فتأمل.
(أخبرني عروة بن الزُّبير) هو من تتمة مقول ابن شهاب، قاله الشَّارح في «عمدة القاري» وتبعه الكرماني وكذا ابن حجر والقسطلاني، وخالفهم العجلوني فزعم أنَّه من قول عم ابن شهاب، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ يخالفه؛ فافهم: (أن عائشة زوجَ النَّبي) الأعظم ﷺ بفتح همزة (أن) ونصب (زوج) صفة لـ (عائشة) (قالت: لقد كان رسول الله ﷺ ، وأفادت لفظة (كان) الدوام والاستمرار (يقوم فيصلي من الليل)؛ أي: النافلة؛ ومعناه: يقوم فيصلي النافلة بعض الليل، فإنما أتت بكلمة (من) إشارة إلى أنَّه يقوم بعض الليل لا الليل كله، وزعم العجلوني: (من الليل)؛ أي: فيه، كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: فيه، انتهى، قلت: وفيه نظر، ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فافهم، (وإني) بكسر الهمزة (لمعترضة بينه) أي: رسول الله ﷺ (وبين القبلة) والجملة اسمية مؤكدة بـ (إن) واللَّام، في موضع نصب على الحال، (على فراش أهله)، كذا في رواية الأكثرين، وهو متعلق بـ (يصلي)، وهو يدل على أنَّ صلاته كانت على الفراش، ويحتمل تعلقه بـ (يقوم)، وهو متعين في رواية المستملي: (عن فراش أهله)؛ بكلمة (عن)، أفاده الشَّارح بزيادة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في قول الزهري، وأما في قول عائشة؛ فإن اعتراضها بينه وبين القبلة غير قاطع لصلاته، واعتراضها شامل لمسها ونومها ورقودها، فالمارة لا تقطع بالطريق الأولى، وهذا يدل على أنَّ حديث: (يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار) منسوخ بهذا؛ لأنَّه ﵇ قد صلى وهي معترضة، فلم تضر صلاته.
وزعم ابن حجر أن الدلالة من هذا الحديث أن حديث: (يقطع الصلاة المرأة...) إلخ: يشمل ما إذا كانت مارة، أو قائمة، أو قاعدة، أو مضطجعة، فلما ثبت أنَّه ﵇ صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، ففي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور الثلاثة، وفرَّق بعضهم بين المرور وغيره فقال: المرور حرام، فكان قاطعًا للصلاة بخلاف غيره، ونازع بعض آخر في الاستدلال بأن العلة في قطع الصلاة بالمرأة التشويش من رؤيتها، وهذا مأمون في حديث عائشة حيث قالت: (والبيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح)، وبأن المرأة في غير حديث عائشة مُطلَقة، وفي حديثها مقيدة بالزوجة، فيحمل حديث غيرها على حديثها، ويكون القطع مقيدًا بالأجنبية خشية الافتتان بها، وبأن حديث عائشة واقِعةُ حال بخلاف حديث أبي ذر؛ فإنَّه سيق للتشريع العام، انتهى.
قلت: وكل هذا منظور فيه؛ لأنَّ شمول الحديث لما ذكره غير ظاهر؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث ولا يفيده ولا يشير إليه، بل الحديث شامل لمسها، ونومها، ورقودها، وقعودها؛ لأنَّ المضطجع تارة يكون نائمًا، وتارة يكون راقدًا، وتارة يكون قد عرض عليه القعود، كما لا يخفى، ولمَّا ثبت أنَّه ﵇ قد صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل هذا على النَّسخ ألبتة في المضطجع، وفي غيره بالقياس عليه، وهو مساوٍ له؛ لأنَّ الحادثة واحدة، والحكم واحد، والواقعة واحدة، فصح القياس وثبتت المساواة بينهما.
وتفريق بعضهم بين المرور وغيره وأن المرور حرام؛ غير ظاهر؛ لأنَّ المرور وإن كان حرامًا، لكن في نفسه لا يتعدى إلى غيره من قطع الصلاة، فإن القطع حكم آخر وهو منسوخ بدليل آخر، وهو حديث الباب ومنازعة البعض لا تخلو عن نظر، فإن كان العلة التشويش؛ فيرده صلاته ﵇ وعائشة معترضة بينه وبين القبلة ولم تضر صلاته.
وزعمه بأن التشويش مأمون في حديث عائشة؛ لعدم المصابيح؛ ممنوع، فإن وجود المصابيح ليس بعلة؛ لأنَّه قد يخطر بخاطر الإنسان وإن لم يكن مصابيح، على أنَّه -المصلي- إذا كان في صلاته مشتغلًا بها لا يخطر بباله شيء آخر غيرها، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
وما زعمه من أن حديث عائشة مقيد بالزوجية وغيره مطلق؛ ممنوع، فإنَّه لا فرق بين الزوج والأجنبية في الصلاة، والحمل غير ظاهر، وحديث عائشة ليس واقعة حال، بل هو عام سيق للتشريع، وأما حديث أبي ذر؛ فالظَّاهر: أنَّه واقعة حال، على أنَّه منسوخ بحديثها؛ لأنَّها أعلم من أبي ذر بالأحكام مع ملازمتها لأقوال الرسول الأعظم ﷺ وأفعاله، فلو لم تعلم بالنَّسخ؛ لما أنكرت على الذين ذكروا عندها قطع الصلاة.
والحاصل: أن أحاديث قطع الصلاة منسوخة، والعناد بعد ذلك مكابرة.
وادعى ابن بطال أن ذلك من خصائصه ﵇؛ لأنَّه يملك إربه بخلاف غيره، انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ دعوى الخصوصية لا بد لها من دليل يدل عليها ولم يوجد ما يدل عليها، وكون غيره لا يملك إربه؛ ممنوع، فإنَّه قد ثبت عنه ﵇: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، فإذا كانت الخيرية باقية في أمته؛ فلا شك أن المصلي يملك إربه؛ فافهم.
وقيل: الحكمة في تخصيص القطع بالثلاثة: أن الجميع في معنى الشَّيطان؛ الكلبُ بنَصِ الحديث، والمرأة من جهة أنها تقْبِل في صورة شيطان وتُدْبِر كذلك وأنها من حبائل الشَّيطان، وأما الحمار؛ فلِمَا جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصة نوح ﵇ في السفينة، انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت أن حكم قطع الصلاة بهذه الثلاثة منسوخ؛ فلا حاجة إلى إبداء حكمة لذلك، على أنَّه قد نص الحديث أن الكلب الأسود شيطان لا مطلق الكلب، كما لا يخفى، ومع هذا فقد ثبت في «الصَّحيحين» : أن الشَّيطان عَرَض للنبي الأعظم ﷺ في صلاته ولم يضرها ولا قطعها، وقد تقدم أن الشَّيطان نفسه لو مر بين يدي المصلي؛ لم تفسد صلاته بدليل الحديث المذكور.
فإن قلت: في الحديث أنَّه جاء ليقطع صلاته.
قلت: قد بينت رواية مسلم أن سبب القطع مجيء الشَّيطان بشهاب من نار ليجعله في وجهه ﵇، وأما مجرد المرور؛ فقد حصل ولم تفسد به الصلاة؛ فافهم.
وفي الحديث: أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه: جواز الصلاة إلى المرأة، وكرهه بعضهم، وفيه: استحباب صلاة الليل، وفيه: جواز الصلاة على الفراش، والله أعلم.
(١٠٦) [باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة]
هذا (باب) بيان حكم (من حمل) زاد الأربعة: (في الصلاة)، وفي نسخة (بابٌ) بالتنوين (إذا حمل)؛ أي: المصلي، (جارية صغيرة على عنقه) هل تفسد صلاته أم لا؟
وقال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا؛ ليدل على أنَّ حمل المصلي الجارية على العنق لا تضر صلاته؛ لأنَّ حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها؛ كذلك لا يضر مرورها، قال الشَّارح: قلت: فلذلك ترجم البخاري هذا الباب بهذه التَّرجمة وبينه وبين الأبواب التي قبله مناسبة من هذا الوجه، انتهى.
وزعم ابن حجر: وتقييد المصنف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك، انتهى.
قلت: تقييد البخاري الصغيرة مبني على الأغلب الكثير أن الصغير يحمل عادة مع أن حكم حمل الكبيرة كذلك؛ لأنَّ المعتبر هو
стр. 737
العمل في الصلاة، فإن كان يسيرًا؛ فلا فساد، وإن كان كثيرًا؛ تفسد صلاته، وهو مفوض لرأي المصلي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه ابن حجر؛ فافهم، وقد خفي عليه أن القيود تارة تذكر لبيان الواقع، وتارة لبيان الغالب، وتارة للاحتراز، وما هنا من الوسط، والعالم النحرير يفرق بين ذلك؛ فليحفظ.
[حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله]
٥١٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (١) الدمشقي المولد (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ الزاي: هو ابن العوام المدني، (عن عَمرو) بفتح العين المهملة (ابن سُليم) بِضَمِّ السين المهملة (الزُرَقي)؛ بِضَمِّ الزاي وفتح الرَّاء: هو الأنصاري، نسبة إلى زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، (عن أبي قتادة) هو الحارث بن ربعي السلمي (الأنصاري) توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل: اسمه النعمان، وفي رواية أحمد عن عمرو بن سليم: (أنَّه سمع أبا قتادة يقول) : (إن رسول الله ﷺ بكسر الهمزة (كان يصلي)؛ أي: في بعض الأوقات، لا يقال: إنَّ (كان) تفيد الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: ليست هي كذلك دائمًا، بل تذكر لأمر نادر، كما هنا للقرينة الحالية والمقالية الدَّالة على ذلك؛ فافهم، (وهو حاملٌ أُمامةَ) : الواو للحال، والجملة اسمية محلها نصب على الحال، و (حاملٌ) : بالتنوين، و (أمامةَ) : بالنصب، وهو المشهور، ويروى بالإضافة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]؛ بالوجهين في القراءة، قاله الشَّارح، وقال الكرماني: فإن قلت: قالت النحاة: فإن كان اسم الفاعل للماضي؛ وجبت الإضافة، فما وجه عمله؟ قلت: إذا أريد به حكاية الحال الماضية؛ جاز إعماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، انتهى، و (أُمَامَة) : بِضَمِّ الهمزة وتخفيف الميمين (بنتَ زينبَ)؛ بالفتح والكسر صفة لـ (أمامة) على الوجهين، (بنتِ رسول الله)، وفي رواية: (ابنةِ رسول الله) ﷺ ؛ بالجر لا غير، نَعتٌ لـ (زينب)، وجُوِّز القطع نصبًا ورفعًا؛ فتأمل.
قال الشَّارح: ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.
فإن قلت: أين الظهور وقد خصص بالتَّرجمة الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟
قلت: كأن البخاري أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى؛ منها لمسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم، وصرح فيه: (على عنقه)، وكذا في رواية أبي داود، وفي رواية له: (فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه)، وفي رواية لأحمد من طريق ابن جريج: (على رقبته) انتهى.
قال الشَّارح: وكانت زينب أكبر بنات النَّبي الأعظم ﷺ ، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إليه، وأولاده ﵇ كلهم (٢) من خديجة سوى إبراهيم، فإنَّه من مارية القبطية، تزوجها قبل البعثة، قال الزهري: وكان عمره ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة، وقيل: ثلاثين، وكان عمرها أربعين، وقيل: خمسًا وأربعين، فولدت له القاسم وبه كان يكنى، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
وتزوج بزينب أبو العاص فولدت منه عليًّا وأمامة هذه، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة فولدت منه محمَّدًا، وكانت وفاة زينب سنة ثمان، ولهذا قال: (ولأبي العاص) عطف على زينب بإظهار اللَّام المقدرة في المعطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما ابن حجر والقسطلاني.
وزعم العجلوني: ولو جعل خبرًا لمحذوف؛ أي: وهي لأبي العاص؛ لم يمتنع، انتهى.
قلت: بل هو ممنوع لأنَّ هذه الصيغة تفيد أن أمامة ليست بنتًا لأبي العاص، بل تخصه مثل أن تكون ربيبة أو خادمة أو نحوها، بخلاف العطف، فإنَّه يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فما زعمه غير ظاهر، والأول: هو الظَّاهر؛ فافهم.
وإنما نسبها إلى أمها أولًا؛ لما زعمه ابن العطار من أن الولد ينسب إلى أشرف الأبوين دينًا ونسبًا؛ لأنَّ والد أمامة كان يومئذ مشركًا، ثم بيَّن أنها من أبي العاص؛ تبيينًا لحقيقة نسبها، كذا في «العجلوني».
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الولد ينسب إلى أبيه، وقد صرح القرآن العظيم بذلك قال تعالى: ﴿ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥]، وما زعمه من أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه؛ ممنوع هنا؛ لأنَّ هذا في السبايا إذا سبيت الصغار وأسلم آباؤهم؛ فيتبعونهم، أو أمهاتهم؛ فكذلك، فهو خاص بأهل الحرب بخلاف ما هنا، ألا ترى أن عليًّا ينسب إلى أبيه أبي طالب وهو قد مات على الكفر، ويدل لما ذكرنا: أن هذا الحديث رواه مسلم وغيره، وفيه: فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب، ورواه أحمد عن عمرو بن سليم، وفيه: (يحمل أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، فهذا كما رأيت قد نسبوها إلى أبيها وجعلوا أمها تبعًا؛ للبيان؛ فافهم.
قال إمامنا الشَّارح: واختلف في اسم أبي العاص؛ بدون ياء بخلاف عمرو بن العاصي؛ فإنَّه بالياء على الأشهر، فقيل: اسمه لقيط؛ بالتكبير، وقيل: مقسم، وصححه الكرماني، وقيل: القاسم، قال الشَّارح: وهو أكثر في اسمه، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، ويعرف بجَرْوِ البطحاء، وأم أبي العاص: هالة (٣)، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر وَرَدَّ عليه النَّبيُّ الأعظم ﷺ ابنته زينب وماتت معه؛ أي: في عصمته سنة ثمان.
وقال ابن إسحاق: (وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله ﷺ أن يزوجه (٤) بابنتها زينب، وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينهما).
وقال ابن كثير: (إنَّما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين، ووقع في الأسر)، قال ابن هشام: (وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام)، وقال ابن إسحاق عن عائشة: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم (٥)؛ بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداءأبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها؛ فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردَّوا عليها الذي لها.
وقال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب؛ يعني: أن تهاجر إلى المدينة؛ فوفى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، ثم آخر الأمر أسلم، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ ، وعن ابن عبَّاس: (رد عليه رسول الله ﷺ ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا)، والله أعلم، انتهى.
(بن الربيع)؛ بدون هاء، وفي رواية: بهاء (ابن عبد شمس) نسبه لجده، وإلا فأبوه عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، والذي عن مالك: (ابن ربيعة) بالهاء، والصَّواب: (ابن الربيع) بدون هاء، وأصلحه ابن وضاح في رواية يحيى، قال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده، قال القاضي عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع
стр. 738
بن عبد العزى بن عبد شمس.
قال ابن حجر: والمخالفة فيه من مالك لا من البخاري، وغفل الكرماني فقال: خالف البخاري القوم من جهتين فقال: (ربيعة)؛ بحرف التأنيث، وعندهم: (الربيع)؛ بدونه، وقال: (ربيعة بن عبد شمس)، وهم قالوا: (ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس) انتهى، وكذلك اعترض الكرمانيَّ إمامُ الشَّارحين فقال: لو اطلع الكرمانيُّ على كلام القوم؛ لما قال ذلك، وتمامه فيه.
وزعم العجلوني بأنه لا غفلة من الكرماني؛ لأنَّه يصح أيضًا نسبة الغفلة إلى البخاري وإن كان تابعًا لمالك فيها، وأن الاعتراض في الأصل من ابن الأثير؛ فتدبر، انتهى.
قلت: الغفلة من الكرماني محققة، كما لا يخفى؛ لأنَّه لم يفرق، ولا يصح أن تكون الغفلة من البخاري؛ لأنَّه كثيرًا ما يذكر أشياخه في سنده وينسبهم إلى أجدادهم؛ لشهرتهم به، على أنَّه إذا كان البخاري تابعًا لمالك؛ فالغفلة من مالك قطعًا، والله أعلم.
(فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (وضعها)؛ أي: أمامة على الأرض، كذا في رواية مالك، (وإذا قام) أي: من السُّجود (حملها)؛ أي: أمامة على عنقه، أو على عاتقه، أو على رقبته، كما سبق من الروايات في ذلك، وفي رواية مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن حبان عن عامر بن عبد الله: (فإذا ركع؛ وضعها)، وفي رواية أبي داود عن عمرو بن سليم: (حتى إذا أراد أن يركع؛ أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا أفرغ من سجوده فقام؛ أخذها فردها في مكانها)، كذا في «عمدة القاري».
وفي الحديث أحكام:
أحدها: أنَّه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والواجب، والنفل، ويجوز ذلك للإمام والمقتدي والمنفرد، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.
قال صاحب «البدائع» : إذا أخذ المصلي قوسًا ورمى به؛ فسدت صلاته، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته؛ تفسد؛ لوجود العمل الكثير، وأما إذا حملت الصبي بدون الإرضاع؛ فلا يوجب الفساد، ثم روى حديث الباب وقال: هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ ؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك؛ لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غير موجب للفساد، ومثل هذا لا يكره لواحد منا أن يفعله عند الحاجة، أمَّا بدونها؛ فمكروه، انتهى.
وقال النَّووي: وعند الشَّافعي يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام، والمنفرد، والمأموم، انتهى.
وقال أحمد: يجوز ذلك، قال الأشرم: سئل أحمد: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واحتجَّ بحديث أبي قتادة.
وقال مالك: لا يجوز حمل الصبي ونحوه في الصلاة الفريضة، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على صلاة النفل، قال ابن عبد البر: ومن الدليل على صحة ما قاله إني لا أعلم خلافًا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه، انتهى.
قلت: وهذا فاسد، فإن حديث الباب صريح في جواز ذلك في الفرض والنفل، وما زعمه من الحمل غير صحيح، كما سيأتي، وما زعمه ابن عبد البر فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لا يلزم من عدم علمه الخلاف في كراهة الصلاة بذلك أن يكون دليلًا لمدعاه، ألا ترى أن مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والشَّافعي وأصحابه، وأحمد ابن حنبل: أن هذا الفعل جائز من غير كراهة لا سيما وقد فعله النَّبي الأعظم ﷺ ، وفعله لا يوصف بكراهة، بل هو شرع لنا إلى قيام الساعة، وكأنَّه أراد بنفي الخلاف الإجماع على كراهة هذا الفعل، ولا يخفى أن الأمة لا تجتمع على حكم مخالف لما فعله الشَّارع، وإن أراد إجماع مذهبهم؛ فهو غير معتبر ولا مقبول، على أنَّه إنَّما قالوا ما قالوا تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، وهو باطل، والحق أحق أن يتبع؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: روى سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري قال: (رأيت النَّبي الأعظم ﷺ يؤمُّ الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ على عاتقه)؛ فهذا صريح في أنَّه ﵇ كان في صلاة الفرض، ولأن الغالب في إمامة رسول الله ﷺ كانت في الفرائض دون النوافل.
وفي رواية أبي داود عن أبي قتادة الأنصاري قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظُّهر أوالعصر وقد دعاه بلال للصلاة؛ إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلَّاه وقمنا خلفه...)؛ الحديث، وفي كتاب «النسب» للزبير بن بكار، عن عمرو بن سليم: (أن ذلك كان في صلاة الصبح).
قال الشيخ تقي الدين: روي عن مالك: أنَّه منسوخ، قال أبو عمر (١) بن عبد البر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة، وقد ردَّ هذا بأن قوله ﵇: «إن في الصلاة لشغلًا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان فيه إثبات النَّسخ بمجرد الاجتهاد، انتهى.
قلت: والنَّسخ بالاجتهاد غير مقبول على أنَّ الجمهور من أهل العلم قالوا: إن هذا الفعل عمل غير متوالٍ، وليس فيه حركات ثلاث متوالية، والطمأنينة في الأركان موجودة قطعًا، فأين الفساد والكراهة؟ فافهم.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أن هذا الفعل كان للضرورة، وادعى بعضهم أنَّه خصوصية، وردَّه النَّووي بأنَّ هذا دعوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متضافرة على أنَّ هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت، وفعله ﵇ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه، انتهى.
وزعم الخطابي يشبه أن يكون صنيع رسول الله ﷺ لا عن قصد وتعمد في الصلاة، ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة؛ فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عنقه؛ وضعها بأن يحطَّها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى؛ لم يدافعها ولم يمنعها حتى إذا قام؛ بقيت محمولة معه، هذا عندي وجه الحديث، ولا يتوهَّم عليه ﷺ أنه كان يتعمَّد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأنَّ الكل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية؛ فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صنيعه وصفته من الأمر؟!
وقد رد هذا إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» والنَّووي؛ فقال الشَّارح: فقوله في الحديث: «فقام، فأخذها، فردها في مكانها» : صريح في أن الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أمامة، وقال النَّووي: وما ذكره الخطابي باطل ودعوى مجردة، ومما يرده (٢) قوله في «صحيح مسلم» : (فإذا قام؛ حملها)، وقوله: (فإذا رفع من السُّجود؛ أعادها)، وقوله في غير رواية مسلم: (خرج علينا حاملًا أمامة فصلى...)، وذكر الحديث، وأما قضية الخميصة؛ فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنَّه يشغل القلب، وإن سلمنا؛ فيترتب عليه فوائد وقواعد، كما ذكرناها، بخلاف الخميصة،
стр. 739
فالصَّواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، انتهى.
وزعم بعض أصحاب مالك أنَّه ﵇ لو تركها؛ لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها.
قلت: وهذه الدعوى مردودة؛ لأنَّه ﵇ قد وضعها، ثم ركع وسجد، كما رواه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، ولم يذكر أحد من الرواة أنَّه حين وضعها بكت، والأصل العدم وبقاء ما كان على ما كان، فهذا يدل على أنَّ حمله ﵇ إياها لبيان الجواز؛ فافهم.
وقال الباجي: (إن وجد من يكفيه أمرها؛ جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد؛ جاز فيهما) انتهى.
قلت: وهذه أيضًا مردودة؛ لأنَّه لم يفرق في الحديث بين الفرض والنفل، بل هما على السواء، فقد كان ﵇ يحملها في الفرض إمامًا وفي النفل، فإذا جاز في الفرض؛ فالنفل أولى، على أنَّه ﵇ كان إذ ذاك له نسوة وبنات وجوارٍ، ولم يأمر أحدًا منهن بحملها، بل تولَّى ذلك بنفسه في صلاته؛ لبيان الشرع.
وقال الفاكهاني: كان السرُّ في حمله ﵇ أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ذلك في الصلاة، بل يكون خارجها، وأما السر في ذلك؛ فهو (١) بيان الجواز والتشريع؛ فليحفظ.
والثاني من الأحكام: فيه جواز إدخال الصغار في المساجد.
والثالث: جواز صحة صلاة من حمل آدميًّا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا.
والرابع: فيه تواضعه ﵇، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم؛ جبرًا لهم ولوالديهم، أفاده الشَّارح.
وقال الشَّافعي: فيه دليل على ترجيح العمل بالأصل على الغالب، وردَّه الشيخ ابن دقيق العيد بأنَّ حكاية الأحوال لا عموم لها.
وفي الحديث: دليل على أنَّ لمس البنات غير مبطل للصلاة ولا للطهارة، وهو مذهب الجمهور.
وزعم الشَّافعية أنَّها مَحرَم، أو واقعة حال، أو مع حائل.
قلت: هذه دعاوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها، فقد كان ﵇ يقبِّل عائشة ويمس غيرها من زوجاته ويصلي ولم يتوضأ؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما، وقد تكرر منه ﵇ هذا الفعل في الفريضة والنَّافلة في حال الإمامة والانفراد، واحتمال الحائل ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمه، ولو كان؛ لذكره الرواة، واحتمال المَحرَميَّة باطل؛ فإن الزوجة ليست بمَحرَم، وكونها واقعة حال باطلة؛ لأنَّ هذا الحكم سيق للتشريع بأن يبقى ليوم القيامة؛ فافهم.
وحاصله: أن هذه محاولة ذكرت ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، والله تعالى أعلم.
(١٠٧) [باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض]
هذا (بابٌ) -بالتنوين- يذكر فيه حكم ما (إذا صلى) أي: الرجل (إلى فِراش)؛ بكسر الفاء: ما يفرش -أي: يبسط- على الأرض (فيه حائض)؛ أي: امرأة حائض، هل تصحُّ صلاته أم لا؟ وهل تكره أم لا؟
وتقدير الحكم أولى من الجواز؛ لأنَّه أعم، كما لا يخفى، وزعم الكرماني: باب هذه المسألة -وهي ما يقوله الفقهاء-: إذا صلَّى كذا وكذا؛ كيف يكون حكمه؟ وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا تعسُّف، ولو قال: معناه: إلى فراش فيه حائض كيف يكون حكمه؟ يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على عدم الكراهة، انتهى.
قلت: وقد فرغ المؤلِّف من بيان أحكام المار بين يدي المصلي، وهذا شروع في بيان فروع من أحكام الصلاة؛ فافهم.
[حديث: كان فراشي حيال مصلى النبي فربما وقع ثوبه عليَّ]
٥١٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن زُرارة)؛ بِضَمِّ الزاي، ثم بالرَّاء المكررة: هو أبو محمَّد النيسابوري (قال: أخبرنا هُشيم)؛ بِضَمِّ الهاء مصغرًا: هو ابن بُشير -بِضَمِّ الموحَّدة- الواسطي المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، (عن الشيباني) هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي، وما زعمه العجلوني من أنَّه سليمان بن إسحاق؛ خطأ ظاهر؛ فافهم، (عن عبد الله بن شداد بن الهادِ)؛ بتخفيف الدَّال المهملة، واسمه أسامة اللَّيثي الكوفي، (قال: أخبرتني خالتي مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة (بنت الحارث)؛ بالمثلَّثة، إحدى زوجات النَّبي الأعظم ﷺ ، (قالت: كان فِراشي)؛ بكسر الفاء؛ أي: ما أفترشه حال إرادة النَّوم (حِيَال)؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح التحتية؛ أي: بجنبه، كما في الحديث الذي بعد هذا، فهو ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)؛ أي: كائنًا في حذاء (مُصلَّى) بِضَمِّ الميم، وفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: الموضع الذي كان يصلي فيه في بيته؛ وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، (فربما وقع ثوبه) أي: أصاب ثوب النَّبي الأعظم ﷺ (عليَّ)؛ بتشديد التحتية المفتوحة؛ أي: حال صلاته، (وأنا على فراشي)؛ أي: نائمة، وفي رواية: (وأنا حائض)؛ أي: متلبسة بالحيض، فلم ينكر علي النَّبي الأعظم ﷺ ، ولم تضر صلاته، وإفادة كلمة (رُبَّ) : أن كثيرًا ما يقع هذا الفعل له ﵇؛ لأنَّ (رُبَّ) عند سيبويه وجماعة: حرف تكثير، وعند ابن درستويه وجماعة: أنها للتكثير دائمًا، كما في «المغني»، بل نقل الحلبي عن جماعة: أنها لا تفيد التقليل إلا بقرينة، انتهى، وإذا زيدت كلمة (ما) بعدها؛ فالغالب أن تكفَّها عن العمل، وأن تهيئها للدخول على الجمل الفعلية، وأن يكون الفعل ماضيًا لفظًا ومعنًى، كما في الحديث؛ ومنه قول الشاعر:
ربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
وتمامه في شرحنا على «الأزهرية».
وفي الحديث: المطابقة لما ترجم له المؤلف، واعترض على المؤلف بوجهين؛ الأول: كيف دل على التَّرجمة التي هي كون المصلي منتهيًا إلى الفراش؛ لأنَّه قال: إذا صلى إلى الفراش، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية؟ والثاني: أن الحديث يدل على اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته؛ فهذا يدل على جواز القعود لا على جواز المرور.
وأجاب شارحنا في «عمدة القاري» عن الأول: (بأنه لا يلزم أن يكون الانتهاء من جهة القبلة، وكما أنها منتهية إلى جنبه ﵇، فكذلك هو ﵇ أيضًا منتهيًا إليها وإلى فراشها)، وعن الثاني: (بأن ترجمة الباب ليست معقودة للاعتراض؛ فإن المتعلق بالاعتراض قد تقدم، والذي قصده البخاري بيان صحة الصلاة ولو كانت الحائض بجنب المصلي ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي وقبلته) انتهى.
قلت: فإن البخاري قد شرع هنا في بيان مسائل الصلاة صحة، وفسادًا، وكراهةً وعدمها، بعد أن تمَّم أحكام السترة، والمار بين يدي المصلي.
وفي الحديث أحكام؛ منها: استحباب صلاة الليل، ومنها: جواز الصلاة بحضرة النائم، وأنه لا كراهة فيه، ومنها: أن المصلي إذا أصاب ثوبه الحائض؛ لا تضر صلاته، ولا كراهة عليه؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة وهي حائض؛ فلم تضر صلاته، وفيه: استحباب وضع السجادة للصلاة عليها، وقد سبق هذا الحديث في باب: (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود)، والله تعالى أعلم.
[حديث: كان النبي يصلي وأنا إلى جنبه نايمة]
٥١٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو النُّعمان)؛ بِضَمِّ النُّون: هو محمَّد بن الفضل السدوسي -بمهملات- المعروف بعارم، (قال: حدثنا عبد الواحد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية: هو البصري، (قال: حدثنا الشيباني)، زاد في رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (سليمان) هو ابن فيروز التَّابعي الكوفي، (قال: حدثنا عبد الله بن شَدَّاد)؛ بفتح المعجمة، والمهملتين أولاهما مشددة: هو ابن الهاد؛ واسمه أسامة، اللَّيثي المدني، وهذا الإسناد بعينه سبق في باب (مباشرة الحائض)، (قال: سمعت) خالتي (مَيْمُونة)؛ بفتح الميم أولى، وضم الثَّانية، بينهما تحتية ساكنة: هي بنت الحارث، وجملة (تقول) من الفعل والفاعل: محلها نصب مفعول ثان لـ (سمعت)، أو حال: (كان النَّبي) الأعظم ﷺ ، وأفادت لفظة (كان) : الاستمرار والدوام (يصلي) : جملة محلها نصب خبر (كان)؛ أي: في حجرته النافلة ليلًا، (وأنا إلى جنبه نائمةٌ)؛ بالرفع خبر (وأنا) المتعلق به (إلى جنبه)، والجملة حالية، وفي رواية باب (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود) قالت: (وأنا حذاؤه)؛ أي: والحال أنا بإزائه ومحاذيه، وقد بينت رواية الباب هنا أن المراد: أنها نائمة بجنبه،
стр. 740
(فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في صلاته؛ (أصابني ثوبه)، وفي رواية المستملي والكشميهني: (ثيابه)؛ بالجمع، وفي رواية أبي ذر: (أصابتني ثيابه)؛ بتاء التأنيث في (أصابتني)، وإنما كان يصيبها؛ لقربها منه ﵇، وجملة (وأنا حائض) : حالية، ثابتة في رواية أبي ذر، ساقطة عند غيره.
و (حائض)؛ بدون تاء، قال الكرماني: (فإن قلت: قالوا: إذا أريد الحدوث؛ يقال: حائضة، وإذا أريد الثبوت وأن من شأنها الحيض؛ يقال: حائض، ولا شك أن المراد ههنا: كونها في حالة الحيض؟ قلت: معناه: أن «الحائضة» مختصة بما إذا كانت فيه، و «الحائض» أعم منه) انتهى.
وردَّه الشَّارح، فقال: (لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا؛ فهي حائض وحائضة، وأنشد الفراء:
كحائضة يزني بها غير حائض...
وفي اللُّغة: لم يفرق بينهما، غير أن الأصل فيه التأنيث، ولكن لخصوصية النساء به، وعدم الالتباس؛ ترك التَّاء) انتهى، فاعرفه.
وقوله: (زاد مُسدد)؛ بِضَمِّ الميم: هو ابن مسرهد البصري، (عن خالد) هو ابن عبد الله الطَّحان الواسطي (قال: حدثنا سليمان الشيباني) هو ابن إسحاق المدني: (وأنا حائض) مقدمة في بعض النُّسخ، مؤخرة على حديث أبي النعمان، وفي بعضها لفظ: (باب) قبل حديث أبي النعمان، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة كما قدمناه؛ فافهم.
وفي الحديث أحكام:
الأول: فيه جواز مخالطة الحائض، وقد كان بنو إسرائيل يخصون الحائض في النَّوم والأكل والشرب، ولا يخالطونها بشيء أصلًا، وقد نسخ هذا.
الثاني: فيه طهارة بدن الحائض وثيابها.
الثالث: فيه إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأةَ الحائضةَ؛ لا تضر صلاته.
الرابع: فيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة، والغالب أن المصلي يرفع ثيابه إذا أصابت غيره فتصيب يده بدنها لا سيما وهي نائمة بجنبه.
الخامس: اخترعه بعض المتعصبين: أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة.
قلت: وليس في الحديث ما يدل على هذا أصلًا غير أنَّه فيه: أنَّه ﵇ صلى بجنب ميمونة وهي نائمة، وهو قائم، وقاعد، وساجد، فأين المحاذاة؟ وكأنَّ هذا القائل مراده الغمز في مذهب رأس المجتهدين وسيدهم أبي (١) حنيفة الإمام الأعظم: أن محاذاة المرأة تفسد الصلاة، وقد حفظ شيئًا هذا القائل وغاب عنه أشياء؛ فإن المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداءً وتحريمة، وغير ذلك من الشروط المقررة في كتب الفروع، والمرأة في هذا الحديث ليست كذلك، بل ليست بطاهرة أصلًا؛ فهذا كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العلم، بل شم التعصب، والتعنت، والعناد، ألم يعلم أن الإمام الأعظم حين أخذ الحكم في هذه المسألة كان إمامهم منيًا في ظهر أبيه؛ فعليك بالأدب تنل (٢) أعالي الرتب؛ فافهم، وتمامه فيما سبق.
(١٠٨) [باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد]
هذا (بابٌ) بالتنوين (هل يَغمِز)؛ بفتح أوله، وكسر الميم من باب (ضرب)؛ أي: ينخس باليد (الرجل) وهو في الصلاة (امرأته) النائمة (عند) إرادة (السُّجود) في الصلاة (لكي يسجد) في مكان اضطجاعها؟ فإن فعل ذلك ما حكمه؟
قال إمام الشَّارحين: (يعني: إذا غمزها؛ فلا يترتب عليه من فساد الصلاة شيء، وبيَّن البخاري في هذا الباب صحة الصلاة ولو أصابها بعض جسده، وبيَّن في الباب السَّابق صحتها ولو أصابها بعض ثيابه) انتهى.
[حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار !]
٥١٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو بن عَلي)؛ بفتح العين فيهما: هو الباهلي الفلاس، (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (قال: حدثنا عُبيد الله)؛ بالتصغير: هو ابن عبد الله العمري المدني، (قال: حدثنا القاسم) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق الأكبر ﵄، (عن عائشة) : هي عمته الصديقة أم المؤمنينزوج النَّبي الأعظم ﷺ (قالت)؛ أي: في جواب من قال: (يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة)؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، والذي قال ذلك: هو أبو هريرة، وأبو ذر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم بحضرة عائشة ﵂، فقالت لهم: (بئسما) وكلمة (بئس) من أفعال الذم، كما أن كلمة (نِعْم) من أفعال المدح، وشرطهما: أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرف بها، أو مضمرًا مميزًا بنكرة منصوبة، وههنا يجوز الوجهان؛ الأول: أن يكون (ما) بمعنى: الذي، ويكون فاعلًا لـ (بئس)، والجملة -أعني قوله: (عدَلتمونا)؛ بتخفيف الدَّال؛ أي: شبَّهتمونا، كما في رواية باب (لا يقطع الصلاة شيء)، أو جعلتمونا أو تسويتكم إيانا- صلة الموصول، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا؛ والتقدير: بئس الذي عدلتمونا (بالكلب والحمار) ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل (بئس) مضمرًا مميزًا، وتكون الجملة بعده صفة له، والمخصوص أيضًا محذوف؛ والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتمونا بالحمار شيء، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ، وخبره الجملة التي قبله؛ كذا قرره إمام الشَّارحين؛ والمعنى: لم شبهتمونا بهما مع شرف المرأة وخستهما؟!
ثم استدلت على ما أنكرته بقولها: (لقد رأيتُني)؛ بِضَمِّ الفوقية، واللَّام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لقد رأيتني، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب؛ والتقدير: رأيت نفسي، كذا أفاده الشَّارح.
وقال الكرماني: (إن كانت الرؤية بمعناها الأصلي؛ فلا يجوز حذف أحد مفعوليه، وإن كانت بمعنى: الإبصار؛ فلا يجوز اتحاد الضميرين).
وأجاب العلامة الفاضل الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ : (جاز حذف أحدهما؛ لأنَّه مبتدأ في الأصل، فيحذف كالمبتدأ)، وهذا مخالف لما ذكره في «المفصل»، و «الكشاف» : (لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي الحسبان).
وأجيب: بأنه قد روي عنه أيضًا: أنَّه إذا كان الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد؛ جاز الحذف، وأمكن الجمع بينهما بأن القول بجواز الحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول معنًى، والقول بعدمه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديث من القسم الأول؛ والتقدير: رأيت نفسي معترضة مثلًا، أو أعطى للرؤية التي بمعنى الإبصار حكم الرؤية التي من أفعال القلوب، انتهى.
(ورسول الله ﷺ يصلي) : جملة اسمية وقعت حالًا على الأصل؛ أعني بالواو؛ أي: صلاته من الليل (وأنا مضطجعة) : جملة حالية أيضًا؛ أي: نائمة (بينه وبين القبلة)؛ أي: معترضة بينهما أمامه وليس بينه وبينها سترة؛ لأنَّها حينئذٍ غير مشروعة؛ لأنَّ السترة شرعت لدفع المار، ولا مار في ذلك الوقت، والنائم ليس له قوة على المشي ونحوه، (فإذا أراد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (أن يسجد) أي: السُّجود في صلاته؛ (غمز رجليَّ)؛ بالتثنية، قال في «الصِّحاح» : غمزت الشيء بيدي؛ ومنه قوله:
وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما
وغمزته بعيني؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، والمراد ههنا: الغمز باليد، وفي رواية للبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني)، وفي رواية أبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ)، فبينت هذه الرواية أن المراد من الغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما قاله أهل اللُّغة، (فقبضتهما)؛ أي: أخرتهما عن مكان سجوده؛ ليسجد مكانهما،
стр. 741
وبهذا صرَّح الطَّحاوي في روايته؛ حيث قالت: فإذا سجد؛ غمزني فرفعتهما فقبضتهما، فإذا قام؛ مددتهما، وللبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني فقبضت رجليَّ، وإذا قام؛ بسطهما)، ولأبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ فضممتهما إليَّ ثم سجد)، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
ففيه أن الرجل المصلي إذا غمز امرأته وهي نائمة عند السُّجود لأجل أن يسجد مكان رجليها؛ لا يفسد الصلاة، وليس فيه كراهة، وجه عدم الفساد: أن الغمز حركة أو حركتان لا ثالث لهما، وهو غير مفسد للصلاة، ووجه عدم الكراهة: أنَّه ﵇ قد فعله، وهو لا يوصف بالكراهة، ولو كان مكروهًا؛ لما فعله أو لنهى عنه.
وفي الحديث: دليل على أنَّ لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور سلفًا وخلفًا؛ لأنَّه ﵇ قد لمس عائشة بيده الشريفة ومضى في صلاته.
وتأوَّل الشَّافعية أنَّه ﵇ مس عائشة بيده مع الحائل ويحتمل الخصوصية.
قلت: إنَّما زعموا هذا؛ ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم: أن المس ناقض، ولا دليل لهم في ذلك، فإن قولها في الحديث: (غمزني) يدل على أنَّه بدون حائل؛ لأنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرحت بذلك، ولا يخفى أن اليد والرجل عند أهل الصرف واللُّغة كانتا بغير حائل، بل المس: وَقْعُ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود: (ضرب رجليَّ)، ولا يخفى أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما هو التحقيق.
ودعوى الخصوصية باطلة؛ لأنَّه لا بدَّ لها من دليل ولم يوجد، بل هذا الحكم عام، ويدل عليه أنَّه قد تكرَّر منه ﵇ هذا الفعل، وهو يدل على العموم، ومن ادعى الخصوصية؛ فعليه الدليل، وتمامه فيما قدمناه.
فظهر أن الصَّواب: ما قلناه والعناد بعد ذلك مكابرة.
وفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته.
وفيه: استحباب صلاة الليل.
وفيه: استحباب إيقاظ النائم لحاجة.
وفيه: دليل على أنَّ المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا من مرت بين يديه، وهو قول الجمهور سلفًا وخلفًا، وبه قال الإمام الأعظم، وتبعه مالك والشَّافعي، ولا يخفى أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها.
وقال أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود؛ لحديث أبي سعيد: (أن الكلب الأسود شيطان)، وذهب جماعة: إلى أن الصلاة يقطعها مرور الكلب، والحمار، والمرأة، وفي ذلك حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي ذر.
والجواب عنها من وجهين:
أحدهما: أن المراد بالقطع النقص؛ أي: نقص الخشوع؛ لشغل القلب بمرورها، وليس المراد إبطالها؛ لأنَّ المرأة يتغير (١) الفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آيلة للقطع؛ أطلق عليها القطع مجازًا.
والثاني: أن الأحاديث الواردة في ذلك منسوخة بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم»، أخرجه الطَّحاوي، وبوَّب عليه البخاري، وقد صلى الشَّارع ﵇ وبينه وبين القبلة عائشة، وكانت الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره أحد، كما أخرجه البخاري عن ابن عبَّاس، فدل هذا على النَّسخ، ولهذا أنكرت عائشة ﵂ على الذي ذكر عندها القطع بهذه الأشياء، وإنما أنكرت؛ لعلمها أن هذا الحكم منسوخ، فالظَّاهر: أنهم لم يبلغهم النَّسخ إلا منها.
وذهب عطاء وغيره: إلى أنَّه يقطعها المرأة الحائض، ورُدَّ بأن قد جاء في روايات هذا الحديث قالت: (وأنا حائض)، وحديث: (يقطع الصلاة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير)، ضعيف لا يحتج به.
وفي الحديث: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وهو حركة أو حركتان، والثلاث كثير.
وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وحديث ابن عبَّاس أنَّه ﵇ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث»، نص الحفاظ على أنَّ طرقه واهية وهو ضعيف لا يحتج به، فهو لا يقاوم ما روي في «الصَّحيح»، على أنَّ ما في «الصَّحيح» ناسخ له، وقد وَرَد أحاديث في النَّهي عن الصلاة خلف النائم أو المتحدث، ونص الحفاظ على أنَّها ضعيفة واهية؛ فافهم.
وفي الحديث: جواز الصلاة على الفراش، ومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: على أنَّه تجوز الصلاة على البساط والطنفسة والفراش إذا كان يجد الساجد عليه حجم الأرض عند السُّجود، وبه قال الشَّافعي.
وزعم المالكية أن الصلاة على الطنفسة وشبهها مكروهة، ولا سَنَدَ لهم في ذلك، والحجة عليهم قول النَّبي الأعظم ﷺ وفعله؛ ففي «البخاري» من حديث ميمونة قالت: (وكان النَّبي الأعظم ﷺ يصلي على الخُمرة)، وروى أبو نعيم عن ابن عبَّاس: (أن النَّبي الأعظم ﷺ صلى على البساط)، فهذا دليل على أنَّ الصلاة على ذلك غير مكروهة، والأفضل الصلاة على الأرض وعلى ما تنبته الأرض، كما فعله الشَّارع وليس بعد النص إلا الرجوع إليه، والله تعالى أعلم، وهذا الحديث قد مضى مع ما يتعلق به في باب (الصلاة على الفراش)، والله تعالى أعلم.
(١٠٩) [باب المرأة تطرح عن المصلى شيئًا من الأذى]
هذا (بابٌ) بالتنوين (المرأة) مبتدأ (تطرح)؛ أي: ترمي، خبره (عن المصلي شيئًا من الأذى) وكلمة (من) بيانية؛ أي: النجس، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ أي: نجس، واقتصر إمام الشَّارحين على تنوين (باب)، وزعم العجلوني أنَّه يجوز تركه، وعليه؛ فالجملة حال من المضاف إليه، أو مستأنفة، انتهى، قلت: الظَّاهر: أنَّه بالتنوين فقط؛ لأنَّه على عدمه يختل التركيب والمعنى؛ فافهم.
قال ابن بطال: (هذه التَّرجمة قريبة من التراجم التي قبلها؛ لأنَّ المرأة إذا تناولت ما على ظهر المصلي؛ فإنَّها تقصد إلى أخذ ذلك من أي جهة كانت، فإن لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه؛ فليس دونه) انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ فإن هذه التَّرجمة مستقلة بنفسها لا تَعلُّق لها بالأبواب والتراجم التي قبلها، فإن أحكام السترة والمرور قد أتمها البخاري وأكملها، وقد ذكر في هذا الباب والذي قبله مسائل في أحكام الصلاة؛ لأنَّه من تتمة كتاب (الصلاة)، وليس في الحديث مرور غير أنها قد تناولت القذر من ظهر المصلي، وهو ليس بمرور أصلًا، ومراد البخاري بهذا الباب: أن المرأة إذا طرحت قذرًا عن ظهرالمصلي؛ هل تفسد صلاته أم لا؟ فالفساد ناشئ من وقوع الأذى على ظهره وهو يصلي، هل يمضي في صلاته أم يقطعها؟
وذكر حديث الباب في باب مستقل وترجم له: (باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة؛ لم تفسد عليه صلاته)، ذكره في (الطهارة)، وإنما أعاده هنا لبيان اختلاف العلماء في ذلك، ولأن عادته تكرار الأحاديث؛ لأخذ الأحكام منها مع تغيير السند والمتن؛ فافهم.
[حديث: اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش]
٥٢٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد بن إسحاق) هو ابن الحصين بن جابر السلمي (السُّرْماري)؛ بِضَمِّ المهملة وسكون الرَّاء؛ كذا في «التقريب» و «لب الألباب»؛ نسبة إلى سرمار قرية من قرى بخارى، وهو الذي يضرب بشجاعته المثل، قتل ألفًا من الترك، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، قاله الشَّارح، قلت: هو غير منسوب رواية الأكثرين، ولابن عساكر ما ذكرنا، ولأبي ذر والأصيلي: (السُّوْرَمارِي)؛ بِضَمِّ المهملة، وسكون الواو، مع فتح الرَّاء، بعدها ميم ثم راء مكسورة بينهما ألف، وقال الشَّارح: السَِّرْماري؛ بكسر المهملة وفتحها وسكون الرَّاء الأولى، ومثله في «الكرماني» و «ابن حجر»، (قال: حدثنا عُبيد الله) بالتصغير (بن موسى) هو ابن باذام الكوفي (قال: حدثنا إسرائيل) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، (عن أبي
стр. 742
إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي التَّابعي، تقدَّما في كتاب (العلم)، (عن عَمرو) بفتح العين (بن مَيْمُون)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة: هو أبو عبد الله الأَوْدِي -بفتح الهمزة وبالدَّال المهملة- الكوفي، أدرك زمن النَّبي الأعظم ﷺ ولم يَلْقَه، وحج مئة حجة وعمرة، وأدَّى صدقته إلى عمال رسول الله ﵇، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية فاجتمعت عليها القردة ورجموها، توفي سنة خمس وسبعين، أفاده شارحنا في باب (إذا ألقي على ظهر المصلي قذر)، قلت: وعلى هذا فهو تابعي مخضرم، وهو غير عمرو بن ميمون المخزومي؛ فافهم، (عن عبد الله) هو ابن مسعود، الصَّحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة، وكان قصيرًا دقيق الساقين، وكان الريح يأخذه حين يمشي، فرآه بعض الصَّحابة فتبسم، فقال له النَّبي الأعظم ﷺ : «لَسَاق عبد الله بن مسعود في الميزان أثقل من أحُد»، وإنما أطلقه البخاري ولم ينسبه لأبيه؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق، كما أنَّه إذا أُطلِق الإمام الأعظم؛ فالمراد به: أبو حنيفة النعمان الكوفي التَّابعي رأس المجتهدين وسيدهم؛ فافهم، (قال: بينما)؛ بالميم ظرف مضاف إلى الجملة بعده، والعامل فيه معنى المفاجأة التي في (إذ قال قائل)، ولا يجوز أن تعمل فيه (يصلي)؛ لأنَّه حال عن رسول الله ﷺ المضاف إليه (بين)، فلا يعمل فيه.
وزعم العجلوني (بينما) بالميم الكافة لـ (بين) عن الإضافة، انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ (بينا) بالألف كـ (بينما) بالميم مكفوفان عن الإضافة إلى المفرد ومضافان إلى الجملة، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم إلى أن (ما) والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا محل لها من الإعراب، وذهب آخرون إلى أن الألف لا تكف عن الإضافة إلى الجملة، بخلاف (ما)، والصَّحيح الأول، أفاده السيوطي في «همع الهوامع»، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه العجلوني من وجوه لا نطيل بذكرها؛ فافهم.
(رسول الله ﷺ : مبتدأ خبره قوله: (قائم) حال كونه (يصلي)؛ أي: منفردًا ليس معه أحد من أصحابه، ويحتمل أنها الضُّحى، أو نفلًا محضًا، أو ركعتي الطواف، ويدل عليه قوله: (عند الكعبة)؛ أي: البيت الحرام؛ أي: مقابل الكعبة (وجمعُ قُرَيْش)، وفي (الفرع) : (وجمعٌ من قُرَيْش)؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، مصغر قرش، وتصغيره للتعظيم، المراد بهم الأربعة المذكورون قريبًا؛ يعني: المراد الكفار منهم، فهو عام أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وكان فيهم مسلمون كالصديق الأكبر ﵁ وغيره؛ لأنَّا نقول: اللَّفظ لا عموم له، ومراده بالكفار منهم، ففيه: أن لفظ (قريش) موضوع لهذه القبيلة على العموم؛ فتأمل، (في مجالسهم) : جمع مجلس، و (قريش) : مأخوذ من التقرش؛ وهو التجمع لاجتماعهم بعد افتراقهم، وقيل: من القرش؛ وهو الكسب؛ لأنَّهم كانوا تجارًا، وقد سأل سيدنا الإمام معاوية الكبير خليفة رسول الله ﷺ على التحقيق سيدنا عبد الله بن عبَّاس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن لم سميت قريش؟ فقال: سميت بدابة في البحر يقال لها: القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا يعلى عليها.
وأجمعوا على أنَّه إذا أريد به الحي؛ صرف، وإن أريد به القبيلة؛ منع من الصرف، كما في سائر أسماء القبائل، فقريش: هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر؛ فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، وربما قالوا: قرشي (١)، وقيل: قريش: بنو فهر بن مالك بن النضر، فمن لم يلده؛ فهو ليسبقرشي، والأصح الأول، قال تبع:
وقريش هي التي تسكن البحر... بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تترك (٢) ... فيها لذي جناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش... يأكلون البلاد أكلًا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي يكثر... القتل فيهم والخموشا (٣)
وتمامه في شرحنا على «الأزهرية» عند إعراب قوله تعالى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١].
(إذ قال قائل منهم) هو أبو جهل كما صرح به مسلم في روايته، وقدمنا أن ما في (إذ) من معنى المفاجأة هو العامل في (بينما)، ولا يصح أن يعمل فيه (يصلي)؛ لأنَّه حال من رسول الله ﷺ المضاف إليه (بين)، فلا يعمل فيه، وهذا ما ذكره إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما البرماوي.
ونظر فيه العجلوني بأن (ما) كافة لها عن الإضافة إلى المفرد، وزعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن المضاف إليه (بين) هو الجملة الاسمية، و (ما) زائدة على كل حال، انتهى.
قلت: قد نقلنا عن «الهمع» آنفًا أن (بينا) و (بينما) يضافان إلى الجملة عند الجمهور، وهو الأصح، فما زعمه العجلوني وابن حجر مبني على القول الشاذ، فلا يعول عليه؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام».
(أَلا تنظرون)؛ بفتح الهمزة، أداة استفتاح مراد بها التنبيه (إلى هذا المرائي) : اسم فاعل من الرياء؛ وهو التعبد في الملأ دون الخلوة؛ ليراه الناس، وهذه الجملة والتي بعدها مقول القول، والذي قال هذا هو أبو جهل، كما صرح به مسلم من رواية زكريا، وزاد فيه: (وقد نُحِرَت جزور بالأمس) (أيُّكم) بتشديد التحتية استفهامية (يقوم إلى جَزُور)؛ بفتح الجيم وضم الزاي، من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، قاله إمامنا الشَّارح هناك.
وزعم ابن حجر أن الجزور ما يجزر؛ أي: يقطع، وردَّه شارحنا في «عمدة القاري»، فقال: (لا يدرى من أيِّ موضع نقله؟) واعترضه العجلوني فزعم أنَّه نقله من كتب اللُّغة، ففي «الصِّحاح» : جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، وفي «المحكم» : الجزور: الناقة المجزورة، والجمع: الجزائر، وفي «القاموس» : الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، انتهى.
قلت: هذا مبلغه من العلم، وما زعمه مردود عليه، فإنَّه لم يصرح أحد من أئمة اللُّغة أن معناه القطع، كما زعمه ابن حجر، فظهر أنَّه تفسير من عنده لا مستند له فيه ولا يعول عليه، بل ما ذكر من هذه النقول يشهد لما قاله إمامنا الشَّارح، فهذا دليل له لا عليه؛ فانظر التعصب البارد من ذي الذهن الشارد، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فافهم.
(آل فلانٍ) بالتنوين، اسم مبهم لقبيلة من قبائل العرب لم تعرف أسماؤهم، قاله الشَّارح، وزعم ابن حجر يشبه أن يكونوا آل أبي معيط؛ لمبادرة عقبة بن أبي معيط إلى إحضار ما طلبوه منه، انتهى.
قلت: هذا رجم بالغيب؛ لأنَّه ليس له دليل، والدعوى بدون برهان لا تسمع، ومبادرة عقبة لذلك لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّه لا يلزم من مبادرته أن يكون الجزور لآل أبي معيط، وإنما كان المبادر لأجل أن يفوز بهذه الشقاوة حتى يرضي أبا جهل، ويكون عنده مقدمًا مقربًا، على أنَّه قد اختلف في الذي بادر؛ فقيل: إنَّه أبو جهل نفسه؛ لقوله في الحديث: «فانبعث أشقاهم»، ولا ريب أنَّه أشقاهم، كما سيأتي؛ فافهم.
(فيَعمِدُ) بالرفع عطف على (يقوم)، ويروى بالنصب؛ لأنَّه وقع بعد الاستفهام، قاله إمامنا الشَّارح، وهو بفتح التحتية وكسر الميم،
стр. 743
من باب (ضرب)، لكنه يتعدى باللَّام، كما ذكره في «الصِّحاح»؛ حيث قال: عمدت للشيء أعمد عمدًا: قصدت له؛ أي: تعمدت، انتهى، (إلى فرثها)؛ أي: لفرثها على ما في «الصِّحاح» (ودمها)، والفرث: التفل الذي في الكرش، وقال ابن عبَّاس: إن البهيمة إذا اعتلفت وأنضج العلف في كونها؛ كان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا؛ يعني: أن أوسطه يكون مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن؛ لأنَّهما لا يكونان في الكرش، بل الكبد يجذب صفارة الطعام المهضم في الكرش، وكل حيوان له كرش إلا بني آدم، فإنَّه ليس له كرش، بل معدة وبها يجتمع المأكول وينهضم ويتولد دمًا وبلغمًا وسودًا وصفرًا، ويجري كل واحد إلى مكانه، فالدم مقره القلب، وسلطانه الدماغ، وتمامه في كتب الطب، وقد أغفل هذا المعنى العجلوني ولم يتعرض له ولم يصب في ذلك؛ لأنَّه مهم؛ فافهم، (وسَلَاها)؛ بفتح السين المهملة واللَّام، وبالقصر؛ وهي الجلدة التي يكونفيها الولد، والجمع: أسلاء، وخص الأصمعي السلى بالماشية، وفي الناس بالمشيمة، وفي «المحكم» : السلى: يكون للناس والخيل، وفي «الصِّحاح» : السلى؛ مقصور: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، إن نزعت عن وجه الفصيل بساعة؛ يولد، وإلا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن، وألف (السلى) منقلبة عن ياء تحتية، ويقويه ما حكاه أبو عبيد عن بعضهم أنَّه يقول: سليت الشاة؛ إذا نزعت سلاها، أفاده شارحنا الهمام هناك، وتخصيص الكرماني (السلى) بما يكون فيه ولد الناقة؛ تفسير وتخصيص من عنده مردود عليه؛ لأنَّه مخالف لأئمة اللُّغة؛ فليحفظ، (فيجيء به) أي: بما ذكر، (ثم يمهلُه)؛ بالرفع أو النصب تبعًا لـ (يعمد)، وهو من الإمهال؛ وهو الانتظار؛ يعني: ينتظره (حتى إذا سجد)؛ أي: إلى أن يسجد النَّبي الأعظم ﷺ ، فهو غاية للإمهال (١)؛ (وضعه)؛ أي: ما ذكر، وهو جواب (إذا)، زاد المؤلف سابقًا: (على ظهره) (بين كتفيه)؛ بالتثنية على الإضافة، كما قدمناه، وكأنَّه أمره أن يقف خلف ظهره، فلم يدر إلا وقد وضعه عليه، (فانبعث أشقاهم)؛ أي: انتهض وأشرع، وهو مطاوع (بعث)، يقال: بعثه وانبعثه بمعنًى؛ فانبعث؛ أي: أشقى القوم؛ وهو عقبة بن أبي مُعَيط؛ بضم أوله، وفتح ثانيه، كما سماه شعبة عند مسلم، وكذا الإسماعيلي، ورواه أبو داود في «مسنده» بلفظ: (فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره)، وقال الدَّاودي: أشقى القوم: هو أبو جهل، قلت: وعليه فكونه أشقاهم ظاهر في نفس الأمر، لكن الذي تولى ذلك هو عقبة؛ فافهم، والصَّحيح الأول، وعليه الشَّارحون وإمامهم، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا منه؛ لأنَّه مع مشاركتهم في الكفر انفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب وهو قُتِلَ صبرًا، كما سيأتي.
(فلمَّا سجد رسول الله ﷺ أي: في صلاته؛ (وضعه) أي: ما ذكر على ظهره (بين كتفيه)؛ بالتثنية والإضافة.
فإن قلت: لم لم يره النَّبي الأعظم ﷺ حين وضعه، وقد وَرَد أنَّه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟
قلت: يحتمل أنَّه لم يره؛ لأنَّه مشغول بالعبادة ومستغرق فيها، ويحتمل أنَّه رآه وتركه حتى فعل ما فعل؛ لينفذ قضاء الله تعالى فيهم، أو لأنَّه كان الإسلام وقتئذ ضعيفًا فخشي وقوع الفتنة فتركه، والله أعلم.
(وثبت) أي: استقام أو استمر (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: في صلاته (ساجدًا)؛ أي: لا يرفع رأسه، كما [في] رواية المؤلف هناك؛ أي: من السُّجود بل أبطأ فيه، (فضحكوا)؛ أي: الجمع من قريش؛ أي: استهزاءً، قاتلهم الله تعالى (حتى مال بعضهم إلى)؛ بمعنى: على، كما في رواية الأربعة، أو بالعكس (بعض من الضحك)؛ أي: من كثرته، وكأنَّه وصل إلى حد القهقهة، عليهم الغضب.
وزعم العجلوني أن في رواية غير هذا الموضع: (حتى مال بعضهم إلى بعض من كثرة الضحك).
قلت: فيه خفاء؛ لأنَّه لم يبين أن هذه في «البخاري» أم في غيره؟ وفي أي بحث هي؟ ومن رواها؟ والجهل في ذلك غير مقبول؛ فافهم.
(فانطلق منطلق) : لم يعرف اسمه، وزعم ابن حجر يحتمل أنَّه ابن مسعود الراوي، انتهى، قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّه لو كان هو؛ لقال: فانطلقتُ، وإنما مراده أن المنطلق غيره، ويدل عليه رواية المؤلف في (الطهارة)، ولفظه هناك: قال -أي: ابن مسعود-: (فانبعث أشقى القوم به فنظر حتى إذا سجد النَّبي الأعظم ﷺ ؛ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا لو كان لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة)، فهذا يدل على أنَّ ابن مسعود قد كان حاضرًا وقتئذٍ، واستمر حضوره حتى جاءت فاطمة ونظر ما فعلته، وأن المنطلق غيره؛ لقوله: (وأنا أنظر)؛ أي: إلى النَّبي الأعظم ﷺ وأنه قد ثبت ساجدًا وهو على ظهره إلى أن جاءت فاطمة، فهذا يدلُّ على أنَّه لم يفارقه، وأنَّه لم ينطلق، بل كان غيره؛ فليحفظ، (إلى فاطمة) هي ابنة النَّبي الأعظم ﷺ (وهي جويرية (٢))؛ أي: صغيرة، وهو تصغير جارية، قاله الشَّارح، والظَّاهر: أنَّها كانت دون عشر أو دون البلوغ، وتزوجها علي بن أبي طالب وكان سنُّها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، بعد وقعة أحد، توفيت بعد أبيها بستة أشهر بالمدينة يوم الثُّلاث، لثلاث خلون من رمضان، ودفنت ليلًا، وفضائلها كثيرة، وكفى بها شرفًا كونها بضعة من النَّبي الأعظم ﷺ ، أفاده الشَّارح هناك، (فأقبلت) أي: على أبيها ﵇ (تسعى) أي: تمشي إليه بلين ورفق، وزعم العجلوني؛ أي: تسرع، قلت: هو تفسير من عنده؛ لأنَّ السعي ليس بمعنى: الإسراع، بل معناه: المشي عادة، كما ذكرنا، ويدلُّ عليه قوله ﵇: «إذا أتيتم الصلاة؛ فائتوها وأنتم تسعون، ولا تأتوها هرولة»، ولا يخفى أن الإتيان إلى الصلاة بالإسراع مكروه، وهو الهرولة، أما السعي؛ فهو بلين ورفق، وهو مراد الحديث وحديث الباب؛ لأنَّ الصلاة المطلوب فيها التذلل والخضوع في المشي إليها، والإسراع ينافيه؛ فافهم، (وثبت النَّبي) الأعظم ﷺ ساجدًا)؛ أي: استقام أو استمر في صلاته حالة كونه ساجدًا لا يرفع رأسه من السُّجود، بل أبطأ فيه، (حتى ألقته)؛ أي: رمت ما وضعوه عن ظهره ﵇، وعند المؤلِّف سابقًا: (فطرحته عن ظهره)، وإنَّما لم يطرحه ابن مسعود ﵁ مع أنَّه كان حاضرًا وقتئذٍ؛ لأنَّه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا، فخاف من أذاهم له، ويدلُّ عليه ما عند المؤلف قال: (وأنا أنظر لو كان لي منعة) -أي: عزٌّ وجاه-؛ (لطرحته)، كما صرح به مسلم، وعند البزار: (وأنا أرهب منهم)؛ فافهم.
(وأقبلت) أي: فاطمة (عليهم) أي: على الجمع من قريش (تسُبهم)؛ بِضَمِّ السين المهملة؛ أي: تشتمهم، زاد البزار في روايته: (فلم يردُّوا عليها شيئًا)، ففيه: دليل على قوة نفس فاطمة الزهراء مع صغرها؛ لشرفها في نفسها وقوتها؛ لكونها صرَّحت بشتمهم وهم من رؤساء قريش، فلم يردُّوا عليها؛ خوفًا من أن تطرحه عليهم؛ لشدَّة تغيُّظها من هذا الفعل القبيح، قاتلهم الله تعالى، وهذا بعض أفعال الكلب المملوءة بالمكر والحسد والفجور، كما بيَّنتُ ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المحزون (٣)»؛ فافهم، (فلما قضى رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ الصلاة)؛ أي: فرغ من صلاته وأتمَّها، وعند البزار: (فلما قضى صلاته)، وكذا للمؤلف في (الطهارة)، ونحوه لمسلم والنسائي؛ (قال اللهم) أي: يا الله (عليك بقريش)؛ أي: بهلاكهم، أو ألصق عذابك بكفار قريش، أو عليك بقريش الكفار، فهو على حذف مضاف أو صفة، وزاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) (اللهم عليك بقريش) والمراد: الكفار منهم، أو من سمَّى منهم؛ وهم أبو جهل وأصحابه، فهو عامٌّ أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وفيهم مسلمون؟ لأنا نقول: لا عموم للَّفظ؛ فافهم، (اللهم عليك بقريش) وعند أبي داود عن شعبة في هذا الحديث قال ابن مسعود: (لم أره دعا عليهم إلا يومئذٍ)، وإنما استحقُّوا الدعاء حينئذٍ؛ لما قدموا عليه من التهكُّم والإيذاء حال عبادة
стр. 744
ربِّه (ثلاثًا)؛ أي: قال هذه الجملة وكررها ثلاث مرات، وزاد مسلم في رواية زكريا: (وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا)، وعند المؤلف في (الطهارة) : (فيشق ذلك -أي: الدعاء- عليهم؛ إذ دعا عليهم، قال -أي: ابن مسعود-: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة)؛ يعني: كان اعتقادهم إجابة الدعوة لا من جهة النَّبي الأعظم ﷺ ، بل من جهة المكان؛ لشرف البلد ولتعظيمهم له مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم الخليل ﵇، وعند مسلم من رواية زكريا: (فلما سمعوا صوته؛ ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته)، ففيه: معرفة الكفار صدق النَّبي الأعظم ﷺ ؛ لخوفهم من دعائه، ولكنْ لأجل شقائهم الأزلي؛ حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له ﵇.
وفيه: جواز الدعاء على الظالم، وفصَّل بعضهم فقال: محلُّه ما إذا كان كافرًا، أمَّا المسلم؛ فيستحب الاستغفار له والدعاء له بالتوبة، قاله الشَّارح هناك.
وزعم ابن حجر أنَّه لو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر؛ لما كان بعيدًا؛ لاحتمال أنَّه ﵇ اطَّلع عليهم أنَّهم لا يؤمنون، والأَولى أن يُدْعَى لكلِّ حيٍّ بالهداية، انتهى.
قلت: وفيه نظر، بل الحديث دالٌّ على جواز الدعاء على الكافر والظالم، ويدلُّ عليه عموم قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَلا لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، لأنَّ في الدعاء بالهلاك لهم تخليص الناس من شرِّهم وأذاهم لا سيما من يتظاهر في زماننا في إيذاء المسلمين ويتجاسرون عليهم بالفجور والشرور، فلا ريب أن الدعاء عليهم جائز، بل لو قيل بوجوبه؛ لم يبعد لا سيما جماعة الكلب العقور المحشوَّة بالمكر والحسد والشرور، اللهم أحسن عاقبتنا.
(ثم سمَّى) أي: عيَّن أفرادَ الجمع من قريش النَّبيُّ الأعظم ﷺ في دعائه ما كان أجمله أولًا، ودعاؤه ﵇ عليهم المجمل والمفصل إنَّما كان خارج الصلاة بعد الفراغ منها؛ لقوله فيما تقدم: (فلما قضى الصلاة)، ولمسلم: (فلما قضى صلاته)، وكذلك عند البزار وأبي داود، لكن في «مسلم» : أنَّه كان مستقبل القبلة، وذلك من عادته ﵇ في الدعاء أنَّه يدعو دبر الصلاة مستقبل القبلة، ووقع عند المؤلف في (الطهارة) : (فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه ثم قال: اللهم...)؛ الحديث، ففيه: أنَّه قد يُتوَّهم أن الدعاء وقع في الصلاة؛ وهو ممنوع، فإنَّ تصريح المؤلف هنا ومسلم وغيرهما بقوله: (فلما قضى الصلاة) يدلُّ على أنَّه وقع بعد الفراغ من الصلاة، على أنَّ (١) كلمة (ثم) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وقد وقع بهذه المهلة بقية أفعال الصلاة، ويحتمل أن الراوي اختصر ذلك، والصَّواب: أن الرواية هناك مختصرة من الرواية هنا، ويدلُّ لها ما في «مسلم» وغيره، والروايات تفسِّر بعضها بعضًا؛ فليحفظ.
فقال: (اللهم عليك بعَمرو بن هشام)؛ بفتح العين: المخزومي، وعند المؤلف في (الطهارة) : (اللهم عليك بأبي جَهل)؛ بفتح الجيم، وهو كنية عمرو بن هشام، فلعله ﵇ سمَّاه وكنَّاه معًا.
قلت: بل سمَّاه تارة، وكنَّاه أخرى؛ لأنَّه ﵇ من عادته إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، كما في «مسلم»، ويعرف أيضًا بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا؛ لقول عتبة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، وكان يكنَّى في الجاهلية: بأبي الحكم، فكنَّاه ﵇ بأبي جهل، وفيه يقول الشاعر:
الناس كنَّوه أبا حكم... والله كنَّاه أبا جهل
وقيل: يكنَّى أبا الوليد، ولمَّا رآه ﵇؛ قال: «هذا فرعون هذه الأمة».
(وعُتْبةَ) بِضَمِّ العين، وسكون الفوقية، والجر بالفتحة، (بن رَبيعة)؛ بفتح الرَّاء، بالجر بالفتحة، ابن عبد شمس، (وشيبة بن ربيعة) هو أخو عتبة، (والوَلِيد بن عُتْبة)؛ بِضَمِّ العين وسكون المثناة الفوقية، وواو الوَلِيد مفتوحة ولامه مكسورة، وهو المذكور آنفًا، ووقع عند مسلم من رواية زكريا: (والوليد بن عقبة)؛ بالقاف، وهو وهَمٌ نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصَّواب، أفاده إمامنا الشَّارح هناك، (وأُمَيَّةَ)؛ بالجر بالفتحة عطفًا على المجرور، وهو بِضَمِّ الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد التحتية (بن خلف) هو ابن صفوان بن أمية، وعند المؤلف في (الطهارة) : (أو أُبَي بن خلف) بالشك من شعبة، والصَّحيح: أميَّة؛ لأنَّ المقتول ببدر أميَّة بإطباق أصحاب المغازي عليه، وأخوه أُبَي بن خلف قُتِلَ بأُحُد، قاله الشَّارح، (وعُقْبة) بِضَمِّ العين وسكون القاف (بن أبي مُعَيْط)؛ بِضَمِّ الميم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، واسمه أبان بن أبي عمرو لعنه الله، (وعُمَارة) بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الميم (بن الوَلِيد)؛ بفتح الواو مع كسر اللَّام، ابن المغيرة، وعند المؤلف في (الطهارة) : (وعد السَّابع فلم يحفظه)، قال إمامنا الشَّارح: ولم يذكره الراوي هناك، وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيه وهنا تذكره، انتهى، وقد خبط الكرماني هنا وخلط؛ فاجتنبه، ونقله العجلوني عنه؛ فافهم.
(قال عبد الله) أي: ابن مسعود ﵁: (فوالله) وعند المؤلف: (فوالذي نفسي بيده)، وعند مسلم: (والذي بعث محمَّدًا بالحق) وعند النسائي: (والذي أنزل عليه الكتاب)، والمراد باليد: القدرة؛ أي: بقدرته، ولعلَّ ابن مسعود قال ذلك كله تأكيدًا وتأسيسًا لكلامه، ففيه: جواز الحلف من غير استحلاف، وإنما صدَّر كلامه باليمين؛ لشدَّة تثبُّته فيما يقوله فيهم لعنهم الله، (لقد رأيتهم)؛ أي: الجمع من قريش، زاد المؤلف: (لقد رأيت الذين عدَّ رسولُ الله ﷺ (صرعى) : جمع صريع، كجرحى جمع جريح، مفعول ثانٍ لـ (رأيت)، قاله إمامنا الشَّارح وتبعه القسطلاني؛ أي: مقتولين.
وزعم العجلوني أنَّه ينبغي أن يكون حالًا؛ فإنَّ (رأيت) بصرية، وإن أمكن توجيه الأول بمعنى: مقتول، انتهى.
قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّ الصَّواب: كونه مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ (رأيت) علمية؛ بمعنى: اعتقدت؛ أي: صِدْقه ﵇ في الدعاء عليهم حيث إنَّه نفذ فيهم قريبًا، ولهذا أكَّده بالأيمان؛ فافهم.
(يوم بدر) : هي اسم موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهي ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة مذكرًا ومؤنثًا، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه، انتهى، (ثم سُحِبوا)؛ بِضَمِّ أوله على البناء للمفعول؛ أي: جُرُّوا كما يُجرُّ الكلب المنتن (إلى القَلِيب)؛ بفتح القاف وكسر اللَّام، وهو البئر قبل أن تطوى، يذكَّر ويؤنَّث، وقال أبو عبيد: هي العادية القديمة من لدن عاد لا يعرف صاحبها، وقال ابن سيده: هي البئر مطلقًا، وجمع القلة: أقلبة (٢)، والكثرة: قُلُب، أفاده إمامنا الشَّارح، (قَلِيبِ بدر)؛ بالجر بدل من سابقه؛ على حد قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٦ - ١٧]، ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو قليب بدر، وأمَّا النصب؛ فعلى تقدير: أعني قليبَ بدر، قاله إمام الشَّارحين، فأفاد أن الرواية بالجر فقط، وبهذا ظهر فساد تعميم العجلوني الأوجه الثلاثة مع عدم بيان الرواية منها؛ فافهم.
زاد شعبة في روايته: (إلا أميَّة فإنَّه تقطَّعت أوصاله؛ لأنَّه كان بادنًا؛ أي: سمينًا، وإلا عمَارة فإنَّه مات في خلافة عمر ﵁ في أرض الحبشة)، فعلى هذا يحمل قوله: (لقد رأيتهم)؛ أي: رأيت أكثرهم؛ فتأمل، وقد يقال: إنَّه رآهم جميعًا صرعى؛ أي: مطرحين في القَلِيب ولا يدري هل قتلوا جميعًا أم أكثرهم؟ فأخبر عمَّا رآه منهم؛ فهو على إطلاقه؛ فتدبَّر.
واعلم أن أبا جهل قتله معاذ بن عمرو بن
стр. 745
الجموح ومعاذ بن عفراء (١)، كما ذكره في «الصَّحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعود ﵁ وهو صريع، فاحتزَّ رأسه، وأتى به النَّبيَّ الأعظم ﷺ فقال: هذا رأس عدوِّ الله، فنَفَّله النَّبي الأعظم ﷺ بسيفه، وقال: «الحمد لله [الذي] أخزاك يا عدوَّ الله، هذا كان فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر»، وفي رواية البيهقي: (فخرَّ رسول الله ﷺ ساجدًا)، قلت: ففيه: دليل على استحباب سجدة الشُّكر، وأنَّها مشروعة، وعلى أنَّ الإنسان إذا كان له عدوٌّ فهلك، أو حاجة قضيت؛ أن يحمد الله ويسجد لله تعالى شكرًا لما أنعمه عليه؛ فليحفظ.
وأمَّا عتبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة، وقيل: علي.
وأمَّا شيبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة أيضًا.
وأمَّا الوليد بن عتبة؛ فقتله عبيدة بن الحارث وقيل: علي.
وأما أميَّة بن خلف؛ فقيل: قتله رجل من الأنصار، وقيل: قتله خارجة بن زيد، وقيل: حبيب بن أساف، وفي السِّيَر من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن بلالًا ﵁ خرج إليه ومعه نفر من الأنصار، فقتله، وذكر ابن الجوزي أنَّه ﵇ قتله وكان بدينًا؛ أي: سمينًا، فلما قتل؛ انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جُرَّ إلى القليب فتقطَّع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى في حقهم خطابًا لنبيِّه الأعظم ﷺ : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وهو الذي كان يعذب بلالًا ﵁ في مكة.
وأما عقبة بن أبي معيط؛ فقتله علي ﵁، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح: أن النَّبي الأعظم ﷺ قتله بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة، فهو لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، فقتله ﵇ بهذا الموضع، ويسمَّى عرق الظبية، وهو من الروحاء، وقيل: إنَّه قال لرسول الله ﷺ : أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: «نعم»، ثم قال: «بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام؛ إذ أخذ بمنكبي، فلف ثوبه على عنقي، فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان»، وكان عقبة من المستهزئين أيضًا، وذكر ابن حبيب أنَّه من زنادقة قريش.
وأمَّا عمارة بن الوليد؛ فإنَّه مات بأرض الحبشة زمن عمر بن الخطاب ﵁، وله قصة مع النجاشي، وحاصلها: أن عمارة قد تعرض لامرأة النجاشي فأمر ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبةً له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن هلك لعنه الله.
(ثم قال رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: بعد سحبهم وإلقائهم في القليب مع غيرهم؛ لأنَّ الذين ألقوا فيه بضعة وعشرون رجلًا، كما رواه قتادة عن أنس عن أبي طلحة، وفي رواية: (أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طوًى من أطواء بدر)، وكلمة (ثم) تشعر بها.
وزعم العجلوني؛ أي: بعد قتلهم.
قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّهم لم يصيروا من أصحاب القليب إلا بعد إلقائهم فيه؛ فافهم.
(وأُتْبع أصحاب القليب لعنة) : (وأُتبع)؛ بِضَمِّ الهمزة، إخبار من الرسول ﷺ بأنَّ الله أتبعهم اللعنة؛ أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويروى: (وأَتبع)؛ بفتح الهمزة، ويروى: بلفظ الأمر، فهو عطف على قوله: (اللهم عليك بقريش)؛ أي: قال في حياتهم: اللهم أهلكهم، وقال في هلاكهم: أتْبِعْهم اللعنة، قاله إمامنا الشَّارح.
قلت: فيكون على الأول فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، و (أصحاب) : مرفوع نائب فاعل، وعلى الثاني: منصوب، والله أعلم.
فإن قلت: إلقاؤهم في البئر دفنٌ لهم، والحربيُّ لا يجب دفنه، بل يترك في الصحراء، وهم كانوا حربًا.
قلت: إلقاؤهم في البئر كان تحقيرًا لهم؛ لئلا يتأذى الناس برائحتهم، ولم يكن دفنًا.
فإن قلت: في «سنن الدارقطني» : من سننه ﵇ في مغازيه: إذا مرَّ بجيفة إنسان؛ أمر بدفنه ولا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا.
قلت: إنَّما كان لا يسأل؛ لأنَّه كان يعلم بالوحي أنَّه إذا كان مؤمنًا؛ كان يستحقُّ الدفن؛ لكرامته، وإن كان كافرًا؛ فلئلا يتأذى الناس برائحته، على أنَّ المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًّا، بل صبُّ التراب عليه؛ للمواراة.
فإن قلت: صبُّ التراب عليهم كان يقطع رائحتهم.
قلت: كان إلقاؤهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم.
فإن قلت: كيف كان إلقاؤهم في البئر والناس ينتفعون بمائها؟
قلت: البئر لم يكن فيها ماء، وكانت عادية (٢) مهجورة، وقيل: إنَّه وافق أنَّه كان حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة، الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان ذلك فألًا مقدمًا لهم، انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ حيث إنَّ فاطمة ﵂ ألقت وطرحت عن أبيها ﵇ الأذى وهو في الصلاة ولم تضر صلاته، كما ذكرناه أول الباب.
قال الكرماني: وفي الحديث: الدعاء على الكفار إذا آذوا المؤمنين، وكان هؤلاء ممن لا يرجى دخولهم في الإسلام، وأجاب الله دعوته فيهم، وأنزل في شأنهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾، وأمَّا من رُجي منهم الإسلام؛ فلم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية والتوبة والدخول في الإسلام، انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس في الحديث ما ذكره من التفصيل، وليس فيه أنَّه كان يدعو بالهداية والتوبة، وإن كان ذُكِر في غيره، وما ذكره من أنَّه إن رجي إسلامه؛ لا يدعو عليه؛ مخصوص بزمن النَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّه ينزل عليه الوحي بذلك، أما في زماننا؛ فلا وحي، ورجاء الإسلام من الكفار مستحيل؛ لما يشاهد من عنادهم في كفرهم ونفاقهم؛ لأنَّ كثيرًا (٣) ما قد دخل بعضهم في الإسلام، ثم ارتدَّ -والعياذ بالله-، ورجع إلى كفره وضلاله، ولم يثبت واحد منهم على الإسلام، فإذا كان الأمر كذلك؛ جاز الدعاء عليهم بالهلاك مطلقًا سواء رجي أم لا، كما قدمناه؛ فافهم.
وفي الحديث: دلالة على أنَّ من عرض له في أثناء صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء؛ لا تفسد صلاته، كما لو عرضت له نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها، فإنَّها لا تفسد صلاته بالاتفاق، فيحتمل أنَّ فاطمة طرحته قبل مضي زمان أداء ركن، ويحتمل أنَّه قد فرغ من صلاته وسجد بعدها شكرًا لله تعالى، أو كان عليه سجود سهو فسجده وهو ساجد؛ جاء عقبة فطرحه عليه، والسجدة لا توصف وحدها بصلاة، ويدل على هذا ما عند المؤلف في (الطهارة) : (فرفع رأسه -أي: من السُّجود- ثم قال: «اللهم»)، وللبزار: (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ اللهم عليك»)، فهذا يدلُّ على أنَّ الدعاء وقع عقيب الرفع من السُّجود وأنَّ المطروح كان في حال السُّجود؛ الشُّكر أو السَّهو، وهذا لم يضر صلاته، والروايات التي فيها: (فلما قضى صلاته) ظاهرة أيضًا؛ لأنَّه قد قضى صلاته وانتقل إلى سجود الشُّكر أو السَّهو، وهو توفيق بين الروايات، وتصحيح لحكم الصلوات؛ فتأمل.
وزعم الخطابي أنَّ أكثر العلماء على أنَّ السَّلى نجس، وتأولوا معنى الحديث على أنَّه ﵇ لم يكن تُعُبِّد إذ ذاك بتحريمه؛ كالخمر كانوا يلابسون الصلاة وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلمَّا حرمت؛ لم تجز الصلاة فيها، واعترضه ابن بطال بأنَّه لا شكَّ أنَّها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ لأنَّها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة، ورُدَّ عليه بأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسَّلى من ذلك.
قال النَّووي: وهذا ضعيف؛ لأنَّ روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنَّه يتضمن النَّجاسة من حيث إنَّه لا ينفكُّ من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان، فهو نجس، انتهى.
قلت: وهذا ليس بضعيف؛
стр. 746
لأنَّ روث مأكول اللحم طاهر، يدلُّ عليه ما رواه المؤلف في باب (الصلاة في مرابض الغنم)، عن أنس قال: (كان النَّبي الأعظم ﷺ يصلي في مرابض الغنم)، وروى في باب (الصلاة في مواضع الإبل)، عن نافع قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهمايصلي إلى بعيره، وقال: رأيت النَّبي الأعظم ﷺ يفعله)، فهذا يدل على طهارة روث مأكول اللحم وبوله؛ لأنَّ المرابض لا تخلو عن الروث والبول، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، فلا تكون نجسه، وحاله ﵇ أجلُّ وأعظمُ من أن يصلي في مكان نجس، وهذا قول الإمام محمَّد بن الحسن، ومالك، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والزهري، والثَّوري، وابن سيرين، وابن المنذر، وابن حبان، وابن خزيمة، والروياني، والإصطخري من الشَّافعية، وجماعة، وكفى بهؤلاء قدوة، فكيف يكون ضعيفًا؟!
وقوله: (ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان)، قال إمامنا الشَّارح: لو كان كما ذكر؛ كان جميع أجزائها نجسة.
قلت: وهذا إنَّما كان قبل التعبُّد بتحريم ذبائحهم.
واعترض أنَّه يحتاج إلى تأريخ، ولا يكفي فيه الاحتمال.
قلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كافٍ، ولا شكَّ أن تماديه ﵇ في هذه الحالة قرينة تدلُّ على أنَّه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنَّه ﵇ لا يستقر على أمر غير مشروع ولا يقرر غيره عليه؛ لأنَّ حاله أجلُّ وأعظم من ذلك، انتهى.
ثم قال النَّووي: والجواب عن الحديث: أنَّه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده؛ استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصلاة فريضة فيجب إعادتها، أو غيرها فلا يجب؟ وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت يوسع لها، فلعله أعادها، انتهى.
واعتُرض عليه بأنَّه لو أعاد؛ لنُقل، ولم ينقل عنه الإعادة.
وأجاب عنه إمام الشَّارحين: بأنَّه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر، بل يجوز أنَّه أعادها لمَّا علم من فاطمة أنَّها (١) طرحت عنه الأذى وهو في الصلاة.
فإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وأن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه؟
قلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عليهالسلام بذلك؛ لأنه كان إذا دخل في الصلاة؛ استغرق باشتغاله بالله تعالى (٢)، ولئن سلمنا إحساسه به، فقد يحتمل أنَّه لم يتحقق نجاسته، والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل السلى (٣) وجلده الظَّاهر طاهر، فكان كحمل القارورة المرصَّعة، انتهى.
واعترضه العجلوني فزعم أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ حمل النَّجاسة في الصلاة ولو في قارورة طاهرة غير جائز، انتهى.
قلت: هذا مردود عليه، بل هذا الجواب صحيح؛ لأنَّ النَّجاسة ما دامت في معدنها تجوز فيها الصلاة، ألا ترى أن الإنسان يصلي والحال أنَّه حامل في بطنه أرطالًا من النَّجاسة ولا يسع أحدًا أن يحكم بعدم صحة صلاته؟! قال في «الفتاوي الظهيرية» : الصبي إذا كان ثوبه نجسًا أو هو نجس فجلس على حجر المصلي وهو يستمسك بنفسه أو الحمَام النجس إذا وقع على رأس المصلي وهو يصلي؛ جازت صلاته؛ لأنَّه لم يصر المصلي حاملًا للنجاسة، كذا في «البحر الرَّائق»، وكذا لو مسَّ المصلي نحو حائط نجس بيابس في الصلاة لا يضرُّه؛ لأنَّه لا يعدُّ حاملًا للنجاسة، كما في «شرح النقاية» للقهستاني، وكذا لو صلى وفي كمِّه بيضة مزرة قد صار مخُّها دمًا؛ جازت صلاته؛ لأنَّه في معدنه، والشيء مادام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة، كذا في «المحيط».
فالحاصل: أن الفرث والدم كانا داخل السلى (٤) وجلدته الظَّاهرة طاهرة، فالنَّجاسة في معدنها، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة؛ فليحفظ.
وزعم أشهب أن الحديث حجَّة على أنَّ إزالة النَّجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي.
وردَّه إمامنا الشَّارح بأنَّ الدلائل القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه، فهي ترد عليه، انتهى.
وهذا الحديث قد سبق في باب (إذا ألقي على المصلي قذر؛ لا تفسد صلاته)، وتقدم الكلام [عليه]، والله تعالى أعلم.
((٩)) [كتاب مواقيت الصلاة]
هذا (كتاب) أحكام (مواقيت الصلاة)، ولمَّا فرغ من بيان الطهارة بأنواعها التي هي شرط الصلاة؛ شرع في بيان الصلاة بأنواعها التي هي المشروطة، والشرط مقدم على المشروط، وقدَّمها على الزكاة، والصوم، وغيرهما؛ لمَا أنَّها تاليةُ الإيمان، وثانية في الكتاب والسنة، ولشدَّة الاحتياج وعمومه إلى تعلُّمها؛ لكثرة وقوعها ودورانها، بخلاف غيرها من العبادات، كذا في «عمدة القاري».
قلت: لا يقال: إنَّه تقدَّم كتاب (الصلاة)؛ لأنَّا نقول: ما قدَّمه تابع لكتاب (الطهارة)؛ بدليل ذكر أحكام النجاسات وغيرها فيه، أمَّا هنا؛ فهو كتاب مستقل؛ لبيان أحكام الصلاة وأوقاتها؛ فليحفظ.
و (الكتاب) : مصدر بمعنى الجمع لغة، بمعنى: المكتوب، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، فالمصدر كتب وكتابة وكتبًا، والجمع: ضم شيء إلى شيء، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شفريها بشعرة، ثم جعل شرعًا عنوانًا لمسائل مستقلة مطلقًا، وهو شامل لما كان تحته نوع واحد أو أكثر، كلُّ نوع يسمى بابًا، وكلُّ باب يشتمل على صنف من المسائل أو أكثر، وقيد الإطلاق مخرج للباب؛ لأنَّه طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة مع قطع النَّظر عن تبعيَّتها للغير أو تبعيَّة الغير لها.
فالفرق بين الكتاب والباب: أن الكتاب قد يكون تابعًا وقد لا يكون، بخلاف الباب فإنَّه لا بدَّ أن يكون تابعًا أو متتبعًا، وتمامه فيما قدمناه وفي «شرحنا على القدوري»، وقلت فيه: والصلاة: اسم مصدر (صلَّى)، والمصدر: التصلية، وإنما عدلوا عن المصدر إلى اسمه؛ لإيهامه خلاف المراد والمقصود، وهو التصلية بمعنى: التعذيب بالنَّار، فإنَّه مصدر مشترك بين (صلَّى)؛ بالتشديد بمعنى: دعا، و (صلَى)؛ بالتخفيف بمعنى: أحرق، ووزنها (فعلة)، واللام: واو؛ بدليل الجمع على (الصلوات)، فقلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنما رسمت في القرآن بالواو؛ لأجل التفخيم والتعظيم.
واختلف في حقيقتها لغة؛ فقال الفاضل الزمخشري: إن حقيقة (صلَّى) حرَّك الصلوين (٥)؛ لأنَّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ويقال للداعي: مصليًا؛ تشبيهًا في تخشُّعه بالراكع والساجد، واختاره أبو علي واستحسنه ابن جني، والصلْوان؛ بالسكون: العظمان الناتئان في أعالي الفخذين اللذان عليهما الأليتان، والجمهور على أنَّ حقيقتها: الدعاء، فهي فيه حقيقة، وتستعمل في غيره مجازًا، وبهذا جزم الجوهري وغيره، والقرآن ورد بلغة العرب قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادع لهم، وإنما عُدِّي بـ (على)؛ باعتبار لفظ الصلاة، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا؛ فليصلِّ»؛ أي: فليدع لهم بالخير والبركة، ومنه: الصلاة على الميت، ومنه: قول الأعشى:
تقولُ بنتي وقد قربتُ مرتحَلا... يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوجعا
عليك مثلَ الذي صليت فاغتمضي... نومًا فإنَّ لجنب المرء مضطجعا
وفي الشريعة: عبارة عن الأركان والأفعال المخصوصة المعهودة؛ أي: حقيقة، وفي الدعاء مجازًا، فهي في اللُّغة: حقيقةٌ في الدعاء مجازٌ في العبادة، وفي الشرع: حقيقةٌ في العبادة مجازٌ في الدعاء، ففي المعنى الشرعي: المعنى اللغوي وزيادة، فتكون من الأسماء المغيرة لا المنقولة، وتمامه فيه؛ فليحفظ.
وقال إمامنا الشَّارح: والمواقيت: جمع ميقات على وزن (مِفْعَال)، وأصله: موقات؛ قلبت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، من وقَّت الشيء يقَّته إذا بيَّن حده، وكذا وقَّته يوقِّته، ثم اتسع فيه، فأطلق على المكان في الحجِّ، والتوقيت: أن يُجعَل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، وكذلك التأقيت، وقال السفاقسي: الميقات: هو الوقت المضروب للفعل والموضع، وفي «المنتهى» : كل ما جعل له حين وغاية؛ فهو موقت، ووقَّته ليوم كذا؛ أي: أجَّله، وفي «المحكم» : وقت موقوت وموقَّت: محدود، انتهى.
(بسم الله الرحمن الرحيم) هي ثابتة في رواية الأكثرين، ساقطة في رواية كريمة، (باب مواقيت الصلاة وفضلها)، كذا في رواية أبي ذر عن المستملي و (الفرع) و (أصله)، وفي رواية الحموي: البسملة ثم كتاب ثم باب، وللأصيلي: تقديم البسملة ثم كتاب ولم يذكر باب، وتمامه في «عمدة القاري».
ومن العادة المستمرة عند المصنفين: أن يذكروا الأبواب بعد لفظ الكتاب، فإنَّ الكتاب يشمل الأبواب والفصول، و (الباب) : هو النوع، وأصله: البوب؛ قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح
стр. 747
ما قبلها، ويجمع على أبواب، وقد قالوا: أبوبة، وإنما جُمِعَ في قول القتال الكلابي:
هتَّاك (١) أخبية ولَّاج أبوبة... . . . . . . . . . . . . . . .
للإزدواج، ولو أفرده؛ لم يجز، ويقال: أبواب مبوَّبة، كما يقال: أصناف مصنَّفة، والبابة: الخصلة، والبابات: الوجوه، قال ابن السكيت: البابة عند العرب: الوجه، انتهى.
(وقولِ الله ؛ بالجر عطفًا على (مواقيت)؛ أي: هذا باب مواقيت الصلاة وباب بيان قوله... إلخ، وللأصيلي: (وقولِه .
وزعم العجلوني أنَّه يجوز فيه الرفع، كما في بعض الأصول، ووجهه ظاهر، انتهى.
قلت: وجهه غير ظاهر؛ لأنَّه إذا جعل عطفًا على (كتاب) أو (باب) أو غيرهما؛ يكون تكلفًا، ولا يجوز جعله خبر مبتدأ محذوف؛ لوجود الواو العاطفة مع تعلقها بما قبلها وما بعدها، وكونها في بعض الأصول؛ لم يبين ما هذا الأصل من أيَّ راوٍ هو؟ والذي عليه الجمُّ الغفير من الشَّارحين أنَّه بالجر فقط لا سيما إمامهم صاحب «العمدة»، فإنَّه اقتصر على الجر، فلو كان ثمة رواية بالرفع؛ لذكرها؛ فافهم.
(﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾) أي: الشرعيَّة (﴿كَانَتْ﴾) فيه: دليل على أنَّ الصلاة كانت على الأمم السالفة كلها، قلت: وعلى هذا لم تكن الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه: أن صلاتهم كانت بركوع دون سجود، فالسُّجود من خصائص هذه الأمة، كما حقَّقه شيخ مشايخنا الفاضل الرحمتي في «حواشي الدر المختار»، قلت: والجمهور على أنَّه السُّجود؛ لأنَّ الركوع كان في شريعة موسى ﵇، ومما اختص به نبينا الأعظم ﷺ مجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد من الأنبياء غيره، فإنَّ الأمم السالفة كانت تصلي عند الطلوع وعند الغروب فقط، وتمامه في «شرحنا على القدوري»، (﴿عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾)؛ أي: مفروضة على جميع المكلفين، فهي فرض عين على كلِّ مكلَّف بعينه، وهو المسلم البالغ العاقل ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، وفيه: دليل على أنَّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وفيه خلاف، فعند الإمام الأعظم ﵁: هم مخاطبون بها، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن غير مخاطبين، وبه قال الشَّافعي، (﴿كِتَابًا﴾) : مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مكتوبًا مفروضًا، (﴿مَوْقُوتًا﴾) [النساء: ١٠٣]؛ أي: موجبًا مفروضًا، قاله ابن عبَّاس، ووافقه مجاهد وغيره، فـ ﴿مَوْقُوتًا﴾ تأكيد لـ ﴿كِتَابًا﴾، وقيل: معناه: محدودًا، كما سيأتي، يعني: أن الصلاة فريضة من الله مفروضة لأوقات معلومة، كلما مضى وقت واحدة؛ جاء وقت واحدة أخرى، ليست كالصوم الذي هو مفروض في السنة مرة واحدة، والحج الذي هو مفروض العمر مرة واحدة، وذلك لتأكُّدها وجلالة أمرها، ولهذا كانت فارقة بين المسلم والكافر.
وثبوتها: بالكتاب، والسنة، والإجماع، فيكفر جاحدها، وتاركها عمدًا تكاسلًا فاسق؛ يحبس حتى يصلي؛ لأنَّه يحبس لحقِّ العبد، فحقُّ الحقِّ أحقُّ، لا يقال: إنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على المسامحة؛ لأنَّا نقول: لا تسامح في شيء من أركان الإسلام، وقال الإمام المحبوبي: لو تركها تكاسلًا؛ يضرب حتى يسيل منه الدم، وهو ظاهر المذهب، وكذا الذي يفطر في رمضان يُحبَس حتى يُحدِثَ توبة، هذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وقال مالك والشَّافعي وأحمد: إذا أقرَّ بها، وتركها تكاسلًا؛ يقتل، قيل: حدًّا، وقيل: كفرًا، وقد نظم ذلك بعض الأفاضل فقال وأجاد:
في حكم من ترك الصلاة وحكمه... إن لم يقر بها كحكم الكافر
فإذا أقر بها وجانب فعلها... فالحكم فيه للحسام الباتر
وبه يقول مالك والشَّافعي... والحنبلي تمسُّكًا بالظَّاهر
وأبو حنيفة لا يقول بقتله... ويقول بالحبس الشديد الزاجر
المسلمون دماؤهم معصومة... حتى تراق بمستنيرٍ باهر
مثل الزنى والقتل في شرطيهما... وانظر إلى ذاك الحديث الساخر
هذي مقالات الأئمة كلهم... وأصحها ما قلته (٢) في الآخر
أي: وهو قول الإمام الأعظم إمام الأئمة ورأس المجتهدين.
والحسام: السيف، فإنَّ دم المسلم معصوم، ولا يخرجه من الإسلام إلا جحود ما أدخله فيه، ولم يوجد دليل على جواز قتل المسلم التَّارك لها تكاسلًا لا من الكتاب ولا السنة غير أنَّ فيهما التأكيد على الفرضية؛ فافهم.
وروى القاضي إسماعيل في «أحكامه» في هذه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا مكتوبًا؛ دخل الجنة»، فهذا يدل على أنَّه يدخل الجنة بمجرد علمه بذلك وإن تركها تكاسلًا.
ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها الشرعي بغير عذرٍ شرعيٍّ أصلًا في أيِّ حالٍ كان، ولو كان في حال الخوف، ووجود العدو، والتحام الحرب، فليس ذلك بعذر، ولهذا شرعت صلاة الخوف، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن، وكافَّة أصحابه، ومن يقول بقوله، وهو مذهب العلماء كافَّة، كما هو مسطور في كتب المذهب المعظَّم.
وزعم العجلوني أن عند الإمام أبي يوسف يجوز تأخير الصلاة عن وقتها عند التحام الحرب، فيصليها قضاءً عند الاطمئنان، انتهى.
قلت: وما زعمه فاسد الاعتبار يجب الإعراض عنه، فإن الإمام أبا يوسف لا يقول بذلك أصلًا، ولم ينقل أحد من علماء المذهب عنه ذلك أصلًا، غير أنَّ الإمام فخر الدين الزيلعي في «شرحه على الكنز» ذكر عنه روايتين في صلاة الخوف، هل هي مشروعة في زماننا أم خاصَّة في زمن النَّبي الأعظم ﷺ ؟ فروي عنه: أنها مشروعة في زماننا وهي المشهورة عنه، وفي رواية أخرى: أنها ليست بمشروعة في زماننا، وهي رواية شاذة، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فهو خطاب للنبي الأعظم ﷺ على الخصوص، والمعنى: أنهم يتحرون الصلاة خلفه ﵇، وزال ذلك حين قبض ﵇، فانتسخ، ولم يذكر هذه الرواية غيره، فهي شاذة، وعليها فإنَّه لا يقول بترك الصلاة، بل يؤدُّون الصلاة ركبانًا فرادى بالإيماء أو رجالًا واقفين إلى أيِّ جهة قَدرُوا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] يدلُّ على أنَّ حالة الخوف لا تصحُّ الصلاة.
هذا وقد ترك النَّبي الأعظم ﷺ أربع صلوات في غزوة الأحزاب، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم نارًا»، كما ثبت ذلك في «الصَّحيحين»، والله تعالى أعلم، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في محلِّه، فما زعمه باطل.
وكذا ما زعمه البيضاوي من نسبة ذلك للإمام الأعظم؛ خطأ ظاهر يجب الإعراض عنه، فإنَّ هذه مجازفة وبهتان عظيم على إمام أئمة المسلمين ورأس المجتهدين رضي الله تعالى عنه.
ثم إنَّ البخاري فسَّر قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾ بقوله: (وقَّته عليهم)؛ أي: وقَّت الله الكتاب-أي: المكتوب- الذي هو الصلاة عليهم؛ أي: على المسلمين، وليس هذا بإضمار قبل الذكر؛ لوجود القرينة، ووقع في أكثر الروايات: (موقوتًا موقَّتًا وقَّته عليهم)، وليس في بعض النُّسخ لفظ (موقَّتًا)؛ يعني: بالتشديد.
واستشكل ابن التين تشديد القاف من (وقَّته) وقال: المعروف في اللُّغة التخفيف.
قلت: ليس فيه إشكال؛ لأنَّه قد جاء في اللُّغة: (وقَّته)؛ بالتشديد، و (وقَته)؛ بالتخفيف، فكأنَّه ما اطلع على ما في «المحكم» وغيره، كذا قرره إمامنا الشَّارح، لا يقال: مراد ابن التين: أن التخفيف هو المشهور لغة، والتشديد قليل، لأنا نقول: إنَّه خلاف المفهوم من كلامه، على أنَّه غير مسلَّم له قلَّة التشديد؛ لذكرهما في كتب اللُّغة كثيرًا على السواء؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن قوله: (موقَّتًا) : بيان لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾.
وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا كلام واهٍ، وليس في لفظ ﴿مَوْقُوتًا﴾ إيهام حتى يبيِّنه بقوله: (موقَّتًا)، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ يعني: مفروضًا، وقيل: يعني: محدودًا، انتهى.
واعترضه العجلوني بأن ﴿مَوْقُوتًا﴾ جاء بمعنى: مفروضًا، وبمعنى: محدودًا، والمراد: الثاني؛ لئلا يتكرر مع ﴿كِتَابًا﴾، وهذا اعتراض على البخاري أيضًا، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ معناه: مفروضًا عند الجمهور من المفسِّرين وغيرهم، وكونه جاء بمعنى محدودًا عند البعض -وهو شاذٌّ- لا يعتمد عليه؛ لأنَّه مخالف للجمهور من أهل التفسير واللُّغة وغيرهم، فلا يعتدُّ به، على أنَّه المراد: المفروض، لا كما زعمه؛ لأنَّه يكون تأكيدًا لـ ﴿كتابًا﴾، والمقام يقتضي التأكيد والحث عليها، فناسب هذا المعنى بذلك، فلا يكون تكرارًا.
وأمَّا المحدود؛ فلا معنى له في ذلك، على أنَّه لم يذكر أحد من العلماء أنَّ المراد: المحدود، وهذا يتوجه على القائل به سواء كان البخاري أم غيره؛ فافهم.
ونقل ابن رجب عن الشَّافعي: أنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾ معناه: الوقت الذي تصلى فيه وعددها، انتهى.
قلت: بيان الأوقات لم يثبت بهذه الآية، ولم يتعرض أحد لهذا المعنى وهو غريب، وكذا قوله: (وعددها)، فمن أين ظهر العدد؟ ولهذا قال العجلوني: لعله أخذ العدد بِضَربٍ
стр. 748
من التجوز، وهو نقل غريب، انتهى.
[حديث: مواقيت الصلاة وفضلها]
٥٢١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي المدني (قال: قرأت على مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عمر بن عبد العزيز) هو ابن مروان الأموي، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويقال له: الأشج، ولُقِّب بذلك؛ لِشَجَةٍ كانت بجبينه، وقد عُبِّر عنه وعن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بقولهم: الأشج والناقص أعدلا بني مروان؛ أي: عادلاهم، فالأشج: هو عمر ﵁، والناقص: هو يزيد، لقب به؛ لأنَّه نقص أرزاق الجند، توفي عمر في خامس وعشرين رجب سنة إحدى ومئة، قيل: بدير سمعان بحمص، وقيل: بدمشق بمحلة القنوات، وتقدم أول كتاب (الإيمان)، (أخَّر الصلاة يومًا) : هي صلاة العصر، كما رواه المؤلف في (بدء الخلق) من طريق اللَّيث عن ابن شهاب قال: (أخَّر العصر شيئًا)، ويدلُّ عليه قول عروة الآتي: (ولقد حدثتني عائشة...)؛ الحديث.
قال إمامنا الشَّارح: و (يومًا)؛ بالتنكير ليدلَّ على التقليل، ومراده: يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته؛ كما كانت ملوك بني أمية تفعله لا سيما العصر، فقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان ﵁، وكان أبو مسعود ينكر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، وكذا كان الحجاج يفعله، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: إن عمرما فعل ذلك إلا يومًا لا أنَّه عادته، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب: أنَّه أخَّر الصلاة مرَّة يعني: العصر.
وزعم ابن حجر أنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا عمل المغيرة وغيره من الصَّحابة، انتهى.
قلت: لا يخفى أن المغيرة وعمر وغيرهما من الصَّحابة كانوا يرون المفاضلة؛ لأنَّهم أشدُّ اتباعًا لرسول الله ﷺ ، والظنُّ بهم خلاف ذلك افتراء ومخالفة للنبي الأعظم ﷺ ، ولكن إنَّما تطلب المفاضلة إذا كان الرجل غير مشغول بأمر مهم، أمَّا المشغول بأمور مهمَّة؛ كمعاشه والسعي على عياله، لا سيما عمر ﵁؛ فإنَّه مشغول بأمور المسلمين وتدبير أحوالهم؛ فلا ريب أن ذلك غير مطلوب في حقه؛ لأنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ فافهم.
ثم قال إمام الشَّارحين: وأمَّا عمر بن عبد العزيز؛ فإنَّه قد أخَّرها عن الوقت المستحب المُرغَّبِ فيه لا عن الوقت، ولا يعتقد ذلك فيه؛ لجلالته، وإنكار عروة عليه إنَّما وقع؛ لتركه الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل ﵇، وما رواه الطَّبراني عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: (دعا المؤذن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها)، فمعناه: أنَّه قارب المساء لا أنَّه دخل فيه، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: المراد: أنَّه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، انتهى.
وزعم العجلوني أن هذا متعين في حق الصَّحابة بخلاف غيرهم؛ فلا مانع أن عمر أخرها حتى خرج الوقت بالكلية لا سيما وهو كان أميرًا على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، والناس على دين ملوكهم، وكان ذلك عادة بني أمية، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ فإن عمر ﵁ قد أجمع العلماء على عدالته وجلالته وعلو قدره، وقد شهد النَّبي الأعظم ﷺ كما في الحديث الصَّحيح: أن خير القرون قرنه ثم الذين يلونهم، فلا ريب أن عمر تابعي كان في عصر الصَّحابة، وقد شهد لهم ﵇ بالخيرية، فكيف يظن به ذلك؟! على أنَّه قد وقع عليه نظر الصَّحابة ﵁، وبه كفاية، فقد منع مما زعمه هذا القائل موانع، ولا يلزم من كونه أميرًا من قبل الوليد أن يكون يؤخر الصلاة عن وقتها مثله، ألا ترى أن معاوية بن يزيد قد أجمعت الأمة على فضيلته، وعلو درجته، وكثرة عبادته، وزهده، وأجمعت على قبح أبيه ولعنه وطرده، وكون الناس على دين ملوكهم؛ هذا ليس بحديث، بل هو مَثَلٌ جارٍ على ألسنة الناس، فلو كان كما ذكر؛ فقد انتفت الخيرية في هذه الأمة، وقد أثبتها النَّبي الأعظم ﷺ بقوله: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، كما ثبت في «الصَّحيحين»، ولا يلزم من كون عادة بني أمية تأخير الصلاة أن يكون هو مثلهم، ويدل على ما قلناه قوله هنا: (يومًا)، وفي «بدء الخلق» : (شيئًا)، فإنَّه قد أتى بهما بالتنكير وهو يدل على التقليل؛ فعلى الأولى أن التأخير وقع مرة واحدة، وعلى الثانية وقع يسيرًا؛ لقوله: (شيئًا)؛ يعني: أخَّر الصلاة تأخيرًا يسيرًا، وهذا لا يبلغ خروج الوقت، بل أخَّرها عن الوقت المستحب، هذا هو الصَّواب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ فإنَّه قد كان سالكًا مسلك جدِّه من الأمهات عمر بن الخطاب في هديه، ورشده، وشدته في الدين، وزهده المتين، ولم ينقصه أحد في عبادته غير هذا القائل، فقد زاد في الطنبور نغمات ووقع في الهفوات، وخاض الذلات، اللهم احفظ ألسنتنا عن الخوض في عبادك الصالحين، وارزقنا الأدب في حقهم، وحقق في قلوبنا حبهم يا أرحم الراحمين.
وزعم ابن حجر في باب (تضييع الصلاة) أنَّه كان على طريقة أهل بيته حتى أخبره عروة بذلك، انتهى.
قلت: وهذا فاسد وواهٍ؛ لأنَّه مقول بغير دليل ولا مستند؛ فهو مردود؛ لأنَّه من أين علم ذلك؟ فهل أخبره بذلك جبريل أو إبليس؟! وعمر ﵁ إذا غفل عن قول عروة لم يغفل عن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فإنَّه كان أعلم من غيره بكثير في معاني القرآن والسنة، فهذا القائل قد خاض ووقع في الذلات، والله أعلم.
(دخل عليه) أي: على عمر ﵁ (عُروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين في الأول والزاي في الثاني: هو ابن العوام المدني، (وأخبره أن المُغيرة بن شُعبة)؛ بِضَمِّ الميم والشين المعجمة، الصَّحابي الجليل تقدم في آخر (الإيمان) (أخر الصلاة يومًا) هي العصر، كما رواه عبد الرزاق، والمراد: أنَّه أخرها عن وقتها المستحب المرغب فيه لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، ويدل عليه قوله: (يومًا)، فإنَّه نكَّره، والتنكير يدل على الندرة والمرة الواحدة، وقوله: (أخر)، فإنَّه يدل على ما قلنا؛ لأنَّه لو كان المراد الثاني؛ لقال: أخرج، وهذا يدل لما قدمناه أيضًا؛ فليحفظ، (وهو بالعراق) : جملة اسمية وقعت حالًا من المغيرة مقرونة بالواو، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵄، والمراد به: عراق العرب؛ وهو من عبادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، وفي رواية القعنبي وغيره عن مالك: (وهو بالكوفة)، وكذا أخرجه الإسماعيلي، والكوفة من جملة العراق العربي، كذا قرره إمامنا الشارح، قلت: فالتعبير (بالكوفة) أخص من التعبير (بالعراق)؛ لأنَّها من جملته، وقال في «القاموس» : سميت بها؛ لتراسخ عراق النخل والشجر فيها، أو لأنَّه استكفى أرض العرب، أو سمي بعراق المزادة؛ لجلدة تجعل على طرفي ملتقى الجلد إذا خرز في أسفلها؛ لأنَّ العراق بين الريف والبر، أو لأنَّه على عراق دجلة والفرات؛ أي: شاطئهما، أو معرب (إيران) اسم لشهر قبطي؛ ومعناه: كثرة النخل والشجر، والعراقان: الكوفة والبصرة، انتهى.
(فدخل عليه) أي: على المغيرة بن شعبة (أبو مسعود) هو كنية عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصَّحابي، تقدم في آخر (الإيمان)، (فقال) أي: أبو مسعود (للمغيرة) أي: ابن شعبة المذكور: (ما هذا) استفهام توبيخي؛ أي: أي شيء هذا التأخير الذي وقع منك (يا مغيرة؟)، وقوله: (أليس قد علمت) : قال إمامنا الشَّارح: الرواية وقعت هكذا: (أليس)، وكان مقتضى الكلام أن يقول: (ألست)؛ بالخطاب، قال القشيري: الرواية جائزة إلا أن المشهور في الاستعمال: (ألست)؛ بالخطاب، انتهى، وقال البرماوي: الأفصح (ألست)، وزعم ابن حجر كذا الرواية وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: (ألست)، وفي مخاطبة الغائب: (أليس)، انتهى، ونحوه للزركشي، وإمامنا الشَّارح لم يفصل هذا التفصيل، وقد علمت عبارته، فما زعمه العجلوني فاسد الاعتبار؛ فافهم.
واعترض صاحب «المصابيح» على ابن حجر بأنَّه يوهم جواز استعمال (١) هذا التركيب مع إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير المخاطب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان، وليس أحدهما بأفصح من الآخر، فإنَّه يستعمل كل منهما في مقام خاص، فإن أريد إدخال (ليس) على ضمير المخاطب؛
стр. 749
تعين (ألست قد علمت)، وإن أريد إدخالها على ضمير الشأن مخبرًا عنه بالجملة التي أسند فعلها إلى المخاطب؛ تعين (أليس)، انتهى.
وقال العجلوني: ليتأمل معنى قول ابن حجر: مخاطبة الغائب، فإن الغائب لا يكون مخاطبًا، إلا أن يقال: مراده بذلك الإخبار عن ضمير الشأن الغائب بجملة مسند فعلها إلى المخاطب، كما يشير إليه كلام «المصابيح»، وقد يقال مراده ما في «المصابيح»، انتهى.
قلت: كل ذلك فيه ركاكة وخروج عن الظَّاهر، وكونه أراد الإخبار عن ضمير الشأن؛ بعيد عن الأفهام؛ لأنَّ المغيرة حاضر فكيف يخبر عنه بالغائب، وكونه مراده ما في «المصابيح»؛ بعيد جدًّا؛ فتأمل.
وقال القاضي عياض: يدل ظاهر قوله: (قد علمت) على عِلْمِ المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة، قال إمامنا الشَّارح: ولأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أليس)، ولكن يؤيد الوجه الأول رواية شعيب عن ابن شهاب عند البخاري في (غزوة بدر) بلفظ: (فقال: لقد علمتَ)؛ بغير الاستفهام، ونحوه عن عبد الرزاق عن معمر وابن جريج، انتهى.
قلت: فإن ما ذكره المؤلف في (المغازي) وكذا عبد الرزاق يدل صريحًا على علم المغيرة بذلك؛ لعدم أداة الاستفهام، بخلاف الرواية هنا، فإن ظاهرها ما قاله القاضي، لكن يحمل ما هنا على ما هناك، والروايات تفسر بعضها بعضًا؛ فليحفظ.
(أنَّ جبريل) ﵇ بفتح الهمزة (نزل)؛ أي: صبيحة ليلة الإسراء التي فرضت فيها الصلوات، كما بيَّنته رواية ابن إسحاق في «المغازي»، وعبد الرزاق في «مصنفه» بسندهما: (لمَّا أصبح النَّبي الأعظم ﷺ من الليلة التي أسري به؛ لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس فأمر فَصِيْحَ بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى رسول الله ﷺ بالناس...)؛ الحديث.
وزعم ابن حجر أن فيه ردًّا على من زعم أن بيان الأوقات إنَّما وقع بعد الهجرة، والحقُّ أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبي الأعظم ﷺ ، انتهى.
قلت: وفيه تناقض؛ لأنَّ بين البيانين صار مدة، ولا يمكن أن النَّبي الأعظم ﷺ بعد بيان جبريل ﵇ له الأوقات أن يتأخر عن بيانها لأمته، فقد كان من عادته ﵇ إذا نزل عليه جبريل بحكم من الأحكام فمتى جلا عنه الوحي؛ يُبلِّغ الحكم من غير تأخير؛ فافهم.
(فصلى)؛ أي: جبريل الظُّهر؛ أي: صلاته، زاد أبو الوقت: (برسول الله ﷺ ، وسقط (فصلى) لابن عساكر، والفاء فيه: للتعقيب؛ لأنَّ صلاة جبريل عقب نزوله حين زاغت الشمس، ويحتمل أن تكون للسببية، قيل: وفي الكلام حذف معطوف يقدر في المواضع الخمسة؛ بنحو: والناس؛ أي: وصلى الناس خلف رسول الله ﷺ ، كما يدل عليه رواية جابر الآتية إن شاء الله تعالى، (فصلى رسول الله ﷺ ؛ أي: الظُّهر بصلاة جبريل متابعًا له في كل ركن لا مقتديًا به حقيقة؛ لأنَّ المراد تعليمه كيفيتها وقد حصلت بهذا، ويحتمل أنَّه ﵇ صلى بعد فراغ جبريل، ووجهه (١) ظاهر، وقال القاضي عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ جبريل، لكن المنصوص في غيره أنَّ جبريل أمَّ النَّبي الأعظم ﷺ ، فيحمل قوله: (صلَّى، فصلَّى) : على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة؛ تابعه النَّبي الأعظم ﷺ ففعله، انتهى.
قال إمامنا الشَّارح: (ومبنى كلام القاضي على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدل على أنَّ صلاته ﵇ كانت عقيب فراغ جبريل ﵇ من صلاته، وحاصل جوابه: أنَّه جعل الفاء على أصلها وأوَّله بالتأويل المذكور) انتهى، قلت: وبه جزم النَّووي، ويدل عليه ما رواه المؤلف من طريق اللَّيث: «نزل جبريل فأمَّني، فصليت معه».
وقال إمامنا الشَّارح: (وذهب بعضهم إلى أن الفاء هنا بمعنى: الواو؛ لأنَّه ﵇ إذا ائتمَّ بجبريل؛ يجب أن يكون مصليًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها؛ وجب ألَّا يكون مصليًا معه، واعترض عليه بأنَّ الفاء إذا كانت بمعنى الواو؛ يحتمل أن يكون النَّبي الأعظم ﷺ صلى قَبْلَ جبريل؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك.
قلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا ينكر؛ كما في قوله:
. . . . . . . . . . . . ... بين الدخول فحومل
فإنَّ الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يُدفَع بأن جبريل هنا مُبينٌ لهيئة الصلاة التي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن يكون صلاته بعد صلاة النَّبي الأعظم ﷺ ، وإلا؛ لا يبقى لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا للسببية؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]) انتهى كلام إمام الشَّارحين، وقد ذكر عبارته العجلوني ونسبها لنفسه؛ فافهم.
وقال في «المغني» : وتفيد الفاء العاطفة ثلاثة أمور: الترتيب، والتعقيب، والسببية، وهذا غالب في العاطفة جملة أو صفة؛ نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، ونحو: ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ*فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ*فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٣ - ٥٥]، انتهى، فالتعقيب والسببية من إفادات الفاء العاطفة وهي هنا كذلك، وجعلهم كل واحد قولًا مستقلًا، أجيب عنه: بأنَّ السببية قد تنفك عن التعقيب؛ فتدبره.
(ثم صلى)؛ أي: جبريل العصر، (فصلى رسول الله ﷺ ؛ أي: العصر معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل المغرب، (فصلى رسول الله ﷺ ؛ أي: المغرب معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل العشاء، (فصلى رسول الله ﷺ ؛ أي: العشاء معه، (ثم صلى)؛ أي: جبريل الفجر، (فصلى رسول الله ﷺ ؛ أي: الفجر معه، بتكرير صلاتهما خمس مرات.
وعبر بـ (الفاء) في صلاة النَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّها متعقبة لصلاة جبريل بالمعنى الذي قدمناه، وعبر بـ (ثم) في صلاة جبريل؛ لتراخيها عن سابقتها إلا الصلاة الأولى، فإنَّها كانت عقب نزوله، كما ذكرناه، فلذا عطفها بالفاء أيضًا، وأمَّا مفعولات الأفعال؛ فمحذوفة؛ لدلالة المقام عليها، كما ذكرناها فيما سبق، ويحتمل تنزيلها منزلة اللازم.
قال ابن الملقن: ولم يذكر هنا الأوقات للصلوات، وإنما ذكر عددها؛ لأنَّها كانت معلومة عند المخاطب فأبهمها، وقال ابن رجب: وليس في الحديث ذكر بيان شيء من الأوقات.
قلت: وسيأتي للمؤلف بيان كل وقت صلاة على التَّعيين ابتداءً وانتهاءً، ولكن من فعل النَّبي الأعظم ﷺ دون بيان جبريل، لكن ذكر غير المؤلف بيانها من بيان جبريل، فقد روى النسائي عن جابر ﵁، كما نقله ابن الأثير في «جامع الأصول»، ولفظه: (أنَّ جبريل أتى النَّبي الأعظم ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى الظُّهر حين زالت الشمس، وأتاه حين صار الظل مثل الشخص، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت (٢) الشمس، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى العشاء، ثم أتاه حين سطع الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله، فصلى الغداة، ثم أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل (٣) الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظُّهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثلي شخصه -بالتثنية-، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصلى المغرب، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع كما صنع، فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصلى الغداة، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت).
وفي رواية قال: (جاء جبريل إلى النَّبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمَّد؛ فصلِّ الظُّهر، فصلاها حين مالت الشمس، ثم جاءه جبريل حين كان فيء الرجل مثليه، فقال: قم يا محمَّد؛ فصلِّ العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس، فقال: قم فصلِّ المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصلِّ العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا، فقال: قم فصلِّ، فقام فصلى الفجر،
стр. 750
فقال: ما بين هذين وقت كله) انتهى.
قلت: في الحديث بروايته البيان بالقول.