي: الكعبة، محلها نصب؛ لأنَّها حالية، والواو للحال. وزعم العجلوني أنها مستأنفة. قلت: وهو بعيد، كما لا يخفى. و (البيت) : عَلَم على الكعبة شرفها الله تعالى، قال الكرماني: (وفائدة ذكر البيت: أنَّه كان يصلِّي منها إلى الجَنْب؛ يعني: قريبًا من البيت لا بعيدًا منه). وقال ابن عبد البر: (وصلاته إلى جنب البيت من أجل أنَّ المقام كان حينئذٍ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر ﵁ من ذلك المكان إلى صحن المسجد) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (والوجه في ذلك أنَّ البيت كله قبلة، فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه؛ كان حسنًا جائزًا) انتهى. قلت: فإن الذي يفهم من كلام ابن عبد البر تخصيص الصلاة، وتعيينها إلى المقام، ولا وجه له؛ لأنَّ البيت كله قِبلة؛ فافهم. وزعم العجلوني أنَّه لا يفهم من كلامه تعيين الصلاة إلى المقام، انتهى. قلت: لا يخفى على أولي الأفهام والبصائر أنَّ كلامه يفيد تخصيص الصلاة وتعيينها إلى المقام، كما هو ظاهر؛ لأنَّه جعل علة صلاته إلى جانب البيت من أجل أن المقام كان ملصقًا بالبيت، وهو ظاهر في التَّعيين، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، ولا عبرة بما يفهمه الغبي صاحب الفهم القاصر؛ فافهم. وجملة (يقرأ) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (بالطور وكتاب مسطور) محلها نصب على الحال من فاعل (يصلِّي)، ويحتمل أنَّ محلها رفع خبر بعد خبر، ويحتمل كونها مستأنفة، لكنه بعيد، والأول أظهر، وقولها: (بالطور)؛ أي: بسورة ﴿والطور﴾، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأنَّ لفظ (الطور) كأنَّه صار علمًا للسورة، قاله إمام الشَّارحين، ومثله في «الكرماني». قال العجلوني: (ولعل مراده: كالعَلَم الأصلي، وإلا؛ فهو علم لها بالغلبة) انتهى. قلت: وكلامه يحتمل أنَّه صار عَلَمًا أصليًّا للسورة، ويحتمل أنَّه صار علمًا بالغلبة على السورة، وكل منهما محتمل، وهو ظاهر، فلا حاجة لما زعمه هذا القائل؛ فافهم. و ﴿الطور﴾ معناه -كما قاله البيضاوي وغيره-: طور سينين، جبل بمدين، سمع موسى فيه كلام الله، والطور: الجبل بالسريانية، أو ما طار من أوج الإبعاد إلى حضيض المواد أو وقف عالم الغيب إلى عالم الشهادة، و ﴿كتاب﴾ : المكتوب، و (المسطور) : ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد بـ (الكتاب) : القرآن، أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، أو ألواح موسى، أو في مكتوب

стр. 666

أوليائه من المعارف والحكم، أو ما يكتبه الحفظة، انتهى. قال ابن بطال: (وفي الحديث: جواز دخول الدَّواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج لذلك؛ لأنَّ بولها ليس بنجس، بخلاف غيرها من الدَّواب؛ فلا يجوز، وهو قول مالك). واعترضه ابن حجر بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز في غيرها عند الحاجة، بل الأمر دائر على التلويث وعدمه، فحيث خيف التلويث؛ امتنع الإدخال، وإلا؛ فلا. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (وفيه نظر؛ لأنَّ قوله ﵇: «طوفي وأنت راكبة» لا يدل على أنَّ الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة) انتهى. واعترضه العجلوني بأنه مصروف عن الظَّاهر؛ لدلائل أخرى؛ منها: الخبر المار: «جنبوا مساجدكم..»؛ فتأمل، انتهى. قلت: هذا الحديث مقيد بالضرورة، وأمَّا: «جنبوا مساجدكم»؛ فليس مقيدًا بالضرورة، فيحمل المطلق على المقيد على القاعدة المشهورة، وعلى هذا؛ فالحديث ليس مصروفًا عن الظَّاهر كما زعمه هذا القائل، على أنَّه قد جاء عند البخاري: (أنه ﵇ أمر أناسًا (١) من عكل بلقاح وأن يشربوا من أبوالها...)؛ الحديث، وهو ظاهر في أنَّه يدل على الطهارة، لكنه مقيد بالضرورة كما هنا. والحاصل: أنَّ حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة، وكذا حديث عكل، وكذلك حديث: «جنبوا مساجدكم»، فإنَّه محمول على المنع إلا للضرورة، وهذا توفيق حسن بين الأحاديث، فلا تعارض؛ فافهم ولا تكن من الغافلين. وزعم ابن حجر أنَّ ناقته ﵇ كانت مدربة معلمة، فيؤمن منها ما يخاف من التلويث وهي سائرة، فيحتمل أنَّ بعير أم سلمة كان كذلك، انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (سلمنا هذا في ناقة النَّبي ﷺ ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة وهي طائفة، ولئن قيل: إنَّها كانت ناقته ﵇؛ قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل) انتهى. قلت: واحتمال كون بعير أم سلمة كان معلمًا بعيد عن الظَّاهر؛ لأنَّه ليس جميع الإبل معلمة، ومع هذا يحتاج ذلك إلى دليل وبرهان، وإلا؛ فهو مردود لا يقبله النعسان. وزعم العجلوني أنَّه غير وارد لمن تأمل. قلت: بل هو وارد عليه؛ لأنَّه قائل بالاحتمال بلا دليل، فهو قول بالرأي؛ فاجتنبه. وقال إمام الشَّارحين: (ومن فوائده: أنَّ النساء ينبغي لهنَّ أن يطفن من وراء الرجال؛ لأنَّ للطواف شبهًا للصلاة، ومن سنن النساء فيها أن يكنَّ خلف الرجال، فكذلك في الطواف. ومنها: أنَّ راكب الدَّابة ينبغي له أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة. ومنها: جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور؛ يعتبر عندنا، وعند الشَّافعي: لا يجوز؛ لقوله ﵇: «الطواف بالبيت صلاة»، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه، فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر وجماعة، وقال القرطبي: الجمهور على كراهة ذلك، قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة حتى إنَّه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد لذلك في «الحج») انتهى. قلت: وهذه العبارة بتمامها لإمامنا الشَّارح، فذكرها شيخ عجلون، ونسبها لنفسه، واعترضه: بأنَّ عند الشَّافعي إن ركب بلا عذر؛ لم يكن، قال: ولعله قول ضعيف لم أقف عليه، انتهى. قلت: فقد نص الإسنوي وجماعة: على أنَّه مكروه، وبحث الأذرعي واعتمد أنَّه لا يجوز كما ذكره في «التحفة»، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، وهو وإن كان لم يقف عليه؛ لقصور علمه؛ فقد وقفنا عليه ونص عليه أصحاب الشَّافعي؛ فليحفظ، ولا تكن من الغافلين؛ فافهم. (٧٩) [بابٌ] هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، وبهذا التقدير صار معربًا، ولهذا قال إمام الشَّارحين: (إن لم نقدِّر شيئًا (٢) قبل لفظ: «باب» أو بعده؛ لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ثم إنَّ البخاري جرت له عادة، وهي أنَّه إذا ذكر لفظ: «باب» مجردًا عن التَّرجمة؛ يدل ذلك على أنَّ الحديث الذي يذكره بعده يكون له مناسبة بأحاديث الباب الذي قبله، وههنا لا مناسبة بينهما أصلًا بحسب الظَّاهر على ما لا يخفى، لكن تُكُلِّف في ذلكفقيل: تعلقه بأبواب المساجد من جهة أنَّ الرجلين تأخرا مع النَّبي ﷺ في المسجد في تلك الليلة المظلمة؛ لانتظار صلاة العشاء معه، وقال بعضهم: فعلى هذا كان يليق أن يترجم له: فضل المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة، قلت: كل واحد من الكلامين غير موجه؛ لأنَّ حديث الباب لا يدل عليهما أصلًا؛ لأنَّ حديث الباب في الرجلين اللذين خرجا من عند النَّبي ﷺ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما) انتهى كلام إمام الشَّارحين. ومراده بقوله: (فقيل) هو قول ابن رشيد، وبقوله: (بعضهم) ابن حجر، واعترضه العجلوني، فزعم أنَّه لا وجه لاعتراضه عليهما، فإنَّهما أبديا مناسبة لذكره في أبواب المساجد أخذًا من كلام ابن بطال، انتهى. قلت: ليس كل من أبدى (٣) مناسبة يقبل منه، وأي مناسبة ههنا، والحديث الذي ذكره في الباب لا يدل عليها، فإنَّ الباب الذي قبله في إدخال البعير المسجد، وههنا في الرجلين الذين خرجا من عنده ﵇ في ليلة مظلمة حتى أتيا أهلهما، فما المناسبة بينهما؟ كما لا يخفى، على أنَّ كلام ابن بطال فيه بُعد كما ستقف عليه قريبًا. وزعم ابن حجر أنَّ المؤلف بيَّض لهذا الباب، فاستمر كذلك، وكأنَّه تلجج بحديث أبي داود وغيره عن بريدة من قوله ﵇: «بشر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد يوم القيامة بالنور التام» انتهى. قلت: كون المؤلف بيَّض له فاستمر كذلك يدل على أنَّ المؤلف لم ير مناسبة لحديث الباب مع أحاديث الباب الذي قبله؛ لأنَّه لو كان فيه أدنى مناسبة؛ لذكر ترجمة تناسبه، وكونه تلجج بحديث أبي داود بعيد عن الأفهام؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لترجم له وذكره تحت ترجمته، ومن البعيد أن يترجم لشيء من الأحاديث ولم يذكرها؛ لأنَّه معيب عند المؤلفين، كما لا يخفى، ولأنَّ فيه تشتيت الأذهان بلا برهان؛ لأنَّ عادته ذكر الأحاديث حتى يستدل بها، وما لم يذكره يكون غير موافق لشرطه، فلا يعتمد عليه، فكيف يترجم أو يجنح إليه، وهو لا يستدل به؛ فافهم ذلك. وقال ابن بطال: (إنَّما ذكر البخاري هذا الحديث في باب أحكام المساجد؛ لأنَّ الرجلين كانا مع النَّبي ﷺ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه، وأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركته ﵇، وفضل مسجده وملازمته، وذلك آية للنبي ﵇ وكرامة له) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا أيضًا فيه بُعد، والوجه أن يقال: إنَّهما لما كانا في المسجد مع النَّبي ﷺ وهما ينتظران صلاة العشاء معه؛ أُكرما

стр. 667

بهذه الكرامة، وللمسجد في حصول هذه الكرامة دخل، فناسب ذكر حديث الباب ههنا بهذه الحيثية) انتهى. واعترضه العجلوني بأن ما ذكره هو كلام ابن بطال، وابن رشيد، وابن حجر، ولا وجه لاعتراضه على ابن بطال، انتهى. قلت: ليس من عادة إمام الشَّارحين أن يأخذ كلام غيره، وينسبه لنفسه، بل هذه عادة ابن حجر، وما ذكره ليس كلام هؤلاء، بل هو كلام من نفسه لم يسبقه إليه أحد، فهو من فيض الوهاب في مناسبة ذكر حديث الباب ههنا. واعتراضه على ابن بطال وجيه؛ لأنَّه قال: (لأنَّ الرجلين كانا معه ﵇ في المسجد، وهو موضع جلوسه مع أصحابه...) إلخ، فما معنى هذا الكلام؟ وأي مناسبة في موضع جلوسه مع أصحابه بما سبق؟ وما هذا إلا تعصب بارد. ونقل العجلوني عنهم: أنَّه يستدل له بأنَّ الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قبورهم وفي جميع أعضائهم، وكان الأولى بالبخاري أن يترجم لهذا الحديث بـ (باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾) [النور: ٤٠] انتهى. قلت: وهذا كلام غير ظاهر؛ لأنَّه إنْ أراد بقوله: (يستدل له...) إلخ: وجه المناسبة بين حديث الباب وبين الذي قبله؛ فلا شك في منعه، وأنَّه بعيد؛ لأنَّ الحديث السَّابق ليس فيه ما ذكر ولا إشارة إليه، وإنْ أراد به: فضل حضور الجماعة معه ﵇؛ فلا شك في ذلك، ومع هذا فهو غير مناسب لما قبله، كما لا يخفى. وقوله: (وكان الأولى...) إلخ؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ هذه الكرامة ليست عامة في جميع الناس، فكم شخص يصلِّي وليس له نور، على أنَّ المراد بالنور: الإيمان، فمن لم يجعل الله له إيمانًا؛ فما له من إيمان وإن صلى وصام، والظَّاهر أن يقال في وجه المناسبة: إنَّ حديث الباب لما كان فيه أنَّ الرجلين كانا في مسجده ﵇؛ ناسب أن يذكر في (أبواب المساجد)، ومناسبته بما قبله من حيث إنَّ الرجلين كانا قد صليا معه صلاة العشاء في المسجد، وفي الحديث السَّابق: أنَّ أم سلمة كانت في المسجد، وصلت معه ﵇ صلاة الصبح في المسجد وسألته، وكان الأولى أن يترجم البخاري له بـ (باب فضل الصلاة مع الجماعة)، أو (باب فضل الصلاة معه ﵇، أو (باب فضل صلاة العشاء)؛ فتأمَّل، والله أعلم. [حديث: أنَّ رجلين من أصحاب النبي خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة] ٤٦٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن المثنى) بلفظ المفعول من التثنية، هو ابن عبيد العنزي البصري (قال: حدثنا معاذ بن هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو هشام المذكور، (عن قتادة) هو ابن دعامة السدوسي البصري (قال: حدثنا أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هو الأنصاري، خادم النَّبي الأعظم ﷺ : (أَنَّ رجلين) بفتح الهمزة (من أصحاب النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) ﷺ ؛ أي: الأنصار، وهما: عباد بن بشر وأسيد بن حضير، كما عند المؤلف في (مناقب الأنصار)، وقال حمَّاد: حدثنا ثابت عن أنس: (كان أسيد وعباد بن بشر عند النَّبي ﷺ ، وقال السفاقسي: (هما عباد بن بشر وعويم بن ساعدة) انتهى. قلت: يرده ما ذكرناه عن المؤلف. و (عَبَّاد) : بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة، و (بِشْر) : بكسر الموحَّدة، وسكون المعجمة، الأنصاري، قُتل يوم اليمامة، و (أُسيد) : بِضَمِّ الهمزة، مُصغَّر أسد، و (حُضَيْر) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح الضَّاد المعجمة، وسكون التحتية، آخره راء، و (عُوَيم) : بِضَمِّ العين المهملة، وفتح الواو، مصغر عوم، انتهى. (خرجا) أي: الرجلان (من عند النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: بعدما صليا صلاة العشاء معه ﵇ في مسجده النَّبوي، كما يدل عليه السياق؛ فافهم، (في ليلة مظلِمة)؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل، من أظلم الليل؛ بمعنى: ظهر، وقال الفراء: (ظلِم -بالكسر- وأظلم بمعنًى) انتهى، (ومعهما مثل المصباحين)؛ أي: نور مثل نور المصباحين، والجملة محلها نصب على الحال بالواو والضمير، وجملة: (يضيئان بين أيديهما) : محلها نصب على الحال من (المصباحين)، أو صفة لهما، لكنه بعيد، و (يضيئان) : من أضاء، تقول: ضاءت النَّار، وأضاءت مثله، وأضاءته النَّار، يتعدى ولا يتعدى، قاله الشَّارح، وقال الإمام الزمخشري: (أضاء؛ بمعنى: نور، متعد، وبمعنى: لمع، لازم، و «أظلم» يحتمل التَّعدي، ويحتمل عدمه، وهو الظَّاهر)، فـ (بين أيديهما) -أي: أقدامهما-: مفعول فيه إن كان (أضاء) لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًا؛ فليحفظ. (فلما افترقا) أي: الرجلان؛ أي: كل واحد (صار مع كل واحد منهما) أي: من الرجلين (واحد)؛ أي: نور واحد يضيء له وحده، وارتفاعه على أنَّه فاعل (صار) (حتى أتى أهله)؛ أي: منزلهم؛ أي: وانتهى؛ لانتهاء الحاجة. قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: دلالة ظاهرة لكرامة الأولياء، ولا شك فيه، وفيه رد على من ينكر ذلك) انتهى. قلت: وذلك لأنَّ الإضاءة لهما كرامة ببركة النَّبي الأعظم ﷺ ، ومعجزة له، وخصهما بهذه الكرامة؛ لاحتياجهما إلى النور حيث خرجا من عنده في ليلة مظلمة، ولإظهار سر قوله ﵇ فيما رواه أبو داود وغيره: «بَشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، فجعل الله لهما في الدنيا بعض ما ادَّخر لهما في الآخرة. ثم قال إمام الشَّارحين: (وقد وقع مثل هذا قديمًا وحديثًا، أمَّا قديمًا؛ فمن ذلك ما ذكره ابن عساكر وغيره عن قتادة بن النعمان: «أنَّه خرج من عند رسول الله ﷺ وبيده عرجون، فأضاء له العرجون». وفي «دلائل البيهقي» من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس: حدثني أبي: «أنَّ أبا عبس كان يصلِّي مع النَّبي ﷺ الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة يخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة». ومن حديث كثير بن زيد، عن محمَّد بن حمزة بن عمرة الأسلمي، عن أبيه قال: «كنَّا مع رسول الله ﷺ فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير»، وفي لفظ: «نفرت دوابنا ونحن في مشقة...»؛ الحديث. وأمَّا حديثًا؛ فمن ذلك ما يثبت بالتواتر عن جماعة من طلبة العلم الثقاة: أنَّهم كانوا مع الشيخ الإمام العلامة حسام الدين الرهاوي -مصنف «البحار» وغيره- في وليمة بمدينة عينتاب في ليلة مظلمة شاتية، فلما تفرقوا؛ أراد جماعة أن ينوروا على الشيخ إلى باب داره؛ لشدة الظلمة، فما رضي بذلك فردهم، فرجعوا، وتبع الشيخ جماعة من بُعْد، فقالوا وهم يحلفون: إنَّهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس؛ أحدهما عن يمين الشيخ، والآخر عن شماله، فلم يزالا معه إلى أن وصل إلى باب داره، فلما فتح الباب ودخل الشيخ؛ ارتفع النوران، ولقد أخبرني عنه جماعة بكرامات أخرى غير ذلك، وهو أحد مشايخي الذين انتفعت بهم، وأخذت عنهم) انتهى كلام إمامنا الشَّارح ﵁. ووجه مطابقة الحديث ومناسبته قد ذكرناها فيما سبق أول الباب مع مزيد كلام، والله أعلم.

стр. 668

(٨٠) [باب الخوخة والممر في المسجد] هذا (باب) بيان أمر (الخَوْخَة) بفتح الخاءين المعجمتين، وبينهما واو ساكنة؛ وهي باب صغير في الجدار مثل الطاقة، قال في «القاموس» : (الخَوْخَة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين ما عليه باب) انتهى، وقال في «الصِّحاح» : (الخَوْخَة: كوة في الجدار تؤدي الضوء)، وقال في «مختصره» : (الخَوْخَة: كوة (١) في الجدار تؤدي الضوء) انتهى، وقال ابن قرقول: (هي باب صغير قد يكون بمصراع وقد لا يكون، وأصلها فتح في حائط) انتهى. قلت: وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ (الخَوْخَة: باب صغير في باب كبير على المشهور، لكن كلام الكرماني يقتضي أنَّها الباب الصغير مطلقًا سواء كان في كبير أم لا) انتهى. قلت: والكرماني قال: (هي الباب الصغير) انتهى، وهو قاصر، وليس فيه اقتضاء لما زعمه على أنَّه متى وجد النقل عن أئمة اللُّغة؛ فلا يعدل عنه، وهو الذي يكون مشهورًا، لا ما زعمه من أنَّه مشهور، فإنَّه لا أصل له في اللُّغة فضلًا عن أن يكون مشهورًا، وما هذا إلا قول من لم يمس شيئًا من العلوم؛ فليحفظ. (والمَمَرِّ)؛ بفتح الميمين، وتشديد الرَّاء؛ أي: موضع المرور، وقوله: (في المسجد) متعلق بـ (الخَوْخَة والمَمَرِّ) على سبيل التنازع، ويحتمل أنَّه حال منهما، أو صفة لهما، والأول أظهر؛ فافهم. قال إمامنا الشَّارح: (والظَّاهر أنَّ مراد البخاري من وضع هذه التَّرجمة: الإشارة إلى جواز اتخاذ الخَوْخَة والمَمَرِّ في المسجد؛ لأن حديث الباب يدل على ذلك) انتهى. قلت: وعلى هذا فيكون المعنى: باب جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد، فكانت التَّرجمة لشيئين، وزعم العجلوني أنَّ التَّرجمة لشيء واحد، وهو اتخاذ الخَوْخَة، وهو بعيد عن النَّظر؛ لأنَّ المؤلف صرح بترجمته للشيئين؛ فافهم. قال الدماميني في «المصابيح» : (نبَّه المؤلف بذلك على أنَّ المرور في المسجد لما يعرض للإنسان من شؤونه جائز، وهو من قبيل الاتفاق بما لا يضر كبير مضرة، ولا يقال: إنَّ المساجد لم توضع طرقات، فإنَّ التشديد في ذلك تنطع، والمسجد والطرقات كلها لله مرافق للمسلمين، فيستعان ببعضها على بعض؛ كمجامع مصر، وجامع الإسكندرية الوسط، وقد كان ممر أبي بكر إلى داره في المسجد) انتهى. واعترضه العجلوني: بأنَّ الذي يستفاد من حديث الباب أنَّ جواز الخَوْخَة والمَمَر في المسجد خاص بنحو الخليفة والإمام، وأمَّا جواز المرور فيه لغير من ذكر بكراهة أو بدونها؛ فمعلوم من دليل آخر، انتهى. قلت: وفيه نظر، فإنَّ صريح حديث الباب يدل على الجواز مطلقًا، وكونه خاص بنحو الخليفة والإمام يحتاج إلى دليل، وبمجرد الدعوى لا يقبل، على أنَّ أبا بكر لم يكن إذ ذاك خليفةً ولا إمامًا، فكيف يدعي ذلك؟ ولو كان كما زعمه؛ لكان ذلك خاصًّا بالنَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه هو الخليفة والإمام دون أبي بكر، والحديث صريح بخلافه. وقوله: (وأمَّا جواز المرور...) إلخ؛ فيه نظر أيضًا؛ لأنَّ هذا الحديث يدل على الجواز مطلقًا، وهو يفيد عدم الكراهة، فلا احتياج لدليل آخر لما ذكر؛ فافهم. [حديث: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند] ٤٦٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنان) بكسر السين المهملة، ثم نونين، بينهما ألف (قال: حدثنا فُلَيْح)؛ بِضَمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، ذكره بلقبه؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه عبد الملك بن سليمان (قال: حدثنا أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة، ذكره بكنيته؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه سالم بن أبي أمية، (عن عُبيد بن حنين) بِضَمِّ العين المهملة، مصغر العبد، ضد الحر، و (حُنَيْن) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح النُّون، وسكون التحتية، آخره نون، هو أبو عبد الله المدني، المتوفى بالمدينة سنة مئة وخمس، (عن بُسْر) بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة، آخره راء (ابن سَعِيد) بكسر العين المهملة، المدني الزاهد، المتوفى بالمدينة سنة مئة، (عن أبي سعيد) هو سعد بن مالك (الخدري) الصَّحابي الجليل ﵁، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد)؛ بإسقاط (بُسْر). وقال الكرماني: (وقع في بعض النُّسخ: «عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن عُبيد وعن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها: «عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بدون الواو بينهما) انتهى. قال إمام الشَّارحين: قال ابن السكن عن الفربري: قال محمَّد بن إسماعيل: هكذا رواه محمَّد بن سِنان، عن فليح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سَعِيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عُبيد بن حُنَيْن وعن بُسْر بن سعيد (٢)؛ يعني: بواو العطف، وكذا خرجه مسلم: عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد وبُسْر، عن أبي سعيد، ورواه عن فُلَيح كرواية سعيد بن يونس بن محمَّد عند ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري» : حدثنا محمَّد بن سِنان: حدثنا فُلَيح: حدثنا أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في (فضل أبي بكر) : عن عبيد الله بن محمَّد، عن ابن عامر: حدثنا فُلَيح: حدثنا سالم، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد، وفي (هجرة النَّبي ﷺ : عن إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء»، وفيه: (فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا)، وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمَّد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: (لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه؛ فإنما رواه في غير «الموطأ»). قال إمام الشَّارحين: وكأنَّ هذا الاختلاف إنَّما أتى من فُلَيح؛ لأنَّ الحديث حديثه وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الكلام: أنَّ فُلَيحًا كان يروي تارة عن عُبيد وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، والخطأ من محمَّد بن سِنان؛ حيث حذف الواو العاطفة. وعلى هذا؛ فانتقاد الدارقطني عليه هذا الحديث بقوله: (رواية من رواه عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر غير محفوظة)؛ لا وجه له مع إفصاحه بما ذكره؛ إذ ليست هذه بعلة قادحة؛ فليحفظ. (قال) أي: أبو سعيد الخدري: (خطب النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: في مرضه الذي توفي فيه، كما يفيده حديث ابن عبَّاس الآتي، (فقال) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في خطبته: (إنَّ الله) (خيَّر) ماضي التخيير (عبدًا)؛ أي: فوض إليه الخيار بين الشيئين، وإنَّما ذكره منكرًا للإبهام على السامعين؛ ليظهر فهم

стр. 669

أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الشرف، وإلا؛ فهو ﵇ العبد المخيَّر (بين الدنيا)؛ أي: البقاء فيها إلى وقت يعلمه، وسميت دنيا؛ لدنوها وقربها من الزوال (وبين ما عنده)؛ أي: عند الله؛ وهو الدار الآخرة وما أعد له فيها من النعيم المقيم، وسميت آخرة؛ لتأخرها عن الدنيا، أو لعدم زوالها، فهي آخرة حقيقة. وقوله: (فاختار) أي: العبد المخيَّر (ما) أي: الذي (عند الله)؛ أي: من النعيم الدائم، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت، (فبكى أبو بكر) زاد الأصيلي: (الصديق)؛ أي الأكبر ﵁، والفاء للسببية. وقوله: (فقلت في نفسي) ... إلى قوله: (أعلمنا) من كلام أبي سعيد الخدري: (ما يبكي) كلمة (ما) استفهامية مبتدأ، وقوله: (هذا الشيخ)؛ يعني: أبا بكر الصديق، منصوب على المفعولية، وما بعده بالتبعية، و (يبكي) : من الإبكاء لا من البكاء؛ لأنَّ بكيته؛ بمعنى: بكيت عليه، وهنا المعنى: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا؛ فافهم. وقوله: (إنْ يكنِ اللهُ خيَّرَ عبدًا؟) قيد للاستفهام؛ أي: إن كان الله خيَّر بعض عباده بين ما ذكر، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (إنْ يكنْ لله عبدٌ خُيِّر). قال إمام الشَّارحين: (وإعراب الأولى هو أنَّ «إن» بالكسر: شرطية، و «يكن» : فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ «الله»؛ كسر؛ لأنَّ الأصل في الساكن إذا حُرك؛ حُرك بالكسر، قال الكرماني: «والجزاء محذوف، يدل عليه السياق»، قلت: لا حاجة إلى هذا، بل الجزاء قوله: «فاختار ما عند الله») انتهى كلام [إمام] الشَّارحين. واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ فيه نظر؛ لأنَّه ليس المعنى عليه، انتهى. قلت: واعتراضه ونظره مردودان عليه، بل المعنى عليه صحيح، ويدل عليه دخول الفاء، وهي لا تدخل إلا على الجزاء كما هنا؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة. ثم قال إمام الشَّارحين: (و «خَيَّر» على صيغة المعلوم من التخيير، و «عبدًا» : مفعوله، والضمير في «فاختار» يرجع إلى العبد، و «ما عند الله» : في محل النصب، مفعوله، وإعراب الرواية الثانية: هو أنَّ «إنْ» أيضًا: كلمة شرط، و «يكنْ» : مجزوم به، وقوله: «عبد» : مبتدأ، وخبره قوله: «لله» مقدمًا، وقوله: «خُيِّر» على صيغة المجهول في محل رفع؛ لأنَّه صفة لـ «عبد»، والجزاء هو قوله: «فاختار») انتهى. قال العجلوني: (ولم يتعرض لاسم «يكن» أو فاعلها، ولعله ضمير الشأن، والمناسب جعل «عبد» مرفوع «يكن» تامة أو ناقصة، و «لله» : حال منه على جعلها تامة أو ناقصة، وجملة «خير» صفة لـ «عبد»، أو خبرًا لـ «يكن»؛ مثل قولك: إن يكن في الدار رجل قائمًا؛ فالأمر كذا؛ فتأمَّل) انتهى. قلت: وهذا فيه تكلف وتعسف لا حاجة إليه. وقوله: (ولم يتعرض لاسم «يكن» ...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّه قد صرح بأنَّ الجزاء قوله: (فاختار)، ولهذا دخلته الفاء، وإذا وجد فعل الشرط وجزاؤه؛ لا حاجة إلى غيره؛ لأنَّه اسمها وفاعلها في الحقيقة. وقوله: (ولعله ضمير الشأن) : كلام غير موجه؛ لأنَّ كلمة (إن) شرطية، فكيف تجعل للشأن؟! وهو خلاف القواعد. وقوله: (والمناسب...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فيه تكلفًا لا حاجة إليه، مع كونه غير موافق للمعنى المراد منه؛ فافهم. وقال الدماميني: (ووقع في بعض النُّسخ: «أن يكون اللهُ عبدًا خيَّر»؛ بتقديم المفعول مع فتح «أن» وكسرها). وقال السفاقسي: (ويصح أن تكون الهمزة -يعني: همزة «إن» - مفتوحة)، قال ابن التين: (على أنَّها تعليلية)، وقال إمام الشَّارحين: بأن (١) يكونمنصوبًا بـ (أن)، ويكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟ قال ابن حجر: (وفيما قاله ابن التين نظر)، ولم يذكر وجهه. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (في نظره نظر؛ لأنَّ التعليل هنا لأجل فراقه ﵇، لا على كونه خُيِّر بين الدنيا وبين ما عنده). واعترضه العجلوني، فزعم بل النَّظر في نظره؛ لأنَّه علل بعكس ما قاله، انتهى. قلت: هذا محاولة وخروج عن الظَّاهر؛ لأنَّه لم يذكر وجه النَّظر بل ذكره رجمًا بالغيب، وعلى فرض كون التعليل بالمعنى المذكور؛ إنَّما هو بحسب ظاهر الأمر، وإنما هو في الحقيقة لأجل الفراق، وهو يستلزم أن يكون خيِّر بين الأمرين، فما زعمه ليس في محله وإنما هو من تحريك عرق العصبية؛ فافهم. واستشكل جزم (يكن) على فتح (أن)، وأجاب الكرماني قياسًا على توجيه ابن مالك في حديث: (لن ترع) : بأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن النُّون له، وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين. وقال العجلوني: (يحتمل أنَّها جازمة؛ كقوله: تعالوا إلى أن يأتنا العيد) انتهى. قلت: يحتمل كونها جازمة في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، والذي يفهم من كلام إمام الشَّارحين: أنَّه على الفتح بالنصب لا غير؛ لأنَّه قال: بأن (٢) يكون منصوبًا بـ (أن) كما ذكرنا عبارته، وظاهر اقتصاره على النصب أنَّه لا يجوز غيره وهو الرواية، واقتصار الكرماني على الجزم وتوجيهه قياسًا كما مر؛ غير ظاهر؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والرواية لا تساعده، وعلى هذا فلا يلزم توجيه الجزم، ولا التعرض إليه؛ لأنَّه غير محتاج إليه؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية العجلوني؛ لأنَّه قد تحرك عرقه؛ فافهم. (بين الدنيا) متعلق بقوله: (خيِّر) (وبين ما عنده) أي: الله تعالى من النعم الدائمة، (فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبدَ)؛ أي: المخير بين الأمرين، و (العبدَ) : منصوب؛ لأنَّه تابع لاسم (كان)، وهو الرواية. وزعم العجلوني أنَّه يحتمل النصب والرفع، كما يحتمل (هو) المحل وعدمه، انتهى. قلت: احتمال النصب مع احتمال المحل في (هو) هو الصَّواب؛ لأنَّه الرواية والمعنى عليه، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّ الرفع لا وجه له صحيح، وكون (هو) لا محل له بعيد أيضًا؛ لأنَّه يخل في المعنى، والرواية لا تساعد هذا؛ فليحفظ. وسقط هنا أيضًا: (فاختار ما عند الله) للأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت. (وكان أبو بكر) أي: الصديق الأكبر ﵁ (أعلمنا) أي: أكثرنا علمًا؛ حيث فهم أنَّه رسول الله ﷺ ، فبكى حزنًا على فراقه وقال: (بل نفديك بآبائنا وأموالنا وأولادنا)، وإنما كان أبو بكر أعلم الصَّحابة؛ لأنَّه لم ينكر عليه أحد

стр. 670

ممن حضر من الصَّحابة حين قال أبو سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا)، اختصه الشَّارع بالخصوصية العظمى، وأظهر أنَّ للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق، ولهذا (قال) وللأصيلي وأبي ذر: (فقال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ : (يا أبا بكر؛ لا تَبك)؛ بفتح الفوقية؛ أي: على فراقي، وهذا أمر منه له بالصبر، وأعقبه بتسلية نفسه، وسكون روعه، وعلل ذلك بقوله: (إنَّ أمنَّ الناس)؛ بنصب (أمنَّ) اسم (إنَّ)، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية كما في «التنقيح» : (إنَّ من أمن الناس) على حذف اسمها والمجرور صفته؛ أي: رجلًا من أمن، وجوز الدماميني أن يكون على حد قوله ﵇: «إنَّ من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، فأمَّا (من) زائدة في الإيجاب والتعريف على رأي الأخفش، وأمَّا اسمها؛ فضمير الشأن محذوف (١)، انتهى، (عليَّ) بتشديد ياء المتكلم (في صحبته وماله أبو بكر)؛ أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، من المن؛ بمعنى: العطاء من غير استثابة، ومنه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩]، وقوله: ﴿لَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنَّه مبطل للثواب، لأنَّ المنة لله ولرسوله في قبول ذلك، قاله الخطابي، وقال القرطبي: ووزن «أمن» : «أفعل» من المنة؛ أي: الامتنان؛ أي: أكثر منةً؛ ومعناه: أنَّ أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتن بها، وذلك لأنَّه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال، وبالملازمة، والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل، لكن النَّبي الأعظم ﷺ بجميل أخلاقه وكرم أعرافه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، ليسنَّ (٢)؛ كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» انتهى. (ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا)، قال إمام الشَّارحين: الاتخاذ: (افتعال) من الأخذ، و (اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: أختار وأصطفي، وههنا سكت عن أحد مفعولهما، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنَّه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلًا؛ (لاتخذت) منهم (أبا بكر) يعني: خليلًا، كما هو ثابت في رواية الأصيلي دون غيره؛ فافهم، والخليل: المخال؛ وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخِل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك (٣)، وقيل: أصل الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقال ابن فورك: (الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: الخليل: من لا يتسع قلبه لغير خليله)، وقال القاضي عياض: أصل الخلة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه؛ لِقَصْرِهِ حاجته عليه، وقيل: الخلة: الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل: سمي به؛ لأنَّه تخلل بخلالٍ حسنة، وأخلاق كريمة، وخله الله: نصره وجعله إمامًا لمن بعده. وزَعْمُ السفاقسي أنَّه كان اتخذ خليلًا من الملائكة، ولهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي»؛ يرده قوله ﵇: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي»؛ أي: أنَّ حب الله لم يُبقِ في قلبي موضعًا لغيره تعالى. ومعنى الحديث: أنَّ أبا بكر متأهل لأن يتخذه ﵇ خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنَّه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنَّها مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن يَعْلَق القلب به؛ فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشةأنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة. وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أنَّ المحبة أعلا؛ لأنَّها صفة النَّبي الأعظم ﷺ وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء؛ فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا. وزعم الفراء أنَّ معناه: فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر؛ لأنَّ الخليلك من تفرد بخله من الفضل لا يشركه فيها أحد. وقيل: معنى الحديث: لو كنت منقطعًا إلى غير الله؛ لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك، وقول بعض الصَّحابة: (سمعت خليلي يقول) لا بأس به؛ لأنَّ انقطاعه إلى النَّبي الأعظم ﷺ انقطاع إلى الله ، والممتنع انقطاعه ﵇ إلى غير الله تعالى لا انقطاع غيره إليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وأخذ عبارته العجلوني ونسبها لنفسه، ولهذا عزوتها إليه؛ فافهم. وقال الخطابي: (الخليل: الفقير، كأنَّهم غيروا فقره إلى محبته، والاسم منه: الخَلة؛ بالفتح، ومن المحبة: الخُلة؛ مضمومة، وقيل: الخليل: مشتق من خلة المرعى؛ وهو نبات تستحليه الماشية فتستكثر منه) انتهى. (ولكن أُخُوَّة الإسلام)؛ بِضَمِّ الهمزة والخاء المعجمة، مع تشديد الواو، كذا في رواية الأكثرين، وللأصيلي: (ولكن خُوَّة الإسلام)؛ بحذف الهمزة. قال الكرماني: (وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النُّون في «لكن»، وحذفت الهمزة، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار: «ولكن خوة»، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي (٤)، ثم نقل عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثة أوجه؛ سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النُّون وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إنَّ «لكنْ» على حالها ساكنة النُّون، وحذفت الهمزة من «أخوة» اعتباطًا، ولهذا قال ابن التين: رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأنَّ الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع، وقوله: «أخوة الإسلام» : كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: ولكن أخوة الإسلام أفضل أو نحوه، ويؤيده أنَّ في حديث ابن عبَّاس الذي بعده وقع هكذا) انتهى كلامه. قال العجلوني: (ليتأمل في دعواه الكلية، وهل القاعدة الحذف الاعتباطي أو القياسي؟ والمقرر الأول) انتهى. قلت: مراد الكرماني وابن مالك: أنَّ الحذف هنا قياسي مع أنَّ القاعدة أنَّه اعتباطي، على أنَّ ما قالاه تكلف وتعسف بلا فائدة، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصَّواب، ولا تغتر بما يزعمه أهل التعصب البارد،
следующие страницы →