للغزو، ووجه التذكير في (كان) باعتبار السفر، ويجوز أن يرجع الضمير فيه للنبي الأعظم ﷺ ، قاله إمامنا الشَّارح، وما شرحنا عليه هو رواية الأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي، (غزوة وكان) بالتَّاء والواو، وعليها شرح إمام الشَّارحين، (أو حج أو عمرة هبط من بطن واد) هو وادي العقيق، وسقط كلمة (من) لأبوي ذر والوقت، وعند ابن عساكر: (هبط من ظهر واد)، والهبوط: النزول من الأعلى إلى الأسفل، وإنَّما لم يؤخر لفظ: (كان) في تلك الطريق عن الحج والعمرة؛ لأنَّهما لم يكونا إلا من تلك الطريق، (فإذا ظهر من بطن واد)؛ أي: علا في أعلاه وارتفع في وادي العقيق المذكور؛ (أناخ)؛ أي: أقعد راحلته، وهو جواب (إذا) (بالبطحاء) هو تراب لين السيول، والجمع: بطحاوات وبطاح، فإن اتسع وعرض؛ فهو الأبطح، والجمع: الأباطح، كما في «المحكم»، وقال بعضهم: الأبطح: لا ينبت (١) شيئًا، إنَّما هو بطن الوادي، وفي «الجامع» : (الأبطح والبطحاء والبطاح: الرمل المنبسط على وجه الأرض)، وفي «الواعي» : (البطحاء: حصى ورمل ينقل من مسيل الماء)، وقال النَّضر بن شميل: (بطحاء الوادي وأبطحه: حصاة اللين)، وقال أبو سليمان: (هي حجارة ورمل)، وقال الدَّاودي: (البطحاء: كل أرض منحدرة)، وفي «المنتهى» : (الأبطح: مسيل واسع، فيها دقاق الحصى، والجمع: الأباطح، وكذلك البطحاء)، وفي «الصِّحاح» : البطاح: على غير قياس، والبطيحة؛ مثل: الأبطح، كذا في «عمدة القاري».
(التي على شَفير الوادي)؛ بفتح الشين المعجمة؛ أي: طرفه، وقال ابن سيده: (شفير الوادي وشفره: ناحيته من أعلاه) (الشرقيةِ) بالجر: صفة (البطحاء)، (فعرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، قال الأصمعي: (عرَّس المسافرون تعريسًا؛ إذا نزلوا نزلة في وجه السحر، وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى يرجع إليها أنفسها)، وعن أبي زيد: (عرَّس القوم تعريسًا في المنزل حيث نزلوا بأيِّ حينٍ كان من ليل أو نهار)، وفي «المحكم» : (المعرس: الذي يسير نهاره، ويعرِّس؛ أي: ينزل أول الليل)، وفي «الصِّحاح» : (أعرسوا لغة فيه قليلة، والموضع: مِعرس ومَعرس)، وفي «الغريبين» (٢) : (التعريس: نومة المسافر بعد إدلاج الليل)، وفي «المغيث» : (عرَّس؛ أي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس: النزول لغير إقامة)، أفاده إمام الشَّارحين.
قلت: وحاصله: أنَّ التعريس: نزول استراحة، وأكثره في آخر الليل، وخصَّه الأصمعي: بآخر الليل، وأطلق فيه أبو زيد؛ فليحفظ.
(ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (حتى يُصبح)؛ بِضَمِّ المثناة التحتية؛ أي: يدخل في الصباح، وهي تامة لا تحتاج إلى الخبر، واستغنت بمرفوعها (ليس عند المسجد الذي بحجارةٍ، ولا على الأكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف: هي التل من القف من حجارة واحدة، قاله ابن سيده، وقيل: هي دون الجبال، وقيل: هي الموضع الذي قد اشتد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع: أَكَم، وأُكُم، وأُكْم، وإكام، وآكام، وآكُم؛ كأَفْلُس، الأخيرة عن ابن جني، وفي «الواعي» : (الآكام: دون الضراب)، وفي «الصِّحاح» : (والجمع: أكمات، وجمع الأكم: آكام؛ مثل: عنق وأعناق) انتهى.
والحاصل: أنَّه يجمع على (أَكَم)؛ بفتحات؛ وهو على (إِكام)؛ بكسر الهمزة -كجبل وجبال (٣) -؛ وهو على (أُكُم)؛ بضمتين -نحو: كِتَاب وكُتُب-؛ وهو على (آكام)؛ كعُنُق وأعناق؛ فافهم.
(التي عليها المسجد، كان ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك (خَلِيج)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللَّام، آخره جيم: واد عميق ينشق من آخر أعظم منه، قاله ابن التِّين، وفي «المنتهى» : (هو شرم من البحر اختلج منه، والخليج (٤) : النهر العظيم، والجمع: خلجان، وربما قيل للنهر الصغير يخلج من النهر الكبير: خليج)، وفي «المحكم» : الخليج: ما انقطع من معظم الماء؛ لأنَّه يجبذ منه، وقد اختلج، وقيل: الخليج: شعبة تتشعب من الوادي تعير بعض مائه إلى مكان آخر، والجمع: خلج وخلجان، وقال الإمام الزمخشري: (جبل خليج: أحد جبال مكة) انتهى، (يصلِّي)؛ بتحتية أوله، وفي رواية: (فصلى) (عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (عنده) أي: عند الخليج المذكور (في بطنه) أي: وسطه (كُثُب)؛ بِضَمِّ الكاف وضم الثَّاء المثلَّثة، جمع كثيب؛ هو رمل اجتمع وكل ما اجتمع من شيء وانهار؛ فقد انكثب فيه، ومنه اشتق: الكثيب من الرمل؛ في معنى: مكثوب؛ لأنَّه انصب في مكان واجتمع فيه، والجمع: كثبان؛ وهي تلال من رمل، قاله أبو المعالي، وفي «المحكم» : (الكثيب من الرمل: القطعة تبقى محدودبة، وقيل: هو ما اجتمع واحدودب، والجمع: أكثبة وكثب)، وفي «الجامع» : (إنَّما سمي كثيبًا؛ لأنَّ ترابه دقاق كأنَّه مكثوب؛ أي: منثور بعضه على بعض؛ لرخاوته)، كذا في «عمدة القاري».
(كان رسول الله ﷺ وقوله: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك، متعلق بقوله: (يصلِّي)، وهذا مرسل من نافع، كما قاله إمام الشَّارحين وغيره، (فدحا) : الفاء للعطف، و (دحا)؛ بالدَّال والحاء المهملتين، مبنيًّا للفاعل، من الدحو؛ وهو البسط، يقال: دحا يدحوويدحى دحوًا، قاله ابن سيده، وفي «الغريبين» : كل شيء بسطته ووسعته؛ فقد دحوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أي: بسطها ووسعها؛ للوقوف بها عند فصل القضاء، وبهذا تعلم فساد تفسير العجلوني: الدحي: بالرفع، فإنَّه غير موافق للُّغة ولا للقرآن العظيم؛ فافهم، بل هو تفسير من عنده، وهو غير مقبول، (السيل)؛ أي: المطر النازل من الجبال (فيه)، ولأبي ذر: (فدحا فيه السيل) (بالبطحاء) : متعلق بـ (دحا)، وفي رواية الإسماعيلي: (فدخل)؛ بالخاء المعجمة واللَّام، وفي رواية: (قد جاء)؛ بكلمة (قد) للتحقيق، وكلمة (جاء) من المجيء فهما كلمتان؛ فليحفظ، (حتى دَفن)؛ بالبناء للفاعل؛ أي: السيل، قيل: وفي رواية: بالبناء للمفعول، فنائبه قوله: (ذلك المكان الذي كان عبد الله) أي: ابن عمر (يصلِّي فيه)؛ أي: غيَّبه وغيَّر صفته، فلم يظهر بعد ذلك.
(وأنَّ)؛ بفتح الهمزة، معطوف على قوله: (أنَّ عبد الله أخبره) (عبد الله بن عمر)؛ أي: ابن الخطاب (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا مولاه، وهو من قول موسى بن عقبة، فهو موصول بالإسناد السَّابق، وهذا يجري في نظائره، وقال الكرماني: إنَّما قال في الأول: «أنَّ عبد الله أخبره»، وفي المرات الآتية: «أنَّ عبد الله حدَّثه»؛ للفرق عند بعضهم بأنَّ الإخبار: القراءة على الشيخ، والتحديث: قراءة الشيخ.
واعترضه العجلوني بأنَّ الظَّاهر أنَّهما بمعنًى، انتهى.
قلت: قد سبق ذلك في باب (العلم)، وأنَّ مذهب الجمهور -ومنهم المؤلف- على أنَّه لا فرق بين (حدثنا)، و (أخبرنا)، و (أنبأنا)، وأنَّها بمعنًى، وبه قال ابن عيينة، والأئمة الكوفيون، ومالك، والحسن البصري، ويحيى القطان، وأهل الحجاز، فإذا كان هذا مذهب الجمهور؛ فكيف يدعي أنَّه الظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر يقال
стр. 702
في أحد قولين مرجحين، بل في قول قوي وقول ضعيف؛ لأنَّ الفرق قول ضعيف عند أهل النَّظر، وأمَّا المؤلف ههنا؛ فلم ينظر لهذا حتى زعم الكرماني ما زعم، بل إمَّا للتفنن في العبارة، أو ساق اللَّفظ بعينه، وإنَّما مذهبه عدم الفرق، كما ترجم به بباب مستقل؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.
(أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ صلى) أي: الفرض والنفل جميعًا (حيث) بالمهملة والمثلَّثة (المسجد الصغير) : نعت لـ (المسجد)، وفي رواية: (صلى جَنْب)؛ بالجيم والنُّون والموحَّدة، وعلى الأولى؛ (المسجدُ) : مرفوع خبر مبتدأ محذوف، و (الصغيرُ) : مرفوع نعت له؛ لأنَّ (حيث) لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح؛ وتقديره: حيث هو بالمسجد ونحوه، وعلى الثانية؛ مجرور بالإضافة، و (الصغير) : نعت له مجرور، أفاده الشَّارح.
(الذي دون المسجد)؛ أي: أنزل من المسجد (الذي بشرف) أي: أعلى (الروحاء)؛ بالمد: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وهي آخر السيالة للمتوجه إلى مكة والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم، (وقد كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب (يُعلِّم)؛ بِضَمِّ التحتية أوله، من (أعلم) من العلامة في رواية أبوي ذر والوقت، وفي رواية غيرهما: (يَعلم)؛ بفتح التحتية من العِلْم، وفي رواية: (تَعلَّم)؛ بفتح الفوقية، وتشديد اللَّام المفتوحة (المكان الذي كان) وسقطت (كان) لابن عساكر (صلى فيه النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: صلاته الفرض والنفل جميعًا بمحضر من ابن عمر وغيره من الصَّحابة ﵃ أجمعين (يقول) أي: ابن عمر: (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك (عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافَة)؛ بتخفيف الفاء؛ أي: على جانب (الطريق)؛ أي: الشَّارع، وحافتا الوادي: جانباه (اليمنى) : صفة لـ (حافَة)؛ أي: لا اليسرى، وقوله: (وأنت ذاهب إلى مكة) : صفة لقوله: (حافَة) (بينه) أي: بين هذا المسجد (وبين المسجد الأكبر رمية حجر أو نحو ذلك)؛ أي: مقدار مسافة ذلك.
(وأنَّ) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (ابن عمر)؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهمابالإسناد المذكور، فهو من قول موسى بن عقبة (كان يصلِّي إلى العِرْق)؛ بكسر العين المهملة وسكون الرَّاء المهملة، وبالقاف؛ أي: عرق الظبية، وقال أبو منصور: (العِرْق: الجبل الصغير، ويقال أيضًا للأرض الملح التي لا تنبت)، وقال أبو عبيد: (هو واد معروف)، وقال ابن فارس: (ينبت الطرفاء، وقيل: ينبت الشجر)، وقال الخليل: (العِرْق: الجَبْل الرقيق من الرمل المستطيل مع الأرض)، وقال الدَّاودي: (هو المكان المرتفع)، أفاده في «عمدة القاري»، (الذي كان عند منصرَف الرَّوحاء)؛ بفتح الرَّاء المهملة فيهما مع [المد] في الثاني؛ وهي القرية الجامعة على ليلتين من المدينة؛ يعني: عند آخر الرَّوحاء (وذلك العِرْق انتهاء)؛ بالمد (طرفه (١) على حافَة)؛ أي: جانب (الطريق)، ولأبي ذر عن الكشميهني: (انتهى طرفه)؛ بالقصر، فعل وفاعل (دون المسجد الذي بينه وبين المنصرَف)؛ بفتح الرَّاء؛ أي: أنزل منه (وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتُني)؛ بِضَمِّ المثناة فوق على صيغة المجهول من الماضي (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة، متعلق به؛ أي: هنالك (مسجد) يحتمل أنَّ الباني له أحد من قريش من الجاهلية ممن يعبد الأصنام، ويشرك بالله غيره، ويدل على هذا قوله: (فلم يكن عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) (يصلِّي في ذلك المسجد)؛ لعله لما فيه من الصور والأصنام كما ذكرنا، فلا وجه لقول العجلوني: (ولينظر من الباني له؟)؛ لأنَّه لا شك أنَّ الباني غير مسلم، بل مشرك أو منافق، ولهذا قال: (وكان) أي: ابن عمر، وللأصيلي: بإسقاط الواو (يتركه على يساره وورائه)؛ بالجر عطفًا على (يساره)، وبالنصب على الظرفية؛ بتقدير: (في) ظرفًا (يصلِّي) أي: ابن عمر (أمامه) أي: قدام المسجد (إلى العِرْق نفسه) أي: عرق الظبية، (وكان عبد الله) أي: ابن عمر (يروح) أي: يمر (من الرَّوحاء) بالمد (فلا يصلِّي الظُّهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلِّي فيه الظُّهر) أي: اتباعًا حيث الوقت متسع، (وإذا أقبَل) بفتح الموحَّدة (من مكة فإن مرَّ) بتشديد الرَّاء (به) أي: بذلك المكان (قبْل) بسكون الموحَّدة (الصبح) أي: طلوع الفجر الصَّادق (بساعة) : يحتمل أنَّها اللحظة والحصة من الزمان، ويحتمل الساعة المعلومة، وهي خمس عشرة درجة، (أو من آخر السحر) : وهو عبارة عما بين الفجر الكاذب والصَّادق، والفرق بين العبارتين-أعني: قوله: (قبل الصبح بساعة)، وقوله: (آخر السحر) - هو أنَّه أراد بـ (آخر السحر) : أقل من ساعة، وأراد الإبهام؛ ليتناول قدر الساعة وأقل وأكثر منها، قاله الشَّارح في «عمدة القاري»، (عرَّس)؛ بتشديد الرَّاء، جواب (أنَّ)؛ أي: نزل للاستراحة في ذلك الوقت (حتى يصلِّي بها الصبح)؛ أي: بمكة؛ لفضل الصلاة فيها.
(وأنَّ) بفتح الهمزة، معطوف على سابقه (عبد الله) أي: ابن عمر (حدَّثه)؛ أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول: (أنَّ النَّبي) الأعظم، ولابن عساكر: (رسول الله) ﷺ كان ينزل تحت سَرْحَة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة: وهو شجر عظام طوال (ضخمة)؛ أي: عظيمة، وقال أبو زيد: السَّرْح من العضاه، واحدته: سَرْحَة، والسَّرْح: طوال في السَّماء، وقد تكون السَّرْحة دوحة محلالًا (٢) واسعة، يحل تحتها الناس في الصيف، ويبنون تحتها البيوت، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع والورق، وللسرح عنب يسمى آءُ، واحدته: آءة، يأكله الناس أبيض، ويرببون منه الرب، ورقته صغيرة عريضة، تأكله الماشية لو تقدر عليه ولكن لا تقدر؛ لطوله، ولا صمغ له، ولا منفعة فيه أكثر من هذا إلَّا أنَّ ظله صالح، ومن ذلك قال الشاعر:
فيا سَرْحَة الركبان ظلك بارد... وماؤك عذب لا يحل لشارب
وليس للسرح شوك، وقال أبو عمرو: السَّرْح يشبه الزيتون، وروى الفراء عن أبي الهيثم: أنَّ كل شجرة لا شوك فيها؛ فهي سَرْحَة، يقال: ذهب إلى السَّرْح؛ وهو السهل من كل شيء، وأخبرني أعرابي: أنَّ في السَّرْحة غبرة، وهي دون الأثل في الطول، وورقها صغار، وهي سبطة الأفنان (٣)، وهي مائلة النبتة أبدًا، وميلها من بين جميع الشجر في شق اليمين، ولم أبل عليه كذبًا، وزعم بعضهم أنَّ السَّرْح من نبات القف، وقيل: من نبات السهل، وهو قول الأصمعي، وفي «المطالع» : (قيل: هي الدِّفلى)، وقال أبو علي: (هو نبت، يقال لها: هدب، وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف)، قاله إمام الشَّارحين.
(دون الرُّوَيْثَة)؛ أي: تحتها أو قريب منها، وهي بِضَمِّ الرَّاء، وفتح الواو، مع سكون التحتية، وفتح المثلَّثة
стр. 703
على لفظ التصغير؛ وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا، ومن الرُّوَيْثَة إلى السقيا عشرة فراسخ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيثة، وبينها وبين العرج ثلاثة أميال، وهي غير الرُّويثة؛ ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة، ذكره ياقوت، كما في «عمدة القاري».
وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «الرَّقْشة»؛ بفتح الرَّاء، وسكون القاف، وإعجام الشين)، وزعم الخطابي أنَّه اسم موضع، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ البكري لم يذكر إلا الرقاش، وقال: هو بلد) انتهى.
قلت: وليس هناك بلاد ولا بلد تسمى بالرَّقشة، ولا موضع يسمى بهذا الاسم، فالظَّاهر أنَّه تصحيف.
وقال القاضي عياض: («دون الرُّوَيثة» تصحيف، والصَّواب: بعواسج عن يمينك)، قال العجلوني: (إن ثبتت به الرواية؛ فهو أولى) انتهى.
قلت: الرواة كلهم على الأول، ولم يذكر أحد منهم ذلك أصلًا، ولئن ثبت؛ فهو ليس بأولى؛ لأنَّ المكان جامع لقرًى شتى، ولم يتبين المكان بعينه، بل إنَّما وقعت القصة من نزوله ﵇ عند الشجرة، وهي بين القرى، وأقربها قرية الرويثة، فلا عليك من كلام القاضي والعجلوني؛ فافهم.
(عن يمين الطريق) أي: لا عن شماله (ووُجاه)؛ بِضَمِّ الواو وكسرها؛ بمعنى: تجاه (الطريق)؛ أي: مقابلها، و (وجاه)؛ بالجر عطفًا على (يمين)، أو بالنصب على الظرفية (في مكان بَطِح)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الطاء المهملة وبسكونها؛ أي: واسع (سهل) أي: لا وعر فيه ولا حجارة (حتى)؛ بالمثناة فوق، وللأصيلي وأبي ذر: (حين)؛ بالتحتية والنُّون (يُفضي)؛ بِضَمِّ أوله التحتية وبالفاء، من الإفضاء؛ بمعنى الخروج، يقال: أفضيت؛ إذا خرجت إلى الفضاء، أو بمعنى الدفع؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أو بمعنى الوصول، والضمير في (يفضي) يرجع إلى النَّبي الأعظم ﷺ ، ويجوز أن يرجع إلى المكان، كذا قرره إمام الشَّارحين.
وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ بلفظ الخطاب) انتهى.
قلت: لم يعزها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها.
(من أَكَمة)؛ بفتح الهمزة والكاف؛ وهي التل العالي كما تقدم (دُوين)؛ بِضَمِّ الدَّال المهملة، مصغر الدُّون، وهو نقيض الفوق، ويقال: هو دون ذاك؛ أي: أقرب منه (بريد) هو المرتب واحدًا بعد واحد، والمراد به: موضع البريد، وقيل: المراد به: سكة الطريق (الرُّوَيثة) وسقط (البريد) لابن عساكر (بميلين)؛ يعني: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة ميلان، (وقد انكسر أعلاها)؛ أي: السَّرْحة، (فانثَنى)؛ بفتح المثلَّثة على صيغة المعلوم من الماضي؛ ومعناه: انعطف (في جوفها) أي: السَّرْحة (وهي قائمة على ساق)؛ أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل، ولا ضيقة من فوق (وفي ساقها كُثُب)؛ بضمتين، جمع كثيب؛ وهو الرمل المجتمع تلال كثيرة.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المتقدم (أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ صلَّى) أي: الصبح أو غيره من فرض ونفل (في طرف تَلْعَة)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون اللَّام، وفتح العين المهملة: هي أرض مرتفعة عريضة، يتردد فيها السيل، والتَّلْعَة: مجرى (١) الماء من أعلى الوادي، والتَّلعة: ما انهبط من الأرض، وقيل: هي مثل الرحبة، والجمع في كل ذلك: تلع وتلاع، وعن بعضهم: التَّلعة: أرض مرتفعة غليظة، وربما كانت على غلظها عريضة، وفي «الجامع» : (التَّلعة من الوادي: ما اتسع من فوقه، وقيل: هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي، فإن صغر عن ذلك؛ فهي شعبة، فإذا عَظُم فكان نصف الوادي؛ فهي الميثاء، قيل: والأصل في التَّلعة الارتفاع)، كذا في «عمدة القاري»، (من وراء العَرْج)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، ثم جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، بينها وبين الرُّويثة أربعة عشر ميلًا، قال السكوني: (المسجد النَّبوي على خمسة أميال من العَرْج وأنت ذاهب إلى الهضبة، عندها قبران أو ثلاثة، عليها زحم حجارة، قال كثير: إنَّما سمي العَرْج لتعريجه، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلًا)، وقال ياقوت: (العَرْج: قرية جامعة من نواحي الطَّائف، والعَرْج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الطريق، تذكر مع السقيا، وسوق (٢) العَرْج: بلد بين المحالب والمهجم)، وقال الزمخشري: (العرج: واد بالطَّائف، والعرج أيضًا: منزل بين المدينة ومكة، وجاء فيه فتح الرَّاء أيضًا)، كذا قرره إمامنا الشَّارح.
(وأنت ذاهب إلى هَضْبَة)؛ بفتح الهاء، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الموحَّدة؛ وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: (الهضبة من الجبال: ما طال واتسع وانفرد، وهي الهضبات والهضاب)، وعن سيبويه: (وقد قالوا: هضبة وهضب)، وقال صاحب «العين» : (الهضبة: كل جبل خلق من صخرة واحدة، وكل ضخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة)، وفي «الجامع» : (هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل)، وفي «المجمل» : (هي أكمة ملساء قليلة النبات)، وفي «المطالع» : (هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل) انتهى.
(عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رَضْم)؛ بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد المعجمة، وللأصيلي: (رَضَم)؛ بفتحها (من حجارة)، قال الشَّارح: (الرضم: الحجارة البيض (٣)، والرضمة: الصخرة العظيمة مثل الجزور (٤)، وليست بثابتة، والجمع: رضم ورضام، ورَضَمَ الحجارة: جعل بعضها على بعض، وكل بناء بني بصخر: رضيم، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع» : (ومرضوم) انتهى، (عن يمين الطريق)؛ أي: لا عن يساره، ولم يذكر أحد من الشراح أسماء أصحاب هذه القبور، والظَّاهر أنَّهم من قريش من الجاهلية (عند سَلِمات الطريق)؛ بفتح السين المهملة وكسر اللَّام، كذا في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية الباقين: بفتح اللَّام، قيل: هي بالكسر: الصخرات، وبالفتح: الشجرات، وقال أبو زياد: (من العضاه السلم: وهو سليب العيدان طولًا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال، حار إذا أصاب رِجل الإنسان، وكل شيء من السلمة مُرُّ يدبغ)، وقال غيره: السلمة: أطيب العضاه ريحًا، وبرمتها أطيب البرم ريحًا، وهي صفراء تؤكل، وقيل: ليس شجرة أذرى من سلمة، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع على أسلام، وأرض مسلوماء؛ إذا كانت كثيرة السلم، وفي «الجامع» : (ويجمع أيضًا على سلامى) انتهى.
(بين أولئك السَّلِمات) وفي بعض النُّسخ: (من أولئك)، وهي في النُّسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله، وفي الثانية بما بعده، قاله الشَّارح، ومثله في «الكرماني»، قال العجلوني: (فتأمله) انتهى.
قلت: لا وجه للتأمل فيه، فإنَّ كلامه ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم.
(كان عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄ (يروح) من الرواح؛ وهو الذهاب؛ يعني: يذهب (من العَرْج بعد أن تميل الشمس من الهاجرة) : متعلق بـ (يروح)؛
стр. 704
وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، (فيصلي الظُّهر)؛ لأنَّ ميلان الشمس عن كبد السَّماء دخول وقت الظُّهر والجمعة (في ذلك المسجد)؛ أي: للإتباع.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب، بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ رسول الله ﷺ نزل) أي: عن راحلته (عند سَرحات)؛ بفتح الرَّاء، وبالحاء المهملة، جمع: سَرْحة؛ بسكون الرَّاء؛ وهي الشجرة العظيمة الضخمة كما سبق (عن يسار الطريق) أي: لا عن يمينه (في مَسِيل)؛ بفتح الميم، وكسر المهملة: واد منحدر مجوَّف يجري فيه الماء النازل من الجبال (دون هَرْشَى)؛ بفتح الهاء، وسكون الرَّاء، وفتح الشين المعجمة، مقصور، على وزن (فَعلى) : هو جبل من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية هضبة ململمة لا تنبت شيئًا، وهي قرية قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ويقرب منها طَفِيل؛ بفتح الطاء المهملة، وكسر الفاء، وهو جبل أسود، على الطريق من ثنية هرشى ثلاثة أودية: غزال، وذو ذروان، وكلية، وكلها لخزاعة، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار، يقال لها: سنابك، وغدير خم: واد يصب في البحر، وفي «الموعب» : (هرشى: ثنية قرية من الجحفة)، وقال الزمخشري: (هرشى: هضبة دون المدينة)، وقال علي: (هرشى: نقب في حرة (١) بين الأخيمص وبين السقيا على طريق المدينة، ويليه (٢) جبال يقال لها: طوال هرشى)، وفي «المغيث» : (سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش: الإفساد بين الناس)، كذا في «عمدة القاري».
(ذلك المسيل لاصق بكُراع هرشى)؛ بِضَمِّ الكاف؛ أي: طرفها، يقال: كراع الأرض وأكارعها: أطرافها، كما في «القاموس»؛ أي: متصل بأطرافها غير فاصل، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها (بينه) (٣)؛ أي: بين كراع هرشى (وبين الطريق قريبٌ من غَلوة سهم)؛ بفتح الغين المعجمة: وهي الغاية مقدار رمية، كما في «الصِّحاح»، وفي «المغيث» : (لا تكون الغَلوة إلا مع تصعيد السهم)، وقال ابن سيده: غلا بالسهم غَلْوًا وغُلُوًّا، وغالى به غلاء: رفع به يده يريد أقصى الغاية، وهو من التجاوز، فرجل غلاء: بعيد الغلو بالسهم، وغَلَا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى؛ وكذلك الحجر، وكل مرماة: غلوة، والجمع: غلوات وغلًا، وقد تستعمل الغَلوة في سباق الخيل، وقال الفقهاء: الغَلوة: أربع مئة ذراع، كذا في «عمدة القاري».
قلت: الذي في «المغرب»، وكذا في «الذخيرة» و «المستصفى» : أنَّه ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع، لكن لما كانت الأربع مئة هي الغاية؛ عبَّر بها، والسهم: واحد النبل.
وقد نظم ابن الحاجب مقدار البريد، والفرسخ، والميل، والباع، والذراع فقال:
إنَّ البريد من الفراسخ أربع... ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا
والميل ألف أي من الباعات قُلْ... والباع أربع أذرع فتتبع
ثم الذراع من الأصابع أربع... من بعدها العشرون ثم الأصبع
ست شعيرات فظهر شعيرة... منها إلى بطن لأخرى (٤) توضع
ثم الشعيرة ست شعرات فقل... من شعر بغل ليس فيه موضع
وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصَّواب.
(وكان عبد الله بن عمر) أي: ابن الخطاب ﵄ (يصلي إلى سَرْحة)؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة؛ أي: شجرة ضخمة عظيمة (هي أقرب السَّرحات) أي: الشجرات (إلى الطريق) أي: الشَّارع، (وهي) أي: تلك السرحة (أطولهن)؛ أي: أطول تلك السَّرحات الموجودات هناك.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول (أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (ينزل) أي: عن راحلته إذا كان في سفر أو في حضر (في المَسيل)؛ بفتح الميم: المكان المنحدر (الذي في أدنى مَرِّ الظَّهران)؛ أي: في الأقرب منه، و (مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الرَّاء: قرية ذات نخل وثمار، وقال البكري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، مضاف إلى (الظَّهران)؛ بظاء معجمة، وبين مَرٍّ والبيت ستة عشر ميلًا، قال إمام الشَّارحين: (هو الوادي الذي تسميه العامة بطن مَرْو؛ بسكون الرَّاء، بعدها واو)، وقال كثير: (سميت مرًّا لمرارة مائها)، وقال أبو غسان: (سميت بذلك؛ لأنَّ في بطن الوادي بين (٥) [مر] ونخلة كتابةٌ بعِرْقٍ (٦) من الأرض أبيضَ هجاء: «مر» إلا أنَّ الميم غير موصولة بالرَّاء، وببطن مَرٍّ تخزعت خزاعة عن أخواتها، فبقيت بمكة، وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم)، وقال الزمخشري: (مر الظَّهران بتهامة قريب من عرفة)، وعن صاحب «العين» : (الظَّهران: من قولك: من ظهرهم)، وقال الفراء: (لم أسمع إلا تثنية الظَّهران، ولم يُجمَع ولم يُوحَّد)، كذا في «عمدة القاري»، (قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل (المدينة حين يهبط)، وفي رواية: (حتى (٧) يهبط) أي: ينحدر (من الصَّفْراوات)؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الفاء، جمع صفراء؛ ممدود؛ وهي الأودية والجبال التي بعد مر الظَّهران، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: من وادي الصفراوات)؛ بزيادة (وادي)، (ينزل)؛ بالمثناة التحتية كما في (الفرع) وغيره، قاله القسطلاني، وقال إمام الشَّارحين: (تنزل)؛ بلفظ الخطاب؛ ليوافق قوله: (وأنت ذاهب إلى مكة)، وتبعه الكرماني وغيره، وكأنَّها رواية غير (الفرع)؛ فافهم، (ليس بين مَنزل رسول الله ﷺ ؛ بفتح الميم؛ أي: مكان نزوله عن راحلته أو للاستراحة (وبين الطريق إلا رمية حَجر)؛ بفتح الحاء المهملة بعدها جيم، واحد الأحجار؛ أي: مقدار رميته.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على سابقه (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور سابقًا (أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل)؛ أي: عن راحلته أو للاستراحة (بذي طُوى)؛ بِضَمِّ الطاء المهملة في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة الألف واللَّام، وقيده الأصيلي بالكسر، وحكى عياض وغيره الفتح أيضًا، وزعم النَّووي: (ذو طَوَى؛ بالفتح على الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة، وفيه لغتان: الصرف وعدمه، وهي عند باب مكة بأسفلها)، وزعم الجوهري (ذو طُوى)؛ بالضم: موضع بمكة، وأمَّا طِوى؛ فهو اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: وما رواه الأصيلي بالكسر، قال القسطلاني: (إنَّها رواية أبي ذر عن الكشميهني أيضًا)، وما رواه الحموي وغيره: (بذي الطِّواء)؛ بزيادة (أل) مع كسر الطاء والمد، وفي رواية «الفرع» و «أصله» : (طَوى) بفتح الطاء، وليس فيه ضم الطاء ألبتة، كما قاله القسطلاني، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الذي في «الفرع»
стр. 705
ضم الطاء؛ فافهم، فإنَّه غلط؛ فاجتنبه.
(ويَبيت)؛ بفتح التحتية، من البيتوتة؛ وهي المبيت ليلًا؛ أي: كان يفعل ذلك بذي طوى (حتى يصبح) أي: يطلع الفجر (يصلِّي الصبح) أي: بها (حين يقدَم) بفتح الدَّال المهملة (مكة) أي: حاجًّا، أو غازيًا، أو غيرهما، (ومصلَّى رسول الله ﷺ ؛ بفتح اللَّام؛ أي: موضع صلاته (ذلك على أَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم؛ أي: تلٍّ عالٍ من حجر واحد، أو موضع مرتفع ما حوله كما سبق، (غليظة) وفي نسخة: (عظيمة)؛ أي: ضخمة كبيرة (ليس في المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك مما بنوه الجاهلية أو غيرهم، (ولكن أسفل من ذلك)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل، وبالنصب؛ أي: في أسفل ظرفًا (على أكمة غليظة)، وفي نسخة: (عظيمة)، وهذا بيان وإيضاح للأول لا تأكيد، كما توهمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ فافهم.
(وأنَّ عبد الله بن عمر) بفتح الهمزة معطوف على السَّابق (حدَّثه) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول كما سبق (أن النَّبي) الأعظم ﷺ استقبل فُرْضَتَيِ الجبل)؛ أي: توجه إليها وجعلها مقابل وجهه، وهي بِضَمِّ الفاء، وسكون الرَّاء، وفتح الضَّاد المعجمة، ومثناة فوقية مفتوحة وتحتية مكسورة؛ لالتقاء الساكنين، تثنية: فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع كالشرافة، ويقال أيضًا لمدخل النهر، وفرضة البئر ثلمته (١) التي يستقى منها، وفي «المحكم» : (فرضة النهر: مشرب الماء منه، والجمع: فرض وفراض)، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: ومثله في «مختار الصِّحاح» و «القاموس»، وذكر نحوه ابن حجر والقسطلاني، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الفرضة: ما انحدر من وسط الجبل، انتهى، لأنَّه ليس له أصل في كلام أهل اللُّغة، ومعناه فاسد أيضًا؛ لأنَّه قد يكون في جوانبه، أو أعلاه، أو غير ذلك؛ فليحفظ.
(الذي بينه) ولابن عساكر وأبي الوقت: (الذي كان بينه) أي الجبل المفروض (وبين الجبل الطويل)؛ أي: الذي ليس فيه فرضة، وقوله: (نحو الكعبة) -أي: ناحيتها- متعلق بـ (الطويل)، أو ظرف للجبل، أو بدل من الفرضة، قاله إمام الشَّارحين.
وقوله: (فجعل) أي: عبد الله بن عمر (المسجد الذي بُني) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (ثَمَّ)؛ بالمثلَّثة المفتوحة؛ أي: هنالك (يسار المسجد) : الظَّاهر أنَّه من كلام نافع، وفاعله عبد الله، و (يسار) مفعول ثان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وبه جزم القسطلاني وغيره؛ فافهم، (بطرف الأَكَمَة)؛ بفتح الهمزة والكاف والميم: المكان المرتفع؛ أي: جانبها، وهو صفة للمسجد الثاني (ومصلَّى) بفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) ﷺ أي: موضع صلاته (أسفل منه)؛ بالنصب على الظرفية، وبالرفع خبر لقوله: (ومصلَّى)، والجملة حالية، قاله العجلوني، وقال القسطلاني: وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل منه، وهو مبني على نصب (ومصلى) بجعله معطوفًا على المسجد، ووجهه ظاهر، فلا حاجة لما زعمه العجلوني؛ فافهم، (على الأكمة) أي: التل العالي (السوداء) : خبر بعد خبر أو حال، وقوله: (تدع) أي: تترك (من الأكمة عشرة أذرع)؛ بالذَّال المعجمة، ولأبي ذر: (عشر أذرع)؛ بدون التأنيث (أو نحوَها)؛ بالنصب معطوف على ما قبله؛ أي: دون العشرة؛ بيان لمصلى النَّبي ﵇.
وزعم العجلوني أنَّها جملة مستأنفة.
قلت: ليس فيه استئناف أصلًا، وإنَّما هو متعلق بما قبله على كونه بيانًا وأيضاحًاله؛ فافهم.
(ثم تصلي مستقبل)؛ بالنصب على الحال؛ أي: حال كونك مستقبل (الفُرْضتين)؛ بِضَمِّ الفاء وسكون الرَّاء، تثنية فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل كما سبق، ويدل عليه قوله: (من الجبل الذي بينك وبين الكعبة)؛ أي: حائلًا بينهما.
ففي الحديث: بيان وجه تتبع ابن عمر المواضع التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ ، وهو أنَّه كان يستحب التتبع لآثاره ﵇ والتبرك بها، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين.
وقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان، فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النَّبي ﷺ ، فقال عمر: إنَّما هلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم، فاتَّخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض)، قالوا: وإنَّما كره ذلك عمر؛ لأنَّه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزامًا شديدًا؛ أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها؛ ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة.
وهذا الباب قد اشتمل على تسعة أحاديث قد أخرجها الحسن بن سفيان في «مسنده» مفرقة سوى الثالث، وأخرج منها الإمام مسلم بن الحجاج الحديثين الأخيرين في (الحج)، وهذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة، والمساجد التي بالرَّوحاء يعرفها أهل تلك النَّاحية.
واستفيد من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النَّبي الأعظم ﷺ والتبرك بها على الوجه الذي قدمناه.
وروى أشهب عن مالك: أنَّه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشَّارع، فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قباء؛ لأنَّه ﵇ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك المواضع.
قلت: إنَّما لم يعجبه؛ لاحتمال اعتقاد العوام ذلك واجبًا، أمَّا إذا فعل ذلك لأجل التبرك؛ فمستحب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وزعم البغوي من الشَّافعية أنَّ المساجد التي ثبت أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها؛ تعين عليه كالاعتكاف فيها؛ كما تتعين المساجد الثلاثة.
واعترضه العجلوني فقال: (هو ضعيف، فقد قال الرملي وغيره: وإلحاق البغوي بمسجد المدينة سائر مساجده ﵇ مردودٌ، وبه يعلم رد إلحاق بعضهم مسجد قباء بالثلاثة) انتهى.
قلت: لم يبين وجه الرد على هذا لا من آية، ولا حديث، ولا غيرهما، فالظَّاهر عدم ضعفه، ولهذا نقله القسطلاني عنه وسلَّمه؛ لما أنَّه قول معتمد عندهم، والله أعلم.
ومذهب الإمام الأعظم ﵁: أنَّ تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير ملغاة، فيجوز صوم رجب عن صوم شعبان، ويجوز صلاة ركعتين بمصر نَذَر أداءهما بمكة، ويجوز التصدق بدرهم عن درهم عينه له، ويجوز الصرف لزيد الفقير بنذره لعمرو، وقال الإمام زفر: إذا عيَّن ذلك؛ تعيَّن عليه.
ويستحب أن يأتي مسجد قباء فيصلِّي فيه ويدعو، كما صرح به في «إمداد الفتاح».
وقد ذكر المؤلف المساجد التي بطرف المدينة إلى مكة، ولم يذكر المساجد التي بالمدينة؛ لأنَّه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه، وقد ذكر عمر بن شبه النميري في «أخبار المدينة» المساجد والأماكن التي صلى فيها النَّبي الأعظم ﷺ بالمدينة مستوعبًا لها، وقد أوضحها إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» غاية الإيضاح، وذكرها (٢) بأسانيدها؛ فارجع إليه، وقال: روى غير واحد من أهل العلم: أنَّ كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنيٌّ بالحجارة المنقوشة المطابقة؛ فقد صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ ، وذلك أنَّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم متوافرون عن ذلك، ثم بناها
стр. 706
بالحجارة المنقوشة المطابقة، وأكثرها قد اندرس واندثر، وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء، ومسجد الفضيح -وهو شرقي مسجد قباء-، ومسجد بني قريظة، ومشربة أم إبراهيم -وهي شمالي مسجد قريظة-، ومسجد بني ظفر -شرقي البقيع، ويعرف بمسجد البغلة-، ومسجد بني معاوية -ويعرف بمسجد الإجابة-، ومسجد الفتح -قريب من جبل سلع-، ومسجد القبلتين في بني سلمة، كذا في «عمدة القاري».
وإنَّما سمي بمشربة أم إبراهيم؛ لأنَّ مارية ولدت فيه إبراهيم، وأخرج أبو داود في «المراسيل» عن بكير بن عبد الله الأشج قال: (كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ﵇ يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلُّون في مساجدهم بأذانه؛ أقربها: مسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابخ، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة)، وقد أوضح ذلك الإمام الشَّارح في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، والله تعالى الهادي.
(٩٠) [باب سترة الإمام سترة من خلفه]
هذا (باب) بالتنوين (سُترة الإمام)؛ أي: من يصلِّي بالناس إمامًا وبين يديه سترة؛ نحو: جدار، وعنزة، وغيرهما (سُترة لمن) وفي رواية: (من)؛ أي: من كان (خلفه)؛ أي: من المصلين، فبوجود الإمام لا يحتاجون إلى سترة.
والسُّترة؛ بِضَمِّ السين المهملة: ما يستتر به، والمراد بها هنا: عكازة، أو عصى، أو عنزة، أو نحو ذلك، ومثلها: الجدار، والعامود، والسارية المركوزة في بعض الأرض والبساتين، والحكمة فيها: كف النَّظر للمصلي عما وراءها؛ لئلا يتفرق خاطره، ومنع من يجتاز بقربه.
ولفظ (باب) : مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرنا، ويكون (سترة) مرفوعًا على الابتداء، وخبره (سترة) الثاني، ويجوز جره بالإضافة؛ والتقدير: باب بيان كون سترة الإمام... إلى آخره، وهو ظاهر؛ فافهم.
ولا يخفى أنَّ التَّرجمة مشتملة على شيئين؛ أحدهما: بالمطابقة؛ وهو أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، وثانيهما: بالالتزام؛ وهو أنَّ الإمام سترة لمن خلفه، والصف الأول سترة للصف الثاني وهكذا؛ فليحفظ.
[حديث: أقبلت راكبًا على حمار أتان]
٤٩٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) بالتكبير (بن عُتْبة)؛ بِضَمِّ العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية: هو ابن مسعود المدني الصَّحابي أحد الفقهاء السبعةرضي الله عنه، (عن عبد الله بن عبَّاس) : هو بحر العلم، وحبر الأمة، وترجمان القرآن ﵄، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: أنَّه (قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمار أَتان)؛ بفتح الهمزة، وبالمثناة الفوقية: الأنثى من الحمير.
ولما كان الحمار شاملًا للذكر والأنثى؛ خصَّه بقوله: (أتان)، وإنَّما لم يقل: حمارة ويكتفي عن تعميم (حمار) ثم تخصيصه؛ لأنَّ التَّاء تحتمل الوحدة، كذا زعمه الكرماني.
واعترضه البرماوي بأنَّ (حمارًا) مفرد لا اسم جنس جمعي؛ كتمر.
قال إمام الشَّارحين: (الأحسن في الجواب: أنَّ «الحمارة» قد تطلق على الفرس الهجين كما قاله الصغاني، فلو قال: على حمارة؛ لربما كان يفهم أنَّه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك على أنَّ الجوهري حكى أنَّ «الحمارة» في الأنثى شاذة) انتهى.
و (أتانٍ)؛ بالجر والتنوين؛ كـ (حمار) على النعت له، أو بدل الغلط، أو بدل بعض من كل؛ لأنَّ الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، أو بدل كل من كل؛ نحو: ﴿شَجَرَةٍ [مُّبَارَكَةٍ] (١) زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥].
وقال ابن الأثير: (إنَّ فائدة التنصيص على كونها أنثى: الاستدلال على أنَّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة بالطريق الأولى؛ لأنَّهن أشرف).
واعترض بأنَّ العلة ليست مجرد الأنوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنَّها مظنة الشهوة، انتهى.
قلت: العلة الأنوثة البشرية مع كونها في الصلاة الواحدة؛ فهي مظنة الشهوة لا مطلقًا؛ لأنَّ المس بلا حائل أو به يوجدها، بخلاف النَّظر، فإنَّه يمنع ذلك، كما لا يخفى.
(وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام)؛ أي: قاربت البلوغ بالاحتلام، والمعنى: أنَّه كان مراهقًا (ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس بمنًى) بالصرف وعدمه، والأجود الصرف، وكتابته بالألف، وسميت بذلك لما يمنى؛ أي: يراق بها من الدماء، كذا رواه مالك وأكثر أصحاب الزهري.
ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة: (بعرفة)، وجمع بينهما بأنَّهما قضيتان.
ورُدَّ بأنَّ الأصل عدم التعدد، لا سيما مع اتحاد مخرج الحديث.
وزعم بعضهم أنَّ رواية ابن عيينة شاذة، وكان ذلك في حجة الوداع لا في الفتح على الصَّحيح؛ فتأمله.
(إلى غير جِدار)؛ بكسر الجيم: هو الحائط، وهو متعلق بـ (يصلِّي)؛ أي: إلى شيء يستره غير جدار؛ كعصا أو عنزة.
وزعم ابن حجر أنَّ معناه: أي: إلى غير سترة أصلًا، كما قاله الشَّافعي، وعليه فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه ﵇ صلى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البيهقي: (باب من صلى إلى غير سترة) انتهى.
وردَّه الشَّارح في «عمدة القاري» : بأنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: (إلى غير جِدار) مشعر بأنَّ ثمة سترة؛ لأنَّ لفظة (غير) تقع دائمًا صفة لمحذوف؛ تقديره: إلى شيء غير جِدار، وهو أعم من أن يكون عصا، أو عنزة، أو نحوها، وهذا القائل لم يقف على وجه الكلام، والبيهقي أيضًا لم يقف على هذه النُّكتة، والبخاري دقيقٌ نظره، فأورَد هذا الحديث في هذا الباب؛ للوجه الذي ذكرناه، على أنَّ ذلك معلوم من حال النَّبي الأعظم ﷺ ؛ لأنَّ المعروف من عادته أنَّه كان لا يصلِّي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ويؤيده ذكر الحديثين بعده المصرح فيهما بالسترة، فهو من باب حمل المطلق على المقيد.
وقول ابن عبَّاس: (فمررت بين يدي) أي: قدام (بعض الصف)، فالتعبير باليد مجاز، وإلا، فالصف لا يد له (فنزلت وأرسلت) ولأبي ذر: (فأرسلت)؛ بضمير المتكلم فيهما (الأتان ترتعُ)؛ أي: تأكل، و (ترتعُ) مرفوع، والجملة محلها نصب على الحال من (الأتان)، وهي حال مقدرة؛ لأنَّه لم يرسلها في تلك الحال، وإنَّما أرسلها قبل مقدرًا كونها على تلك الحال، وجوز ابن السيد فيه أن يريد: لترتع، فلما حذف الناصب؛ رُفِع؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]،
стр. 707
قاله الدماميني، وقيل: (ترتع) : تسرع في المشي، والأول: أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في (الحج) : (نزلت عنها فرتعت)، (ودخلت في الصف، فلم ينكر) : على صيغة المعلوم من الإنكار؛ وهو الجحود؛ أي: فلم يجحد (ذلك) الفعل (عليَّ) بفتح التحتية (أحدٌ) : بالرفع فاعله؛ أي: لم ينكر ذلك الفعل عليَّ النَّبيُّ الأعظم ﷺ ولا غيره من أصحابه، وهذا يشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة غير الجدار؛ لم يكن لهذا الإخبار فائدة؛ إذ مروره حينئذٍ لا ينكره أحدٌ أصلًا.
قلت: وهذا ليس بشيء، وإنَّما لم ينكروا عليه ذلك؛ لعلمهم أنَّ سترة الإمام سترة لهم؛ بدليل عادته ﵇ أنَّه لم يصلِّ في الصحراء إلا وأمامه سترة.
ومع هذا؛ فالكلام ونحوه ممنوع في الصلاة؛ لأنَّه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبقوله ﵇: «إنَّ في الصلاة شغلًا»، كما في «مسلم» وغيره، وهذا هو المعهود عندهم، وفائدة هذا الإخبار: أنَّه لما مر بين يدي الصف ولم ينكر عليه أحد؛ تبين أنَّ سترة الإمام سترة لهم وأنَّ صلاتهم صحيحة، وأنَّه لم يقطعها عليهم حيث السترة موجودة؛ بدليل أنَّهم لم يؤمروا بالإعادة، فالحقُّ ما قاله إمام الشَّارحين، وهو أحكم الحاكمين؛ فافهم.
فإن قلت: لا يلزم مما ذكر اطلاعه ﵇ على ذلك لاحتمال أن يكون الصف الأول حائلًا دون رؤيته له.
قلت: قد ثبت أنَّه ﵇ كان يرى في صلاته من ورائه كما يرى من أمامه.
وعند المؤلف في (الحج) : أنَّه مرَّ بين يدي بعض الصف الأول، فلم يكن حائل هناك دون الرؤية، وفي رواية البزار: (والنَّبي ﷺ يصلِّي المكتوبة ليس شيء يستره)، قالوا: هذا يؤيد عدم الحائل.
قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ ما رواه المؤلف في (الحج) لا يدل عليه؛ لأنَّ الصف الأول طويل وهو من المشرق إلى المغرب، وكان مروره في أوله أو في آخره، فلم يدرك السترة ولم يرها، وما رواه البزار لا يدل عليه أيضًا؛ لأنَّه لما نزل عن الحمار وهي ترتع؛ دهش، فلم ير السترة لدهشته لا سيما في مصلى النَّبي الأعظم ﵇ على أنَّه في أكثر الروايات كما رواه المؤلف ههنا، وهو من باب حمل المطلق على المقيد، كما لا يخفى، ويحتمل أنَّ في الرواية طيًّا؛ وهو ليس شيء يستره غير سترته، وهذا الحديث بعينه قد تقدم في كتاب (العلم) في باب (متى يصح سماع الصغير)، وتقدم الكلام عليه هناك.
[حديث: أن رسول الله كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة]
٤٩٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق) ولا بن عساكر: (إسحاق؛ يعني: ابن منصور) هو ابن بهرام الكوسج، كذا جزم به خلف، وأبو نعيم، وغيرهما، وفي أكثر الروايات: (إسحاق) غير منسوب، فيحتمل أنَّه ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: أنَّه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوب؛ فهو يكون ابن راهويه، لكن رواية ابن عساكر تعين الأول؛ فتأمَّل، (قال: حدثنا عبد الله بن نُمير)؛ بِضَمِّ النُّون مصغرًا: هو الكوفي (قال: حدثنا عبيد الله) بالتصغير (بن عمر) هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان القرشي العدوي المدني، المتوفى سنة تسع وأربعين ومئة، وليس هو منسوبًا لجده الأعلى كما زعمه العجلوني، بل هذا أبوه وشهرته به؛ فليحفظ، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن ابن عمر) هو عبد الله الصَّحابي المدني القرشي العدوي المشهور: (أنَّ) بفتح الهمزة (رسول الله ﷺ كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (إذا خرج يوم العيد)؛ أي: الأضحى والفطر إلى الصحراء لصلاة العيد؛ (أمر بالحربة)؛ أي: أمر خادمه بأخذها معه، وهو جواب (إذا)، والمراد بها: العنزة الآتية، وقيل: إنَّها غيرها، وإنَّه تارة كان يَركُز الحربة، وتارة العنزة، وهو الأصح؛ لما يأتي من إفراد كل منهما بباب، كذا قيل، وفيه بُعد؛ لأنَّه لا يلزم من إفراد كل منهما بباب أن يكون تارة يركز الحربة، وتارة العنزة؛ لأنَّ المؤلف مراده بيان الأحكام في تراجمه، وأنَّه كما يجوز وضع الحربة كذلك يجوز وضع العنزة، وإنَّما كان يوضع للنبي الأعظم ﷺ العنزة، وإنَّما عبَّر هنا عنها بالحربة؛ لما أنَّ برأس العنزة حربة، فإنَّ العنزة عصا توضع الحربة برأسها، وقد لا توضع نادرًا، فعبَّر عن العنزة بالحربة من إطلاق البعض على الكل مجازًا؛ فافهم.
وعند المؤلف في (العيدين) عن نافع: (كان يغدو إلى المصلى والعنزة تحمل وتنصب بين يديه، فيصلِّي إليها)، وزاد ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيلي: (وذلك أنَّ المصلى كان فضاء ليس فيه شيء يستره)؛ فليحفظ.
(فتوضع بين يديه) بالتثنية (فيصلِّي إليها) أي: قريبًا منه؛ لما رواه أصحاب السنن عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها...»؛ الحديث، ويجعلها على جهة أحد حاجبيه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليها صمدًا؛ لما رواه أصحاب السنن أيضًا عن المقداد أنَّه قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمده صمدًا)؛ أي: لا يقابله بل كان يميل عنه، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور؛ فليحفظ.
(والناسُ)؛ بالرفع عطفًا على الضمير المستتر في (يصلِّي) الواقع فاعلًا؛ لوجود الفاصل، ويحتمل على بُعدٍ أنَّه مبتدأ، وخبره الظرف؛ أعني: قوله: (وراءَه)؛ فإنَّه منصوب على الظرفية، متعلق بـ (يصلُّون)، والجملة محلها نصب على الحال.
قلت: الأول أظهر، وهذا فيه تكلف وتعسف.
(وكان) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (يفعل ذلك)؛ أي: الأمر بوضع الحربة بين يديه والصلاة إليها (في السفر)؛ أي: على سبيل الدوام والاستمرار كما يفيده التعبير بـ (كان) حيث لا جِدار في الصحراء، فليس ذلك مختصًّا بيوم العيد، بل عام في الصلوات كلها، ولهذا قال الإمام محمَّد بن الحسن ﵁: (يستحب لمن يصلِّي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصًا ونحوها، فإن لم يجد؛ يستتر بشجرة ونحوها)، ويدل عليه حديث المقداد السَّابق قريبًا؛ فافهم.
وقوله: (فمِن ثَمَّ)؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: فمن أجل ذلك (اتخذها) أي: الحربة أو هو الرمح الطويل العريض النصل (الأُمراء)؛ بِضَمِّ الهمزة، جمع أمير، (فعيل) بمعنى: (فاعل)؛ أي: أُمِّرَ على الناس، فيخرج بها بين أيديهم في العيد، والسفر، ونحوهما، من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه بدون هذه الجملة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من وجوه:
أحدها: أنَّه لم ينقل وجود سترة لأحد من المأمومين، ولو كان؛ لنقل لتوفر الدواعي على نقل الأحكام الشرعية، فدل ذلك على أنَّ سترته ﵇ كانت سترة لمن صلى خلفه.
والثاني: أنَّ قوله: (فيصلِّي إليها والناس وراءه) يدل على دخول الناس في السترة؛ لأنَّهم تابعون للإمام في جميع ما يفعله.
والثالث: أنَّ قوله: (وراءه) يدل على أنَّهم كانوا وراء السترة أيضًا، إذ لو كانت لهم سترة؛ لم يكونوا وراءه بل كانوا وراءها، كذا قرره إمام الشَّارحين.
ونقل القاضي عياض الاتفاق على أنَّ المأمومين يصلُّون إلى سترة الإمام، واختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أو سترتهم الإمام نفسه؟ انتهى.
واعترضه ابن حجر،
стр. 708
فزعم: فيه نظر؛ لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفاري الصَّحابي: أنَّه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، وفي رواية: أنَّه قال لهم: «إنَّها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم»، ويظهر أثر الخلاف: فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول: إنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه؛ تضر صلاته وصلاتهم، وعلى قول من يقول: إنَّ الإمام نفسه سترة لمن خلفه؛ تضر صلاته ولا يضر صلاتهم، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا يَرِد هذا على ما نقله القاضي عياض من الاتفاق؛ لاحتمال أنَّه لم يقف على قوله ﵇: «سترة الإمام سترة لمن خلفه»، أخرجه الطَّبراني من حديث أنس، وكذا روي عن ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق موقوفًا عليه، على أنَّ الرواية عن الحكم مختلفة، ومع هذا لا يقاوم ما روي عن ابن عمر.
وقوله: «وأثر الخلاف» ممنوع، بل سترة الإمام سترة مطلقًا بالحديث المذكور، فإذا وجدت سترة؛ لا تضر صلاة الإمام ولا صلاة المأمومين) انتهى؛ فليحفظ.
ثم قال ﵁: (وفي الحديث: الاحتياط وأخذ الآلة؛ لدفع الأعداء سيما في السفر.
وفيه: جواز الاستخدام وأمر الخادم.
وفيه: أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، وادعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطال، قالوا: السترة عند العلماء سنة مندوب إليها، وقال الأبهري: سترة المأموم سترة إمامه، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأنَّ المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه.
قال: ولا خلاف أنَّ السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه، وفي الأمن قولان عند مالك، وعند الشَّافعي مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث؛ لأنَّها تصون البصر.
فإن كان في الفضاء؛ فهل يصلِّي إلى غير سترة؟ أجازه ابن القاسم؛ لحديث ابن عبَّاس المذكور، وقال مطرف وابن الماجشون: لا بد من سترة، وذكر عن عروة، وعطاء، وسالم، والقاسم، والشعبي، والحسن؛ أنهم كانوا يصلُّون في الفضاء إلى غير سترة، وقال الإمام محمَّد بن الحسن: يستحب لمن يصلِّي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصًا ونحوها، فإن لم يكن؛ يستتر بشجرة ونحوها.
وقال أصحابنا: المعتبر في مقدار السترة: ذراع فصاعدًا؛ لحديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل؛ فلا يضرك من مرَّ بين يديك»، رواه مسلم في «صحيحه».
وذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» في حديث أبي جحيفة الآتي ذكره: أنَّ مقدار العنزة طول ذراع في غلظ أصبع، ويؤيد ذلك قول ابن مسعود: ويجزئ من السترة السهم، وفي «الذخيرة» : طول السهم ذراع، وعرضه قدر أصبع.
واختلف أئمتنا الأعلام فيما إذا كانت السترة أقل من ذراع، وقال شيخ الإسلام: لو وضع قناة أو جعبة بين يديه وارتفع قدر ذراع؛ كان سترة بلا خلاف، وإن كان دونه؛ ففيه خلاف.
وفي «غريب الرواية» : النهر الكبير ليس بسترة كالطريق، وكذا الحوض الكبير.
وقال مالك: تجوز القلنسوة العالية والوسادة بخلاف السوط، وجوَّز في «العتبية» : التستر بالحيوان الطاهر، بخلاف الخيل، والبغال، والحمير، وجوَّز بظهر الرجل، ومنع بوجهه (١)، وتردد في جنبه، ومنع بالمرأة، واختلفوا في المحارم، ولا يستتر بنائم، ولا مجنون، ومأبون في دبره، ولا كافر) انتهى.
وعند أحمد ابن حنبل: تكره الصلاة بموضع يحتاج فيه إلى المرور، ويحرم مرور بين مصلٍّ وبين سترته، ولو بَعُدَ عنها، ومع عدمها يحرم المرور قريبًا منه، وحد القرب: ثلاثة أذرع فأقل بذراع اليد، فإن مرَّ بين يدي المأمومين هل يأثم؟ فيه قولان له، وليس وقوفه بمكروه، كذا في «شرح الكفاية».
وقال الإمام الشرنبلالي: (وإن لم يجد ما ينصبه؛ فليَخُطَّ خطًّا؛ لحديث أبي داود، ولفظه: «فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا»، فقيل: يخط طولًا، وقيل: عرضًا مثل الهلال، ولو طرح سوطًا لصلابة الأرض؛ لم يعتد به، وقال شيخ الإسلام: ولا بأس بترك السترة إذا أمن المرور؛ لحديث ابن عبَّاس) انتهى، والله أعلم.
[حديث: أن النبي صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة]
٤٩٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطياليسي البصري (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عَوْن) بفتح المهملة، وإسكان الواو (بن أبي جُحَيفة) بِضَمِّ الجيم، وفتح المهملة مصغرًا (قال: سمعت أبي) هو أبو جحيفة، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي -بضم المهملة- الكوفي، وفي بعض النُّسخ: (يحدث) : (أنَّ النَّبي) الأعظم ﷺ بفتح الهمزة (صلى بهم) أي: بأصحابه (بالبطحاء)؛ أي: بطحاء مكة، ويقال له: الأبطح أيضًا؛ وهو كل أرض منحدرة أو مسيل واسع فيه دقاق الحصى، وقد سبق تحقيقه، (وبين يديه) بالتثنية (عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة؛ وهي نصف الرمح، وخصها بعضهم بأنَّ سنانها في أسفلها، بخلاف الرمح؛ فإنَّ له سنانًا في الأعلى وفي الأسفل أيضًا، كما لا يخفى؛ فافهم، والجملة وقعت حالًا، (الظُّهرَ)؛ بالنصب مفعول (صلى) (ركعتين)؛ بالنصب بدل من المفعول أو حال منه، وإنَّما صلاه هكذا؛ لكونه خرج من مكة ناويًا السفر؛ ففرض المسافر ركعتين، (والعصرَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (ركعتين) : بدل أو حال أيضًا، وزاد في رواية آدم الآتية بعد بابين عن شعبة عن عون: (وذلك كان بالهاجرة)؛ وهي وقت اشتداد الحر عند الظهيرة، فكأنَّه ﵇ خرج بالهاجرة فصلى الظُّهر، ثم دخل وقت العصر، فصلى العصر، فكان كل صلاة بوقتها.
وزعم النَّووي أنَّه يكون ﵇ جمع بين الصلاتين في وقت الأولى، انتهى.
قلت: ليس كما قال، وليس الواقع هذا، وإنَّما قال ذلك استنصارًا لمذهبه، والحقُّ أنَّه صلى الظُّهر في وقتها، والعصر في وقتها، يدل عليه أنَّ ما رواه آدم لفظه: (خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوضوء، فتوضأ، فصلى بنا الظُّهر والعصر...)؛ الحديث، ولا ريب أنَّ (الهاجرة) : اشتداد الحر وهو قريب العصر، وإتيانه بوضوء ووضوؤه (٢) يحتاج إلى مدة من الزمن، فلما فرغ من الوضوء؛ صلى الظُّهر في وقتها، فلما فرغ منه؛ دخل وقت العصر، فقام فصلاه، فليس فيه الجمع بين الصلاتين كما زعمه؛ فليحفظ.
(يَمر) بمثناة تحتية مفتوحة أو بالفوقية (بين يديه) بالتثنية؛ أي: أمام النَّبي الأعظم ﷺ (المرأة والحمار)؛ يعني: بين العنزة والقبلة لا بين المصطفى والسترة، يدل عليه أنَّ في رواية عمر بن زائدة في (الصلاة في الثوب الأحمر) : (ورأيت الناس والدَّواب يمرون بين يدي العنزة)؛ فليحفظ، والجملة محلها نصب على الحال، والجملة الفعلية إذا وقعت حالًا وكان فعلها مضارعًا؛ يجوز فيها الواو وتركها.
قال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للتَّرجمة من الوجه الذي ذكرناه في الحديث السَّابق، وفيه: جعل السترة بين يديه إذا كان في الصحراء، وفيه: أنَّ مرور المرأة والحمار لا يقطع الصلاة، وهو قول عامة العلماء، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، والشَّافعي؛ لحديث الباب، فإنَّه يدل على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار، وحديث
стр. 709
«الصَّحيحين» عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله يصلِّي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وقد روي هذا بوجوه؛ منها فيه: (وأنا حائض وأنا حذاءه)، ووجهه: أنَّ اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة؛ لا يقطع الصلاة، فالمارة بالطريق الأولى.
وبوَّب أبو داود في «سننه» : (باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة)، وبوَّب أيضًا: (باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة)، ثم روى عن الفضل بن عبَّاس قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه عبَّاس، فصلى في الصحراء ليس بين يديه سترة وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك)، وأخرجه النسائي أيضًا.
وروي عن ابن عبَّاس: يقطع الصلاة الكلب الأسودوالمرأة الحائض.
وعن عكرمة: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.
وروي عن أنس ومكحولوأبي الأحوصوالحسن: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة.
وعن عطاء: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض.
وعن أحمد ابن حنبل في المشهور عنه: يقطع الصلاة مرور الكلب الأسود البهيم (١)، وفي رواية أخرى عنه: يقطعها أيضًا الحمار، والمرأة، والبهيم.
وزعم ابن الملقن أنَّ عند أحمد: الكلب الأسود لا يقطع الصلاة، واعترضه العجلوني بأنَّ فيه نظر؛ لأنَّ في «شرح المنتهى» صرَّح أنَّ مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة بلا خلاف عندهم، وإنَّما الخلاف في المرأة والحمار، والصَّحيح: أنَّ مرورهما يقطعها، ثم قال العجلوني: (ولم أر في مذهبهم حكم ما إذا مرَّ بين السترة والمصلي، والظَّاهر أنَّ مروره لا يضر؛ لعدم التقصير منه) انتهى.
قلت: هو لم يُحطْ بمذهبه فضلًا عن مذهب أحمد على أنَّه هذه جرأة على المذهب؛ كيف يستظهر حكمًا لم يره عندهم؟ وانظر تعليله بعدم التقصير، وقد رأيت الحكم عندهم؛ ففي «الكفاية» و «شرحها» : (ويحرم مرور بين مُصلٍّ وبين سترته ولو بَعُدَ عنها، ومع عدمها -أي: السترة- يحرم المرور بين يديه قريبًا منه، وحدُّ القُرْب: ثلاثة أذرع فأقل من قَدم المصلي بذراع اليد) انتهى.
فهذا كما رأيت قد صرح بحرمة المرور، وأنَّه لا يقطع الصلاة، فالحكم وإن كان مسطورًا في محله، إلا أنَّ الجرأة عليه مذمومة؛ للحديث الصَّحيح: «أجرؤكم على الفتياأجرؤكم على النَّار»؛ فانظر جرأة الشَّافعية على المذاهب، وما هذا إلا سوء الأدب؛ فافهم.
ويدل لما ذهب إليه هؤلاء ما رواه مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود»، قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان».
قلت: ولا دليل فيه لاحتمال أنَّه منسوخ بحديث أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان».
وفي الباب عن ابن عمر عند الدارقطني في «سننه»، وأبي أمامة وأنس عنده أيضًا، وجابر عند الطَّبراني في «الأوسط»، وهذه الأحاديث وإن تكلم فيها ابن الجوزي تعصبًا إلا أنَّ طرقها عديدة وبها تتقوى وترتقي إلى رتبة الصَّحيح أو الحسن؛ لأنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي عند المحدثين على أنَّه قال النَّووي: وتأول الجمهور القطع في الحديث على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث.
قال إمام الشَّارحين: (هذا جيد فيما إذا كانت أحاديث هذا الباب مستوية الأقدام، وأمَّا إذا قلنا: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم؛ فالأخذ بالأقوى أولى وأقوى) انتهى.
قلت: ما زعمه النَّووي غير جيد؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة ليس شرطًا فيها حتى يحمل القطع على قطع الخشوع، فالصَّواب ما قاله إمام الشَّارحين أنَّ أحاديث الجمهور أقوى وأصح، والعمل بالأقوى والأصح متعين؛ فافهم.
لا يقال: إنَّ مرور حمار ابن عبَّاس كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف والإمام سترة لمن خلفه؛ لأنَّا نقول: هو مردود بما رواه البزار: أن المرور كان بين يديه ﵇، وحديث أبي داود عن سعيد بن غزوان عن أبيه قال: أقبلت وأنا غلام حتى مررت بينه وبين النخلة، فقال ﵇: «قطع صلاتنا...»؛ الحديث، فهو قد سكت عنه أبو داود، وقال غيره: إنَّه واهٍ، وعلى كل؛ فهو منسوخ بحديث ابن عبَّاس؛ لأنَّ ذلك كان بتبوك، وحديثه كان في حجة الوداع بعدها.
وفي الحديث: جواز قصر الصلاة الرُّباعية، بل هو أفضل من الإتمام، وهل هو رخصة أو عزيمة؟ فيه خلاف بين الإمام الأعظم وبين الشَّافعي على ما يأتي بيانه، والحقُّ ما قاله الإمام الأعظم: أنَّ القصر عزيمة؛ لقول عائشة: (إنَّ الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر)، رواه أبو داود، فإذا أتم الرُّباعية؛ إن قعد القعود الأول؛ صحت مع الكراهة، وإن لم يقعد؛ فسدت صلاته، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(٩١) [باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة]
هذا (باب) بيان (قدْرِ)؛ بإسكان الدَّال المهملة؛ بمعنى: مقدار (كم ينبغي) أي: يُطلَب شرعًا (أن يكون بين المصلِّي)؛ بكسر اللَّام، اسم فاعل؛ أي: الشخص الذي يريد الصلاة (والسُّترة)؛ أي: بينهما، وهي أعم من أن تكون عنزة، أو حربة، أو عصا، أو نحوها؛ وهي -بضم السين المهملة-: ما يستتر به عند الصلاة من المارين.
وزعم ابن حجر أنَّه يحتمل فتح اللَّام؛ أي: المكان الذي يُصَلَّى فيه.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا الاحتمال أخذه قائله من كلام الكرماني حيث قال: «فإن قلت: الحديث دل على القدر الذي بين المصلَّى -بفتح اللَّام- والسترة، والتَّرجمة بكسر اللَّام؛ قلت: معناهما متلازمان» انتهى.
قلت: لا يلزم من تلازمهما عقلًا اعتبار المقدار؛ لأنَّ اعتبار المقدار بين المصلي وبين السترة، لا بينهما وبين المكان الذي يصلِّي فيه) انتهى كلامه.
واعترضه العجلوني بأنَّه وارد؛ لأنَّ اعتبار المكان المصلَّى من حيث إنَّه مصلًّى فيه اعتبار المصلِّي فيه، والأمر سهل، انتهى.
قلت: هذا كلام فاسد التركيب والمعنى، فإنَّ اعتبار المصلِّي غير اعتبار المكان الذي يصلِّي فيه، وبينهما تنافٍ؛ لأنَّ التَّرجمة صريحة في أنَّ المراد بالمصلِّي؛ بكسر اللَّام: الشخص الذي يريد الصلاة؛ بدليل عطف (السترة) عليه، وهو يقتضي المغايرة؛ لأنَّ السترة إذا وضعت في المسجد الصغير؛ فمكانها يقال له أيضًا: مصلَّى؛ بفتح اللَّام، فيصير ذلك عامًّا في مكان السترة، وليس هذا بمراد للمؤلف، وإنَّما مراده: بكسر اللَّام: الشخص الذي يصلِّي أو يريد الصلاة؛ فافهم.
стр. 710
قال إمامنا الشَّارح: (ولفظة «كم» سواء كانت استفهامية أو خبرية لها صدر الكلام، وإنَّما قدم لفظة «القدر» عليها؛ لأنَّ المضاف والمضاف إليه في حكم كلمة واحدة، ومميز «كم» محذوف؛ لأنَّ الفعل لا يقع مميزًا؛ والتقدير: كم ذراعًا ونحوه) انتهى.
[حديث: كان بين مصلى رسول الله وبين الجدار ممر الشاة]
٤٩٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو) بالواو مع فتح العين المهملة (بن زُرارة)؛ بِضَمِّ الزاي، وبراءين بينهما ألف: هو أبو محمَّد النيسابوري، المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية غير أبي ذر: (أخبرنا) (عبد العزيز بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، (عن أبيه)؛ أي: أبي حازم، واسمه سلمة بن دينار، ولأبي ذر: (أخبرني أبي)، (عن سهل) زاد الأصيلي: (ابن سعْد)؛ بإسكان العين المهملة: هو الساعدي الصَّحابي ﵁ (قال: كان بين مصلَّى) بفتح اللَّام (رسول الله) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ وهو المكان الذي يصلِّي فيه، والمراد به: مقامه ﵇، وكذا هو في رواية أبي داود، قاله الشَّارح.
وزعم ابن حجر تبعًا للكرماني المراد بالمصلى: موضع القدم.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (يتناول ذلك موضع القدم وموضع السُّجود أيضًا) انتهى.
قلت: والتعميم أولى؛ فافهم.
(وبين الجدار)؛ أي: الحائط القبلي من المسجد النَّبوي، وفي (الاعتصام) : (مما يلي القبلة) (ممرُّ الشاة)؛ بميمين وتشديد الرَّاء: هو موضع مرورها، وفي رواية أبي داود عن سهل قال: (كان بين مقام النَّبي ﷺ وبين القبلة ممر العنْز)؛ بسكون النُّون: وهو الماعز؛ أي: موضع مرورها.
قال الكرماني: و («ممر» : منصوب؛ لأنَّه خبر «كان»، والاسم: قدر المسافة أو الممر، والسياق يدل عليه) انتهى.
واعترضه البرماوي بأنَّ النصب يحتاج لثبوت الرواية حتى يحتاج للتأويل، انتهى.
قال العجلوني: (إذا لم تعلم الرواية يجوز ما تجوِّزه العربية على أنَّ صنيع الكرماني يقتضي ثبوت الرواية به؛ فتأمَّل) انتهى.
قلت: إذا لم تُعْلَم الرواية؛ لا يجوز النطق به؛ لئلا يدخل تحت الوعيد، والكرماني ليس في كلامه دلالة الاقتضاء، غاية كلامه توجيه النصب، وهو لا يقتضي ثبوت الرواية، وظاهر كلام غير واحد من الشراح أنَّ الرواية بالنصب للأكثرين، وبالرفع رواية البعض، كما يعلم من كلام إمام الشَّارحين والقسطلاني، ووجَّهَ الرفعَ في «عمدة القاري» بأن تكون (كان) تامة، ويكون (ممر الشاة) اسمها، ولا يحتاج إلى خبر، أو تكون ناقصة والخبر هو الظرف، انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
وفيه: استحباب القرب من السترة، ومذهب الإمام الأعظم: أنَّ السنة في ذلك ألَّا يزيد ما بينها وبينه على ثلاثة أذرع، كما قاله المحقق ابن أمير حاج.
قال السيد أحمد الطحطاوي: (والظَّاهر اعتبار هذا القَدْر من قَدَمه) انتهى.
قلت: فعلى هذا يكون من موضع السُّجود إلى موضع السترة مقدار موضع مرور الشاة، كما في الحديث.
وقد وَرَد الأمر بالدنو من السترة؛ منها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليَدْنُ منها لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته».
وقال القرطبي: (بعض المشايخ حمل حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث بلال: «أنَّ النبي ﷺ لما صلى في الكعبة؛ جعل بينه وبين القبلة قريبًا من ثلاثة أذرع» على ما إذا ركع أو سجد)، قال: (ولم يحدَّ مالك في هذا حدًّا إلا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من يمر بين يديه، وقيده بعض الناس بشبر، وآخرون: بثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وهو قول عطاء، وآخرون: بستة أذرع، وذكر السفاقسي: قال أبو إسحاق: «رأيت عبد الله بن مغفل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع»، وفي رواية: «ثلاثة أذرع»، ونحوه في «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح) انتهى.
وقال ابن التين: (ويجمع بين حديث الباب وحديث بلال بأنَّه إذا قام؛ كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع؛ كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه) انتهى.
وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
[حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها]
٤٩٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا المكي) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم) هو البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد)؛ بِضَمِّ العين المهملة مصغرًا: هو الأسلمي مولى سلمة ابن الأكوع، (عن سَلَمَة)؛ بفتحات: هو ابن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي المدني الصَّحابي، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة.
قال إمامنا الشَّارح: (ورجاله ثلاثة ذكروا في باب «إثم من كذب على النَّبي ﷺ »، وهذا من ثلاثيات البخاري) انتهى.
(قال) أي: سَلمة: (كان جدار المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد (عند المِنبَر)؛ بكسر الميم وفتح الموحَّدة، من تتمة اسم (كان)؛ أي: الجدار الذي عند منبر النَّبي الأعظم ﷺ ، وخبر (كان) جملة قوله: (ما كادت الشاة تجوزها)، ويجوز أن يكون الخبر قوله: (عند المنبر)، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ تقديره: إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار المسافة بينهما؟ فأجاب بقوله: (ما كادت الشاة تجوزها)؛ أي: مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة، وليس بإضمار قبل الذكر؛ لأنَّ سوق الكلام يدل عليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه البرماوي، والقسطلاني، وجوز العجلوني أن تكون الجملة خبرًا ثانيًا.
قلت: الأظهر: الأول؛ فتأمَّل.
و (تجوزها) : بالجيم والزاي، والضمير فيه عائد إلى المسافة، وهي ما بين الجدار والمنبر، و (كاد) : من أفعال المقاربة، وخبره يكون فعلًا مضارعًا بغير (أن)، كما في هذه الرواية، وفي رواية الكشميهني: (أن تجوزها)، ووجهه: ما قاله الشَّارح: أن تكون (أن) تدخل على خبر (كاد)، كما تحذف من خبر (عسى)، إذ هما أخوان يتقارضان، لا يقال: إذا دخل حرف النَّفي على (كاد)؛ يكون للنَّفي كما في سائر أفعاله؛ لأنَّا نقول: القواعد النحوية تقتضي النَّفي، والموافق هنا الإثبات؛ للحديث الأول، انتهى.
ثم قال إمام الشَّارحين: (وهذا الحديث موقوف على سَلمة، لكنه في الأصل مرفوع، يدل عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: «كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما يمر العنز») انتهى، ومثله في ابن حجر والقسطلاني.
ثم قال الشَّارح: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من حيث إنَّه ﵇ كان يقوم بجنب المنبر؛ لأنَّه لم يكن لمسجده محراب، فيكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنَّه
стр. 711
قال: الذي ينبغي أن يكون بين المصلي وسترته قدر ما بين منبره والجدار القبلي، وقيل غير ذلك، تركناه؛ لأنَّه [لا] طائل تحته) انتهى.
قلت: أشار بهذا إلى ما قاله ابن حجر وعبارته بعد كلام الكرماني: (وأوضح منه ما ذكره ابن رشيد: أنَّ البخاري أشار بهذه التَّرجمة إلى حديث سهل الذي سبق في باب «الصلاة على المنبر»، فإنَّ فيه: «أنَّه ﵇ قام على المنبر وصلى عليه»، فاقتضى أنَّ ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلي، فإنَّ أكثر أجزاء الصلاة حصلت على المنبر، ونزوله عن المنبر؛ لأنَّ الدرجة لم تسع قدر سجوده، ولما سجد في أعلاه؛ صارت الدرجة العليا سترة له) انتهى.
قلت: هذا تكلف وكونه-البخاري- أشار بترجمته إلى حديث سهل بعيد جدًّا؛ لأنَّه لو كان مراده هذا؛ لكان ذكر الحديث تحت ترجمته، وليس فيه اقتضاء كون المنبر قيام المصلي؛ لأنَّ المنبر ليس محلًّا للصلاة، ولا يسع المصلي عليه؛ لأنَّه درجات، فليس فيه مكان يسع أركان الصلاة، على أنَّه ليس لهذه التَّرجمة إشارة عليه ولا دلالة إليه، وهذا من هفوات ابن حجر وابن رشيد، ولهذا اعترضه العجلوني، فقال: (يتوقف في دعواه الأوضحية)؛ يعني: فإنَّه محل خفاء ظاهر من الحديث للتَّرجمة، وعلى كل حال؛ فكلامه لا طائل تحته؛ فافهم.
وفي الحديث: دلالة على استحباب القرب من السترة، ومذهب الأئمة الحنفية: أنَّ السنة ألَّا يزيد ما بين المصلي والسترة على ثلاثة أذرع من قدم المصلي كما بيناه.
وقال البغوي: (استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السُّجود، وكذلك بين الصفوف).
وقول ابن الصلاح: (قدروا ممر الشاة بثلاث أذرع)، لا يخفى ما فيه من البعد؛ فافهم.
ومذهب الشَّافعي وأحمد كما قاله القسطلاني: أن يكون بين المصلي والسترة أقل من ثلاثة أذرع.
وقال ابن القاسم عن مالك: (ليس من الصَّواب أن يصلِّي وبينه وبين السترة صفان).
وروى ابن المنذر عن مالك: (أنَّه تباعد عن سترة وأن شخصًا قال له: أيها المصلي؛ ألا تَدْنُ من سترة، فمشى الإمام إليها وهو يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]).
وجمع ابن التين بين حديث الباب وحديث بلال بما إذا قام؛ كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة، وإذا سجد أو ركع؛ كان بينهما ثلاثة أذرع من موضع رجليه، ولم يحدَّ في ذلك مالك حدًّا إلا بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع المار فيه، وقد سبق في الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصَّواب.
(٩٢) [باب الصلاة إلى الحربة]
هذا (باب) حكم (الصلاة إلى) جهة (الحَرْبة)؛ أي: المركوزة بين المصلي وبين القبلة، و (الحَرْبة) : بفتح الحاء، وإسكان الرَّاء المهملتين؛ وهي دون الرمح العريض النصل.
[حديث: أن النبي كان يركز له الحربة فيصلي إليها]
٤٩٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان، (عن عبيد الله)؛ بالتصغير: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري القرشي المدني العدوي (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن عبد الله) زاد أبو ذر: (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄: (أنَّ النَّبي) الأعظم، بفتح الهمزة ﷺ كان يُركَز)؛ بِضَمِّ التحتية أوله مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذر والأصيلي: بالفوقية، من الركز بالزاي؛ وهو الغرز في الأرض؛ أي: تُغرَز (له الحَرْبة)؛ أي: عند إرادته الصلاة.
وقال أهل السير: كانت للنبي الأعظم ﷺ حربة دون الرمح يقال لها: العنزة، فكأنَّها صارت بالغلبة علمًا لها؛ قاله الشَّارح.
قلت: ويحتمل أنَّه أطلق عليها الحربة؛ لأنَّ برأسها حربة؛ من إطلاق البعض وإرادة الكل مجازًا، فإنَّ العنزة: هي العكازة، والغالب أن يكون برأسها حربة؛ وهي مقدار نصف الرمح كما قدمناه.
(فيصلِّي) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (إليها)؛ أي: يتوجه إليها ولا يصمد إليها صمدًا؛ لحديث أبي داود عن المقداد قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عود، ولا عمود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمد [له] صمدًا)؛ أي: لا يقابله مستويًا مستقيمًا، بل كان يميل عنه، فالسنة: أنَّ يجعل السترة على أحد حاجبيه، وهو مذهب رأس المجتهدين الإمام الأعظم ﵁؛ فافهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وساقه في الباب قبله، وذكره هنا مختصرًا.
(٩٣) [باب الصلاة إلى العنزة]
هذا (باب) حكم (الصلاة إلى) جهة (العَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون وبالزاي؛ أي: الحربة المركوزة بين المصلي وبين القبلة، وقيل: زُجُّها إلى أسفل، وهي نصف الرمح، وما قيل: إنَّها أقصر من الحربة؛ ممنوع؛ لتصريح أهل السير: بأنه ﵇ كانت له حربة دون الرمح، يقال لها: العَنَزة، كما قدمناه؛ فافهم.
قيل: على المؤلف حذف أحد البابين؛ لوجود التكرار.
وأجيب: بأنَّه لا تكرار لهذا الباب مع سابقه، وفيه تأمل؛ فافهم.
[حديث: خرج علينا رسول الله بالهاجرة فأتي بوضوء]
٤٩٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا آدم)؛ بالمد: هو ابن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج (قال: حدثنا عَون) بفتح العين المهملة وبالنُّون (بن أبي جُحيفة) بِضَمِّ الجيم مصغرًا (قال: سمعت أبي)؛ أي: أبا جُحيفة، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي (قال) وللأصيلي: (يقول) : (خرج علينا رسول الله) : ولأبوي ذر والوقت: (النَّبي) الأعظم ﷺ أي: إلى الصحراء ونحن هناك (بالهاجرة)؛ أي: فيها؛ وهي وقت اشتداد الحر عند الظهيرة، (فأُتي) بِضَمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (بوَضوء)؛ بفتح الواو؛ أي: ماء للوضوء (فتوضأ)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ؛ أي: وضوءه للصلاة (فصلى) بالفاء، وفي رواية: بالواو (بنا) أي: معشر الصَّحابة (الظُّهرَ والعصرَ)؛ بالنصب على المفعولية والعطف؛ أي: صلى الظُّهر أولًا في وقتها، فلما فرغ منها؛ دخل وقت العصر، فقام فصلى بهم العصر، فتكون صلاته في وقتين حقيقة، وإنَّما عبر عنهما بوقت واحد ظاهرًا مجازًا؛ لقرب وقتهما، ولقلة الزمن بينهما، لا أنَّه ﵇ جمع بينهما بوقت واحد كما يتوهمه المخالفون؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل عليه؛ لأنَّه لما خرج بالهاجرة -وهي اشتداد الحر-، وهو قرب العصر؛ فاشتغل بالوضوء وصلاة الظُّهر، وهو يحتمل المدة، فلما فرغ من ذلك؛ دخل وقت العصر وهو في صلاة الظهر، أو حين فرغ منها، والصلاة إذا وقعت تحريمتها في الوقت؛ فهي أداء لا قضاء، وهذا ظاهر لمن له أدنى وقوف على معرفة
стр. 712
معاني الكلام.
(وبين يديه) بالتثنية (عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون؛ وهي مقدار نصف الرمح، والجملة حالية، قال الشَّارح: (قيل: فيه تكرار؛ لأنَّ العنزة هي الحربة، ورُدَّ بأنَّ الحربة غير العنزة؛ لأنَّ الحربة: هي الرمح العريض النصل، والعنزة: مثل نصف الرمح) انتهى؛ فافهم.
(والمرأة والحمار يمرون من ورائها)؛ أي: العَنَزة، والجملة أيضًا حالية، قال إمام الشَّارحين: (كان القياس في ذلك أن يقال: يمران؛ بلفظ التثنية؛ لأنَّ المذكور مثنى، وهو المرأة والحمار، ووجهوا هذا بوجوه، وأوجهها ما قاله ابن التين: فيه إطلاق اسم الجمع على التثنية، قال: لأنَّ مثل هذا وقع في الكلام الفصيح) انتهى.
قلت: وعلى هذا فلا خلاف في الكلام ولا تقدير، وزعم العجلوني: ولا بد من حذف في الكلام؛ ليطابق (يمرون) بالجمع، وإلا؛ فالظَّاهر: يمران، أي: والمرأة والحمار وغيرهما؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]؛ أي: ومن أنفق من بعده؛ والتقدير: والمرأة والحمار وراكبه.
قال ابن مالك: (فحذف الراكب؛ لدلالة الحمار عليه، وغلب تذكير الراكب أيضًا المفهوم على تأنيث المرأة، وكذا (١) الفعل على الحمار، فقال: «يمرون»؛ كقوله: راكب البعير طليحان؛ أي: البعير وراكبه طليحان) انتهى.
قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ فيه حذفًا وتقديرًا، وعدم الحذف والتقدير أولى عند المحققين، وانظر تكرار كلامه بلا فائدة.
وقال إمام الشَّارحين: (وتوجيه ابن مالك فيه تعسف وبُعْدٌ عن الظَّاهر) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ ما وجهه ابن مالك واقع في الفصيح، وجَارٍ على القواعد، انتهى.
قلت: كيف يكون جاريًا على القواعد، والقاعدة عند النحاة: إذا اجتمع التقدير وعدمه؛ فعدم التقدير أولى، وكأنَّه لم يطلع على هذه القاعدة، وكون ما وجهه واقع في الفصيح مسلم، لكنه على سبيل القلة والندور، وما قاله ابن التين جار على الفصيح الكثير المشهور المتواتر، وإذا اجتمع المشهور والنادر؛ فالمشهور أولى عند المدققين.
وزعم ابن حجر أنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: (والناس والدَّواب يمرون)، والظَّاهر أنَّ الذي وقع هنا من تصرف الرواة، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (قوله: «كأنَّه أراد الجنس»؛ هذا ليس بشيء؛ لأنَّه إذا أريد الجنس؛ يراد به: جنس المرأة وجنس الحمار، فيكون تثنية، فلا يطابق الكلام.
وقوله: «والظَّاهر...» إلخ: هذا أيضًا ليس بشيء؛ لأنَّ فيه نسبتهم إلى ذكر ما (٢) يخالف القواعد) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ الجنس في المرأة والحمار يصدق بأفراد كثيرة، فلا يكون تثنية، وكونه مخالفًا للقواعد فيه أنَّه موافق لها، وإن كان غيره هو الظَّاهر، انتهى.
قلت: هذا كلام بارد من ذهن شارد؛ لأنَّه وإن كان يصدق على أفراد، لكنه تثنية حقيقة؛ لأنَّ مسمى المرأة واحد، وكذا مسمى الحمار واحد، فلا يكون إلا تثنية على أنَّه لا يصح هنا إرادة الجنس؛ لأنَّه ليس هناك غيرها، فإرادة العهد صواب، ويدل عليه أنَّه ﵇ خرج للصحراء، وهناك ليس بمقر للنساء والحُمُر، فالصَّواب: كون اللَّام فيه للعهد.
وكونه موافقًا للقواعد؛ ممنوع، فأي قاعدة توافق ما زعمه؟ فإنَّ الرواة يشترط فيهم الحفظ والأمانة، وما زعمه ينافيه؛ لأنَّهم لا يصدر منهم نقص في الألفاظ، ولا تغيير، ولا تبديل، وما زعمه ينافيه مع ما فيه من الجرأة وسوء الأدب بالصَّحابة الذين قال فيهم النَّبي الأعظم ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» ﵃ أجمعين، فلا عليك من كلامه، ويجب اجتنابه؛ فافهم.
[حديث: كان النبي إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ومعنا]
٥٠٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن حاتِم) بكسر الفوقية (بن بَزِيْع)؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الزاي، وسكون التحتية آخره مهملة: هو أبو بكر أو أبو سعيد البصري، نزيل بغداد، المتوفى سنة تسع وأربعين ومئتين (قال: حدثنا شاذان)؛ بالشين والذَّال المعجمتين، تثنية شاذ، هو ابن عامر البغدادي، (عن شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عطاء) بالمد (بن أبي مَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية، واسمه منيع، هو البصري الثِّقة أبو معاذ، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئة (قال) وفي رواية: (يقول) : (سمعت أنس بن مالك) هوالأنصاري البصري ﵁ (قال)؛ أي: أنس، والجملة فعلية محلها نصب مفعول ثان لـ (سمعت) أو حال (كان النَّبي) الأعظم ﷺ إذا خرج)؛ أي: من حجرته، أو من بين الناس إلى الصحراء (لحاجته)؛ أي: للتخلي من البول أو الغائط؛ (تبعته)؛ أي: ذهبت معه، وذلك على الدوام والاستمرار كما يفيده التعبير بـ (كان)، وهذا قبل اتخاذ الكنف في البيوت، وهو جواب (إذا) (أنا)؛ بالرفع تأكيد للضمير المرفوع في (تبعته)، ويعطف عليه قوله: (وغلام) : لم يعلم اسمه، وفي رواية الإسماعيلي في باب (من حمل معه الماء لطهوره) : (أنا وغلام من الأنصار)، وعند المؤلف هناك: (وغلام منا)؛ أي: من قومنا أو من خدمه ﵇، ويحتمل أنَّ في التعبير قلبًا، وأصل الكلام: تبعته وأنا غلام؛ لأنَّ أنسًا كان يخدمه ﵇ حين جاءت به أمه وهو صغير لم يبلغ الحلم، فقالت: خذ هذا يخدمك، وكانت تقول للنبي الأعظم: خويدمك (٣) أنس ادع (٤) له، فعلى هذا لم يكن معه أحد، لكن قد يقال: إنَّهما اثنان، ويدل عليه قوله: (ومعنا)؛ فإنَّه يدل على الجمع، وقد يقال: المراد بالجمع ما فوق الواحد، ويحتمل تعدد القصة؛ فافهم، (عُكَّازة) : الجملة حالية، وهي -بضم العين المهملة، وتشديد الكاف، وبالزاي- عصًا ذات زج من حديد في أسفلها، وقد تكون بدون زُج.
وزعم ابن المُنَيِّر: فيه دليل حَسَنٌ للصوفية على اتخاذ العكاز وما أدى نجوًا إلا هذا النجو، ثم اتبعهم أعرامهم فيه، انتهى.
قلت: فيه نظر، فإنَّ حمل العكازة يستحب لكل [من] بلغ سن الأربعين، وإنَّما خص المتصوفة؛ لأنَّهم يتجاهرون بحمل العكازة، ولبس الخرقة على رؤوسهم وأجسادهم وغير ذلك مما يدل على مقصدهم من الرياء والسمعة، ومشيهم في الأسواق؛ ليراهم الناس أنَّهم الزهاد في الدنيا وما هو إلا مخرفة وهزأة، لما يشاهد ممن ادعى ذلك كثرة الحب للدنيا والإقبال على أهلها وطلب ما بأيديهم، وهو خلاف فعلهم، كما لا يخفى.
وقوله: (وما أدى...) إلى آخره: ممنوع؛ لما رواه الدارقطني في «أفراده» عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله؛ أراك تدخل الخلاء ثم يجيء الرجل يدخل بعدك، فما يرى لما خرج منك أثرًا، فقال: «أما علمتِ أنَّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء؟».
وفي «الشفا» : عن ابن سعد عن عائشة أنَّها قالت للنبي ﷺ : إنَّك تأتي الخلاء، فلا نرى منك شيئًا من الأذى، فقال: «يا عائشة؛ أوما علمت أنَّ الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء؟» انتهى؛ فافهم.
وقد نقل العجلوني كلام ابن المُنَيِّر ولم يتكلم عليه، إمَّا من التعصب، وإمَّا من قلة البضاعة، والله أعلم؛ فافهم.
(أو قال) أي: أنس: (عصًا)؛ أي: بدل العكازة، وكلمة (أو) للشك
стр. 713
من الراوي، والمراد بالعصا: عود صغير طول ذراع فأكثر في غلظ الإبهام فأكثر، وإنَّما قلنا هذا؛ ليحصل الفرق [بين] العصا والعكازة؛ لأنها وإن كان الغالب فيها زج حديد إلا أنَّها تكون بدونه، وهي يعتمد عليها في المشي والقيام ونحوهما، بخلاف العصا، فإنَّه لا يعتمد عليها؛ لعدم قوتها فتنكسر؛ فافهم، (أو عَنَزة)؛ بفتح العين المهملة والنُّون والزاي رواية الأكثرين، ففيه المطابقة للتَّرجمة، قال إمام الشَّارحين: (وفي رواية المستملي والحموي: «أو غَيْره»؛ بالغين المعجمة، وسكون التحتية، وبالرَّاء المهملة، فإن صح هذا؛ فليس فيه ما يطابق التَّرجمة، والضمير فيه يرجع إلى غير العكازة والعصا؛ والتقدير: أو غير كل واحد منهما) انتهى.
وزعم ابن حجر أنَّ هذه الرواية تصحيف.
وردَّه الشَّارح، فقال: (كيف يكون تصحيفًا وهي رواية المستملي والحموي، فكأنَّ هذا القائل ارتكب هذا؛ لئلا يقال: إنَّ الحديث لا يطابق التَّرجمة) انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ القاضي عياض قال: (الصَّواب: الرواية الأولى؛ لموافقتها للأمهات)، قال: (وبه يندفع الاعتراض، وقد يقال: إنَّ المطابقة حاصلة على هذه الرواية أيضًا؛ لأنَّ «أو غيره»؛ -أي: غير المذكور من العصا والعكازة- يشمل العنزة، أو هي في معنى أحد المذكورات) انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه، وقول القاضي: (الصَّواب...) إلخ: لا يدفع هذا الاعتراض؛ لأنَّ فيه تسليم الرواية الثانية غاية ما فيه ترجيح الرواية الأولى، وهو غير دافع، على أنَّ المقرر عند المحدثين: أنَّ المستملي أحفظ الرواة، فكيف يقال فيه أنَّه مصحف مع رواية الحموي مثله؟ فالقول بأنَّهما تصحفا الرواية قول صادر من غير تأمل، ولا يعول عليه، ويجب اجتنابه.
وقوله: (وقد يقال...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه على ما زعمه، وإن كان يشمل العنزة على بُعْدٍ، لكنه غير مذكور في الحديث، وعليه فلا يطابق التَّرجمة، كما لا يخفى على أنَّه أتى بالعكازة والعصا بالتنكير، وهو يدل على الجنس، فيكون قوله: (أو غيره) على الرواية الثانية؛ أي: غير المذكور من جنس العصا والعكاز، وهو لا يشمل العنزة، فلا يطابق.
وقوله: (أو هي...) إلخ: ممنوع أيضًا؛ لأنَّ كونها في معنى المذكورات هي العصا والعكاز نفسهما غير أنَّه يحتمل التخالف في أنواع الشجر؛ كالعود من الرمان، أو الزيتون، أو النخل، أو نحوها، وعليه فلا مطابقة للتَّرجمة أيضًا، وهذا صريح في تسليمه عدم المطابقة، وعلى كل حال العنزة على الرواية الثانية غير مذكورة قطعًا، فلا مطابقة فيه للتَّرجمة؛ فافهم.
(ومعنا إِدَاوة)؛ بكسر الهمزة، وتخفيف الدَّال المهملة: إناء صغير من جلد؛ كالسطيحة مملوءة ماء، والجملة حالية أو مستأنفة (فإذا فرغ) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (من حاجته)؛ أي: البول والغائط؛ أي: قضائها؛ (ناولناه الإِداوة)؛ أي: ليتوضأ بالماء الذي فيها بعد استنجائه بالأحجار، ويحتمل أنَّه ليستنجي بالماء، والظَّاهر: الأول؛ لأنَّه ﵇ من عادته الدوام على الوضوء؛ لمناجاة ربه، فلا يمكث على غير طهارة، وبقضاء حاجته انتقضت طهارته؛ فلذا أخذ الإداوة لأجل الوضوء، كما لا يخفى، واستظهر العجلوني تبعًا لابن الملقن الثاني تعصبًا، قال: (لأنَّ العادة في الوضوء الصب على اليد) انتهى.
قلت: هذا ممنوع؛ لأنَّ عادته ﵇ أخذ الإداوة بيده، ويصب على الأخرى، فيجمع الماء فيها ويتوضأ، وهذه عادة شائعة عند الخاص والعام، وكون العادة في الوضوء الصب؛ ممنوع؛ لأنَّه فعل المترفهين المتكبرين لا يليق بالمتعبدين، والنَّبي الأعظم ﷺ سيد المتواضعين، ويدل عليه الحديث المرفوع: «أنا لا أستعين في وضوء بأحد»، قاله ﵇ لعمر بن الخطاب وقد بادر لصب الماء عليه؛ فافهم.
وقال ابن بطال: (فيه الاستنجاء بالماء).
وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بصريح؛ لأنَّ قوله: «فإذا فرغ من حاجته» يشمل الاستنجاء بالحجر، ويكون مناولة الماء لأجل الوضوء) انتهى.
قلت: وهذا هو الظَّاهر، كما قدمناه.
واعترضه العجلوني بأنَّه غير وارد؛ لأنَّه لم يدَّعِ الصراحة، انتهى.
قلت: ممنوع، بل هو وارد؛ لأنَّ اللَّفظ أعم شامل لكل منهما، وإن كان الظَّاهر الوضوء، وابن بطال لما جزم بقوله: (وفيه...) إلخ؛ دل هذا على دعواه الصراحة، على أنَّ إمامنا الشَّارح مراده أنَّ لفظ الحديث أعم، واقتصاره عليه دليل على أنَّه مدعي الصراحة؛ فافهم، ولا تغتر بكلام العجلوني، فإنَّه رأس المتعصبين؛ فاجتنبه.
وقال ابن بطال: (فيه: خدمة السلطان والعالم).
واعترضه الشَّارح، فقال: (حصره في الاثنين لا وجه له، والأحسن أن يقال: فيه خدمة الكبير) انتهى.
قال العجلوني: (تأمل قوله: «والأحسن» مع قوله: «لا وجه له») انتهى.
قلت: هذا القائل لم يقف على معاني الكلام، فإنَّ معنى قوله: (الأحسن...) إلخ؛ أي: الحسن والصَّواب، و (أفعل) التفضيل ليس على بابه، وليس في كلام ابن بطال حسن أصلًا؛ لأنَّه قاصر، والتعبير بالكبير هو الصَّواب؛ لأنَّه أعم وأشمل، وانظر تقديم السلطان على العالم، فإنَّ فيه سوء الأدب بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وهم الحكام على السلاطين والأمراء، كما لا يخفى.
وفي الحديث: استحباب اتخاذ العنزة ونحوها مع قاضي الحاجة؛ لأجل أن ينبش بها الأرض الصلبة؛ لئلا يعود عليه شيء من الرشاش، ولأجل أن يركزها المصلي أمامه يستتر بها عن المارين كما فعله ﵇.
ومذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمة المجتهدين: يستحب للمصلي أن يغرز سترة؛ لما تقدم من الأحاديث، وتكون طول ذراع فصاعدًا؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «يجزئ من السترة قدر مؤخر الرحل، ولو بِدِقَّةِ شعر»، رواه الحاكم على شرط الشيخين، وتكون في غلظ الإصبع؛ لأنَّه أدنى ما يظهر للناظر، والمقصود أن يظهر للمارين، وفي أقل من ذلكلا يحصل، وقوله ﵇: «ولو بدقة شعر» خرج مخرج النادر على سبيل المبالغة في وضع السترة، يدل عليه حديث: «ليستتر أحدكم ولو بسهم»، فإن لم يجد ما ينصبه؛ فليَخُطَّ خطًّا بالعرض مثل الهلال؛ لما في السنن مرفوعًا: «إن لم يكن معه عصا؛ فليخط خطًّا»، وقيل: يخط مدور كالمحراب، كما في «شرح النقاية» للقهستاني و «الإمداد»، ومثله في «شرح المشكاة» لإمام المحدثين المنلا القاري.
وقال ابن بطال: (وقال مالك: أقل ما يجزئ المصلي من السترة غلظ الرمح والعصا وارتفاع ذلك قَدْر عظم الذراع، ولا يجيز الخط غير الشَّافعي) انتهى.
قلت: وحصره ممنوع، فإنَّ إمامنا الأعظم يقول به
стр. 714
كما قدمناه للحديث، وهو قول أحمد ابن حنبل كما صرح به صاحب «المنتهى»، والسترة عنده؛ كما عند الحنفية والشَّافعية، وهو قول الثَّوري وعطاء، ومن المعلوم أنَّ الصلاة بدون سترة صحيحة، لكنها مكروهة؛ فانظر كيف حصر ابن بطال الجواز في الشَّافعي من عدم اطلاعه على الأحكام في المذاهب، وقدمنا الكلام عليه فيما سبق؛ فافهم.
(٩٤) [باب السترة بمكة وغيرها]
هذا (باب) حكم (السترة) المركوزة بين المصلى وبين الكعبة (بمكة وغيرها)؛ أي: من سائر الأماكن؛ لدرء المارين عنه، والمراد بالحكم الاستحباب؛ لحديث الباب.
قال إمام الشَّارحين: (إنَّما قيد بمكة؛ دفعًا لما يتوهم أنَّ السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة، وكل من يصلِّي في مكان واسع؛ فالمستحب له أن يصلِّي إلى سترة بمكة كان أو غيرها، إلا أن يصلِّي بمسجد مكة بقرب القبلة حيث لا يمكن لأحد المرور بينه وبينها، فلا يحتاج إلى سترة؛ إذ قبلة مكة سترة له، فإن صلى في مؤخر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه، أو في سائر بقاع مكة إلى غير جدار أو شجرة أو ما أشبهها؛ فينبغي له أن يجعل أمامه ما يستره من المرور بين يديه، كما فعل الشَّارع حين صلى بالبطحاء إلى عنزة، والبطحاء خارج مكة) انتهى.
[حديث: خرج رسول الله بالهاجرة فصلى بالبطحاء]
٥٠١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حَرْب) بفتح المهملة، وسكون الرَّاء، ضد الصلح (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن الحَكَم)؛ بفتحتين: هو ابن عتيبة -بالتصغير-، التَّابعي الصغير الكوفي، (عن أبي جُحيفة)؛ بِضَمِّ الجيم مصغرًا: هو وهب بن عبد الله السُّوائي الكوفي (قال) وفي رواية: (يقول) : (خرج رسول الله ﷺ : يحتمل أنَّه من حجرته أو من مكة، وفي رواية تقدمت في باب (استعمال فضل وضوء الناس) : أنَّ خروجه كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح (بالهاجرة)؛ أي: في سفر؛ وهي وقت اشتداد الحر في وسط النهار، (فصلى بالبطحاء)؛ أي: بطحاء مكة، ويقال: الأبطح أيضًا، وهو خارج مكة (الظُّهر والعصر)؛ أي: أنَّه صلى الظُّهر أولًا، ثم دخل وقت العصر فصلاه؛ لأنَّ خروجه ووضوءه وصلاته الظُّهر يحتاج إلى مدة طويلة تستغرق وقت الظُّهر، فلما فرغ منها أو في أثنائها؛ دخل وقت العصر فصلاه، فليس فيه أنَّه جمع بينهما كما زعمه بعض الناس؛ لأنَّه مخالف لعادته ﵇؛ فافهم، وقوله: (ركعتين) : يتعلق بكل واحد من الظُّهر والعصر؛ أي: كل واحدة منهما ركعتين قصرًا للسفر، (ونَصَبَ)؛ أي: أمر أن ينصب، وفي نسخة: بالبناء للمفعول (بين يديه) بالتثنية؛ أي: أمامه (عَنَزَة)؛ بفتح المهملة والنُّون والزاي: أقصر من الرمح، وأطول من العصا، وفيها زُجٌّ كزج الرمح، وإنَّما صلى إليها؛ لأنَّه ﵇ كان في الصحراء، فإنَّ الصلاة في المسجد الكبير لا تحتاج إلى سترة، غاية ما فيه أنَّه يحرم المرور في موضع سجوده، وحد المسجد: أن يكون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا؛ فافهم.
(وتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، ويحتمل في هذه الواو أن تكون للحال، ويحتمل أن تكون للعطف، وعلى الثاني لا يقال: كيف نصب العنزة والوضوء قبل الصلاة؟ فكيف عكس؟ لأنَّا نقول: إنَّ الواو للعطف لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا، ولا تعقيبًا، ولا معية؛ كما هي الأصل، كما في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...﴾؛ الآية [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ...﴾؛ الآية [آل عمران: ٥٥]، وأمثال ذلك في الفصيح كثير، (فجعل الناس) أي: الصَّحابة (يتمسحون بوَضوئه)؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنَّهم اقتسموه بينهم، أو كانوا يتناولون من الذي يتقاطر حين التوضؤ، والأول أظهر بالسياق، وإنَّما كان تمسحهم به؛ لأجل التَّبرك به؛ لكونه مس جسده الشَّريف المقدس، ففيه: بيان أنَّ الماء المستعمل طاهر، وعلى الأول فالماء طاهر مع ما حصل له من التَّشريف والبركة بوضع يده فيه، والتَّمسح تفعل، كأنَّ كل واحد منهم مسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]؛ أي: يشربه جرعة بعد أخرى، أو هو من باب التكلف؛ لأنَّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعنَّى لتحصيله، ويتكلف بتناوله، كـ (تشجَّع) و (تصبَّر)، وجملة (يتمسحون) : في محل نصب خبر (جعل) الذي هو من أفعال المقاربة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة من قوله: (فصلى بالبطحاء)؛ لأنَّها في مكة، ولمَّا كان فضاء؛ نُصِب له بين يديه عنزة، فصلى إليها، وقد سبق في الباب قبله وفي باب (استعمال فضل وضوء الناس).
وفيه: التَّبرك بآثار الصالحين.
وفيه: استحباب وضع العنزة أمام المصلي في الصحراء؛ لدرء المارِّين.
قال ابن بطال: (المعنى في السترة للمصلي: دفع المارِّ بين يديه، فمن صلى في مكان واسع؛ فالمستحب له أن يصلِّي إلى سترة بمكة أو غيرها، ويكره له ترك ذلك) انتهى.
وزعم ابن حجر: (إنَّ الذي أظنه أنَّ البخاري أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق بـ «باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء»، ثم أخرج عن المطلب أنَّه قال: «رأيت النَّبي ﷺ يصلِّي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم -أي: الناس- سترة»، وأخرجه أيضًا أصحاب «السنن»، وهو معلول وإن كان رجاله موثَّقين فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث، وأنَّه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، وهذا هو المعروف عند الشَّافعية، ولا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها، واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطَّائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة: جواز ذلك في جميع مكة) انتهى.
قلت: وفيه نظر، فإنَّ المؤلف في بيان أحكام سترة المصلي، ومن جملة المصلين المصلي بمكة، فأشار بترجمته إلى دفع ما يتوهم أنَّ مكة لا يحتاج المصلي فيها إلى سترة؛ لقرب القبلة إليه، وأراد أنَّه لا فرق في وضع السترة بين مكة وغيرها.
وكونه أشار إلى ضعف الحديث؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يشر إليه في شيء، فهو بعيد عن النَّظر على أنَّه كيف يقول: رجاله موثَّقون، ويقول: إنَّه معلول، فهذا تناقض في الكلام والمعاني، وكون ما ذكره المعروف عند الشَّافعية، كذلك هو المعروف عند الأئمة الحنفية والمالكية، وإنَّما اغتفر بعض الفقهاء ذلك للطَّائفين، لم يبين ما هم، ولعل وجهه أن المسجد كبير حينئذٍ لا يحتاج إلى سترة، أو أنهم يصلُّون في مكان من جهة القبلة بحيث لا سبيل للمارِّين إليه، وتعليله بالضرورة فيه نظر؛ إذ لا ضرورة فيه، والله أعلم.
(٩٥) [باب الصلاة إلى الأسطوانة]
هذا (باب) حكم (الصلاة) مطلقًا (إلى) جهة (الأُسْطُوانة) إذا كان في موضع فيه أُسطُوانة، وهي بِضَمِّ الهمزة والطاء المهملة، وسكون المهملة بينهما؛ وهي السارية، معرَّب أستون، قال إمام الشَّارحين:
стр. 715
(والنُّون فيها أصلية، ووزنها: «أُفعوالة»؛ مثل: أُقحوانة؛ لأنَّه يقال في أساطين: مسطنة، وقال الأخفش: وزنها «فعلوانة»، وهو يدل على زيادة الواو والألف والنُّون، وقال قوم: وزنها «أفعلانة»، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما جمع على أساطين؛ لأنَّ ليس في الكلام «أفاعين») انتهى.
وزعم ابن حجر الغالب أنَّ الأسطوانة تكون من بناء بخلاف العمود، فإنَّه من حجر واحد.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (الغالب لا طائل تحته، ولا نسلم أنَّ العمود يكون من حجر واحد؛ لأنَّه ربما يكون أكثر من حجر واحد، ويكون من خشب أيضًا) انتهى.
والمراد بالحكم: الاستحباب؛ للأحاديث السَّابقة واللاحقة.
وقال ابن بطال: (لمَّا تقدم أنَّه ﵇ كان يصلِّي إلى الحربة؛ كانت الصلاة إلى الأسطوانة أولى؛ لأنَّها أشد سترة).
واعترضه ابن حجر، فقال: (إفادة ذلك بالنص على وقوعه أعلى من الفحوى) انتهى.
قلت: أراد بالنص حديثي الباب، وفيه أنَّه لمَّا تقدم أنَّه ﵇ كان إلى الحربة يصلِّي؛ علم منه مشروعية السترة بالحربة، ولمَّا كانت الأسطوانة أشد سترة؛ علم أنَّها أولى بالستر من غيرها، وحديثي الباب ليس بصريح في ذلك، فلا يقال: إنَّه نصٌّ بذلك، كما لا يخفى، فكأنَّه لمَّا كان في الحكم سواء؛ أشار لما تقدم؛ لأنَّه أظهر، هذا معنى كلام ابن بطال، وبه اندفع ما زعمه ابن حجر؛ فافهم.
(وقال عمر) هو ابن الخطاب، أمير المؤمنين، ثاني خلفاء سيد المرسلين ﵁: (المصلون)؛ أي: الذين يدخلون المسجد لأجل الصلاة فيه، وكذلك تلاوة القرآن والذكر (أحق) أي: أولى (بالسواري)؛ أي: في التستر بها لصلاتهم، وهي جمع سارية؛ وهي الأسطوانة، كما قاله ابن الأثير والجوهري، والظَّاهر أن السارية من ذوات الياء، قاله إمام الشَّارحين (من المتحدثين إليها) : متعلق بـ (المتحدثين) جمع متحدث؛ بمعنى المتكلم؛ أي: المتكلمين، ووجه الأحقية ما قاله الشَّارح: (أنَّ المصلين والمتحدثين مشتركان في الحاجة إلى السارية، فالمتحدثون إلى الاستناد إليها، والمصلون لجعلها سترة لصلاتهم لكن المصلين في عبادة، فكانوا أحق بها) انتهى.
قلت: وأفاد قوله: (أحق) إلى أنَّ المتكلمين في المسجد هم في عبادة؛ حيث إنَّهم ينتظرون الصلاة، فكأنَّهم في الصلاة حكمًا، يدل عليه قوله ﵇: «إنَّكم في صلاة ما انتظرتموها» كما سبق في «الصَّحيح»، والمصلون يصلُّون حقيقة، فهم أولى بها، وأفاد أنَّ التحدث في المسجد غير مكروه إذا كان مباحًا ولم يترتب عليه مفسدة؛ كغيبة ونحوها، وقد ابتلي به أكثر الناس.
قال الشَّارح: (وهذا التَّعليق وصله أبو بكر ابن أبي شيبة والحميدي من طريق هَمْدان -بَريد عمر؛ أي: رسوله إلى أهل اليمن- عن عمر ﵁ به، وهَمْدان؛ بفتح الهاء، وسكون الميم، وبالدَّال المهملة، ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ السواري هي الأساطين) انتهى.
(ورأى) عبد الله (ابن عمر) هو ابن الخطاب ﵄، كذا وقع بإثبات (ابن) في رواية أبي ذر، والأصيلي، وغيرهما، وعند البعض: (رأى عمر)؛ بحذف (ابن)، كذا قاله الشَّارح، وزعم ابن حجر أنَّ حذف (ابن) أشبه بالصَّواب؛ لأنَّه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» من طريق معاوية بن قرة بن إياس عن أبيه-وله صحبة- قال: (رآني عمر وأنا أصلي)، فذكر مثله سواء، ولكن زاد: (فأخذ بقفاي)، وبه عرف تسمية المبهم المذكور في التَّعليق، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (رواية الأكثرين أشبه بالصَّواب مع احتمال أن تكون قضيتان إحداهما عن عمر، والأخرى عن ابنه، ولا مانع لذلك، وقوله: «وبه عرف...» إلخ، هذا إنَّما يكون إذا تحقق اتحاد القضية) انتهى.
قلت: والظَّاهر أنَّهما قضيتان، كما لا يخفى.
(رجلًا) : سبق أنَّه قرَّة المزني على ما زعمه ابن حجر، وفيه ما علمت؛ فافهم (يصلِّي) أي: في المسجد النَّبوي (بين أُسْطُوانتين)؛ بِضَمِّ الهمزة والطاء، تثنية أُسطوانة؛ وهي السارية؛ أي: بغير سترة أمامه والناس يمرون أمامه (فأدناه)؛ أي: قربه من الإدناء (١)؛ وهو التقريب؛ أي: قرب عمر أو ابنه الرجل (إلى سارية)؛ أي: أُسطوانة من الذين صلى بينهما، (فقال) أي: عمر أو ابنه للرجل: (صلِّ إليها)؛ أي: متوجهًا إليها، وإنَّما كره عمر ذلك؛ لانقطاع الصفوف، قاله ابن التين، وقيل: أراد بذلك أن تكون صلاته إلى سترة، كذا في «عمدة القاري».
قلت: والظَّاهر الثاني؛ لأنَّ الرجل كان يصلِّي وحده منفردًا، فلو كان يصلِّي بجماعة؛ لم يقل له ذلك؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه كما ثبت فيما سبق، ويدل عليه قوله: (صلِّ إليها)، فلو كان مقتديًا؛ فسترته لا تفيد شيئًا، كما لا يخفى، فما زعمه ابن التين ليس بشيء؛ فافهم.
وفي الأثر المذكور: دليل على أنَّ المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين غير مبطل للصلاة؛ لأنَّ عمر أدناه إلى إحدى (٢) الساريتين وهو في الصلاة.
وفيه: جواز تكليم المصلي؛ لأنَّ عمر قال له: (صلِّ إليها) ولم يتكلم الرجل؛ لأنَّه ممنوع من الكلام؛ حيث إنَّه في الصلاة؛ فافهم.
وفيه: وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
وفيه: أنَّ الإمام أو غيره إذا رأى منكرًا؛ يغيره بيده، كما فعل عمر ﵁، وإلا؛ فبلسانه، وإلا؛ فبقلبه، وهو أضعف الإيمان.
وزعم ابن حجر أنَّ البخاري أراد بإيراد أثر عمر: أنَّ المراد بقول سلمة: (يتحرى الصلاة عندها)؛ أي: إليها، وكذا قول أنس: (يبتدرون السواري)؛ أي: يصلُّون إليها، انتهى.
قلت: هذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان مراده ما ذكر؛ لكان حقه أن يذكر الحديثين أولًا، ثم التَّعليق بعدهما؛ ليكون تفسيرًا لهما، ولمَّا قدَّم ذكر التَّعليق عليهما؛ عُلِم منه أنَّه لم يرد ذلك لا بإشارة ولا غيرها، وأنَّه جرى على عادته من ذكر التَّعاليق ثم الأحاديث تحت ترجمته، ومعلوم أنَّ الصلاة عندها؛ أي: إليها متوجهًا؛ لأنَّ المؤلف في معرض السترة للمصلي، فما زعمه بعيد عن النَّظر؛ فافهم.
[حديث: رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها]
٥٠٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا المكي) زاد الأصيلي: (ابن إبراهيم) هو البلخي (قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد)؛ بالتصغير: هو الأسلمي مولى سلمة ابن الأكوع (قال: كنت) بصيغة المتكلم (آتي) بمد الهمزة للمتكلم من الإتيان (مع سَلَمَة)؛ بفتحات (ابن الأكوع) : واسمه سنان بن عبد الله الأسلمي المدني، الصَّحابي المشهور؛ يعني: إلى المسجد النَّبوي للصلاة (فيصلي)؛ أي: سلمة، وفي نسخة: (فنصلي)؛ بالنُّون؛ أي: أنا وهو (عند الأُسطُوانة)؛ بِضَمِّ الهمزة؛ أي: السارية، فاللَّام فيها للعهد، وهي المتوسطة في الروضة، وتعرف بأُسطوانة المهاجرين (التي عند المصحف)؛ أي: المعهود الذي كان في المسجد، قال الشَّارح: وهذا يدل على أنَّه كان في المسجد النَّبوي موضع خاص للمصحف الذي كان ثمة من عهد عثمان بن عفان ﵁، ووقع عند مسلم بلفظ: (يصلي وراء الصندوق)، وكأنَّه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، انتهى.
وقوله: (فقلت) من كلام يزيد؛
стр. 716
أي: قال: يزيد لابن الأكوع: (يا با مسلم) : أصله (يا أبا) : حذفت الهمزة تخفيفًا، وهذا كنية سلمة ابن الأكوع (أراك) أي: أبصرك (تتحرى) أي: تجتهد، وتختار، وتقصد (الصلاة عند هذه الأسطوانة)؛ أي: من بين أساطين المسجد، فتخصها بالصلاة عندها، (قال) أي: سلمة: (فإنَّي رأيت النَّبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ ؛ أي: حين يصلِّي في مسجده (يتحرى) أي: يختار (الصلاة عندها)؛ أي: عند أُسطوانة المهاجرين، يحتمل أنَّه كان يخصها رأفة ورحمة بالمهاجرين، ويحتمل لأنَّها مقدمة في السترة على العنزة.
وقال الشَّارح: (وينبغي أن تكون الأسطوانة أمامه ولا تكون إلى جنبه؛ لئلا يتخلل الصفوف شيء ولا يكون له سترة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة من قوله: «فيصلِّي عند الأسطوانة»، وقوله: «يتحرى الصلاة عندها») انتهى.
قلت: وفي الحديث: فضيلة الصلاة عند هذه الأُسطوانة، وروى ابن النجار في «تاريخ المدينة» عن عائشة ﵂ أنَّها كانت تقول: (لو عرفها الناس؛ لاضطربوا عليها بالسهام)، وأنَّها أسرَّتها إلى ابن الزُّبير، فكان يكثر الصلاة عندها، وأنَّ المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، انتهى، ومثله في «أخبار المدينة» لمحمَّد بن الحسن؛ فافهم.
والجمهور على أنَّ المصاحف التي نسخت بأمر الإمام عثمان كانت أربعة، أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة، وآخر للشام، وترك واحدًا عنده بالمدينة.
وقيل: كتب سبعة، بعث واحدًا إلى مكة، وآخر للشام، وآخر لليمن، وآخر للبحرين، وآخر للبصرة، وآخر للكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.
فالمتفق عليها خمس: مصحف الشام، ومكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، واختلف في ثلاثة: مصر، واليمن، والبحرين.
والذي عليه الجم الغفير من العلماء وفضلاء الشام أنَّ المصحف الموجود الآن بالشام في الجامع الشَّريف الأموي في بيت الخطابة، هو الذي عليه دم سيدنا عثمان ﵁ على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وهذا مما بلغ حد التواتر، وهو الصَّواب، وما زعمه أهل مصر أنَّه الموجود في قبة السلطان الغوري؛ فلا أصل له؛ لأنَّه لم يُبْعَث لهم مصحف على قول الجمهور، فكيف يكون عندهم هذا؟ ويدل للأول أنَّ بني أمية كانت سلطنتهم في الشام وكانوا يستصحبون هذا المصحف معهم في الخزائن، فهو هو بلا ريب، والله أعلم.
[حديث: رأيت كبار أصحاب النبي يبتدرون السواري عند المغرب]
٥٠٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قَبِيْصة)؛ بفتح القاف، وكسر الموحَّدة، وسكون التحتية: هو ابن عقبة الكوفي (قال: حدثنا سفيان) هو الثَّوري الكوفي، (عن عَمرو) بفتح العين المهملة (بن عامر) هوالأنصاري الكوفي، قال الشَّارح: (وليس هو والد أسد، فإنَّه بجلي، ولا عمرو بن عامر البصري، فإنَّه سلمي) انتهى، (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) هوالأنصاري خادم النَّبي الأعظم ﷺ أنَّه (قال: لقد أدركت) هكذا في رواية المستملي والحموي، وفي رواية غيرهما: (لقد رأيت) (كِبار) : جمع كبير؛ بمعنى: عظيم؛ ككريم وكِرام (أصحاب) : جمع صاحب، أو اسم جمع له؛ بمعنى: صحابي (محمَّد) هو علم على النَّبي الأعظم نبينا، وفي نسخة: (النَّبي) الأعظم ﷺ والمفعول الثاني لـ (رأيت) أو (أدركت) هو جملة قوله: (يبتدرون السواري)، جمع سارية، وهي الأُسطوانة؛ أي: يتسارعون إليها ليجعلوها سترة لصلاتهم (عند المغرب)؛ أي: عند أذان المغرب، كما صرح به مسلم والإسماعيلي، وهذا الابتدار هو الإجابة للصلاة بالفعل فلا حاجة لإجابة المؤذن حينئذٍ بالقول؛ لأنَّ في ابتدارهم إجابة وزيادة، وليس المراد: بعد إجابة المؤذن؛ لأنَّها مقدمة، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ المراد: أنَّهم لمَّا سمعوا الأذان؛ ابتدروا فهو إجابة بالفعل، وهي أبلغ من الإجابة بالقول.
(وزاد شعبة) هو ابن الحجاج، (عن عَمرو)؛ بفتح العين: هو ابن عامر المذكور، (عن أنس) هو ابن مالك: (حتى) وفي رواية: (حين) (يخرج النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: من بعض حجر نسائه.
قال الشَّارح: (وهذا تعليق وصله البخاري في كتاب «الأذان» من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، وزاد فيه أيضًا: «يصلُّون الركعتين قبل المغرب») انتهى.
وبهذا أخذ الشَّافعي في استنان صلاة ركعتين خفيفتين قبل المغرب، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأهل الظَّاهر.
والمشهور عن أصحاب الشَّافعي عدم استنانهما، بل ولا استحبابهما، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وهو قول أبي بكر الصديق الأكبر، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي الصديق الأصغر ﵁، وهو قول كثير من أصحاب النَّبي الأعظم ﷺ ، وبه قال مالك، وقال إبراهيم النخعي: هي بدعة، وسيأتي في بابه بقية الكلام عليه.
وفي الحديث: استحباب الصلاة أول وقتها.
وفيه: المبادرة للطاعات خصوصًا الصلاة.
وفيه: استحباب الصلاة إلى سترة، ولو كانت مغصوبة، خلافًا لأحمد.
واعلم أنَّ السترة للمصلي على وجوه؛ أحدها: نحو الأُسطوانة، والجدار، والعمود، الثاني: نحو العصا، والحربة المغروزة، والمتاع إذا كانت الأرض صلبة، الثالث: بسط مصلًّى؛ كسجادة مفروشة، الرابع: أن يخط أمامه خطًًا بالعرض مثل الهلال، وقيل: مدور شبه المحراب.
والسُّنة أن يقرب منها؛ لما رواه أبو داود مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها، لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته»، ولا يزيد ما بينها وبينه على ثلاثة أذرع، واعتبار ذلك من عقب القدمين كما صرح به المحشي، وبه قال ابن حجر من الشَّافعية، وخالفه الرملي، وزعم أنَّه من الأصابع، ويجعل السترة على جهة أحد حاجبيه؛ لما رواه أبو داود وغيره عن المقداد أنَّه قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمد [له] صمدًا)؛ يعني: لا يقابلها مستويًا مستقيمًا، بل كان يميل عنها إلى جهة اليمين، وروى أبو داود مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل أمامه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ثم لا يضره ما مرَّ أمامه)، وقاس الأئمة السجادة على الخط، وقدم على الخط؛ لأنَّه أظهر للمارِّين.
ولا بدَّ في جميع هذه المذكورات أن تكون ذراعًا (١) فصاعدًا؛ لما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «يجزئ من السترة قدر مؤخر الرحل»، وروى أصحاب السنن عن عطاء قال: آخرة الرحل: ذراع فما فوقه).
وأن تكون السترة في غلظ الأصبع؛ لأنَّ بما دونها لا يظهر للناظر؛ لحديث أصحاب السنن مرفوعًا: «استتروا في صلاتكم ولو بسهم»، وإطلاق الأحاديث في الأمر بوضع سترة، والسهم ليس بأقل
стр. 717
من غلظ الإصبع، بل غلظها بزيادة، وإطلاق السترة يفيد أن تكون تبدو للناظر ولا يبدو في أقل من ذلك، وهذا مذهب الإمام الأعظم ومالك، وهو حجة على الشَّافعي؛ حيث لم يشترط فيها عرضًا (١)، وهو شامل للخيط، وهو لا يسمى سترة شرعًا ولا لغةً ولا عرفًا؛ فافهم.
وقال الشَّافعي: لا بد أن تكون ثلثي ذراع فأكثر، وما رويناه حجة عليه؛ لأنَّ مؤخر الرحل أقل ما يكون ذراع كما ذكرنا.
وقال العلامة القهستاني: ويستتر بكل ما انتصب؛ كإنسان قائم أو قاعد أو دابة، وفي «القنية» : بظهر رجل لا بوجهه، وفي جنبه قولان، ولا يستر بامرأة غير محرم، واختُلف في المحارم، ولا يستر بنائم، ولا مجنون، ولا مأبون في دبره، ولا كافر، انتهى.
وسيأتي بيان دفع المار في بابه إن شاء الله تعالى.
(٩٦) [باب الصلاة بين السواري في غير جماعة]
هذا (باب) حكم (الصلاة) المفروضة في المسجد (بين السواري) أي: الأساطين والأعمدة (في غير جماعة) قيد بها؛ لأنَّه لا تكره الصلاة بين السواري إذا كان منفردًا اتفاقًا، أمَّا مع الجماعة؛ فمكروهة إذا كان بين الأساطين، وهو شامل لما إذا كان وحده بين الأساطين مقتديًا بالإمام، ولما إذا كان مع جماعة مقتدين بالإمام بين الأساطين، والإمام في الصورتين ليس معهم، بل إمَّا في محرابه أو في قبلة الحائط، أو في تجاه سارية، لكن ظاهر كلام إمام الشَّارحين وغيره أنَّ المنفرد وحده بين الأساطين مقتديًا بالإمام الذي في محرابه ونحوه لا كراهة فيه؛ حيث قال: يعني: إذا كان منفردًا؛ لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، انتهى.
فهذا كما رأيت يشير إلى أنَّه لا كراهة في ذلك، فإنَّ كلامه جامع للصورتين الذين ذكرناهما، ومع هذا؛ فليس فيه ما يقتضي الكراهة كما سيأتي؛ لأنَّه اختلف في علة الكراهة؛ فقيل: إنَّ العلة النَّهي الوارد، وقال إمامنا الشَّارح: (قيد بـ «غير جماعة»؛ لأنَّ ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة) انتهى، وقيل: إنَّ العلة أنَّ بين السواري محل وضع النعال، وقيل: إنَّ العلة كونه موضع مصلى مؤمني الجن، وقيل: خشية أن يمر مار بين يديه.
قلت: وهذه العلل دائرة مع المعلول، فالظَّاهر أنَّ المكروه صلاته وحده منفردًا بين السواري مقتديًا بالإمام، أمَّا مع جماعة مقتدين بين السواري بالإمام؛ فلا كراهة فيه، كما لا كراهة إذا كان منفردًا وحده بين الأساطين بصلاة نفسه، فالصور ثلاثة: واحدة مكروهة، والأخريان لا كراهة فيهما، كما لا يخفى.
[حديث: دخل النبي البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال]
٥٠٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو ابن سلمة المنقري البصري البدري الذي يقال له: التَّبوذكي (قال: حدثنا جُويرية (٢))؛ بِضَمِّ الجيم مصغرًا: هو ابن أسماء الضبعي، واسمه واسم أبيه من الأعلام المشتركة بين الرجال والنساء، (عن نافع) هو مولى ابن عمر، روى عنه هنا بلا واسطة، ويروي عنه أيضًا بواسطة مالك بن أنس، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهماأنَّه (قال: دخل النَّبي) الأعظم ﷺ البيت)؛ أي: الكعبة المشرفة، وفي رواية ابن عمر في باب (الأبواب والغلق للكعبة والمساجد) : (أن النَّبي الأعظم ﷺ قَدِمَ مكة -أي: عام الفتح-، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب، فدخل النَّبي الأعظم ﷺ ؛ أي: البيت (وأسامة بن زيد) هو خادمه، (وعثمان بن طلحة) هو الحجبي صاحب مفتاح البيت، وإنَّما أذن له بالدخول ودخل معه حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة البيت، (وبلال) هو مؤذنه وخادم أمر صلاته، زاد في رواية الباب السَّابق: (ثم أغلق الباب)، وذلك لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم ﷺ ليأخذوها عنه كما شاهدوا، فهذه الرواية دلت على أنَّ الرواية هنا كذلك، ويدل عليه قوله: (فأطال)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ المكث فيه لأجل الصلاة والدعوات، (ثم خرج)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه من البيت، ويستفاد التراخي من قوله: (فأطال)، فقوله: (ثم) : للتأكيد، وفي رواية الباب السَّابق: (فلبث فيه ساعة، ثم خرجوا).
وقوله: (وكنت)؛ بالواو في رواية الأصيلي وابن عساكر، وبحذفها في رواية أبي ذر وكريمة إلى قوله: (أين صلى) من مقول ابن عمر (أول الناس دخل) : جملة حالية، وكلمة (قد) مقدرة (على أَثَره)؛ بفتحتين؛ أي: على عقبه، وهي رواية «اليونينية»، وفي رواية: بكسرٍ فسكونٍ، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: (ثم خرج ودخل عبد الله على إثره أول الناس)؛ أي: دخولًا البيت، (فسألت بلالًا) أي: المؤذن: (أين صلَّى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ ؟ (قال)؛ أي: بلال، ولأبوي ذر والوقت: (فقال) : صلَّى (بين العمودين المقدمين) : وفي رواية الكشميهني: (المتقدمتين).
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.
وفي الحديث: أنَّ الصلاة بين السواري للمنفرد غير مكروهة، وأمَّا مع الجماعة؛ فمكروهة كما بيَّنَّاه، وقال الرافعي: احتج البخاري بحديث ابن عمر عن بلال على أنَّه لا بأس بالصلاة بين الساريتين إذا لم يكن في جماعة، وأشار إلى أنَّ الأَولى للمنفرد أن يصلِّي إلى السارية، ومع هذه الأولوية فلا كراهة في الوقوف بينها، فأمَّا في الجماعة؛ فالوقوف بين الساريتين كالصلاة إلى السارية، انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ فيه نظر؛ لورود النَّهي الخاص عن الصلاة بين السواري، كما رواه الحاكم من حديث أنس بإسناد صحيح، وهو في «السنن» الثلاثة، وحسَّنه الترمذي، انتهى.
قلت: حفظ هذا القائل شيئًا، وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي المذكور محمول على ما إذا صلى وحده منفردًا بين السواري مقتديًا بالإمام، فصلاته مكروهة؛ لأنَّ ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة، أمَّا إذا صلى منفردًا بين الساريتين بغير جماعة؛ فلا كراهة فيه، كما لا كراهة في صلاة المقتدين بين السواري بالإمام في محرابه، وهذا معنى كلام الرافعي، وقال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا.
وقال مالك: لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد، وكان سعيد بن جبيروإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الأئمة الكوفيين، وأجازه ابن سيرين والحسين.
وقال الطَّبري: كره قوم الصف بين السواري؛ للنَّهي الوارد، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إمَّا لأنَّه موضع النِّعال، أو لانقطاع الصف، وقال القرطبي: سبب كراهة ذلك أنَّه مصلى الجن المؤمنين.
وقال ابن بطال: إنَّما يكره أن يكون الصف تقطعه أُسطوانة إذا صلوا جماعة خشية أن يمر أحد بين يديه وإن كان الإمام سترة لمن خلفه، ويستحب أن تكون الأُسطوانة خلف الصف وأمامه يستتر
стр. 718
بها المصلي في الجماعة، انتهى.
قلت: وكلامه مخالف للنص؛ وهو قوله ﵇: «سترة الإمام سترة لمن خلفه»، أخرجه الطَّبراني من حديث أنس، وكذا روي عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، فإنَّ هذا نص على أنَّه إذا صلى الإمام في محرابه والمقتدون خلفه بين الأساطين؛ لا تكره صلاتهم وإن مرَّ أحد أو كلب أو غيرهما؛ لأنَّ سترة إمامهم سترة لهم بالنص، كما لا يخفى.
وقوله: (ويستحب...) إلخ: هذا إذا كان الإمام قدام الصف محكمًا، أما إذا كان الإمام في محرابه وخلفه صف وبعده صف آخر بين الأساطين؛ فلا كراهة في ذلك بالنص، على أنَّ هذا مذهبه، وهو لا يعارض الحديث، بل الحديث حجة عليه؛ فافهم.
ثم قال ابن بطال: واختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فكرهه أنس وقال: (كنا نتَّقيه على عهد رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: (كنا نُنهى عن الصلاة بين السواري ونُطرد عنها)، صححها الحاكم، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين)، وكرهه حذيفة وإبراهيم وقال: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف)، وسلفهم أثر عمر في ذلك، انتهى.
قلت: هذا محمول على العلة في النَّهي كما تقدم، إمَّا لأنَّها موضع وضع النِّعال، وهي دائرة، فإذا زالت العلة؛ انتفت الكراهة، وإمَّا لكون المسجد واسعًا، وإمَّا لانقطاع الصفوف، أو غير ذلك مما سبق، فالعلة دائرة مع المعلول، وحيث انتفت العلة انتفت الكراهة على أنَّ هذا روي موقوفًا، وهو لا يُقاوِم المرفوع؛ فافهم.
[حديث: أن رسول الله دخل الكعبة وأسامة بن زيد]
٥٠٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن نافع) هو المدني مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي ﵄، وسقط (عبد الله) لابن عساكر: (أنَّ رسول الله ﷺ بفتح الهمزة (دخل الكعبة)؛ أي: بعد أن أمر عثمان بفتح بابها بعد قدومه إلى مكة عام الفتح كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة (وأسامة بن زيد) هو خادمه ﵇، قال الشَّارح: بنصب (أسامة) عطفًا على (رسول)، ويجوز رفعه عطفًا على فاعل (دخل) (وبلال) هو المؤذن المدفون بمقبرة باب الصغير بديارنا الشريفة الشامية (وعثمان بن طلحة الحَجَبِي)؛ بفتح الحاء المهملة والجيم، وبالموحَّدة المكسورة؛ نسبة إلى حجابة الكعبة، وهو الذي بيده مفتاح الكعبة (فأغلقها)؛ أي: أغلق عثمان الحجبي الكعبة؛ أي: بابها بأمره ﵇ (عليه)؛ أي: على النَّبي الأعظم ﷺ وأصحابه المذكورين، وإنَّما أغلق الباب عليهم؛ لئلا يزدحم الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعال النَّبي الأعظم ﷺ ، وإنَّما خَصَّ عثمان الحجبي بالغلق دون غيره من الموجودين؛ لأنَّه صاحب مفتاح الكعبة، أو (١) حتى لا يتوهم الناس عزله عن سدانة الكعبة؛ فافهم، (ومكَث) بفتح الكاف وضمها (فيها)؛ أي: الكعبةِ النَّبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه المذكورون، وكان مكثه طويلًا، كما بيَّنتْه الرواية السَّابقة، وذلك لأجل الصلاة والدعوات.
وقوله: (فسألتُ) بضمير المتكلم (بلالًا حين خرج) أي: من الكعبة: (ما صنع النَّبي) الأعظم ﷺ ؟) -أي: في الكعبة- من كلام ابن عمر، (قال) أي: بلال: (جعل) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه)؛ بالنصب على الظرفية، وذلك حين صلى في الكعبة، وإنَّما قدم اليسار على اليمين مع أنَّ اليمين أشرف؛ لأنَّ هذا حكاية الجعل المذكور عن هيئة الفعل في اللَّفظ مع قطع النَّظر عن الشرف في أحدهما، (وكان البيت يومئذٍ)؛ أي: يوم إذ دخله ﵇، وذلك عام الفتح (على ستة أعمدة)، وزعم الكرماني: وفي بعضها: (ستة)؛ بإسقاط لفظة: (على)، فهي مقدرة على طريق نزع الخافض، انتهى.
قلت: ويفهم منه أنَّ لفظ: (ستة) مجرور بـ (على) مقدرة، وفيه أنَّ حروف الجر لا تعمل مقدرة، وقوله: (على طريق نزع الخافض) : مفهومه أنَّها منصوبة بنزع الخافض، وهذا تناقض في الكلام مع خفاء المعنى المرام على أنَّه لم يَعزُ هذه النُّسخة لأصل يعتمد عليه، ولا لرواية راوٍ يعول عليه، فالله أعلم بصحتها، وعلى تقدير صحتها؛ فالصَّواب أنَّ (ستة) منصوب، إمَّا على الحال أو على التمييز، ويحتمل على بُعدٍ أنَّه منصوب على طريق نزع الخافض على هذه النُّسخة؛ فافهم.
(ثم صلى)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ في الكعبة بين الأعمدة، ففيه: جواز الصلاة بين الأساطين من غير كراهة، وهو شامل للنفل والفرض مع جماعة وبدونها، فإنَّ لفظ الحديث مطلق، ولا مانع أنَّه ﵇ قد صلى في الكعبة جماعة، فإنَّها تحصل بواحد فأكثر -وكان معه ثلاثة- ولو كانت نفلًا؛ لأنَّ النفل بالجماعة مشروع ولو على سبيل التداعي، وهذا حجة على من كره ذلك مما قدمناه.
(وقال إسماعيل) هو ابن أبي أويس -كما في رواية أبي ذر والأصيلي- ابن أخت مالك بن أنس، وفي رواية كريمة: (وقال لنا)، وهذه الرواية أحط رتبة ودرجة من (حدثنا)، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وهذا يدل على أنَّ (لنا) ثابتة في رواية كريمة فقط، وزعم العجلوني أنَّها ثابتة في الروايتين، وليس كذلك كما لا يخفى؛ فافهم، وهذا موصول كما صرح به إمامنا الشَّارح؛ فافهم: (حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الأصبحي؛ أي: بهذا الحديث مع تتمة سنده السَّابق (وقال) ولأبي ذر: (فقال)؛ أي: في آخر الحديث: (عمودين عن يمينه)، فإن قلت: في رواية مالك إشكال؛ لأنَّه قال: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه)، وهذان اثنان، ثم قال: (وثلاثة أعمدة وراءه) فتكون الجملة خمسة، ثم قال: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة).
قلت: أجاب الكرماني: بأنَّ لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بيَّنه مالك في رواية إسماعيل بن أبي أويس، وهي قوله: (وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك، فقال: عمودين عن يمينه)، فحينئذٍ تكون الأعمدة ستة.
وأجاب ابن حجر: بأنَّه حيث ثنَّى؛ أشار إلى ما كان عليه البيت في الزمن النَّبوي، وحيث أفرد؛ أشار إلى ما كان عليه بعد ذلك، ويشير إليه قوله: (وكان البيت يومئذٍ)، فإنَّ فيه إشعارٌ (٢) بتغيره عن هيئته الأولى.
وقال خلف: لم أجده من حديث إسماعيل، وقد اختلف عن مالك في لفظه، فرواه مسلم: (عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه) عكس رواية إسماعيل، وفي رواية البخاري: (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه)، قال البيهقي: هو الصَّحيح، وفي رواية: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودين عن يساره) عكس ما سبق.
وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه؛ فوافق الجمهور عبد الله بن يوسف في قوله: (عمودًا عن يمينه)، ووافق إسماعيل في قوله: (عمودين
стр. 719
عن يمينه) ابن القاسم، ومحمَّد بن الحسن، والقعنبي، وأبو مصعب، وأبو حذافة، وكذا ابن مهدي في إحدى الروايتين عنه، وأجاب قوم عنه باحتمال تعدد الواقعة.
وفي رواية عن عثمان بن عمر عن مالك: (جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره)، فعلى هذا تكون الأعمدة سبعة، ويردها قوله: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة) بعد قوله: (وثلاثة أعمدة وراءه)، وعن هذا قال الدارقطني: (لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك).
وأجاب الكرماني بجوابين آخرين؛ الأول: هو أنَّ الأعمدة الثلاثة المقدمة ما كانت على سَمْتٍ واحد بل عمودان مُسَامتان، والثالث على غير سَمْتِهِمَا، ولفظ (المقدمين) في الحديث السَّابق يشعر به، فتعرض للعمودين المسامتين وسكت عن ثالثهما، والثاني: أن تكون الثلاثة على سمت واحد، وقام رسول الله ﷺ عند الوسطاني.
قلت: ويؤيد الوجه الأول منهما ما رواه مجاهد عن ابن عمر في باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فإنَّ فيها: (صلى بين الساريتين اللتين على يسار الداخل)، وهو يدل على أنَّه كان هناك عمودان على اليسار وأنَّه صلى بينهما، فيحتمل أنَّه كان هناك عمود آخر عن اليمين وعلى غير سمت العمودين، وعلى هذا فمن قال: (جعل على يمينه عمودين)، ومن قال: (جعل عمودًا عن يمينه)، كلاهما صحيح، وعلى الوجه الثاني يصح قول من قال: (جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره)، وكأنَّه لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: (عمودين) اعتبره.
وأجاب قوم: بأنَّه ﵇ انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل به الصلاة لقلته، وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الصلاة في البيت إنَّما كانت للتبرك والفضل، والانتقال المذكور زيادة فضيلة وهو وجيه، واحتمال تعدد الواقعة بعيد؛ لاتحاد مخرج الحديث، وجزم البيهقي بترجيح رواية إسماعيل، وتمامه في الشرح، والله تعالى أعلم.
(٩٧) [بابٌ]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، قال الشَّارح: (فإذا لم تقدر شيئًا؛ لا يكون معربًا؛ لأنَّ الإعراب يكون بالعقد والتركيب، كذا وقع لفظ «باب» بلا ترجمة في رواية الأكثرين، وليس لفظ «باب» في رواية الأصيلي، وعلى قول الأكثرين؛ هو كالفصل من الباب الذي قبله، وإنَّما فصله؛ لأنَّ فيه زيادة، وهي مقدار ما كان بينه وبين الجدار من المسافة) انتهى، يعني: وليس فيه تصريح بكون الصلاة وقعت بين السواري، وإنَّما فيه بيان المقدار المذكور.
وزاد الكرماني: أو لأنَّ الموضع المذكور من كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كونها بين الأسطوانتين، انتهى.
قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّه لا يلزم ذلك؛ لأنَّه قد يكون ليس هناك أسطوانة ولا أسطوانتان، فالصَّواب ما علل به إمام الشَّارحين، وتبعه العجلوني، ولم يعزه إليه، ونسبه لنفسه، وهذه عادته، فلله در إمامنا ﵁.
[حديث: أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه]
٥٠٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا) بالجمع، ولأبي الوقت بالإفراد (إبراهيم بن المنذر)، اسم فاعل من الإنذار، هو أبو إسحاق الحزامي المديني (قال: حدثنا أبو ضَمْرة)؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وسكون الميم: هو أنس بن عياض اللَّيثي المدني، المتوفى سنة مئتين، كما مر في باب (التبرز في البيوت) (قال: حدثنا موسى بن عقبة) هو ابن أبي عياش المديني، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عبد الله) زاد الأصيلي: (ابن عمر) هو ابن الخطاب القرشي العدوي المدني ﵄ (كان) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار (إذا دخل) أي: ابن عمر (الكعبة)؛ أي: البيت الحرام للصلاة فيه الفرض أو الواجب أو النفل، وقوله: (مَشى) : جواب (إذا)؛ بفتح الميم، مصدر مشى يمشي مشيًا (قِبَل وجهه)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل وجهه (حين يدخل)؛ أي: ابن عمر الكعبة؛ يعني: لا يقف، بل بمجرد الدخول يمشي؛ لأنَّه ليس لوقوفه فائدة؛ فافهم، (وجعل الباب) أي: باب الكعبة (قِبَل)؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (ظهره)، وقوله: (فمَشى) : الفاء فيه للتعقيب (حتى يكونَ)؛ بالنصب؛ أي: إلى أن يكون (بينه) أي: ابن عمر (وبين الجدار) أي: جدار الكعبة الجنوبي (الذي قِبَل)؛ بكسر أوله وفتح ثانيه؛ أي: مقابل (وجهه)؛ أي: وجه ابن عمر، وقوله: (قريبًا)؛ بالنصب، ويروى: بالرفع، وهو الأصل؛ لأنَّه اسم (يكون)، والظرف المقدم خبرها، ووجه النصب أن يكون اسمه محذوف؛ تقديره: يكون القَدْر أو المكان قريبًا من ثلاثة أذرع، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه الكرماني، والبرماوي، وابن حجر، يعني: أنَّ (قريبًا) بالنصب خبر (كان) والاسم محذوف، وزعم الزركشي أنَّه خطأ.
قلت: رواية النصب لأكثر الرواة ثابتة لا محالة، ووجهها ظاهر، فخطؤه مردود عليه.
وعبارة ابن حجر تفيد أنَّ الرواية بالنصب لا غير، قلت: وفيه قصور، فإنَّ الرواية بالرفع ثابتة لبعض الرواة، بل قال في «التنقيح» : الصَّواب الرفع، ووجَّهه الدماميني بأنَّه على حذف الموصول وبقاء صلته؛ أي: حتى ما يكون، قال: ولكنه ليس بمقيس، انتهى، قلت: وما قَدَّر به إمامنا الشَّارح هو الصَّواب، والسياق يدل عليه، بخلاف تقدير الدماميني، فإنَّ فيه تعسفًا وخروجًا عن القواعد.
وزعم العجلوني أنَّ (بين) تتصرف قليلًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قراءة الرفع، فلو حمل ما هنا عليه؛ لكان وجيهًا؛ فتأمله.
(من ثلاثة أذرع)؛ بالتأنيث رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: (ثلاث)؛ بالتذكير، ووجه التأنيث مع أنَّ الذراع مذكر: أنَّه شبهه بذراع اليد؛ وهو يجوز تذكيره وتأنيثه، قاله الكرماني.
وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: الذراع مذكر فما وجه تركه التَّاء؟
قلت: أجاب بعضهم: بأنَّ الذراع يذكر ويؤنث، وليس كذلك على الإطلاق، بل الذراع الذي يذرع به يذكر، وذراع اليد يذكر ويؤنث، وههنا شبهه بذراع اليد) انتهى.
قلت: مراده بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنَّه قال: (الذراع يذكر ويؤنث)، ولم يقيده بشيء، وتبعه القسطلاني، وفيه نظر ظاهر لا يخفى؛ حيث لم يفرق بين الذي يذكَّر فقط وبين الذي يذكَّر ويؤنث؛ فافهم.
وأجاب العجلوني تعصبًا بأنَّه يمكن حمل كلام ابن حجر على ذراع اليد لا الآلة مع أنَّه مؤنث.
قلت: وهو ظاهر الفساد مع ما فيه من العناد؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ وصريحه يدل على أنَّ المراد ذراع الآلة؛ لأنَّه هو الذي يذرع به، وتمسح به الأرض، ويبتاع به العامة، وهو مذكَّر لا غير، فكيف يحمل على ما ذكر؟ وما ادعاه من أنَّ الذراع بمعنى الآلة مؤنث؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أئمة اللُّغة ولا غيرهم، فهو تأنيث من عنده مردود عليه؛ فافهم.
وقوله: (صلى) : جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا (يَتوخى)؛ بفتح التحتية أوله، وبالخاء المعجمة، آخره ألف وتكتب ياء؛ أي: يتحرَّى، يقال: توخيت مرضاتك؛ أي: تحريت وقصدت، والجملة محلها نصب على الحال (المكان) بالنصب على المفعولية من الكعبة المشرفة (الذي أخبره به) أي: بذلك المكان منها (بِلال)؛ بكسر الموحَّدة، مؤذن النَّبي الأعظم ﷺ : (أنَّ) بفتح الهمزة (النبي) الأعظم ﷺ ، وخبر (أنَّ) جملة قوله: (صلى فيه)؛ أي: في ذلك المكان الذي أخبره به بلال ﵁.
(قال) أي: عبد الله بن عمر ﵄: (وليس على أحدنا) ولابن عساكر: (وليس على أحد)؛ بحذف لفظة (نا)، وقوله: (بأس) : اسم (ليس)؛ أي: شدة (إن صلى)؛ بكسر الهمزة، و (صلى)؛ بلفظ الماضي، وفي رواية الكشميهني: (أن يصلِّي) بفتح الهمزة، ولفظ المضارع؛ والتقدير: ولا بأس من أن يصلِّي، وحذف حرف الجر سائغ، كذا قرره إمام الشَّارحين، وتبعه الشَّارحون؛ فافهم، (في أيِّ نواحي) أي: في أيِّ جهات (البيت) أي: الكعبة المعظمة (شاء)؛ أي: فهو مخيَّر في الصلاة في أيِّ مكان شاء منها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في الباب السَّابق بطريق الاستلزام، وهو أنَّ الموضع المذكور من
стр. 720
كونه مقابلًا للباب قريبًا من الجدار يستلزم كون صلاته بين الساريتين.
قلت: وفيه تعسف قدمنا وجهه قريبًا.
وفي الحديث: جواز الصلاة مطلقًا فرضها وواجبها ونفلها في البيت الحرام، وهو مذهب الأئمة الحنفية، وبه قال الشَّافعي، وتبعهم أحمد ابن حنبل في النفل، وخالفهم في الفرض، فمنع الفريضة فيها، والحديث حجة عليه.
وفيه: استحباب الدنو من السترة؛ لأنَّ الشَّارع قد أمر بالدنو منها؛ كيلا يتخلل الشَّيطان ذلك، والأمر هنا للاستحباب، كما لا يخفى.
وفيه: أنَّ السترة بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع، وادعى ابن بطال أنَّ الذي واظب عليه النَّبي الأعظم ﷺ في مقدار ذلك ممرُّ الشاة، كما جاء في الآثار، انتهى.
ولم يعترضه أحد من الشراح، وأقول: هذه دعوى لا دليل لها؛ لأنَّه قد جاء في الآثار تارة: (ثلاثة أذرع)، وتارة: (ممر الشاة)، بل الذي دلت عليه الآثار المواظبة على ثلاثة أذرع؛ لأنَّه هو الذي يتمكن المصلي من دفع المار بين يديه، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح: (قال أبو إسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلِّي بينه وبين القبلة ستة أذرع)، وفي نسخة: (ثلاثة أذرع)، ولهذا لم يحدَّ مالك بن أنس في هذا حدًّا إلا أنَّ ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد؛ فافهم.
وفي الحديث: أنَّه لا يشترط في صحة الصلاة في البيت موافقة المكان الذي صلى فيه النَّبي الأعظم ﷺ ، كما أشار إليه ابن عمر، ولكن الموافقة أولى، وإن كان يحصل الفرض بغيره، ففيه أنَّه تستحب الصلاة في ذلك المكان؛ لأجل الموافقة.
وقد قدمنا أنَّ الحديث لا يدل صريحًا على الصلاة بين الساريتين، وقد اختلف السلف في الصلاة بين السواري؛ فأجازه الأئمة الكوفيون، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين، وقال مالك: لا بأس بالصلاة بينها لضيق المسجد، وكرهها أنس بن مالك؛ لورود النَّهي بذلك، رواه الحاكم وصححه، وقال ابن مسعود: (لا تصفوا بين الأساطين وأتموا الصفوف)، قال ابن حبيب: ليس النَّهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد، وإنَّما نهي عنه إذا كان المسجد واسعًا، وقال القرطبي: سبب الكراهة أنَّه روي: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن المؤمنين، انتهى.
قلت: وسبب الكراهة أنَّ بين الأساطين مكانٌ مُعدٌّ لوضع النعال، وهي ملوثة بالنجاسات غالبًا، فالتحرز عنها مطلوب، وقد يقال: إنَّ النعال تطهر بالدلك، فهي طاهرة عند الجمهور، وأقول: ولمَّا وَرَد: أنَّ بين الأساطين مصلى الجن؛ فلا مجال لإيراد سبب آخر؛ فافهم، والله أعلم.
(٩٨) [باب: الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ .]
هذا (باب) حكم (الصلاة) أي: بالتوجه (إلى الراحلة) قيل: وفي نسخة: (على الراحلة)، وهي بمعنى (إلى)؛ لأنَّ حروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، ويأتي بعضها بمعنى بعض، وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ لأنَّه أعم؛ فافهم.
والمراد بالحكم: الجواز لا الندب كما زعمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ لأنَّ المندوب الصلاة إلى سترة لا خصوص الراحلة ونحوها؛ فليحفظ.
والرَّاحلة: النَّاقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل؛ عُرِّفت، والهاء فيه للمبالغة؛ كما يقال: رجل داهية وراوية، وقيل: إنَّما سميت راحلة؛ لأنَّها ترحل، كما قال تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]؛ أي: مرضية، وتجمع على رواحل، وقال الجوهري: الراحلة: الناقة التي تصلح لأن يوضع عليها الرحل، وقال الأزهري: الراحلة: المركب النجيب ذكرًا كان أو أنثى، انتهى.
(و) إلى (البعير) وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل: بعير، وللناقة: بعير، وبنو تميم يقولون: بِعير وشِعير؛ بكسر الباء الموحدة والشين المعجمة، والفتح هو الفصيح، وإنَّما يقال له: بعير؛ إذا أجدع، والجمع: أبعرة في أدْنى العدد، وأباعر في الكثير، وأباعير وبعران، وهذه عن الفراء، ومعنى أجدع: إذا دخل في السَّنة الخامسة.
قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: إذا أطلق البعير على الناقة، والراحلة هي الناقة، فما فائدة ذِكر البعير؟ قلت: ذهب بعضهم إلى أنَّ الراحلة لا تقع إلا على الأنثى، ولأجل ذلك أردفه بالبعير، فإنَّه يقع عليهما) انتهى.
قلت: فعطف (البعير) على (الراحلة) من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ الراحلة خاصة بالناقة والبعير أعم، وسقط لفظ: (البعير) للأصيلي.
(و) إلى (الشجر) هو جمع شجرة؛ وهي ما له ساق من النباتات، (و) إلى (الرَّحْل)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الحاء المهملة؛ وهو للبعير أصغر من القتب، وهو الذي يركب عليه، وهو الكُور، بِضَمِّ الكاف؛ كالسرج للفرس.
قال ابن بطال: وهذه الأشياء كلها تجوز الصلاة إليها، وكذا تجوز إلى كل شيء طاهر، انتهى.
قلت: وفي إطلاقه نظر؛ لأنَّ كل شيء غير ما ذكر يشترط فيه أن يكون طول ذراع فأكثر؛ لحديث عائشة عند النسائي قالت: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرَّحْل»؛ فليحفظ.
[حديث: أن النبي كان يعرض راحلته فيصلي إليها]
٥٠٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي) بتشديد الدَّال المهملة، اسم مفعول (البصري) وهي ساقطة في بعض النُّسخ (قال: حدثنا مُعتمر) بِضَمِّ الميم، اسم فاعل (بن سُليمان) بِضَمِّ السين المهملة، (عن عبيد الله) بالتصغير، زاد الأصيلي: (ابن عمر)، (عن نافع) هو مولى ابن عمر المدني، (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني ﵄، (عن النَّبي) الأعظم ﷺ وقوله: (إنَّه) بكسر الهمزة (كان)؛ أي: في بعض الغزوات، لا يقال: إنَّ لفظة (كان) للدوام والاستمرار؛ لأنَّا نقول: ليست هي في هذا المعنى في جميع الأوقات، بل تارة وتارة؛ بدليل أنَّه ﵇ كان يصلِّي في المسجد النَّبوي لغير راحلة؛ فافهم، (يُعرِّض)؛ بِضَمِّ التحتية وتشديد الرَّاء، من التعريض؛ أي: يجعلها عرضًا، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه في «الفتح»، وفي رواية: (يَعْرُض)؛ بفتح أوله وسكون ثانية وضم ثالثه أو كسره، واستوجهها القاضي عياض كما في «التنقيح».
قلت: ولم يذكر وجهها أحد من الشراح، ولعله أنَّ الرواية الأولى تفيد المبالغة بخلاف الثانية، فيحتاج في الأولى إلى عمل كثير من تسويتها إمَّا بنفسه أو بغيره، بخلافه على الثانية فإنَّه لا يحتاج لشيء سوى وضعها تلقاء وجهه الشريف ﷺ ، وهو كان لحصول المقصود؛ فتأمَّل.
(راحلته)؛ أي: المخصوصة به ﵇ في أسفاره بدليل إضافتها إليه، ولو قال: راحلة؛ بالتنكير؛ لاحتمل أن يجعل راحلة غيره من أصحابه، ولعله إنَّما كان يفعل ذلك لأجل التشريع من حيث إنَّ الإنسان إذا كان مسافرًا مع جماعة؛ يجعل راحلة نفسه دون غيره؛ لاحتمال نجاسة راحلة غيره، أو عدم إذنه، أو غير ذلك؛ فافهم (فيصلِّي إليها)؛ أي: يجعلها سترة في صلاته تلقاء وجهه الشريف ﷺ .
(قلت) من قول نافع لمولاه ابن عمر، كما صرح به إمام الشَّارحين حيث قال: (فإن قلت: مَنْ السائل هنا مِنَ المسؤول؟ قلت: الذي يدل [عليه] الظَّاهر أنَّه كلام نافع، وهو السائل، والمسؤول عنه: هو ابن عمر، لكن وقع في رواية الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر أنَّه كلام عبيد الله، والمسؤول نافع، فعلى هذا يكون هذا مرسلًا؛ لأنَّ فاعل «يأخذ» هو النَّبي الأعظم ﷺ ولم يدركه نافع) انتهى.
قلت: وقد تمسك بهذه الرواية العجلوني، واعتمد أنَّ السائل عبيد الله والمسؤول نافع، ونفى القول بأنَّه من قول نافع والمسؤول ابن عمر، ولا يخفى أنَّ الظَّاهر يخالفه، فإنَّ سياق اللَّفظ يدل صريحًا على أنَّ السائل نافع، والمسؤول ابن عمر ﵄، ورواية الإسماعيلي لا تدل على ذلك؛ لأنَّها من طريق آخر غير ما ذكر، فهي قصة أخرى غير هذه، فالصَّواب ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ، ولا حاجة إلى دعوى الإرسال هنا؛ لأنَّه مخالف للظاهر كما لا يخفى، نعم؛ هو واقع في رواية الإسماعيلي، وهي قضية
стр. 721
أخرى؛ فليتأمل.
(أفرأيت) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة؛ أي: أرأيت في تلك الحالة فرأيت في هذه الحالة الأخرى؟ والمعنى: أخبرني عن هذه، وفي رواية الأصيلي: (أرأيت)؛ بدون الفاء (إذا هبَّت)؛ بتشديد الموحَّدة؛ بمعنى: هاجت وتحركت، يقال: هبَّ الفحل؛ إذا هاج، وهبَّ البعير في السير؛ إذا نشط، وقال ابن بطال: هبَّت: زالت عن مواضعها وتحركت، يقال: هبَّ النائم من نومه؛ إذا قام، وقيده الأصيلي: بِضَمِّ الهاء على البناء للمفعول، والفتح أصوب، كذا في «عمدة القاري»، وفي بعض النُّسخ: (إذا هب)؛ بدون التَّاء، كما زعمه الكرماني، (الرِّكاب)؛ بكسر الرَّاء، وتخفيف الكاف: الإبل التي يسار عليها، والواحدة الراحلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع: الركْب؛ مثل: الكتْب؛ بسكون ثانيه، وقال ابن بطال: هبَّت: زالت عن مواضعها وتحركت فشوشت على المصلي لعدم استقرارها، وجواب الاستفهام أو الشرط محذوف؛ تقديره: ما الذي يصنع المصلي؟ (قال)؛ أي: ابن عمر لنافع، لا نافع لعبيد الله: (كان)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ إذا أراد الصلاة في الصحراء؛ (يأخذ الرَّحل) : هذه رواية الأكثرين، وفي رواية: (يأخذ هذا الرَّحل)؛ أي: يقيم الرَّحل عن الناقة، فيضعه على الأرض قِبَل وجهه الشريف؛ لأنَّه لو تركه عليها؛ لشوشت عليه من أجل حركتها، وعدم استقرارها، وزعم ابن بطال؛ أي: يتركه على الناقة، ونقله العجلوني عنه، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ في تركه عليها تشويشًا كما ذكرنا، وليس المعنى كما زعمه بل ما ذكرناه، كما لا يخفى على من له أدنى فهم في المعاني، ويدل لما قلناه قوله: (فيُعَدِّله)؛ بِضَمِّ التحتية، وفتح العين المهملة، وكسر الدَّال المهملة المشددة، من التَّعديل؛ وهو تقويم الشيء، يقال: عدَّلته فاعتدل؛ أي: قومته فاستقام؛ والمعنى: أنَّه يقيمه تلقاء وجهه؛ لأنَّ الإبل إذا هاجت؛ شوشت على المصلي لعدم استقرارها، فحينئذٍ كان النَّبي الأعظم ﷺ يعدل عنها إلى الرَّحل، فيجعله سترة، كذا قاله إمامنا الشَّارح، وتبعه الشراح.
وضبطه ابن حجر: بفتح التحتية، وسكون العين، وكسر الدَّال؛ أي: يقيمه تلقاء وجهه، انتهى.
وهذا كما رأيت خلط وخبط، ولهذا ردَّه إمام الشَّارحين حيث قال: (والصَّواب ما ذكرناه؛ لأنَّه من باب «فعَّل»؛ بالتشديد، وقد يأتي بمعنى «فعَل»؛ بالتخفيف، كما يقال: زلته وزيلته، وكلاهما بمعنى: فرقته) انتهى.
قلت: فأفاد أنَّه قليل، والصَّواب الأول؛ فاعرفه، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ فافهم.
(فيصلِّي إلى أَخَرَته)؛ بفتح الهمزة والخاء المعجمة والرَّاء، بلا مد، ويجوز المد في الهمزة، ولكن بكسر الخاء؛ وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب؛ يعني: يصلِّي إلى آخرة الرَّحل فيجعلها على أحد حاجبيه، ولا يصمد (١) إليها صمدًا (أو قال: مُؤْخِرته)؛ بـ (أو) التي للشك، وهو من نافع لا من عبيد الله، وفيها وجوه؛ أحدها: بِضَمِّ الميم، وكسر الخاء، وسكون الهمزة، والثاني: بفتح الخاء المشددة، والثالث: إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، وقال أبو عبيد: يجوز كسر الخاء وفتحها، وأنكر ابن قتيبة الفتح، وقال ابن مكي: لا يقال: مقدِّم ومؤخِّر؛ بالكسر إلا في العين خاصة، وأمَّا في غيرها؛ فلا يقال إلا بالفتح فقط، وقال الجوهري: مؤخرة الرَّحل: لغة قليلة في آخرته، وقال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة، وتشديد الخاء مع فتحها، وقال القرطبي: مُؤخِّرة الرحل: هو العود الذي يكون في آخر الرحل، بِضَمِّ الميم، وكسر الخاء، الرابع: روى بعضهم: بفتح الهمزة وتشديد الخاء، كذا قرره في «عمدة القاري».
(وكان ابن عمر يفعله) هو مقول نافع، والضمير المنصوب في (يفعله) راجع إلى كل واحد من التعريض والتَّعديل اللذين يدل عليهما قوله: (يعرِّض) وقوله: (فيعدِّله) من قبيل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ فافهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: (فيعرض إلى راحلته فيصلِّي إليها)، وفي قوله: (كان يأخذ الرَّحل...) إلى آخره، وأمَّا البعير؛ فقد روى ابن أبي شيبة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: (أنَّ النَّبي الأعظم ﷺ كان يصلِّي إلى بعيره)، وأمَّا الصلاة إلى الشجر؛ ففي حديث علي بن أبي طالب قال: (لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ ، فإنَّه كان يصلِّي إلى شجرة يدعو حتى أصبح)، رواه النسائي بإسناد حسن.
قلت: وهذا غير ظاهر.
وقال إمام الشارحين: (فإن قلت: حديث الباب لا يدل على الصلاة إلى البعير والشجر؛ قلت: كأنَّه وضع التَّرجمة على أنَّه يأتي لكل جزء منها بحديث، فلم يجد على شرطه إلا حديث الباب، وهو يدل على الصلاة إلى الراحلة أو الرحل، واكتفى به عن بقية ذلك بالقياس على الراحلة) انتهى.
وقد أخرج النسائي من حديث عائشة ﵂: سئل رسول الله ﷺ في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل»، وعلى كل حال فإحالة التَّرجمة في مطابقتها لحديث خارج عن بابها بل عن كتابها غير ظاهرة مع ما فيها من البعد.
وقال الكرماني: دلالة الحديث على الصلاة إلى البعير والشجر والرحل بالقياس على الراحلة.
وزعم ابن حجر: كأنَّه ألحق البعير بالراحلة للمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أنَّه أشار إلى ما رواه أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع بلفظ: (كان يصلِّي إلى بعيره)، وبه حصل المقصود، ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق: (أنَّ ابن عمر كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلا وعليه رحل)، وألحق الشجر بالرحل، انتهى ملخصًا.
قلت: وهذا كله لا يجدي، وما هو إلا مأخوذ من كلام الكرماني، ولم يبين المعنى الجامع بين البعير والراحلة، فإنَّا قد أسلفنا أنَّ الراحلة خاصة بالنَّاقة، والبعير: هو الذي دخل في سن الخامسة، فليس فيه معنًى جامعًا بينهما، بل بينهما عموم وخصوص.
وما ذكره من الاحتمال بعيد جدًّا؛ لأنَّه إحالة على غير موجود في الباب، بل ولا في الكتاب أصلًا، فكيف يشير إليه؟ وما زعمه من حصول المقصود والتأييد، أين المقصود الذي حصل؟ وأين التأييد؟ فإنَّ ما أخرجه عبد الرزاق يدل على منع الصلاة إلى البعير مجردًا عن رحله، والتَّرجمة صريحة في الصلاة إلى البعير مجردًا عن الرحل كما صرح به الحديث أيضًا؛ حيث قال: (كان يأخذ الرحل فيعدله)، وعلى كل حال؛ فما زعمه غير مفيد وغير ظاهر، بل الجواب الصَّحيح الموافق للصواب ما قاله إمام الشَّارحين ﵁؛ فافهم.
قال الخطابي: وفي الحديث: دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان، انتهى.
وقال ابن بطال: وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر.
وقال القرطبي: في هذا الحديث: دليل على جواز التستر بالحيوان، ولا يعارضه النَّهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأنَّ المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذٍ؛ إمَّا لشدة نتنها، وإمَّا لأنَّهم كانوا يَتخلَّون بينها مستترين، وقيل: علة النَّهي في ذلك كون الإبل خُلِقت من الشياطين، وقد سبق الكلام فيه، أفاده في «عمدة القاري».
قلت: فيحمل ما وقع منه في حالة السفر من الصلاة إليها على الضرورة، ونظير ذلك صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة؛ لأنَّ البيت كان حينئذٍ ضيقًا، وعلى هذا؛ فقول الأئمة الحنفية والشَّافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة؛ محمولٌ على حالة الاختيار لا حالة الاضطرار.
وروى عبد الرزاق بسنده إلى ابن عمر: (أنَّه كان يكره أن يصلِّي إلى بعير إلا وعليه رحل)، ولعله أنَّها في حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها عنه، والله تعالى أعلم.
قال القسطلاني: والحديث من الرُّباعيات، واعترضه العجلوني بأنَّه خماسي لا رباعي، انتهى.
قلت: بل هو رباعي؛ لأنَّ الحديث مشتمل على جُمَلٍ من الكلام، وقوله: (وكان ابن عمر يفعله) وقوله (قلت: أفرأيت) من كلام نافع، فهو من إطلاق الجزء على الكل مجازًا، فبهذا صح ما قاله القسطلاني، وفسد ما زعمه العجلوني؛ فافهم.
(٩٩) [باب الصلاة إلى السرير]
هذا (باب) حكم (الصلاة إلى السرير)؛ أي: الذي عليه المرأة، والمراد: على السرير؛ لأنَّ كلمة (إلى) بمعنى (على)؛ لأنَّ حروف الجر يقام بعضها مقام بعض لا سيما هو واقع في الفصيح، قال الله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على جذوعها، وفي رواية ابن عساكر: (باب الصلاة على السرير)؛ فليحفظ، وتقدير: (حكم) أولى من تقدير الجواز؛
стр. 722
لأنَّ الحكم أعم؛ فافهم.
[حديث عائشة: أعدلتمونا بالكلب والحمار لقد رأيتني مضطجعةً على]
٥٠٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عثمان ابن أبي شيبة) : نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة -واسمه إبراهيم- بن عثمان أبو الحسن العبسي الكوفي، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة، المتوفي في المحرم سنة تسع وثلاثين ومئتين، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين (قال: حدثنا جَرير)؛ بفتح الجيم: هو ابن عبد الحميد الرازي، الكوفي الأصل، (عن منصور) هو ابن المعتمر -بلفظ الفاعل- السُّلَمي الكوفي، (عن إبراهيم) هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي التَّابعي، (عن الأسود) هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي التَّابعي، خال إبراهيم المذكور، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق الأكبر أم المؤمنين ﵂ وعن أبويها، وفي إسناد الحديث: رواته كوفيون، ورواية تابعي عن تابعي عن الصَّحابية، وهما موافقان في اسم الأب والجد والنسبة، ويفترقان من حيث إنَّ إبراهيم تابعي صغير، والأسود تابعي كبير، وإنَّما سمي الأسود؛ لأنَّه كان شديد السمرة، فلونه مائل إلى السواد، فسمي به، والله أعلم.
(قالت)؛ أي: لمن كان في حضرتها من الرجال والنساء لما قالوا: (يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار) : (أَعَدَلتمونا)؛ بفتح الهمزة التي هي للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وفتح العين المهملة والدَّال المخففة؛ معناه: لم عدلمتونا (بالكلب والحمار؟!)، وظاهر كلامها يدل على أنَّها تقول بأنَّ الكلب والحمار يقطعان الصلاة، وإنَّما أنكرت عليهم تسويتهم المرأة بهما مع شرفها وخستهما، (لقد) وفي رواية: (ولقد) (رأيتُني)؛ بِضَمِّ المثناة الفوقية للمتكلم، وكون ضميري الفاعل والمفعول عبارتين عن شيء واحد من جملة خصائص أفعال القلوب، قاله الكرماني، ومقتضاه أنَّها قلبية هنا، وهو بعيد، والظَّاهر أنها بصرية، ويدل عليه قول إمام الشَّارحين: المعنى: رأيت نفسي، حتى لا يقال: فيه كون الفاعل والمفعول واحدًا، أفاده العجلوني.
قلت: والصَّواب: أنها بصرية، والمعنى كما ذكره إمامنا الشَّارح، ومراده الرد على الكرماني؛ لأنَّه ذكر عبارته ثم ناقضها بما ذكر، وهو الحق، كما لا يخفى على أولي الألباب.
(مضطجعةً)؛ بالنصب على الحال؛ لأنَّ الرؤية هنا من رؤية العين، قاله الشَّارح، ويحتمل نصبه على أنَّه مفعول ثان؛ فافهم، (على السرير)، جمعه (١) أسرة وسُرُر: بِضَمِّ الرَّاء، وبعضهم يفتحها؛ وهو التخت المعروف، وكان في زمانهم يتخذ من الخوص وإلى الآن في الحجاز، وأمَّا في ديارنا الشريفة الشامية؛ فيتخذ من الخشب والدفوف، كما لا يخفى، (فيجيء النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: إلى بيتها حتى يصل إلى السرير، (فيتوسط السرير)؛ أي: يجعل نفسه في وسط السرير، يدل عليه أنَّ البيوت وقتئذٍ ضيقة لا تسع غير السرير، كما روي في الأحاديث؛ فافهم.
وفسره العجلوني: أي: بالتوجه إليه من غير جلوس عليه.
قلت: وهو خلاف ظاهر اللَّفظ؛ لأنَّ المراد من توسطه السرير: الجلوس عليه، وهو الظَّاهر، وما رواه البخاري في (الاستئذان) كما يأتي لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّ ما ذكر هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (الاستئذان)، فافترقا، ويدل عليه اختلاف ألفاظهما متنًا وسندًا ورجالًا؛ فليحفظ.
(فيصلي)؛ أي: عليه، ففيه المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّ مراده فيها: الصلاة على السرير؛ فافهم (فأَكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: قالت عائشة ﵂: فأكره؛ أي: لا أحب (أن) بفتح الهمزة (أَسْنَحَه)؛ بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح النُّون والحاء المهملة، كذا في رواية (الفرع) و (أصله)، وفي فرع آخر: بِضَمِّ الهمزة، وفتح السين، وتشديد النُّون المكسورة، وفتح الحاء، وللأصيلي: بِضَمِّ الهمزة، وسكون السين، وكسر النُّون، وفتح الحاء، والرواية الأولى اقتصر عليها إمامنا الشَّارح، وكذا الكرماني وابن حجر، وتبعهم القسطلاني، وهذا يدل على أنَّه هو المعروف في اللُّغة، لكن قال ابن التين: بكسر النُّون فيما رويناه، ورواه غيره: بفتح النُّون، وقال الدماميني: بكسر النُّون وفتحها، والمعروف في اللُّغة الفتح، وقد جاء: (فأكره أن أستقبله)، وفي رواية: (فأكره أن أجلس فأؤذيه)، وقال في «عمدة القاري» : هو من قولك: سنح لي الشيء؛ إذا عرض، تريد: أنَّي أكره أن أستقبله ببدنه في صلاته، ومن هذا سوانح الظباء؛ وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم ويجوز إلى ميامنهم، والسانح عند العرب: ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به، ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك؛ لأنَّه أمكن للرمي، والبارح عكسه، والعرب تتطير به، وقال صاحب «العين» : أسنحه: أي أظهر له، وكلما عرض لك؛ فقد سنح، انتهى.
(فأنسَلُّ)؛ بقطع الهمزة، وفتح السين المهملة، وتشديد اللَّام على صيغة المتكلم من المضارع عطفًا على (أكره)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق (من قِبَل)؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة؛ أي: من جهة (رجلي السرير)؛ بلفظ التثنية مضافًا إلى (السرير) (حتى أنسَلَّ)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق كسابقه إلا أنَّ هذا منصوب؛ أي: إلى أن أنسل (من لِحَافي)؛ بكسر اللَّام، وفتح الحاء المهملة؛ أي: ما يلتحف به الإنسان اتقاء البرد.
ففي الحديث: دليل على جواز الصلاة على السرير.
وفيه: دلالة على أنَّ مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع صلاته؛ لأنَّ انسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي.
وفيه: جواز الصلاة بحضرة نائم أو مضطجع ولو امرأة.
وفيه: أنَّ المرأة إذا مست الرجل وبالعكس؛ لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ عائشة ﵂ مست بدنه ﵇ وهو في الصلاة، ولم ينكر عليها؛ فافهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ التَّرجمة في حكم الصلاة على السرير، وفي الحديث: (فيتوسط السرير، فيصلِّي فيه)، فهو يدل على أنَّه يصلِّي على السرير، كما نبَّه عليه الكرماني، وقال: حروف الجر يقام بعضها مقام البعض.
وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: وقوله: «فيتوسط السرير» يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ معنى قوله: «فيتوسط السرير» : يجعل نفسه في وسط السرير.
فإن قلت: ذكر البخاري في «الاستئذان» حديث الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة: «كان يصلِّي والسرير بينه وبين القبلة»، فهذا يبين أنَّ المراد من حديث الباب أسفل السرير.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لاختلاف العبارتين مع احتمال كونهما في الحالتين، فإذا علمت ذلك؛ علمت أنَّ قول الإسماعيلي: بأنَّه دال على الصلاة على السرير لا إلى السرير، غير وارد، يظهر ذلك بالتأمل) انتهى.
واعترضه العجلوني فزعم أنَّ المراد: الصلاة إلى السرير بالتوجه إليه، كما يدل عليه رواية مسروق، فيكون قوله: (يتوسط السرير)؛ أي: أسفل منه، ونقله عن ابن حجر، ثم زعم وأيد كلامه بأنَّ الكلام في السترة والصلاة إليها لا في الصلاة على السرير، ورواية ابن عساكر يحتمل أن ترد (على) بمعنى (إلى) انتهى.
قلت: وهذا تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّ كون المراد ما زعمه خلاف الظَّاهر من اللَّفظ، فإنَّ التَّرجمة في الصلاة على السرير كما بينته رواية ابن عساكر، وهو يعين أنَّ الصلاة فوقه كما في قولك:
стр. 723
صليت على الطنفسة، فإنَّه يكون المراد منه: أنَّه قد صلى فوقها، وهو المتعين في اللُّغة، فما زعمه خلاف اللَّفظ واللُّغة، كما لا يخفى، ورواية مسروق لا تدل لما زعمه؛ لاختلاف اللَّفظ متنًا وسندًا ورجالًا، وهو يدل على أنَّها قصة أخرى غير هذه، ولو كانت قصة واحدة؛ لكان البخاري ذكرها ههنا، واستدل بها لما ترجمه، ولكن لما كان مراد البخاري بترجمته: الصلاة فوق السرير؛ ذكر رواية الأسود واقتصر عليها؛ لما أنَّها مطابقة لترجمته، بخلاف رواية مسروق، فإنَّه لا تدل لما ترجم له فافترقا.
وما زعمه من أنَّ الكلام في السترة غير وارد؛ لأنَّ هذا المذكور حكم من أحكام الصلاة، والمؤلف بصدد أحكام الصلاة وما هنا منها، فبين في هذا الباب أنَّ الصلاة كما تجوز على الأرض كذلك تجوز على السرير؛ أي: فوقه؛ لأنَّ السرير له سترة في جوانبه، وهي تكفي المصلي، وبهذا فهو داخل تحت السترة، كما لا يخفى ورواية ابن عساكر تعين ما ذكرناه.
وما زعمه من الاحتمال بعيد جدًّا؛ لأنَّ (على) أصل معناها: الاستعلاء، وورودها بمعنى (إلى) خلاف معناها المذكور في الفصيح، كما لا يخفى، فما زعمه رجم بالغيب، وهو عليه معيب؛ فافهم، والله تعالى أعلم.
(١٠٠) [باب يرد المصلي من مر بين يديه]
هذا (بابٌ) بالتنوين (يَرُدُّ المصلي) ذكرًا كان أو أنثى (مَنْ) أي: الشخص الذي (يمر بين يديه)؛ أي: سواء كان المار ذكرًا أو أنثى آدميًا أو غيره، وهل يرده إذا مر بين يديه في موضع سجوده أو يرده مطلقًا؟ وهل له حد معلوم؟ وهل الرد واجب أم سنة أم مستحب؟ وهل هو مقيد بمكان مخصوص أو في جميع الأمكنة؟ وسيأتي ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى.
ومنه أنَّ اتخاذ السترة للمصلي مستحب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال مالك بن أنس، ومحمَّد بن إدريس، وقال أحمد ابن حنبل: إنَّه واجب، وروي عن مالك: أنَّه يجوز تركه، وقال عطاء مثله، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
(وردَّ ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵄؛ أي: المار بين يديه وهو في الصلاة، مما وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفهما»، وذكرا أنَّ المار المذكور هو عَمرو بن دينار حال كون ابن عمر (في التشهد)؛ فالجار والمجرور حال؛ أي: حال كونه في تشهد الصلاة خارج الكعبة، وفيه المطابقة للتَّرجمة؛ لأنَّه ردَّه وهو في الصلاة.
وقوله: (وفي الكعبة) : عطف على مُقدَّر؛ أي: وردَّ ابن عمر المار بين يديه عند كونه في الصلاة في داخل الكعبة وفي غيرها أيضًا، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حالة واحدة؛ وهي جمعه بين كونه في التشهد وفي الكعبة، وعليه فلا حاجة إلى المقدر، قاله الكرماني وإمام الشَّارحين.
قلت: لكن ظاهر اللَّفظ أنَّه وقع منه الرد في حالتين؛ أحدهما: في تشهد الصلاة خارج الكعبة، وثانيهما: في الصلاة داخل الكعبة، وهو ما دل عليه رواية أبي نعيم وابن أبي شيبة؛ لأنَّهما وصلا الأثر المذكور في كتاب «الصلاة» لأبي نعيم شيخ المؤلف من طريق صالح بن كيسان قال: (رأيت ابن عمر يصلِّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره، قال: يرده)، وروي من طريق عمرو بن دينار قال: (مررت بابن عمر بعدما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع، فارتفع من مكانه فدفع في صدري)، وفي رواية لأبي نعيم: (فانتهرني بتسبيحة)، وروى ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن دينار قال: (مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة، فارتفع من قعوده، ثم دفع في صدري)، فهذا يدل على أنَّه وقع ذلك مرتين في حالتين، لا ما زعمه الكرماني؛ فافهم.
وفي حديث يزيد الفقير شيخ الإمام الأعظم قال: (صليت إلى جنب ابن عمر بمكة، فلم أر رجلًا أكرَه أن يمر بين يديه منه).
ومطابقة الأثر للتَّرجمة ظاهرة، بقي أنَّه يدل على أنَّ المرور بين يدي المصلي ولو كان داخل الكعبة ممنوع، لكن حديث يزيد الفقير يدل على أنَّ ابن عمر كان يرد المار خارج الكعبة، وروى أحمد وأبو داود عن المطلب بن أبي وداعة: (أنَّه رأى النَّبي الأعظم ﷺ يصلِّي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة)، فهذا يدل على أنَّه لا يمنع المار داخل الكعبة؛ لأنَّها جميعها قبلة كما قدمنا، وعلى هذا لا يمنع المار داخل الكعبة، وخلف المقام، وحاشية المطاف، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابهرضي الله عنهم، والجمهور.
وقال الإشبيلي في «الجمع بين الصَّحيحين» : كذا وقع: (وفي الكعبة)، وقال ابن قرقول: وردَّ ابن عمر في التشهد وفي الركعة، وقال القابسي: (وفي الركعة) بدلًا من (الكعبة) هو الصَّواب، انتهى.
قلت: لكن رواية أبي نعيم أنَّه في الكعبة، وكذلك صرح الإشبيلي، كما سبق، وهي رواية الجمهور، على أنَّه ليس في رواية أبي نعيم ولا ابن أبي شيبة ذكر الركعة، بل الذي فيهما ذكر الكعبة والتشهد؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن رواية الجمهور متجهة، وتخصيص الكعبة بالذكر؛ لئلا يخيل أنَّه يغتفر فيها المرور؛ لكونها محل المزاحمة، انتهى.
وردَّه إمامنا الشَّارح، فقال: (الواقع في نفس الأمر عن ابن عمر في الرد في غير الكعبة وفي الكعبة أيضًا، فلا يقال فيه التخصيص، والتعليل فيه بكون الكعبة محل المزاحمة غير موجَّه؛ لأنَّ في غير الكعبة أيضًا توجد المزاحمة سيما في أيام الجمع في الجوامع ونحو ذلك) انتهى.
واعترضه العجلوني تعصبًا، فزعم بأن المزاحمة في الكعبة كل يوم لأجل الزائرين، وكون الواقع في نفس الأمر كلا الأمرين لا ينافي التخصيص، انتهى.
قلت: هو تعصب بارد من ذهن شارد؛ لأنَّ رواية الجمهور: وقوع الرد من ابن عمر في حالتين: في الكعبة وخارجها، كما دل عليه رواية أبي نعيم وابن أبي شيبة، وعليه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص بالكعبة وما هي إلا غير مفيدة، وقد يدعى التخصيص على رواية (الركعة) بدل (الكعبة)، فيقال: إنَّما خص الكعبة بالذكر؛ لأنَّ جميعها قبلة، فلا يحتاج فيها إلى سترة، وهو غير مراد هنا.
وما زعمه من أن المزاحمة في الكعبة كل يوم؛ باطل؛ لأنَّ أيام المزاحمة ليست على الدوام، بل في بعض أيام الموسم على أنَّه قد لا تفتح الكعبة أصلًا، وقد تفتح في غير أيام الموسم، فليست كل يوم توجد المزاحمة كما زعمه، على أنَّه قد توجد المزاحمة في الجامع أكثر من الكعبة بكثير، والزائرون لا يوجد لهم الدخول إلا في بعض الأحيان في وقت غفلة الناس ليس في كل يوم (١)، وكون الواقع في نفس الأمر كلا الأمرين لا ينافي، بل هو مَنَافٍ كما ذكرنا؛ فافهم.
(وقال)؛ أي: ابن عمر أيضًا، مما وصله عبد الرزاق عنه، ولفظه عن ابن عمر قال: (لا تدع أحدًا يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله؛ فقاتله)، ولفظ هنا موافق لرواية الكشميهني، كذا في «عمدة القاري» : (إن أبى) بكسر همزة (إن)، وفتحها في (أبى) مع فتح الموحَّدة؛ أي: إن امتنع المار من عدم المرور بكل وجه (إلا أن تقاتله)؛ بمثناة فوقية أوله للمخاطب؛ أي: إلا أن يقاتل المصلي المارَّ؛ (قاتله)؛ أي: ادفعه (٢) بالسُّهولة أو بالقهر لا أنَّه يجوز قتله، فإن دم المسلم مضمون، والمقصود المبالغة في كراهة المرور كما وَرَد في الفصيح، قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ معناه: ومن لم يحج، ومنه الحديث: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن تهيَّأ أنْ يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا)، فلا يسع أحدًا أن يحكم على من لم يحج بالكفر بالإجماع، فالمراد به: التغليظ، وههنا مثله، وهذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وشذت طائفة كما يأتي بيانه؛ فافهم.
قال الشَّارح: وقوله: (قاتله) على وجهين: أحدهما: أن يكون لفظ (قاتَلَه) بصيغة الفعل الماضي، وهذا عند كون لفظ: (إلا أن تقاتِلَه) بصيغة الفعل المضارع المعلوم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى المار الذي هو فاعل لفظة: (أبى)، والمنصوب يرجع إلى المصلي، والضمير المرفوع في (قاتَلَه) يرجع إلى المصلي، والمنصوب يرجع إلى المار.
والوجه الثاني: أن يكون لفظة: (إلا أن تقاتِلَه) بصيغة المخاطب؛ أي: إلا أن يقاتل المار، وقوله: (قاتِلْه) رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (فقاتِلْه)؛ بكسر المثناة الفوقية، وسكون اللَّام على صيغة الأمر للحاضر.
فإن قلت: لفظة: (قاتِلْه) في الوجه الثاني جملة أمرية، والجملة
стр. 724
الأمرية إذا وقعت جزاءً للشرط؛ فلا بد فيها من الفاء.
قلت: تقدير الكلام: فأنت قاتله، انتهى.
وقال الكرماني: ويجوز حذف الفاء منها؛ نحو:
من يفعل الحسنات اللهُ يشكرها... . . . . .. . . . . . . . . . . . . .
وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ حذف الفاء فيها لضرورة الوزن، فلا يقاس عليه، ويروى: «فقاتله»؛ بالفاء على الأصل) انتهى.
واعترضه العجلوني بأن حذف الفاء واقع في الاختيار بِقلَّة كما قاله المبرد، ومنه قوله ﵇: «فإن جاء صاحبها، وإلَّا؛ استمتع بها» انتهى.
قلت: وقوع الحذف اختيارًا قليل ونادر، وهو لا حكم له، بل هو في مقام العدم، فلهذا لم يذكره الشَّارح المحقق وغيره، والجمهور من النحاة أنَّه على التقديم والتأخير، فإذا قلت: إن قام زيد؛ أقوم؛ بالرفع، فما محل (أقوم)؟ ومذهب سيبويه: أن (أقوم) ليس هو الجواب، وإنما هو دليل الجواب، وهو مؤخر من تقديم، والجواب محذوف، والأصل: أقوم إن قام زيد، ومذهب الكوفيين: أنَّ (أقوم) نفس الجواب على إضمار الفاء والمبتدأ؛ والتقدير: فأنا أقوم، وتمامه في شرحنا على «الأزهرية» المسمى بـ «تاج الأسطوانية على شرح شرح الأزهرية»، ويقاس عليه ما ههنا، فلا عليك من العجلوني، فإنَّه بالتعصب مشهور؛ فليحفظ.
[حديث: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس]
٥٠٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو مَعْمَر)؛ بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري، المتوفى بها سنة أربع وعشرين ومئتين، وقد سبق في باب (قوله ﵇: «اللهم علمه الكتاب») (قال: حدثنا عبد الوارث) هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، المتوفى بها في المحرم سنة ثمانين ومئة، تقدم أيضًا في هذا الباب (قال: حدثنا يونس) هو ابن عبيد -بالتصغير- ابن دينار، أبو عبد الله البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، (عن حُميد)؛ بِضَمِّ الحاء، تصغير الحمد (بن هِلَال)؛ بكسرالهاء، وتخفيف اللَّام: العدوي البصري، التَّابعي الجليل، لم يفضلوا عليه أحدًا في العلم في زمانه، (عن أبي صالح) هو ذكوان السَّمان التَّابعي المدني: (أن أبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدري، الصَّحابي الجليل، (قال: قال رسول الله ﷺ .
(ح) : مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته حرف الحاء المهملة المفردة، وهي ساقطة في «اليونينية»، ولا يضر في التحويل كون المحول إليه فيه زيادة قصة، والتفاوت بين الإسنادين أن الأول فيه: (عن أبي صالح أن أبا سعيد)، والثاني: (قال أبو صالح: رأيت أبا سعيد)، والثاني أقوى، فإن الاعتبار بالحديث، ولا تفاوت فيه بينهما، وقد ساق البخاري هذا الحديث في (بدء الخلق) بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يونس بعينه، وههنا من لفظ سليمان لا من لفظ يونس، كذا في «عمدة القاري» مع تغيير؛ فافهم.
(قال: حدثنا آدم)؛ بهمزة ممدودة، ولأبي الوقت: (آدم بن أبي إياس) هو العسقلاني (قال: حدثنا سليمان بن المُغيرة)؛ بِضَمِّ الميم: هو القيسي البصري، قال إمام الشَّارحين: (ولم يخرج المؤلف لسليمان شيئًا موصولًا غير هذا الحديث) انتهى.
وزعم ابن حجر أن لفظ الحديث في (بدء الخلق) مغاير لما هنا، وليس فيه تقييد الرفع بما إذا كان المصلي يصلِّي إلى سترة، والمطلق محمول على المقيد؛ لأنَّ المصلي إلى غير سترة مقصر لا سيما إن صلى في شارع المشاة، انتهى.
قلت: وفيه: أن ما هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (بدء الخلق)، ولا يلزم الحمل المذكور؛ لأنَّ الرفع يطلب مطلقًا، ولو كان يصلِّي إلى غير سترة، كما إذا صلى في مكان ونسي أن يغرز سترة، أو صلى في مكان لا يظن فيه المرور، ثم جاء مار وأراد المرور؛ فليدفعه، فإنَّه في هذا غير مقصر؛ فليحفظ.
(قال: حدثنا حميد بن هلال) هو العدوي التَّابعي (قال: حدثنا أبو صالح السَّمان) هو المدني التَّابعي، ففي الإسنادين رواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال: رأيت) أي: أبصرت (أبا سعيد الخدري) هو سعد بن مالك، الصَّحابي الجليل المشهور ﵁، والمفعول الثاني هو قوله: (في يوم جمعة)، وقوله: (يصلِّي إلى شيء)؛ أي: عنزة ونحوها طول ذراع بغلظ إصبع (يستره من الناس)؛ أي: من مرورهم بين يديه، جملة محلها نصب على الحال، وهل هذه صلاة الجمعة أو غيرها؛ الظَّاهر: الثاني؛ كصلاة سنة الجمعة أو نفل أو غيرهما؛ لأنَّ صلاة الجمعة لا تؤدى إلا مع الإمام وهو يصلِّي في محرابه، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ويحتمل أنَّه كان يصلِّي في غير المسجد، وعلى كل حال؛ فهي غير صلاة الجمعة؛ فافهم، (فأراد شاب من بني أبي مُعَيْط)؛ بِضَمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، وأبو معيط في قريش، واسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية الأكبر، هو والد عقبة بن أبي مُعَيْط الذي قتله النَّبي الأعظم ﷺ صبرًا، و (مُعَيْط) : تصغير معط؛ وهو الذي لا شعر عليه، فالأمعط والأمرط سواء، قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
واختلف في اسم الشاب المذكور على أقوال؛ أحدها: أنَّه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط؛ لما في كتاب (الصلاة) للبخاري من طريق شيخه أبي نعيم عن زيد بن أسلم قال: (بينما أبو سعيد قائمًا يصلِّي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه).
الثاني: أنَّه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: (كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه فأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره؛ لأخذت).
الثالث: أنَّه داود بن مروان؛ لما رواه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى، ولفظه: (أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة...)؛ فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجوزي، وروى عبد الرزاق الحديث، عن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: (فذهب ذو قرابة لمروان)، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: (مَرَّ رجلٌ بين يدي أبي سعيد من بني مروان)، وللنسائي من وجه آخر: (فمر ابن لمروان).
ثم قال إمامنا الشَّارح بعد أن ساق الطرق: (والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد؛ لأنَّ في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرًا لا يخفى) انتهى.
وتبعه ابن حجر وغيره، ونظر ابن حجر في القول الأول: بأن في الحديث: (أنه دخل على مروان)، وزاد الإسماعيلي: (ومروان يومئذٍ أمير على المدينة)، ولم يكن مروان أميرًا على المدينة إلا في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد يومئذ فيها، وأيضًا لم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وقال في الثالث: وفيه نظر؛ لأنَّ فيه أنَّه من بني أبي معيط وليس مروان من بنيه، بل أبو معيط ابن عم (١) والد مروان، لكن يحتمل أن داود نسب إلى ابن معيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه بعد، والأقرب أن الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، انتهى.
قلت: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ قوله: (ولم يكن مروان
стр. 725
أميرًا على المدينة...) إلخ؛ لا ينافي ذلك، فإنَّه قد دخل على مروان لأجل الشكاية إليه وإن لم يكن أميرًا، فإن كثيرًا من الناس إذا وقع في أمر؛ يشكو أمره أولًا لصاحبه أو صديقه أو قريبه ثم يشكو للحاكم، فيجوز أن يكون الوليد شكا أمره أولًا لمروان.
وقوله: (ولم يكن يومئذ شابًّا...) إلخ: كلام متناقض على أنَّه قد استوجهه؛ فافهم.
وقوله في الثالث: (إنَّه بعيد) : ليس كذلك؛ لأنَّه يجوز أن ينسب إلى ما ذكره؛ لشهرته به على طريقة المجاز، وهو سائغ في الكلام، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أن يجتاز)؛ بالجيم والزاي، من الجواز؛ أي: يمر، جملة محلها نصب مفعول (أراد) (بين يديه)؛ بالتثنية؛ أي: بين يدي أبي سعيد (فدفع) وفي بعض النُّسخ: (فدفعه)؛ بالضمير (أبو سعيد) أي: سعد بن مالك الخدري (في صدره) أي: في صدر الشاب المذكور (فنظر الشاب) يحتمل أنَّه نظر إليه متعجبًا من فعله به، ويحتمل أنَّه نظر طريقًا يمر فيه غيره، ويدل عليه قوله: (فلم يجد) أي: الشاب (مَسَاغًا)؛ بفتح الميم والسين المهملة، وبالغين المعجمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق؛ إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيء: طاب (إلا بين يديه) أي: أبي سعيد، (فعاد) أي: الشاب (ليجتاز) أي: ليمر بين يديه، (فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى)؛ أي: من المرة الأولى أو الدفعة الأولى، كما في «عمدة القاري»، (فنال)؛ بالفاء والنُّون؛ أي: فأصاب (الشاب من أبي سعيد) : من عرضه بالشتم، وهو من النيل؛ وهو الإصابة، كذا قال الشراح.
قلت: وفيه: أن الشاب لم ينل من أبي سعيد شتمًا (١) في عرضه، وإنما أصابه منه شتم باليد المرة بعد أخرى.
(ثم) إن الشاب رجع ولم يمر بين يدي أبي سعيد حتى (دَخَل على مروان بن الحَكَم)؛ بفتحتين: الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنَّه رأى النَّبي الأعظم ﷺ ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلموهو ابن ثمان سنين، توفي بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين عن ثلاث وستين سنة، وتقدم ذكره في باب (البزاق).
قلت: ودفن بباب الصغير ﵁.
(فشكى) أي: الشاب (إليه) أي: إلى مروان (ما لقِي)؛ بكسر القاف؛ أي: الذي لقيه (من أبي سعيد)؛ أي: من الدفع الذي دفعه أبو سعيد، وإنما شكى إليه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صديقه، أو صاحبه، أو لقرابته منه، ويحتمل أنَّه ابن زوجة مروان، وسماه ابنه مجازًا كما سبق، ويحتمل غير ذلك كما قدمنا؛ فليحفظ.
(ودخل أبو سعيد خلفه على مروان)؛ يعني: أن أبا سعيد لما رأى الشاب رجع وذهب إلى دار مروان؛ علم أنَّه يشتكي عليه إليه، فأتم صلاته وذهب خلفه حتى دخل على مروان؛ لأجل أن يعلمه أن المرور بين يدي المصلي غير جائز؛ لاحتمال أن الحديث لم يبلغهم؛ فافهم.
(فقال) أي: مروان (لأبي سعيد: ما لك ولابن أخيك) : وكلمة (ما) مبتدأ، و (لك) : خبره، (ولابن أخيك) : عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، وإنما لم يقل: ولأخيك؛ بحذف (الابن)؛ نظرًا إلى أنَّه كان شابًّا أصغر منه، قاله الشَّارح، (يا با سعيد؟) وهذا يدل على أنَّ المارَّ بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد بن عقبة؛ لأنَّ أباه عقبة قتل كافرًا، قاله المحقق بدر الدين العيني الحنفي رضي الله تعالى عنه، آمين.
(قال)؛ أي: أبو سعيد لمروان والشاب: لم أفعل الدفع المذكور من تلقاء نفسي لغرض هوًى، وإنما فعلته اتِّباعًا لرسول الله ﷺ ؛ لأني (سمعت النَّبي) الأعظم ﷺ ، وجملة: (يقول) محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) (إذا صلى أحدكم)؛ أي: في الصحراء أو في مسجد صغير دون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا، كما قدمناه (إلى شيء يستره)؛ أي: كعنزة ونحوها مما طوله ذراع بغلظ إصبع (من الناس)؛ أي: من مرورهم بين يديه، أمَّا المسجد الكبير؛ فلا يحتاج المصلي فيه من السترة، كما سبق غير أنَّه إذا مر أحد بين يديه؛ يدفعه؛ فافهم، (فأراد أحد) من الناس (أن يجتاز) أي: يمر (بين يديه) أي: في موضع سجوده؛ (فليدفعه) وفي رواية مسلم: (فليدفع في نحره)؛ أي: بالأسهل والأخف، وقال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، انتهى.
وهل الدفع المذكور مندوب أم واجب؟ قال النَّووي: وهذا الأمر أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه، واعترضه الشَّارح: بأن أهل الظَّاهر قالوا بوجوبه؛ لظاهر الأمر، فكأنَّ النَّووي ما اطَّلع على هذا.
وقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأمَّا إذا صلى إلى غير سترة؛ فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام الدليل عليه وهي السنة التي وَرَدت السنة بمنعها، انتهى.
قلت: هذا ليس على إطلاقه؛ لأنَّ المصلي بمكان يملكه من موضع قدميه إلى موضع سجوده سواء كان يصلِّي إلى سترة أو لا، فإذا صلى إلى سترة؛ فظاهر، وأمَّا إذا صلى لغير سترة؛ فليس لأحد أن يمر بين يديه، وله دفعه مطلقًا، كما إذا صلى ونسي وضع السترة أو في مكان لا يظنُّ المرور فيه، فجاء مار؛ فله دفعه، كما لا يخفى، وقد سبق ذلك؛ فافهم.
وقال إمامنا الشَّارح: (ولا يجوز للمصلي المشي من موضعه ليَرُدَّ المار، وإنما يدافعه ويرده من موضعه؛ لأنَّ مفسدة الشيء في الصلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، ولا يجمع بينهما) انتهى.
قلت: وظاهره أنَّ هذا مذهب الإمام الأعظم ﵁، لكن قد ذكر في «المنية» و «شرحها» للحلبي البرهان: أن المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لا يضرها ولا يفسدها، انتهى.
وفي «عمدة القاري» : وفي «الكافي» : يدفعه ويصر على ذلك، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسده صلاته، وهذا هو المشهور عن مالك وأحمد، وقال أشهب: إن قَرُبَ منه؛ درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه؛ لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه؛ لا يَرُدُّه؛ لأنَّه مرور ثان، وكذا رواه ابن القاسم عن مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مر بين يديه ما لا يؤثر فيه الإشارة كالهرة؛ قال مالك: دفعه برجله أو ألصقه إلى السترة، انتهى.
(فإن أبى)؛ أي: امتنع المار من الرجوع؛ (فلِْيقاتله)؛ بكسر اللَّام الجازمة وسكونها؛ أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، قال القرطبي: وأجمعوا على أنَّه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح ولا بغيره؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال القاضي عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقابلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز، فهلك من ذلك؛ فلا قَوَدَ عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان لمالك، وتجب الدية والكفارة عند سيدنا الإمام الأعظم؛ لأنَّ دم المسلم مضمون، والحديث محمول على التغليظ كما في آية الحج وحديثه، ولا دِية ولا كفارة عند الشَّافعي، وفيه الدية عند أحمد ابن حنبل، وقال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، والجمهور على أنَّ معنى: (فليقاتله) : الدفع بالقهر لا جواز القتل؛ لأنَّ المقصود المبالغة في كراهة المرور، وفي «التَّمهيد» : العمل القليل في الصلاة جائز؛ نحو: قتل برغوث، وحك جسد، وقتل عقرب بما خفَّ من الضرب ما لم يكن كثيرًا، فإن كثر؛ يفسد الصلاة، وشذ جماعة من الشَّافعية، فزعموا إلى أنَّه يقاتله حقيقة، وردَّه ابن العربي، فقال: المراد: المدافعة.
وأبعد الباجي فزعم أن المراد بالمقاتلة: اللعن، وأنكره جماعة بأنه يستلزم التكلم في الصلاة؛ وهو مبطل، وأجاب بعضهم باحتمال أن يريد لعنه بالدعاء من غير خطاب، لكن فعل أبي سعيد يرده، وهو أدرى بالمراد.
قلت: وما هذا إلا خلاف الحق والصَّواب، فإنَّ لعن
стр. 726
الكافر المعين؛ لا يجوز، فكيف بلعن المسلم الموحد لله الشاهد بالرسالة للنبي الأعظم ﷺ ، فإنَّ لعنه كبيرة من الكبائر، وكذلك لا يجوز لعنه بالدعاء من غير خطاب؛ لأنَّ اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ولا يستحق ذلك إلا من أشرك في الله تعالى، أمَّا المسلم؛ فلعنه حرام كبيرة تغمس صاحبها في جهنم؛ فانظر هذه الجرأة الوخيمة من هؤلاء الذين يستحقون من الله العذاب الأليم، وقد أعمى الله أبصارهم عن قوله تعالى في آية الحج: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾، وعن قوله ﵇: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا)، فإن الأئمة أجمعوا على أنَّ المراد به: التغليظ لا الكفر حقيقة، وما نحن فيه مثله، فإن مراده ﵇ بالمقاتلة المدافعة، كما ذكره جمهور العلماء؛ فليحفظ.
وقوله: (فإنما هو) أي: المار (شيطان) : بيان وتعليل للمقاتلة، قال في «عمدة القاري» : وهذا من باب التشبيه للمبالغة؛ أي: إنَّما هو كالشَّيطان، أو يراد به: شيطان الإنس، وإطلاق الشَّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وقال الخطابي: (معناه: أن الشَّيطان يحمله على ذلك، ويحركه إليه، وقد يكون أراد بالشَّيطان: المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشَّيطان: هو المارد الخبيث من الجن والإنس).
وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشَّيطان، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: (لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله، فإن معه القرين)، ومثله عند ابن ماجه.
وقال ابن المنكدر: (فإنَّ معه العُزَّى، وقيل: معناه: إنَّما هو فعل الشَّيطان لشغل قلب المصلي، كما يخطر الشَّيطان بين المرء ونفسه) انتهى.
وفي الحديث: طلب اتخاذ السترة للمصلي، وفيه خلاف؛ ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه ﵃: أنها مستحبة، وبه قال مالك والشَّافعي، ويجوز تركها عند مالك، وقال أحمد: إنها واجبة، فإن لم يجد؛ وضع خطًّا؛ لحديث ابن عمر الذي صححه الحاكم: (لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا (١) يمر بين يديك)، وعند أبي نعيم: قال عمر بن الخطاب: (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته؛ ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس)، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه، وقال بالاستحباب جماعة؛ إبراهيم النخعي، وعطاء، والقاسم، وسالم، رواه ابن أبي شيبة.
وحدُّها: من قدمي المصلي إلى موضع سجوده، واختار شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، والإمام قاضي خان: أنَّه يكره المرور في موضع سجود المصلي، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: ثلاثة أذرع، وقيل: بأربعين ذراعًا، وقدره الشَّافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحده مالك.
وكذلك يستحب في الصحراء أن يتخذ سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ولا يضره ما مر أمامه»، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وقال القاضي عياض: هذا حديث ضعيف، وضعفه ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، والشَّافعي، والنَّووي.
ويستحب أن تكون السترة قدر ذراع، وأن يكون بغلظ إصبع؛ لأنَّ ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد، ويقرب المصلي من السترة، ويجعلها على أحد حاجبيه الأيمن أو على الأيسر، كما نص عليه أئمتنا الأعلام؛ لما روى أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا)؛ يعني: لم يقصده قصدًا بالمواجهة، والصمد: القصد لغة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.
والمعتبر عندنا الغرز دون الخط والإلقاء؛ لأنَّ المقصود هو الدرء بالخط، والإلقاء لا يُحصِّلُ المقصود، وقال شيخ الإسلام في «المبسوط» : إنَّما يغرز إذا كانت الأرض رخوة، أمَّا إذا كانت صلبة؛ فيضع وضعًا، لكن يضع طولًا لا عرضًا، وفي «المحيط» : الخط ليس بشيء، وهو قول الجمهور، وجوَّزه أشهب، وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، والشَّافعي بالعراق، ثم قال بمصر: لا يخط، وحديث أبي هريرة المار ضعَّفه جماعة؛ عبد الحق، وابن حزم، وغيرهما، ولا يضر وضع سترة مغصوبة، فإنَّها معتبرة عندنا، وعند أحمد تبطل الصلاة، ومثله الثوب المغصوب، انتهى وتمامه في «عمدة القاري».
وفيه: أن المار كالشَّيطان في أنَّه يشغل قلب المصلي عن مناجاة ربه تعالى، وفيه: أنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: إنَّه شيطان، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المار شيطانًا بمروره بين يديه، وفيه: أن دفع الأمور بالأسهل فالأسهل، وفيه: أن المنازعات لا بد [فيها] من الرفع للحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، وفيه: أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي له منتفعًا به، انتهى، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
(١٠١) [باب إثم المار بين يدي المصلي]
هذا (باب) بيان (إِثم المار بين يدي المصلِّي)؛ بكسر اللَّام، وأصل (المار) : مارر، فأسكنت الرَّاء الأولى، وأدغمت في الثانية، والإدغام في مثله واجب، قاله الشَّارح، وهو من الكبائر إذا صلى إلى سترة في الصحراء، أو في المسجد الصغير، وكذا إذا صلى إلى غير سترة في المسجد الكبير، وإنما كان كبيرة؛ لذكر الوعيد عليه في الأحاديث؛ منها: حديث الباب، ومنها: حديث أنس بن مالك عند الترمذي: «لأَنْ يقف أحدكم مئة عام؛ خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلِّي»، ومنها: ما رواه ابن عبد البر موقوفًا: (لأن يكون الرجل رمادًا يذرى به؛ خير له من أن يمر بين يديه رجل متعمدًا وهو يصلِّي) انتهى، وهذا يدل على أنَّ المرور مكروه تحريمًا، فإن صلى إلى غير سترة في الصحراء أو في المسجد الصغير؛ فإن الكراهة تعود على المصلي دون المار؛ لتقصير المصلي في عدم السترة، وقد يقال: إنهما يشتركان في الإثم؛ لأنَّ المصلي مقصر كما علمت، وكذلك المار يكون مقصرًا؛ لأنَّه علم المصلي أنَّه في الصلاة ومر بين يديه، وكذا إذا مر في موضع سجوده في المسجد الكبير؛ فإن الإثم على المار كما قررناه، وتمامه في شرحنا على «القدوري».
[حديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين]
٥١٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي الدمشقي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة: هو سالم بن أبي أمية (مولى عُمر بن عُبيد الله) بِضَمِّ العين المهملة فيهما، (عن بُسْر) بِضَمِّ الباء الموحَّدة، وسكون السين المهملة (بن سعيد)؛ بالتحتية بعد العين المهملة مكبرًا: هو الحضرمي المدني الزاهد التَّابعي الثِّقة، المتوفى سنة مئة، ولم يخلف كفنًا، قلت: والبسر: أوله طلع؛ ثم خَلال -بالفتح-، ثم بَلَح -بفتحتين-، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر، وبابه (نصر) : (أنَّ زيد بن خالد)؛ بفتح الهمزة: هو الجهني الصَّحابي ﵁ (أرسله)؛ أي: جعله رسولًا؛ يعني: جعل زيدٌ بُسرًا رسولًا برسالته، كذا في «الصِّحاح»، فما فسره العجلوني: (أي: بعثه)؛ مخالف للُّغة؛ فافهم، (إلى أبي جُهَيم)؛ بِضَمِّ الجيم، وفتح الهاء: هو عبد الله بن جُهَيم، قال إمامنا الشَّارح: أبو جُهَيم -بالتصغير- -مر في باب (التيمم في الحضر) - ابن عبد البر راوي حديث التيمم هو غير راوي حديث المرور، وقال الكلاباذي: أبو جهيم، ويقال: أبو جهم بن الحارث، روى عنه البخاري في (الصلاة) و (التيمم)، وقال النَّووي: أبو جهيم راوي حديث المرور وحديث التيمم، عن أبي الجهم -مكبرًا- المذكور في حديث الخميصة والإنبجانية؛ لأنَّ اسمه عبد الله وهو أنصاري، واسم ذلك عامر وهو عدوي، وقال الذهبي: (أبو الجهيم، ويقال: أبو الجهم بن الحارث بن الصمة، كان أبوه من كبار الصَّحابة)، ثم قال: (أبو جهيم: عبد الله بن جهيم، جعله وابن الصمة واحدًا أبو نعيم وابن منده، وكذا قاله مسلم في بعض كتبه، وجعلهما ابن عبد البر اثنين، وهو أشبه،
стр. 727
لكن متن الحديث واحد) انتهى، قلت: وما ذكر من أنَّ المرسِل زيد، والمرسَل بسر، والمرسل إليه أبو جهيم في هذا الحديث هو ما ذكره في «الموطأ» لم يختلف فيه، وتابعه سفيان الثَّوري عن أبي النَّضر عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النَّضر فقال: عن بسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهيم إلى زيد بن خالد أسأله... ؛ فذكر هذا الحديث، قال ابن عبد البر: انقلب على ابن عيينة، وقال ابن معين: إنَّه خطأ، واعترضه ابن القطان، فقال: ليس بخطأ؛ لاحتمال أن يكون أبو جُهيم بعث بسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جُهيم، انتهى، قلت: وفيه أنَّه لم يذكر ذلك في المتن، فالاحتمال بعيد.
وزعم ابن حجر أن قولهم: أخطأ فلان، مبني على غلبة الظن، ولا يشترط الخطأ في نفس الأمر، انتهى.
قلت: لا يخفى أن غلبة الظن منزَّلة منزلة اليقين عند المحققين، وأمَّا نفس الأمر؛ فلا يطَّلع عليه إلا رب العزة جلَّ وعلا؛ فافهم، والله أعلم.
(يسأله) أي: يسأل أبا جُهيم: (ماذا سمع من رسول الله ﷺ أي: عن الذي سمعه (في) حكم الشخص (المار بين يدي المصلي؟)؛ أي: أمامه في موضع سجوده، أو بينه وبينه ثلاثة أذرع أو رمية حجر؛ أقوال للعلماء، والصَّواب: الأول كما علمت، (فقال أبو جُهيم) بالتصغير: (قال رسول الله ﷺ أي: في حق المار المذكور: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه)؛ أي: من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكشميهني: (ماذا عليه من الإثم)، وليست (١) هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في «الموطأ» ليست هذه الزيادة، وكذا في سائر المستندات والمستخرجات غير أنَّه وقع في «مصنف ابن أبي شيبة» : (ماذا عليه)؛ يعني: من الإثم، وعيب على الطَّبري؛ حيث عزا هذه الزيادة في (الأحكام) للبخاري، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال القسطلاني: (هذه الزيادة ثابتة في «اليونينية» من غير عزو) انتهى، وأنكر ابن الصلاح على من أثبتها، لكن قال النَّووي: في رواية رويناها في «الأربعين» : (ماذا عليه من الإثم) انتهى، قلت: وعلى كل فهي ثابتة، والمثبت مقدم على النافي.
وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن هذه الزيادة ذكرت في أصل «البخاري» حاشية، فظنها الكشميهني من الأصل؛ لأنَّه ليس من أهل العلم ولا الحفاظ، بل كان راوية، انتهى.
قلت: هذا متعسف؛ لأنَّه حيث ذكرت في الأصل؛ فلا ريب أنَّها منه، وظن الكشميهني معتبر، ويقال له: غلبة الظن، وهو بمنزلة اليقين، وكيف يزعم هذا القائل أنَّه ليس من أهل العلم ولا الحفاظ، وقد ذكر المحدثون: أن الرواي لا بد فيه من العدالة والإتقان والحفظ، فنفي العلم يستلزم الجهل، ونفي الحفظ يستلزم البلادة، وهما ينافي الراوي، وعليه فلا يجوز الرواية عنه، فكيف رُويت عنه الأحاديث الصَّحيحة؛ فانظر ما زعمه هذا القائل.
وقال إمامنا الشَّارح: (وكلمة «ما» : استفهام، ومحلها الرفع على الابتداء، وكلمة «ذا» : إشارة خبره، والأَولى أن تكون «ذا» موصولة؛ بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأنَّ تقديره: ماذا عليه من الإثم؟ ثم إن «ماذا عليه» : في محل نصبٍ سدَّ مسدَّ المفعولين لقوله: «لو يعلم»، وقد علق عمله بالاستفهام) انتهى.
قلت: وإنما أبهم الإثم في رواية الصَّحيح إشارة إلى أنَّ هذا الإثم عظيم كبير، لا يتقدر بقدر، ولا يوصف بوصف، ولا يدخل تحت عبارة؛ فافهم.
وما ذكره العجلوني هنا غير سديد؛ لأنَّ فيه خلطًا وخبطًا؛ فاجتنبه.
وقوله: (لكان أن يقف أربعين) : جواب (لو)، وكلمة (أن) : مصدرية؛ والتقدير: لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي؛ لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمر؛ أي: مروره بين يديه، قاله إمام الشَّارحين.
وزعم الكرماني أنَّ جواب (لو) ليس المذكور؛ إذ التقدير: لو يعلم ماذا عليه؛ لوقف أربعين، ولو وقف أربعين؛ لكان خيرًا له.
وردَّه الشَّارح بأنَّه لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسف، وحق التركيب ما ذكرناه؛ فافهم، انتهى.
واعترضه العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني أدق وأتم في الارتباط، والمعنى يدل عليه، نعم؛ ليس هو بمتعين كما في «الفتح»، انتهى.
قلت: اعتراض الناقل والمنقول عنه؛ كلاهما غير صواب؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ يدل لما قاله إمامنا الشَّارح، بل الظَّاهر أنَّه متعين ههنا، وعليه المعنى ظاهر، وأمَّا ما زعمه الكرماني؛ فإنَّه قاصر فاسد التركيب، غير مرتبط كلامًا ومعنًى، فما زعمه العجلوني تبعًا لابن حجر تعصب بارد من ذهن شارد؛ فافهم.
(خيرًا له) قال الشَّارح: (فيه روايتان النصب والرفع؛ أمَّا النصب؛ فظاهر؛ لأنَّه خبر لـ «كان»، واسم «كان» هو قوله: «أن يقف»؛ لأنا قلنا: إن كلمة «أن» مصدرية، وأن التقدير: لكان وقوفه خيرًا له أربعين، وأمَّا الرفع؛ فقد قال ابن العربي: هو اسم «كان»، ولم يذكر خبره ما هو، وخبره هو قوله: «أن يقف»؛ والتقدير: لو يعلم المار ماذا عليه؛ لكان خير وقوفه أربعين) انتهى.
وزعم ابن حجر: (يحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها)، وردَّه الشَّارح: بأنَّه تعسف، واعترضه العجلوني بأن لا تعسف، بل كل في مركزه، ولا إخبار عن النكرة بمعرفة، وتقدير ضمير الشأن متداول، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه فاسد الاعتبار والتركيب مع خفاء المعنى المراد منه، على أنَّه ليس كل في مركزه، كما لا يخفى، وليس فيه الإخبار عن النكرة بمعرفة مع أنَّه جائز عند جماعة، وضمير الشأن وإن كان تقديره متداولًا، لكنه في غير هذا، أمَّا ههنا؛ فغير متداول، بل غير ظاهر المعنى مع ما فيه من الخفاء وعدم ظهورالمراد؛ فافهم.
(من أن يمر)؛ أي: المار، متعلق بقوله: (خيرًا)، وكلمة (من) : هي الجارة للمفضل عليه (بين يديه)؛ أي: يدي المصلي؛ أي: أمامه بالقرب منه، وإنما عبر باليدين؛ إمَّا لكون أكثر الشغل يقع بهما، وإمَّا لأنَّ المار يمر قرب يدي المصلي، فللقرب المذكور عبَّر بهما؛ فليحفظ، وإنما خص الوقوف -وهو تعذيب- جزاءً لفعله وهو أهون؛ لأنَّ عذاب الدنيا أسهل من عذاب الآخرة.
وقد قال إمام الشَّارحين: وروى ابن ماجه عن النَّبي الأعظم ﷺ : «لأنْ يقوم أربعين خير له من أن يمر بين يديه»، قال سفيان: فلا أدري أربعين سنة، أو شهرًا، أو صباحًا، أو ساعةً، وفي «مسند البزار» : «لأنْ يقوم أربعين خريفًا خير له»، وفي «صحيح ابن حبان» عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة؛ كان لأن يقيم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها»، وفي «الأوسط» للطبراني عن عبد الله بن عَمرو مرفوعًا: «إن الذي يمر بين يدي المصلي عمدًا؛ يتمنى يوم القيامة أنَّه شجرة يابسة»، وفي «المصنف» عن عبد الحميد عاملِ عمر بن عبد العزيز: قال ﵇: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه؛ لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه»، وقال ابن مسعود: (المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مر أحد بين يديه؛ التزمه حتى يرده)، وقال ابن بطال: قال عمر ﵁: (لكان يقوم حولًا خير له من مروره)، وقال كعب الأحبار: لكان أن يُخسَف به خير له من أن يمر بين يديه، انتهى.
قلت: فهذا كله يدل على الوعيد
стр. 728
الشديد، ولهذا قال الشَّارح: وفي الحديث: أن المرور بين يدي المصلي مذموم، وفاعله مرتكب الإثم.
وقال النَّووي: فيه: دليل على تحريم المرور، فإنَّ في الحديث النَّهي الأكيد، والوعيد الشديد، فيدل على ذلك.
قلت: فعلى ما ذكره ينبغي أن يكون المرور بين يدي المصلي من الكبائر، اختلف في تحديد ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبينه ثلاثة أذرع، وقيل: بينهما قدر رمية حجر، وقد مر الكلام فيه، انتهى، قلت: والقول الأول هو الصَّواب، وعليه الجمهور من أولي الألباب.
(قال أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون المعجمة: هو سالم بن أبي أمية المذكور في السند السَّابق: (لا أدري أقال)؛ بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر: بإسقاطها، لكنها مقدرة، وفاعله بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك.
وزعم الكرماني أن فاعله بسر أو رسول الله ﷺ ، وهو إما من كلام مالك؛ فهو مسند، وإما تعليق من البخاري.
وردَّه إمامنا الشَّارح، فقال: (الظَّاهر من اللَّفظ: أنَّه بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذلك هو ثابت في رواية النَّووي وابن عيينة) انتهى، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني؛ فليحفظ.
(أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟) : وللبزار: (خريفًا)، ولابن ماجه: (أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعة)، ولابن حبان: (مئة عام)، كما قدمناه، وإنما ذكر هذا؛ لأنَّه ذكر العدد؛ أعني: (أربعين)، ولا بد له من مميز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قلت: قال الكرماني: وأبهم الأمر؛ ليدل على الفخامة، وأنَّه مما لا يقادر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، انتهى.
وردَّه الشَّارح، فقال: (الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معين، ألا ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مئة عام...»؛ الحديث؟ وكذا عيَّن في «مسند البزار» من طريق سفيان بن عيينة: «لكان أن يقف أربعين خريفًا») انتهى.
وقال الكرماني: (فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: هي أسرار، وأمثالها لا يعلمها إلا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين؛ كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أريد التكثير؛ ضوعف كل واحد إلى عشرة أمثاله) انتهى.
واعترضه الشَّارح، فقال: (غفل الكرماني عن رواية المئة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين).
وزعم ابن حجر في التنكيت على الكرماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق (الأربعين) للمبالغة في تعظيم الأمور لا لخصوص عدد معين.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا ينافي رواية المئة بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر؟ ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو الستين أو نحو ذلك؟ والجواب الشافي في ذلك: أن تعيين الأربعين الوجه الذي ذكره الكرماني، وأمَّا وجه ذكر المئة؛ فما ذكره الحافظ الطَّحاوي: أنَّه قيد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؛ لزيادة في تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر، وتخويف، وتشديد.
فإن قلت: من أين علم أن التقييد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؟
قلت: وقوعهما معًا مستبعد؛ لأنَّ المئة أكثر عددًا من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المئة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كله حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المئة عن الأربعين.
فإن قلت: قد علم وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المئة؟
قلت: المئة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفردت به) انتهى كلام إمامنا الشَّارح الحافظ بدر الدين العيني قدس سره العزيز، ونفعنا به في الدارين.
ثم قال: (وفي الحديث: عموم النَّهي لكل مُصلٍّ، وتخصيص بعضهم بالإمام والمنفرد؛ لا دليل عليه، وفيه: طلب العلم، والإرسال لأجله، وفيه: جواز الاستنابة، وفيه: أخذ العلماء بعضهم من بعض، وفيه: الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو؛ لإرسال زيد بن خالد بُسَر بن سعيد إلى أبي جُهيم، ولو طلب العلو؛ لسعى هو بنفسه إلى أبي جُهيم، وفيه: قبول خبر الواحد) انتهى.
ومراده بقوله: (وتخصيص بعضهم...) إلى آخره: بعض المالكية؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه فانتفى (١) المأموم، ورُدَّ بأنَّه لا يطابق المدعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد.
وقال ابن بطال: فُهِم من قوله: (لو يعلم) : أن الإثم يختص بمن يعلم بالمنهي وارتكبه، واعترضه ابن حجر: بأنَّه بعيد.
وردَّه الشَّارح: بأنَّه ليس فيه بُعد؛ لأنَّ (لو) للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجود العلم، انتهى.
قلت: ويدل عليه قول النَّبي الأعظم ﷺ : «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه»؛ ومعناه: رفع الإثم عند الجمهور، فالذي لم يعلم مخطئ بالفعل المذكور، وهو غير مؤاخذ به؛ لعدم علمه، لا يقال: يعارضه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]؛ لأنَّا نقول: إن معناه: فاسألوهم حين وجودهم، أمَّا عند عدم وجودهم؛ فالإثم مرفوع؛ للحرج، كما إذا كان في مفازة، أو في الصحراء، أو مسافرًا، أو في قرية، أو نحوها، وفي هذه الأماكن لا يوجد من أهل الذكر أحد، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فرفع عنه الإثم للحرج، كما لا يخفى.
وزعم ابن حجر أنَّ ظاهر الحديث أن الوعيد يختص بمن مر، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي؛ فهو في معنى المار، انتهى.
قلت: ظاهر الحديث يخالفه، فإن من وقف بين يديه، أو جاء وقعد، أو جاء ورقد؛ فهو مار حقيقة وزيادة، فإن المار عابر سبيل، أمَّا هذا؛ فقد زاد؛ لأنَّه مر بين يديه، وزاد عليه الوقوف أو القعود أو الرقود، فهو مَارٌّ حقيقة، وليس العلة كما زعمه، وإنَّما العلة ما قاله النَّبي الأعظم ﷺ : «فإنَّما هو شيطان»، كما سبق.
وذكر ابن دقيق العيد: أنَّ بعض المالكية قَسَّم أحوال المار والمصلي أربعة أقسام؛ الأول: أن يصلِّي إلى سترة في غير مشرع وللمار مندوحة؛ فيأثم المار دون المصلي، الثاني: أن يصلِّي في مشرع مسلوك بغير سترة أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المار مندوحة؛ فيأثم المصلي دون المار، الثالث: أن يصلِّي بغير سترة ويجد المار مندوحة؛ فيأثمان جميعًا، الرابع: أن يصلِّي إلى سترة، لكن لا يجد المار مندوحة؛ فلا يأثمان جميعًا، انتهى.
قلت: ونقل ذلك المحقق ابن أمير حاج الحلبي في «شرحه على المنية»، ثم قال: وقواعدنا لا تأباه، قلت: لكن في الصورة الرابعة ينبغي أن يأثم المار فقط؛ لأنَّه يمكنه
стр. 729
أن ينتظر المصلي حتى يفرغ من صلاته أو يضع هو له سترة ثم يمر، وقد يقال: إنَّه في أمر مهم يخاف فوته إن انتظر، ولم يجد شيئًا يضعه سترة؛ فحينئذ لا يأثم للحرج، والأعمال بالنيات، والله يعفو عن الزلات، ويثيب على الحسنات، ويغفر السيئات.
(١٠٢) [باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي]
هذا (باب) حكم (استقبال الرجل الرجل) وفي (الفرع) من غير تكرار (وهو يصلِّي)؛ أي: والحال أنَّه يصلِّي، فالواو للحال، والسين والتَّاء للطلب؛ أي: إقبال، وعلى الأولى هو من إضافة المصدر إلى فاعله، و (الرجل) مفعوله، وعلى الثانية من إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، وعليهما؛ فجملة: (وهو يصلِّي) : محلها نصب على الحال من الفاعل المذكور أو المحذوف لا من المفعول فيهما، وقال الكرماني: يحتمل عود لفظ (هو) إلى الرجل الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأول فلا يلزم التواجه، وذلك يتصور في الصلاة عند الكعبة، وللأربعة زيادة: (هل يكره أم لا؟)، وفي نسخة الصغاني: (استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلِّي)، وكذا في أصل الفرع.
وظاهر التَّرجمة يدل على أنَّ الاستقبال مكروه مطلقًا سواء شغل بال المصلي أو لا.
وزعم ابن حجر إلى التفصيل بين ما إذا ألهاه؛ فيكره، أو عدمه؛ فلا يكره، وإلى هذا جنح المصنف، وجمع بين ما ظاهره الاختلاف، انتهى.
قلت: هذا التفصيل لا دليل عليه وليس في التَّرجمة ولا في الآثار وغيرها ما يدل عليه ولا إشارة إليه، وإنما الذي جنح إليه البخاري ودلت ترجمته والآثار عليه؛ هو أنَّ الاستقبال في الصلاة مكروه مطلقًا شغل البال أو لا، ويدل عليه أنَّه يفيد التعظيم له، وهو يشبه الصلاة إليه، فيكون تشبهًا بأهل الكتاب، وهو مكروه؛ فافهم.
وعلل بعض أئمتنا الأعلام الكراهة بأنَّه تشبه بعبادة الصورة، قال القاضي عياض: وهو قول عامة العلماء، وقد روى البزار عن علي ﵁: (أن النَّبي الأعظم ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، قال أئمتنا الأعلام: إنَّما أمره بالإعادة؛ لإزالة الكراهة لا لفساد الصلاة، فما زعمه ابن حجر فاسد الاعتبار؛ فافهم، وسيأتي بقية الكلام عليه.
(وكره) بالتشديد والتخفيف (عثمان) هو ابن عفان، أحد الخلفاء الراشدين، الأموي شهيد الدار، القائم بالأسحار، الذي تستحي منه ملائكة الغفار رضي الله تعالى عنه (أن يُستقبل)؛ بِضَمِّ التحتية مبنيًّا للمفعول (الرجلُ)؛ بالرفع نائب فاعل، وقوله: (وهو يصلِّي) : جملة اسمية محلها نصب على الحال من (الرجل)، ويجوز أن يكون قوله: (يَستقبل)؛ بفتح التحتية مبنيًّا للفاعل، و (الرجلُ) : فاعله، والمفعول محذوف؛ تقديره: شخصًا آخر، وجملة: (وهو يصلِّي) : محلها نصب على الحال من المفعول، وعلى الأول اقتصر الكرماني، وذكر الوجهين إمامنا الشَّارح، وتبعه القسطلاني، والعجلوني، وغيرهما.
ومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه دال على كراهة استقبال الرجل الرجل، وهو يصلِّي.
وزعم ابن حجر: أن هذا الأثر عن عثمان لم أره، وإنما رأيت في «مصنف ابن أبي شيبة» و «مصنف عبد الرزاق» وغيرهما من طريق هلال بن يسار عن عمر بن الخطاب: (أنه زجر عن ذلك)، وفيهما أيضًا عن عثمان ما يدل على عدم كراهته ذلك؛ فليتأمل؛ لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف من (عمر) إلى (عثمان) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا يلزم من عدم رؤيته هذا الأثر عن عثمان ألَّا يكون منقولًا عنه، وليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل.
فإن قلت: روايةُ عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عثمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليلُ الاحتمال.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخرًا بخلاف ما نُقِل عنه أولًا؛ لقيام الدليل عنده بذلك) انتهى كلامه.
وقد نقل العجلوني عبارة إمامنا الشَّارح هنا باختصار مخل، ثم قال: ولو اعترض قوله: (لاحتمال أن ما وقع هنا تصحيف)؛ لكان أقوى مع أن الشَّارح قد اعترض قوله ذلك كما علمت، وإنما أوقع العجلوني اختصاره المخل؛ فافهم؛ يعني: أنَّ دعوى التصحيف لا دليل عليها، ولا ينبغي التكلم بها؛ لما يلزم منها سوء الأدب مع الرواة، ووقوع الخلل في كلامهم وروايتهم، وهو قول صادر من غير تأمل؛ فاجتنبه.
وقوله: (وهذا) كذا في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، ولغيرهم: (وإنَّما هذا)؛ أي: الذي كرهه عثمان ﵁ (إذا اشتغل)؛ أي: المستقبل المصلي (به)؛ أي: بالرجل الآخر مطلقًا سواء كان مصليًا أو لا، فلا وجه لما زعمه العجلوني من التقييد بالمصلي؛ لأنَّ المصلي لا يشتغل بالمصلي، كما لا يخفى، وذلك عن الخشوع، وحضور القلب، ونحوهما من آداب الصلاة، (فأمَّا إذا لم يشتغل به)؛ أي: فلا بأس، فالجواب محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه.
قال الشَّارح: (هو من كلام البخاري يشير به إلى التفصيل؛ وهو أن استقبال الرجل الرجل في الصلاة إنَّما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلي؛ لأنَّ علة الكراهة هي كف المصلي عن الخشوع وحضور القلب، وأمَّا إذا لم يشغله؛ فلا بأس به) انتهى.
قلت: والغالب أن المستقبل المصلي يشتغل بالرجل الآخر الذي أمامه، وسواء كان مصليًا أو لا، ومن غير الغالب قد لا يشتغل، لكنه نادر، وهو لا حكم له، فبقيت الكراهة؛ فليحفظ.
واستدل البخاري لما ذكره بقوله: (فقد قال زيد بن ثابت) هوالأنصاري النجاري الفرضي، كاتب وحي النَّبي الأعظم ﷺ : (ما باليت)؛ أي: ما أكترث (١) بالاستقبال المذكور، يقال: لا أباليه؛ أي: لا أكترث له، وقوله: (إنَّ) بكسر الهمزة (الرجل لا يقطع صلاة الرجل) : استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة.
وأقول: ما ذكره البخاري من أثر زيد بن ثابت لا ينهض دليلًا لما قاله؛ لأنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة، ويدل عليه أنهم استعملوا القطع بمعنى الفساد في الأحاديث والآثار؛ فقد روى عبد الرزاق عن الحَكَم بن عمرو الغفاري الصَّحابي: (أنَّه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حَميرٌ بين يدي أصحابه، فأعاد لهم الصلاة، ثم قال لهم: لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم)، وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: (أن مرور الحمار يقطع الصلاة)، وفي حديث أبي داود: (أن الحمار والغلام يقطعان الصلاة)، فهذا يدل على أنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة؛ لأنَّ الحَكَم قد أعاد الصلاة بأصحابه وعبَّر بالقطع، كما لا يخفى.
على أنَّه روى أبو نعيم في كتاب «الصلاة» : حدثنا مسعر قال: أراني أول من سمعه من القاسم قال: (ضرب عمر ﵁ رجلين؛ أحدهما مستقبل، والآخر يصلِّي)، ثم روى عن سعيد بن جبير: (أنه كره أن يصلِّي وبين يديه مخنث محدث)، وقد ذكرنا عن عمر: أنه زجر عن ذلك، كما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ولا يخفى أن الضرب والزجر لا يكون إلا لأمر مكروه تحريمًا، وقدمنا عن البزار عن علي: (أن النَّبي الأعظم ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، وإنما أمره بذلك لإزالة الكراهة؛ لأنَّ كل صلاة أُديت مع الكراهة يطلب إعادتها، كما نص عليه أئمتنا الأعلام ﵃ أجمعين.
وكره ابن مسعود ﵁ الصلاة خلف المتحدثين، وقال نافع: (كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد؛ قال لي: ولِّ ظهرك)، وهو قول مالك، وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلا بعد الجمعة.
والإمام الأعظم
стр. 730
وأصحابه والجمهور على كراهة استقباله بوجهه، وقال في «الدر المختار» : (وتكره صلاته إلى وجه إنسان ككراهة استقباله، فالاستقبال لو من المصلي؛ فالكراهة عليه، وإلا؛ فعلى المستقبل، ولو كان بعيدًا ولا حائل) انتهى.
وفي «الذخيرة» قال محمَّد: (وإن شاء الإمام استقبل الناس بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلِّي، ولم يفصِّل بين ما إذا كان المصلي في الصف الأول أو الأخير، وهذا ظاهر المذهب) انتهى.
وأجاز الثَّوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين، وقال الحسن وقتادة: يستره إذا كان جالسًا، وعن الحسن: يستره، ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظَّهر، وتمامه في «عمدة القاري».
[حديث: قد جعلتمونا كلابًا؟! لقد رأيت النبي يصلي وإني لبينه وبين]
٥١١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسماعيل بن خليل) هو أبو عبد الله الخزاز -بمعجمات- الكوفي (قال: حدثنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (أخبرنا) (علي بن مُسهِر) بِضَمِّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء: الكوفي، كلاهما قد ذُكرا في باب (مباشرة الحائض) (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، وسمي بذلك؛ لعمش كان في عينيه (عن مسلم) بِضَمِّ الميم، وكسر اللَّام المخففة، كذا لأبي ذر وابن عساكر، وعند غيرهما: (يعني: ابن صُبيح) بالتصغير.
وزعم الكرماني: أنَّه مسلم البطين، وردَّه الشَّارحفقال: (الظَّاهر أنَّه مسلم بن صبيح أبو الضُّحى) انتهى.
قلت: ويدل لما قاله رواية أبي الوقت والأصيلي، فإنَّها صرحت بأنه ابن صبيح؛ فافهم.
(عن مسروق) هو ابن الأجدع الكوفي، وسمي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره (عن عائشة) هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أنَّه) بفتح الهمزة؛ أي: الشأن (ذُكر) بِضَمِّ أوله؛ مبني للمجهول (عندها) أي: ذكر بعض الصَّحابة بحضرة عائشة (ما يقطع الصلاة)؛ أي: المار الذي يقطعها، وكلمة (ما) موصولة، أو نكرة موصوفة، ومحلها رفع نائب الفاعل، والجملة حال أو صفة، (فقالوا) أي: الذاكرون، ولأبي ذر: (قالوا) : (يقطعها) أي: الصلاة (الكلب والحمار والمرأة)؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، ولم يذكر إمام الشَّارحين ولا غيره أسماء الذين ذكروا ذلك عندها، والظَّاهر أنهم: أبو هريرة وعروة وأبو ذر، يدل عليه أنَّه روى مسلم من رواية عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...)؛ الحديث، وفي «مصنف ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: (بلغ عائشة أنَّ أبا هريرة يقول: إنَّ المرأة تقطع الصلاة)، وروى مسلم من حديث أبي ذر: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب...)؛ الحديث، فهذا يدل على [ما] قلناه؛ فافهم.
(قالت)؛ أي: عائشة، ولأبوي ذر والوقت: (فقالت)؛ أي: عائشة لهم: (قد جعلتمونا كلابًا؟!)؛ أي: كالكلاب في حكم قطع الصلاة بمرورنا بين يدي المصلي، وظاهر كلام السيدة عائشة يفيد أنَّها تقول: بأنَّ الكلب والحمار يقطعان الصلاة، وإنَّما أنكرت عليهم تسويتهم المرأة بهما مع شرفها وخسَّتهما، وهذا الحديث تقدم في باب (الصلاة على السرير) وفيه قالت لهم: (أعدلتمونا بالكلب والحمار؟!)، وهذا من التشبيه البليغ، (لقد رأيت) أي: أبصرت (النَّبي) الأعظم وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ وجملة (يصلِّي) : محلها نصب مفعول ثان، والظَّاهر أنها النافلة؛ للقرينة الحالية والمقالية [الدَّالة] على ذلك (وإني لبينه) بكسر الهمزة؛ أي: بين النَّبي الأعظم ﷺ (وبين القبلة) والجملة محلها نصب على الحال، وقوله: (وأنا مضطجعة) جملة حالية (على السرير) جمعه (١) أسرَّة وسُرُر: بِضَمِّ الرَّاء، وقيل بفتحها؛ وهو التخت المعروف المتخذ في زمان النَّبي الأعظم وأصحابه صلى الله عليه وعليهم وسلم من الخوص، وفي زماننا من الخشب والدف والحديد، كما لا يخفى، (فتكون لي الحاجة)؛ أي: فتعرض لي حاجة الإنسان، ويحتمل الأعم منها، (فأكرَه) بالفاء رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين: (وأكره) بالواو العاطفة، أوالحالية، كذا ذكر الروايتين هكذا إمام الشَّارحين، وعكس في ذلك العجلوني فجعل الواو رواية الكشميهني، والفاء للأكثرين، وهو غير مصيب؛ فافهم، (أن أستقبله)؛ أي: لا أحب استقباله وهو في الصلاة (فأنسَلُّ انسلالًا) بقطع الهمزة وفتح السين المهملة، وتشديد اللَّام على صيغة المتكلم من المضارع، وهو عطف على قوله (فأكره)؛ أي: أخرج بخفية أو برفق.
(وعن الأعمش) هو سليمان، وهذا معطوف على الإسناد الذي قبله، فهو موصول كما في «عمدة القاري» و «الفتح»، وليس هو معلق كما زعمه الكرماني، (عن إبراهيم) هو النخعي، (عن الأسود) هو ابن يزيد النخعي أيضًا، (عن عائشة) قال الشَّارح: ونبَّه به على أنَّ ابن مسهر قد روى هذا الحديث عن الأعمش بإسنادين إلى عائشة؛ أحدهما: عن مسلم، عن مسروق، عنها باللَّفظ المذكور، والآخر: عن إبراهيم، عن الأسود، عنها بالمعنى، وأشار إليه بقوله: (نحوَه) بالنصب مفعول (أخبرنا).
فإن قلت: لفظ (نحو) يقتضي المماثلة بينهما من كل الوجوه، وليس ههنا كذلك.
قلت: لا نسلم أنَّه كذلك، بل يقتضي لفظ (نحو) المشاركة في أصل المعنى المقصود فقط، وعلى هذا يحمل لفظ: (مثل) الواقع في بعض النُّسخ على لفظ: (نحو)؛ فليحفظ.
واعلم أنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة مختلف فيها، والصَّواب ما ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» : أنَّ عائشة ﵂ كانت مضطجعة على السرير، وكانت بين النَّبي الأعظم ﷺ ، وبين القبلة فيكون استقبال الرجل المرأة في الصلاة، ولم تكن تشغله ﵇، فدل على عدم الكراهة، ولا يقال: التَّرجمة في استقبال الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعيةإلا ما خصه الدليل، وقد ذكرنا أن التَّرجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الوجه الواحد، وأما الأخريين؛ فالتطابق فيهما ظاهر، انتهى.
وزعم ابن المُنَيِّر لا مطابقة بين حديث (٢) عائشة والتَّرجمة، لكنه يدل على المقصود بالأولى وإن لم يكن فيه تصريح بأنها كانت مستقبلة، فلعلها كانت منحرفة أو مستديرة، انتهى.
قلت: المطابقة بينهما ظاهرة، ولم يذكر وجه الأولوية، وعائشة كانت مستقبلة؛ لأنَّ قولها: (وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة) يدل عليه، كما لا يخفى.
وزعم ابن رشيد: (غرض البخاري أن شُغْل المصلي بالمرأة في قبلته على أي حال كان أشد من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم تضر صلاته ﵇؛ لأنَّه غير مشتغل بها، فكذلك لا تضر صلاة من لم يشتغل بها، فالرجل من باب أولى) انتهى.
قلت: وفيه أن هذا يدل على الكراهة؛ لأنَّ المرأة إذا كانت في قبلة المصلي ومثلها الرجل؛ فيخشى اشتغال المصلي بالنَّظر إليها عن صلاته، ولا يقدر أحد ما كان يقدر عليه النَّبي الأعظم ﷺ من حفظ النَّظر والخاطر، وذكر نحوه الكرماني.
والحاصل: أن المطابقة فيه ظاهرة على الوجه الذي ذكرناه عن إمامنا في «عمدة القاري»، والله الهادي.
(١٠٣) [باب الصلاة خلف النائم]
هذا (باب) حكم (الصلاة) فرضها، وواجبها، ونفلها (خلف) الشخص (النائم) هل يكره أم لا؟ وتقدير الحكم أولى من تقدير الجواز؛ لأنَّه أعم؛ فافهم.
ويجوز تنوين (باب) ويكون (الصلاة) مبتدأ والخبر محذوف؛ تقديره (٣) : جائزة، والمراد بالشخص: الرجل والمرأة والصبي والصبية، فهو أعم.
[حديث: كان النبي يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه]
٥١٢ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُسدد) بِضَمِّ الميم: هو ابن مُسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان (قال: حدثنا هشام)؛
стр. 731
بكسر الهاء: هو ابن عروة (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو عروة بن الزُّبير بن العوام (عن) خالته (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄، زوج النَّبي الأعظم ﷺ ، (قالت: كان النَّبي) الأعظم ﷺ هذا التركيب وأمثاله يفيد الدوام والاستمرار؛ لوجود لفظة (كان) فإنَّها لإفادة ذلك؛ فافهم، (يصلِّي)؛ أي: صلاته من الليل، وقوله: (وأنا راقدة)؛ أي: نائمة، جملة حالية، وقوله: (معترضة) : صفة لـ (راقدة)، أو خبر بعد خبر، وقوله: (على فراشه) : متعلق بـ (راقدة) أو بـ (معترضة) والأظهر: الأول، وهل اعتراضها كان بين النَّبي الأعظم ﷺ وبين القبلة، أو كانت منحرفة عنه؟ والظَّاهر: الأول؛ لما سبق من حديثها: أنها كانت تعترض بينه وبين القبلة، ولأن البيوت كانت وقتئذ ضيقة لا تسع غير الفراش أو الفراشين؛ فتأمل، (فإذا أراد أن يوتر)؛ أي: فإذا فرغ من صلاته النافلة وأراد النَّبي الأعظم ﷺ أن يصلِّي الوتر الواجب في آخر الليل؛ (أيقظني) من الإيقاظ؛ أي: نبهني من النَّوم؛ لأجل أن أصلي معه (فأوترتُ معه)؛ بتاء المتكلمة لا الغائبة؛ أي: صلَّيت معه الوتر، ففيه: استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه، وفيه: أن صلاة الوتر إمامًا في غير رمضان إذا كانت على سبيل التداعي؛ غير مكروهة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، لا يقال: إن التَّرجمة خلف النائم، والحديث خلف (١) النائمة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعية إلا ما خصَّه الدليل، على أنَّه إذا جاز خلف النائمة؛ فخلف النائم بالطريق الأولى، وأراد بـ (النائم) : الشخص النائم ذكرًا كان أو أنثى، ففي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائمين جائزة بلا كراهة عندنا.
وقال ابن بطال: الصلاة خلف النائم جائزة إلا أن طائفة كرهتها؛ خوف ما يحدث من النائم فيشتغل المصلي به أو يضحكه؛ فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلِّي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاووس، وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم، انتهى.
قلت: وما قالت به الطَّائفة من الكراهة وتعليلهم بالخوف؛ أمر موهوم غير محقق، والأحكام لا تبنى على الوهم، وما قاله مالك؛ فيه نظر؛ لأنَّه ليس للسترة فائدة، فإن مشروعية السترة درء المارين، ولا نعهد نائمًا يمشي، فإن كان مراده بنفي الصلاة إلى النائم: الكراهة وبوجود السترة تنتفي الكراهة؛ فلا وجه له؛ لأنَّ علة الكراهة: ظهور شيء يشغل المصلي أو يضحكه، وإن كان مراده أنه لا بدَّ من السترة؛ فهي لا تفيد شيئًا، وليست مشروعة، كما لا يخفى.
وروى أبو داود عن ابن عبَّاس: أن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث»، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وروى البزار عن ابن عبَّاس أن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين»، وروى ابن عدي عن ابن عمر نحوه، وروى الطَّبراني عن أبي هريرة نحوه.
وأجاب الإمام البخاري وأشار بهذه التَّرجمة إلى ضعف هذه الأحاديث، ولهذا قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلها واهية، كما في «عمدة القاري».
وقال الخطابي: حديث ابن عبَّاس لا يصحُّ؛ لضعف سنده، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» : وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يسمِّ مَنْ حدَّثه، وفي سند ابن ماجه أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه، وحديث أبي هريرة وابن عمر واهيان أيضًا، وروى البزار عن محمَّد ابن الحنفية عن أبيه علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة، قال: يا رسول الله؛ إني صليت وأنت تنظر إلي)، قال: هذا حديث لا نحفظه إلا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلي كان مستقبل الرجل بوجهه؛ فلم يتنح عن حياله.
وروى أبو بكر ابن أبي شيبة عن مجاهد: (أن النَّبي الأعظم ﷺ نهى أن يصلَّى خلف النُّوام والمتحدثين)، وفي سنده عبد الكريم بن أمية؛ وهو متروك الحديث، انتهى.
والحاصل: أن هذه الأحاديث ضعيفة لا يحتج بها، لا يقال: إنها تتقوى بتعدد طرقها واختلاف أسانيدها؛ لأنَّا نقول: إن تقوت؛ فهي محمولة على ما إذا كان للمتحدثين أصوات يخاف منها التغليط أو الشغل للمصلي، وعلى ما إذا (٢) كان للنائمين شيء يظهر فيضحك المصلي فيفسد صلاته، وفي الحديث: استحباب إيقاظ النائم للطاعة، وفيه: أن الوتر يكون بعد النَّوم، والله تعالى أعلم.
(١٠٤) [باب التطوع خلف المرأة]
هذا (باب) حكم صلاة (التطوع)؛ أي: النافلة، ومثلها الفريضة والواجبة (خلف المرأة) ومثله خلف الرجل بالأولى، هل هو جائز مع الكراهة أو بدونها؟ ويجوز التنوين في لفظة: (باب) فـ (التطوع) : مبتدأ، والظرف خبره متعلق بخاص؛ نحو: جائز؛ للقرينة على ذلك، وما قدرناه هو ما ارتضاه إمامنا الشَّارح في «عمدة القاري»، وتبعه القسطلاني، وهو أولى مما زعمه العجلوني؛ لأنَّه قاصر، وفيه ركاكة مع خفاء المعنى المراد منه؛ فافهم.
[حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته]
٥١٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (٣) الدمشقي المولد (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة: هو سالم المدني (مولى عمر بن عبيد الله)؛ بالتصغير: هو التيمي المدني، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله (بن عبد الرحمن) هو ابن عوف ﵁، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوجِ النَّبي) الأعظم ﷺ ورضي الله عنهما، وهو بالجر صفة لـ (عائشة) (أنها قالت: كنت أنام) أي: في حجرتي (بين يدي) بالتثنية (رسول الله ﷺ وهو في حجرتها يصلي التهجد ليلًا (ورجلاي) بصيغة التثنية (في قبلته) جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: في مكان سجوده، (فإذا سجد)؛ أي: فإذا أراد ﵇ السُّجود؛ (غمزني) : من الغمز باليد أو ضربني بيده من غير حائل، كما هو الأصل، وفي «الصِّحاح» : غمزت الشيء باليد وغمزته بعيني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، وفي «القاموس» : غمزه بيده: شِبْهُ لهزه، شِبْهُ نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، انتهى، فالمراد ههنا: الغمز باليد، قال الكرماني: فالغمز قبل السُّجود لا فيه؛ لأنَّ (إذا) للاستقبال، انتهى.
وروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: (كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها، فسجد)، كذا في «عمدة القاري».
قلت: وهذه الرواية أصرح في المقصود؛ لأنَّها بيَّنت أن المراد بالغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما في كتب اللُّغة؛ فليحفظ.
وزعم القسطلاني عند قوله: (غمزني بيده)؛ أي: مع حائل، انتهى.
قلت: وهذا تفسير من عنده، ذكره ترويجًا لما ذهب إليه الشَّافعي: من أن المسَّ باليد مبطل للوضوء، والحق الصَّواب: أن هذا فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قولها: (غمزني)؛ أي: بيده بدون حائل فإنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرَّحت به، على أنَّه -الرِّجْل واليد عند أهل التحقيق- كانتا بغير حائل، بل كان ذلك بالمسِّ؛ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود فإنَّها مصرحة
стр. 732
بذلك؛ حيث قالت: (ضرب رجلي)، ومن المعلوم أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما لا يخفى، فبهذا ظهر أن الصَّواب: ما عليه الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أن مس المرأة غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.
(فقبضت رجلَيَّ)؛ بفتح اللَّام، وتشديد التحتية، بصيغة التثنية؛ أي: ضممتهما عن مكان سجوده ﵇، يعني: أخَّرتهما عنه؛ ليسجد مكانهما، (فإذا قام) ﵇؛ أي: من السُّجود؛ (بسطهما)؛ بضمير التثنية؛ أي: رددتهما إلى مكانهما، (والبيوت) : مبتدأ، جمع بيت؛ وهو اسم للمكان الذي يبات فيه ليلًا (يومئذ) معناه: وقتئذ؛ أي: وقت إذ كان النَّبي الأعظم ﷺ حيًّا.
وقوله: (ليس فيها) أي: البيوت (مصابيح) : خبر المبتدأ، والجملة حالية أو مستأنفة، والمصابيح: جمع مصباح، قال إمام الشَّارحين: وإنما فسرنا قوله: (يومئذ) هكذا؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل؛ فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة (١) معناه، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وهذا اعتذار من عائشة عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى: لو كانت المصابيح موجودة؛ لقبضت رجلي عند إرادته السُّجود، ولما احتجت إلى غمزي بيده، انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه قد علم من عادة النَّبي الأعظم ﷺ أن صلاته للفرائض والواجبات كانت في المسجد بالجماعة، فتكون صلاته في بيته ليلًا نافلة تطوعًا.
وفي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائم ذكرًا كان أو أنثى جائزة من غير كراهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.
وزعم ابن حجر: وفيه: إشارة إلى عدم الاشتغال بها فمَنْ أَمِنَ ذلك؛ لم يكن في حقه، انتهى.
قلت: وفيه بعدٌ؛ فإن المؤلف ليس مراده الاشتغال وعدمه بترجمته، وإنما مراده حكم صلاة التطوع خلف المرأة، وقد بين في الباب قبله حكم الصلاة خلف النائم، على أنَّه ليس في ذلك اشتغال أصلًا؛ لأنَّ البيوت لم يكن فيها مصابيح، وإن كان -كما في زماننا-؛ فإن المصلي يحبس نظره وخاطره في موضع سجوده، ولهذا لم تضر صلاته ﵇؛ فليحفظ.
وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ التَّرجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إلى المصلي؛ فما وجه دلالة الحديث عليه؟! قلت: لا نسلِّم ذلك الاقتضاء، ولئن سلَّمنا؛ فالسنة للنائم التوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة أنها لا تتركها، انتهى.
واعترضه ابن حجر فقال: ولا يخفى تكلُّفه، وسنة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه قد ينقلب وهو لا يشعر، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه وليس فيه تكلف؛ لأنَّ غمزه ﵇ لعائشة إنَّما كان في ابتداء نومها، وهي لا تترك النَّوم على القِبْلة، ويدلُّ عليه أنها كانت راقدة لمَّا غمزها؛ قَبضَت رجليها، فلو كانت مستغرقة في النَّوم؛ لم تشعر بذلك؛ لأنَّ النائم لا يدرك شيئًا سواء كان في البيت مصابيح أو لم يكن؛ فافهم.
ثم زعم ابن حجر: والذي يظهر أن معنى: (خلف المرأة) : وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها، ولو أراده؛ لقال: خلف ظهر المرأة، والأصلعدم التقدير، انتهى.
قلت: واعترضه العجلوني فقال: الذي استظهره أشار إليه الكرماني أولًا، ولا يخفى ما في قوله: ولا يخفى تكلفه... إلخ؛ فتدبر، انتهى.
قلت: لقد أنصف العجلوني هنا، والعجب من الشَّارح المحقق حيث لم يتعرَّض إليه ولا عجب، فإن ما زعمه ابن حجر لا يقوله من شمَّ أدنى رائحة في العلم من تناقضه وركاكته، فلذا لم يعرِّج عليه، وعلى كل حال فما زعمه هذا القائل هو قد أخذه من كلام الكرماني، بل هو عينه، لكن قد غير عبارته بعبارة ركيكة، فلا حاجة إلى شغل الفكر لبيان ردها، كما لا يخفى؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته ﵇ إلى السرير التي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، وهو أولى من حمله على حالة واحدة، كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه، انتهى.
قلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن هذه الحالة هي عين الحالة التي تقدمت في صلاته إلى السرير؛ لأنَّ قولها هناك: فيجيء النَّبي ﷺ فيتوسط السرير؛ معناه: يجعل نفسه في وسط السرير، كما يدل عليه اللَّفظ، وفي هذه الحالة يحتمل أنها كانت تقبض رجليها حتى يسجد مكانهما، ويحتمل أن السرير واسع لا يحتاج فيه إلى ذلك، والحمل على الحالة الواحدة هو الصَّواب لما ذكرناه، وما زعمه من الأولوية مردود؛ لعدم ما يدل عليها من شيء، والإسماعيلي أدرى بالمراد من الحديث، فجعله صلاته فوق السرير لا أسفل منه هو الصَّواب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته، وفيه: أن العمل في الصلاة غير قادح إذا كان يسيرًا، وهو مفوَّض إلى رأي المصلي، أو ما يعده الناظر يسيرًا، أو ما كان دون ثلاث حركات، وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وفيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهذا الحديث مع بقية مباحثه قد تقدم في باب (الصلاة على الفراش)، والله تعالى أعلم.
(١٠٥) [باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء]
هذا (باب) بيان قول: (من قال لا يقطع) أي: لا يفسد (الصلاة شيء)؛ أي: من غير فعل المصلي أو من مرور الكلب، والمرأة، والحمار، وغيرها، وأشار المؤلف بهذه التَّرجمة إلى الردِّ على من يقول: يقطع الصلاة مرور هذه الثلاثة، وإنما لم يخصها بالترجمة، بل عمَّم؛ ليشملها وغيرها، والمراد بالقطع: الفساد والبطلان، وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه الدارقطني عن سالم مرفوعًا، ورواه أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا، ورواه الدارقطني عن أنس وأبي أمامة، ورواه الطَّبراني عن جابر مرفوعًا، ورواه سعيد بن منصور عن علي وعثمان موقوفًا.
فإن قلت: إذا كانت التَّرجمة لفظ حديث مرفوع؛ كان عليه أن يترجم بغيره ويذكر الحديث على عادته.
قلت: الحديث المذكور ليس على شرطه، على أنَّه قد نصَّ الحُفَّاظ على ضعف أسانيده، لكن ما رواه سعيد بن منصور إسناده صحيح، لكنه موقوف، فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ اختار الإمام البخاري أن يجعل الحديث ترجمة لِبابٍ مستقل؛ فافهم.
[حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي]
٥١٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عُمر بن حفص)؛ بِضَمِّ العين، زاد أبو ذر: (ابن غياث) (قال: حدثنا أبي) هو حفص بن غياث، (قال: حدثنا الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (قال: حدثنا إبراهيم)، ولابن عساكر: (عن إبراهيم) هو النخعي، (عن الأسود) هوابن يزيد النخعي، وهو خال إبراهيم، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄.
(وقال الأعمش)؛ بالواو العاطفة على الإسناد السَّابق، فهو موصول مقول حفص، وتردَّد الكرماني فقال: هذا إما تعليق وإما داخل تحت الإسناد الأول سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، انتهى، لكن جزم الشراح بأنه موصول داخل تحت الإسناد الأول، وظاهر اللَّفظ يدل عليه، فلا وجه لتردُّده؛ فافهم، (حدثني)؛ بالإفراد، وهذا تحويل من سند إلى سند آخر سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، (مسلم) هو أبو الضُّحى ابن صبيح، (عن مسروق) هو ابن الأجدع، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق
стр. 733
الأكبر ﵄، (قال)؛ أي: إن مسروقًا قال: (ذُكِر)؛ بِضَمِّ الذَّال مبني للمفعول (عندها) أي: بحضرة عائشة (ما يقطع) أي: يبطل (الصلاة)، وكلمة (ما) موصولة، ويجوز فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبره قوله: (الكلب) والجملة محلها النصب مفعول ما لم يسم فاعله؛ وهو (ذُكِر) على صيغة المجهول، وثانيهما: أن يكون (ما) مفعول ما لم يسم فاعله، ويكون قوله: (الكلب) بدلًا منه، أفاده الشَّارح، (الكلبُ)؛ بالرفع، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون (الكلب) فاعلًا لفعل محذوف، يدل عليه رواية علي بن مسهر: (ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا: يقطعها الكلب) (والحمار والمرأة)؛ بالرفع فيهما، وزعم العجلوني أنه يجوز نصب (الكلب) وما بعده مفعول لمحذوف نحو: فذكروا الكلب، وقد صرح بهذا الفعل في بعض الأصول الصَّحيحة، انتهى.
قلت: الروايات الصَّحيحة كما ذكرنا، وما زعمه إن ساعدته الرواية؛ فله وجه، وكون الفعل مصرَّحًا به؛ الله أعلم به؛ لأنا لم نر أحدًا من الشراح قد ذكر هذا؛ فتدبر، والذاكرون عندها هم ابن أختها عروة، وأبو هريرة، وأبو ذر، وابن عبَّاس ﵃؛ لما في «مسلم» من طريق عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...)؛ الحديث، وفي «ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المرأة تقطع الصلاة، وحديث أبي ذر عند مسلم، وحديث ابن عبَّاس عند ابن ماجه؛ فليحفظ.
(قالت) أي: عائشة ﵂: (شبهتمونا بالحمير والكلاب؟!)؛ بالجمع فيهما، ورواه مسلم عنها بلفظ: (قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمير؟!)، وهما بمعنًى، وتقدم من طريق علي بن مسهر بلفظ: (جعلتمونا كلابًا؟!) وهو تشبيه بليغ، وخطابها إنَّما كان لابن أختها عروة، ولأبي هريرة، ولأبي ذر، وابن عبَّاسرضي الله عنه، كما دلت عليه الروايات السَّابقة.
قال ابن مالك: في هذا دليل على جواز تعدي المشبه به بالباء، والمشهور تعدية مشبه إلى مشبه ومشبه به بدون باء، كقول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا... حدائق دوم أو سفينًا مُقيرًا
وقد كان بعض المعجبين يخطِّئ سيبويه وغيره في قولهم: شبه كذا بكذا، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين، انتهى.
وأخرج الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صحاح، وروى مسلم، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي؛ فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنَّه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قلت: يا أبا ذر؛ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان»، وأخرجه الأربعة أيضًا مختصرًا ومطولًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود.
وروى ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض»، وقيَّد المرأة بالحائض في روايته، فهذا يدل على أنَّ الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وهو مروي عن أنس، ومكحول، وأبي الأحوص، والحسن، وعكرمة، وعن عكرمة: (يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي)، وعن عطاء: (لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض)، وقال أحمد ابن حنبل: (يقطع الصلاة الكلب الأسود والبهيم)، وعنه: (يقطعها أيضًا الحمار والمرأة)، وقال الظَّاهرية: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة؛ للحديث المذكور.
وقال الأئمة الحنفية وتبعهم المالكية والشَّافعية: إنَّه لا يقطع الصلاة الكلب الأسود، ولا الحمار، ولا المرأة ولو حائضًا؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس قال: (أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الحُلم ورسول الله ﷺ يصلي بالناس يمضي إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف؛ فلم ينكر ذلك عليَّ أحد)، وأخرج أيضًا عن عون بن أبي جحيفة قال: (سمعت أبي يحدث أن رسول الله ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظُّهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار)، وكذلك حديثي الباب، وأخرج أبو داود عن الفضل بن عبَّاس قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه ابن عبَّاس فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بال ذلك؟)، وأخرجه النسائي أيضًا، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان»، وروى الدارقطني عن ابن عمر مثله، وأبي أمامة وأنس نحوه، وروى الطَّبراني في «الأوسط» عن جابر نحوه.
فإن قلت: حديث أبي سعيد، وابن عمر، وأبي أمامة، وأنس ﵃ زعم ابن الجوزي أنَّه لا يصح منها شيء، وزعم ابن حبان أنه لا يحل الاحتجاج بها.
قلت: نصَّ الحفاظ وغيرهم أنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي فإنَّه متعصِّب، ومثلهابن حبان، على أنَّه قد رويت بطرق مختلفة عن عدة صحابة وبه تتقوى وترتقي، وليس يتعين علينا الاستدلال بها، بل يكفينا ما روى البخاري.
وقال النَّووي: (وتأوَّل الجمهور القطع المذكور على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث) انتهى.
قلت: وفيه نظر لأنَّ الخشوع ليس بشرط في الصلاة، ولا يلزم الجمع؛ لأنا نقول: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم، والأخذ بالأقوى أولى؛ فافهم، فإن حديث ابن عبَّاس صريح في الاستدلال؛ لأنَّ حماره قد مرَّ بين يدي النَّبي الأعظم ﷺ ، كما رواه البزار، ودل حديث عائشة المذكور على أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث،؛ فأخرج الإمام الطَّحاوي حديث أم سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: (كان يُفرَش لي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ كان يصلي وإني حياله)، وأخرجه أحمد في «مسنده»، وأخرج الطَّحاوي حديث ميمونة عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: (كان فراشي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي)، وأخرجه أبو داود ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمرة)، والمصلَّى؛ بفتح اللَّام؛ وهو الموضع الذي كان يصلي فيه النَّبي الأعظم ﷺ في بيته، وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، والخُمرة؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة: حصير صغير يُعمَل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف.
فإن قلت: ما استدل به الجمهور مطلق، وحديث القطع مقيدن وهو يقضي على المطلق.
قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي فقال: قد تواترت الآثار عن رسول الله ﷺ بما يدل على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي شيطانًا في حديثي ابن عمر وأبي سعيد، وأخبر أبو ذر: أن الكلب الأسود إنَّما يقطع الصلاة؛ لأنَّه شيطان، فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت من بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبي الأعظم ﷺ : أنهم لا يقطعون الصلاة، فدل على أنَّ كل مار بين يدي المصلي سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة، والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر مع روايته ما ذكرنا عنه ﵇ قد روي عنه من بعده: حدثنا يونس: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: (يقطع الصلاة الكلب والحمار)، فقال ابن عمر: (لا يقطع
стр. 734
صلاة المسلم شيء)، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﷺ حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك، انتهى.
وزعم ابن حجر: وتعقب بأنَّ النَّسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ وتقدر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عمر ﵄ بعدما روي عنه: أن المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك؛ لم يقل بما قال: من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أن ابن عبَّاس الذي هو أحد رواة القطع روي عنه: أنَّه حمله على الكراهة؛ قال البيهقي: روى سماك عن عكرمة: قيل لابن عبَّاس: أتقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفع، فما يقطع هذا، ولكن يكره، انتهى.
وقال الإمام الحافظ الطَّحاوي: وقد روي عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ : أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح: أن عليًا وعثمان رضي الله عنهماقالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرؤوا ما استطعتم، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وأخرج الطَّبراني من حديث عَلِيٍّ مرفوعًا: «لا يقطع الصلاة شيء إلا لحدث» انتهى.
وقال الشَّافعي: تأول القطع بنقص الخشوع، قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا.
وقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة، قلت: وهذا مبني على أنَّ حديث عائشة ناسخ لحديث أبي ذر؛ لأنَّه متأخر عنه، كما حققه الحافظ الطَّحاوي.
وزعم العجلوني أن قول بعضهم مبني على أنَّهما متعارضان ولا تعارض؛ لإمكان الجمع بنقص الخشوع.
قلت: ما زعمه فاسد الاعتبار فإن ظاهر اللفظ يدل على أنَّ هذا مبني على النَّسخ لا على التعارض؛ لأنَّ قوله: (حديث أبي ذر مقدَّم) يعلم منه حقيقة أن حديث عائشة هو المتأخر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وما زعمه من عدم التعارض لإمكان الجمع؛ فاسد أيضًا؛ لأنَّ الجمع بنقص الخشوع باطل؛ لأنَّه غير شرط، كما ذكرنا، فالحق والصَّواب ماقلناه؛ فليحفظ.
فإن قلت: إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النَّبي الأعظم ﷺ ؛ كما رواه أحمد ابن حنبل، ولفظه: «لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرِنَّا بذوات سوء.
قلت: إن عائشة لم تنكر الحديث ولم تُكذِّب أبا هريرة، وإنما أنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إلى النَّسخ؛ لأنَّها كانت ترى نسخ الحكم، ولهذا قالت: (والله لقد رأيت) أي: بصرت (النَّبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ وجملة (يصلي) : محلها نصب مفعول ثان؛ أي: النافلة ليلًا، ومع هذا كانت عائشة تكره أن يذكر المرأة مع الحمار والكلب؛ لشرفها وخستهما، ولهذا قالت: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء؛ فافهم، وفي هذا دليل على جواز الحلف بدون استحلاف، وفيه: استحباب قيام الليل بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، ولو بحضرة أهله وهم نيام؛ لما في ذلك من الثواب الجزيل، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، (وإنِّي)؛ بكسر الهمزة وتشديد النُّون، بعدها ياء المتكلم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (وأنا) (على السرير)، وفي رواية: (إلى السرير)؛ أي: عليه، فكلمة (إلى) بمعنى: على، وحروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى على أولي الألباب، والجملة اسمية محلها نصب على الحال من عائشة، وكذلك قولها: (بينه وبين القبلة)؛ أي: أمامه بالقرب من موضع سجوده؛ جملة حالية، وقوله: (مضطجعةٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا تكون الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن يكون (مضطجعةٌ)؛ بالرفعخبرًا لقوله: (وأنا) أو (إني)؛ أي: والحال أني مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النصب في (مضطجعة)؛ فعلى أنَّه حال من عائشة أيضًا، ثم يجوز أن يكون هذان حالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين، كذا حققه إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
قلت: وكون (مضطجعةً) بالنصب رواية أبي ذر، والوجهان في «اليونينية».
والحاصل: أنه يجوز فيها وجهان: الرفع والنصب؛ فالرفع له وجهان، والنصب له وجه واحد؛ فافهم.
(فتبدوا)؛ أي: تظهر (لي الحاجة)، وفي «مسند السراج» : (فيكون لي حاجة)؛ أي: حاجة الإنسان ويحتمل الأعم منها، (فأكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لا أحب (أن أجلس)؛ أي: مستقبل النَّبي الأعظم ﷺ ، وذكر في باب (الصلاة على السرير) : (فأكره أن أسنحه)، وفي باب (استقبال الرجل) : (فأكره أن استقبله)، والمقصود من ذلك كله واحد، لكن باختلاف (١) المقامات اختلفت العبارات، قاله الشَّارح، (فأؤذي)؛ بلفظ المتكلم من المضارع، وفاعله: الضمير فيه، وهو معطوف على (أجلس)، وقوله: (النَّبيَّ) الأعظم ﷺ ؛ بالنصب مفعول (أؤذي)، وعند النسائي من طريق شعبة، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة في هذا الحديث: (فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، قلت: وعلى هذا فالمراد بالإيذاء في حديث الباب: هو المرور بين يديه، وذلك لأنَّه ﵇ في مقام المناجاة لربه تعالى، فربما بمرورها يحصل له قطع ذلك، وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(فأنسلُّ)؛ بالرفع عطفًا على (فأكره) لا على (أجلس) ولا (فأؤذي)؛ لفساد المعنى؛ فتأمل، قاله العجلوني.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يجوز عطفه على (فأؤذي) وعليه فالمعنى به صحيح؛ لأنَّ وجه انسلالها عدم إيذائه ﵇، وكذا يجوز عطفه على (أجلس) والمعنى به صحيح؛ لأنَّ علة انسلالها هو عدم جلوسها؛ لعدم إيذائها النَّبي الأعظم ﷺ ، لكن فيه تكلف، وإلى هذا أشار العجلوني بالتأمل.
فالحاصل: أن (فأنسل) يجوز فيه الرفع والنصب؛ ومعناه: أي: أمضي بتأنٍّ وتدريج وخفية ورفق، وفي رواية الطَّحاوي وكذا المؤلف: (فأنسل انسلالًا) (من عند رجليه)؛ بالتثنية؛ أي: من جهتهما، فإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس تشتغل بها أكثر، فغيرها من الكلب والحمار بالطريق الأولى، وروى الشيخان عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وفي رواية: (وأنا حذءاه)، وفي أخرى: (وأنا حائض)، ولا يخفى أن اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة لا يقطع الصلاة؛ فغيرها من الحمار والكلب بالأولى.
وزعم ابن حجر أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة من جهة الحركة والسكون، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ المرأة سواء كانت قاعدة أو راقدة لا تشوش على المصلي، وليس بين القاعدة والراقدة فرق أصلًا، فإنَّه كما تتحرك القاعدة كذلك تتحرك الراقدة، فإن النائم لا ينام على جنب واحد طول نومه، بل ينقلب يمينًا وشمالًا، ويدل على [ما] قلناه أن عائشة قالت: (فأكره أن أجلس فأؤذي)، إنَّما كَرِهَت الجلوس؛ لأنَّه بجلوسها تستقبل وجهه ﵇، كما دلت عليه رواية باب (استقبال الرجل)، فإنَّها صرحت هناك بقولها: (فأكره أن أستقبله)، ومعلوم أن الاستقبال منهي عنه في حديث ما؛ فافهم.
ثم زعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه، انتهى.
قلت: الظَّاهر من حال عائشة: أنها أنكرت مساواة المرأة للحمار والكلب، وأنكرت حكم قطع
стр. 735
الصلاة بالمرأة، والحمار، والكلب، وأنكرت على الذي لم يقل بنسخ الحكم، فإنكارها إنَّما كان لبقاء الحكم وعدم المصير إليه، وأما المرور؛ فإنما أنكرت فعله؛ لعلمها بحديث المار وماذا عليه من الإثم؛ لأنَّه ﵇ لمَّا شرع في الصلاة؛ لم يضع سترة؛ لأنَّه ليس في بيته سوى عائشة وهي راقدة، فلا تلزم السترة حينئذ، فلما أفاقت عائشة ولم تر السترة بين يديه؛ كرهت أن تجلس فتستقبله وتؤذيه بالمرور بين يديه؛ فانسلت، ويدل عليه رواية النسائي: (فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، فالمراد بالإيذاء: المرور، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، وذلك لأنَّ الصلاة مناجاة الرب، فالنَّبي الأعظم ﷺ له المقامات العالية في المناجاة، فخشيت أن تشغله أو تلهيه بمرورها؛ فانسلت، إذا علمت هذا؛ علمت أن عبارته قاصرة؛ فافهم.
فإن قلت: التَّرجمة عامة والحديث خاص، فما مطابقته للتَّرجمة؟
قلت: أجاب إمامنا الشَّارح: بأن عائشة أنكرت على من ذكر عندها أن الصلاة يقطعها الكلب، والحمار، والمرأة؛ بكونها على السرير بين يديه ﵇ وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل ذلك ﵇ قاطعًا لصلاته؛ فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم يقطع في هذه ففي المرور بالطريق الأولى، ثم المرور عامٌّ من أي حيوان كان؛ لأنَّ الشَّارع جعل كل مارٍّ بين يدي المصلي شيطانًا، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم، وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرهم، ولم يجعل نفس المرور قاطعًا، وإنما ذمَّ المار حيث جعله شيطانًا من باب التشبيه، انتهى، قلت: وهو وجيه فاحفظه.
وزعم الكرماني: (فإن قلت: دل الحديث على أنَّ المرأة لا تقطع فقط، والتَّرجمة أعم من ذلك، قلنا: المراد من «الشيء» هذه الثلاثة، والقرائن تدل على التخصيص) انتهى.
قلت: وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وهو فاسد الاعتبار فإن لفظة (شيء) في التَّرجمة عامة تشمل بني آدم والحيوانات؛ لأنَّها نكرة في مقام النَّفي، فتَعُم، والحديث دال على ذلك؛ لأنَّ عائشة لمَّا أنكرت على من يقول: بقطع الصلاة بهذه الثلاثة؛ شمل إنكارها المرأة جميع بني آدم، والكلب والحمار جميع الحيوانات؛ لأنَّ الألف واللَّام في كل منها للجنس ويلحق بها ما عداهما من كل ما يدبُّ على وجه الأرض، وذلك بحكم المرور، كما بيَّنه حديث أبي سعيد: (إن المار شيطان)، وهو عام، فيعمُّ؛ فافهم.
ثم زعم الكرماني: (فإن قلت: غرض عائشة دفع المساواة بينها وبين الحمار والكلب، وعليه لزم المساواة في عدم القطع لا فيه؛ قلت: غرضها نفي المساواة في الشر لا مطلق المساواة، أو لعل مذهبها أن الكلب والحمار يقطعان) انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء فإن غرضها عدم المساواة من حيث إنَّ المرأة لا تذكر مع الكلب والحمار؛ لشرفها وخستهما، ويدل عليه ما رواه أحمد عنها: (لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء)، وليس مذهبها: أنهما يقطعان؛ لأنَّ حديث الباب دال على ذلك؛ لأنَّها أنكرت بقاء حكم قطع الصلاة بهذه، وأنكرت عدم النَّسخ، يدل عليه قولها: (والله لقد رأيت...) إلخ، فإنَّه دال على أنَّها كانت ترى نسخ الحكم، وأنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إليه؛ فافهم.
وقال الكرماني: (فإن قلت: القائلون بقطع الصلاة بمرورهم من أين قالوا به؟ قلت: إما باجتهادهم، ولفظ: «شبهتمونا» يدل عليه، وإما بما ثبت عندهم من قول الرسول بذلك) انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (هذا السؤال سؤال من لم يقف على الأحاديث التي فيها القطع، وأحد شقي الجواب غير موجه؛ لأنَّه لا مجال للاجتهاد عند وجود النصوص) انتهى.
ثم قال الكرماني: فإن قال الرسول به؛ فلم لا نحكم بالقطع؟ قلت: إما لأنها رجحت خبرها على خبرهم من جهة أنها صاحبة الواقعة، أو من جهة أخرى، أو أنها أولت القطع بقطع الخشوع ومواظبة القلب اللسان في التلاوة لا قطع أصل الصلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عبَّاس من مرور الحمار والأتان ناسخين له، وكذا حديث أبي سعيد؛ حيث قال: (فليدفعه فليقاتله) من غير حكم بانقطاع الصلاة بذلك.
فإن قلت: لم لا تعكس بأن تجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة به؟ قلت: للاحتراز عن كثرة النَّسخ؛ إذ نسخ حديث واحد؛ أهون من نسخ ثلاثة أو لأنها كانت عارفة بالتاريخ وتأخرها عنه) انتهى.
قلت: الجواب الأول: (أنها رجحت خبرها...) إلخ، لم يذكر وجه الترجيح سوى أنها صاحبة الواقعة وهو لا يفيد الترجيح، والجواب الثاني: فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا، والجواب الثالث؛ وهو النَّسخ هو الصَّواب، فإنَّها قد أنكرت بقاء حكم القطع، ورأت النَّسخ فيه، ويدل عليه قولها: (والله لقد رأيت...) إلخ.
والجواب في الثاني: (للاحتراز...) إلخ: فيه نظر، فإن الأحاديث الثلاثة في حكم واحد وحديثها في حكم واحد، ففيه نسخ حكم وإثبات حكم، فليس فيه كثرة النَّسخ، والجواب الثاني: إن كان معناه أن حديثها هو المتأخر عن حديثهم؛ فهو صواب، وإن كان حديثهم هو المتأخر عن حديثها؛ فليس بشيء؛ لأنَّ عائشة جعلت حديثها ناسخًا لأحاديثهم سواء كان مقدمًا أو مؤخرًا، بل الظَّاهر: أن حديثها هو المتأخر، وأن أبا هريرة وأبا سعيد لم يبلغهم النَّسخ إلا منها، يدل عليه أن الحافظ الطَّحاوي أخرج عن ابن المسيب بإسناد صحيح أن عليًّا وعثمان قالا: (لا يقطع صلاة المسلم شيء...)؛ الحديث، ولا يخفى أن مثل هذا لا يقال بالرأي، بل بالسَّماع من النَّبي الأعظم ﷺ ؛ فإنَّهما من الملازمين لأفعال المصطفى وأقواله ﵄، والله تعالى أعلم.
[حديث: لقد كان رسول الله يقوم فيصلي من الليل]
٥١٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) هو الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، هذه رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: (إسحاق) غير منسوب، وجزم ابن السكن بأنه ابن راهويه، وقال: كل ما في «البخاري» : (عن إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، وزعم أبو نعيم أنَّه إسحاق بن منصور الكوسج، قال الكلاباذي: (إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور كلاهما يرويان عن يعقوب)، كذا حققه صاحب «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر والقسطلاني، وزعم العجلوني أن رواية أبي ذر: (إسحاق بن منصور)؛ وهو خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، (قال أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (يعقوب بن إبراهيم)، زاد أبو ذر وأبو الوقت: (ابن سعد) هو المدني، (قال: حدثني)؛ بالإفراد، وللأصيلي: (حدثنا) بالجمع، ولأبي ذر: (أخبرنا) (ابن أخي ابن شهاب) هومحمَّد بن عبد الله بن مسلم الزهري المدني: (أنه) بفتح الهمزة (سأل عمه) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني (عن الصلاة) مطلقًا (يقطعها)؛ بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أيقطعها، وسياق الكلام يدل عليه، قيل: وفي نسخة: أيقطعها -بإثبات الهمزة- (شيء)؛ أي: من مرور الكلب، والحمار، والمرأة، (فقال) أي: ابن شهاب، وللأصيلي: (قال) (لا يقطعها شيء)؛ أي: لا يقطع الصلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة التي وقع النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصلاة كثيرة؛ مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلا وقد خص، قاله إمامنا الشَّارح، قلت: وقد يقال في معناه: لا يقطعها شيء؛ أي: من غير فعل المصلي، وفيه: أنَّه لو ألقى أحد عليه نجسًا مانعًا؛ يقطع صلاته مع أنَّه من غير فعل المصلي؛
стр. 736
فتأمل.
(أخبرني عروة بن الزُّبير) هو من تتمة مقول ابن شهاب، قاله الشَّارح في «عمدة القاري» وتبعه الكرماني وكذا ابن حجر والقسطلاني، وخالفهم العجلوني فزعم أنَّه من قول عم ابن شهاب، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ظاهر اللَّفظ يخالفه؛ فافهم: (أن عائشة زوجَ النَّبي) الأعظم ﷺ بفتح همزة (أن) ونصب (زوج) صفة لـ (عائشة) (قالت: لقد كان رسول الله ﷺ ، وأفادت لفظة (كان) الدوام والاستمرار (يقوم فيصلي من الليل)؛ أي: النافلة؛ ومعناه: يقوم فيصلي النافلة بعض الليل، فإنما أتت بكلمة (من) إشارة إلى أنَّه يقوم بعض الليل لا الليل كله، وزعم العجلوني: (من الليل)؛ أي: فيه، كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: فيه، انتهى، قلت: وفيه نظر، ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فافهم، (وإني) بكسر الهمزة (لمعترضة بينه) أي: رسول الله ﷺ (وبين القبلة) والجملة اسمية مؤكدة بـ (إن) واللَّام، في موضع نصب على الحال، (على فراش أهله)، كذا في رواية الأكثرين، وهو متعلق بـ (يصلي)، وهو يدل على أنَّ صلاته كانت على الفراش، ويحتمل تعلقه بـ (يقوم)، وهو متعين في رواية المستملي: (عن فراش أهله)؛ بكلمة (عن)، أفاده الشَّارح بزيادة.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في قول الزهري، وأما في قول عائشة؛ فإن اعتراضها بينه وبين القبلة غير قاطع لصلاته، واعتراضها شامل لمسها ونومها ورقودها، فالمارة لا تقطع بالطريق الأولى، وهذا يدل على أنَّ حديث: (يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار) منسوخ بهذا؛ لأنَّه ﵇ قد صلى وهي معترضة، فلم تضر صلاته.
وزعم ابن حجر أن الدلالة من هذا الحديث أن حديث: (يقطع الصلاة المرأة...) إلخ: يشمل ما إذا كانت مارة، أو قائمة، أو قاعدة، أو مضطجعة، فلما ثبت أنَّه ﵇ صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، ففي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور الثلاثة، وفرَّق بعضهم بين المرور وغيره فقال: المرور حرام، فكان قاطعًا للصلاة بخلاف غيره، ونازع بعض آخر في الاستدلال بأن العلة في قطع الصلاة بالمرأة التشويش من رؤيتها، وهذا مأمون في حديث عائشة حيث قالت: (والبيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح)، وبأن المرأة في غير حديث عائشة مُطلَقة، وفي حديثها مقيدة بالزوجة، فيحمل حديث غيرها على حديثها، ويكون القطع مقيدًا بالأجنبية خشية الافتتان بها، وبأن حديث عائشة واقِعةُ حال بخلاف حديث أبي ذر؛ فإنَّه سيق للتشريع العام، انتهى.
قلت: وكل هذا منظور فيه؛ لأنَّ شمول الحديث لما ذكره غير ظاهر؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث ولا يفيده ولا يشير إليه، بل الحديث شامل لمسها، ونومها، ورقودها، وقعودها؛ لأنَّ المضطجع تارة يكون نائمًا، وتارة يكون راقدًا، وتارة يكون قد عرض عليه القعود، كما لا يخفى، ولمَّا ثبت أنَّه ﵇ قد صلى وهي مضطجعة أمامه؛ دل هذا على النَّسخ ألبتة في المضطجع، وفي غيره بالقياس عليه، وهو مساوٍ له؛ لأنَّ الحادثة واحدة، والحكم واحد، والواقعة واحدة، فصح القياس وثبتت المساواة بينهما.
وتفريق بعضهم بين المرور وغيره وأن المرور حرام؛ غير ظاهر؛ لأنَّ المرور وإن كان حرامًا، لكن في نفسه لا يتعدى إلى غيره من قطع الصلاة، فإن القطع حكم آخر وهو منسوخ بدليل آخر، وهو حديث الباب ومنازعة البعض لا تخلو عن نظر، فإن كان العلة التشويش؛ فيرده صلاته ﵇ وعائشة معترضة بينه وبين القبلة ولم تضر صلاته.
وزعمه بأن التشويش مأمون في حديث عائشة؛ لعدم المصابيح؛ ممنوع، فإن وجود المصابيح ليس بعلة؛ لأنَّه قد يخطر بخاطر الإنسان وإن لم يكن مصابيح، على أنَّه -المصلي- إذا كان في صلاته مشتغلًا بها لا يخطر بباله شيء آخر غيرها، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
وما زعمه من أن حديث عائشة مقيد بالزوجية وغيره مطلق؛ ممنوع، فإنَّه لا فرق بين الزوج والأجنبية في الصلاة، والحمل غير ظاهر، وحديث عائشة ليس واقعة حال، بل هو عام سيق للتشريع، وأما حديث أبي ذر؛ فالظَّاهر: أنَّه واقعة حال، على أنَّه منسوخ بحديثها؛ لأنَّها أعلم من أبي ذر بالأحكام مع ملازمتها لأقوال الرسول الأعظم ﷺ وأفعاله، فلو لم تعلم بالنَّسخ؛ لما أنكرت على الذين ذكروا عندها قطع الصلاة.
والحاصل: أن أحاديث قطع الصلاة منسوخة، والعناد بعد ذلك مكابرة.
وادعى ابن بطال أن ذلك من خصائصه ﵇؛ لأنَّه يملك إربه بخلاف غيره، انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ دعوى الخصوصية لا بد لها من دليل يدل عليها ولم يوجد ما يدل عليها، وكون غيره لا يملك إربه؛ ممنوع، فإنَّه قد ثبت عنه ﵇: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، فإذا كانت الخيرية باقية في أمته؛ فلا شك أن المصلي يملك إربه؛ فافهم.
وقيل: الحكمة في تخصيص القطع بالثلاثة: أن الجميع في معنى الشَّيطان؛ الكلبُ بنَصِ الحديث، والمرأة من جهة أنها تقْبِل في صورة شيطان وتُدْبِر كذلك وأنها من حبائل الشَّيطان، وأما الحمار؛ فلِمَا جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصة نوح ﵇ في السفينة، انتهى.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت أن حكم قطع الصلاة بهذه الثلاثة منسوخ؛ فلا حاجة إلى إبداء حكمة لذلك، على أنَّه قد نص الحديث أن الكلب الأسود شيطان لا مطلق الكلب، كما لا يخفى، ومع هذا فقد ثبت في «الصَّحيحين» : أن الشَّيطان عَرَض للنبي الأعظم ﷺ في صلاته ولم يضرها ولا قطعها، وقد تقدم أن الشَّيطان نفسه لو مر بين يدي المصلي؛ لم تفسد صلاته بدليل الحديث المذكور.
فإن قلت: في الحديث أنَّه جاء ليقطع صلاته.
قلت: قد بينت رواية مسلم أن سبب القطع مجيء الشَّيطان بشهاب من نار ليجعله في وجهه ﵇، وأما مجرد المرور؛ فقد حصل ولم تفسد به الصلاة؛ فافهم.
وفي الحديث: أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه: جواز الصلاة إلى المرأة، وكرهه بعضهم، وفيه: استحباب صلاة الليل، وفيه: جواز الصلاة على الفراش، والله أعلم.
(١٠٦) [باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة]
هذا (باب) بيان حكم (من حمل) زاد الأربعة: (في الصلاة)، وفي نسخة (بابٌ) بالتنوين (إذا حمل)؛ أي: المصلي، (جارية صغيرة على عنقه) هل تفسد صلاته أم لا؟
وقال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا؛ ليدل على أنَّ حمل المصلي الجارية على العنق لا تضر صلاته؛ لأنَّ حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها؛ كذلك لا يضر مرورها، قال الشَّارح: قلت: فلذلك ترجم البخاري هذا الباب بهذه التَّرجمة وبينه وبين الأبواب التي قبله مناسبة من هذا الوجه، انتهى.
وزعم ابن حجر: وتقييد المصنف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك، انتهى.
قلت: تقييد البخاري الصغيرة مبني على الأغلب الكثير أن الصغير يحمل عادة مع أن حكم حمل الكبيرة كذلك؛ لأنَّ المعتبر هو
стр. 737
العمل في الصلاة، فإن كان يسيرًا؛ فلا فساد، وإن كان كثيرًا؛ تفسد صلاته، وهو مفوض لرأي المصلي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه ابن حجر؛ فافهم، وقد خفي عليه أن القيود تارة تذكر لبيان الواقع، وتارة لبيان الغالب، وتارة للاحتراز، وما هنا من الوسط، والعالم النحرير يفرق بين ذلك؛ فليحفظ.
[حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله]
٥١٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل (١) الدمشقي المولد (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا) (مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ الزاي: هو ابن العوام المدني، (عن عَمرو) بفتح العين المهملة (ابن سُليم) بِضَمِّ السين المهملة (الزُرَقي)؛ بِضَمِّ الزاي وفتح الرَّاء: هو الأنصاري، نسبة إلى زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، (عن أبي قتادة) هو الحارث بن ربعي السلمي (الأنصاري) توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل: اسمه النعمان، وفي رواية أحمد عن عمرو بن سليم: (أنَّه سمع أبا قتادة يقول) : (إن رسول الله ﷺ بكسر الهمزة (كان يصلي)؛ أي: في بعض الأوقات، لا يقال: إنَّ (كان) تفيد الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: ليست هي كذلك دائمًا، بل تذكر لأمر نادر، كما هنا للقرينة الحالية والمقالية الدَّالة على ذلك؛ فافهم، (وهو حاملٌ أُمامةَ) : الواو للحال، والجملة اسمية محلها نصب على الحال، و (حاملٌ) : بالتنوين، و (أمامةَ) : بالنصب، وهو المشهور، ويروى بالإضافة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]؛ بالوجهين في القراءة، قاله الشَّارح، وقال الكرماني: فإن قلت: قالت النحاة: فإن كان اسم الفاعل للماضي؛ وجبت الإضافة، فما وجه عمله؟ قلت: إذا أريد به حكاية الحال الماضية؛ جاز إعماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]، انتهى، و (أُمَامَة) : بِضَمِّ الهمزة وتخفيف الميمين (بنتَ زينبَ)؛ بالفتح والكسر صفة لـ (أمامة) على الوجهين، (بنتِ رسول الله)، وفي رواية: (ابنةِ رسول الله) ﷺ ؛ بالجر لا غير، نَعتٌ لـ (زينب)، وجُوِّز القطع نصبًا ورفعًا؛ فتأمل.
قال الشَّارح: ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.
فإن قلت: أين الظهور وقد خصص بالتَّرجمة الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟
قلت: كأن البخاري أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى؛ منها لمسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم، وصرح فيه: (على عنقه)، وكذا في رواية أبي داود، وفي رواية له: (فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه)، وفي رواية لأحمد من طريق ابن جريج: (على رقبته) انتهى.
قال الشَّارح: وكانت زينب أكبر بنات النَّبي الأعظم ﷺ ، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إليه، وأولاده ﵇ كلهم (٢) من خديجة سوى إبراهيم، فإنَّه من مارية القبطية، تزوجها قبل البعثة، قال الزهري: وكان عمره ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة، وقيل: ثلاثين، وكان عمرها أربعين، وقيل: خمسًا وأربعين، فولدت له القاسم وبه كان يكنى، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
وتزوج بزينب أبو العاص فولدت منه عليًّا وأمامة هذه، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة فولدت منه محمَّدًا، وكانت وفاة زينب سنة ثمان، ولهذا قال: (ولأبي العاص) عطف على زينب بإظهار اللَّام المقدرة في المعطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما ابن حجر والقسطلاني.
وزعم العجلوني: ولو جعل خبرًا لمحذوف؛ أي: وهي لأبي العاص؛ لم يمتنع، انتهى.
قلت: بل هو ممنوع لأنَّ هذه الصيغة تفيد أن أمامة ليست بنتًا لأبي العاص، بل تخصه مثل أن تكون ربيبة أو خادمة أو نحوها، بخلاف العطف، فإنَّه يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فما زعمه غير ظاهر، والأول: هو الظَّاهر؛ فافهم.
وإنما نسبها إلى أمها أولًا؛ لما زعمه ابن العطار من أن الولد ينسب إلى أشرف الأبوين دينًا ونسبًا؛ لأنَّ والد أمامة كان يومئذ مشركًا، ثم بيَّن أنها من أبي العاص؛ تبيينًا لحقيقة نسبها، كذا في «العجلوني».
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الولد ينسب إلى أبيه، وقد صرح القرآن العظيم بذلك قال تعالى: ﴿ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥]، وما زعمه من أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه؛ ممنوع هنا؛ لأنَّ هذا في السبايا إذا سبيت الصغار وأسلم آباؤهم؛ فيتبعونهم، أو أمهاتهم؛ فكذلك، فهو خاص بأهل الحرب بخلاف ما هنا، ألا ترى أن عليًّا ينسب إلى أبيه أبي طالب وهو قد مات على الكفر، ويدل لما ذكرنا: أن هذا الحديث رواه مسلم وغيره، وفيه: فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب، ورواه أحمد عن عمرو بن سليم، وفيه: (يحمل أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، فهذا كما رأيت قد نسبوها إلى أبيها وجعلوا أمها تبعًا؛ للبيان؛ فافهم.
قال إمامنا الشَّارح: واختلف في اسم أبي العاص؛ بدون ياء بخلاف عمرو بن العاصي؛ فإنَّه بالياء على الأشهر، فقيل: اسمه لقيط؛ بالتكبير، وقيل: مقسم، وصححه الكرماني، وقيل: القاسم، قال الشَّارح: وهو أكثر في اسمه، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، ويعرف بجَرْوِ البطحاء، وأم أبي العاص: هالة (٣)، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر وَرَدَّ عليه النَّبيُّ الأعظم ﷺ ابنته زينب وماتت معه؛ أي: في عصمته سنة ثمان.
وقال ابن إسحاق: (وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله ﷺ أن يزوجه (٤) بابنتها زينب، وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينهما).
وقال ابن كثير: (إنَّما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين، ووقع في الأسر)، قال ابن هشام: (وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام)، وقال ابن إسحاق عن عائشة: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم (٥)؛ بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداءأبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها؛ فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردَّوا عليها الذي لها.
وقال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب؛ يعني: أن تهاجر إلى المدينة؛ فوفى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، ثم آخر الأمر أسلم، وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ ، وعن ابن عبَّاس: (رد عليه رسول الله ﷺ ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا)، والله أعلم، انتهى.
(بن الربيع)؛ بدون هاء، وفي رواية: بهاء (ابن عبد شمس) نسبه لجده، وإلا فأبوه عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، والذي عن مالك: (ابن ربيعة) بالهاء، والصَّواب: (ابن الربيع) بدون هاء، وأصلحه ابن وضاح في رواية يحيى، قال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده، قال القاضي عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع
стр. 738
بن عبد العزى بن عبد شمس.
قال ابن حجر: والمخالفة فيه من مالك لا من البخاري، وغفل الكرماني فقال: خالف البخاري القوم من جهتين فقال: (ربيعة)؛ بحرف التأنيث، وعندهم: (الربيع)؛ بدونه، وقال: (ربيعة بن عبد شمس)، وهم قالوا: (ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس) انتهى، وكذلك اعترض الكرمانيَّ إمامُ الشَّارحين فقال: لو اطلع الكرمانيُّ على كلام القوم؛ لما قال ذلك، وتمامه فيه.
وزعم العجلوني بأنه لا غفلة من الكرماني؛ لأنَّه يصح أيضًا نسبة الغفلة إلى البخاري وإن كان تابعًا لمالك فيها، وأن الاعتراض في الأصل من ابن الأثير؛ فتدبر، انتهى.
قلت: الغفلة من الكرماني محققة، كما لا يخفى؛ لأنَّه لم يفرق، ولا يصح أن تكون الغفلة من البخاري؛ لأنَّه كثيرًا ما يذكر أشياخه في سنده وينسبهم إلى أجدادهم؛ لشهرتهم به، على أنَّه إذا كان البخاري تابعًا لمالك؛ فالغفلة من مالك قطعًا، والله أعلم.
(فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (وضعها)؛ أي: أمامة على الأرض، كذا في رواية مالك، (وإذا قام) أي: من السُّجود (حملها)؛ أي: أمامة على عنقه، أو على عاتقه، أو على رقبته، كما سبق من الروايات في ذلك، وفي رواية مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن حبان عن عامر بن عبد الله: (فإذا ركع؛ وضعها)، وفي رواية أبي داود عن عمرو بن سليم: (حتى إذا أراد أن يركع؛ أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا أفرغ من سجوده فقام؛ أخذها فردها في مكانها)، كذا في «عمدة القاري».
وفي الحديث أحكام:
أحدها: أنَّه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والواجب، والنفل، ويجوز ذلك للإمام والمقتدي والمنفرد، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.
قال صاحب «البدائع» : إذا أخذ المصلي قوسًا ورمى به؛ فسدت صلاته، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته؛ تفسد؛ لوجود العمل الكثير، وأما إذا حملت الصبي بدون الإرضاع؛ فلا يوجب الفساد، ثم روى حديث الباب وقال: هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ ؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك؛ لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غير موجب للفساد، ومثل هذا لا يكره لواحد منا أن يفعله عند الحاجة، أمَّا بدونها؛ فمكروه، انتهى.
وقال النَّووي: وعند الشَّافعي يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام، والمنفرد، والمأموم، انتهى.
وقال أحمد: يجوز ذلك، قال الأشرم: سئل أحمد: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واحتجَّ بحديث أبي قتادة.
وقال مالك: لا يجوز حمل الصبي ونحوه في الصلاة الفريضة، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على صلاة النفل، قال ابن عبد البر: ومن الدليل على صحة ما قاله إني لا أعلم خلافًا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه، انتهى.
قلت: وهذا فاسد، فإن حديث الباب صريح في جواز ذلك في الفرض والنفل، وما زعمه من الحمل غير صحيح، كما سيأتي، وما زعمه ابن عبد البر فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لا يلزم من عدم علمه الخلاف في كراهة الصلاة بذلك أن يكون دليلًا لمدعاه، ألا ترى أن مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والشَّافعي وأصحابه، وأحمد ابن حنبل: أن هذا الفعل جائز من غير كراهة لا سيما وقد فعله النَّبي الأعظم ﷺ ، وفعله لا يوصف بكراهة، بل هو شرع لنا إلى قيام الساعة، وكأنَّه أراد بنفي الخلاف الإجماع على كراهة هذا الفعل، ولا يخفى أن الأمة لا تجتمع على حكم مخالف لما فعله الشَّارع، وإن أراد إجماع مذهبهم؛ فهو غير معتبر ولا مقبول، على أنَّه إنَّما قالوا ما قالوا تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، وهو باطل، والحق أحق أن يتبع؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: روى سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري قال: (رأيت النَّبي الأعظم ﷺ يؤمُّ الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ على عاتقه)؛ فهذا صريح في أنَّه ﵇ كان في صلاة الفرض، ولأن الغالب في إمامة رسول الله ﷺ كانت في الفرائض دون النوافل.
وفي رواية أبي داود عن أبي قتادة الأنصاري قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظُّهر أوالعصر وقد دعاه بلال للصلاة؛ إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلَّاه وقمنا خلفه...)؛ الحديث، وفي كتاب «النسب» للزبير بن بكار، عن عمرو بن سليم: (أن ذلك كان في صلاة الصبح).
قال الشيخ تقي الدين: روي عن مالك: أنَّه منسوخ، قال أبو عمر (١) بن عبد البر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة، وقد ردَّ هذا بأن قوله ﵇: «إن في الصلاة لشغلًا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان فيه إثبات النَّسخ بمجرد الاجتهاد، انتهى.
قلت: والنَّسخ بالاجتهاد غير مقبول على أنَّ الجمهور من أهل العلم قالوا: إن هذا الفعل عمل غير متوالٍ، وليس فيه حركات ثلاث متوالية، والطمأنينة في الأركان موجودة قطعًا، فأين الفساد والكراهة؟ فافهم.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أن هذا الفعل كان للضرورة، وادعى بعضهم أنَّه خصوصية، وردَّه النَّووي بأنَّ هذا دعوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متضافرة على أنَّ هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت، وفعله ﵇ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه، انتهى.
وزعم الخطابي يشبه أن يكون صنيع رسول الله ﷺ لا عن قصد وتعمد في الصلاة، ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة؛ فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عنقه؛ وضعها بأن يحطَّها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى؛ لم يدافعها ولم يمنعها حتى إذا قام؛ بقيت محمولة معه، هذا عندي وجه الحديث، ولا يتوهَّم عليه ﷺ أنه كان يتعمَّد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأنَّ الكل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية؛ فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صنيعه وصفته من الأمر؟!
وقد رد هذا إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» والنَّووي؛ فقال الشَّارح: فقوله في الحديث: «فقام، فأخذها، فردها في مكانها» : صريح في أن الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أمامة، وقال النَّووي: وما ذكره الخطابي باطل ودعوى مجردة، ومما يرده (٢) قوله في «صحيح مسلم» : (فإذا قام؛ حملها)، وقوله: (فإذا رفع من السُّجود؛ أعادها)، وقوله في غير رواية مسلم: (خرج علينا حاملًا أمامة فصلى...)، وذكر الحديث، وأما قضية الخميصة؛ فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنَّه يشغل القلب، وإن سلمنا؛ فيترتب عليه فوائد وقواعد، كما ذكرناها، بخلاف الخميصة،
стр. 739
فالصَّواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، انتهى.
وزعم بعض أصحاب مالك أنَّه ﵇ لو تركها؛ لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها.
قلت: وهذه الدعوى مردودة؛ لأنَّه ﵇ قد وضعها، ثم ركع وسجد، كما رواه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، ولم يذكر أحد من الرواة أنَّه حين وضعها بكت، والأصل العدم وبقاء ما كان على ما كان، فهذا يدل على أنَّ حمله ﵇ إياها لبيان الجواز؛ فافهم.
وقال الباجي: (إن وجد من يكفيه أمرها؛ جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد؛ جاز فيهما) انتهى.
قلت: وهذه أيضًا مردودة؛ لأنَّه لم يفرق في الحديث بين الفرض والنفل، بل هما على السواء، فقد كان ﵇ يحملها في الفرض إمامًا وفي النفل، فإذا جاز في الفرض؛ فالنفل أولى، على أنَّه ﵇ كان إذ ذاك له نسوة وبنات وجوارٍ، ولم يأمر أحدًا منهن بحملها، بل تولَّى ذلك بنفسه في صلاته؛ لبيان الشرع.
وقال الفاكهاني: كان السرُّ في حمله ﵇ أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ذلك في الصلاة، بل يكون خارجها، وأما السر في ذلك؛ فهو (١) بيان الجواز والتشريع؛ فليحفظ.
والثاني من الأحكام: فيه جواز إدخال الصغار في المساجد.
والثالث: جواز صحة صلاة من حمل آدميًّا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا.
والرابع: فيه تواضعه ﵇، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم؛ جبرًا لهم ولوالديهم، أفاده الشَّارح.
وقال الشَّافعي: فيه دليل على ترجيح العمل بالأصل على الغالب، وردَّه الشيخ ابن دقيق العيد بأنَّ حكاية الأحوال لا عموم لها.
وفي الحديث: دليل على أنَّ لمس البنات غير مبطل للصلاة ولا للطهارة، وهو مذهب الجمهور.
وزعم الشَّافعية أنَّها مَحرَم، أو واقعة حال، أو مع حائل.
قلت: هذه دعاوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها، فقد كان ﵇ يقبِّل عائشة ويمس غيرها من زوجاته ويصلي ولم يتوضأ؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما، وقد تكرر منه ﵇ هذا الفعل في الفريضة والنَّافلة في حال الإمامة والانفراد، واحتمال الحائل ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمه، ولو كان؛ لذكره الرواة، واحتمال المَحرَميَّة باطل؛ فإن الزوجة ليست بمَحرَم، وكونها واقعة حال باطلة؛ لأنَّ هذا الحكم سيق للتشريع بأن يبقى ليوم القيامة؛ فافهم.
وحاصله: أن هذه محاولة ذكرت ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، والله تعالى أعلم.
(١٠٧) [باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض]
هذا (بابٌ) -بالتنوين- يذكر فيه حكم ما (إذا صلى) أي: الرجل (إلى فِراش)؛ بكسر الفاء: ما يفرش -أي: يبسط- على الأرض (فيه حائض)؛ أي: امرأة حائض، هل تصحُّ صلاته أم لا؟ وهل تكره أم لا؟
وتقدير الحكم أولى من الجواز؛ لأنَّه أعم، كما لا يخفى، وزعم الكرماني: باب هذه المسألة -وهي ما يقوله الفقهاء-: إذا صلَّى كذا وكذا؛ كيف يكون حكمه؟ وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا تعسُّف، ولو قال: معناه: إلى فراش فيه حائض كيف يكون حكمه؟ يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على عدم الكراهة، انتهى.
قلت: وقد فرغ المؤلِّف من بيان أحكام المار بين يدي المصلي، وهذا شروع في بيان فروع من أحكام الصلاة؛ فافهم.
[حديث: كان فراشي حيال مصلى النبي فربما وقع ثوبه عليَّ]
٥١٧ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن زُرارة)؛ بِضَمِّ الزاي، ثم بالرَّاء المكررة: هو أبو محمَّد النيسابوري (قال: أخبرنا هُشيم)؛ بِضَمِّ الهاء مصغرًا: هو ابن بُشير -بِضَمِّ الموحَّدة- الواسطي المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، (عن الشيباني) هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي، وما زعمه العجلوني من أنَّه سليمان بن إسحاق؛ خطأ ظاهر؛ فافهم، (عن عبد الله بن شداد بن الهادِ)؛ بتخفيف الدَّال المهملة، واسمه أسامة اللَّيثي الكوفي، (قال: أخبرتني خالتي مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة (بنت الحارث)؛ بالمثلَّثة، إحدى زوجات النَّبي الأعظم ﷺ ، (قالت: كان فِراشي)؛ بكسر الفاء؛ أي: ما أفترشه حال إرادة النَّوم (حِيَال)؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح التحتية؛ أي: بجنبه، كما في الحديث الذي بعد هذا، فهو ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)؛ أي: كائنًا في حذاء (مُصلَّى) بِضَمِّ الميم، وفتح اللَّام (النَّبي) الأعظم ﷺ ؛ أي: الموضع الذي كان يصلي فيه في بيته؛ وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، (فربما وقع ثوبه) أي: أصاب ثوب النَّبي الأعظم ﷺ (عليَّ)؛ بتشديد التحتية المفتوحة؛ أي: حال صلاته، (وأنا على فراشي)؛ أي: نائمة، وفي رواية: (وأنا حائض)؛ أي: متلبسة بالحيض، فلم ينكر علي النَّبي الأعظم ﷺ ، ولم تضر صلاته، وإفادة كلمة (رُبَّ) : أن كثيرًا ما يقع هذا الفعل له ﵇؛ لأنَّ (رُبَّ) عند سيبويه وجماعة: حرف تكثير، وعند ابن درستويه وجماعة: أنها للتكثير دائمًا، كما في «المغني»، بل نقل الحلبي عن جماعة: أنها لا تفيد التقليل إلا بقرينة، انتهى، وإذا زيدت كلمة (ما) بعدها؛ فالغالب أن تكفَّها عن العمل، وأن تهيئها للدخول على الجمل الفعلية، وأن يكون الفعل ماضيًا لفظًا ومعنًى، كما في الحديث؛ ومنه قول الشاعر:
ربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
وتمامه في شرحنا على «الأزهرية».
وفي الحديث: المطابقة لما ترجم له المؤلف، واعترض على المؤلف بوجهين؛ الأول: كيف دل على التَّرجمة التي هي كون المصلي منتهيًا إلى الفراش؛ لأنَّه قال: إذا صلى إلى الفراش، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية؟ والثاني: أن الحديث يدل على اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته؛ فهذا يدل على جواز القعود لا على جواز المرور.
وأجاب شارحنا في «عمدة القاري» عن الأول: (بأنه لا يلزم أن يكون الانتهاء من جهة القبلة، وكما أنها منتهية إلى جنبه ﵇، فكذلك هو ﵇ أيضًا منتهيًا إليها وإلى فراشها)، وعن الثاني: (بأن ترجمة الباب ليست معقودة للاعتراض؛ فإن المتعلق بالاعتراض قد تقدم، والذي قصده البخاري بيان صحة الصلاة ولو كانت الحائض بجنب المصلي ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي وقبلته) انتهى.
قلت: فإن البخاري قد شرع هنا في بيان مسائل الصلاة صحة، وفسادًا، وكراهةً وعدمها، بعد أن تمَّم أحكام السترة، والمار بين يدي المصلي.
وفي الحديث أحكام؛ منها: استحباب صلاة الليل، ومنها: جواز الصلاة بحضرة النائم، وأنه لا كراهة فيه، ومنها: أن المصلي إذا أصاب ثوبه الحائض؛ لا تضر صلاته، ولا كراهة عليه؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة وهي حائض؛ فلم تضر صلاته، وفيه: استحباب وضع السجادة للصلاة عليها، وقد سبق هذا الحديث في باب: (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود)، والله تعالى أعلم.
[حديث: كان النبي يصلي وأنا إلى جنبه نايمة]
٥١٨ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو النُّعمان)؛ بِضَمِّ النُّون: هو محمَّد بن الفضل السدوسي -بمهملات- المعروف بعارم، (قال: حدثنا عبد الواحد بن زِيَاد)؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية: هو البصري، (قال: حدثنا الشيباني)، زاد في رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (سليمان) هو ابن فيروز التَّابعي الكوفي، (قال: حدثنا عبد الله بن شَدَّاد)؛ بفتح المعجمة، والمهملتين أولاهما مشددة: هو ابن الهاد؛ واسمه أسامة، اللَّيثي المدني، وهذا الإسناد بعينه سبق في باب (مباشرة الحائض)، (قال: سمعت) خالتي (مَيْمُونة)؛ بفتح الميم أولى، وضم الثَّانية، بينهما تحتية ساكنة: هي بنت الحارث، وجملة (تقول) من الفعل والفاعل: محلها نصب مفعول ثان لـ (سمعت)، أو حال: (كان النَّبي) الأعظم ﷺ ، وأفادت لفظة (كان) : الاستمرار والدوام (يصلي) : جملة محلها نصب خبر (كان)؛ أي: في حجرته النافلة ليلًا، (وأنا إلى جنبه نائمةٌ)؛ بالرفع خبر (وأنا) المتعلق به (إلى جنبه)، والجملة حالية، وفي رواية باب (إذا أصاب ثوب المصلي امرأته في السُّجود) قالت: (وأنا حذاؤه)؛ أي: والحال أنا بإزائه ومحاذيه، وقد بينت رواية الباب هنا أن المراد: أنها نائمة بجنبه،
стр. 740
(فإذا سجد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ في صلاته؛ (أصابني ثوبه)، وفي رواية المستملي والكشميهني: (ثيابه)؛ بالجمع، وفي رواية أبي ذر: (أصابتني ثيابه)؛ بتاء التأنيث في (أصابتني)، وإنما كان يصيبها؛ لقربها منه ﵇، وجملة (وأنا حائض) : حالية، ثابتة في رواية أبي ذر، ساقطة عند غيره.
و (حائض)؛ بدون تاء، قال الكرماني: (فإن قلت: قالوا: إذا أريد الحدوث؛ يقال: حائضة، وإذا أريد الثبوت وأن من شأنها الحيض؛ يقال: حائض، ولا شك أن المراد ههنا: كونها في حالة الحيض؟ قلت: معناه: أن «الحائضة» مختصة بما إذا كانت فيه، و «الحائض» أعم منه) انتهى.
وردَّه الشَّارح، فقال: (لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا؛ فهي حائض وحائضة، وأنشد الفراء:
كحائضة يزني بها غير حائض...
وفي اللُّغة: لم يفرق بينهما، غير أن الأصل فيه التأنيث، ولكن لخصوصية النساء به، وعدم الالتباس؛ ترك التَّاء) انتهى، فاعرفه.
وقوله: (زاد مُسدد)؛ بِضَمِّ الميم: هو ابن مسرهد البصري، (عن خالد) هو ابن عبد الله الطَّحان الواسطي (قال: حدثنا سليمان الشيباني) هو ابن إسحاق المدني: (وأنا حائض) مقدمة في بعض النُّسخ، مؤخرة على حديث أبي النعمان، وفي بعضها لفظ: (باب) قبل حديث أبي النعمان، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة كما قدمناه؛ فافهم.
وفي الحديث أحكام:
الأول: فيه جواز مخالطة الحائض، وقد كان بنو إسرائيل يخصون الحائض في النَّوم والأكل والشرب، ولا يخالطونها بشيء أصلًا، وقد نسخ هذا.
الثاني: فيه طهارة بدن الحائض وثيابها.
الثالث: فيه إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأةَ الحائضةَ؛ لا تضر صلاته.
الرابع: فيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء؛ لأنَّه ﵇ قد أصاب ثوبه ميمونة، والغالب أن المصلي يرفع ثيابه إذا أصابت غيره فتصيب يده بدنها لا سيما وهي نائمة بجنبه.
الخامس: اخترعه بعض المتعصبين: أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة.
قلت: وليس في الحديث ما يدل على هذا أصلًا غير أنَّه فيه: أنَّه ﵇ صلى بجنب ميمونة وهي نائمة، وهو قائم، وقاعد، وساجد، فأين المحاذاة؟ وكأنَّ هذا القائل مراده الغمز في مذهب رأس المجتهدين وسيدهم أبي (١) حنيفة الإمام الأعظم: أن محاذاة المرأة تفسد الصلاة، وقد حفظ شيئًا هذا القائل وغاب عنه أشياء؛ فإن المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداءً وتحريمة، وغير ذلك من الشروط المقررة في كتب الفروع، والمرأة في هذا الحديث ليست كذلك، بل ليست بطاهرة أصلًا؛ فهذا كلام من لم يشم شيئًا من رائحة العلم، بل شم التعصب، والتعنت، والعناد، ألم يعلم أن الإمام الأعظم حين أخذ الحكم في هذه المسألة كان إمامهم منيًا في ظهر أبيه؛ فعليك بالأدب تنل (٢) أعالي الرتب؛ فافهم، وتمامه فيما سبق.
(١٠٨) [باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد]
هذا (بابٌ) بالتنوين (هل يَغمِز)؛ بفتح أوله، وكسر الميم من باب (ضرب)؛ أي: ينخس باليد (الرجل) وهو في الصلاة (امرأته) النائمة (عند) إرادة (السُّجود) في الصلاة (لكي يسجد) في مكان اضطجاعها؟ فإن فعل ذلك ما حكمه؟
قال إمام الشَّارحين: (يعني: إذا غمزها؛ فلا يترتب عليه من فساد الصلاة شيء، وبيَّن البخاري في هذا الباب صحة الصلاة ولو أصابها بعض جسده، وبيَّن في الباب السَّابق صحتها ولو أصابها بعض ثيابه) انتهى.
[حديث: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار !]
٥١٩ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمرو بن عَلي)؛ بفتح العين فيهما: هو الباهلي الفلاس، (قال: حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان البصري، (قال: حدثنا عُبيد الله)؛ بالتصغير: هو ابن عبد الله العمري المدني، (قال: حدثنا القاسم) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصديق الأكبر ﵄، (عن عائشة) : هي عمته الصديقة أم المؤمنينزوج النَّبي الأعظم ﷺ (قالت)؛ أي: في جواب من قال: (يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة)؛ أي: مرورها بين يدي المصلي، والذي قال ذلك: هو أبو هريرة، وأبو ذر، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم بحضرة عائشة ﵂، فقالت لهم: (بئسما) وكلمة (بئس) من أفعال الذم، كما أن كلمة (نِعْم) من أفعال المدح، وشرطهما: أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرف بها، أو مضمرًا مميزًا بنكرة منصوبة، وههنا يجوز الوجهان؛ الأول: أن يكون (ما) بمعنى: الذي، ويكون فاعلًا لـ (بئس)، والجملة -أعني قوله: (عدَلتمونا)؛ بتخفيف الدَّال؛ أي: شبَّهتمونا، كما في رواية باب (لا يقطع الصلاة شيء)، أو جعلتمونا أو تسويتكم إيانا- صلة الموصول، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا؛ والتقدير: بئس الذي عدلتمونا (بالكلب والحمار) ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل (بئس) مضمرًا مميزًا، وتكون الجملة بعده صفة له، والمخصوص أيضًا محذوف؛ والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتمونا بالحمار شيء، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ، وخبره الجملة التي قبله؛ كذا قرره إمام الشَّارحين؛ والمعنى: لم شبهتمونا بهما مع شرف المرأة وخستهما؟!
ثم استدلت على ما أنكرته بقولها: (لقد رأيتُني)؛ بِضَمِّ الفوقية، واللَّام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لقد رأيتني، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب؛ والتقدير: رأيت نفسي، كذا أفاده الشَّارح.
وقال الكرماني: (إن كانت الرؤية بمعناها الأصلي؛ فلا يجوز حذف أحد مفعوليه، وإن كانت بمعنى: الإبصار؛ فلا يجوز اتحاد الضميرين).
وأجاب العلامة الفاضل الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ : (جاز حذف أحدهما؛ لأنَّه مبتدأ في الأصل، فيحذف كالمبتدأ)، وهذا مخالف لما ذكره في «المفصل»، و «الكشاف» : (لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي الحسبان).
وأجيب: بأنه قد روي عنه أيضًا: أنَّه إذا كان الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد؛ جاز الحذف، وأمكن الجمع بينهما بأن القول بجواز الحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول معنًى، والقول بعدمه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديث من القسم الأول؛ والتقدير: رأيت نفسي معترضة مثلًا، أو أعطى للرؤية التي بمعنى الإبصار حكم الرؤية التي من أفعال القلوب، انتهى.
(ورسول الله ﷺ يصلي) : جملة اسمية وقعت حالًا على الأصل؛ أعني بالواو؛ أي: صلاته من الليل (وأنا مضطجعة) : جملة حالية أيضًا؛ أي: نائمة (بينه وبين القبلة)؛ أي: معترضة بينهما أمامه وليس بينه وبينها سترة؛ لأنَّها حينئذٍ غير مشروعة؛ لأنَّ السترة شرعت لدفع المار، ولا مار في ذلك الوقت، والنائم ليس له قوة على المشي ونحوه، (فإذا أراد) أي: النَّبي الأعظم ﷺ (أن يسجد) أي: السُّجود في صلاته؛ (غمز رجليَّ)؛ بالتثنية، قال في «الصِّحاح» : غمزت الشيء بيدي؛ ومنه قوله:
وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما
وغمزته بعيني؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]، والمراد ههنا: الغمز باليد، وفي رواية للبخاري: (فإذا سجد؛ غمزني)، وفي رواية أبي داود: (فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجليَّ)، فبينت هذه الرواية أن المراد من الغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما قاله أهل اللُّغة، (فقبضتهما)؛ أي: أخرتهما عن مكان سجوده؛ ليسجد مكانهما،