هذا والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقى .. وكان السبب فيما ذكرته أنى كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقطورًا محضرًا على بين رقباء ورقائب، فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسى (١) في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدى (٢) شيخنا وأستاذي ﵁ وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي (٣).
كشف لنا أبو محمد سر هذه العفة والاستقامة في تلك الحياة الناعمة في ظل والده الذي أحاطه بالعناية التامة وجعل من مربياته رقيبات عليه فكان حريصا كل الحرص على تنشئته تنشئة قوية في تلك الرفاهية التامة. ثم لما ترعرع قاده تلك القيادة النفسية فوجهه إلى صحبة رجل مستقيم هو أبو الحسين الفاسي.
تلك هي نشأة أبي محمد بن حزم الأولى صافية نقية لا يشوبها كدر، ولكن ذلك العيش الهنىء وتلك السعادة التامة لم يستمرا لهذا
стр. 37
الناشىء الطرى ولا لأصته المترفة. فمنذ بلغ الخامسة عشر من عمره تقريبًا عاش فترة من تاريخ الأندلس مملوءة بالاضطرابات والفتن.
فقد توفي الحاجب المظفر في السادس عشر من شهر صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وخلفه أخوه عبد الرحمن بن المنصور وكان على الضد من أبيه، وأخيه فمنه انفتح باب الفتنة العظمى فقد خلط وتسمى ولي العهد وبقى كذلك أربعة أشهر إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار. يوم الثلاثاء لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. فخلع هشام بن الحكم وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد ابن أبي عامر فقتل وصلب. (١)
وتسمى محمد بن هشام بالمهدي، ويصور لنا أبو محمد بن حزم ما جرى لهم في هذا الأثناء بانتقالهم من دورهم المحدثة إلى القديمة فيقول: "ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٢).
ذاقت أصة أحمد بن حزم الوزير معه مرارة هذه المحنة بإجلائهم من منازلهم التي سبق وصفها، (٣) واستقروا في منازلهم القديمة أيام محمد المهدى ولكنها لم تطل فقد ائتمر على الغدر به بعض العبيد العامريين فقتلوه يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة أربعمائة
стр. 38
وأعادوا هشام بن الحكم المؤيد إلى الأمر، وبعد هذا اشتدت المحنة على الوزير يقول أبو محمد: "ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال، والترقيب، والإغرام، الفادح، والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا". (١)
وفي هذا الأثناء كانت جيوش البربر تحاصر قرطبة مع سليمان بن الحكم بن سليمان، وقد اجتاحها الطاعون يقول أبو محمد: "توفى أخي ﵀ في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة". (٢)
ثم ماتت زوجته بعده بسنة، (٣) ثم دهى صاحبنا بوفاة والده بنفس الشهر الذي ماتت فيه زوجة أخيه تقريبًا، وقد كان امتحانهم مستمرًا إلى حين وفاة والده (٤) لأنه كان من أجله لولائه لبني عامر.
فكانت هذه الأرزاء التي أصابت ابن حزم عظيمة وفادحة، وقد تبعها حدث دهاه قبل أن يبلغ العشرين من العمر يقول: "وعني أخبرك أني أحد من دهى بهذه الفادحة، وتعجلت له هذه المصيبة وذلك أنى كنت أشد الناس كلفًا وأعظمهم حبا بجارية لي، كانت فيما خلا اسمها نُعْم. وكانت أمنية المتمنى وغاية الحسن خَلْقًا وخُلقًا وموافقة لي، وكنت أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها
стр. 39
الأقدار، واخترمتها الليالي، ومر النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار، وسنى حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي، ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف، وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعًا طائعًا، وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها، ولا أنست بسواها، ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده". (١) ويمكن أن هذا الحادث كان في سنة ثلاث وأربعمائة تقريبًا.
ولم يصف الجو لصاحبنا بعد هذه الرزايا الفادحة بل تتابعت عليه المصائب كنظام انقطع سلكه، فأعقب ما ذكرنا بزمن قليل، انتهاب جند البربر منازلهم، وأجلو منها، وأوثق من يحكى تلك الوقائع من وقعت عليه ومن أثرها حز في نفسه، وهو أبو محمد إذ يقول في الإخبار عن هذه الكارثة: "ثم ضرب الدهر ضرباته وأجلينا من منازلنا، وتغلب علينا جند البربر فخرجت من قرطبة أول الحرم سنة أربع وأربعمائة". (٢)
ويذكر هذه الحادثة في موضع آخر وما جرى له بعدها من تقلبات الأحوال ما بين نكب واعتقال إلى حوالي سنة تسع وأربعمائة فيقول: "ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها .. وتقلبت بي الأمور إلى الخروج من قرطبة وسكني مدينة
стр. 40
المرية (١) .. إلى أن انقضت دولة بني مروان، وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين وظهرت دولة الطالبية، وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمر في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس، وفي أثر ذلك نكبني خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عنى وعن محمد بن اسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهرًا ثم أخرجنا على جهة التعريب فصرنا إلى حصن القصر، ولقينا صاحبه أبا القاسم عبد الله بن هذيل النجيبى المعروف بابن المقفل، فأقمنا عنده شهورًا في خير دار إقامة وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفًا، وأتمهم سيادة ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية (٢) عند ظهور أمير المؤمنين المرتضي عبد الرحمن بن محمد وساكناه بها". (٣)
لما سكن أبو محمد بن حزم بلنسيه عند المرتضي أصبح وزيرًا (٤) له وسار مع جيوشه إلى قرطبة ووقفت أمامهم جيوش غرناطة فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت بجيشه،
стр. 41
ووقع أبو محمد في أسر الغرناطيين ثم أطلقوا سراحه. (١) وكان ذلك في أواسط سنة تسع وأربعمائة تقريبًا، وقد كان أبو محمد يتوقع دخول قرطبة دخول الفاتحين بهذا الجيش مع المرتضي. وكان على قرطبة آنذاك القاسم بن حمود الذي نادى بالأمان، وعدل عن سياسة الشدة إلى سياسة اللين.
لما سمع ابن حزم بهذا النداء من القاسم بن حمود توجه إلى قرطبة يقول: "دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة فنزلت على بعض نسائنا". (٢)
عاد ابن حزم إلى قرطبة وهو في السادسة والعشرين من عمره وقد قاسى خلال العشر سنين الماضية من عمره ألوان المحن والصائب فكان لها الأثر القوي على تكوين شخصيته ونضوجه. فتابع بناء حياته التي بها بلغ الآفاق وصار إمامًا فواصل دراساته في الحديث والفقه وأنواع المعارف، ومع هذا لم تنقطع آماله السياسية فكان على صلة بجماعة الأمويين، لأنه يرى أحقيتهم بالإمامة يقول ابن حيان: "وكان مما يزيد في شنئانه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم واعتقاده بصحة إمامتهم حتى نسب إلى النصب" (٣)
ظل أبو محمد في قرطبة وقد ساءت الأحوال في الأندلس عامة بتعاقب الأمراء من العلويين في هذا الأثناء - القاسم بن حمود، ويحيى بن علي - إلى أن اتفق أهل قرطبة على رد الأمر لبني أمية فبويع من بين ثلاثة اختاروهم، عبد الرحمن بن هشام المستظهر في الثالث
стр. 42
عشر من رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة ثم قتل في نفس العام لثلاث بقين من ذي القعدة. (١) وقد توزر له أبو محمد بن حزم ولكنها كانت مدة قليلة. (٢) انتهت بإلقائه في غياهب السجون هو وابن عمه أبي المغيرة عبد الوهاب، ولا ندري كم لبث أبو محمد في هذا السجن، ولكن عهد المستكفي لم يطل فقد انقضت أيامه في سنة ستة عشر وأربعمائة، ورد الأمر إلى يحيى بن علي الحسيني وكان في مالقه، (٣) وتأخر عن دخول قرطبة باختياره، وعين عليها أميرًا فأتيح لأبي محمد أن يخرج من السجن ولكن قرطبة كانت في أشد حالات الفوضى والاضطراب. (٤) فخرج منها ويخبرنا عن نفسه وقد سكن مدينة شاطبه. (٥) وذلك حين ورد إليه كتاب من صديقه من مدينة المرية يطلب منه أن يصنف له رسالة في الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه. (٦) ثم يذكر في آخر هذه الرسالة - طوق الحمامة - ما يدل على أنه ما زال خارج وطنه يقول: "والكلام في مثل هذا - الحب ومعانيه وأسبابه - إنما هو من خلاء الذرع وفراغ القلب، وإن حفظ شيء وبقاء رسم
стр. 43
وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني، فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان وتغير الأخوان، وفساد الأحوال وتبديل الأيام وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد والغربة في البلاد، وذهاب المال، والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا". (١)
ويقول الدكتور عبد الكريم خليفة: "وهناك إشارة توقت زمن كتابة ابن حزم كتابه طوق الحمامة وأنه كان قبل سنة عشرين وأربعمائة وهي السنة التي مات فيها الحكم بن المنذربن سعيد". (٢) والإشارة هي: "وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة فقد كف بصره وأسن جدا". (٣)
ويحتمل أن أبا محمد رجع إلى قرطبة بعد بيعة هشام المعتد بالله، لأن أهل قرطبة اتفقوا على رد الأمر لبني أمية لما قطعت دعوة يحيى بن علي من قرطبة سنة سبع عشرة وأربعمائة وبايعوا هشامًا في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وبقى مترددا في الثغور ثلاثة أعوام غير شهرين. دارت هناك فتن كثيرة إلى أن اتفق أمرهم إلى أن يصير إلى قرطبة قصبة الملك فدخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة. (٤) وتوزر أبو محمد بن حزم لهشام بن محمد على ما ذكر
стр. 44
ياقوت. (١) ولكن مجرى تاريخ حياة أبي محمد الوزارية لم يتغير، فأطيح بعهد هشام المعتد بالله في ذي القعدة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة، ونودى في قرطبة بأن لا يبقى بها أحد من بني أمية، (٢) وبانتهاء المعتد بالله تنتهي وزارة ابن حزم وبعدها ترك السياسة أو تركته على الصحيح كما رأينا، بانتهاء وزارته الأولى بوقوعه بالأسر، ثم قتل المرتضي، والثانية بالسجن والثالثة باطاحة عرش المعتد بالله واجلاء بني أمية من قرطبة ومطاردتهم وهم الذين يتعصب لهم أبو محمد، وينتمي بالولاء لهم. فأدرك بعد تلك التجارب أن في الإعراض عن السياسة ولأوائها راحة لبدنه وهدوء الفكره، وأن في الخلوص إلى العلم وطلبه لذة لا يدركها الملوك، وفي الجهاد الفكري دفاعا عن الدين، وردا على المنحرفين، فاتخذ أبو محمد من الكتاب صديقا أنس غربته، وأمن سريرته فلا يشك في صدق مودته فنال في هذا المسلك ما لم ينله غيره، وإن الناظر إلى حال صاحبنا في نشأته الأولى ثم حاله فيما بعد ذلك ليدهش لما أصابه من تقلبات الأحوال، وعدم تخاذله أمامها ويدرك أن حياته صورة للإرادة التي لا تعرف التردد.
* * *
стр. 45
٣ - بداية تعلمه:
تعلم أبو محمد في أول حياته ما يتعلم أمثاله من حفظ القران وبعض الأحاديث، ورواية كثير من الأشعار، وتعلم القراءة والخط وكان على أيدي النساء كما ذكرنا. (١) ثم بدأ يلازم الشيوخ ويرتاد مجالسهم فقد ذكر صحبته للفاسى بقوله: "صحبت أبا علي الفاسي في مجلس القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي ﵁". (٢)
وكان أول سماعه من أبي عمر أحمد بن الجسور. (٣) روى الحميدي عنه: "أنه أول شيخ سمع منه قبل الأربعمائة" (٤) وخالف هذا الذهبي وابن حجر فقالا إن أول سماعه في سنة أربعمائة". (٥)
стр. 46
والفرق بين التحديدين قليل، وأرى أن الأول أقرب إلى الصواب، لأنه رواية تلميذه وقد ذكر معها ما يرجحها، وهو ذكر أستاذه الذي بدأ السماع منه.
وعلى هذا فابن حزم طلب الحديث، وتلقاه ولما يبلغ السادسة عشرة.
ولكن يروى لنا ياقوت في معجم الأدباء عن أبي محمد بن العربي (١) أنه بلغ السادسة والعشرين ولم يبتدىء بتعلم الفقه، كما يروى لنا سبب تعلمه:
ونص الرواية الأولى: "وأقام - أبو محمد - في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ستا وعشرين سنة وقال: إنني بلغت إلى هذا السن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات". (٢)
ونص الرواية الثانية - سبب تعلمه الفقه -: "أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه فدخل المسجد قبل صلاة العصر والخلق فيه فجلس ولم يركع فقال له أستاذه - يعني الذي رباه - بإشارة أن قم فصل تحية المسجد فلم يفهم فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذا السن ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟ وكان قد بلغ حينئذ ستة وعشرين عاما، قال: فقمت وركعت
стр. 47
وفهمت إذا إشارة الأستاذ لي بذلك. قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للأحباء من أقرباء الميت، دخلت المسجد فبادرت بالركوع فقيل لي: إجلس إجلس ليس ذا وقت صلاة، فانصرفت عن الميت وقد خزيت ولحقني ما هانت على به نفسي وقلت للأستاذ، دلني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحون. (١) فدلني فقصدته من ذلك المشهد وأعلمته بما جرى فيه، وسألت الابتداء بقراءة العلم، واسترشدته فدلني على كتاب الموطأ لمالك بن أنس ﵁ فبدأت به عليه قراءة من اليوم التالي لذلك اليوم ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام وبدأت بالمناظرة". (٢)
فهاتان الروايتان - عدم معرفته جبر الصلاة، وتحية المسجد - عن أبي محمد بن العربي لا تتفقان مع ما ثبت من تعلمه في صغره، وتلقيه الحديث مبكرًا.
وإن سلمنا عدم معرفته جبر الصلاة - بسجود السهو - لقلة وقوعه. فإن سياق قصة حياته ينافي جهله بتحية المسجد، وبجبر الصلاة - على معنى قضاء الفائت منها، أو اتمامها - لما أحاطه به والده من العناية. فقد عنى بتربيته وتعليمه فلا يعقل أن يتركه بدون معرفة
стр. 48
للمعارف الأولى في الفقه في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم ارتياده مجالس العلماء لطلب الحديث في المساجد مما يبعد جهله بتحية المسجد. والأخذ بهذه الرواية يؤدي حتمًا إلى القول إنه لم يدخل المسجد قبل ذلك، أو لم يدخله إلا قليلًا، ولم يصل جماعة وهذا غير معقول بالنسبة له أن يجهل ذلك وقد بلغ السادسة والعشرين.
يقول أبو زهرة: "وإنَّ الخبر في ذاته يحمل دليل بطلان أن يكون ابن حزم في هذه السن. وذلك لأنه ذكر أن مربيه وأستاذه قد صحبه، وأشار إليه بذلك. ومن كان في السادسة والعشرين، وبلغ مرتبة الوزارة لا يذكر الناس من يشير إليه على أنه مربيه.
وإن المعقول أو القريب من المعقول أن يكون ذلك وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن يكون في الكلام تصحيف من النساخ وقد كتبوا بدل العشر عشرين". (١)
وأرى أنه ليس بعيدا عدم معرفته تحية المسجد، وجبر الصلاة وهو في السادسة عشرة من عمره لأنه قريبًا بدأ يخرج من بيت والده، ويجالس كما قال عن تربيه في حجور النساء: ونشأته بينهن وعدم معرفته لغيرهن حتى كبر. (٢)
ويؤيد ذلك ما روى عن أول سماعه. وما روى عمر بن واجب قال: "بينما نحن عند أبي ببلنسية وهو يدرس المذهب إذ بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتحجب، ثم سأل الحاضرين مسألة من الفقه جووب
стр. 49
فيها فاعترض في ذلك فقال له بعض الحضار: "هذا العلم ليس من منتحلاتك" فقام وقعد ودخل منزله فعكف، ووكف منه وابل فما كف وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق وأجتهد ولا أتقيد بمذهب". (١)
هذه الرواية تؤيد كونه بدأ دراسة الفقه في السادسة عشرة من عمره مع بداية سماعه للحديث لأن الحديث والفقه أخوان متلازمان لا يمكن أن يطلب الحديث إلا مع الفقه، وأن ما ذكر في الروايتين عن ابن العربي فيه تصحيف من النساخ، لأن فيما روى عن عمر بن واجب أنه بعد أشهر من وقوع القصة، وكان عمره آنذاك بين ثلاثة وعشرين وخمسة وعشرين تقريبًا، وقد قال إنه لا يتقيد بمذهب، والمعروف أنه درس الفقه المالكي بادىء الأمر، لأنه هو المذهب السائد في المغرب، وقد ابتدأ دراسة موطأ مالك على ابن دحون كما عرفنا قريبًا، ثم تحول شافعيًا فاشتهر به قبل أن يذهب إلى مذهب أهل الظاهر. (٢)
ذكر ياقوت في معجم الأدباء عن أبي مروان ابن حيان أن أبا محمد بن حزم: "مال أولًا النظر به في الفقه إلى رأي محمد بن ادريس الشافعي ﵀ وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه حتى وسم به ونسب إليه فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن
стр. 50
علي. (١) ومن اتبعه من فقهاء الأمصار فنقحه ونهجه (٢) وجادل عنه ووضع الكتب في بسطه وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله ﵀ ". (٣)
وقال ابن خلكان: "وكان .. مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر". (٤)
وقال الذهبي: "وكان شافعيًا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفى القول بالقياس". (٥)
стр. 51
إذا علمنا هذا ترجح لدينا أنه ابتدأ دراسة الفقه مبكرًا، وأنه بدأ يستقل برأيه ويجتهد بعد أن تجاوز الرابعة والعشرين من عمره أو في أثنائها.
٤ - شيوخه:
تلقى أبو محمد بن حزم العلم عن كثير من العلماء من ذوى الرأي والإحاطة من علماء عصره، وقد صحب في صغره أبا علي الحسين بن علي الفاسي وكان هذا كما وصفه ابن حزم: "عاقلا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، والزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة ... - إلى أن قال - وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا". (١)
وكانت هذه الصحبة في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي (٢) شيخه وأستاذه، وقد تلقى عليه الحديث والنحو واللغة. (٣)
وكان أبو محمد مصاحبًا للشيخ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري. (٤)
стр. 52
وممن سمع منهم، أبي عمر أحمد بن الجسور وهو أول من سمع منه. (١) ومن يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ابن وجه الجنة (٢) صاحب قاسم بن أصبغ، (٣) فهوأعلى شيخ عنده.
стр. 53
ويونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، (١) وحمام بن أحمد القاضي، (٢) ومحمد بن سعيد بن نبات. (٣) وعبد الله بن ربيع التميمي (٤). وعبد الله بن محمد بن عثمان (٥). وأبي عمر أحمد بن محمد
стр. 54
الطلمنكى. (١) وعبد الله بن يوسف بن نامى. (٢)
وسمع من أحمد بن أصبغ. (٣) وأحمد بن عمر بن العذرى. (٤)
стр. 55
وسمع من عبد الله الأزدي المعروف بابن الفرضى. (١) ومن القاضي أبي عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن حجاف العافري وقد قال عنه إنه أفضل قاض رأيته. (٢)
ومن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني. وقد سمع منه في مسجد القمري في قرطبة. (٣) ومن محمد بن عبد الله بن هاني بن هابيل
стр. 56
اللخمي البزار. (١) ومن محمد بن إسحق، (٢) وعلي بن سعيد العبدري: (٣) وقال أبو محمد: إنه طلب الحديث على سائر شيوخ المحدثين بقرطبة. (٤)
وقرأ الفقه على عبد الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه الذي كان عليه مدار الفتيا بقرطبة. (٥) وذكروا من شيوخ ابن حزم، مسعي بن سليمان بن مفلت، وعنه - على ما يظهر - أخذ القول بالظاهر حتى
стр. 57
صار فيه إمامًا. (١)
وقد أخذ المنطق عن محمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتاني. (٢)
وقد قرأ معلقة طرفه بن العبد مع شرحها على أبي سعيد مولى الحاجب جعفر، عن أبي بكر المقرى، عن أبي جعفر النحاس ﵏ في المسجد الجامع بقرطبة. (٣)
هكذا تلقى - أبو محمد بن حزم - الحديث وغيره من العلوم على أولئك العلماء وغيرهم كثير من الذين التقى بهم في صغره بقرطبة، وحتى بعد ذهابه عنها وتجوله في الأندلس بعقل لا يكل، ونفس لا تمل فلم يفارق الطلب، والسماع إلى أن صار إمامًا، لم تتمن به الأندلس أن تكون كالعراق. كما قال الفتح بن خاقان (٤).
стр. 58
٥ - مكانته العلمية:
انصرف أبو محمد بن حزم - بعد انهيار العهد الأموي، أو تفككه - إلى العلم انصرافًا تامًا فأقبل على دراسة العلوم الشائعة في عصره من النقول، والمعقول فلم يترك بابًا من أبواب العلم الإسلامي إلا خاض فيه خوض العارف بمراميه الدرك بمغازيه فيقبل الحق الذي يعتقده حقا، ويرد في عنف ما يراه باطلا. واطلع كذلك على كثير من العلوم الإسلامية، فرد على الفلاسفة، واليهود، والنصارى، وهو بكل هذا يسلك طريقته الصريحة الحرة. وقد ساعده على كل هذا ما وهبه الله تعالى من الحافظة القوية الواعية التي جعلته يستولى على أبواب العلم استيلاء يقل نظيره، ثم طلبه المتواصل، ومثابرته العديمة النظير حتى إنه لشدة حرصه على الحفظ كان يأكل اللبان لاعتقادهم أنه يقوي الحافظة قال الخطاب بن دحية: "كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان وأصابه زمانة". (١)
وإن الناظر في سيرة ابن حزم - ما جرى عليه من تقلبات الحياة "فبعد أن كان في صباه يلبس الحرير، ولا يرضى من المكان إلا بالسرير" (٢) وما عقب هذا من الإجلاء عن الأوطان، وتغير الأحوال، ثم يرى مبلغه من العلم ومقدار مصنفاته - يدرك تمام الإدراك أنه صورة للعزيمة الصادقة القوية التي لا تقبل التردد بحال. يروي ياقوت: "أن ابن حزم اجتمع يومًا مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن
стр. 59
خلف بن سعيد بن أيوب الباجى (١) صاحب كتابي المنتقى، والاستغناء وغيرهما من التواليف وجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سراج الحراس. قال ابن حزم: وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب، والفضة، أراد أن الغنى أضيع لطلب العلم من الفقر". (٢)
وهذا هو المعروف والواقع المشاهد. ولكن همة ابن حزم كانت أعلى من أن يمنعها الغنى ودواعيه من طلب العلم الذي رأى به العز والرفعة في الدين والدنيا. فنال بالعلم مكانة علمية يندر أن تنال.
قال عنه تلميذه الحميدي: "كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة متفننًا في علوم جمة عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير المالك متواضعًا ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به من العلوم وما رأينا مثله ﵀ فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين". (٣)
стр. 60
وقال عنه القاضي صاعد بن أحمد: "كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار". (١)
وبمثل ما وصفه الحميدي، وصاعد، وصفه كثير من العلماء، كأبي مروان بن حيان. (٢) واليسع بن حزم الغافقي، (٣) والقفطي، (٤) والذهبي، (٥) وابن حجر، (٦) وابن كثير وزاد بأنه طبيب ومتضلع من علم المنطق. (٧)
شهد لأبي محمد بن حزم من أشرنا إليهم وغيرهم كثير، بكثرة علمه، وسعة آفاقه، حيث إنه طرق أبواب العلوم الكثيرة وتمثلها وصار له في كل منها رأي واجتهاد، وترك في أكثرها تواليف جمة ضخمة تدل على ثروته الواسعة فيها وتمكنه القوي من ناصيتها، وقد وصفه ابن بسام: "البحر لا تكف غواربه ولا يروي شاربه". (٨)
فهو بحق العالم المحقق المستوعب وقد شهد له أكثر العلماء بالاجتهاد كالحميدي، (٩) والذهبي وقد قال: "ابن حزم رجل من
стр. 61
العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة تقع له المسائل المحررة، والمسائل الواهية"، (١) وعلى الجملة فهو نسيج وحده، (٢) وأنه لمن الصعب جدًّا على الدارس، استقصاء ثقافته، وتعيين شتى المجالات العلمية التي برع فيها فهو كما وصفه زكريا إبراهيم: "المفكر الظاهري الموسوعي". (٣)
ونورد هنا نموذجًا ندرك منه سرعة استحضار ذهنه ومبلغ إحاطته بالعلم والعلماء المصنفين السابقين له وكيفية ترتيبه لهم وهو ما أورده الذهبي في سير النبلاء قال: "ورأيته قد ذكر قول من يقول: أجل المصنفات الموطأ فقال: "بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري، ومسلم، وصحيح ابن السكن، ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي .. (٤) ثم قال: ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبه، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق، ومسند الطيالسي ومسند الحسن بن أبي سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن أبي شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله ﷺ صرفًا.
стр. 62
ثم الكتب التي فيها كلامه، وكلام غيره، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبه، ومصنف بقى بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزى، وكتاب ابن المنذر الأكبر، والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمه، وموطأ مالك بن أنس، وموطأ ابن أبي ذيب، وموطأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي، ومصنف سعيد بن منصور ومسائل أحمد بن حنبل وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور". (١)
وبحق إن هذا يدل على فرط ذكائه وسعة علومه، وسنتكلم على مؤلفاته قريبا ونرى مكانة بعض هذه المؤلفات عند العلماء وما قالوا عنها. وقد وصفه المستشرقون الأوربيون بمؤسس علم الأديان المقارن من أجل كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل. (٢)
وبعد أن عرفنا هذه المنزلة العلمية الرفيعة التي احتلها أبو محمد بن حزم بشهادات العلماء من معاصريه، ومن بعدهم إلى عصرنا الحاضر في أنواع العلوم المختلفة، وقلما يؤلف مؤلف بعد ابن حزم في فن من الفنون الكثيرة التي طرقها إلا رجع إلى مؤلفاته واستشهد بأقواله، وكفى بهذا دليلا على منزلته العلمية، فلهذا يصعب علينا ويطول لو حاولنا أن نتعرض، لبيان طريقته في كل ما طرق، ومنهجه في كل ما نهج، ولكننا علمنا بشكل عام منزلته العلمية، عند العلماء الذين أشرنا إلى بعض كلامهم عنه.
وقد وصف لنا ابن حيان، طريقة جدله ومناظراته بعد أن ذكر كثرة علمه: بأنه يحمل هذا العلم ويجادل من خالفه على استرسال في
стр. 63
طباعه وبذل بأسراره، ولم يكن يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج، بل يصك به من عارضه صك الجندل، وينشقه متعلقة انشاق الخردل. (١)
وكان كل اعتماده في المناقشة والاستدلال على مصدرين:
أولهما: المبادىء العقلية المقررة في أوائل الحس وبدائة العقل.
وثانيهما: النصوص، فيرفض التأويل أو القياس أو التعليل مؤكدا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجهر لا سر تحته كله برهان لا مسامحة فيه، ولم يكن عند الرسول ﷺ سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه. (٢)
٦ - تلاميذه:
مال أبو محمد في أول أمره إلا رأي محمد بن إدريس الشافعي ﵀، وهذا خلاف ما عليه جمهور أهل الأندلس. فهم على مذهب الإمام مالك. فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالشذوذ، ولكنه لم يستمر على هذا فعدل إلى ما هو أشذ وهو قول أصحاب الظاهر، يقول عن نفسه:
"وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل؟
فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد ... فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل" (٣)
стр. 64
وكان ﵀ زيادة على ظاهريته. صريحًا لا يعرف المجاملة، وحاد المزاج عنيفًا في مناظراته ومجادلاته.
يقول أبو مروان ابن حيان: "وكان لمجمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، واستناد على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده "لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (١) فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه متعلقه انشاق الخردل، فنفر عنه القلوب وتوقع به الندوب حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالؤوا على بغضه وردوا أقواله فأجموا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه وطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلدة من بادية لبلة". (٢)
تلك حصائد طول لسانه الموصوف بأنه شقيق سيف الحجاج باستخفافه بالكبار ووقوعه في أئمة الاجتهاد، وصراحته بما يراه الحق وتعصبه له، وعدم مجاملته للأمراء والحكام، عوامل عديدة أحاطت بابن حزم فقللت من مصاحبته، وهناك عامل دعا علماء عصره إلى التألب ضده غير ما ذكر. الحسد لما كانت عليه حاله من الثراء، ثم مع هذا كثرة تحصيله العلمي. قال عن نفسه:
"أنا العلق (٣) الذي لا عيب فيه ... سوى بلدي وأني غير طاري
стр. 65
تقر لي العراق ومن يليها ... وأهل الأرض إلا أهل داري
طووا حسدًا كل أدب وفهم ... وعلم ما يشق له غباري
فمهما طار في الآفاق ذكرى ... فما سطع الدخان بغير نار" (١)
ومع ما ذكر فقد استمر أبو محمد سالكا طريقته بعزيمة صادقة لا تعرف التردد سائرا في طريقته لا يلتفت إلى من يخالفه يبث علمه فيمن ينتابه من الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة ولا يسمعون أصوات المحذرين عنه لثقتهم به ومعرفتهم بحقيقته.
فممن قرأ عليه وأكثر الرواية عنه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي. (٢) وابنه الفضل أبو رافع (٣) وهما أكثر من روى عنه. (٤) والإمام الوزير أبو محمد بن العربي وقد قرأ عليه أكثر مصنفاته، قال: "صحبت ابن حزم سبعة أعوام وسمعت منه جميع مصنفاته سوى المجلد الأخير من كتاب الفصل وهو من ستة مجلدات، وقرأنا عليه من كتاب الإيصال أربعة مجلدات في سنة ست وخمسين وأربعمائة وهو أربعة وعشرون مجلدًا ولى منه إجازة غير مرة". (٥)
وقد سمع عليه الفقه أحد شيوخه الذين سمع منهم وهو علي بن سعيد العبدري حين حل ابن حزم جزيرة ميورقة. واتبع - العبدري - المذهب الظاهري، ولما رحل إلى المشرق وحج تركه واعتنق المذهب
стр. 66
الشافعي. (١)
وممن سمع عليه أيضا محمد بن الوليد الفهري. (٢) وعبد الباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الأنصاري. (٣)
وآخر من روى عنه مروياته بالإجازة أبو الحسن شريح بن محمد المقرى. (٤)
هؤلاء بعض ممن تتلمذ على أبي محمد ولاشك أنه يصعب حصرهم. ومعرفتهم جميعًا خلال الدة الطويلة التي قضاها في سبيل
стр. 67
العلم والحرص الشديد على نشره بين الناس قال:
مناى من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنة التي ... تناسى رجال ذكرها في المحاضرا (١)
* * * * *
٧ - مصنفاته:
عرفنا بداية تعلم ابن حزم، وكثرة شيوخه الذين أخذ أنواع العلوم عنهم، ثم شهادات العلماء بفضله. وتواليفه الكثيرة في علم الحديث والمصنفات، والمسندات، وأصول الفقه، وفروعه على مذهبه الذي ينتحله مذهب داود بن علي الاصفهاني، ومن قال بقوله من أهل الظاهر (٢). وفي الملل والنحل والمنطق والتاريخ، وله في الأدب والشعر نفس واسع وباع طويل وكان يقول الشعر على البديهة من ذلك: ما حكى أنه قصد أبا عامر شهيد في يوم غزير المطر والوحل، شديد الريح. فلقيه أبو عامر، وأعظم قصده على تلك الحال وقال له يا سيدي مثلك يقصدني في مثل هذا اليوم فأنشد أبو محمد بديهيا:
فلو كانت الدنيا دوينك لجة ... وفي الجو صعق دائم وحريق
لسهل ودي فيك نحوك مسلكا ... ولم يتعذر لي إليك طريق (٣)
стр. 68
وعن مقدار تواليفه وفي أي فن كانت يقول صاعد بن أحمد: "أخبرني ابنه الفضل المكنى أبا رافع (١) أن مبلغ تواليفه في الفقه والحديث، والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارض نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإسلام قبله إلا لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري (٢) فانه أكثر أهل الإسلام تصنيفا .. فقد حسبت أيام حياته، وحسبت تصانيفه فكان لكل يوم أربع عشرة ورقة. ثم قال: ولأبى محمد ابن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة (٣). ولكنا نستطيع أن نفرق بين مؤلفات ابن جرير، وابن حزم فأكثر مؤلفات الأخير في الفقه وأصوله وفي الملل والنحل، والأول في التفسير بالأثر والتاريخ.
وأن ما ذكر الفضل عن مبلغ تواليف والده لم يكتب الله تعالى للكثير منها البقاء، وكانت هناك عوامل عديدة دعت إلى ذهابها وعدم
стр. 69
انتشارها: من ذلك مذهبه الذي يخالف به أهل الأندلس. وحدة لسانه، وتطاوله على العلماء هناك، للدفاع عن هذا المذهب قال أبو العباس بن العريف: "كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف الثقفي شقيقين". (١)
فضاق به علماء عصره فأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا العوام من الدنو إليه والأخذ عنه حتى إن حاكم أشبيلية أحرق قسطا من كتبه من جراء تأليب العلماء عليه، قال أبو محمد في هذا:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدرى
يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبرى
دعوني من إحراق رق وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدرى
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة ... فكم دون ما تبغون لله في ستر
كذاك النصارى يحرقون - إذا علت ... أكفهم - القرآن في مدن الثغر (٢)
ولكنه على الرغم مما قوبل به من الفقهاء والرؤساء لا يرتدع ولا يرجع إلى ما أرادوا يبث علمه فيمن ينتابه من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم المختلفة وقر بعير لم تتجاوز باديته كما قال ابن حيان. (٣) وقال "ولهذا الشيخ أبى محمد مع يهود لعنهم الله ومع غيرهم من أولى المذاهب المرفوضة من أهل
стр. 70
الإسلام مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة وله مصنفات في ذلك معروفة". (١)
ويدرك المطلع في مؤلفات ابن حزم بوجه عام مقدرته العقلية العجيبة في الفهم الدقيق والنظر الشامل وفي الاستنباط الدقيق وفي نقد آراء الغير ومجادلتهم، وهذه خاصة عقلية تلحظها في عموم كتبه فلا تكاد تجده مرة مسترخي الذهن، أو نائم العقل، أو مستسلما للنقل، وإنما هو حاضر العقل يقظ الذهن ما يقول لابد أنه مر من رأسه، وتردد بين تلافيف مخه، لذا تراه إذا عرض الموضوع الذي يريد لا يفرض عليه شيئا من أطرافه المتشعبة ويصل إلى الهدف الذي رسمه في مبدأ الطريق بخط مستقيم وهذه صفة نادرة في العلماء الواسعي الثقافة، وتراه مع كل هذا سالكا طريقته الحرة الصريحة التي لا يسير فيها وراء أحد مهما كانت منزلته ما دام يخالف ظاهر الكتاب والسنة، أو يأتى بقول لا يدلان عليه أو لا يعتمد فيه على صريحهما أو يخالف بدائه العقول.
وسأبين بحول الله تعالى أسماء ما توصلت إلى معرفته من مؤلفاته مرتبة على حروف المعجم، وإليك بيانها:
١ - الآثار التي ظاهرها التعارض ونفى التناقض عنها. (٢)
٢ - إبطال القياس، والرأى والاستحسان والتقليد. (٣)
٣ - الاتصال. (٤)
стр. 71
٤ - الإجماع ومسائله على أبواب الفقه. (١)
٥ - أجوبة "كالأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري" لابن عبد البر. (٢)
٦ - الإحكام لأصول الأحكام. (٣)
٧ - اختصار كلام جالينوس في الأمراض الحادة. (٤)
٨ - اختلاف الفقهاء الخمسة - مالك، وأبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداود (٥).
٩ - الأخلاق والسير، في مداواة النفوس، أو رسالة في مداواة
* * * * *
стр. 72
النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل. (١)
١٠ - أخلاق النفس. (٢)
١١ - الأدوية المفردة. (٣)
١٢ - الاستجلاب. (٤)
١٣ - الاستقصاء. (٥)
١٤ - أسماء الخلفاء المهديين، والأئمة أمراء المؤمنين، وأسماء الولاة من قريش، ومن بني هاشم أمور المسلمين، وذكر مددهم إلى زماننا. (٦)
стр. 73
١٥ - أسماء الصحابة الرواة وما لكل من العدد. (١)
١٦ - أسماء الله الحسنى. (٢)
١٧ - أسواق العرب. (٣)
١٨ - أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا. (٤)
١٩ - الأصول، والفروع. (٥)
٢٠ - إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل، وهذا معنى لم يسبق
стр. 74
إليه كما قال ابن خلكان. (١)
٢١ - الإظهار لما شنع به على الظاهرية (٢)
٢٢ - الإعتقاد. (٣)
٢٣ - الإعراب عن الحيرة والإلتباس الواقعين في مذهب أهل الرأي والقياس (٤).
٢٤ - الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها. (٥)(٢٥) - الإملاء في قواعد الفقه. (٦)
стр. 75
٢٦ - أمهات الخلفاء (١)
٢٧ - الإنصاف. (٢)
٢٨ - أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس. (٣)
٢٩ - أوقات الأمراء. (٤)
٣٠ - أوهام الصحيحين. (٥)
٣١ - الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال ولحرام والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها وهو كتاب كبير كما قال ابن خلكان، ويقول الوزير أبو محمد بن العربي: "وكان عند الإمام أبى محمد بن حزم كتاب الإيصال في أربع وعشرين مجلدا بخط يده وكان في غاية الإدماج". (٦)