المملكة العربية السعودية
جامعة أم القرى
مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
مكة المكرمة
من التراث الإسلامي
الكتاب التاسع والأربعون
ابن حزم وموقِفُه مِن الإلهيَّات
عَرْض وَنقْد
تأليف
الدكتور/ أحمد بن ناصر الحمد
стр. 2
أصل هذا الكتاب رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة. من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة. جامعة الملك عبد العزيز في ٢٤/ ١٠/ ١٤٠٠ هـ وحصلت على الدرجة العلمية بتقدير ممتاز.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكر وتقدير
أحمد الله تعالى وحده حمد شاكر لنعمائه وأثني عليه بما هو أهله وأشكره على ما أنعم به عليّ من النعم العظيمة التي لا أحصي عددها.
وأرى لزاما عليّ أن أعترف بالفضل لأهله، وأن أشكر كل من مد إليَّ يد العون في هذا البحث، مع اعترافي بالعجز عن تقديم الشكر الذي يكنه ضميري لهؤلاء في عبارات أسطرها إذ لا توفيهم بعض حقهم.
فأقدم شكري الجزيل لسعادة القائمين على جامعة الملك عبد العزيز لما يبذلونه من الجهود المتواصلة في خدمة العلم وطلابه، أخص منهم أصحاب السعادة عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية السابق الدكتور محمد بن سعد الرشيد، والعميد الحالي الدكتور عليان الحازمي ورئيس قسم الدراسات العليا الشرعية الدكتور محمد العروسي، كما أني أتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة شيخي الأستاذ الدكتور عبد العزيز عبد الله عبيد الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة فلقد حظيت بنصحه وإرشاده طوال إعدادها. وقد فتح لي قلبه وبيته فاستفدت الكثير من علمه وتوجيهه فالله أسأل أن يجزيه عني أحسن الجزاء وأن يبارك في وقته وعمله.
стр. 4
كما لا أنسى أن أشكر لفضيلة شيخي الأستاذ الدكتور عوض الله جاد حجازي فضله فلقد كان اختيار هذا الموضوع ووضع خطته تحت توجيهه وإرشاده فجزاه الله عني خير الجزاء وبارك في أيامه ومساعيه.
كما أني أقدم عظيم شكري لكل من ساعدني في إخراج هذا البحث إلى حيز الوجود، سواء كانت مساعدة مادية أو معنوية.
فأرجو من المولى الكريم أن يكلأ الجميع بعنايته وأن يتولى جزاءهم عني بما يكافئهم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
* * * * *
стр. 5
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
ونشكره على ما أنعم علينا من النعم العظيمة. ومن أعظمها نعمة الإسلام، وأن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر والمؤمنة بالله كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) ولا نشك بأن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسول الله ﷺ . فنسأل الله المولى القدير أن يوفقنا للقيام بعمل هذه الخيرية إنه القادر على ذلك.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين ﷺ وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم إلى يوم الدين الذين آمنوا بما دل عليه الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل فهم أدعى الناس للنقل الصحيح وأولاهم وأحقهم بالمعقول الصريح فهم الطائفة الباقية على الحق المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، إذ لا يرجعون عند النزاع إلا إلى القرآن والسنة لعلمهم أن العقائد لا تثبت إلا بالشرع ولم يكن أحد منهم
стр. 6
يعارض النصوص بمعقوله فكانوا متفقين لا تنازع بينهم معتصمين بالقرآن والإيمان ولكن بعد أن ترجمت كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية واطلع الناس عليها وتعلمها البعض واتسعت رقعة البلاد الإسلامية ودخل في الإسلام فريق - لم يدخل الإسلام إلى قلوبهم - بقصد الإفساد والتشكيك بين المسلمين. تغير أسلوب المناقشات والإقناع والجدل بالحجج العقلية فخلط المتكلمون علم الكلام بالفلسفة فأصبحا كالفن الواحد، والحق أن ما يتحدث به المتكلمون من إقامة الحجج على ما يتعلق بالعقيدة ليس بحثا عن الحق فيها - وإن اعتقد هذا من قصر علمه بالشرع - وإنما التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان الثابتة بالشرع وتدفع شبه أهل البدع عنها، لأن ذلك كان معلومًا من قبل الشارع، وألجأت إلى ذلك الحاجة عند الرد على أهل الإلحاد بمجانسة اعتراضاتهم وبعد:
فموضوع هذه الرسالة: "ابن حزم وموقفه من الإلهيات، عرض ونقد".
ومن أسباب اختيار هذا الموضوع، ما كان يجول بخاطري عند اطلاعي على كتب الفرق من عدم ذكر رأى الظاهرية في أي مسألة من مسائل أصول الدين على شهرتها وبروز رأيها في مسائل الفروع، فكنت عند ذلك أتساءل هل تلتزم الظاهرية بظاهريتها في الأصول كما هي في الفروع؟ وأجيب بأنها لو كانت كذلك لكانت مجسمة. ولكني لم أر أحدا ذكرها منهم، ولم أر لها رأيا مع أصحاب التجسيم، وقد رأيت كلاما لابن تيمية في شرح العقيدة الإصفهانية في كلامه على الصفات مؤداه: أن ابن حزم وأمثاله
стр. 7
من الظاهرية كالقرامطة الباطنية في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته مع ادعائهم الحديث ومذهب السلف، وأن إمامهم داود وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة والحديث. ولكن طائفة من أصحابه وافقوا المعتزلة في باب الصفات. (١)
ومن هذا ندرك أن الظاهرية الجامعة لأهل الظاهر إنما هي في الفروع دون الأصول، وأنهم مختلفون في الأصول.
وقد رأيت قولا لابن كثير معناه: أن ابن حزم مع ظاهريته في الفروع وعدم قوله بالقياس من أشد الناس تأويلا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات. (٢)
فأوجد ذلك عندي رغبة في الكشف عن مذهب ابن حزم في كل ما يتعلق بأصول الدين - مجال تخصصي - ولكن سعة هذا الجانب تحول دون تلك الرغبة. حيث يتناول ذلك الكلام على الإلهيات، والنبوات والسمعيات، والبحث في كل هذه النواحي يحتاج إلى وقت طويل لسعته وصعوبته البالغة فتلك مسائل دقيقة لا يمكن الإلمام بها بسهولة وشر فقصرت الكلام على جزء منها "مباحث الإلهيات" على أن يكون البحث في هذا الموضوع عرضا ونقدا. فلاقى ذلك قبولا واستحسانا من أساتذتي الكرام أساتذة الفرع والقسم.
ثم إن ابن حزم عالم نبذ التقليد وعدم التقيد بمذهب في وقت
стр. 8
مبكر من طلبه العلم وبدأ يناظر ويجادل بشدة وعنف وقد أصبح لهذا المنهج في هذا الزمن دعاة يتبنونه ويدعون إليه بحماس وشدة، ويستهينون بأقوال العلماء السابقين وآرائهم فرأيت أن من الحاجة إبراز رأى ابن حزم في هذا الجانب الهام والكشف عن معتقده. ليرى أصحاب العقول. كيف قاد ابن حزم مبدأ الإستقلال - مع فرط ذكائه وسعة اطلاعه وإدراكه. وقوة حفظه، ومعرفته بالحديث والفقه واستنباطه للأحكام من الكتاب والسنة - إلى الوقوع في الأخطاء الكثيرة في الإعتقاد ومخالفة أهل السنة والجماعة في الكثير من مسائل العقيدة.
واخترت الإلهيات، دون السمعيات، والنبوات، لأنه المقصد الأسمي في هذا العلم، وهو أيضا معترك النزاع بين الفرق الإسلامية، نفيًا وإثباتًا، وتأويلا، فكل يرى أن الصواب معه، وأن الخطأ ما ذهب إليه سواه فأحببت أن أستبين الحقيقة وأصل إلى نتيجة حاسمة في هذه المباحث التي هي لب مجال تخصصي وجل مباحثه.
وقد يقول قائل: إن الباحثين تناولوا شخصية ابن حزم وأشبعوها بحثا فلا قيمة لما يكتب عنها مجددا.
ونقول لمن يدعي هذا: إن هذه الشخصية وإن تناولتها أقلام الباحثين كثيرا فهي أيضا تحتاج إلى مزيد من البحث، لأن ابن حزم عالم موسوعي تناول كثيرا من الفنون فهو العالم الفقيه والأصولي والمتكلم والأديب الشاعر، وقد كُتبت عن هذه الشخصية الفذة رسائل علمية عديدة منها ابن حزم الأصولي -
стр. 9
وابن حزم الفقيه، وابن حزم محدثا، وابن حزم ناقدا ومفكرا، ولم يكتب عن الإلهيات عند ابن حزم - فيما أعلم - مع ما لهذا الجانب من الأهمية القصوى فكان لهذا موطن اختياري.
وبعد الاطلاع على كثير من محتويات الموضوع ومباحثه رأيت أن أجعله في بابين يحتص الباب الأول بالتعريف بشخصية ابن حزم والثاني: في أصل الموضوع الإلهيات، وقبل أن أبين محتويات كل باب أشير إلى طريقتي التي تناولت فيها الموضوع بالبحث وهي:
إني قد جعلت الكلام على كل صفة بمفردها مع أن البعض منها لا يختلف فيه رأى ابن حزم فهو واحد حقيقة، وإن اختلف لفظها، لأن النقد لا يجمعها كلها فكل صفة عندنا تختلف عن الأخرى بمعناها وأدلتها.
وحرصت كل الحرص على عرض مذهب ابن حزم في صورة مبسطة مختصرة مع ذكر أدلته التي اعتمد عليها.
وقد اعتمدت في أخذ مذهبه على كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، وهذا الكتاب عبارة عن عرض للمذاهب المختلفة ونقدها.
فكنت أستخلص رأيه من مناقشاته للفرق الإسلامية ومن ردوده عليها، ومما اعتمدت عليه في معرفة مذهب ابن حزم كتابه المحلى وفيه عرض مذهبه صراحة.
وعلى كتابه الأصول والفروع حيث يحتوي على بعض المباحث من موضوعنا.
стр. 10
وبعد أن يتم عرض رأى ابن حزم أبدأ بنقده.
فأذكر من قال بهذا القول غيره ثم أبدأ بتقويمه. فإن رأيته صوابا أتيت بما يؤيده من الأدلة التي أرى أنها ضرورية لإثبات هذا المذهب ومرجحة للأخذ به دون سواه.
وإن اجتمع في مذهب ابن حزم صواب وخطأ بينت ذلك.
وإن كان الصواب خلاف ماذهب إليه بينت الصواب بأدلته.
ورددت ما قد يرد عليه من اعتراضات مع الرد أيضا على الشبه التي منعت ابن حزم من القول بالمذهب الصحيح بأسلوب ليس كأسلوبه في الرد والمناقشات مع وفائه بالغرض إن شاء الله.
وبعد هذا أشير إلى محتويات أبواب الرسالة.
فالباب الأول:
حياة ابن حزم
يشتمل هذا الباب على فصلين:
الفصل الأول:
التعريف بابن حزم
ويحتوى هذا التعريف على عدة نقاط هي:
١ - أصل ابن حزم وأسرته: هل كان فارسيا أم أسبانيا مع مناقشة الأقوال في ذلك والترجيح.
٢ - مولده ونشأته: بينت مكان ولادته، وتاريخها، وتربيته وما أحيط به من الاهتمام والرعاية نشأته.
٣ - بداية تعلمه: ذكرت هنا على من ابتدأ يتعلم في صغره، ثم سماعه وبداية طلبه العلم على المشائخ.
стр. 11
٤ - شيوخه: ذكرت أشهر الشيوخ الذين سمع منهم، وتلقى العلم على أيديهم وقد ترجمت لكل من ذكرت منهم في هامش الرسالة.
٥ - مكانته العلمية: ذكرت هنا بعض أقوال العلماء عنه، وشهادتهم له بالعلم واعترافهم بذكائه وقوة حافظته وسعة اطلاعه.
٦ - تلاميذه: عددت أشهر من أخذ العلم على ابن حزم وترجمت لمن ذكرت منهم في الهامش.
٧ - مصنفاته: سردت ما بلغ علمي من مؤلفات ابن حزم مرتبة على الحروف الهجائية.
٨ - وفاته: بينت هنا الراجح في تاريخ وفاته.
الفصل الثاني: عصر ابن حزم
وفي هذا الفصل تكلمت على العصر الذي رأيت أن له أثرًا على حياة ابن حزم في الحالات الآتية:
١ - الحالة السياسية.
٢ - الحالة الاجتماعية.
٣ - الحالة العلمية.
وفي تلك الحالات بينت الأحوال التي عاشتها الأندلس قبل ابن حزم من الرخاء والعزة والقهر، ثم تغير الأحوال بعد بلوغ ابن حزم وما حصل بعد ذلك من التمزق وكثرة الفتن والخلافات.
وكيف كان المجتمع الأندلسي في كلتا الحالتين. وحالة العلم
стр. 12
والعلماء. وأنواع العلوم التي يفضلها أهل الأندلس ويهتمون بها.
وأما الباب الثاني فهو:
الإلهيات
ويشتمل هذا الباب على تمهيد في تعريف الإلهيات. وعلى خمسة فصول:
الفصل الأول: وجود الله تعالى
ذكرت في هذا الفصل الأدلة التي استدل بها ابن حزم على وجود الله تعالى ثم نقد ذلك.
الفصل الثاني: وحدانية الله تعالى
والكلام في هذا الفصل في بيان وحدانية الله تعالى وتفرده بالألوهية دون سواه وأدلة ذلك عند ابن حزم وبيان صحة الأدلة:
الفصل الثالث: التنزيهات
والكلام في هذا الفصل على عدة نقاط:
١ - الجسمية والعرضية والزمانية والمكانية والحركة.
٢ - الصورة.
٣ - الماهية.
٤ - وصف الله تعالى.
٥ - تسمية الله تعالى.
стр. 13
الفصل الرابع: الصفات
يشتمل هذا الفصل على تمهيد في تقسيم الصفات. ثم بعد ذلك الكلام على الصفات وهي كما وردت في الرسالة:
١ - الحياة.
٢ - العلم.
٣ - القدرة والقوة.
٤ - الإرادة.
٥ - الكلام.
٦ - السمع والبصر.
٧ - العز، والعزة، والكبرياء:
٨ - النفس والذات.
٩ - الوجه.
١٠ - العين.
١١ - اليد.
١٢ - الأصابع.
١٣ - الجنب.
١٤ - الساق.
١٥ - القدم.
١٦ - الاستواء.
١٧ - النزول.
١٨ - الرؤية.
стр. 14
الفصل الخامس: أفعال الله تعالى
يشتمل هذا الفصل على تمهيد في بيان مذهب المعتزلة في أفعال الله تعالى ثم الكلام على مباحث هي:
١ - القضاء والقدر.
٢ - خلق أفعال العباد.
٣ - الهدى والإضلال.
٤ - التعديل والتجوير.
٥ - تعليل أفعال الله تعالى.
٦ - اللطف والأصلح.
٧ - إرسال الرسل.
وفي الفصل الثالث والرابع والخامس: أذكر في كل مسألة أولا: رأى ابن حزم بأدلته. ثم أبدأ بمناقشته.
وفي الخاتمة ذكرت خلاصة الأقوال باختصار، هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
стр. 15
الباب الأول حياة ابن حزم
* يشتمل هذا الباب على فصلين:
الفصل الأول: التعريف بابن حزم
١ - أصله وأسرته
٢ - مولده ونشأته
٣ - بداية تعلمه
٤ - شيوخه
٥ - مكانته العلمية
٦ - تلاميذه
٧ - مصنفاته
٨ - وفاته
الفصل الثاني: عصر ابن حزم
١ - الحالة السياسية
٢ - الحالة الاجتماعية
٣ - الحالة العلمية
* * * *
стр. 16
الفصل الأول: التعريف بابن حزم
١ - أصله وأسرته:
ابن حزم هو المكنى بأبي محمد واسمه علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد. ويزيد هذا فارسي أسلم وكان مولى ليزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموى القرشي، وهو المعروف بيزيد الخير أخو معاوية، ونائب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ على دمشق.
وأول من دخل الأندلس من هذه الأسرة خلف بن معدان في زمن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام المعروف بالداخل. وسكن قرية "منت ليشم" من إقليم الزاوية من عمل "أونبه" على بعد نصف فرسخ منها وهي من كورة "لبلة" من غرب الأندلس. (١)
وقد ولد أحمد بن سعيد - والد المترجم له - بقرية الزاوية كما قال المقرى التلمساني. (٢) فعليه يكون أحمد بن سعيد الوزير هو أول من
стр. 17
سكن قرطبة من آل حزم، وفيها ولد أبو محمد بن حزم فيما ذكره صاعد بن أحمد. (١) قال: "كتب إلى أبو محمد بن حزم بخطه يقول: ولدت بقرطبة في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة" (٢) وتعيين قرطبة موضع ولادته محل إجماع.
هذا ما يتفق عليه أكثر المؤرخين القدماء الذين ترجموا لأبي محمد بن حزم، من أنه ﵀ فارسي الأصل. وأن جده الأقصى "يزيد" هو أول من أسلم من أجداده، وأنه مولى ليزيد بن أبي سفيان. ويخالف هذا أبو مروان ابن حيان المؤرخ، وابن سعيد صاحب المغرب. يقول ابن حيان: "وقد كان من غرائبه انتماؤه في فارس. واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولى فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه والراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم لبنى أمية أولياء نعمة لا عن صحة ولاية لهم عليه فقد عهده الناس خامل الأبوة مولد الأرومة من عجم لبلة جده الأدنى حديث الإسلام لم يتقدم لسلفه نباهة فأبوه أحمد - على الحقيقة - هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء، والرجولة والرأى. فاغتدى جرثومة سلف لمن نماهم أغنتهم عن الرسوخ في أول السابقة فما من شرف إلا مسوق عن خارجية ولم يكن إلا كلا ولا حتى تخطى على - صاحب الترجمة -
стр. 18
هذا رابية لبلة فارتقى قلعة اصطخر (١) من أرض فارس فالله أعلم كيف ترقاها إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة بل وصله بها وسع علم وشجته رحم معقومة (٢) بلها بمستأخر الصلة ﵀. (٣)
ويقول ابن سعيد: "وكان متشيعًا في بني أمية منحرفا عمن سواهم من قريش وادعى أنه من الفرس وهو خامل الأبوة من عجم لبلة". (٤)
ويذهب إلى ما ذهب إليه أبن حيان وابن سعيد المؤرخ الأسباني سانتشث البرنس فيقول: "ومن ثم كان ابن حزم أسبانيا تعرب ثقافة، ولم يكن عربيًا أسبانيًا. ابن أحد وزراء المنصور بن أبي عامر دكتاتور الأندلس، وكان معاصروه وتلاميذه من شبه الجزيرة يرونه حفيدًا لولدين، أي أنه ينحدر أبا من أصول أسبانية أسلمت وكانت الأم أسبانية على التأكيد، لأن مسلمي الأندلس حتى الخلفاء منهم ولدوا لأمهات ينحدرن من سلالات أسبانية عريقة فهم من هذا الجانب أسبانيون جميعا". (٥)
ويقول بهذا القول كثير من الباحثين المستشرقين، ويسايرهم في
стр. 19
ذلك الدكتور طه الحاجرى إذ يقول: "ابن حزم هذا هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم - فحزم هذا، وهو كما نرى جد أبيه - وهو الذي إليه ينتسب وبه يعرف، فهو كما يبدو رأس هذه الأسرة ولكن نسبه المدون لا يقف عند هذا الرجل بل يمضى مطردا حتى ينتهي إلى رجل اسمه يزيد. قالوا إنه فارسي الجنس وإنه من موالي يزيد بن أبي سفيان أحد رجال الفتوح الشامية والمتوفي سنة ثمانية عشر للهجرة.
على أنه ينبغي ألا يخدعنا هذا النسب المتسلسل الذي يذكره ياقوت، والذهبي والمقرى ومن إليهم ممن تعرض لترجمة ابن حزم، وإن أسند بعضهم حكاية هذا النسب إلى ابن حزم نفسه. أو زعم أنه رآه بخطه فأمر الأنساب في المغرب - كما كان في المشرق - أمر تحيط به الريب وتكتنفه الشبه وصناعة الأنساب وتلفيقها وتنسيقها صناعة كانت رائجة في الأندلس رواجها في العراق .. إلى أن قال: وربما كان للرجل من قوة شخصيته وكمال خلقه واعتداده بنفسه، ما يجعله يتحرج عن مثل هذا الصنيع، فلا يعدم من تلاميذه وأتباعه المكبرين له والمعجبين به من يغار له، ويأنف عنه أن يكون في جملة الموالي فاذا به يرى له ما لا يراه لنفسه، ويعرف من أمره ما ينكره هو فيتبرع له بنسب يجعله عربيًا صليبة، بدلا من أن يكون عربيًا بالولاء ... إلى أن يقول - وإذن فمن الحق علينا ألا نطمئن بادىء ذي بدء إلى هذه السلسلة النسبية المنسوقة التي تلحق بابن حزم والتي يخرج بفضلها من الجنس الأسباني المغلوب ويدخل في عداد العنصر الإسلامي الغالب، ولعل أول ما يريبنا في هذا النسب هو هذا النسب نفسه. إذ ينتهي إلى يزيد ذلك المولى الفارسي، فمتى كان الموالى عامة ممن يعنون بحفظ أنسابهم والحرص على تخليدها؟ فلو أن هذا النسب
стр. 20
كان ينتهي إلى رجل عربى صميم لكان لقائل أن يقول، أما وهو ينتهي إلى مولى لا شان له ولا خطر وليس في أسمائه اسم يعرف بمأثرة، أو يقرن به ما عسى أن يخلده أو يشهره، فمن العجيب حقا أن نراه مخلدا محفوظا كأنساب السادة البارزين .. ثم يقول بعد أن ساق كلام ابن حيان - وإذن فابن حزم خرج من أسرة من أهل أسبانيا الغربية وكانت تقيم في لبلة وكانت تدين بالنصرانية وظلت على نصرانيتها بعد الفتح الإسلامي أمدا غير قصير حتى اعتنق حزم - الذي يحمل اسمه وينتسب إلي صاحبنا - الإسلام في منتصف القرن الثالث الهجري فيما نقدر .. ". (١)
تلك نصوص أقوال بعض القائلين بإسبانية ابن حزم - ابن حيان، وابن سعيد، وسانتشث، والحاجرى - ونحب بعد هذا العرض لها ووضعها جلية أمام القارىء من غير تحريف لكلماتها أو تغيير لعباراتها، أن نقلب بعض طياتها لنرى هل لهذا الرأي قاعدة اعتمد عليها أو أنه ظهر بدونها، وسنبدأ المناقشة من الطرف.
فعن قول الدكتور الحاجري ومحاولته الجادة ترجيح أسبانية ابن حزم. نقول: أما قوله إن "حزم هو رأس هذه الأسرة" - وقد نفى بعد ذلك أن يكون هو الذي ادعى لنفسه هذا النسب المتسلسل وأنه من صنع تلاميذه وأتباعه - يخالف هذا ذكر أبي محمد في كتابه طوق الحمامة اسم جده، "غالب" إذ يقول: "عن ابن عمه أبي المغيرة عبد الوهاب أحمد بن عبد الرحمن بن حزم بن غالب" (٢) فيظهر لنا أن حزما ليس رأس هذه الأسرة وإن أراد بكونه رأس هذه الأسرة. أنه أول من أسلم من أجداده على ما ذكر بعد ذلك، فيخالف هذا ذكر
стр. 21
"غالب" أيضا إذ أنه إسم عربي. ويحق لنا القول، من أين علم الحاجري أن "حزم" أول من اعتنق الإسلام من أجداده؟
إن كان من قول ابن حيان: "جده الأدنى حديث عهد بالإسلام. (١) فجده الأدنى "سعيد".
وإن كان من قول الحميدي: (٢) "جده الأقصى في الإسلام" (٣) فقد نص الحميدي على أنه "يزيد" فليس للحاجري مستند على هذا فيما أعلم.
وأما عن قوله "على أنه ينبغي ألا يخدعنا هذا النسب المتسلسل الذي يذكره ياقوت والذهبي والمقرى ومن إليهم".
الصحيح أنه ينبغي أن لا يخدعنا ما يقوله متعصبو الغرب، وأن ننظر في الأمور بعقولنا لا بمناظيرهم المنحرفة عن الحقيقة بدافع التعصب.
وأما احتمال أن أحد تلاميذه أو المكبرين له صنع له هذا النسب لأنه أنف أن يكون في جملة الموالى. فلم يتحقق هذا لأنه بالنسب المذكور مولى "ليزيد بن أبي سفيان" فالمحذور واقع. فلا يصح هذا الاحتمال.
واحتمال أن الهدف من صنع هذا النسب إلحاقه بالجنس الغالب
стр. 22
الفاتح للأندلس ولو من غير العرب. أمر يبعد أن يرضاه لنفسه أو يرضاه له أحد ممن يكبره - وهو هذا القمة - بالانتساب إلى من بالمرتبة الأقل وهو يستطيع الأعلى لأنه على هذا المبدأ لا يمنع من الأعلى مانع كالآخر. أما عن قوله "متى كان الموالى ممن يعنون بحفظ أنسابهم والحرص على تخليدها".
فهنا أمران: أولهما: أن هذا النسب ليس طويلا ولا صعبا على هذه الأصة الطلعة - ذات الذكاء والحفظ - أن تحفظ أسماء آبائها وتتناقله وإن كانت من الموالى ويوجد مثل هذا كثير في أيامنا هذه من أسر ليست ذات نباهة ولا شأن.
وثانيهما: أن ولاء هذه الأصة ليس لأصة خاملة فهو "ليزيد بن أبي سفيان القرشى" نائب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه على دمشق، وأخو أمير المؤمنين معاوية. والمعروف عند العرب أن مولاهم يعرف بهم فينتسب إليهم ويفتخر بهم.
وأحب أن أقول للدكتور الحاجري: لو سلمنا كل ما ذكر هل من الممكن أن يصمت وأن لا يشهر بهذا الادعاء الذي ادعاه ابن حزم لنفسه أو ادعاه له غيره أعداؤه الذين هم جل أهل الأندلس وقد عملوا المستحيل لإيذائه والتضييق عليه، وأن لا يظهر هذا إلا من ابن حيان وقلة معه إن هذا بعيد كل البعد.
مناقشة قول سانتشث البرنس:
قوله: "إن معاصريه وتلاميذه، يرونه حفيدا لمولدين" ليس صحيحا ولم يرو هذا من معاصريه فيما - اطلعت عليه - أحد إلا أبو مروان ابن حيان. وأما تلاميذه ومن ترجموا له من غيرهم فهم على
стр. 23
خلاف هذا فيما أعلم، وحسبك بتلميذه العالم الورع "الحميدي" الذي يقول في نسب أستاذه: "إن أصله من الفرس". (١)
أما عن أسبانيته التي يثبتها من جهة الأم، فليس هناك ما يثبت ذلك بالتأكيد. ولم أر أحدًا تعرض لها ممن ترجموا له، ولم يرد ذكرها على لسانه في كتابه طوق الحمامة الذي بين فيه الكثير من جوانب حياته، وقد انتظرنا منه أن يتعرض لها في أثناء كلامه على الحب وماهيته، إذ كيف يغيب عن ذهنه ذلك الحب الذي تكنه الأم بين جوانحها، وهو الوفي الذي يقول عن نفسه إنه جبل على طبيعتين إحداهما: "وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة، والغيب، والباطن، والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف بها نفسي عما دريته ولا "تتطلع إن عدم من صحبته". (٢)
ولكني لا أستبعد إسبانية أمه لإشارة منه في كتابه طوق الحمامة حين قال: "وعنى أخبرك أنى أحببت في صباى جارية لي شقراء الشعر فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت لا تؤاتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي ﵁ وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله.
وأما جماعة خلفاء بنى مروان ﵏ ولاسيما ولد الناصر منهم فهم مجبولون على تفضيل الشقرة لا يختلف في ذلك مخهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة الناصر إلى الآن
стр. 24
فما منهم إلا أشقر نزاعا إلى أمهاتهم، حتى قد صار ذلك فيهم خلقه حاشى سليمان الظافر ﵀ فإني رأيته أسود اللمة واللحية.
وأما الناصر، والحكم المستنصر ﵄ فحدثني الوزير أبي ﵀ وغيره أنهما كان أشقرين أشهلين (١).
فمن هذا النص الذي يتضح فيه تفضيل ابن حزم لشقرة الشعر ويقول إنه لا يحلو له سواه، وإنه يجد ذلك في أصل تركيبه، ويؤكد ذلك بأن هذا العارض عرض لأبيه حتى وافاه أجله، فالأقرب أن "أم" صاحبنا كانت من ذوات الشعر الأشقر، ثم سياقه أن ذلك رغبه خلفاء بنى أمية وهم العرب الخلص تبرير لهذا العارض الذي عرض له ولأبيه قبله، وإني لأشم من هذا النص ترجيحا لعدم أسبانية ابن حزم حيث يرى أن محبته الشقرة عارضة، ثم تبريره هذه الرغبة بوجودها في خلفاء بني أمية، وهي خلاف جنسهم، ليؤكد أنها ليست بدعا في زمنهم.
ولو أن ابن حزم كان أسبانيا من عجم أسبانيا لما احتاج إلى تبرير هذه المحبة، وذكر أنها عارضة لأنها أصيلة وليس فيها خروج عن الأصل.
فإن صح أن "أم" ابن حزم أسبانية هل يكون إسبانيا بهذا، كما يقول: سانتشث؟ أما عندنا نحن المسلمين فالنسب يكون من جهة الأب، وأما عند غير المسلمين - من الغرب - فالذي نراه أن المرأة بعد زواجها تلحق بزوجها وتنسب إليه. وأما الأبناء فمن الزوجة الشرعية ينتسبون إلى أبيهم، ومن غيرها ينتسبون إلى أمهاتهم إن لم تعترف بهم الزوجة الشرعية. وابن حزم مسلم من أسرة مسلمة، وأولاده
стр. 25
المسلمين من زوجاتهم وامائهم يلحقون بآبائهم وإن صح أسبانية "أم" ابن حزم فليس هو أسبانيًا بل فارسيًا تبعا لأبيه.
مناقشة قول ابن سعيد، وابن حيان:
أما ما ذكره صاحب المغرب فلا يزيد على ما قال أبو مروان ابن حيان.
وقول ابن حيان في عدم فارسية ابن حزم وإن جده الأدنى حديث الإسلام، هو ركيزة كل من قال بجذور ابن حزم الاسبانية. وهنا يردنا هذا السؤال، على أي مصدر استند أبو مروان في إثبات اسبانية ابن حزم. وخبر الأنساب يؤخذ بالنقل من المنتسبين أنفسهم، وممن لهم مساس بهم وخلوص إليهم؟ والمعروف عند تلاميذ ابن حزم ومعاصريه فارسيته، وكما هو يثبت ذلك ويفتخر به.
ولكن اللهجة العدائية تغلب على أسلوب أبي مروان فلعل ما جاء في ثناياه كان من دوافع الخصومة.
وسنلقي الضوء على بعض قول ابن حيان فنقول:
لو أن أبا محمد انتمى لفارس على غير حقيقة - كما يقول ابن حيان - لكان أول من يكذبه ابن عمه أبو المغيرة عبد الوهاب الوزير، لما كان بينهما من المنافسة والمخالفة وقد عاب الأخير بعض مؤلفات الأول. (١)
ولا يتصور أن يقر ابن عمه عبد الوهاب بهذا الانتماء - الذي يلحق
стр. 26
بنسبه - لو لم يكن صحيحًا ولو سلمنا اتباع ابن عمه، وأهل بيته له. - كما يراه ابن حيان من غرائبه - فلا يتصور سكوت أعداء ابن حزم وقد عابوه بالحق وبالباطل.
وأما قوله: "فقد عهده الناس خامل الأبوة مولد الأرومة" فهذا ما يخالفه الفتح ابن خاقان بقوله "وبنو حزم فتية علم وأدب وثنية مجد وحسمب". (١)
وقوله: "جده الأدنى حديث الإسلام" يخالف هذا جل من ترجم لابن حزم حيث نصوا على أن جده "يزيد" هو أول من أسلم من أجداده وأنه من الفرس وهذه نصوص أقوال بعض من ترجموا له:
يقول الحميدي: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب أبو محمد أصله من الفرس وجده الأقصى في الإسلام اسمه "يزيد" مولى ليزيد بن أبي سفيان" (٢)
ويقول ابن بشكوال: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي" (٣)
ويقول ياقوت: "علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان" (٤)
ويقول ابن خلكان: "ابن حزم الظاهري، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن
стр. 27
سفيان بن يزيد مولى يزيد بن ابى سفيان .. وجده يزيد أول من أسلم من أجداده وأصله من فارس وجده خلف أول من دخل الأندلس من أجداده" (١)
ويقول الذهبي: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي الأصل الأموي اليزيدي القرطبي الظاهري صاحب التصانيف كان جدهم خلف أول من دخل الأندلس" (٢)
ويقول اليافعي: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأموى مولاهم الفارسي الأصل الأندلسي القرطبي". (٣)
ويقول ابن كثير: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد (٤) بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموى أصل جده من فارس أسلم وخلف المذكور وهو أول من دخل بلاد المغرب منهم". (٥)
стр. 28
ويقول ابن حجر: علي بن أحمد بن سعيد بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي أبو محمد القرطبي". (١)
وعلى هذا المنهج يسير الأتابكي في كتابه النجوم الزاهرة. (٢) والمقرى التلمساني في كتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. (٣) وابن العماد الحنبلى في كتابه شذرات الذهب. (٤)
فجميع هؤلاء المؤرخين الثقات قد أكدوا نسب ابن حزم الفارسي، وقدم إسلام هذه الأسرة مع أن أغلب هؤلاء إن لم نقل جميعهم قد اطلعوا على رواية ابن حيان ولم يعيروها اهتمامهم، وقد ساقها ياقوت في كتابه معجم الأدباء بعد أن ذكر أولا النسب الفارسي، وليس هناك ما يدعو هؤلاء المؤرخين جميعهم إلى التحيز للنسب الفارسي ضد النسب الأسباني وقد ساوى الإسلام بين الأمم جميعا.
وأرى أنه لو لم يصل إلينا من هذه الروايات الكثيرة التي تثبت نسب ابن حزم الفارسي، وقدم إسلام أسرته إلا رواية الحميدي. مقابل رواية ابن حيان "القائلة بنسبه الاسباني" لكان لترجيح رواية الحميدي، وجه قوى إذ أنه تلميذ ابن حزم، ثم هو زيادة على هذا لم يثبت له نسبا أفضل مما أثبته ابن حيان بل قال بفارسيته وولائه فليس هناك ما يدعو لرد روايته إذ لم يدع له جاها ولا شرفا بهذا النسب.
стр. 29
ورواية ابن حيان في أسبانيته قد يخرج بها من كونه مولى، وإن وردت منه في الأسلوب الهجومي. وفي رأيي أن إثبات الأسبانية لابن حزم مقابل الفارسية أرفع لشأنه - مع أن الأنساب لا ترفع الشأن - لأن الأسبانيين مسيحيون أهل دين سماوى - بخلاف الفرس فهم وثنيون يعبدون النار.
وأرى أن مما يرجح فارسية ابن حزم، عدم تعرضه في كتابه جمهرة أنساب العرب لنسب النصارى وقد تعرض بعد ذكر أنساب العرب لذكر البربر وبيوتاتهم بالأندلس (١). ثم أتى بنبذة من نسب بني اسرائيل. (٢) وقطعة من نسب الفرس. (٣) ثم إنه أيضا قد هاجم المسيحية كثيرًا وهذا يؤكد من بعض الوجوه أنه لم يكن في آبائه مسيحيون.
وقد أشرت قبل هذا (٤) إلى أن من مرجحات فارسيته كون محبته لذوات الشعر الأشقر عارضة له ولأبيه قبله، فلو أنه أسبانيا لكانت به أصيلة، ثم محاولته تبرير هذا المنحى العارض بأنه حصل مع العرب الأقحاح من خلفاء بني أمية.
وفوق هذا كله افتخاره بنسبه الفارسي وولائه لبني أمية في إحدى قصائده التي منها:
стр. 30
سما بى ساسان ودارا بعدهم ... قريش العلى أعياصها (١) والعنابس (٢)
فما أخرت حرب مراتب سؤددي ... ولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس (٣)
* * * **
стр. 31
٢ - مولده ونشأته:
(مولده)
يقول الشيخ أبو زهرة: "لا يكاد الباحث الدارس يجد عالمًا عظيمًا قد عرف وقت ميلاده بطريق التعيين ولكن يعرف، وقت وفاته بالتعيين، لأنه ولد مغمورًا، ومات مشهورا فكان وقت الولادة غير معلوم على وجه التحقيق ووقت الوفاة كان معلومًا، وإن ابن حزم على غير ذلك فقد عرف وقت ولادته وعين لا بالسنة فقط، بل بالشهر واليوم وجزء اليوم الذي ولد فيه" (١).
فذكر صاعد بن أحمد أنه كتب إليه أبو محمد بخطه يقول: "ولدت بقرطبة في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة قبل طلوع الشمس وبعد سلام الإمام من صلاة الصبح آخر ليلة الإربعاء آخر يوم من شهر رمضان المعظم وهو اليوم السابع من نوفمبر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بطالع العقرب". (٢)
وتكاد تجمع المصادر على تعيين هذا التاريخ وكلهم عيال على صاعد فيما رواه عن أبي محمد في تحديد ميلاده، ولم أعرف من خالف هذا، غير ياقوت في كتابه معجم الأدباء حيث قال: "إنه ولد بعد صلاة الصبح من آخر يوم في شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة إلا شهرًا". (٣)
стр. 32
وقد قال قبل ذلك: "مات فيما ذكره صاعد بن أحمد الجياني في كتاب أخبار الحكماء في سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة" (١).
وبالنظر إلى رواية ياقوت هذا التاريخ عن صاعد نجد أنها مخالفة لكل من روى عنه نفس هذا التاريخ، ثم تحديد ياقوت عمره باثنتين وسبعين سنة إلا شهرًا في روايته لا تتفق مع ما رواه بأنه ولد في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وتوفى سلخ شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة، إذ عليه يكون عمره ثلاثا وسبعين سنة إلا شهرًا وهذا ما لم يقله ولا غيره فالتحريف في النسخ ثابت، وهو ظاهر من ذات العبارة في تحديد عمره. (٢)
* * *
(نشأته)
بالنظر إلى رواية صاعد - السابقة - عن أبي محمد في تحديد ميلاده، ندرك أنه ولد في مجتمع ذي شأن عظيم وفي وسط يحرص أفراده كل الحرص على تخليد أخبار مواليدهم فيؤرخون ذلك بالدقة التي وصلتنا عن تاريخ ميلاد أبي محمد. نعم إنه ولد في عهد وزارة أبيه للحاجب المنصور ابن أبي عامر في عصر من أزهى عصور الدولة الأندلسية، فالدار التي ولد فيها أبو محمد بجانب الزاهرة كما حددها في كتابه طوق الحمامة بأنها تقع في الجانب الشرقي بقرطبة في الشارع
стр. 33
الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة. (١)
وعن صفة هذه الدار يحدثنا في موضع آخر من الطوق عند ذكر قصة الفتاة التي ألفها في أيام صباه. يقول: "فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ما يصطنع له في دور الرؤساء، تجمعت فيه دخلتنا ودخلة أخي ﵀ من النساء ونساء فتياتنا ومن لاث بنا من خدمنا، ممن يخف موضعه ويلطف محله فلبثن صدرًا من النهار ثم انتقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار، ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها مفتحة الأبواب فصرن ينظرن من خلال الشراجيب وأنا بينهن فإنى لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنسا بقربها متعرضا للدنو منها، فما هو إلا أن ترانى في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره". (٢)
تصف لنا هذه القصة القصر الذي عاش فيه أبو محمد وأنه ذو شرفات تطل على قرطبة وما كان يحيط به من الحدائق، ثم الحالة الاجتماعية في هذا القصر الكبير، لأن المنصور عندما بنى الزاهرة، وانتقل إليها أقطع ما حولها لوزرائه وكتابه وقواده فابتنوا به مساكنهم على ما يتلاءم مع - الزاهرة التي كانت في غاية الجمال فتنافس الشعراء بوصفها فكان لها أثر كبير في الحركة الأدبية.
نشأ أبو محمد في هذا البيت في عز وجاه عريض، ومن الغريب سكوت المصادر التي اطعلنا عليها عن "أمه" مع أنه من أبناء كبار
стр. 34
الوزراء ثم هي أيضًا أم الوزير أبي محمد ثم العالم الأوحد البحر ذي العلوم والمعارف كما وصفه الذهبي (١).
ولقد كان كتاب ابن حزم "طوق الحمامة" مصدرًا لكثير من معرفة أحواله ولكنه لم يتعرض لذكر أمه، ولعل مرجع ذلك إلى أنه لم يعرفها معرفة واعية وأنها ماتت وهو في سن الطفولة، ولكن الظاهر أنها كانت أسبانية من ذوات الشعر الأشقر فلعله كان صورة في مخيلته فألفه وأحبه ولم يرق له سواه وقد أشرت إلى هذا من قبل. (٢)
ترعرم أبو محمد ربيب النعمة وقد حرص عليه والده فكلف النساء بتربيته وتعليمه يقول عن نفسه: "ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلم غيري، لأني ربيت في حجورهن ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيّل (٣) وجهى، وهن علمننى القرآن ورويننى كثيرًا من الأشعار ودربنني في الخط ولم يكن وكدى (٤) وأعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدًّا إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك وأنا لا أنسى شيئًا مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديد طبعت عليها، وسوء ظن في جهتهن فطرت به فأشرفت من أسبابهن على غير قليل". (٥) عاش أبو محمد حياته الأولى
стр. 35
بين الجوارى في قصر والده لا يغادره ولا يتصل بغير مربياته منهن فقد أدرك مع صغر سنه أن والده جعل منهن رقيبات على حركاته داخل هذا القصر فكان لهذا الأثر الكبير في سلوكه من بعد.
ويحدد لنا أبو محمد حضوره مجلس المظفر بن أبي عامر وأنها أول مرة وصل إلى هذا المجلس وهو في الثالثة عشر من عمره يقول الحميدي: "وأخبرني أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم أنه سمع أبا العلا صاعد بن الحسن ينشد:
إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب
بين يدي المظفر في يوم عيد الفطر سنة ست وتسعين وثلاثمائة. قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر ولما رآني أستحسنها وأصغى إليها، كتبها لي بخطه وأنفذها إلى" (١). بدأ الوزير أحمد بن سعيد يصطحب ابنه محمد في المجالس العامة، ونرى كيف كان يتذوق الشعر مع صغر سنه مما جعل صاعد بن الحسن يكتب له القصيدة التي ألقاها بين يدي المظفر.
ثم إن والده كان حريصًا على تربيته وتنشئته، فبعد أن تعلم القرآن وحفظ كثيرًا من الأشعار وجهه إلى صحبة رجل مستقيم النفس والخلق فكان لهذه الصحبة الأثر القوي في سلوكه وعفته، يقول عن نفسه أثناء كلامه عن قبح المعاصي: "ومع هذا يعلم الله وكفى به عليما أنى برىء الساحة، سليم الأديم صحيح البشرة، نقى الحجرة، وأنى أقسم بالله أجل الأقسام أنى ما حللت مئزرى على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة ألزنا مذ عقلت إلى يومي
стр. 36
هذا والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقى .. وكان السبب فيما ذكرته أنى كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقطورًا محضرًا على بين رقباء ورقائب، فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسى (١) في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدى (٢) شيخنا وأستاذي ﵁ وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي (٣).
كشف لنا أبو محمد سر هذه العفة والاستقامة في تلك الحياة الناعمة في ظل والده الذي أحاطه بالعناية التامة وجعل من مربياته رقيبات عليه فكان حريصا كل الحرص على تنشئته تنشئة قوية في تلك الرفاهية التامة. ثم لما ترعرع قاده تلك القيادة النفسية فوجهه إلى صحبة رجل مستقيم هو أبو الحسين الفاسي.
تلك هي نشأة أبي محمد بن حزم الأولى صافية نقية لا يشوبها كدر، ولكن ذلك العيش الهنىء وتلك السعادة التامة لم يستمرا لهذا
стр. 37
الناشىء الطرى ولا لأصته المترفة. فمنذ بلغ الخامسة عشر من عمره تقريبًا عاش فترة من تاريخ الأندلس مملوءة بالاضطرابات والفتن.
فقد توفي الحاجب المظفر في السادس عشر من شهر صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وخلفه أخوه عبد الرحمن بن المنصور وكان على الضد من أبيه، وأخيه فمنه انفتح باب الفتنة العظمى فقد خلط وتسمى ولي العهد وبقى كذلك أربعة أشهر إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار. يوم الثلاثاء لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. فخلع هشام بن الحكم وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد ابن أبي عامر فقتل وصلب. (١)
وتسمى محمد بن هشام بالمهدي، ويصور لنا أبو محمد بن حزم ما جرى لهم في هذا الأثناء بانتقالهم من دورهم المحدثة إلى القديمة فيقول: "ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٢).
ذاقت أصة أحمد بن حزم الوزير معه مرارة هذه المحنة بإجلائهم من منازلهم التي سبق وصفها، (٣) واستقروا في منازلهم القديمة أيام محمد المهدى ولكنها لم تطل فقد ائتمر على الغدر به بعض العبيد العامريين فقتلوه يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة أربعمائة
стр. 38
وأعادوا هشام بن الحكم المؤيد إلى الأمر، وبعد هذا اشتدت المحنة على الوزير يقول أبو محمد: "ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال، والترقيب، والإغرام، الفادح، والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا". (١)
وفي هذا الأثناء كانت جيوش البربر تحاصر قرطبة مع سليمان بن الحكم بن سليمان، وقد اجتاحها الطاعون يقول أبو محمد: "توفى أخي ﵀ في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة". (٢)
ثم ماتت زوجته بعده بسنة، (٣) ثم دهى صاحبنا بوفاة والده بنفس الشهر الذي ماتت فيه زوجة أخيه تقريبًا، وقد كان امتحانهم مستمرًا إلى حين وفاة والده (٤) لأنه كان من أجله لولائه لبني عامر.
فكانت هذه الأرزاء التي أصابت ابن حزم عظيمة وفادحة، وقد تبعها حدث دهاه قبل أن يبلغ العشرين من العمر يقول: "وعني أخبرك أني أحد من دهى بهذه الفادحة، وتعجلت له هذه المصيبة وذلك أنى كنت أشد الناس كلفًا وأعظمهم حبا بجارية لي، كانت فيما خلا اسمها نُعْم. وكانت أمنية المتمنى وغاية الحسن خَلْقًا وخُلقًا وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها
стр. 39
الأقدار، واخترمتها الليالي، ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار، وسنى حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي، ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعًا طائعًا، وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده". (١) ويمكن أن هذا الحادث كان في سنة ثلاث وأربعمائة تقريبًا.
ولم يصف الجو لصاحبنا بعد هذه الرزايا الفادحة بل تتابعت عليه المصائب كنظام انقطع سلكه، فأعقب ما ذكرنا بزمن قليل، انتهاب جند البربر منازلهم، وأجلو منها، وأوثق من يحكى تلك الوقائع من وقعت عليه ومن أثرها حز في نفسه، وهو أبو محمد إذ يقول في الإخبار عن هذه الكارثة: "ثم ضرب الدهر ضرباته وأجلينا من منازلنا، وتغلب علينا جند البربر فخرجت من قرطبة أول الحرم سنة أربع وأربعمائة". (٢)
ويذكر هذه الحادثة في موضع آخر وما جرى له بعدها من تقلبات الأحوال ما بين نكب واعتقال إلى حوالي سنة تسع وأربعمائة فيقول: "ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها .. وتقلبت بي الأمور إلى الخروج من قرطبة وسكني مدينة
стр. 40
المرية (١) .. إلى أن انقضت دولة بني مروان، وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين وظهرت دولة الطالبية، وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس، وفي أثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عنى وعن محمد بن اسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهرًا ثم أخرجنا على جهة التعريب فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبا القاسم عبد الله بن هذيل النجيبى المعروف بابن المقفل، فأقمنا عنده شهورًا في خير دار إقامة وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفًا، وأتمهم سيادة ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية (٢) عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي عبد الرحمن بن محمد وساكناه بها". (٣)
لما سكن أبو محمد بن حزم بلنسيه عند المرتضي أصبح وزيرًا (٤) له وسار مع جيوشه إلى قرطبة ووقفت أمامهم جيوش غرناطة فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت بجيشه،