Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تصدير
الحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بجلاله، ويُوافي جزيل فضله وإفضاله، وتحيّاته الطيبات على رسوله وخليله محمد الأمين، خاتم النبيين وسيد المرسلين صلوات الله عليه وسلامه، والتحية لأهل بيته الطاهرين الطيبين، ورضي الله عن صحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فيحْفل تراثنا الإسلامي والعربي بكنوز فكرية مؤسسة على القيم التي ترسخت بعد مبعث النبي الهاشمي ﷺ ، منها ما يتصل بعلوم الشرع وفقه الكتاب العزيز وسنة الرسول ﷺ ، ومنها ما ينصرف إلى العلوم البحتة والتطبيقية، وعلوم الأدب واللغة واللسان، والتأريخ للأمم والشعوب والبلدان.
والكتاب، الذي بين أيدينا، الذي يُسعدني أن أتقدم به للعلماء المهتمين والباحثين في تراثنا الإسلامي، هو كتابٌ جامعٌ لجملة من العلوم والمعارف والفنون؛ وهو وإن كان موضوعه الأساسي الترجمة للأعلام والنَّابهين في شتَّى حقول المعرفة والآداب وأرباب الحُكم والسياسة ومن يجري مجراهم ممن اتصلت علاقتهم بإقليم حلب، إما بالسُّكني أو العبور منها، فإنه يشتمل على معارف متنوعة تتوزع بين علوم الدين ورواية الأحاديث وعلوم الأدب، منثوره ومنظومه، ومسالك البُلدان، خاصة ما يقع في شمال بلاد الشام، والتأريخ لحقبة ممتدة من تاريخنا الإسلامي.
стр. 2
وفائدة الكتاب وأهميته بين أقرانه جليّة واضحة، يُدركها المشتغلون بالتاريخ جملة، لأصالة مادته وتفرده بكثير من المعلومات والأخبار التي لم ترد عند غيره، ومنهجه في نقد الروايات والنصوص وترجيح الصواب.
وينتمي كمال الدين بن العديم، مؤلف هذا الكتاب، إلى طبقة رفيعة من مؤرخي وكُتَّاب ذلك العصر، وهو أحد ثلاثة رفاق ساهموا - من غير قصد - في تهريب النُّصوص التُّراثيَّة وحمايتها من الضياع والتخريب إبان الأحداث التي تعرضت لها المنطقة بغزو التتار في منتصف القرن السابع الهجري، فقد ضمَّن ابن العديم وياقوت الحمويّ والوزير جمال الدين القفطيّ مُؤلّفاتهم وأعمالهم الأدبية ومدوناتهم - خاصّة في حقل التراجم - نصوصا طويلة ومقطوعات عديدة من كتب ضاعت وطوتها عوادي الدهر؛ فأعادت الاعتبار إليها، وعرَّفت بمحتوياتها ومضامينها.
وقد وجدَت مؤسّسة الفُرقان للتُّراث الإسلاميّ، ضمن دورها في نشر التراث وفهرسته ولَمّ شتاته، في هذا الكتاب ما يستوجب تبنّى تحقيقه ونشره كأحد المصادر التُّراثيّة المهمّة، وتقريب مادته وتيسيرها للدارسين والباحثين، فعهدت بهذا العمل إلى باحث كان قد درس المنطقة التي يتناولها هذا الكتاب، وكان موضوع أطروحته للدكتوراه يتصل بُجْند قنّسرين خلال القرون الثلاثة الأولى من عمر الدولة الإسلامية، وهو الجُنْد الضَّام لمدينة حلب وما يقع في حيزها.
واعتمدت هذه النشرة على أصول المؤلف الخطية المتبقية من هذا الكتاب، وهي النسخة التي لازمت المؤلف في آخر أيام حياته غِبَّ إقامته بالقاهرة، ويرد في دراسة المحقق الإشارة إلى أنها لا تمثل إلا نحو ثلث الكتاب، إضافة إلى نسخ متأخرة أعانت في الترجيح وفك المستغلق وتعمير السّقط.
стр. 3
وأخيرًا، يطيبُ لي أن أتقدَّم بأجزل عبارات الشكر والثناء، وأخْلص كلمات التنويه والتقدير إلى المحقق الشاب الدكتور المهدي الرّواضية، الذي قام بتحقيق هذا السّفر الكبير، سائلا المولى أن يجزيه خير الجزاء، ومتمنيا له مزيدا من التَّألّق والنّجاح في المستقبل.
وختاما، نسأل الله ﵎ أن يكون هذا العمل، وهو جهد المُقلّ، عونًا للباحثين وخالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقنا التوفيق في المقاصد كلها إلى طاعته ومرضاته، وأن يهدينا إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد زكي يماني
رئيس
مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمة
منذ أن اتصلت معرفتي بابن العديم وكتابه الكبير في التاريخ، والأمل ملازمٌ لي في خدمته وتقريب مادَّته، وتوفير نَشْرتِه للباحثين، وكنت كلما قرأت فيه، أو راجعت ترجمة من تراجمه، أجد ما يدفعني إلى العمل على إخراجه، فأمضيت في ذلك نحو خمس سنين، امتدت فيها الصحبة بابن العديم، وازدادت الصلة والإعجاب بعمله، حتى يسر الله إتمامه - بقدر المَكِنةِ والاستطاعة - على هذه الهيئة التي أرجو لها حُسْنَ التلقي والقبول.
وتاريخ ابن العديم يؤرخ لحقبة طويلة من تاريخنا الإسلامي، تمتد إلى سبعة قرون، اتَّكأ في مادتها على مصادر فريدة يأتي الكلام عليها في موضعه، وقد يوهم عنوان الكتاب - كما يَشي بذلك - أنه تأريخ مقتصر على مدينة حلب، وكما هو حاصلٌ في الجزء الأول الذي خصصه لمدينة حلب وجوارها، إلا أن إفاداته في بقية أجزاء الكتاب تتجاوز ذلك لتشمل العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، قديمه وحديثه (زمن المؤلف)، مما تحاول هذه التَّقْدمَةُ التمهيدية إبرازه في الصفحات القليلة القادمة، وهي محاولة أَسَّستُها على نصوص المؤلف وإفاداته نفسه؛ استشهدت بها للتدليل على قيمته، ولتتبع حياته، وبيان منهجه في تأليف الكتاب، وجعلتها في مبحثين: تناولت في الأول منهما التعريف بالمؤلف، وأسرته، واستعراض مسيرته العلمية والعملية وتَعْداد مؤلفاته. وخصصت المبحث الثاني للكلام على كتابه "بُغْيَة الطَّلَب"، وبيان أهميته، وعرض أصوله الخطية، ومنهج عملي في إخراجه.
стр. 5
أسرة بني العديم:
يعود الفضل في التعريف بابن العديم، وأسرته، وأولية قدومهم إلى حلب في مطلع القرن الثالث الهجري، إلى الكتاب الذي ألفه ابن العديم نفسه بطلب من صديقه ياقوت الحموي، وهو كتاب "الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة"، وحفظ لنا ياقوت عدة نصوص منه في ثنايا ترجمته لكمال الدين بن العديم، وعنه نقلت أغلب المصادر اللاحقة له (١)، وعليه المعول في هذه الدراسة، إضافة إلى بعض الإشارات العارضة التي أوردها ابن العديم عن حياته أو أسفاره في ثنايا كتابه بغية الطلب (٢)، أُثْبتُها بنَصِّها لتَشْريك القارئ في الاستنتاج منها.
_________
(١) ترجمة ابن العديم عند: ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٨ - ٢٠٩١، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٢ - ٢٣٨، أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١، ابن سعيد الأندلسي: المقتطف من أزاهر الطرف ٩٨، ١٩٩ - ٢٠٠، المغرب في حلى المغرب (قسم مصر) ١: ١٤٧، ٢٨٢ - ٢٨٤، ٢٨٩ - ٢٩٧، ٣٤٦ - ٣٤٨، الحسيني: صلة التكملة لوفيات النقلة ١: ٤٦٨ - ٤٧٠، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠، ٥١٠ - ٥١٢، ٢: ١٧٧ - ١٧٩، الدمياطي: معجم شيوخه (مخطوط محفوظ بدار الكتب الوطنية، تونس) ٢: ١١٦ - ١١٨، ابن الفوطي: مجمع الآداب ٤: ٢١٠ - ٢١١، أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥ - ٢١٦ ووهم في اسم أبيه فقيده: "عمر بن عبد العزيز"، الذهبي: العبر في خبر من غبر ٣: ٣٠٠، تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧ - ٩٣٩، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٦ - ١٢٩، النويري: نهاية الأرب ٣٠: ٧٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢١ - ٤٢٦، ابن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأتراك (مخطوط آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب - ١٦ أ، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٤ - ٦٣٦، الزركشي: عقود الجمان (مخطوط) ورقة ٢٣٧ ب - ٢٣٨ ب، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٣٩، تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٤ - ٧٢٦، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٢٧٢، ٢٧٩ - ٢٩٨، ٤٧٦، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٨ - ١٠، ابن قطلوبغا: تاج التراجم ١٦٦، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦، ابن العماد: شذرات الذهب ٧: ٥٢٥ - ٥٢٦، حاجي: خليفة: كشف الظنون ١: ٢٤٩، البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧، الطباخ: إعلام النبلاء ٢: ٢٥٤ - ٢٥٦، ٤: ٤٣٠ - ٤٦١، کحالة معجم المؤلفين ٧: ٢٧٥ - ٢٧٦، الزركلي: الأعلام ٥:٤٠، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٣٩ - ٤٤٣، وله ترجمة طويلة في كتاب: أبو العلاء المعري "دفاع المؤرخ ابن العديم عنه" ٦٥ - ١٥٤.
وانظر أيضًا: دراسة سامي الدهان بعنوان: حياة ابن العديم وآثاره (دمشق، ١٩٥٠ م).
Fuat Sezgin، Geschichte des arabischen Schrifttums، Vol ١، Pp ٥٦، ٤٣٧ - ٤٤٤ B. Lewis، Er: Ibn Al - Adim، vol III، Pp ٦٩٥ - ٦٩٦:
(٢) يجدر التنبيه هنا أن ابن العديم قليلًا ما يتحدث عن نفسه أو يشير إلى مساهمته في بعض الأحداث في تراجم من جمعته بهم الصلة والعلاقة، من الملوك والأمراء والعلماء وغيرهم.
стр. 6
وسِيَاقةُ نَسَبه من كتاب الأخبار المستفادة، ومن غيره، على النحو الآتي:
عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله بن أبي غانم محمد بن هبة الله بن أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضَر بن نِزار بن معدّ بن عدنان، الصاحب كمال الدين أبو القاسم العقيلي الحلبي، المعروف بابن العديم.
كان أجداده؛ عَقِبُ بني أبي جرادة، يسكنون البصرة في محلة بني عقيل حتى مطلع القرن الثالث الهجري، عندما ارتحل عن البصرة من بينهم موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة، وقدم إلى حلب بعد المائتين للهجرة، وكان ارتحاله لأحد سببين: أنه قدم في تجارة إلى الشام فاستوطن حلب، أو بسبب طاعون وقع في البصرة ارتحل على إثره جماعة من بني عقيل فيهم جده موسي فسكن حلب، وكان لموسى ثلاثة أولاد: محمد، وهارون، وعبد الله، فأما محمد فأعقب عبد الله، ولا يعرف إن كان لعبد الله عقب أم لا، وأما ما تناسل من الأسرة فكان من عقب هارون جد كمال الدين بن العديم، وعبد الله، وهم أعمامه (١).
وترجم ابن العديم في كتابه الأخبار المستفادة لمن تناسل من عقب هارون وعبد الله، وجميعهم من الأعيان والعلماء الذين حفلت بذكرهم كتب التراجم، ونوهت بفضلهم في العلم والأدب والجاه، يجمعهم قول ابن الشعار: "وبيت أبي جرادة كله أدباء، فضلاء، شعراء، رؤساء، فقهاء، نُبَهاء، مُحَدِّثون، مُقَدَّمون، عُبَّاد، زُهَّاد، قضاة، يتوارثون الفضل كابرا عن كابر، وتاليا عن غابر" (٢).
_________
(١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٩ - ٢٠٧٠.
(٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
стр. 7
وهذا مُشَجَّرُ نسبهم منذ أولهم حتى أولاد كمال الدين بن العديم وبعض أحفاده مجمعًا من المصادر:
أبو جرادة (عامر بن ربيعة)
|
стр. 8
وابن العديم من بيت جاه وثروة ومال (١)، يلتمس هذا من كلام ابن العديم في بعض المواضع من كتابه؛ ففي كلامه على مَعَرَّة مَصْريْن يقول (الجزء الأول):
"ويقال إنها هي التي تُعْرفُ بذات القصور، وكان أكابر حلب وأعيانها يرغبون في اقتناء الأملاك بها، واتخاذ الدور والمنازل فيها، وكان فيها لسلفنا أملاك وافرة، خرج عنا بعضها، وبقي البعض".
وكانت لهم قُرَىً وضِياعٌ أخرى في العديد من مناطق حلب، يقول (الجزء الأول):
"وبناحية الجَزْر من أعمال حلب، بالقرب من مَعَرَّة مَصْرِيْن، قرية يقال لها يَحْمُول، ولنا فيها ملكٌ نتوارثه عن أجدادنا من حدود الثلاثمائة للهجرة".
وذكر في الجزء الأول أيضا:
"ومن بني بُحْتُر فرقةٌ بأُوْرِم الكبرى من قرى حلب، وكان بأُوْرِمَ مزرعة يقال لها البُحْتُرِيَّة منسوبة إليهم، وقد دَثَرتْ وانضافت إلى أُوْرِم. رأيت كتابا من كتب أجدادنا وقد اشتري حصة في هذه البُحْتُرِيَّة من بعضهم".
ويذكر ابن العديم في موضع آخر أن سند الملكية الذي وجده في أوراق أسرته، والمتضمن حصة في قرية أُوْرِم، يعود إلى جده زهير بن هارون، وأنه أوقف حصته من القرية المذكورة على الجهاد في سبيل الله، يقول (الجزء الأول):
"ووقفت على كتاب وقف، كتبه جدُّ جدّ جَدِّي زهير بن هارون بن أبي جرادة، بحصة من ملكه بأُوْرِم الكبرى من ضياع حلب، على أن تستغل ويشترى من مَغُلّها فَرَسٌ تكون مقيمة بثغر طرسوس بدار السبيل المعروفة بزهير بن الحارث، وتقام لها
_________
(١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٩٠.
стр. 9
العُلُوْفَة وأجرة من يخدمها، ويقام عليها فارس يكون مقيما بالدار المذكورة، يجاهد عليها عن زهير بن هارون، وما فَضُلَ من المَغُلّ يعد لنائبة إن لحقت هذه الفرس".
فمصدر تَوفُّرِ بني العديم على هذه الأملاك يعود إلى زمن جده الأول الذي تنحدر الأسرة منه، وهو زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة العقيلي الحلبي (ت نحو: ٣٤٠ هـ)، قال ابن العديم (الجزء التاسع):
"وأكثر الأملاك التي كانت لسلفنا بحلب: أُوْرَم الكبرى، ويَحْمُول، وأقْذَار، ولُؤْلُؤة، والسِّبْن، هو الذي اشتراها".
وانتقلت هذه الضياع والقرى بالتوارث حتى وصلت إلى يد والد الكمال، ثم إلى ابنه كمال الدين، ومن هذه القرى قرية تعرف بأقْذَار، كانت في ملك والده أبي الحسن أحمد، حسبما ذكر ابن العديم في كتابه (الجزء الثامن)، وحدد موضعها، وعرَّفَ بها بقوله (الجزء الرابع):
وهي قرية أيضا من قرى حلب، من ناحيتها القبلية، من أعمال السهول والنهريات والقبلية، وأكثر هذه القرية جارٍ في ملكي، والآن تسمى أقْذَار، وتسمى التي في وادي بُطْنَان أقذَارَان".
وقد نزل بهذه القرية وبات بها الأديب الكاتب يحيى بن خالد بن محمد القَيْسَرانيّ، فكتب منها إلى ابن العديم قصيدة يتشوَّقَهُ ويثني عليه (١).
وإضافة لما انتقل إلى ابن العديم بالمُوارثة من الأملاك، فقد تحصل، لاتصاله وقربه من الملوك والأمراء، على إقطاعات، وهو يشير في الجزء الأول من كتابه إلى قرية الهوتة، وأنها أقطعت له، وبقيت في يده حتى وقع استيلاء التتار
_________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٧: ٢٣٣ - ٢٣٤.
стр. 10
على حلب (١)، وهي قرية لا تزال إلى الآن تحمل الاسم نفسه بمنطقة جبل سِمْعان.
وأورد ياقوت أبياتا غزلية لابن العديم يذكر فيها الفقر والعوز، والحاجة إلى طلب الرزق، وعَقَّبَ عليها ياقوت بالقول (٢): "لا يظن الناظر في هذه الأبيات أن قائلها فقير وَقِيرٌ، فإن الأمر بعكس ذلك، لأنه - والله يَحُوطُه - رب ضياع واسعة، وأملاك جَمَّةٍ، ونِعْمةٍ كثيرة، وعبيد كثيرة، وإماء، وخيل ودواب، وملابس فاخرة وثياب، ومن ذلك أنه بعد موت أبيه، اشتري دارا كانت لأجداده قديما بثلاثين ألف درهم، ولكن نفسه واسعة، وهمته عالية، والرغبات في الدنيا بالنسبة إلى الراغبين، والشهوة لها على قدر الطالبين".
حياته ونشأته:
ولد كمال الدين عمر بمدينة حلب (٣)، واختلف في سنة مولده بين من يقول سنة ٥٨٦ هـ (٤)، وقائل - وهم الأكثر - في العشر الأول من ذي الحجة سنة ٥٨٨ هـ (٥)، وهي السنة التي قيدها ابن العديم لمولده في الترجمة التي صنعها بنفسه
_________
(١) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٩٦.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٩٠.
(٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١١، معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٨، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
(٤) وهذا التاريخ ارتضاه ابن السابق الحموي (ت ٨٧٧ هـ)، متملك كتاب بغية الطلب، فقيده في ترجمته للمؤلف على طرة غلاف الجزء الأول، (انظر نص ترجمة ابن السابق الحموي، وصورتها فيما يلى)، والصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٣٩، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، وفيه: في العشر الأول من سنة ٥٨٦ هـ، إسماعيل البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧، وأرخ الذهبي وابن العماد مولده في سنة بضع وثمانين وخمسمائة. العبر ٣: ٣٠٠، شذرات الذهب ٧: ٥٢٥.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٤، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١١، ٢: ١٧٧، الدمياطي: معجم الشيوخ ٢: ورقة ١١٨، ابن الفوطي: مجمع الآداب ٤: ٢١١، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٢: ٨٦٦، النويري: نهاية الأرب ٣٠: ٧٧، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥، ابن قطلوبغا: تاج التراجم ١٦٦، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠.
стр. 11
لياقوت، وسأله الشريف عزُّ الدين الحُسَيْنيّ عن مولده فقال بمثله (١)، بينما أورد الذهبي القولين وأضاف لهما قولا آخر: "ولد سنة ثمان أو ست أو ثلاث وثمانين وخمسمائة" (٢)، وشَذَّ المَقْريزيُّ عن الجميع فأرَّخَ مولده في سنة ٥٨٩ هـ (٣).
وفي سن السابعة من عمره، ألحقه والده بالمكتب ليتلقى تعليمه الأوَّليَّ مع أقرانه (٤)، فختم القرآن حفظا وعمره تسع سنين، وقرأه بالعشر عندما بلغ السنة العاشرة من عمره (٥)، وذكر ابن العديم في ترجمة شيخه أبي اليمن الكندي - الآتية في الجزء التاسع من هذا الكتاب - شيئا من أوَّليَّاتِ تعليمه، يقول:
"وكان سألني - أي الكِنْدِيُّ - وأنا أقرأ عليه: كم كان عمرك حين ختمت القرآن؟ فقلت له: تسع سنين، فتعجب من ذلك، وقال: كذلك أنا ختمته ولي تسع سنين! وأخرج إلى مفردات للشيخ أبي محمد وعليها خطه بقراءته عليها، وأراني خط الشيخ أبي محمد له، على بعضها أنه ختم القرآن عليه وهو ابن تسع، وجمعه بالعشر وهو ابن عشر، فذكرت له أني جمعته بالعشر ولي عشر سنين! ".
وكان لوالده الشيخ أحمد بن هبة الله - وهو قاض وخطيب - تأثير كبير في تعليمه الأوَّليِّ، وكان يأمل له أن يكون مدرسا لا قاضيا (٦)، فتعلم على والده الذي كان يُرَغِّبُهُ في حفظ المتون الفقهية بما يرغب به أمثاله من الصغار كالدراهم وخلافه، فحفظ كتاب اللُّمَعِ في أصول الفقه لأبي إسحاق الشِّيرازيّ (ت ٤٧٦ هـ)، وقرأه على شيخ حلب وقتها ضياء الدين الحسين بن هبة الله المعروف بابن دُهْن الحَصَى (ت ٦٠٨ هـ)، وحفظ في مدة يسيرة مختصر الإمام القُدُوريّ (ت ٤٢٨ هـ) (٧).
_________
(١) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧.
(٣) المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥.
(٤) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٤، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥.
(٦) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٤، وانظره أيضا في ترجمة والده أحمد من كتاب البغية (الجزء الثالث).
(٧) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥.
стр. 12
وتعلم أيضا في أوَّليَّاتِه على عمه أبي غانم محمد بن هبة الله، وسمع منه الحديث، وسمع على جماعة من أهل حلب والطارئين عليها والواردين إليها، فسمع من الشيخ الإمام افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، كبير الحنفية، وعمر بن طَبَرزد، وأبي القاسم بن الحَرَسْتانيّ، وهبة الله بن طاوس، والشمس أحمد بن عبد الله العطار، وأبي عبد الله بن البناء، وثابت بن مُشَرَّف، وأبي منصور بن عساكر الفقيه، وبَهْرام الأتابكيّ، وأحمد بن أبي اليُسْر، وأبي محمد بن البُن، وابن صَصْرَي، وابن راجح، والشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد، والشيخ فخر الدين بن تيمية، وعبد العزيز بن هِلَالة، ومحمد بن عمر العثماني، وأبي على الأوقي، وأبي محمد بن علوان، وخلق كثير بحلب، ودمشق، والقدس، والحجاز، والعراق (١).
ورحل به والده إلى بيت المقدس مرتين: سنة ٦٠٣ هـ، وسنة ٦٠٨ هـ، فمر في طريقه على دمشق، والتقى فيها ببعض علماء ذلك الوقت، كالشيخ تاج الدين الكِنْدِيّ (ت ٦١٣ هـ) وغيره؛ كان التقاه بدمشق في النَّوبتَيْن (٢). وقال في ترجمته (الجزء التاسع):
"دخلت إليه داره بدمشق في سنة ثلاث وستمائة مع والدي، وقرأت عليه المقامات الحَرِيرِيَّة وغيرها من كتب الأدب، ولما شرعت في قراءة المقامات عليه أعجبته قراءتي، وسألني: أتحفظها؟ فقلت له: لا، فمال إلى واعتنى بأمري، وكان يأذن لي كلما جئت إليه. ولما عزمت على العود إلى حلب قال لي: اجعل في نفسك أن تعود إلينا، فأثَّر كلامه عندي، وآثرت الرِّحْلَةَ إليه، وكان والدي ﵀ لا يسمح بمفارقتي، إلى أن سمح بأن يزور البيت المقدس فاستصحبني
_________
(١) الحسيني: صلة التكملة لوفيات النقلة ١: ٤٦٩، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
стр. 13
معه، ووصلت معه إلى دمشق، ودخل إلى الشيخ ﵀، فقرأت عليه عدة من كتب الأدب والحديث في سنة ثمان وستمائة، ثم عدت من البيت المقدس، وكنت أتردد إليه وأسمع منه بقراءاتي وقراءة غيري في سنة تسع وستمائة".
وتفَقَّه على الشيخ محمد بن يوسف بن الخَضر الحلبي المعروف بقاضي العَسْكر (ت ٦١٤ هـ) (١)، وفي كتابه البُغْيَة ذِكْرٌ للكثير من مشايخه، وبيَانٌ لما أخذه عنهم، وخبر اجتماعه بهم.
وكان ابتداء طلبه للحديث وسماعه في سنة ٦٠٤ هـ، حسبما يذكر في ترجمة حنبل بن عبد الله الرُّصَافيّ (الجزء السادس):
"دخلت دمشق زائرا البيت المُقَدَّسَ في سنة ثلاث وستمائة، وحنبل بها، فلم أسمع منه شيئا لأنني لم أكن طلبت الحديث حينئذ؛ لأن أول طلبي الحديث كان سنة أربع وستمائة".
التَّدْريس والقضاء والإفتاء والوزارة:
زاول ابن العديم التدريس في سن مبكرة من عمره، بعد أن توفرت فيه الأهليَّةُ والمَقْدرةُ على إلقاء الدروس، وربما نال تزكية من بعض شيوخه في ذلك، فبعد وفاة والده بقى مدةً، وصاقَبَ أن توفي شيخه ابن الأبْيَض (٢)؛ مدرس مدرسة شاذْبَخْت، وهي من أجلِّ مدارس حلب، كان أنشأها الأمير جمال الدين شاذْبَخْت الهندي الأتابكيّ، وكان نائبا عن نور الدين بحلب، فبقى مَنْصبُ مُتَولِّيها شاغرًا، فوَلِيَ ابن العديم التدريس بها في ذي الحجة سنة ٦١٦ هـ، وعمره يومئذ
_________
(١) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ٦: ١٢٥، القرشي: الجواهر المُضية ٤: ٤٥٢.
(٢) هو قاضي العسكر محمد بن يوسف بن الخضر الحنفي المعروف بابن الأبيض (ت ٦١٤ هـ)، انظر: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٢، ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ٦: ١٢٥.
стр. 14
ثمان وعشرون سنة (١)، وكانت حلب في ذلك الوقت من حواضر العلم والأدب، "وهي أعْمَرُ ما كانت بالعلماء والمشايخ والفضلاء الرَّوَاسخ، إلا أنه رؤي أهلا لذلك دون غيره، وتصدر وألقى الدرس بجنان قويّ، ولسان لوذعي، فأبهر العالم، وأعجب الناس" (٢). ولم يزل ابن العديم مدرسا بهذه المدرسة سنوات عديدة، ثم ناب عنه ابنه مَجْدُ الدين عبد الرحمن، ثم استقل بها أخوه جمال الدين محمد ولد الصاحب كمال الدين حتى كائنة التتار سنة ٦٥٨ هـ (٣).
وفي أوائل سنة ٦٣٤ هـ فُوِّض إليه تدريس المدرسة النورية المعروفة بمدرسة الحلاويِّين مضافا إلى مدرسة شاذْبَخْت (٤)، وذلك بعد وفاة مُدَرِّسها الإمام تاج الدين أبي المعالي الفضل بن عبد المطلب بن الفضل الهاشمي (ت ٦٣٣ هـ)، وبقي مواظبا على التدريس بها إلى أن توجه إلى دمشق في خدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستقل بها بعده ابنه مجد الدين عبد الرحمن (٥).
وأنشأ ابن العديم مدرسة في شرقي حلب، وهي المدرسة الكَماليَّةُ العديمية، وكان ابتداء عمارتها في سنة ٦٣٧ هـ، وكَمُلَتْ في سنة ٦٤٩ هـ، وبنى إلى جوارها تُرْبَةً وجَوْسَقًا (قصرا) وبستانا، ولم يدرس بها أحد لانقراض الدولة الناصرية (٦). وأشار ابن العديم إلى هذه المدرسة - عرضا - في ترجمة أبي الفتح بن محمد بن عمر الأَبِيْوَرْدِيّ الصُّوْفيّ الحلبي (ت ٦٤٩ هـ)، قال (الجزء العاشر):
"ودفن بالتربة التي جددتها إلى جانب المدرسة التي أنشأتها ظاهر حلب، خارج باب العراق، ﵀".
_________
(١) ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦.
(٣) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٢، سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٣٤٧.
(٤) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٤، الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٠.
(٥) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٦) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٨٥، سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٣٨٦.
стр. 15
وبالرغم من تولي خمسة من آباء ابن العديم القضاء بحلب على التتابع (١)، إضافة إلى من تولى القضاء من أبناء عمومته ومن المنتمين إلى أسرة بني الديم، على مثال أسرة بني أبي الشَّواربِ والذين بقى القضاء مترددا فيما بينهم في البصرة سنين طويلة، فلم يرد ذكر لتولي ابن العديم منصب القضاء أو قضاء القضاة (٢) إلا ما ورد في ذيل مرآة الزمان لليُونِيْنيّ من "أن منشورا جاء من هولاكو في ٢٦ ربيع الأول ٦٥٨ هـ للقاضي كمال الدين عمر بن العديم بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن الشام والموصل ومَاردِين ومَيّافارِقِين والأكْراد وغير ذلك، وتفويض جميع الأوقاف إلى نظره، ووقف الجامع وغيره. وكان القاضي قبله صدر الدين أحمد بن سَنيّ الدولة من جمادى ٦٤٣ هـ، وكان كمال الدين ينوب عنه في الحكم بدمشق" (٣).
وهذا وَهْمٌ وقع فيه ناسِخُ بعض أصول كتاب اليُونِيْنيّ وتسرب إلى المطبوعة؛ اشتبه عليه الاسم، وصوابه: كمال الدين عمر بن بُنْدَار التَّفْليسيّ (ت ٦٧٢ هـ)، كما هو في بقية المصادر التي أرَّختْ لغزو التتار أو تلك التي ترجمت للقاضي التَّفْليسيّ (٤). وأشار ابن العديم نفسه إلى عدم توليه القضاء في ترجمة والده أحمد (الجزء الثالث)، يقول:
"وكان ﵀ "أي والده" يقول لي: يا بني، والله ما أُوْثرُ لك أن تتولى القضاء، فإن عُرِضَ عليك لا تتوله؛ فإنني ما استرحت منذ وُليتُه حتى تركتُه، ولكني أُوْثر
_________
(١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢، الذهبي: العبر ٣: ٣٠٠.
(٢) لقبه ابن الشعار في الأجزاء الأولى من كتابه قلائد الجمان بالقاضي ثم تجاوز عن ذلك في بقية الأجزاء، ولعل تنبّه إلى خطأ ذلك.
(٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠.
(٤) بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢٥٠، الصفدي: تحفة ذوي الألباب ٢: ١٦٤، الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٤٢ - ٤٤٣، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤٢٤، اين تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٧٦.
стр. 16
لك أن تكون مدرسا، وأن تتولى مدرسة الحَلاوِيِّين، فقدر الله تعالى أن وفقني لما كان يؤثره لي بعد وفاته".
لقد أوقع هذا التحريف في اسم القاضي بعض المحدثين أمثال برنارد لويس (١) Lewis B.، وكارل بروكلمان (٢) Carl Brockelmann، وفؤاد سزكين (٣) وآخرين؛ منهم من تخصص في دراسة ابن العديم ونشر تراثه (٤)، إلى اعتباره أحد من تولى القضاء!
وتولى ابن العديم الوزارة مرتين: الأولى للملك العزيز بن الملك الظاهر غازي، والثانية للناصر آخر ملوك بني أيوب (٥)، وأقام بدمشق مدة في الدولة الناصرية المتأخرة أيام الملك الناصر يوسف بن أيوب (٦).
وتشير المصادر إلى أن ابن العديم "كان محدثا حافظا، مؤرخا صادقا فقيها حنفيا، مفتيا، منشئا بليغا، كاتبا مجودا، درَّسَ وأفتى، وصَنَّفَ، وتَرَسَّلَ عن الملوك" (٧)، "وكان جليل المقدار، كثير العلوم، ولم يكن في رؤساء حلب مثله" (٨)،
_________
(١) وذكر برنارد لويس دعوة هولاكو المزعومة ليوليه القضاء؛ B.Lewis، El ٢: Ebn Al - Adim، vol III، Pp ٦٩٥
(٢) بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٣٩.
(٣) Fuat Sezgin، Geschichte des arabischen Schrifttums، Vol ١، p ٤٣٧.
(٤) سهيل زكار في مقدمة تحقيقه لزبدة الحلب ١: ١٩، وسليمي محجوب ودرية الخطيب في مقدمة تحقيقهما لكتاب الوصلة إلى الحبيب ١: ١١.
(٥) محمد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٦.
(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦.
(٧) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٦، ونقله الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان قسم المماليك ١: ٣٣٩.
(٨) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠.
стр. 17
ولُقِّبَ برَئيسِ الأصْحَابِ (١)، أو رَئيسِ الشَّام (٢). وكان جَيَّدَ المعرفةِ بالحَديث (٣)، وأجْمَلَ ابنُ الشَّعَّار المَوصِليّ الفُنَونَ والمَعارفَ الَّتي تلقَّاها ابن العَدِيْم وأتْقَنَها بقَوْله: "فقد درَّسَ الفقْهَ فأحْسَنهُ، وعُنِيَ بفَنِّ الأدَبِ فأتْقَنهُ، ونَظَمَ القَريْضَ فجوَّدَهُ، وأنْشَأ النَّثْر فسَدَّدَه، وقَرأ حَدِيثَ الرَّسُولِ ﷺ وعَرفَ عِلَلَهُ ورِجَالَهُ وتأْويلَه وفُروعَهُ وأُصُولَهُ، والجَرْحَ والتَّعْديلَ، والعِلْمَ بالخِلَافِ والجَدَل وغيرَ ذلك من العُلُوم" (٤). وهذا الَّذي ذَكَرهُ ابنُ الشَّعَّارِ يَتَبيَّنه القَارئ لكتابهِ هذا منذ الصَّفحاتِ الأُولَى.
عَلَاقتُه بعُلَماء عَصْره:
ويَظْهرُ في تَضاعِيْفِ التَّراجم الَّتي تضمَّنها كتابُ ابنِ العَدِيْم اهْتمامٌ منه في لقاءَ العُلَماءِ والأدَباءِ والمَشايخ، سواءً في حَلَب أو في الحَواضِرِ الَّتي سافرَ إليها، أو بالمُكاتَبَةِ والمُراسَلة، وجَمَعَتْهُ بهؤلاءِ الأعْلَامِ مَجالسُ عِلْمٍ ومُحاضرةٍ ومُحادَثة، وضَّمَن كتابَه تفاصِيْلَ بعض هذه المَجالس.
ونَشَأتْ بينه وبينَ ياقُوت الحَمَويّ صَدَاقةٌ وصُحْبةٌ طَويلةٌ، وأَثنى كُلُّ منهما على الآخرِ في كُتُبهما، وكان ياقُوت قد أقامَ بحَلَب في آخر سِتِّ سَنواتٍ من حَياتِه بعد رَحْلةٍ طَويلةٍ من التَّقَلُّبِ في البِلَاد، فتَوطَّدَتْ بينهما صُحْبةٌ مُمتدَّةٌ، وكان ياقُوت يترَدَدُ إلى مَنْزلِهِ (٥).
_________
(١) المقتطف من أزاهر الطرف ٩٨، ١٩٩، القرشي: الجواهر المُضية ٣: ٦٣٥، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦.
(٢) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٣٣٧ ب.
(٣) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، ابن كثير البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٣٥.
(٤) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
(٥) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٩، ٢٠٩١.
стр. 18
وجَمَعتْهُ كذلك عَلاقةٌ وَطِيدةٌ بالمُبارَكِ بن أحمد المَعْرُوف بابن الشَّعَّار المَوصِليّ (ت ٦٥٤ هـ) - وكان ابنُ الشَّعَّارِ كَثيرَ التَّردُّدِ إلى حَلَب، وتُوفِّيَ بها - وزَارَهُ في مَنْزلِه بحَلَب في ١٨ ربيع الآخر سَنة ٦٣٤ هـ، وسنة ٦٣٥ هـ، وسنة ٦٤٠ هـ (١).
وفي عام ٦٤٣ هـ، وأثْناءَ إقامَةِ ابن العَدِيْم في القَاهِرهِ رَسُولًا من المَلِك النَّاصِر صَلَاح الدِّين يُوسُف صاحِب الشَّام إلى السُّلْطانِ الصَّالحِ نَجْمِ الدِّين أيُّوب، تَعرَّفَ إلى ابن سَعِيد المَغْربيِّ، ونَشَأتْ بينهما الصَّدَاقةُ، وعَرف كُلٌّ منهما فَضْلَ الآخرِ، فعَرَضَ عليه ابن العَدِيْم مُرافَقتَهُ إلى حَلَب، ولقاءَ صاحِبها المَلِك النَّاصِر، فاسْتجابَ لدَعْوتِه (٢)، وأقامَ بحَلَب من سَنة ٦٤٤ هـ حتَّى رَحِيلِه عنها سَنَة ٦٤٧ هـ مُتوجِّهًا إلى دِمَشْق، واسْتَفادَ من خِزَانَةِ كُتُبهِ الغَنِيَّةِ في بَعْضِ ما أَوْردَه في إكْمالِه لكتابِ المُغْرِب، وهو الكتابُ الَّذي تَعاوَرَ على تأْلِيفه في مُدَّةِ ١١٥ سَنة ستَّةُ مُؤلِّفين كان آخرَهُم ابنُ سَعِيْد، وكَتَبَ ابنُ سَعِيد لخِزَانَة الصَّاحِبِ ابن العَدِيْم بين عامي ٦٤٥ - ٦٤٧ هـ نُسْخةً بخَطِّهِ من كتابِ المُغْرِب، وقَيَّدَ على غِلَافِ كُلِّ جُزءٍ من أجْزائِها: "نَسَخَهُ بخَطِّه برَسْم الخِزَانَة الجلَيلَة الصَّاحِبيَّة الكَماليَّة، عَمَّرَها اللهُ بدَوام مَالِكها، سَيِّدِ الأصْحابِ، رَئيس صُدُور الشَّام، عَلَم العُلَمَاء، الصَّاحِبِ الكَبير كَمال الدِّين بن أبي القَاسِم بن أبي جَرادَة
_________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٣: ٢٧، ٤: ٢٣٤، ٢٦٩، ٧: ٢٠٤.
(٢) ابن سعيد: المغرب في كل المغرب ٢: ١٧٢ - ١٧٣، ووصف ابن سعيد في كتابه المقتطف من أزاهر الطرف إقامته بحلب لأول وصوله لها، قال: "ولما وصلت معه - أي ابن العديم - إلي حلب، أنزلنى فى دار ببستان ماء جار. وقال لى: أنت أندلسى، وقد عرفت أن دياركم لا تخلو من هذا، ورتَّب من المشاهدة والطعام الجارى فى كلّ يوم ما يكفي. قال لى: هذا يَكُفُّك عن أن تَشْرَه مع خدمة السلطان إلى طلب شئ حتى يكون هو المبتدئ، فصَدِّقْ ارْتِهاني فيك، فإنّي وصفتك له بالحسب والنزاهة. فلزمت ذلك. فكان فيه فوق ما أمّلته ولم يلزمني إلا الصبر". ابن سعيد: المقتطف ١٩٩ - ٢٠٠، وانظر لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة ٤: ١٥٥ - ١٥٦.
стр. 19
العُقَيِليّ، خلَّدَ اللهُ إحْسانه، وعَطَّرَ شُكْره زَمانه، مُكمل تَصْنيفه عليّ بن مُوسَى بن مُحمَّد بن عَبْد المَلِك بن سَعِيْد" (١).
ويقولُ الإمامُ شَرَفُ الدِّين الدِّمْياطِي: "صَحِبتُه بضْعَةَ عَشرَ عامًا، مَقامًا وحَضَرًا، وانْتِقالًا وسَفَرًا، ورَافقتُه من بغداد إلى دمَشْقَ كَرَّتين، وأخَذْتُ عنه في البلَادِ والمنازِل من حَدِيثِه وعِلْمِه ونَثْرِه ونَظْمِه، وَأخَذَ عنِّي أيضًا بسُرَّ مَن رَأى وغيرها، وأَرْدَفني على بَغْلتِه … وكان بارًّا بي، مُحْسنًا، يُؤثُرني على أقْرَاني، ويُقدِّمني على أبناءِ [ … ]، وعَدَّلني تَعْديلًا ما عُدِّله أحدٌ من أمْثالي؛ ذلك أنَّ قاضيَ القُضَاةِ بدمَشْق الْتَمَسَني منه، فامْتَنعَ امْتناعًا شَدِيدًا، لسببٍ جَرَى من القاضي، فطَفَقَ الرَّسُولُ يتَضرَّعُ إليه ويَسْألُه حتَّى أَذِنَ" (٢).
وكانت له صِلَةٌ بالمُلُوك والأُمَراءِ ببلَادِ الشَّام والدِّيَارِ المِصْريَّة، وكان يَغْشَى مَجالسَهم في سِنٍّ مُبَكِّرةٍ، يَذكُرُ وهو يُتَرْجِم لنَفْسِه عن سِنيّ العِشْرينيَّات من عُمرِه: "وكان المَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بن صَلَاح الدِّين صَاحِبُ حَلَب كثيرَ الإكرام لي، وما حَضَرتُ مَجْلسَهُ قطّ فما أقْبَلَ على أحَد إقْبَالَهُ عليَّ مع صِغَرِ السِّنِّ" (٣)، ورَوَى عن المَلِكِ الظَّاهِر غازي بن يُوسُف بن أَيُّوب (ت ٦١٣ هـ) بقراءتِه عليه بقَلْعةِ حَلَب، حَدِيثًا مُسْندًا، أَوْردَهُ في الجُزءِ الأوَّلِ من كتابِهِ عندَ الكَلامِ على فَضائلِ الشَّامِ وحَلَب، وعَاصَرَ ثلاثةَ مُلُوكٍ من بني أيُّوبَ ممَّن مَلَكُوا حَلَب: المَلِكَ الظَّاهِر غازي (ت ٦١٣ هـ)، ثُمَّ ابنهُ المَلك العَزِيز غِيَاث الدِّين مُحمَّد (ت ٦٣٤ هـ)، وآخرَ مُلُوكِهم المَلِك النَّاصِر صَلَاح الدِّيَن يُوسُف (ت ٦٥٨ هـ)، وكان له اتِّصالٌ أيضًا
_________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٨، ١٤٧. وكان الشاعر يحيى بن عبد العظيم الجزار يلازمه إذا قدم إلى مصر. ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٤، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٣٣٨ أ، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٣٦.
(٢) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ ب - ١١٨ أ، وأثبته الذهبي في تاريخه ١٤: ٩٣٨.
(٣) ياقوت: مجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥.
стр. 20
بمُلُوكِ دِمَشْقَ وحِمْصَ وحَمَاة وغيرِهم منِ مُلُوكِ الأطرافِ والنَّواحِي، وتَرَسَّلَ فيما بينهم، وعندما تولَّى المَلِكُ النَّاصِرُ المُلْكَ سَنَةَ ٦٤٣ هـ أرْسَلهُ إلى أخيهِ المَلِكِ الصَّالح أحمد ابن المَلِك الظَّاهِر صاحِب عَيْنَتاب يَسْتَحلفُهُ لابْنه بعدَ نفسه (١). وأشارَ ابنُ العَدِيْم لهذه الزِّيارةِ في كَلامهِ على ما وَرَدَ من الكتابةِ القَديْمةِ على الأحْجَارِ بحَلَب (الجزء الأوَّل):
"وحَضَرْتُ بقَلْعَة الرَّاوَنْدَان عندَ المَلِكِ الصَّالح أحمد ابن المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، فحَكَى أنَّ عندَه ببلد الرَّاوَنْدَان قَرْيَة، وأشارَ سيدِه نحو الغَرْب … ".
ومَدَحَهُ الكثيرُ من الشُّعَراءِ والأُدَباءِ، وقِيْلَتْ فيه قَصائدُ مُفْردةٌ، فمَّن مَدحَهُ: أمينُ الدِّينِ ياقُوتُ العالِم (٢)، وياقُوتُ بن عَبْد الله الحَمَويّ (٣)، وعليُّ بن عُثمان الإرْبليّ (٤)، وعَبْدُ الرَّحمن بن أحمد بن القَصْريّ (٥)، وعليُّ بن مَحْمُود بن أبي الشُّكْر البَغْداديّ السَّرْخسِيّ (٦)، والقَاسِمُ بن القَاسِمِ بن عُمَر الوَاسِطيّ (٧)، ويَحْيَى بن خالِد بن مُحمَّد القَيْسَرانيّ (٨)، وأبو زَكَريَّاء يَحْيَى بن غَانِم الخَزْرجيّ (٩)، وإسْحاق بن عليّ الكاتِب الحَمَويّ (١٠)، وأبو الوَليد مُحمَّد بن سَعِيد بن مُحمَّد بن الجَنَّان الشَّاطِبيّ (١١)، وعَلَمُ الدِّين يُوسُف بن عَبْد العَزِيز بن المُرَصِّص في قَصائدَ عَدِيدةٍ
_________
(١) ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ١١٦، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٣٥.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٧ - ٢٠٨٨.
(٣) معجم الأدباء ٥: ٣٠٩١.
(٤) ابن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأزاك (آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب.
(٥) ابن الشعار: قلائد الجمان ٣: ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٦) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٤١.
(٧) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٥٦.
(٨) ابن الشعار قلائد الجمان ٧: ٢٣٣ - ٢٣٤، ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٩) ابن الشعار: قلائد الجمان ٨: ٣٤.
(١٠) ابن حبيب: درة الأسلاك (آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب.
(١١) ابن سعيد الغربي: المغرب في حلي المغرب ٢: ٣٨٣.
стр. 21
وطَويلَةٍ (١)، ويَحْيَى بن عَبْد العَظِيم الجَزَّار الَّذي مَدَحَهُ بَرائيَّة طَويلة، وانْتَخَبَ لهُ ومن مُخْتارِ شِعْرِه ممَّا انْتَقاهُ من ديوانِه وسَمَّاهُ تَقْطِيف الجَزَّار، وأهْدَاهُ لخِزانة كَمال الدِّين بن العَدِيْم (٢)، والبَهاء زُهَيْر (٣)، وابن سَعِيد المَغْربيّ في عدَّة قَصائد (٤).
رَحَلاتُهُ وأسْفارُهُ:
خُصَّ ابنُ العَدِيْم بمَزِيدِ التَّكْرمَةِ والحُظْوةِ من لَدُنِ الأُمَراءَ والمُلُوك في نَواحي الشَّام، وخَلَطُوه بمَجَالسِهم، وسَفَرَ فيما بينهم، "وصارَتْ له مَنْزلةٌ رَفِيعةٌ من الدَّوْلَةِ النَّاصِريَّةِ الصّلاحيَّة" (٥). ووجَدَ فيه صاحِبُ حَلَب وصَاحِبُ الشَّام المُؤهِّلات الكافيَة للسّفَارةِ عنهما متى اقْتَضَتِ الحاجةُ إلى ذلك، فتَرسَّل إلى الخلفاءِ والمُلُوكِ مرارًا عَديدة (٦)، "اعْتمادًا على وُفُورِ عَقْلِه ورَزانَتِه" (٧)؛ وكانتْ أُوْلَى سفاراتِه إلى سِنْجار في سَنَة ٦٢٤ هـ عن المَلِكِ النَّاصِرِ دَاود بن عِيْسَى، حَسْبما ذَكَرَ ذلك في تَرْجَمتِه (الجزء السَّابِع)، أرْسَلَهُ إلى المَلك الأشرَفِ، ليَعْتَضدَ به على عَمِّه المَلِك الكَامِل مُحمَّد بن أبي بَكْر بن أَيُّوب. ثُمَّ أُنفِذَ بعدَ ذلك رَسُولًا إلى عاصمةِ الخِلافَة بَغْداد، والدِّيَار المِصْريَّة، وبلادِ الرُّوم، إضافةً إلى العَديدِ من السِّفَارات الدّاخليّةِ في بلادِ الشَّام والجَزيرة (٨).
_________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) ١: ٢٨٢ - ٢٩١.
(٢) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) ١: ٢٩٧، ٣٤٦ - ٣٤٧، فوات الرفيات ٣: ١٢٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٤.
(٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ١٩٦.
(٤) بشار عواد: العثور على أثر جديد لابن سعيد (ضمن كتاب بحوث ودراسات مهداة إلى إبراهيم شبوح؛ قيد الطبع).
(٥) ابن الشعار قلائد الجمان ٤: ٢٣٥.
(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦.
(٧) ابن الشعار قلائد الجمان ٤: ٢٣٤.
(٨) ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ١٤٨، ٢٨٨، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٢٧٩.
стр. 22
بَغْداد:
يَذكُر الزَّرْكَشِيُّ أنَّ المَلِكَ النَّاصِرَ يُوسُفَ بن مُحمَّد بن غَازِي، صاحِبَ حَلَب، أرْسَلَ ابنِ العَدِيْم إلى الخَلِيفة ببَغْدادَ مِرارًا (١)، ولَم يُفصِّلْ في مَضامين سِفاراتِه هذه ولا متى وَقَعت.
وأقْدَمُ ما يَردُ عن رَحَلاتِه إلى بَغْدَادَ، هي تلك الرِّحْلةُ الَّتي تَرَافَقَ فيها ابنُ العَدِيْم وابنُ سَعِيدٍ الأنْدَلسُيّ (٢)، وكان وصُولُهم إلى بَغدادَ في شَهْر شَعْبان سَنَة ٦٤٨ هـ (٣)، ونَجِدُ أوْفَى التَّفاصِيل عن هذه السِّفارةِ في كتابِ النُّوَيْريّ، نَقَلهُ من تاريخ عليّ بن أنْجَبَ ابن السَّاعِيّ الَّذي كان حاضِرًا في حَفْل تَسْليم الرِّسَالة.
جاءَتْ هذه السِّفارةُ في أعْقابِ اسْتيلاءِ المَلِكِ النَّاصِر يوسُف ابن المَلِك العَزِيز مُحمَّد بنِ غازي على دِمَشْق سَنة ٦٤٨ هـ، بعد مَقْتل اللَكِ تُورَانشاه، وكان الهَدَفُ من ورءِها تقديمَ وَاجِبِ الوَلاء والطَّاعة للخَلِيفةِ المُسْتَعصِم بالله، والْتِماسَ رِضَاه ومُبارَكتَهُ لصَاحِبِ دِمَشْق الجديد.
كان وصُولُ ابن العَدِيْم إلى بَغْدادَ في شَهْرِ شَعْبانَ من السَّنَةِ المَذْكُورةِ، وخرَجَ إلى لقائِهِ مَوْكبُ الدِّيوانِ العَزِيزيّ على جاري العادة، يتقدَّمُهم عَارضُ الجَيْش، وإلى جانِبَيه خادِمَانِ من خَدَمِ دِيوانِ الخلَافة، وحَضَرَ إلى بابِ النُّوبيّ لتَقْبيلِ العَتَبَة (٤)، وأُخْرجَتْ له سَجَّادةٌ وبُسِطَت وأمَرُوه أنْ يُصَلِّي رَكْعتَيْن زيادةً قي إكْرامِه، وعُلوًّا لقَدْره وفَضِيلَته، ثُمَّ قيلَ له: "نحنُ نُعظِّم الرُّسُل لأجْلِ مُرْسِليها، ونحقُ نُعَظِّم مُرْسلك لأجْلك، فاحْتُرِم غاية الاحْتِرام" (٥).
_________
(١) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
(٢) بشار عواد: العثور على أثر جديد لابن سعيد (ضمن كتاب بحوث ودراسات مهداة إلى إبراهيم شبوح؛ قيد الطبع).
(٣) كان ابن سعيد الأندلسي قد أقام في حلب من سنة ٦٤٤ - ٦٤٧ هـ ثم توجه منها إلي دمشق، وارتحل منها إلى بغداد.
(٤) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، النويري: نهاية الأرب ٢٩: ٣٧٠.
(٥) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠.
стр. 23
وفي اليَوْم الثَّالث من وصُولِه، حَضَرَ إلى دارِ الوَزير مُؤيَّد الدِّين بن العَلْقميّ، وقَرأ القُرَّاءُ، ثُمّ نَهَضَ ابنُ العَدِيْم وأدَّى الرَّسالةَ، وألْقَى في الدِّيِوانِ خُطْبةً بَليغَةً من إِنْشَائِه (١)، وكان معه من جُمْلَةِ الهَدايا مُصْحَفٌ كَريم بخَطِّ ابن الخاَزِن (٢)، فلمَّا عرَضَهُ، كَتَبَ معه رُقْعَة فيها: [من الكامل]
وعليكُمُ نَزَلَ الكِتابُ وفيكُم … وإلى رُبُوعِكُمُ يَحنّ ويَرْجعُ" (٣)
وبعد أنْ أنْهَى ابنُ العَدِيْم إلْقاءَ خُطْبَتِه (الرِّسالة)، أذِنَ الوَزيُر ابن العَلْقَميّ بإدْخالِ الهَدَايا، تَعْبيرًا عن القَبُول والرِّضا، وعادَ ابنُ العَدِيْم إلى حيثُ يُقِيم ببَغْدادَ بعد أنْ زيْدَ في احْتِرامِه، وبُولغَ في إكْرامه (٤).
وذكَرَ ابنُ العَدِيْم في ثنايا بعضِ التَّراجم تَوَجُّهَهُ رَسُولًا عن الملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحمَّد إلى الخلَيفةِ المُسْتَعْصِمِ بالله، وأنَّه كانَ في شَوَّال وذي الحِجَّة من سَنَة ٦٥٠ هـ مُقيمًا ببَغْدادَ، ولَم يُبَيِّن الهَدَف من هذه السِّفارةِ، ففي تَرْجَمَة أحْمد بن أبي الكَرَم بن هِبَة الله الفَقِيه الحَنَفيّ، يقولُ (الجزء الثَّالث):
"وتُوفِّيَ بالمَوْصِل في شَوَّال سَنَة خَمسين وسِتِّمائة، وبَلَغتني وَفاتُه وأنا ببَغْدَادَ في هذا التَّاريخ".
وفي تَرْجَمَة أَسْعَد بن إبْراهيم بن النُشَّابِيّ الإرْبليّ (الجزء الرَّابع):
_________
(١) أورد النويري في كتابه نهاية الأرب ٢٩: ٣٧٢ - ٣٧٦ نصّ الخطبة التي نقلها ابن أنجب الساعي من خط ابن العديم.
(٢) عد ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١: بخطّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. وابن الخازن المذكور هو: أبو الفوارس الحسين بن علي بن الخازن (ت ٥٠٢ هـ)، صاحب الخط المشهور. وانظر تعداد الهدايا التي استصحبها الملك الناصر مع ابن العديم، وبضمنها ثلاثمائة مجلد بخطوط منسوبة، عند النويري: نهاية الأرب ٢٩: ٣٧١.
(٣) ابن الفرطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١، والنويري: نهاية الأرب ٢٩: ٣٧١.
(٤) النويري: نهاية الأرب ٢٩: ٣٧٦.
стр. 24
"وحَضَرتُ دارَ الوَزِير أبي طَالِب بن العَلقَميِّ في سَنَة خَمْسِين وسِتمائة، وكُنْتُ قد توجَّهتُ رَسُولًا عن المَلِكِ النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن مُحَمَّد، في أيَّامِ المُسْتَعْصِم بالله، إلى دارِ الخِلَافَةِ، فسَمِعتُه يُنْشدُ بين يَدي الوَزِير قَصِيدَةً في مَدْح المُسْتَعْصِم في الحادي عَشر من ذِي الِحجَّة … ".
وفي تَرْجَمَة إسْمَاعِيْلَ بن حَامِد بن عبدِ الرَّحْمن القُوصِيّ، وفيها ما قد يُفْهِمُ أنَّ القاضي نَجْم الدِّين عَبْد الله بن مُحمَّد البَادرائيّ (ت ٦٥٥ هـ)، هو مَن حَمَل جَواب الرِّسالةِ (الجزء الرَّابع):
"أنْشَدَنا أبو المَحَامِد القُوصِيّ بدِمَشْق، وهو أوَّلُ اجْتِمَاعي به، بحَضْرَة نَجْم الدِّين البَادَرَائِيّ رسُولِ بَغْدَاد، وكُنْتُ قَدِمتُها رَسُولًا، قال: أنْشدَنا أبو جَعْفَر بن حَوَاري المَعَرِّيّ … ".
ونُقَدِّرُ أنَّ ابنَ العَدِيْم أمْضَى في سِفَارتِه هذه نحو أرْبَعة أشْهُرٍ، إذا كان ببَغْدادَ في شَوَّال من عام ٦٥٠ هـ، ثُمَّ مرَّ بالمَوْصِلِ في مُحَرَّم سَنَة ٦٥١ هـ، حَسْبما ذَكَرَ في ترجَمَة أحمدَ بن مُحَمَّد بن أبي الوَفَاء الرَّبَعِيِّ، أبي الطَّيِّب المَعْرُوف بابنِ الحَلَاوِيّ المَوصِليّ (الجزء الثَّالث):
"ثمّ عادَ - أي ابن الحَلَاويّ - إلى المَوْصِل وأقامَ بها … واجْتَمَعْتُ به فيها، وأنْشدَني مَقَاطِيعَ من شِعْرِه، وكانَ حينئذٍ قد غَيَّر مَلْبُوسَهُ وتَزَيَّا بزيّ الأجْنَاد، وكان اجْتِمَاعي بهِ بالموصل بمَشْهَدِ البَرَمَةِ يَوْمَ التَّاسِعِ من مُحَرَّم سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وستِّمائة".
وكانتْ سِفَارتُه الثَّالثةُ إلى بَغْدَادَ في سَنَةِ ٦٥٤ هـ؛ أرْسَلهُ السُّلْطانُ المَلِكُ النَّاصِرُ يُوسُف صاحِبُ حَلَبَ ودِمَشْقَ (الدِّيَار الشَّاميَّة)، رَسُولًا إلي الخليفةِ المُسْتَعصِم بالله، وصُحْبَتهُ تقدمة جَليلة، وطَلَبَ ابنُ العَدِيْم خِلْعَةً من الخليفة للمَلِك
стр. 25
النَّاصِر، "فأعْطاهُ سِكِّينًا كَبيرة من اليَشَم، علامةً منه في أنَّ له خِلْعة في وَقْتٍ آخرَ، فأخَذَها كَمالُ الدِّين وعادَ إلى النَّاصِرِ بغير خِلْعة" (١).
وكان بصُحْبةِ ابنِ العَدِيْم في سِفارتين من رَحَلاتِه إلى العِرَاقِ الشَّيخُ شَرَفُ الدِّين الدِّمْياطِيُّ (ت ٧٠٥ هـ)، وقرأ عليه ببَغْداد وفي سامَّراءَ وهم قافِلُونَ من بَغْداد (٢).
وإضافةً إلى ما تقَدَّم، فقد أشارَ ابنُ العَدِيْم في الجزء الأوَّل من كتابِه (المُقَدِّمة) إلى بعضِ المَصادرِ الَّتي اعْتَمدَ عليها، ونَقَلَ عنها، ممَّا طالَعَهُ ببَغْدادَ في بعض هذه الأسْفار؛ مثاله قوله:
"وقَعَ إليَّ بَغْدَادَ كتابٌ من تأليفِ أحْمَد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الزَّيَّات الهَمَذَانِيّ الفَقِيه، فنَقَلْتُ منه … ".
"وقَعَ إليَّ بَغْدَاد من تَصْنيف أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الزَّيَّات، مُؤلِّف كِتاب البُدْان، قال فيه: … ".
"ولوَلدِه - أي عُبيد الرأيِ - نَصْر المذكُور أبياتٌ يَرْثي والدَهُ، ويَذكرُ ما جَرَى من اخْتلافِ عَشِيْرته، أنْشَدَناها ببَغْدَادَ أبو الحَسَن المُبارَكُ بن أبي بَكْر مُحمَّد بن مَزْيَد الخَوَّاص عنهُ … ".
مِصر:
سافرَ ابنُ العَدِيْم إلى مِصْرَ عدَّةَ مرَّاتٍ في مهمَّاتٍ ورَسائلَ سُلْطانيَّة، فقد توجَّه إليها في سَنةِ ٦٣٧ هـ رَسُولًا من قِبَل والدةِ المَلِك العَزِيز والسُّلْطان المَلِك
_________
(١) بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ١١٧، أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ١٩١، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٧٩.
(٢) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٦ ب، وانظر المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٢٩٨.
стр. 26
النَّاصِر صَلَاِح الدِّين يُوسُف بن مُحمَّد بن غازي، وأقامَ فيها نحو ستّةَ أشهُرٍ (١)، وعادَ في أوَائِل سَنة ٦٣٨ هـ. وهو يَذكُرُ (الجزء الثاني) أنَّه كان في سَنَة ٦٣٧ هـ رَسُولًا بمِصْر، فمرَّ في طَرِيقِه على بَيْتِ المقدِس، وزارَ مِحْرابَ دَاوُد، ووَصفهُ (الجزء السَّابِع):
"زُرْتُ بُرْجَ المِحْرَابِ الّذي من بناء دَاوُد، وكان بُرْجًا عَظيْمًا بحِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ هَائِلَةٍ، وكان ثلاثَ طَبَقَاتٍ، والمحرَابُ في الطَّبَقَةِ الوُسْطَى، وكان شَاهِقًا، وكان عَاليًا على المَسْجِدِ وعلى جميع أبْنيةِ البيتِ المُقَدَّس، وهَدَمَهُ المَلِكُ النَّاصِر دَاوُد ابن المَلِك المُعَظَّم في سَنَةِ سَبْعٍ وثَلاثين وسِتِّمائة، وحَفَرْتُ في البيت المُقَدَّس وَقْتَ هَدْمِه، وكُنْتُ مُتَوَجِّهًا إلى الدِّيَارِ المِصْريَّة في رِسَالَةٍ".
وزارَ ببَيْتِ المَقْدِسِ أيضًا قبَرَ شَيخِه أبي عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ الصُّوْفيّ، قال (الجزء الخامس):
"وزرْتُ قَبْرَهُ بمقبَرَةٍ دُفِنَ فيها الشَّيْخُ رَبيعُ بن مَحْمُود المَارِدِيْنِيّ وغيرُه من الصَّالِحين حين تَوَجَّهْتُ إلى الدِّيَارِ المِصْرِيَّة رَسُولًا في سَنَة سَبع وثَلاثين وستِّمائة".
وقال في تَرْجَمَةِ القاضي أحمد بن الخلِيل بن سَعادَة بن جَعْفَر بن عِيسَى الشَّافِعيّ، أبي العبَّاس الخُوَيّيّ (الجزء الثاني):
"ومَرضَ مَرْضةً بُحمَّى السِّلّ، وتُوفِّي بدِمَشق في سَنَةِ سَبْعٍ وثَلاثين وستِّمائة، وكنتُ إذ ذاك رَسُولًا بمِصْر، فبلَغَتني وفاتُه وأنا بها".
وقال في تَرْجَمَةِ المَلِكِ الصَّالح إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن شَاذِي، أبي الفِدَاءِ عِمَاد الدِّين ابن المَلِك العادِل (الجزء الرَّابع):
_________
(١) ذكر ابن العديم في تذكرته ٣٦١ إقامته بالقاهرة في شعبان سنة ٦٣٧ هـ، وانظر: ابن الشعار: قلائد الجمان ٧: ٢٦٧، وابن واصل: مفرج الكروب ٥: ٢٥٣.
стр. 27
"وخَرَجَ العَادِلُ إلى بُلْبَيْسَ في عَسْكَرٍ كثيرٍ، وكُنْتُ إذ ذاك عندَهُ رَسُولًا بالقَاهِرَة، فقَبَضَ العَسْكَرُ على العادِلِ (١)، وتَسَلَّمَ الصَّالِحُ أيُّوب الدِّيَار المِصْرِيَّة".
وبَيَّنَ فِي كتابِه زُبْدَة الحَلْب بعضَ تَفاصِيلِ رِحْلتِه ومَضْمُونَ الرِّسالةِ الَّتي حَمَلَها إلى المَلِك العادِل سنة ٦٣٧ هـ، يقول (٢):
"وكُنتُ إذ ذاكَ بالقَاهِرةِ، رَسُولًا إلى المَلِكِ العادِل، أُهَنئُه بكَسْرِ عَسْكره الإفْرنجَ على غرَّة، وأَطْلبُ أنْ يُسَيِّر عمَّاتِه بناتِ المَلِكِ العادِل، معي إلى أُختِهنَّ المَلِكه إلى حَلَب، فاسْتَحْضرَني المَلِكُ الصَّالِحُ أيُّوب، يومَ الثُّلاثاءِ حادي عَشر ذي الحِجَّة، وقال لي: تُقَبِّلُ الأرْضَ بين يَدي السّترِ العالي، وتُعرفُها أنَّني مَمْلُوكها، وإنَّها عندي في مَحَلِّ المَلِكِ الكَامِل، وأنا أعْرِضُ نَفْسي لخِدْمتها، وامْتِثالِ أمْرِها فيما تأمُر به، وحَمَّلَني مثلَ هذا القَولِ إلى السُّلْطانِ المَلِك النَّاصِر.
ونَزَلْتُ من مِصْر، فاجْتَمعتُ بالمَلِك الصَّالِح إسْماعِيْل ابن المَلِك العادِل، في رابع مُحَرَّم سَنَة ثَمان وثلاثين، وحَمَّلني رسالةً إلى المَلِكةِ الخاتُون، يَطْلبُ منها مُعاضَدَته، ومُساعَدتَهُ على المَلِكِ الصَّالِح صاحبِ مِصْر إنْ قَصَدَهُ، فلم تُجِبْهُ إلى ذلك في ذلك الوَقْت".
وسافرَ إلى مِصْر في سَنة ٦٤٠ هـ حسْبَما ذكَرَ ذلك عَرَضًا في تَرْجَمَةِ الشَّيخ أحمد بن يُوسُف بن عليّ، أبي العبَّاس الشَّريف العَلَويّ الحَسَنيّ المُلَقَّب عِمَاد الدِّين المَوْصِلِيّ (٦٤٨ هـ)، ولم يُفْصِح عن طَبِيعة الرَّحلة وهَدفها، ولَم يَذْكرْ في كتابِه زُبْدَة الحَلْب خَبَرَ رحْلتِه في أحْداثِ تلكَ السَّنَةِ، غير أنَّ مَنْطقةَ شَمال سُوريا والجَزِيرة كانتْ تُواجهُ زَحْفَ التَّتَارِ في ذلك الوَقْتِ، فلعلّ سِفارتَهُ كانت عن المَلِك النَّاصِر لغاياتٍ تتَّصل بهذا الشَّأن، قال (الجزء الثَّالث):
_________
(١) قُبض على الملك العادل في ليلة الجمعة ٨ ذي القعدة ٦٣٧ هـ. زبدة الحلب ٣: ٦٩٣.
(٢) زبدة الحلب ٣: ٦٩٣، ونقله عنه ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ٣٦٧ - ٣٦٩.
стр. 28
"ثُمَ خَرَجَ - أي عماد الدِّين المَوصِليّ - من حَلَب إلى مِصْر حينَ وصلَ التَّتَارُ إلى بلادِ الرُّوم سَنَة أرْبعين وسِتِّمائة، وكنتُ بمِصْر في هذه السَّنَة، وهو بها، وحَدَّثَ بها عن شَيْخنا أبي هاشِم المَذْكُور، وعُدتُ إلى حَلَب وهو بالدِّيَار المِصْرِيَّة".
وسافرَ إلى مِصْر في السَّنَة الَّتي تَليها، وتَحْديدًا في شهر رَبيع الأوَّل من سَنة ٦٤١ هـ، مرسَلًا في مَهمَّةٍ رَسْميَّةٍ لَم يُفْصِحْ عن ماهيَّتِها، ولعلَّها كسَابقَتها، ذكَرَ ذلك عَرَضًا في ثنايا تَرْجَمتين من كتابِه البُغْيَة، ولم يُشِرْ إلى سَفْرتِه هذه في مُخْتَصره الزُّبْدَة (١)، ففي تَرْجَمَة القَاضِي خَلِيل بن عليّ بن الحُسَين بن علي، أبي عليّ الحَمَويّ الحَنَفيّ، يقول (الجزء السَّابِع):
"تُوفِّي القَاضِي نَجْمُ الدِّين أبو عليّ خِليل قاضي العَسْكَرِ فجأةً يَوْم الثّلاثَاء بعد العَصْرِ سَلْخ صَفَر من سَنَةِ إحْدَى وأرْبَعين وسِتِّمائة، ودُفِنَ ضَحْوَةَ يَوْم الأرْبَعَاء، ووَصَلْتُ إلى عَذْرَاء لَيْلَة السَّبْت الرَّابِع من شَهْر ربيع الأوَّل مُتَوَجِّهًا إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة في رِسَالَةٍ، فَخَرجَ إليَّ من دِمَشْق مَنْ أخْبَرَني بوَفَاتهِ على الوَجْه المَذْكُور".
وفي تَرْجَمَةِ رَاجِح بن أبي بَكْر بن إبْراهيم بن مُحَمَّد، أبي الوَفَاء العَبْدَرِيّ القُرَشِيّ المَيُّورْقِيّ (الجزء الثَّامن):
" … إلى أنْ كَسَرَ التَّتَارُ مَلِكَ الرُّوم غِيَاثَ الدِّين، فخَاف - أي الميُّورْقيّ - من التَّتَارِ، وخَرَجَ من صَلَبَ في سَنَةِ إحْدَى وأرْبَعين وستِّمائة، وتَوَجَّه إلى الدِّيَارِ المِصْرِيَّة، ورَافقتُهُ من دِمَشْق إلى مِصْر، وكُنْتُ إذ ذاكَ قد سُيِّرتُ رَسُولًا إلى مِصْر".
وسَيَّرهُ المَلكُ النَّاصِر إلى مِصْر في عام ٦٤٣ هـ برسالةٍ إلى السُّلْطانِ نَجْمِ الدِّين أيُّوب صاحبِ مِصْر، وعند عَوْدتِه إلي حَلَب، اصْطَحبَ معه ابنَ سَعِيد الأنْدلسُيّ،
_________
(١) يقف كتابه زبدة الحلب عند أحداث سنة ٦٤١ هـ ولم يذكر من أحداث هذه السنة إلا اليسير.
стр. 29
وكان قد الْتَقاهُ في القَاهِرة في شَهْر ربيع الأوَّل سَنة ٦٤٣ هـ (١)، وارْتَحلَ عن مِصْر قافلًا إلى الشَّام في سَنَة ٦٤٤ هـ (٢).
وذكَرَ ابنُ العَدِيْم جانبًا من غَرَضِ سِفارتِه هذه، وذلك في ثنايا تَرْجَمَةِ المَلِك الصَّالِح إسْماعِيْل بن مُحمَّد بن أيُّوب، عند ذِكْر خَبَرِ اسْتيلاءِ ابنِ أخيه المَلِك نَجْم الدِّين أيُّوب على دِمَشْق، وأخْذِها من يَده، قال بعد ذِكْرِ أحْداثٍ وَقَعَتْ للمَلِكِ الصَّالِح إسْماعِيْل (الجزء الرَّابع):
"وخافَ إسْمَاعِيْلُ فاتَّفَقَ مع الفِرنْج. وسيَّرَ المَلِك المَنْصُور إبْراهيم بن شِيرْكُوه صاحب حِمْص مُقدَّمًا على عَسْكَره إلى غَرَّة ومعه الفِرِنْجُ، وبها عَسْكَرُ مِصْرَ، فالْتَقَى الجَيْشانِ، فانْهَزَمَ المَلِكُ المَنْصُورُ والفِرنْجُ، وتقدَّمَ العَسْكَرُ المِصْرِيُّ بعد ذلك إلى بَيْسَان، وتحالَفَ المَلِكُ الصَّالِحُ أيُّوب، والسُّلْطانُ المَلِكُ النَّاصِر يُوسُفُ ابن المَلِك العَزِيز صاحبُ حَلَب، ونَزَلَ العَسْكَرُ المِصْرِيُّ ومُقَدَّمُه الوَزِيرُ مُعِيْنُ الدِّين ابن الشَّيْخ ابن حَمُّوْيَه مُحَاصِرًا دِمَشْق، ووصَلَتْ إليه نَجْدَةُ حَلَب، وكنتُ أنا الرَّسُولَ إلى مِصْر في المُحَالَفة، ففَتَحَ العَسْكَرُ المِصْرِيُّ دِمَشْقَ، وسلَّمَها الصَالِحُ إسْمَاعِيْل إلى ابنِ الشَّيْخ ومَضَى إلى بعلَبَك … ".
وسافرَ ابن العَديم إلى مِصْر في سَنَة ٦٤٤ هـ، ولَم تكنْ سِفارتُه في هذه المرَّةِ بغَرضِ التَّحالُفِ ضَدَّ المَلِكِ الصَّالِح إسْماعِيْل، بل ليَشْفَعَ في إسْماعِيْلَ عندَ صاحبِ مِصْر، بعد أنْ طَرَحَ نفْسَهُ على المَلِكِ النَّاصِر يُوسُف، وإسْماعِيْلُ هو خالُ أبيه المَلِكِ العَزِيز، قال ابنُ العَدِيْم في تَرْجَمَة إسْماعِيْلَ أيضًا (الجزء الرَّابع):
"وهَرَبَ المَلِكُ الصَّالِحُ إسْمَاعِيْلُ، وقَدِمَ إلى حَلَبَ مُسْتَجيْرًا بالسُّلْطانِ المَلِكِ النَّاصِر ابن المَلِك العَزِيز، ومُلْقيًا نَفسهِ إليه فأنْزَله بدَارِ جَمَالِ الدَّوْلَةِ، وجَعَلَ عليه تَوكْيلًا طَلبًا
_________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٧: ٣٧٣.
(٢) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) ١: ٣٤٧.
стр. 30
لرضا المَلِكِ الصَّالِح أَيُّوب، وسَيَّرَني رَسُولًا إلى مِصْر أشْفَعُ إلى أَيُّوبَ بن إسْمَاعِيْلَ، فلم يُجبْ إلى ذلك، وفَسَدَ ما بين السُّلْطانِ المَلِك النَّاصِر وبينه بسَبَبِ ذلك. وماتَ المَلِكُ المَنْصُور إبْراهيمُ صَاحِبُ حِمْص بدِمَشْق، وتسلَّمَ نُوَّابُ أيُّوبَ بُصْرَى، وعَزَمَ أَيُّوب على تَجْهيز عَسْكَرٍ إلى الشَّرْقِ، فَمَنَعَهُ المَلِكُ النَّاصِرُ، وأزَالَ التَّوكيْلَ عن الصَّالح إسْماعِيْل، وسيَّرني إليه، واسْتَحْلفتُهُ يَوْمَ الاثْنَين ثامنَ عَشر ذي القَعْدَة، وخَلَعَ عليهِ، وأقْطَعَهُ إقْطاعًا حَسَنًا، وقدَّمَهُ على عَسْكَره".
ولعلَّ آخرَ سِفارة رَسْميَّة أدَّاها ابنُ العَدِيْم في حياته كانتْ سَنة ٦٥٧ هـ، قبلَ وصُولِ طَلائِع المَغُولِ إلى الشَّام، إذ أرْسَلهُ المَلِكُ النَّاصرُ يُوسُف ابن المَلِك العَزَيز صاحب دِمشْق إلى الدِّيَار المِصْريَّةِ رَسُولًا يَسْتَنجدُ المِصْريِّين لقِتالِ التَّتَار، فإنَّهم قد اقْتَربَ قُدُومُهم إلى الشَّام، وأنَّهم قد اسْتَولوا على حَرَّان وبلَادِ الجَزيرة وغيرها … وكان قد وقَعَ اتِّفاقُ الأُمَراءِ الكِبَارِ وأعْيانِ العَساكِر في مِصْر على تَنْصِيب سَيْفِ الدِّين قُطز سُلطانًا ولَقَّبُوه بالمَلِك المُظَفَّر، وشَهِدَ ابنُ العَدِيْم مَجْلسَ سَلْطَنته، "فأعادَ قُطز الجَوابَ إلى الملَكِ النَّاصِر يُوسُف بأنَّهُ سيُنْجِدُه ولا يقعدُ عن نُصْرتِه، ورَجعَ ابنُ العَدِيْم إلى دِمَشْق بذلك" (١).
وبعد أنْ اسْتَولَى التَّتَارُ على بلادِ الشَّام سَنَة ٦٥٨ هـ، ارْتَحلَ ابنُ العَدِيْم إلى مِصْر (٢)، حَسْبما يفهم من تَرْجَمتِه لأحمدَ بن عَبْد الوَاحِد بن مِرى، أبي العبَّاسِ الحَوْرَانيّ القَاضِي، المُلَقَّبُ بالتَّقيّ الشَّافِعيّ، وهي رِحْلةٌ يبدو أنَّها كانت فِرارًا من التَّتَار، مثلما فَرَّ صاحبُ الشَّام وصاحبُ حَمَاة وغيرهما، والتَّاريخُ الَّذي ذَكَرهُ يَقَعُ بعد مَعْركةِ عَيْن جالُوت (٢٥ رَمَضَان من تلك السَّنَة)، وبعدَ مَقْتلِ السُّلْطانِ مُظَفَّر
_________
(١) بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢١٨ - ٢٢١، أبر الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ١٩٩، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٠، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤١٦ - ٤١٧.
(٢) ابن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأتراك (آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب، وتاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨.
стр. 31
الدِّين قُطز وولايةِ بِيْبَرس البُنْدقدَاريّ بأُسْبوعٍ، يقُولُ ابنُ العَدِيْم في تَرْجَمَة التَّقي الشَّافِعيّ ولقائه ببِيْبَرس البُنْدقداريّ (الجزء الثّاني):
"وكنتُ إذ ذاكَ بمِصْر، فحَضَرَ - أي التَّقي الشَّافعيّ - إليَّ، وعَلَّقتُ عنه فَوَائِدَ وشَيئًا من شِعْرِه، وسَألتُه عن مَوْلدِه، فقال: عُمري الآن سَبْعة وسَبْعُون سَنةً، وكان سُؤالي إيَّاه في رَابع وعشرين من ذي القَعْدَة من سَنَة ثمانٍ وخَمْسِين وستِّمائة".
رِحْلتُه إلى الحَجِّ:
أدَّى ابنُ العَدِيْم فَريضَةَ الحجِّ مرَّةً واحدةً، حَسْبما كَرَّرَ ذِكْر ذلك عَرَضًا في ثَنايا كتابِه، وهي رِحْلته الرَّابعةُ خَارج حَلَب، أدَّاها سَنة ٦٢٣ هـ، وزارَ المَدينةَ المُنوَّرة، وسَمِعَ بها من جَمال الدِّين الوَاسِطيّ، ولم يَردْ ذِكْرٌ لسَفْرتِه هذه عندَ أَحدٍ سوى ما ذكَره هو في كتاب البُغْيَة، ومرَّةً واحدة في كتابَيْهِ: التَّذْكرة (١) والزُّبْدَة (٢).
ففي تَرْجَمَةِ إسْمَاعِيْلَ بن مُحَمَّد بن يُوسُف المَغْرِبيّ، المَعْرُوف بالبرهَان (الجزء الرَّابع)، يقول ابن العَدِيْم:
"سَمعَ شَيْخنا عُمَر بن طَبَرْزَد وحَدَّثَ عنهُ، وسَمِعَ معنا بالبَيْتِ المُقَدَّس على شَيْخنا حَسَن بن أحْمَد الأوَقيّ، وبالمَدِينَةِ، على سَاكِنها السَّلامُ، على الجَمَالِ عَبْد المُنْعِم الوَاسِطِيّ، وحَجَّ معنا في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وستِّمائة".
وأيضًا في تَرْجَمَةِ إسْماعِيْلَ بن أبي البركاتِ الرَّبعيّ (الجزء الرَّابع):
"ثُمَّ اجْتَمَعْتُ به في الرِّحْلَةِ الرَّابِعةِ حين مَرَرتُ بدِمَشْقَ مُجْتَازًا إلى الحَجِّ في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرين وستمائة".
_________
(١) تذكرة ابن العديم ٣٠٩.
(٢) زبدة الحلب ٢: ٦٦١.
стр. 32
وتَرْجَمَة إسْمَاعِيْل بن سُلَمان بن أَيْدَاش بن عَبْد الجَبَّار الحَنَفِيّ، المَعْرُوفِ بابن السَّلَّار (الجزء الرَّابع):
"اجْتَمَعْتُ بهِ بدِمَشْقَ في دارِه، في وِلِيْمَةٍ دَعَاني إليها أخُوه أميرُ الحَاجِّ عليّ بن سُلَيمان بعد عَوْدي من الحَجِّ في سَنَةِ أرْبعٍ وعشْرين وسِتِّمائة".
وتَرْجَمَة الحُسَين بن هِبَةِ الله بن مَحْفُوظ، أبي القاسِم بن صَصْرَى الرَّبَعِيِّ التَّغْلِبيّ (الجزء السَّادِس):
"واجْتَمَعْتُ بهِ بدِمَشْقَ في سَنَتي تسْعٍ وسِتِّمائة وأرْبَعَ عَشرةَ وستِّمائة، وعندَ تَوجُّهي إلى الحَجِّ في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرين وسِتِّمائة، وسَمِعْتُ عليه أجْزاء من الحَدِيث".
وتَرْجَمَة القاضي الخَضِر بن عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن الخَضِر، أبي القَاسِم بن أبي المُنَى الحَلَبِيّ (الجزء السَّابع):
"وكُنْتُ اجْتَمَعتُ به بمَكَّةَ في السَّنَةِ الَّتي حَجْجتُ فيها في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرين وسِتِّمائة مِرَارًا".
وتَرْجَمَة رَبيع بن مَحْمُود بن هِبَةِ الله، أبي الفَضْل المَارِدِيْنِيّ (الجزء الثَّامن):
"وكان حَجَّ في السَّنَةِ الّتي حَجَجْتُ فيها على طَريقِ تَبُوك في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرين وسِتِّمائة".
وفي تَرْجَمَةِ أبي حَفْصٍ الشَّافِعيّ الفَقِيه (الجزء العاشر):
"أنْشَدَنا الشَّيْخُ الأَمِينُ أمِيْن الدِّين سَالِم بن الحَسَن بن مَوْهُوب بن صصْرَى الدِّمَشقيّ بالصَّنَمَيْن، ونحنُ مُتَوَجِّهون إلى الحجِّ سَنَةَ ثَلاثٍ وعشرين وستِّمائة".
стр. 33
بلاد الرُّوم:
يَذْكُر الأديبُ والمُؤرِّخُ ابنُ الشَّعَّار أنَّ ابنَ العَدِيْم سافرَ إلى بلادِ الرُّوم عدَّةَ مَّرات (١)، وعندَ ابن وَاصِل أنَّ ابن العَدِيْم كان ضَمْنَ الوَفْدِ المُرْسَلِ في ذي القَعْدَة من عام ٦٣٤ هـ إلى مَلِكِ الرُّوم غِيَاث الدِّين كَيْخُسْرُو بن كَيْقُبَاذ لتَقْريرِ التَّحالُفِ معه ضِدَّ المَلِكِ الكامِلِ صاحبِ الدِّيَار المِصْريَّة، إذ اتَّفقَ المَلِكُ النَّاصِرُ صاحِبُ حَلَب، والمَلِكُ الأشْرفُ صاحبُ دِمَشْقَ، والمَلِكُ أسَد الدِّين شِيْركُوه صاحبُ حِمْص، والمَلِكُ المُظَفَّر صاحبُ حَمَاة، على الحَدِّ من أطْماعِ المَلِكِ الكامِل، وكان ابنُ العَدِيْم هو المُرْسَلُ من طَرفِ المَلِكِ النَّاصِر (٢).
وابنُ العَدِيْم يُشِيرُ إلى سَفْرتِه إلى بلادِ الرُّوم دونَ أنْ يُحدِّدَ تاريخَها أو عَدَدَها، وكان من بينها سَفْرة في أوائل شهر شَوَّال سنة ٦٣٥ هـ، وأقامَ فيها نحو شهرٍ، في مَهمَّةٍ تَكلَّلتْ بالنَّجاحِ، وأشارَ إلى رِحْلتِه - أو رَحَلاتِه - هذه في العديدِ من المَواضع في المُجلَّدِ الأوَّلِ من كتابِه، عندَ ذِكْرِه للمَواضع الَّتي مرَّ بها في طَريقِه إلى بلادِ الرُّوم، يقولُ:
"وبعَرْبَ سُوْس - وقيلَ: إنَّها آخرُ حُدُودِ الشَّام - في جَبَلِ بَانَجْلُوسْ من غَرْبيّ عَرْبَ سُوْس، الكَهْفُ الّذي كان فيهِ أصْحَابُ الكَهْفِ، ولَبثُوا فيه ثلاثمائة سِنينَ، وزُرْتُ المكانَ عند دُخُولي إلى بلادِ الرُّوم، وهو مكانٌ حَسَن كَثِيْرُ الزُّوَّارِ".
وأيضًا:
"وعَرْبَسُوس وهي مَدِينَة دَقْيَانُوس، ودخَلْتُ هذه المَدِينَةَ وقد اجتزتُ إلى زيارةِ أصْحَابِ الكَهْفِ، وهم في جَبَلٍ قَريبٍ منها … وَزُرْتُ هذا الموضِعَ فوَجَدْتُه على
_________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٤.
(٢) ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ١٢٣ - ١٢٤.
стр. 34
الصِّفَةِ الَّتي أخْبَرَ اللهُ تعالَى في كتابهِ الكريم: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، وقد بُنِيَ على المَوْضعِ بناءٌ عَظيمٌ حَسَنٌ واسعٌ لِمَنْ يقصدهُ من الزُّوَّار، ووُقِفَ عليه وَقْفٌ، ورُتِّبَ لهم ضِيَافَةٌ، بناهُ صَاحبُ مَرْعَش".
ومرَّ بمَدِينةِ الحَدَث:
"شاهدْتُها، ونزلْتُ في أرْضِها عندَما تَوَجَّهْتُ إلى الرُّوم".
ومرَّ بكَيْسُوم:
"قُلتُ: وقد رَأيْتُها في طَريقي إلى الرُّوم، وبينها وبين الحَدَث سَبْعَةُ فَرَاسخِ".
وزار مَدِينةَ قَيْصَريَّة:
"وسَمِعْتُ الحَكِيمَ الصَّفِيَّ سُلَيمانَ بن يَعْقُوب بن سَعِيد البَغْدادِيّ بقيصَريَّة من بَلَدِ الرُّوم يقولُ لي … ".
وأيضًا في كَلامِه على نهرِ جَيْحان؛ ومَنابعِه:
"وشاهَدْتُ مَخرجَهُ من بلَدِ الرُّوم من قَرْيَةٍ يُقالُ لها كِيْز مِيْت، قريبةٍ من مَدِينَةِ أبُلُسْتَين من شرقيّها وقِبليّها، وبينها وبين مَدِينَة أبُلُسْتَين مِقْدَارُ مِيْل، والماءُ يخرجُ من شَقِيْفِ حَجَرٍ إلى أرضٍ بين يدي الشَّقيف، وهي تنبعُ الماءَ جميعها، وعلى الشَّقِيفِ كَنِيْسَةٌ قَدِيْمَةٌ من بناءِ الرُّوم، وقد صُوِّر فيها الجَنَّة، والنَّهْرُ يخرجُ منها، ويأتي النَّهْرُ إلى مَدِينَةِ أبُلُسْتَين، فينقَسمُ قسْمَين، ويُحيطُ بالمَدِينَةِ، فإذا جاوَزها عادَ واجْتَمع، وتلقى إليهِ أنْهار متعَدِّدة منها نَهْرٌ يأتي من بَلْدَةٍ يُقالُ لها الرُّمَّان، شاهدتُها وشاهَدْتُ نَهْرَها، وهو نَهْرٌ كبيرٌ أيضًا".
وفي كلامِهِ على مَنابِع نهر سَيْحَان:
стр. 35
"ومَخرجُه أيضًا من بلادِ الرُّوم، وشاهدتُهُ في قَرْيَةٍ يُقالُ لها بالعَرَبيَّةِ رَأس العَيْن، ويُقالُ لها بالتُّركِيَّة يَانْغِرْ باشِي، ومَعْناهُ: رأسُ الماء".
كُلُّ هذه الإشارات الَّتي أوْرَدَها ابنُ العَدِيْم كانتْ في المجلَّدِ الأوَّل من كتابِه لاتِّصالِها بذِكْرِ المواضِعِ والأماكنِ الَّتي تطرَّقَ لها، ولَم يُشرْ لهذه الرَّحلةِ في بقيَّةِ الأجْزاءِ، ولَم يُعَيِّنْ تاريخَها أو الغَرَضَ منها، لكنه بيَّن في كتابِه المُخْتَصر "زُبْدَة الحلب" الهدفَ من إحْدَى هذه السِّفاراتِ، وهي الَّتي كانتْ في شَوَّال ٦٣٥ هـ (١):
"وسُيِّرتُ من حَلَب، في الرَّابع من شَوَّال، سَنَة خَمْسٍ وثلاثين وستِّمائة، إلى بلادِ الرُّوم، لعَقْدِ الوُصْلَةِ بين السُّلْطانِ المَلِكِ النَّاصِر، والسُّلْطانِ غِيَاث الدِّين كَيْخُسْرُو، على أُخْتِ السُّلْطانِ كَيْخُسْرُو، وهي ابْنةُ خالةِ الملَكِ العَزِيز، والدِ المَلِكِ النَّاصِر.
وسَمِعَ السُّلْطانُ كَيْخُسْرُو بوصُولي، وكانَ في عَزْم كَيْخُسْرُو التَّوجُّه إلى ناحيةِ قُونية، فتَعوَّقَ بسَبَبي، وسَيَّرَ بولقًا إلى أَقْجا دَرْبَند، قبلَ وصُولي أبلسْتان يَسْتحثُّني على الوصُولِ، يُعَرِّفُني تَعْويقهُ بسَبَبي، ثُمَّ سَيَّر بولقًا آخر، فوَصَل إلي تحتِ سَمَنْدُو يستَحثُّني على الوصُولِ. فأَسْرَعتُ السَّيْر، حتَّى وصَلْتُ إلى قَيْصريَّة، والسُّلْطانُ في الكَيْقُبَاذيَّة، فاسْتَدعاني إليه، ولم أنْزلْ بقَيْصريَّة، واجْتَمعتُ به عندَ وصُولي، يَوْمَ الثُّلاثاء، سَادِسَ عَشرَ شَوَّال، من سَنَةِ خَمْس وثلاثين وسِتِّمائة.
ووَقَعتِ الإجابةُ إلى عَقْدِ العَقْدِ. ووَكَّلَ السُّلْطانُ كَمالَ الدِّين كاميَار، على عَقْدِ العَقْدِ معي، على أُخْتِه مَلكة خَاتُون بنْتِ كَيْقُبَاذ. ودَخَلنا في تلك السَّاعة إلى قيَصَريَّة، وأحْضرَ قاضي البَلْدةِ، والشُّهُودَ، وعَقَدْتُ العَقْدَ مع كَاميَار، على خَمْسينَ ألف دِيْنار
_________
(١) زبدة الحلب ٢: ٦٨٧ - ٦٨٨، وانظر عن مصاهرة البدل بينهما: ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ١٨٣ - ١٨٥، النويري: نهاية الأرب ٣٧: ١٠٥، والمقريزي: السلوك ١/ ٢: ٢٧٢.
стр. 36
سُلْطانيَّة، مثل صدَاق كَيْخُسْرُو، الَّذي كُتِبَ عليه لأُخْتِ السُّلْطان المَلِك النَّاصِر.
وأظْهرَ في ذلكَ اليَوم من التَّجَمُّل، وآلاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ما لا يمُكن وَصْفُه، ونُثِرتِ الدَّنانيرُ الوَاصِلةُ صُحْبَتي، وكانتْ ألفَ دِيْنار.
ونُثِرَ في دارِ السُّلْطانِ من الذَّهبِ، والدَّراهِمِ، والثِّيابِ، والسُّكَّر، شيءٌ كثيرٌ. وضُرِبَتِ البَشائِرُ في دارِ السُّلْطانِ، وأظْهرَ من السُّرُور والفَرَحَ ما لا يُوْصَف. وسَيَّرتُ، في الحالِ، بعضَ أصْحابي إلى حَلَبَ، مُبَشِّرًا بذلك كُلِّه، فضُرِبَ البَشائرُ بحَلَب، وأُفِيْضَتِ الخِلَعُ على المُبَشِّر.
وعُدتُ إلى حَلَبَ، فدَخَلْتُها يَومَ الخَمِيس، تاسِع ذي القَعْدَة، والْتَقاني السُّلْطانُ المَلِكُ النَّاصِر، أعَزَّ اللهُ نَصْرَهُ، يَوْمَ وصُولي".
قُدُوم التَّتَار إلى الشَّام:
وَصَلَت جُمُوعُ التَّتَار إلى الشَّام في مَطْلعِ عام ٦٥٨ هـ، وكان نُزُولهُم على حَلَب في الثَّاني من صَفَر من تلك السَّنَةِ، ووَقَع الاسْتيلاءُ عليها فِى التّاسِع منه (١)، فكُتِبَ الجلَاءُ على أهْلِها، وهَرَبَ كثيرٌ منهم وتفرَّقوا في النَّواحي، وبيع بعضُهم فِي جَزائِر الفِرِنج وبلادِ الأرْمَن، ولَم يَسْلَمْ ممَّن كانَ بحَلَبَ إلَّا مَن دَخَلَ البُيوتَ الَّتي كان مع أهْلِها فَرَاماناتٌ من هولَاكُو (٢)، وكان ممَّن هَرَبَ عن حَلَب: صاحبُها المَلِكُ النَّاصِرُ الّذي رَحَل إلى غَزَّة والعَريْش (٣)، وتوجَّه بعضُ مَن سَلمَ إلى مِصْر،
_________
(١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المالك) ١: ٢٢٩ - ٢٣٠، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، النويري: نهاية الأرب ٣٧: ٣٨٧.
(٢) النويري: نهاية الأرب ٢٧: ٣٨٧، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢٣٢، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤٢٣.
стр. 37
مثل كَمال الدِّين بن العَديْم ووَلده مَجْد الدِّين (١)، وقُتِلَ من أُسْرةِ بني العَدِيْم بعضُ أعْيانِها منهم: مُحمَّد بن يَحْيَى بن مُحمَّد بن أبي جَرادَة، ابن العَدِيْم (٢).
وبعدَ أن تَصَدَّت العَساكِرُ المِصْريَّةُ بقيادة المَلِك المُظَفَّر قُطُز لجُموعِ التَّتَارِ، وهَزيمةِ هُولاكُو في مَعْركةِ عَيْن جالُوت (٢٥ رَمَضان ٦٥٨ هـ) وجَلاءِ المَغُولِ عن بلاِد الشَّام، عادَ ابنُ العَدِيْم إلى حَلَب ليَرَى ما حلَّ بها من التَّدْميِر والخَرَابِ، وَتشْريدِ أهْلِها، وقَتْل أعْيانِها، فقالَ في ذلك قَصِيْدَةً طويلةً، منها (٣):
وعن حَلَب ما شِئْتَ قُلْ من عَجائِب … أحَلّ بها يا صَاح إنْ كُنْت تَعْلَمُ
فيَا لكَ من يَوْمٍ شَدِيدٍ لغامُهُ … وقد أصْبَحتْ فيه المسَاجد تُهْدَمُ
وقد دُرِسَت تلك المُدارِسُ وارتَمَتْ … مَصاحفُها فوق الثّرى وهي تُهْضمُ
فلم يُطِقِ المقام بها، وكَرَّ رَاجِعًا نحو مِصْر، شَيْخًا نافَ على السَّبْعينِ من عُمرِه، وعاشَ بمِصْر الأشْهُرَ الأخيرةَ من حَياتِه.
وفي أبياتٍ أرْسَلها ابنْ العديْم إلى ابْنه عَبْد الرَّحمن، يَشْرَحُ فيها حالَهُ وقد أتْعَبهُ السَّفَرُ والتَّرْحالُ، لَم نَقفْ على مُناسَبةِ نَظْمها، ونُقَدِّرُ أنَّ تَوْقيتَها في أعْقابِ تَدْميرِ حَلَب، وبعدَ ارْتِحاله الأخير إلى مِصْر، اسْتِمدادًا من نَفَسِ الأبْياتِ، وشُعُوِر قائِلها بالضِّيْقِ والغُرْبةِ، يَقُولُ فيها (٤):
هذا كتَابي إلى مَنْ غابَ عن نَظَري … وشَخْصهُ في سَوَاد القَلْبِ والبَصَرِ
ولا يمنُّ بطَيْفٍ منه يَطْرقُني … عندَ المَنامِ ويأتِيْني على قَدَر
ولا كتابٌ له يَأتي فأسْمَعُ من … أنْبائه عنهُ فيه أطْيَبَ الخَبَرِ
_________
(١) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧١، ٢٧٣.
(٢) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٧، ٢٨١.
(٣) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠
(٤) فوات الوفيات ٣: ١٢٩ الزركشي: عقود الجمان ٢٣٨ أ.
стр. 38
حتَّى الشّمالُ الَّتي تَسْري على حَلَب … ضَنَّت عليَّ فلم تخْطرْ ولَم تَسِر
أَخُصَّهُ بتَحيَّاتي وأُخبرُهُ … أنِّي سَئمتُ من التَّرْحالِ والسَّفَر
أَبِيْتُ أرْعَى نُجُومَ اللَّيل مُكْتئبًا … مُفكرًا في الَّذي ألْقى إلى السَّحَر
وليسَ لي أربٌ في غير رُؤْيَته … وذاكَ عنديَ أقْصَى السُّولِ والوَطَرِ
أُسْرَة بَني العَدِيْم، شِيْعةٌ أم من أهْلِ السُّنَّة:
لَم أشَأ أنْ أُضَمِّنَ هذه المُقَدِّمة ذكْر شيءٍ عن مَذْهب الأُسْرةِ، لشُيُوع ذلك في المَصَادر، وغَلَبَةِ الحَنَفيَّةِ عليهم، لولا ما وَجَدتُه في كتابِ أعْيَان الشِّيْعَةِ من إصْرَارٍ على نِسْبَتهِم إلى الشَّيْعةِ، وكتاب أعْيان الشّيْعة كتابٌ مَعْروفٌ في فَنّ التَّراجم، صنَّفه السَّيِّدُ مُحْسن الأمين، غيرَ أنَّهُ أدْخَلَ فيه الكثيرَ من أعْلَام أهْلِ السُّنَّة؛ حَشَرَهُم ونَسَبَهم إلى الشِّيْعةِ على خلَافِ شَرْط الكتاب، من هؤلاءِ أُسْرَةُ بَني العَدِيْم الَّذين تَرْجَم لهم ونَبَّه في كُلِّ موضِعٍ على أنَّهم شِيْعة (١)، وإذا ما غَفَلَ عن أحَدِهم ونَسَبهُ إلى أهْلِ السُّنَّة نَبَّه عليه مُحَقِّقُ الكتاب (حَسَن الأمين) في الهامش (٢).
اتَّكَأَ الأمينُ في تَعْميم التَّشَيُّعِ على أُسْرةِ بني العَدِيْم للرِّوَاية الَّتي أَوْردَها السَّمْعاني في تَرْجَمتِه لشَيْخِه الَّذي سَمِعَ عليه كتاب المُوطَّأ وغيره: عليّ بن عَبْد الله
_________
(١) أعيان الشيعة ٢: ٢١٧، ٣: ١٤٤، ٢٠٠، ٢٠٦، ٤٣٨.
(٢) مثاله ما وقع في ترجمة كمال الدِّين بن العديم، فإن صاحب أعيان الشّيعة ذكَر أنَّ والد الكمال عُزِلَ عن منصب قاضي القضاة لا لشيء إلا لأنه "حنفيّ المذهب"، فعلق المحقق في الهامش: "هو شيعيّ لا حنفيّ، وبنو العديم بيت من الشِّيعة معروفُ، لذلك لنا أنْ نقول أنَّ عزله كان لتشيّعه (ح) ". انظر: أعيان الشيعة ٨: ٣٧٧.
وما قاله ابن العديم عن هذه الحادثة، في ترجمته لوالده في الجزء الثالث من كتاب البغية، وأيضًا ممَّا أثبته ياقوت في معجمه: أنَّ عمه - أخو والده الأصغر أبو المعالي عبد الصمد - كان قد صرف عن الخطابة، فعَلِمَ والده أنَّ الأمرَ يؤول إلى عزله هو أيضًا عن القضاء لأنَّ الدَّولة شافعيَّة، فاستبق هو بطلب التخلية من المنصب، "فاستأذن في الحج والإعفاء عن القضاء فصرف عن ذلك بعد مراجعات".
انظر: ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢.
стр. 39
ابن مُحمَّد بن عَبْد الباقِي بن أبي جَرادَة، المُلقَّب بالأنْطاكِيّ لسُكْناه بمَحَلَّة باب أنْطاكِيَة من حَلَب (ت ٥٥١ هـ)، قال السَّمْعانيّ (١): "وخَرَجْتُ يومًا من عنده، فرآني بعضُ الصَّالحين، فقال لي: أين كُنتَ؟ قلت: عندَ أبي الحَسَن بن أبي جَرادَة، وقرأتُ عليه شَيئًا من الحَديثِ، فأنْكَرَ عليَّ، وقال: ذاكَ يُقْرَأ عليه الحَدِيث!؟ قُلْتُ: لِمَ، وهل هو إلَّا مُتَشَيِّعٌ يَرَى رأيَ الحَلبيِّينَ؟ فقال: ليْتَ اقتصَرَ على هذا، بل يَقُولُ بالنُّجُومِ، ويَرَى رأيَ الأوَائِل منَ المُتَفَلسفين. وسَمعتُ بعض أهْلِ حلَب أيضًا بدمَشْقَ يَتَّهمهُ بمثل هذا".
وإنَّ صَحَّ ما رُمِيَ به عليّ بن عَبْد الله من التَّشيُّع، فهو ممَّن أخْرَجَه من التَّعميمِ الخصُوصُ؛ إذ لَم أَقفْ على مَن ذَكَرَ أو أشارَ إلى تَشيُّع أحدٍ من أُسْرِة بَني العَدِيْم، إلَّا ما وَرَدَ عن جَدِّهم الأعْلَى عامر بن رَبِيعَة المُكنَّى بأبي جَرادَة، وأنَّه كان صَاحبًا للإمام عليّ بن أبي طالب (٢).
وتَتَبَّعتُ تَراجمَ أجْدَادِ الكَمَال ابن العَدِيْم فلم أجِدْ مَن خَرَج منهم عن المَذْهَب أو انْتَقَلَ إلى غيره، فعَبْدُ الصَّمَد بن زُهَيْر بن هارُون (ت ٤٠٢ هـ) "كان قيِّمًا بمَذْهب أبي حَنِيْفة" (٣)، وجَدُّ جَدِّ والدِ كَمال الدِّين، واسْمُه: أحمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون (ت نحو ٥٢٩ هـ) كان حَنَفيًا، وصَنَّف كتابًا ذَكَرَ فيه الخِلَافَ بين أبي حنِيْفة وأصْحابِه وما تفرَّدَ به عنهم (٤).
ونَجِدُ ياقُوت بعد أنْ ساقَ تَسْميَة خَمْسةٍ من آباءِ ابن العَدِيْم يقُولُ: "كُلُّ هؤلاءِ من آبائه وَلِيَ قَضاءَ حَلَب وأعْماَلها؛ وهم حَنَفيُّون" (٥)، ومِثْله قَوْل ابن الشَّعَّار المَوصِليّ: "وبَيْتُ أبي جَرادَة كُلُّه أُدَباء فُضَلاء … وهم على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفَة ﵁" (٦).
_________
(١) المنتخب من معجم شيوخ السمعاني ٢: ١٢٣٩ ونقله عنه، ياقوت في معجم الأدباء ٤: ١٧٩٢.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٨، القرشي: الجواهر المضية ٢: ٦٣٤.
(٣) القرشي: الجواهر المضية ٢: ٤٢٦ نقلًا عن ابن العديم من آجزاء بغية الطلب الضائعة.
(٤) القرشي: الجواهر المضية ١: ٣٥٠ - ٣٥١ ونقله ابن قطلوبغا: تاج التراجم ٥٨، وأعيان الشيعة ٣: ٢٠٦.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢.
(٦) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
стр. 40
وكذا القُرَشيّ الَّذي سَلَكهم جَميعًا في طَبَقات الحَنَفِيَّة، وقال في تَرْجَمته: "وأجْدَادُه وأوْلادُه وأهْلُ بَيْتهِم عُلَماءُ حَنَفِيَّة" (١)، ومثْلُه فعل تِلْوه الغَزّيّ (ت ١٠٠٥ هـ) في كتابه الطَّبَقات السَّنِيَّة في تَرَاجم الحَنَفِيَّة، وعادةً ما يُشارُ إلى ابن العَدِيْم بالفَقيه الحَنَفيّ كما هو عند ابن الشَّعَّار (٢)، وأبي شَامَة (٣)، وشَرَف الدّين الدِّمياطيّ (٤)، والقُرَشيّ (٥)، وابن حَبيب الحَلَبيّ (٦)، والمَقْريزيّ (٧)، وابن الشِّحْنَة (٨)، و"انْتَهَتْ إليه رئاسَة أصْحاب أبي حَنِيْفة" (٩)، وأخيرًا ما قَيَّدَهُ ابنُ سَعِيدٍ بخَطّه على نُسْخة كتابِ المُغْرِب المُهْدَاةِ لخِزَانَة ابن العَدِيْم: "صَدْرُ الصُّدورِ الشَّاميَّةِ، رَئيسُ الأئمَّةِ الحَنَفِيَّة" (١٠).
وليس أدلَّ ولا أوْضَح من كلام ابن العَدِيْم نَفْسه، في التَّرْجَمَة التي صَنَعها لياقُوت الحَمَويِّ، عن أحَد أفراد أُسْرته، وهو وَالدُ جَدِّه القَاضِي أبو غَانم مُحمَّد بن أبي الفَضْل هبة الله بن أحمد (ت ٥٣٤ هـ)، وأنَّه "كان حَنَفيَّ المَذْهب، وكان يَؤمُّ بالنَّاس ثلاثينَ سَنَةً وهو مُتَكتِّفُ تحت ثيابه ويُسْبلُ أكْمامَه فارغةً خَوفًا من الوُلاةِ في أيامه لأنَّهم كانوا إسْماعِيْليَّة يَرَونَ رأيَ المصريين" (١١).
بل يَظْهر أنَّ لدَي ابن العديم مَيْلًا وتَعَصُّبًا لحَنَفيّته، يُسْتَحْلَبُ ذلك من إقْناعِهِ لأحد المالكيَّة في التَّحوُّلِ إلى مَذْهَب أبي حَنِيْفَة، حَسْبما ذَكَرَ ذلك اليُونِيْنيّ ونَقَلَهُ عنه الذَّهَبيّ وابن شاكر الكُتبيّ والصَّفَديّ في تَرْجَمَة مُحمَّد بن سَعِيْد بن مُحمَّد بن الجنَّان الشَّاطِبيّ (ت ٦٧٥ هـ)، والَّذي تقدَّمَ ذِكْرُهُ في أصْحابِ ابن العَدِيْم
_________
(١) القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥.
(٢) قلائد الجمان ٤: ٤١، ٧: ٢٣٣، ٢٣٥، ٢٤٦، ٢٧٢.
(٣) الذيل على الروضتين ٣٣١.
(٤) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ١١٧ ب.
(٥) الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥.
(٦) درة الأسلاك ورقة ١٥ ب.
(٧) المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، والسلوك، ١/ ٢: ٤٧٦.
(٨) الدر المنتخب ٧.
(٩) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥ تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨.
(١٠) المغرب لابن سعيد قسم مصر ١: ١٤٧.
(١١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٧٩.
следующие страницы →