← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سُلْطانيَّة، مثل صدَاق كَيْخُسْرُو، الَّذي كُتِبَ عليه لأُخْتِ السُّلْطان المَلِك النَّاصِر. وأظْهرَ في ذلكَ اليَوم من التَّجَمُّل، وآلاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ما لا يمُكن وَصْفُه، ونُثِرتِ الدَّنانيرُ الوَاصِلةُ صُحْبَتي، وكانتْ ألفَ دِيْنار. ونُثِرَ في دارِ السُّلْطانِ من الذَّهبِ، والدَّراهِمِ، والثِّيابِ، والسُّكَّر، شيءٌ كثيرٌ. وضُرِبَتِ البَشائِرُ في دارِ السُّلْطانِ، وأظْهرَ من السُّرُور والفَرَحَ ما لا يُوْصَف. وسَيَّرتُ، في الحالِ، بعضَ أصْحابي إلى حَلَبَ، مُبَشِّرًا بذلك كُلِّه، فضُرِبَ البَشائرُ بحَلَب، وأُفِيْضَتِ الخِلَعُ على المُبَشِّر. وعُدتُ إلى حَلَبَ، فدَخَلْتُها يَومَ الخَمِيس، تاسِع ذي القَعْدَة، والْتَقاني السُّلْطانُ المَلِكُ النَّاصِر، أعَزَّ اللهُ نَصْرَهُ، يَوْمَ وصُولي". قُدُوم التَّتَار إلى الشَّام: وَصَلَت جُمُوعُ التَّتَار إلى الشَّام في مَطْلعِ عام ٦٥٨ هـ، وكان نُزُولهُم على حَلَب في الثَّاني من صَفَر من تلك السَّنَةِ، ووَقَع الاسْتيلاءُ عليها فِى التّاسِع منه (١)، فكُتِبَ الجلَاءُ على أهْلِها، وهَرَبَ كثيرٌ منهم وتفرَّقوا في النَّواحي، وبيع بعضُهم فِي جَزائِر الفِرِنج وبلادِ الأرْمَن، ولَم يَسْلَمْ ممَّن كانَ بحَلَبَ إلَّا مَن دَخَلَ البُيوتَ الَّتي كان مع أهْلِها فَرَاماناتٌ من هولَاكُو (٢)، وكان ممَّن هَرَبَ عن حَلَب: صاحبُها المَلِكُ النَّاصِرُ الّذي رَحَل إلى غَزَّة والعَريْش (٣)، وتوجَّه بعضُ مَن سَلمَ إلى مِصْر، _________ (١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المالك) ١: ٢٢٩ - ٢٣٠، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، النويري: نهاية الأرب ٣٧: ٣٨٧. (٢) النويري: نهاية الأرب ٢٧: ٣٨٧، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢ - ٢٩٣. (٣) العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢٣٢، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤٢٣.

стр. 37

مثل كَمال الدِّين بن العَديْم ووَلده مَجْد الدِّين (١)، وقُتِلَ من أُسْرةِ بني العَدِيْم بعضُ أعْيانِها منهم: مُحمَّد بن يَحْيَى بن مُحمَّد بن أبي جَرادَة، ابن العَدِيْم (٢). وبعدَ أن تَصَدَّت العَساكِرُ المِصْريَّةُ بقيادة المَلِك المُظَفَّر قُطُز لجُموعِ التَّتَارِ، وهَزيمةِ هُولاكُو في مَعْركةِ عَيْن جالُوت (٢٥ رَمَضان ٦٥٨ هـ) وجَلاءِ المَغُولِ عن بلاِد الشَّام، عادَ ابنُ العَدِيْم إلى حَلَب ليَرَى ما حلَّ بها من التَّدْميِر والخَرَابِ، وَتشْريدِ أهْلِها، وقَتْل أعْيانِها، فقالَ في ذلك قَصِيْدَةً طويلةً، منها (٣): وعن حَلَب ما شِئْتَ قُلْ من عَجائِب … أحَلّ بها يا صَاح إنْ كُنْت تَعْلَمُ فيَا لكَ من يَوْمٍ شَدِيدٍ لغامُهُ … وقد أصْبَحتْ فيه المسَاجد تُهْدَمُ وقد دُرِسَت تلك المُدارِسُ وارتَمَتْ … مَصاحفُها فوق الثّرى وهي تُهْضمُ فلم يُطِقِ المقام بها، وكَرَّ رَاجِعًا نحو مِصْر، شَيْخًا نافَ على السَّبْعينِ من عُمرِه، وعاشَ بمِصْر الأشْهُرَ الأخيرةَ من حَياتِه. وفي أبياتٍ أرْسَلها ابنْ العديْم إلى ابْنه عَبْد الرَّحمن، يَشْرَحُ فيها حالَهُ وقد أتْعَبهُ السَّفَرُ والتَّرْحالُ، لَم نَقفْ على مُناسَبةِ نَظْمها، ونُقَدِّرُ أنَّ تَوْقيتَها في أعْقابِ تَدْميرِ حَلَب، وبعدَ ارْتِحاله الأخير إلى مِصْر، اسْتِمدادًا من نَفَسِ الأبْياتِ، وشُعُوِر قائِلها بالضِّيْقِ والغُرْبةِ، يَقُولُ فيها (٤): هذا كتَابي إلى مَنْ غابَ عن نَظَري … وشَخْصهُ في سَوَاد القَلْبِ والبَصَرِ ولا يمنُّ بطَيْفٍ منه يَطْرقُني … عندَ المَنامِ ويأتِيْني على قَدَر ولا كتابٌ له يَأتي فأسْمَعُ من … أنْبائه عنهُ فيه أطْيَبَ الخَبَرِ _________ (١) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧١، ٢٧٣. (٢) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٧، ٢٨١. (٣) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠ (٤) فوات الوفيات ٣: ١٢٩ الزركشي: عقود الجمان ٢٣٨ أ.

стр. 38

حتَّى الشّمالُ الَّتي تَسْري على حَلَب … ضَنَّت عليَّ فلم تخْطرْ ولَم تَسِر أَخُصَّهُ بتَحيَّاتي وأُخبرُهُ … أنِّي سَئمتُ من التَّرْحالِ والسَّفَر أَبِيْتُ أرْعَى نُجُومَ اللَّيل مُكْتئبًا … مُفكرًا في الَّذي ألْقى إلى السَّحَر وليسَ لي أربٌ في غير رُؤْيَته … وذاكَ عنديَ أقْصَى السُّولِ والوَطَرِ أُسْرَة بَني العَدِيْم، شِيْعةٌ أم من أهْلِ السُّنَّة: لَم أشَأ أنْ أُضَمِّنَ هذه المُقَدِّمة ذكْر شيءٍ عن مَذْهب الأُسْرةِ، لشُيُوع ذلك في المَصَادر، وغَلَبَةِ الحَنَفيَّةِ عليهم، لولا ما وَجَدتُه في كتابِ أعْيَان الشِّيْعَةِ من إصْرَارٍ على نِسْبَتهِم إلى الشَّيْعةِ، وكتاب أعْيان الشّيْعة كتابٌ مَعْروفٌ في فَنّ التَّراجم، صنَّفه السَّيِّدُ مُحْسن الأمين، غيرَ أنَّهُ أدْخَلَ فيه الكثيرَ من أعْلَام أهْلِ السُّنَّة؛ حَشَرَهُم ونَسَبَهم إلى الشِّيْعةِ على خلَافِ شَرْط الكتاب، من هؤلاءِ أُسْرَةُ بَني العَدِيْم الَّذين تَرْجَم لهم ونَبَّه في كُلِّ موضِعٍ على أنَّهم شِيْعة (١)، وإذا ما غَفَلَ عن أحَدِهم ونَسَبهُ إلى أهْلِ السُّنَّة نَبَّه عليه مُحَقِّقُ الكتاب (حَسَن الأمين) في الهامش (٢). اتَّكَأَ الأمينُ في تَعْميم التَّشَيُّعِ على أُسْرةِ بني العَدِيْم للرِّوَاية الَّتي أَوْردَها السَّمْعاني في تَرْجَمتِه لشَيْخِه الَّذي سَمِعَ عليه كتاب المُوطَّأ وغيره: عليّ بن عَبْد الله _________ (١) أعيان الشيعة ٢: ٢١٧، ٣: ١٤٤، ٢٠٠، ٢٠٦، ٤٣٨. (٢) مثاله ما وقع في ترجمة كمال الدِّين بن العديم، فإن صاحب أعيان الشّيعة ذكَر أنَّ والد الكمال عُزِلَ عن منصب قاضي القضاة لا لشيء إلا لأنه "حنفيّ المذهب"، فعلق المحقق في الهامش: "هو شيعيّ لا حنفيّ، وبنو العديم بيت من الشِّيعة معروفُ، لذلك لنا أنْ نقول أنَّ عزله كان لتشيّعه (ح) ". انظر: أعيان الشيعة ٨: ٣٧٧. وما قاله ابن العديم عن هذه الحادثة، في ترجمته لوالده في الجزء الثالث من كتاب البغية، وأيضًا ممَّا أثبته ياقوت في معجمه: أنَّ عمه - أخو والده الأصغر أبو المعالي عبد الصمد - كان قد صرف عن الخطابة، فعَلِمَ والده أنَّ الأمرَ يؤول إلى عزله هو أيضًا عن القضاء لأنَّ الدَّولة شافعيَّة، فاستبق هو بطلب التخلية من المنصب، "فاستأذن في الحج والإعفاء عن القضاء فصرف عن ذلك بعد مراجعات". انظر: ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢.

стр. 39

ابن مُحمَّد بن عَبْد الباقِي بن أبي جَرادَة، المُلقَّب بالأنْطاكِيّ لسُكْناه بمَحَلَّة باب أنْطاكِيَة من حَلَب (ت ٥٥١ هـ)، قال السَّمْعانيّ (١): "وخَرَجْتُ يومًا من عنده، فرآني بعضُ الصَّالحين، فقال لي: أين كُنتَ؟ قلت: عندَ أبي الحَسَن بن أبي جَرادَة، وقرأتُ عليه شَيئًا من الحَديثِ، فأنْكَرَ عليَّ، وقال: ذاكَ يُقْرَأ عليه الحَدِيث!؟ قُلْتُ: لِمَ، وهل هو إلَّا مُتَشَيِّعٌ يَرَى رأيَ الحَلبيِّينَ؟ فقال: ليْتَ اقتصَرَ على هذا، بل يَقُولُ بالنُّجُومِ، ويَرَى رأيَ الأوَائِل منَ المُتَفَلسفين. وسَمعتُ بعض أهْلِ حلَب أيضًا بدمَشْقَ يَتَّهمهُ بمثل هذا". وإنَّ صَحَّ ما رُمِيَ به عليّ بن عَبْد الله من التَّشيُّع، فهو ممَّن أخْرَجَه من التَّعميمِ الخصُوصُ؛ إذ لَم أَقفْ على مَن ذَكَرَ أو أشارَ إلى تَشيُّع أحدٍ من أُسْرِة بَني العَدِيْم، إلَّا ما وَرَدَ عن جَدِّهم الأعْلَى عامر بن رَبِيعَة المُكنَّى بأبي جَرادَة، وأنَّه كان صَاحبًا للإمام عليّ بن أبي طالب (٢). وتَتَبَّعتُ تَراجمَ أجْدَادِ الكَمَال ابن العَدِيْم فلم أجِدْ مَن خَرَج منهم عن المَذْهَب أو انْتَقَلَ إلى غيره، فعَبْدُ الصَّمَد بن زُهَيْر بن هارُون (ت ٤٠٢ هـ) "كان قيِّمًا بمَذْهب أبي حَنِيْفة" (٣)، وجَدُّ جَدِّ والدِ كَمال الدِّين، واسْمُه: أحمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون (ت نحو ٥٢٩ هـ) كان حَنَفيًا، وصَنَّف كتابًا ذَكَرَ فيه الخِلَافَ بين أبي حنِيْفة وأصْحابِه وما تفرَّدَ به عنهم (٤). ونَجِدُ ياقُوت بعد أنْ ساقَ تَسْميَة خَمْسةٍ من آباءِ ابن العَدِيْم يقُولُ: "كُلُّ هؤلاءِ من آبائه وَلِيَ قَضاءَ حَلَب وأعْماَلها؛ وهم حَنَفيُّون" (٥)، ومِثْله قَوْل ابن الشَّعَّار المَوصِليّ: "وبَيْتُ أبي جَرادَة كُلُّه أُدَباء فُضَلاء … وهم على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفَة ﵁" (٦). _________ (١) المنتخب من معجم شيوخ السمعاني ٢: ١٢٣٩ ونقله عنه، ياقوت في معجم الأدباء ٤: ١٧٩٢. (٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٨، القرشي: الجواهر المضية ٢: ٦٣٤. (٣) القرشي: الجواهر المضية ٢: ٤٢٦ نقلًا عن ابن العديم من آجزاء بغية الطلب الضائعة. (٤) القرشي: الجواهر المضية ١: ٣٥٠ - ٣٥١ ونقله ابن قطلوبغا: تاج التراجم ٥٨، وأعيان الشيعة ٣: ٢٠٦. (٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٢. (٦) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.

стр. 40

وكذا القُرَشيّ الَّذي سَلَكهم جَميعًا في طَبَقات الحَنَفِيَّة، وقال في تَرْجَمته: "وأجْدَادُه وأوْلادُه وأهْلُ بَيْتهِم عُلَماءُ حَنَفِيَّة" (١)، ومثْلُه فعل تِلْوه الغَزّيّ (ت ١٠٠٥ هـ) في كتابه الطَّبَقات السَّنِيَّة في تَرَاجم الحَنَفِيَّة، وعادةً ما يُشارُ إلى ابن العَدِيْم بالفَقيه الحَنَفيّ كما هو عند ابن الشَّعَّار (٢)، وأبي شَامَة (٣)، وشَرَف الدّين الدِّمياطيّ (٤)، والقُرَشيّ (٥)، وابن حَبيب الحَلَبيّ (٦)، والمَقْريزيّ (٧)، وابن الشِّحْنَة (٨)، و"انْتَهَتْ إليه رئاسَة أصْحاب أبي حَنِيْفة" (٩)، وأخيرًا ما قَيَّدَهُ ابنُ سَعِيدٍ بخَطّه على نُسْخة كتابِ المُغْرِب المُهْدَاةِ لخِزَانَة ابن العَدِيْم: "صَدْرُ الصُّدورِ الشَّاميَّةِ، رَئيسُ الأئمَّةِ الحَنَفِيَّة" (١٠). وليس أدلَّ ولا أوْضَح من كلام ابن العَدِيْم نَفْسه، في التَّرْجَمَة التي صَنَعها لياقُوت الحَمَويِّ، عن أحَد أفراد أُسْرته، وهو وَالدُ جَدِّه القَاضِي أبو غَانم مُحمَّد بن أبي الفَضْل هبة الله بن أحمد (ت ٥٣٤ هـ)، وأنَّه "كان حَنَفيَّ المَذْهب، وكان يَؤمُّ بالنَّاس ثلاثينَ سَنَةً وهو مُتَكتِّفُ تحت ثيابه ويُسْبلُ أكْمامَه فارغةً خَوفًا من الوُلاةِ في أيامه لأنَّهم كانوا إسْماعِيْليَّة يَرَونَ رأيَ المصريين" (١١). بل يَظْهر أنَّ لدَي ابن العديم مَيْلًا وتَعَصُّبًا لحَنَفيّته، يُسْتَحْلَبُ ذلك من إقْناعِهِ لأحد المالكيَّة في التَّحوُّلِ إلى مَذْهَب أبي حَنِيْفَة، حَسْبما ذَكَرَ ذلك اليُونِيْنيّ ونَقَلَهُ عنه الذَّهَبيّ وابن شاكر الكُتبيّ والصَّفَديّ في تَرْجَمَة مُحمَّد بن سَعِيْد بن مُحمَّد بن الجنَّان الشَّاطِبيّ (ت ٦٧٥ هـ)، والَّذي تقدَّمَ ذِكْرُهُ في أصْحابِ ابن العَدِيْم _________ (١) القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥. (٢) قلائد الجمان ٤: ٤١، ٧: ٢٣٣، ٢٣٥، ٢٤٦، ٢٧٢. (٣) الذيل على الروضتين ٣٣١. (٤) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ١١٧ ب. (٥) الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥. (٦) درة الأسلاك ورقة ١٥ ب. (٧) المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، والسلوك، ١/ ٢: ٤٧٦. (٨) الدر المنتخب ٧. (٩) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥ تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨. (١٠) المغرب لابن سعيد قسم مصر ١: ١٤٧. (١١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٧٩.

стр. 41

ومُدَّاحه، قال اليُونِيْنيِّ ومَنْ نَقَل عنه: "صَحِبَ. أي ابن الجَنَّان - كَمالَ الدِّين بن العَدِيْم ووَلدَهُ، فاجْتَذَباهُ بإحْسانِهما، ونَقَلاهُ من مَذْهب مَالِكٍ إلى مَذْهب أبي حَنِيْفَة" (١). وتُوجَد إشارةٌ إلى مَذْهبِه في أبْيات كَتَبها له الحَسَنُ بن زَمَّام الحَدِيْثيّ المعَرِّيّ، أوْرَدَها ابنُ العَديم في ترجمته (الجزء الخامس)، يقُولُ ابنُ زمَّام: [من الخفيف] أيُّها السَّيِّدُ الإمّام فُلَان الـ … ـدِّيْن يا ذَا الإنْعَاِم والإحْسَانِ والّذي أيَّد الإلَهُ بهِ مَذْ … هَبَ فَخْرِ الأئَّمة النُّعْمانِ وأخيرًا فيَردُ أنَّ ابن كَمال الدِّين وهو القاضي أبو المَجْد مَجْد الدِّين عَبْد الرَّحمن (ت ٦٧٧ هـ) تولَّى الخطابة بجامِع القَاهرةِ الكبير (جامعِ الحاكم أو الجامع الأنْوَر)، وكان أوَّل حَنَفيٍّ وَلِي ذلك (٢)، وانْتَهَتْ إليه رئاسةُ الحَنَفِيَّةِ في وَقْته (٣). وإذا تقرَّرَ هذا؛ فإنَّ ابنَ العَدِيْم وأُسْرَتَهُ حَنَفِيَّةُ، ولا يُعْتدُّ بما أَوْرَدهُ صاحبُ كتابِ أعيانِ الشِّيْعةِ من نسْبَته إلى مَذْهبِ الشِّيعَة. مُؤلَّفاتُه: تَرَكَ ابنُ العَدِيْم تُراثًا غنيًّا من المُؤلَّفات، صَنَّفَ أغْلبَهُ في سنٍّ مُبَكِّرة؛ كانت سِنُّه نحو اثْنَتين وعشْرين سَنَة، فخَمْسَةُ من كُتُبِه التَّالية ذَكَرَها ياقُوت _________ (١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٩٧ تاريخ الإسلام ١٥: ٢٩٥، وفوات الوفيات ٣: ٢٦٣ والوافي بالوفيات ١: ١٧٥. (٢) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ٣٠٧، الوافي بالوفيات ١٨: ٢٠٢ المقفي الكبير ٤: ٩٠، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦. (٣) المقريزي: المقفي الكبير ٤: ٨٩.

стр. 42

الحَمَويُّ، وهي: الدَّرَاري، وضَوْء الصَّبَاح، والأخْبار المُسْتَفادَة، وكتاب الخَطّ، وتاريْخ حَلَب، وكانت وَفاةُ ياقُوت سَنَة ٦٢٦ هـ،، فيَكُونُ تأْليفُها قد وقَعَ قَبْلَ هذا التَّاريخ. وهذه جُمْلةُ ما عُرفَ من كُتُبه: - كتابُ الدَّرَاري في ذِكْر الذَّرارِي: وهو كتابُ صَغيُر الحَجْم، رَتَّبه على ثلاثةَ عشرَ بابًا، جمع فيه ما يتعلَّقُ بالأبْناءِ من حكاياتٍ ونَوادرَ ومُلَحٍ، ومَدْحٍ وذَمٍّ، صَنَّفَهُ للمَلِكِ الظَّاهِر غازي وأهْدَاه إيَّاه في يَوْم وُلد ابْنه المَلِك العَزِيز سَنَة ٦١٠ هـ (١)، وكانت سنُّ ابن العَدِيْم وَقْتها اثْنتَين وعشرين سَنَة. كتابُ ضَوْءِ الصَّبَاح في الحَثِّ على السَّمَاح: صَنَّفَهُ للمَلِك الأشْرَفِ مُظَفَّر الدّين مُوسَى ابن المَلِك العادِل (٢)، وهو كتابٌ ضَائعٌ، لَم نَقِفْ على تَفْصِيل مُحْتواه ومَضْمونه إلَّا ما يُفْهمُ من عُنوانِه. - الأخْبارُ المُسْتَفادَة في ذِكْرِ بَني أبي جَرَادة: ألَّفَهُ بناءً على طَلَبٍ من ياقُوت الحَمَويّ، قال ياقُوت: "أنا سَألتُه فَجَمَعَهُ لي، وكَتَبَهُ في نحو أُسْبوعٍ، وهو عَشرةُ _________ (١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦، ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، وهدية العارفين ١: ٧٨٧، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢، كحالة: معجم المؤلفين ٧: ٢٧٦، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠. وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة نور عثمانية برقم ٣٧٩٠، وصورة عنها بمعهد المخطوطات العربية برقم في ٩٤٤. انظر: فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات العربية، إعداد لطفى عبد البديع، ٢: ١٢٨. وطبع الكتاب مرتين: مطبعة الجوائب بالأستانة ١٣٩٨ هـ، وطبعة ثانية بتحقيق علاء عبد الوهاب محمد، اخترع المحقق لها عنوانًا ليس من وضع المؤلف: "كتاب تذكرة الآباء وتسلية الأبناء المسمى بالدراري في ذكر الذراري"، دار السلام، ١٩٨٤ م. (٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦، ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١، وفيه: "ضوء الصبح"، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، وفيه: "ضوء المصباح"، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، حاجي خليفة: كشف الظنون ٢: ١٠٩٠، والبغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧ وسماه كلاهما (حاجي خليفة والبغدادي): "ضوء المصباح في … ".

стр. 43

كَراريس"، تضمَّنَ التَّعريفَ بأُسْرتِه وأعْيانِها مُنذ أنْ كانوا يُقيْمُونَ بالبَصْرَة، ثُمَّ ارْتِحال مُوسَى، بن عِيْسَى بن عَبْد الله بن أبي جَرادَة إلى حَلَب في تِجارةٍ له وإيِطانِه إيَّاها (١)، وسمَّاهُ ابنُ الشَّعَّار المُوصِلّي: "الكَلِم المُسْتَفادَة في أخْبار بَني أبي جَرادَة"، ضَمَّنَهُ أخْبارَ أهْلِه ومَناقبهم، وما يُسْتَحسنُ من أشْعارِهم وفَضائِلهم (٢)، وانْتَخَبَ ياقُوت من هذا الكتاب مَقاطِيعَ عدَّة عند تَرْجَمتِه لمُؤِلّفِه في مُعْجم الأُدَباءِ، وكانت نُسْخةُ من هذا الكتاب عندَ القُرَشيّ ونَقَلَ عنه نُصُوصًا أُخْرَى لم يُوْردْها ياقُوت، وسمَّاه: الأخْبار المُسْتَفادَة في مَناقِب بني جَرادَة (٣). كتابٌ في الخَطِّ وعُلُومه، ووَصْفِ آدابِه، وأقْلَامه، وطُرُوسه، وما جاءَ فيه من الحَدِيثِ والحِكَم: هكذا ذَكَرهُ، ياقُوت، ولعلَّه عَرْضُ لمادَّتِه لا كَوْنه عُنْوانًا له، فإنَّهُ عَقَّبَ بعد ذلك بالقول: "وهو إلى وَقْتي هذا لَم يَتمّ" (٤). - كتابُ الإنْصافِ والتَّحَرِّي، في دَفْعِ الظُّلْمِ والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ: أَشارَ إليه ابنُ العَدِيْم في كتابِه بُغْيَة الطَّلَب، وأحالَ عليه في أثْناءِ تَرْجَمَة أبي العَلَاء المَعَرِّيّ (الجزء الثَّاني)، قال: "وقد أفْرَدْتُ كِتَابًا جَامِعًا في ذِكْره، وشَرَحْتُ فيه أحْوَاله، وتبيَّنتُ وَجْه الصَّوَابِ في أَمْره، وَسَمْتُه بدَفْعِ الظُّلْم _________ (١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٦٩، ٢٠٨٦، وانظر: ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣ الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٦، وفيه: "في ذكر بني جرادة"، حاجي خليفة: كشف الظنون ١: ٣٠ البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧ وفيه: في ذكر بني جرادة، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٣٩، کحالة: معجم المؤلفين ٧: ٢٧٦، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠. (٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣. (٣) القرشي: الجواهر المضية ١: ٢٢٥. (٤) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦، ونقله عنه: ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، وابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٢١١، والصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، والمقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٦، هدية العارفين ١: ٧٨٧ وسماه کتاب الخط وآدابه ووصف طروسه وأقلامه، كحالة: معجم المؤلفين ٧: ٢٧٦.

стр. 44

والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ، فَمن أرادَ مَعْرفَة حَقِيْقَة حَالهِ فليَنْظُر في ذلك الكتاب؛ فإنَّ فيه غُنْيَة في بَيان أمْره، وتَحْقيق صِحَّة اعْتقاده، وعُلُوّ قَدْره إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى". ومَوْضُوعه - كما يُشير عُنْوانه - الدِّفاع عن أبي العَلاء المَعَرِّيّ ضدَّ مَن حَمَلهم الحَسَدُ على الغَضِّ منه ورَمْيه بالإلْحاد ونِسْبته إلى المُعَطِّلة، "حتَّى حَكوا كُفْرهُ بالأسَانيد، وشَدَّدوا في ذلك غاية التَّشْديد، وكَفَّرهُ مَن جاءَ بعدَهُم بالتَّقليْد، فابْتَدَرْتُ دُونه مُناضِلًا، وانْتَصَبْتُ عنه مُجادلًا، وانْتَدَبْتُ لمُحاسِنه نَاقِلًا … " (١)، ورجَّح الدكتور سامي الدَّهَّان أنَّ زَمَنَ تأليفه في حُدود سَنَة ٦٤٠ هـ، لتَقْييدِه وَفاة شَيْخه أحْمد بن شَاكِر المَعَرِّيّ في سَنَة ٦٣٨ هـ (٢)، والكتابُ مَطْبوعُ مُتَداول (٣). - كتابُ التَّذْكِرَةِ، أو: تَذْكرة ابن العَدِيْم: وَصَلنا منه قِسْمٌ في نُسْخةٍ فَريدةٍ، _________ (١) الإنصاف والتحري (ضمن كتاب إعلام النبلاء للطباخ) ٤: ٨٠ - ٨١. (٢) الدهان: حياة ابن العديم ٤٥، وانظر الإنصاف والتحري (ضمن إعلام النبلاء) ٤: ٩٠. (٣) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٧ وسماه: "دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري"، ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ١٥: ٤٣٢ الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣ وفيه: "دفع التَّجَرِّي على أبي العلاء المعري"، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، وفيه: "دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري"، تاريخ ابن الوردي ١: ٥٤٢، وفيه: "العدل والتحري، في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري"، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٦ وفيه: "دفع التحري عن أبي العلاء المعري"، البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧ وفيه: "رفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري"، محمد كرد علي: تأليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٦، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢، کحالة: معجم المؤلفين ٧: ٢٧٦، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠، وانظر العرض الواسع لمادة الكتاب والتعريف به ضمن كتاب: أبو العلاء المعري "دفاع المؤرخ ابن العديم عنه". وذكر الدهان أنه حقق الكتاب وأنه سيمثل للطبع قريبًا، ذكر ذلك في كتابه حياه ابن العديم (ص ٤٦) الذي طبع سنة ١٩٥١ م، وكانت وفاة الدهان سنة ١٩٧١ م ولمَّا يطبع الكتاب بتحقيقه!. ونشر الكتاب "ضمن کتاب "تعريف القدماء بأبي العلاء"، (منشورات لجنة التأليف والنشر والترجمة، القاهرة)، وضمن كتاب إعلام النبلاء للطباخ ٤: ٧٩ - ١٤٦ ونشر مُستقلًا بتحقيق عبد العزيز حرفوش (دار الجولان ٢٠٠٧ م).

стр. 45

مُخْتلفةِ الخطُوط، بعضُها بخَطِّ المُؤلِّف، وهو يَشْتَملُ على حِكَم ومَواعِظَ وأخْبار وحِكَايات أدَبيَّة وتاريخيَّة، ومَقْطُوعاتٍ أدبيَّة؛ مَنْظومةٍ ومَنْثُورةٍ، وبعضُ مادَّتِه ممَّا أوْرَدَهُ في كتابِ بُغْيَةِ الطَّلَب. وكان أوَّلَ من أشارَ إلى هذا الكتابِ ونَّوه بقِيْمتِه مُحمَّد كُرد عليّ وحَبيب زيَّات (١)، وذكَرَهُ أيضًا الدكتور الدَّهَّان في أثْناءِ اسْتِعراضِه لمُؤلَّفات ابن العَدِيْم، "وأنَّه يَعْكفُ على تَحْقيقهِ وسيَطْبَعُ قَريبًا"، ولم يَنْشرْهُ الدَّهَّان! وطُبِعَ الكتاب مُؤخَّرًا باعتناءِ آخر غيره (٢). - كتابُ الوُصْلَة إلى الحبَيبِ في وَصْف الطَّيِّبات والطِّيْب: يَشْتَملُ على مَوضُوعاتٍ تتعلَّق بالأغْذيَةِ والأطْعِمةِ والمآكِل والمَشَارب والأدْوِيَةِ والعلاجات وعَمَلها، وأنْواعِ الطِّيْبِ وكَيْفيَّة إعْدَادِه، والكتابُ مَطْبوعٌ مُتداولٌ، نُشِرَ في مُجلَّدين؛ خُصِّصَ الأوَّلُ منهما لدراسةِ تاريخ الأطْعِمةِ عندَ العَرَب، واشْتَملَ الثّاني على نَصِّ كتابِ الوُصْلَة (٣). - کتابُ تَبْريِد حَرَارة الأكْبَاد، في الصَّبْر على فَقْد الأوْلَاد: وهو كتابٌ مَفْقُودٌ لَم يَصِلنا، وَرَدَ ذِكْرُه في العَديِد من المَصادر مَنْسُوبًا لابنِ العَدِيْم دونَ تَفْصِيلٍ لمُحَتواه (٤)، ومُؤدَّى عُنْوانه أنَّهُ يَتناولُ التَّسْلِيةَ وإفْرَاغَ الصَّبْرِ والتَّعزيَةِ عندَ فَقْدِ أحدِ _________ (١) محمد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٧ - ١٤٩، حبيب الزيات: دفائن الخزائن "تذكرة ابن العديم"، مجلة المشرق، ع ٤١، ١٩٤٧ م، ٤٨٨ - ٥٠٠، بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠. (٢) حياة ابن العديم ٤٦، "وطُبع الكتاب مصورًا عن مخطوطة دار الكتب المصرية برقم ٢٠٤٢ أدب، ضمن النشرات التي أصدرها سزكين (معهد تاريخ العلوم - فرانکفورت، ١٩٩٢ م). وطبع أيضًا بتحقيق إبراهيم صالح، أبو ظبي: دار الكتب الوطنية، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، ٢٠١١ م. (٣) ذکره حاجي خليفة بالعنوان نفسه ولم ينسبه لأحد، کشف الظنون ٢: ٢٠١٤، البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧، بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠، وفيه: "وصف الطيب؛ رسالة"! ولعله كتاب آخر غيره. وطبع الكتاب في معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب سنة ١٩٨٦ م بتحقيق سليمى محجوب ودرية الخطيب. (٤) فوات الوفيات ٣: ١٢٧ الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ، کشف الظنون ١: ٣٣٧، هدية العارفين ١: ٧٨٧.

стр. 46

الأبْناء، ولعلَّه اسْتَلْهَم مادَّتَهُ ممَّا وَقَعَ لأبيهِ في فَقْدِ ابْنه الوَحيدِ، وكان قَبْلَ ابْنِه عُمَر، وعُمَر تِلْوُهُ، رُزِقَهُ بعد أنَّ تقدَّمَتْ سِنُّه، عَقِب مَواليدَ كُلّهنَّ إناث، فُتوفِّي الطِّفلُ وعُمْره خَمْسُ سنين، وبَلَغَ اليأسُ والاكْتِئابُ من أبيه مَبْلَغه، بحيثُ هَمَّ باسْتِخراجِ شِلْو الطِّفل من القَبْر، وحاولَ ذلك، فاعْتَرضَتْهُ حَجَرةٌ على القَبِر ثَنَتْ عَزْمَهُ. - بُغْيَةُ الطَّلَبِ في تاريخ حَلَب: وهو الكتابُ الَّذي تَنْشرُه، ويأتي التَّعريفُ به مُسْتقلًّا فيما بَعْدُ. - زُبْدَةُ الحَلْبِ من تاريخ حَلَب: وهو مُنْتَزَعُ ومُخْتَصرُ من كتابهِ السَّابقِ بُغْيَةِ الطَّلَب، مُرتَّبُ على السِّنين، ويُشارُ له في بعض المصادر بالتَّاريخ الصَّغير (١)، تَمْييزًا له عن البُغْيَةِ، وسمَّاه ابنُ الشَّعَّار المَوصِليّ: "زُبْدَة الحَلْب في ذِكْرِ وُلاةِ حَلَب، اقْتَصَرَ فيه على المُلُوكِ الَّذين مَلَكُوها" (٢)، فهو من نَمَطِ التَّاريخ السِّياسيّ لحَلَب (٣). - الإشْعَارُ بما للمُلُوك من النَّوادر والأَشْعار: ذَكَرهُ الصَّفَديُّ والمُقْريزيُّ ضمن مُؤلَّفاتِ ابن العَدِيْم (٤)، ومثل ذلك ما ذَكَره ابنُ السَّابق الحَمَويّ في تَرْجَمته له الآتي نَصُّها، ونَقَلَ ابنُ شَاكِر الكُتْبيِّ عن هذا الكتاب في مَوْضعين؛ نَسَبهُ في النَّقْل الأوَّل للقَاشِيّ، (٥)، ولعلَّه أحمد بن عليّ بن بَابَه القَاشِيّ (ت ٥١٠ هـ) صاحب كتابِ رَأسِ مالِ النَّديم، والصَّفدَيّ ذَكَره ضمنَ مُؤلَّفات ابن العَدِيْم، ثُمَّ نَقَلَ عنه في كتابِه الوافي بالوَفياتِ ثلاثةَ نُصُوصٍ دُونَ أنْ يَنْسبه إليه: "قال صَاحِبُ كتاب الإشْعَار بما للمُلُوك من النَّوَادِر والأشْعَار … " (٦). _________ (١) مثل ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ١٣٤، وابن خلكان: وفيات الأعيان ٧: ٨٩، وانظر: البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧ وفيه: زبدة الحلب المنتخب من بغية الطلب، کشف الظنون ١: ٢٤٩، بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤١، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠. وطبع الكتاب مرتين، الأولى بتحقيق الدكتور سامي الدهان ونشره المعهد الفرنسي في دمشق سنة ١٩٥١ م في ثلاثة مجلدات، وطبعة أخرى تقع في مجلدين بتحقيق سهيل زکار، بيروت: دار الكتاب، ١٩٩٧ م. (٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣. (٣) روزنثال: علم التأريخ ٢١٤. (٤) الوافي بالوفيات ٢٢:٤٢٣، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٢٦. (٥) فوات الوفيات ١: ٣١٩، ٤: ٢٥٧. (٦) الوافي بالوفيات ١: ١٩٥، ١١: ٣٧٥، ١٥: ١٨.

стр. 47

- مُرَادُ المُرَادِ، ومَوادّ المَوَادّ: ذَكَرهُ الشَّيخُ مُحمَّد العُرْضِيّ (من أهْل القَرْن الحادي عشر الهِجْريّ) في مَجمُوعتِه المَخْطُوطَةِ حَسْبما نَقَلَ عنه الطَّبَّاخُ (١)، ولم نَقِفْ على ذِكْرٍ للكتابِ فيما عَدَاهُ. - أرْبَعةٌ وخَمْسُون بَيْتًا في مَدْح السَّيِّدةِ عَائِشَةَ ﵂: ذَكَره بروكلمان، ونُسْختُه مَحفوظةُ في مَكْتبة برلين برقَم ٧٧٦٠/ ٢ (٢). - مَرْثيَةٌ يَنْدُبُ فيها سُقُوط حَلَب: ذَكَرها بروكلمان وعدَّها عَمَلًا مُسْتَقلًّا (٣)، وهي قَصِيْدَةٌ مِيْميَّةٌ طَويلةٌ، حَفِظتْ لنا بعضُ المَصَادرِ أبياتًا منها. - بُلُوغ الآمَال ممَّا حَوَى الكَمَال: يَشْتَملُ على مَجْمُوعةٍ من القَصَائِد والمُخَمَّسَاتِ في أغْراضٍ مُتَنوِّعةٍ مُرَتَّبة على حُروفِ الهِجَاء، وتُوجدُ نُسْخةُ منه بمَكْتبةِ البَلَديَّةِ في الإسْكَندريَّة برقم ٣٦١١ جـ (الأدَب)، وهذه النَّسْخَةُ تقَعُ في مُجلَّدٍ واحدٍ، وَقَعَ الفَراغُ من نُسْخِها سَنَة ٩٧٣ هـ (٤). - مِنْهاجُ في الأُصُولِ والفُرُوعِ على مَذْهَبِ أبي حَنِيْفة: انْفَرَدَ البَغْداديُّ بذِكْره ضمن مُؤلَّفاتِ ابن العَدِيْم (٥). المُنْتَقَى من تاريخ نَيْسابُور للحَاكِم: كَتَبَهُ ابنُ العَدِيم بخَطّهِ، ونَقَلَ عنه في هذا الكتاب سِبْطُ ابن العَجَميّ الحلبي (ت ٨٨٤ هـ) (٦). _________ (١) إعلام النبلاء ٤: ٤٥٩. (٢) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢. (٣) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢. (٤) فهرس بعض المخطوطات العربية المودعة بمكتبة بلدية الإسكندرية، إعداد محمد البشير الشندي ١: ١٠٢ - ١٠٣ (القاهرة: المطبعة المصرية، ١٩٥٤ م)، وانظر أيضًا: بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢، قال: "مجموعة من القصائد والموشحات [كذا] "، وأن الموجود منها بالإسكندرية مختصر. (٥) البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧. (٦) سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ١٠٠.

стр. 48

- كتابُ في الجهادِ: انْفَردَ ابنُ الشَّعَّار المَوصِليّ بذِكْره ضمنَ مُؤلَّفاتَ ابن العَدِيْم (١). - كتابُ سُوق الفاضل في تَرَاجِم الأفاضِل: نسَبَهُ الزّركليّ وكَحَّالة لابن العَدِيْم، وذَكَر الزّركليّ أنَّهُ اطَّلع على نُسْخةٍ منه تقَعُ في مُجلَّدين مَحْفوظة في مَكْتبةِ عارِف حكْمَت بالمَدِينة المُنَّورة (٢)، وفي فَهْرس مَكْتبةِ عارف حكمَت أنَّ عَدَدَ صَفحاته خَمسون صَفْحة! ورَقَمُه في المَكْتَبَةِ المذكُورة (١١٨ تاريخ) (٣). - المُلْحَةُ في الرَّدِّ على ابن طَلْحَة: كتابُ رَدَّ فيه ابنُ العَدِيم على تأْليفٍ الكَمالِ ابن طَلْحة في خِتَانِ النَّبيّ ﷺ وأنَّهُ وُلد مَخْتُونًا" (٤). - كتابُ في الرِّجالِ (الجَرْح والتَّعْدل): هذا الكتابُ ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ مَنْسُوبًا لابن العَدِيْم في باب: "المُتَكلِّمُون في الرِّجال"، ولم يُحدِّدْ أيّ بَني العَدِيْم ألَّفهُ وصَنَّفَهُ، ولعلَّ الأرجح. إن لَم يكُن كَمال الدِّين ابن العَدِيْم - فهو ابْنه مَجْد الدِّين عَبْد الرَّحمن الذَّي ذَكَرَ له السَّخَاوِيّ مُعْجمًا لشُيُوخِه (٥). - دِيْوانُ شِعْره: ذَكَرَ الأُسْتاذُ سامي الدَّهّان نَقْلًا عن الشَّيخَ الطَّبَّاخِ في كتابِه إعْلَام النُّبَلاء أنَّ لابن العَدِيْم ديْوانَ شِعْرٍ مَخْطُوطٍ في الإسْكَندريَّة (٦)، ولَم أجِدْ في فَهارسِ مَكْتبِة الإسْكَنْدريَّة ذِكْرًا له، ولم يَقِفْ عليه أيضًا الأُسْتاذُ الدَّهَّان مع شَدَّةِ _________ (١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٢٣. (٢) الأعلام ٥: ٤٠، ونقل الزركلي عن صَلَاح الدِّين المنجد أنه نَسَبَ الكتاب لمُؤِلّف آخر من أسرة بني العَدِيْم. (٣) كحالة: المنتخب من مخطوطات المدينة المنورة: مكتبة عارف حكمت (مجمع اللغة العربية بدمشق) ٦٠٤. (٤) ابن حَجَر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١: ٨٩، لسان الميزان ٥: ٣٠٩، السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ١٦٥، ولعل ابن طلحة المذكور هو محمد بن طلحة بن محمد القرشي النصيبي الشافعي (ت ٦٥٢ هـ) انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ٣: ١٧٦، ن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأتراك (مخطوط آيا صوفيا)، ورقة ٦ ب. (٥) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٣٥١. (٦) حياة ابن العديم ٣١، ولم أقف على ذكر ديوانه في كتاب الطباخ: إعلام النبلاء، وانظر عن شعره: محمد كمال: نظرات في شعر كمال الدين بن العديم، مجلة التراث العربي، دمشق، ع ٨٩، س ٢٣ (٢٠٠٣ م) ص ٣٤ - ٤٥.

стр. 49

تَطلُّبِه له، ولا يَبْعُدُ أنْ يكُونَ لابن العَدِيْم ديْوانُ شِعْر مَجْمُوع، فلَهُ الكثيرُ من القَصائِدِ الَّتي نَظَمَها في مُناسَباتٍ مُتَعدِّدة، وهي من الكَثْرةِ بحيثُ تُكوِّن دِيْوانًا، إذ أوْرَدَ له، ياقُوتُ ستَ مَقْطُوعاتٍ من بَوَاكِيِر شِعْره (١)، وأوْرَد له ابنْ الشَّعَّار المَوصِليّ ثَمانيةَ قَصائدَ في ثنايا التَّرْجَمَةِ له (٢)، وأوْرَدَ له اليُونِيْنيُّ عدَّةَ مَنْظُوماتٍ (٣)، وله قَصيْدَةٌ مِيْميَّةٌ طَويلةٌ قالَها بعد أنْ رَأى ما حَلَّ بحَلَبَ من الدَّمارِ والخَراب على يَدِ التَّتَار، وأوْرَدَ أبو الفِدَاء وبَدْر العَيْنيّ وابن الوَرديّ أبياتًا منها (٤)، ومَقْطُوعاتٍ من شِعْره أوْرَدها ابنُ شَاكر الكُتْبيّ والصَّفَديّ في تَرْجَمتَيهما له (٥)، وما أَنْشَدَهُ ابنُ العَديم من شِعْرِه لشَرَف الدَّين الدِّمْياطِيّ بَبْغَداد وفي طَرِيقِ عَوْدَتِهم بسَامرَّاءَ (٦)، وأيضًا ما أوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ (٧)، والمَقْريزيّ (٨)، وابنُ تَغْري بَرْدي (٩)، وابن العِمَاد الحَنْبَليّ (١٠). وتَكْشِفُ الأبْياتُ والقَصائدُ الَّتي وَصَلتْنا من قِيْلِه على مَقْدرةٍ كَبيرةٍ في نَظْمِ الشِّعر، وامْتِلاكِ أدَوَاتِه، بنَفَسٍ سَامٍ، وأُسْلُوبٍ سلِسٍ، طَرَقَ فيها مَوْضُوعاتِ الفَخْرِ والغَزَلِ والرِّثاءِ والإخْوانيَّات. وأخيرًا؛ فيَذْكُرُ القُرَشيُّ والسُّيوطِيُّ أنَّ ابنَ العَدِيْم ألَّفَ وصَنَّفَ في التَّاريخ والفِقْهِ والحَدِيثِ والأدَبِ (١١)، ولَم يَردْ في مَوْضُوعاتِ مُؤلَّفاته وكُتُبه الّتي سَبَق _________ (١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٨ - ٢٠٩١. (٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٢٣٤ - ٢٣٨. (٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١١ - ٥١٢، ٢: ١٧٩. (٤) المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠ - ٣٤٢، تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨. (٥) فوات الوفيات ٣: ١٢٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٥ - ٤٢٦. (٦) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ أ. (٧) الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٨ أ - ٢٣٨ ب. (٨) المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٦. (٩) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢١٠. (١٠) ابن العماد: شذرات الذهب ٧: ٥٢٦. (١١) القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤١٦.

стр. 50

تعْدَادها ما يتَّصِلُ بالحَدِيثِ النَّبويِّ الشَّريف، ولعلَّ فيما ضَاعَ من كُتُبه ما له اتِّصالُ بهذا العِلْم. أَوْلَادُهُ: كان وَالدُ كَمال الدِّين قد خَطَبَ له فتاةً من بَناتِ أعْياِن أهْلِ حَلَب، فوَقَعَ بينهم ما أوْجَب الطَّلاقَ، ثُمَّ زَوَّجَهُ وَالدُهُ في حُدُودِ سَنَة ٦١١ هـ بابْنَةِ الشَّيخِ بهاء الدِّين أبي القَاسِم عَبْد المَجِيْد بن الحَسَن بن عَبْد الله بن العَجَميّ، وهو شَيْخُ شَافِعيّ من بَيْت عِلْم وجاهٍ وثَرْوةٍ مَعْرُوفة في حَلَب (١)، واسْمُ ابْنةِ الشَّيخ بهاء الدّين ابن العَجَميّ هذه: ستُّ العَرَبِ، وهي عالَمِةٌ ومُحَدِّثةٌ، تَرْجَمَ لها الصَّفَديّ، وقال: "رَوَت عن الزَّكِيّ إبْرَاهيم الحَنَفيّ هي وبَناتُها. ولَهَا إجازَاتٌ من أبي الفُتُوح البَكْريّ وابن مُلَاعب وجَماعة. خرَّج لَهَا جُزءًا عنهم ابن الظَّاهِريّ وحدَّثتْ بِهِ، وتُوفِّيَتْ سَنَة ٦٧٥ هـ" (٢). وأنْجَبَ ابنُ العَدِيْم منها أولادَهُ المَذْكُورين تاليًا، وكُنْيتُه في أغْلَب المصَادر أبو القَاسِم، ويَردُ أيضًا: أبو حَفْص، وليس بين أوَلاده مَنْ يُسَمَّي بهذين الاسْمين، وهم: ١. أحْمَد بن عُمَر: وهو أكْبَرُ أوْلَاده، وسَمَّاهُ على اسْمِ أبيه، مَوْلدُه في جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ٦١٢ هـ، وأدْرَك آخرَ سَنَة من حَياةِ جَدِّهِ أحمد المُتوِفّي سَنَة ٦١٣ هـ (٣)، وهو خَامِلُ الذِّكْرِ، والذَّين تَرْجَموا له أوْرَدُوا ما ذَكَرَه وَالدُه عن مَوْلدِه فَقَط، ويَرِدُ عندَ ابن شَدَّاد وسِبْط ابن العَجَميّ اسْم: أحمد بن الصّاحِب كَمال الدِّين بن العَدِيْم، وذَكَرا أنَّه ماتَ ببلَادِ الرُّوم وحُمِلَ إلى حَلَب فدُفِنَ بها سَنَة ٦٣٨ هـ (٤)، فلعلَّه هو. _________ (١) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥. (٢) الوافي بالوفيات ١٥: ١١٩. (٣) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥، القرشي: الجواهر المضية ١: ٢٢٥، الغزي: الطبقات السنية ١: ٤٨١. (٤) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٨١، سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٣٥٨، وذكر ابن العديم في تذكرته ١٧٣ أن مولد ابنه أحمد في سنة ٦١٣ هـ.

стр. 51

٢. عَبْد الرَّحمن بن عُمَر أبو المَجْد: وُلدَ بحَلَب في مُسْتَهلِّ سَنَة ٦١٤ هـ، ووَلِيَ قَضاءَ القُضَاةِ على مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةَ، وحَدَّثَ وأفتى، وهو أكْثَرُ أوْلادِ كَمال الدّين شُهْرةً، وكان أوَّلَ حَنَفّي خَطَبَ بجَامع الحاكِم، وتَولَّى قَضَاء الشَّامِ، وزَاولَ التَّدْريسَ بدِمَشْقَ، واسْتَمرَّ في إلْقَاءِ الدُّرُوسِ حتَّى وفاتِهِ سَنَة ٦٧٧ هـ (١). ٣. شُهْدَة، أُمُّ الفَضْل: وُلدَتْ سَنَة ٦١٩ هـ، وكانتْ كاتِبَةً مُحَدِّثةً فاضِلَةً عَاقِلةً، سَمِعَتْ من الشَّيخ إبْراهيم بن عليِّ الحَنَفيّ، وجَعْفَر بن الكاشَغْريّ، وعُمَر بن بَدْر المَوصِليّ، ورَوَت بمِصْرَ ودِمَشْقَ وحَلَبَ، تُوفِّيَت بحَلَبَ سَنَة ٧٠٩ هـ (٢). ولعلَّ ابن العَدِيْم سمَّاها على اسْمِ الكاتبةِ المُحَدِّثةِ شُهْدَة بنت أحْمَد بن الفَرَج بن الإِبرِيّ البَغْداديَّة، والَّتي اتَّصَلَ إسْنادُها بالعَدِيدِ من الرِّواياتِ الَّتي أخَذَها ابن العَدِيْم من أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم الإرْيليّ. ٤. خَدِيْجَة؛ أُمُّ عُمَر: وُلدَتْ بعدَ سَنَة ٦٢٠ هـ، وكانت امْرأةً صالِحَةً جَليِلة، سَمِعَتْ من الشَّيخ إبراهيم بن عليّ الحَنَفيّ، وهي زَوْجَةُ قاضي حَمَاة عِزّ الدّين ابن العَدِيْم، ووَالدةُ قاضِي حَلَب كَمال الدِّين عُمَر بن عَبْد العَزِيز الحَنَفيّ، تُوفِّيَت بحَمَاة سَنَة ٧٠٨ هـ (٣). ٥. مُحمَّد بن عُمَر: ومَوْلدُه بحَلَب سَنَة ٦٣٥ هـ، سَمعَ من أبيهِ، ومن أبي القاسم بن قُمَيْرة، وأبي القَاسم بن رَوَاحَة، وأبي الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل وغيرهم، ودرَّس بحَلَب وهو ابنُ أرْبَعَ عَشرةَ سَنة، وقَدِمَ مِصْرَ وحدَّثَ بها، وتُوفِّي بحَمَاة _________ (١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ٣٠٦ - ٣٠٩، الوافي بالوفيات ١٨: ٢٠٢، القرشي: الجواهر المضية ٢: ٣٨٦، تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٢٤، المقريزي: المقفي الكبير ٤: ٨٩ - ٩١، السيوطي: حسن المحاضر ١: ٤٦٦ (أرخ مولده سنة ٦١٣ هـ)، وله معجم الشيوخ. السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٥. (٢) الذهبي: العبر في خبر من غبر ٤: ٢٢، الصفدي: أعيان العصر ٢: ٥٢٩، الدرر الكامنة ٢: ١٩٥ (وفيه: مولدها سنة ٦٢١ هـ)، شذرات الذهب ٨: ٣٨. (٣) العبر في خبر من غبر ٤: ١٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٨: ٣١.

стр. 52

سَنَة ٦٩٤ هـ وقيلَ في الَّتي تَلِيها، وكانتْ له اهْتِمامَاتُ عِلْميَّة مُتعدِّدةُ في العُلُومِ العَقْليَّة لا سيما الرِّياضيَّات (١)، وقد قيَّدَ اسْمهُ على طُرَّةِ كتابٍ في النُّجُومِ بخَطِّ أبي إسْحاق الصَّابِئ (٢)، وصَنَّفَ كتابَ الرَّائِضِ في عِلْمِ الفَرَائِض (٣)، وكانت بين يَديَه نُسْخةُ كتابِ بُغْيَة الطَّلَبِ بعدَ وَفاةِ والدِه، فاسْتَدْرَكَ عليها بخَطِّهِ في تَرْجَمَةِ أحمدَ بن عَبْد الدَّائم المَقْدسيّ (الجزء الثَّاني) إثبات تاريخ وفاته. ٦. زَيْنَب بنت عُمَر: رَوَتْ عن الرُّكن (٤) الحَنَفيّ، وتُوقِّيَتْ في ربيع الأوَّل سنة ٦٧٧ هـ (٥). ٧. زَيْنُ الحَرَمَيْن بنت عُمَر: وهي أُمُّ الإمام بهاء الدِّين يُوسُف بن العجمي. قال الذَّهَبيُّ: لها سَماعُ ولعلَّها حدَّثتْ، وكانت كاتِبةً خَيِّرةً، تُوفِّيَت سنَة ٦٨٢ هـ (٦). ٨. مُؤْنِسَة بنت عُمَر: رَوَتْ عن الرُّكْن إبْراهيم الحَنَفيّ، كأخَواتِها، وتُوفِّيَتْ بدِمَشْقَ في رَابع رَبيع الآخر سَنة ٦٩٠ هـ (٧). ٩. مَجْد الدِّين أبو مُحمَّد إسْماعِيْل بن عُمَر: انْفَرَدَ بذِكْره ابنُ الفُوْطِيّ، ولَم يَردْ لهُ ذِكْرُ عند غيره، وذَكَرَ أنَّهُ انْتَقَلَ من الشَّام إلى مِصْر، ورُتِّبَ خَطِيبًا بجامِعها، وتُوفِّي سَنَة ٦٦٠ هـ (٨). _________ (١) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٥: ٧٩٥، الوافي بالوفيات ٤: ٢٦٣ المقريزي: المقفي الكبير ٦: ٤٠٥ - ٤٠٦، ابن قطلوبغا: تاج التراجم ٢٢٨. (٢) نسخة محفوظة بمكتبة كوبرلي باستانبول برقم ٩٨٤، وصورة الورقة الأولى منها في: الفهرست للنديم، مقدمة المحقق ١/ ١: ١٩٠. (٣) ابن قطلوبغا: تاج التراجم ٢٢٨. (٤) كذا في تاريخ الذهبي حيثما يرد، ولعله: الزكي، المتقدم ذكره، وهو إبراهيم بن علي الحنفي. (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٥: ٣٣٧. (٦) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٥: ٤٦٦ - ٤٦٧. (٧) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٥: ١٧٤. (٨) ابن الفوطي: مجمع الألقاب ٤: ٤٠٢ - ٤٠٣، وانظر هامش المحقق رقم ٢ وفيه وجه للشكّ في اسمه ووفاته، وترجيح أن يكون المراد عبد الرحمن.

стр. 53

وَفاتُهُ: كان ابنُ العَدِيْم قد ارْتَحلَ إلى مِصْرَ للمرَّةِ الأخيرة في سَنَة ٦٥٨ هـ، وتُوفي بظَاهِرِ مِصْرَ في العشْرين من جُمادَى الأُولَى ٦٦٠ هـ، ودُفِنَ من يَوْمه بسَفْحِ المُقَطَّمِ بالقَاهِرة، وأرَّخَ الدِّمْياطِيُّ وَفاتَهُ بفُسْطاط مِصْر يوم التَّاسعَ عَشر من جُمادى الأُولَى وأنَّه دُفِنَ من يَومهِ بسَفْحِ المُقطَّم [بتُربَة] الأميرِ مُوسَى بن يَغْمُور (١)، والأوَّلُ هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ الشَّريفَ عِزّ الدِّين الحُسَيْنيّ حَضَرَ الصَّلاة عليه ودَفنه، وقَيَّدَ تاريخَ وَفاتِه (٢). وأرَّخَ ابنُ شَاكِر الكُتْبيّ وفاتَهُ خَطأً في سَنة ٦٦٦ هـ (٣)، واتِّفاقُ المَصادرِ جَمِيعُها على سَنة وَفاته، إضافةً إلى تَقْييد أبي شَامَة (ت ٦٦٥ هـ) لوَفاته كافٍ لدَفْع هذا المَسْألة، إذ كانت وَفاةُ أبي شَامَة قَبْلَ التَّاريخ الَّذي أوْرَده ابنُ شَاكر، قال أبو شَامة في حَوادثِ سَنَة ٦٦٠ هـ (٤): "وجِاءَنا الخَبَرُ من مِصْرَ بوفاةِ الصَّاحب كَمال الدِّين بن العَدِيم في العشْرين من جُمادَى الأولَى، وصُلِّي عليه بجامع دِمَشْق صَلاةَ الغائبِ". * * * هذه سِيْرةُ الرَّجُلِ، ومَلامحُ مُقْتضَبةٌ من حَياتِه العَمَليَّةِ والعلْميَّةِ الحافِلَة، تَجاوَزتُ فيها عن الإسْهابِ تَقيَّةَ الإطَالةِ، ويَحْسُنُ في ختامهِا إيْرادُ ما كَتَبهُ الجَمَالُ مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحَمَويّ الحَنَفيّ (ت ٨٧٧ هـ) على طُرَّة نُسْخَةِ الأصْلِ من هذا الكتاب "كتابُ بُغْيَة الطَّلب"، وهي تَرْجَمَةٌ مُخْتَصرةٌ مُجْمَلَة، تُحَوْصِلُ _________ (١) الدمياطي: معجم الشيوخ ٢: ورقة ١١٨. (٢) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩. (٣) فوات الوفيات ٣: ١٢٦، وتابعه على هذا الخطأ بعض المحدثين أمثال محمد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٦. (٤) أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١.

стр. 54

ما تقدَّمَ، أخَذَ جُلّها عن ابن شاكر الكُتْبيّ النَّاقِل عن ياقُوت الحَمَويّ، وأدْرَجتُ صُورتَها في نَماذجِ المصوَّراتِ آخر التَّمْهيد، قال ابنُ السَّابق الحَمَويّ: "عُمَر بن أحمد بن أبي الفَضْل هِبَة الله بن أبي غَانِم مُحمَّد بن هِبَة الله ابن قاضي حَلَب أبي الحَسَن أحْمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هارُون بن مُوسَى، بن عِيْسَى بن عَبْد الله بن مُحمَّد بن أبي جَرادَة عامِر بن رَبِيعَة بن خُوَيلِد بن عَوْف بن عامِر بن عُقَيل، الصَّاحِب العلَّامَة، رَئيس الشَّام كَمال الدِّين أبو القاسم الهَوَازنيّ العُقَيليّ الحَلَبيّ، المَعْرُوف بابن العَدِيْم. وُلد سَنةَ ستّ وثَمانينَ وخَمْسمائة، وتُوفِّي سَنَةَ ستِّين وسّتمائة، وسَمعَ من أبيه، ومن عَمِّهِ أبي غَانِم مُحمَّد، وابن طَبَرْزَد، والافْتِخار، والكِنْدِيّ، وابن الحَرَسْتانيّ، وسَمعَ جماعةً كثيرةً بدِمشْق، وحَلَب، والقُدْس، والحِجَاز، والعِرَاق. وكان مُحدَّثًا حافِظًا، مُؤرِّخًا صَادِقًا، فَقِيْهًا حَنَفيًّا، مُفْتِيًا، مُنْشِئًا بَلِيغًا، كاتِبًا مُجوِّدًا، درَّس وأفْتَى، وصَنَّفَ، وتَرَسَّلْ عن المُلُوك، وكان رَأسًا في الخَطِّ المَنْسُوبِ لا سَّيما النَّسْخ والحَواشِي. أطْنَبَ الحافِظُ شَرَفُ الدِّين الدِّمْياطيّ في وَصْفِه (١)، وقال: وَلِيَ قَضاءَ حَلَب خَمْسةُ من آبائِه مُتَتالية، وله الخَطُّ البَديْعُ، والحَظُّ (٢) الرَّفيعُ، والتَّصانيفُ الرَّائقةُ، منها تاريخُ حَلَب؛ أدْرَكَتهُ المنَيَّةُ قبلَ إكْمالِ تَبييضِه. ورَوَى عنه الدّواداريّ وغيرُه، ودُفِنَ بسَفْحِ المُقَطَّمِ بالقَاهِرة. قال ياقُوتُ: سَألتُه لِمَ سُمّيِتم ببَني العَدِيْم؟ فقال: سألتُ جَماعةً من أهْلي عن ذلك فلم يَعْرفوه، وقال: هو اسْم مُحْدَثُ لَم يكُنْ آبائي القُدَماءُ يُعْرَفونَ به، ولم يكُنْ في _________ (١) في الجزء الثاني من معجم شيوخ الدمياطي الورقة ١١٦ أ - ١١٧ ب. (٢) ابن السابق الحموي: الخط، والمثبت من معجم شيوخ الدمياطي وتاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، وفوات الوفيات ٣: ١٢٦، والوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢.

стр. 55

نِسَاءِ أهْلي مَن يُعْرَفُ بهذا، ولا أحْسَبُ إلَّا أنَّ جَدَّ جدّي القاضي أبا الفَضْلِ هِبَةَ الله بن أحمد بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن أبي جَرادَة - مع ثَرْوةٍ وَاسِعةٍ، ونِعْمةٍ شامِلَةٍ - كان يُكْثِرُ في شِعْره من ذِكْر العُدْم، وشَكْوى الزَّمانِ، فإنْ لَم يَكُن هذا سَيبهُ، فلا أدْري ما سبَبُهُ. قال: خَتَمتُ القُرآنَ ولي تسعُ سِنين، وقَرأتُ بالعَشْر ولي عَشرُ سنين. ولم أكْتُبُ على أحدٍ مَشْهُور، إلَّا أنَّ تاجَ الدِّين مُحمَّد بن أحمد بن البِرْفطيّ البَغْداديّ (١) وَردَ إلينا إلى حَلَب، فكتَبَتُ عليه أيَّامًا قلائِلَ، لم يَحْصُلْ منه فيها طائِلٌ. وله كتابُ الدَّراريّ في ذِكْر الذَّراريّ؛ جَمَعَهُ للمَلِك الظَّاهِر، وقدَّمَهُ إليه يَومَ وُلِدَ وَلَدهُ الَمِلكُ العَزِيز، وكتابُ ضَوْءِ الصَّبَاحِ في الحَثِّ على السَّمَاح؛ صَنَّفَهُ للمَلِكِ الأشْرَفِ، وكتابُ الأخْبار المُسَتفادَةِ في ذِكْر بني أبي جَرادَة، كتابٌ في الخطِّ وعُلُومِه ووَصْف آدابِه وطُرُوسِه وأقْلَامِه، وكتابُ دَفْعِ التَّجرِّي على أبي العلاء المعرِّيّ، وكتابُ الإشْعَارِ بما للمُلُوك من النَّوادِر والأشْعار. ومَّمن كَتَبَ اليه يَسْترفدهُ سَعْدُ الدّيِن مَنُوجَهر المَوصِليّ، وأمينُ الدِيّن ياقُوت المعروُف بالعالِم، وهو صِهْرُ ياقُوت الكاتِب الذي يُضْربُ به المَثَل. وكان في بعض سَفراتِه يَرْكَبُ في مِحَقَّةٍ تُشَدُّ له بين بَغْلَين، ويَجلْسُ فيها ويَكْتُب. وقَدِمَ إلى مِصْر رَسُولًا، وإلى بَغْداد، وكان إذا قَدِمَ مِصْرَ يُلازمُهُ أبو الحُسَيْن الجزَّار، وله فيه مَدَائِحُ". _________ (١) مُحمَّد بن أحمد بن مُحمَّد بن حمزة بن بريك البِرْفطيّ (ت ٦٢٥ هـ)، نسبته إلى بِرْفطا من قرى نهر الملك، وهو مشهور بحسن الخط وجودة التحرير. ياقوت: معجم الأدباء ٦: ٢٣٩١ - ٢٣٩٣.

стр. 56

الكتاب أهميته ومنهجه ومادته عُنْوانُ الكتاب: والمُبْتَدأُ بعُنوانِ الكتاب الَّذي غَلَبَ عليه اسْمُ: تاريخ حَلَب، وهو العُنْوانُ الَّذي قُيّدَ على طُرَّةِ بعض الأجْزاء المتبقيَّة من الكتاب، بخَطٍّ مُغاير لخط النُّسْخَة، وفي زَمَن مُتأخّر على تأْليِفها فيما يَبْدو (١)، وهو ذاتُ العُنوان الَّذي ذَكَرَهُ المُؤِلّفُ في مُقَدّمِة مُختَصَره "زُبْدَة الحَلْب"، يقُول: "ورَسمتُهُ بزُبْدَة الحَلْب من تاريخ حَلَب لأنَّهُ مُنْتَزعٌ من تاريْخي الكَبير للشَّهْبَاء، المُرَتَّب على الحُرُوفِ والأسْماء" (٢). أمَّا العُنوان الآخر المْسُجوع: "بُغْيَة الطَّلَب في تاريخ حَلَب" فلم يَردْ على غلَافِ أيّ من أجْزاءِ الكتاب، ولعلَّ المُؤِلّفَ ذكَرَهُ في مُقِدّمَتِه للكتابِ الَّتي ضاعَتْ مع ما ضاعَ من الأوْراقِ من أوَّل الجُزء وآخره، ووَرَد هذا العُنوانُ في مَوضِعَيْن من كتابِه هذا: ١. في أواخِر الجُزء السَّابِع، عند انتْهاءِ أحَد الأجْزَاءِ بحَسَبِ تَجْزِئة المُؤِلّفِ، ونَصُّهُ: "آخِرُ الجُزء الثَّامن والتِّسْعِين والمائة من كتابُ بُغْيَةِ الطَّلَب في تَاريْخ حَلَب، ويَتْلُوه في أوَّلِ الجُزءِ التَّاسِع والتِّسْعِين والمائة تَمَامُ الحِكايَة". _________ (١) جاء على غلاف الجزء الأول من نسخة الأصل: "كتابُ من تاريخ حلب لابن العَدِيْم وبخطه أحد عشر جزءًا" وضرب على كلمة: "من"، وضرب على عبارة: "بخطه أحد عشر جزءًا"، وعلى غلاف الجزء الثاني: "من تاريخ حلب"، وعلى غلاف الأجزاء الثالث والخامس والسادس والثَّامن: "من تاريخ حلب لابن أبي جرادة"، وعلى غلاف الجزء الرَّابع: "من تاريخ الصاحب"، وجاء الجزءان السابع والتَّاسع غفلًا من العنوان. (٢) زبدة الحلب ١: ٣١، ومن الجدير بالذكر أن المرحوم کرد علي وهو يعرض لثلاثة من مؤلفات ابن العديم ذكر کتاب زبدة الحلب وعرف به، وكل الذي قاله ينصرف إلى كتاب البغية لا إلى مختصره الزبدة، انظر: مُحمَّد كرد علي: تآليف ابن العديم، مجلة المجمع العلمي العربي، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٤٩ - ١٥١.

стр. 57

٢. وفي الجزءَ العَاشِر عند الانْتِهاءَ من تَقْييد الكُنَى: "آخِرُ الكُنَى من كتاب بُغْيَةِ الطَّلَب في تَاريْخ حَلَب". وفي سِيْرةِ ابن العَدِيْم الذَّاتيَّة، والَّتي كَتَبها لصَدِيقه ياقُوت الحَمَويّ "الأخْبار المُسْتَفادَة"، تَعْدادٌ لأسْماءَ مُؤلَّفاتِه، وذَكَرَ من بينها هذا الكتابَ، ويبدو أنَّ العَمَلَ وَقْتها على تأليفِه كان في بداياتِه الأُوْلَى، فالعُنوانُ الَّذي قيَدَه أقْرَبُ إلى عَرْضٍ للمُحْتَوى منه عُنوانًا للكتاب؛ سمَّاهُ: "كتاب تاريخ حَلَب في أخْبار مُلُوكها، وابْتداء عِمَارتها، ومَن كان بها من العُلمَاء، ومَن دَخَلَها من أهْل الحَدِيث والرِّوَايّة والدِّرَايَة والمُلُوك والأُمَراء والكُتَّاب" (١). وشاعَ بين المؤرِّخِين اسْتِخدامُ العُنْوانِ المُباشِر المُخْتَصِر "تاريخُ حَلَب"، مثْلما سمَّاهُ ابنُ الشَّعَّار (٢)، وأبو شَامَة (٣)، وابن خِلِّكان (٤)، واليُوِنيْنيّ (٥)، والدِّمْياطِيّ (٦)، وابن شاكِر الكُتْبيّ (٧)، والصَّفَديّ (٨)، والحُسَيْنيّ (٩)، والذَّهَبي في كتابيه العِبَر وتاريخ الإسْلَام (١٠)، وأبو الفِدَاء (١١)، والقُرَشيّ (١٢)، وابن حَبيب الحَلَبيّ (١٣)، وابن الوَرديّ (١٤)، وابن كَثِير (١٥)، _________ (١) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦. (٢) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣، وفيه: "التاريخ الذي صنعه لحلب". (٣) الذيل على الروضتين ٣٣١. (٤) وفيات الأعيان ١: ٣٥٨، ٦: ٤١، ٣٠١، ٤٢٢، ٧: ١٤١. (٥) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، ٢: ١٧٨. (٦) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ أ. (٧) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٧. (٨) الصفدي: الوافي بالوفيات ١: ٤٨ في تعداده للتواريخ المؤلفة في المشرق وبلاده، وأيضًا ٢٢: ٤٢٢. (٩) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، (١٠) الذهبي: العبر ٣: ٣٠٠، تاريخ الإسلام ٤: ٨٠٨، ١٤: ٩٣٨. (١١) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٢: ١٩٢ - ١٩٣، ٣: ٢١٥. (١٢) القرشي: الجواهر المضية ١: ٩٠، ٢٠٨، ٢٣٧، ٣٠٤، ٤٣٤، ٤٦٢، ٤٧٤، ٢: ٤٧، ٦٦، ١٩٩، ٢٩٢. (١٣) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب. (١٤) تاريخ ابن الوردي ٢: ٣٠٨. (١٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦. ابن حبيب: درة الأسلاك ورقة ٦ ب.

стр. 58

وبَدْرُ الدِّين العَيْنيّ (١)، والزَّرْكَشِيّ (٢)، والمَقْريزيّ (٣)، وابنُ تَغْري بَرْدي (٤)، والسُّيوطِيَّ (٥)، والمقرِيّ (٦)، وابن العِمَاد الحَنْبَليّ (٧)، وذَكَرهُ ابنُ الأثير ونَقَلَ عنه مرَّةً واحدة وسمَّاه: "كتاب أخْبار حَلَب" (٨). وأمَّا تَسْمِيَتُهُ باسْم: بُغيَة الطَّلَب في تاريخ حَلَب؛ فقد ذَكرَهُ بهذا العُنوانِ المُؤرِّخُ ابنُ شَدَّاد - وهو ممَّن عاصَرَ المُؤلِّف - في مَوْضعٍ واحدٍ من كتابه الأعْلَاقِ الخَطِيرة (٩)، ويتكَرَّرُ ذِكْرُهُ في مَواضعَ أُخْرَى عندَه باسْم "تاريخ حَلَب" أو "تاريخ الكَمال بن العَدِيْم" (١٠)، وكثيرًا ما يَنْقُل ابنُ شّداد عن المُؤلِّف دون ذِكْر العُنْوان: "قال كمال الدِّين"، أو "ذكر كَمال الدِّين"، إضافةً إلى كَثْرَة ما أخَذَهُ ونَقَلهُ عنه دون ذِكْره للمَصْدر أصْلًا. ووَرَد هذا العُنوانُ منذ القَرْن التَّاسِع الهِجْريّ وما بعدَهُ عند سِبْط ابن العَجَميّ (١١)، وابن قَطْلُوبْغَا (١٢)، وابن الشِّحْنَة (١٣)، والسَّخَاوِيّ الَّذي ذَكَرَهُ بالعُنْوانَين معًا "تاريخ حَلَب"،، و"بُغْيَة الطَّلَب" (١٤)، ورَضِي الدِّين بن الحَنْبليّ الحَلَبيّ (١٥)، وحَاجِي خَلِيفَة (١٦)، وإسْمَاعِيْل البَغْدادِيّ (١٧). _________ (١) بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠ (٢) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٣٣٧ ب. (٣) المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٢٦. (٤) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩. (٥) السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦، وبغية الوعاة ١: ٣، ٣٠٤، ٥٣٠، ٥٧٣، ٣: ٤٣٩. (٦) المقري: نفح الطيب ٣: ٣٣٤. (٧) ابن العماد: شذرات الذهب ٧: ٥٢٥ - ٥٢٦. (٨) ابن الأثير: التاريخ الباهر ١٢٦. (٩) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٦. (١٠) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٥٤، ١٠٣، ١٠٨، ١١١، ١٣١، ٢٧٤، ٣٠٥، ١/ ٢: ١١، ١٤، ٣٣، ٨٧، ١٠٦. (١١) كنوز الذهب ١: ٣٥٩. (١٢) ابن قطلوبغا: تاج التراجم ١٦٦. (١٣) ابن الشحنة: الدر المنتخب ٧. (١٤) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٧ - ٢٢٨، ٢٦٠. (١٥) در الحبب في تاريخ أعيان حلب ١: ١٠. (١٦) حاجي خليفة: كشف الظنون ١:٢٤٩، ٢: ٩٥٢. (١٧) هدية العارفين ١: ٧٨٧، وانظر أيضًا روزنثال: علم التأريخ ٢٣٣.

стр. 59

أهْمِّيَةُ الكتَاب: يُعدُّ هذا الكتابُ من الأُصُول الكُبْرَى المُوَثِّقةِ للتَّاريخ الإسلاميّ، الحَامِلَة للثَّقافة والأدَب العَرَبيّ، وقد أثْنَى عليه كَثيرٌ من المُؤرِّخين، ونَوَّهُوا بقِيْمَتِه في التَّأرِيخ لبلاد الشَّام خلالَ القُرون السَّبْعةِ الأُولَى من عُمْر الدَّولَة الإسْلاميَّة، وأهَمَّيته في التَّأريخ لدَولة بنى أيُّوب الَّتي عَاصَر المُؤلِّف مُلُوكها وأُمَراءها، وما سَرَدهُ من سِيَرهم وأخْبارهم في الحَوادثِ لعَهْدِ كُلٍّ منهم، قال الحُسَيْنيّ في تَرْجَمَة ابن العَدِيْم (١): "جَمعَ لحَلَب تاريخًا كَبيرًا أحْسَنَ فيه ما شَاء"، ونَقَلَ كَلامَهُ اليُوِنيْنيّ والذَّهَبي، وعَقَّبَ الذَّهَبي بعدَهُ بالقَوْل (٢): "قُلْتُ: مَنْ نَظَرَ في تاريخه عِلمَ جلالةَ الرَّجُل، وسَعةَ اطِّلاعه". وذَكَرهُ الدِّمْياطِيّ (٣): "تاريخ حَلَب الدَّالُ على [كَمَال] الفَضْل والمَطْلَب"، وقَوْل ابن حَبيب الحَلَبيّ: "وله تاريخٌ كَبيرٌ مُخْتَصٌّ بحَلَب، جَلَبَ إليه من الفَوائد والفَرائِد ما جَلَب" (٤)، ووَصَفُه المُؤرِّخُ ابن كَثِير بأنَّهُ تاريخٌ مُفِيدٌ (٥)، وزادَ ابنُ تَغْري بَرْدي بأنَّهُ تاريخٌ كبيرٌ في غايَة الحُسْن (٦). وفي مَعْرِضِ تقديم ابن الشِّحْنَة (ت ٨٩٠ هـ) لذَيْلِه على البُغْيَةِ، المُسَمَّى بالدرِّ المُنتَخَب، أشارَ إلى عَمَلِ ابن العَدِيْم، وأقَرَّ بفَضْلِه وقِيْمَته، غيرَ أنَّهُ الْتَمَسَ لنَفْسِه ما اسْتَوجَبَ التَّذْييل عليه: طُولُ الرِّوايات، وضَيَاعُ أجْزاءَ الكتاب، قال: "ولَم أَرَ لحَلَب تاريخًا مُخْتَصًّا بذِكْرها إلَّا ما جَمَعَهُ تاريخًا مُسْتَوعبًا لها الإمامُ كَمال الدّين أبو القاسِم عُمَر بن أحمد بن العَدِيْم الحَلَبيّ الحنفيّ، فأتْقَنَ وأجادَ وأطالَ، ولَم يُبَيّضْ منه إلَّا اليَسِيرَ، وأطالَ فيه من ذِكْرِ الرِّوايات والطُّرَف، فجاءَ مَعْنىً قليل في _________ (١) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، وانظر: اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨. (٣) معجم شيوخ الدمياطي ٣: ورقة ١١٧ أ. (٤) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب. (٥) ابن كثير البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦. (٦) بن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩.

стр. 60

لفظٍ كَثير، ولم يَسْبِقْهُ أحدٌ بتارِيخ لها على الخُصُوص … وتَفرَّقَت أجْزاؤه قَبْل الفِتْنَة التَّيْمُوريَّة، فلا تَجِدُ الآن منها إلَّا نَزْرًا، لَم أقِفْ منها إلَّا على جُزءٍ واحدٍ بخَطِّه فيه بعض حَرْف الميم" (١). ووَصفهُ السَّخَاوِيُّ (ت ٩٠٢ هـ) بالتَّاريخ الحافِلِ (٢)، لِمَا تَضَمَّنهُ من مادَّةٍ تاريخيَّةٍ وجُغْرافيَّةٍ عن بلادِ الشَّام عامَّةً والمنطقة الشَّماليَّةِ منه على وَجْهِ التَّحديد، وهي مادَّةٌ تفَرَّدَ المُؤلِّفُ عن أقْرَانه في كَثيرٍ من جَوانبها، ولِقيْمَةِ التَّراجم الَّتي ذَكَرَها، فكانتْ إفاداتُه - تَبعًا لذلك - مَصْدرًا للأَخْذِ والنَّقْلِ والاسْتِشْهادِ عندَ كَثيرٍ من اللَّاحِقيْن ممَّن أتَى بعدَهُ. ويَصْعُبُ، في هذا الحَيِّز المُتاح اسْتِعراضُ كافَّةِ الجَوَانِبِ الَّتي تَميَّزَتْ بها نُصُوصُ ابنِ العَدِيْم، وهي جَوانبُ وَاسِعَةٌ ومُتَشعِّبَةٌ، غير أنَّ في ذِكْرِ البَعْض منها ما يَجْزِئُ عن الكُلِّ، ويُقدِّمُ صُوْرةً عن القيْمة الحَقِيقيَّةِ للكتاب. فأُوْلَى هذه الجوانب: تتَّصِلُ بما قيَّدَهُ المُؤلِّفُ في الجُزءِ الأوَّل من كتابهِ، وهو الَّذي جَعَلهُ مُقَدِّمةً للعَمَل، وتضمَّنَ بَحْثًا في الجُغرافيَة الطَّبِيعيَّة والبَشَريَّةِ والتَّقْسِيماتِ الإداريَّةِ عن مَنْطِقَة شَمالِ سُوريا في القُرُون السَّبْعَة الأُوْلَى؛ مُنذ الفَتْح الإسْلاميّ وصُولًا إلى عَصْره، وشَكَّلَتْ مادَّتُه الأساسَ الَّذي ابْتَنى عليه بعضُ المُؤرِّخينَ اللَّاحِقينَ مُؤلَّفاتِهم، خاصَّةً ابنُ شَدَّاد في البابِ المتُعلِّقِ بحَلَب من كتابِه الأعْلَاق الخَطِيْرة؛ بمِصْرَاعَيهِ الأوَّل والثَّاني، وهو أيضًا القسْمُ - أعْنْي الكتابَ الأوَّل من البُغْيَة - الَّذي أثارَ اهْتِمامَ المُسْتَشرقين - خاصَّة الفَرَنسيِّيْن منهم - من أمْثالِ المُؤرِّخ م. كانار Marius Canard في دراسَتِه عن الحَمْدانيِّين، وجان _________ (١) الدر المنتخب ٧. (٢) الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠.

стр. 61

سُوفاجيه، Jean Sauvaget، وكلود كاهن Claude Cahen، وغيرهم (١). وفَضْلًا عن تأْرِيٍخ الكتابِ لشَمال بلاد الشَّام حتَّى مُنْتَصَفِ القَرن السَّابِع الهِجْريّ، وكَوْنِه سِجلَّا لأحْدَاث المَنْطِقَةِ في تلك الحِقْبةِ المُمتدَّةِ، فتَبْرُزُ قيْمتُهُ أيضًا في احْتِفاظِه بنُصُوصٍ طَويلةٍ من كُتُبٍ مَفْقُودَةٍ كَثيرةٍ لَم تَصِلْنا، حَفظَها ابنُ العَدِيْم - وَحْدَهُ - ونَقَلَها إلينا، تَتَوزَّعُ مَوضُوعاتُها بين التَّاريخ، والأدَبِ: المَنَثُور والمنَظُوم، والأنْسَابِ والتَّراجِم، وغير ذلك، فعلى سَبيل المثالِ، لَم تكُنْ مَعْرفتُنا بأحْوالِ الثُّغُورِ - الجَزْريَّة منها والشَّاميَّة - المُتَاخِمَةِ لبلادِ الرُّوم، على هذا الوَجْهِ من الوُضُوح لولا ما اسْتَقْصاهُ عنها ودَوَنَهُ في كتابِه، ولولا احْتِفاظُهُ بنُصُوصٍ طَويلةٍ من "كتابِ سِيَر الثُّغُور" لأبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ (ت نحو ٤٠١ هـ)، وهو كتابٌ عَزيْزٌ في غايَةِ النُّدْرَةِ والفَرادَة، وَضَعهُ للوَزِيرِ أبي الفَضْل جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَات المعْرُوف بابن حنْزَابَة (ت ٣٩١ هـ). ومُؤلِّفهُ ممَّن سَكَنَ الثُّغُورَ، وعايَنَ أحْوالَها إبَّانَ حِقْبَةِ الاعْتَداءاتِ الرُّوميَّةِ المُتَلاحِقَة على الثُّغُورِ في مُنْتَصَفِ القَرْن الرَّابع الهِجْريّ، وقدّمَ وَصْفًا دَقِيقًا لحيَاةِ المُرَابطينَ والسُّكَّان في أجَلّ مُدنِ الثُّغُور _________ (١) بحسب فؤاد سزكين في مقدمة الجزء الأول من مصورة بغية الطلب دون رقم، وأيضًا: Geschichte des arabischen Schrifttums،Vol ١،p ٤٤٣ بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٠. ومن الغريب أن كتابًا بهذه الأهمية ينل الاعتناء في الأوساط العلمية الغربية، بينما أغفلت الاستفادة منه بعض الدراسات العلمية العربية التي تناولت حلب في مختلف العهود، فدراسة رعد البرهاوي بعنوان: أجناد الشَّام "دورهم السياسي والعسكري في العصر الأموي" لم تستفد منه، وهي رسالة ماجستير منشورة، أعدت بجامعة الموصل ونُشرت بعمان (دار الكتاب الحديث، ٢٠٠٦ م)، وكذلك دراسة نعمان جبران وعنوانها: مملكة حماة في العهدين الأيوبي والمملوكي، رسالة ماجستير غير منشورة (الجامعة الأردنية، ١٩٨١ م)، وحماة كانت في اعتبارات ابن العديم من إقليم حلب، وأيضًا دراسة جورج طريف وعنوانها: حلب في العصر المملوكي الأول، رسالة ماجستير منشورة (عمان: وزارة الثقافة، ٢٠٠٨ م)، واقتصر فيها على الاطلاع على الجزء الأول من بغية الطلب، إلى غير ذلك من البحوث والدراسات العلمية المتخصصة التي تجاوزت عنه.

стр. 62

"طَرسُوسِ" والمُدنِ والحُصُون المجاوِرَة لها كأَذَنَة والمِصِّيْصَة؛ وهي المُدنُ الَّتي كانت مسْرَحًا لانْطِلَاقِ الحَمَلَات العَسْكريَّةِ تجاه الرُّوم، بل ورَسَم خِطَطَ المَدِينةِ وأَحْياءها وسِكَكها وجَامِعَها، وما قُرّرَ بها على سَبِيلِ الوَقْفِ، وتَرْجَمَ لعُلَمائها، إلى غير ذلك من الإفاداتِ الَّتي تضَمَّنها الكتابُ ممَّا نقَلَهُ ابنُ العَدِيْم. ونُدِيْنُ لابنِ العَدِيْم في مَعْرِفَتِنا بالكتابِ أصْلًا فضلًا عن مادَّته، فلم يَذكُرْه غيرُه، بل إنَّ الحَافِظَ ابنَ عَساكِر - وقد أفْرَدَ للطَّرَسُوسِيّ تَرْجَمَة في تاريخه (١) - لم يَذْكُر له كتابًا!. وبَلَغَتْ نُقُولُ ابنِ العَدِيْم من هذا الكتابِ أكْثَرَ من ثلاثينَ نَصًّا، من بينها خُطْبَةُ الكِتابِ، وجاءَتْ أكْثَرُ نُصُوصِه في الجُزءَ الأوَّل، إضافة إلى ما أوْرَدَهُ مُفَرَّقًا في بعضِ التَّراجم، خاصَّةً ما وَرَدَ في الجُزء العاشرِ الخاصِّ بالكُنَى. وثَمَّةَ مثالٌ آخرَ يُدَلِّلُ على قِيْمةِ الكتابِ، ويتَّصِلُ بالجُزْءَ الأوَّلِ من عَمَل ابن العَدِيْم (المُقَدِّمة)، يَتَمثَّلُ في البابِ الَّذي خَصَّصَهُ المُؤلِّفُ لإحْصَاءَ ورَصْدِ الوجُودِ السُّكَّاني في حَلَب وجِوَارِها، وعُنْوانُه "بابُ في ذِكْر مَنْ نَزل من قَبائِل العَرَب بأعْمالِ مَدِينة حَلَب، ومَن كان قَبْلَهُم في سَالِف الحِقَب"، وكان مُسْتَنده الرَّئيسيّ في هذه البَحْث كتابٌ اسْمُه: "دِيْوان العَرَب، وجَوْهَرة الأدَب، وإيْضاخ النَّسَب"، لمُؤلِّفٍ خَامِل الذِّكر لَم يُترجِمْ له أحدٌ، اسْمُهُ مُحمَّد بن أحمَد بن عَبْد الله الأَسَدِيّ، من أهْلِ القَرْن الرَّابع الهِجْريّ ظنًّا، وهو كتابٌ مَفْقُودٌ لم يَصِلْنا منهُ سِوى القِطَع والنُّقُول العَدِيْدة الَّتي أوْرَدَها ابنُ العَدِيْم، ولولا هذا المَصْدَر لتَعَذَّرَ علينا مَعْرفةَ القَبائِل الَّتي كانتْ تَقْطُن في جُنْدِ قِنَّسْرين خلال القُرُون الأرْبَعةِ الأُوْلَى، خُصُوصًا بعدَ ضَياعَ القِسْم الخاصِّ بقَبائِل هذا الجُنْد من كتابِ البُلْدان لليَعْقُوبيّ. وأصْبَحَ بإمْكانِنا - بمَعُونَةِ كتابِ الأَسَدِيِّ - تَلَمُّسُ الوجُودِ القَبَليِّ في إقْليم حَلَب "جُنْد قِنَّسْرين"، ومَعْرفَةُ أماكِنِ سُكْنى القبَائِل، _________ (١) تاريخ ابن عساكر ٣٨: ٤١٨ - ٤٢٠.

стр. 63

وتَمْييزُ أهْل الوَبَرَ عمَّن خَرَجَ عن البادِيَةِ فالْتَحَقَ بأهْل المَدَر، وما طَرأَ عليهم من هِجْراتٍ وارْتِحال. وبمُناسَبةِ ذِكْر كتابِ البُلْدان لليَعْقُوبيّ، فقد وَصَلَنا عَمَلهُ البُلْدانيّ باسْتِثناءَ القسْمِ الخاصِّ بجُنْد قِنَّسْرين، الَّذي وقَعَ اسْتِلَاله من مَخْطُوطَةِ الكتاب، ولَم يَتَبقَّ منه إلّا بضْعةُ أسْطُرٍ، وهذا القِسْمُ الضَّائِع من الأهَمِّيَةِ بمكان لاخْتِصَاصِه بذِكْرِ القَبَائِل الَّتي تتَوَزَّعُ في المُدنِ والنَّواحِي، ولحُسْنِ الحَظِّ فقد نَقَلَ ابنُ العَدِيْم بَعْضًا من مادَّة اليَعْقُوبيّ هذه، فجاءَت النُّصُوصُ الَّتي حَفِظها ابنُ العَدِيْم لتُطْلِعُنا على ما كَتَبَهُ اليَعْقُوبيُّ حِيالَها، وبَقِيَتْ من كتاب اليَعْقُوبيّ بعضُ الإشارَاتِ عن مَواضعَ نَسَبَها اليَعْقُوبيّ إلى جُنْدِ حِمْص، وهي في اعْتِباراتِ ابنِ العَدِيْم من جُنْدِ قِنَّسْرين؛ مثل: مَعَرَّة النُّعْمان وفَامِيَة وكَفَرْطَاب وحَمَاة. أمَّا فيما يتعلَّقُ بالتَّراجِم، والَّتي تَشْغَلُها بقيَّةُ أجْزاءَ الكتاب، فقد صَنَعَ ابنُ العَدِيْم تَراجِمَ مُتَميِّزةً لأعْلَامٍ من العَرَبِ والعَجَمِ على السَّواء، من أهْل العِلْم والأدَبِ والسِّيَاسَةِ وحتَّى عُقَلاءَ المجانِينِ، تَجْمعُهم حَلَبُ إمَّا بالسُّكْنَى والإيْطانِ أو بالمُرُورِ والعُبُور، وهي تَراجِم تَسْتَمدُّ قيْمَتَها ممَّا ضَمَّنَهُ المُؤلِّفُ في التَّعْريف بهم، وما سَاقَه في التَّضَاعيفِ من أشْعَارِهم ورِوَاياتِهم وأخْبَارِهم. إنَّ تَميُّزَ ترَاجِمِ ابنِ العَدِيْم وفَرَادَتها تَكْشِفه - على سَبِيل التَّدْلِيل لا التَّخْصِيص - السِّيْرةُ الَّتي صَنَعها لأبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، فهو وإِنْ لَم يكُن الوَحِيدَ الَّذي تَعرَّضَ بإسْهابٍ للتَّعْريف به، إلَّا أنَّه ذَكَرَ في تَرْجَمتِه بعض ما لا يُوجَدُ عندَ غيره، وانْفَرَدَ عن أقْرانِهِ بالمَعْلُوماتِ الطَّريفَةِ الَّتي أَوْرَدَها، إذْ ليس هناك من أدِيْب ولا مُؤرِّخٍ اسْتقصى - على سَبيل المثال - مكان سُكْنى المُتَنَبِّي من مَدينةِ حَلَب، بينما حدَّد ابنُ العَديم مَوْضعَه (الجزء الثَّاني):

стр. 64

"وكان نُزُولُه بحَلَب في مَحلَّتِنا المَعْرُوفةِ بآدر بني كِسْرَى. قال لي وَالدِي: وكانت دارهُ دَارًا هي الآن خَانكَاه سَعْد الدِّين كُمُشْتكِيْن مُلَاصقَة لدَارِي". ويَنْفردُ أيضًا بذِكْر قُدُوم المتُنبِّي إلى مِصْرَ مرَّتين، مرَّةً في سَنَة ٣٣٥ هـ، وأُخْرى سَنَة ٣٤٦ هـ، والمَشْهُورُ المَعْرُوفُ عند المُؤرِّخينَ أنَّه زَارها مرَّةً واحدةً (٣٤٦ هـ) وأقام فيها برفْقةِ كافُور. فكانت تَرْجَمتُهُ للمُتَنَبِّي من أكْمَل التَّراجمِ وأوْعَبها، وهي تَرْجَمَةٌ طَويلةٌ تَقَعُ في نحو ٦٠ ورقة من الأصْلِ المَخْطُوطِ، وقد نوَّه الأُسْتاذُ مَحْمُود شاكِر - يَرْحمه الله - بأهَمِّيةِ هذه التَّرْجَمةِ في دِراسَاتِه المُسْتَفيضَةِ عن المُتَنَبِّي، واسْتَعانَ بها كثيرًا، وأشارَ إلى تَفرُّدِ ابن العَدِيْم في كَثِيرٍ من اللُّمَع الَّتي أَماطَتِ اللِّثَام عمَّا لَاكَتْهُ الأَلْسُنُ حَوْلَ حَياةِ المُتَنَبِّي (١). ونَقِفُ في تَراجِمِ وابن العَدِيْم على أسْماءَ لأعْلَام مَغْمُورين، لَم يَرِدْ لهم ذِكْرٌ فيما عَدَاهُ، ولولا ما قيَّدَهُ عنهم لطَواهم النِّسْيانُ، وانْدَثَر ذِكْرُهم، وانْقَطَعَ خَبَرهم. ويَشْتَملُ الكتابُ أيضًا على كَميَّة كَبيرةٍ من القَصائِدِ والأشْعارِ والمَقْطُوعات الشَّعْريَّةِ لكَثير من الشُّعَراءَ، وأَغْلَبُه ممَّا لم يَجْتَمعْ في دِيْوان، إضافَةً إلى حِكايات أدَبيَّةٍ ورِوَايات تاريخيَّة، اسْتَمدَّ ابنُ العَدِيْم بعضَها من مَصادرَ لم تَصِلْنا ولَمِ ترَدْ عندَ غيره. وعلى ما حَفِظَهُ ابنُ العَديم من قَصائدَ ومَنْظُوماتٍ، أُقِيْمت بعضُ دواوينِ الشِّعر أو اسْتُدْرِكَ عليها، وأُعِيْدَ - بفَضْله - الاعْتِبارُ لعَدَد كَبير من الشُّعَراءَ. مَنْهَجُ ابنُ العَدِيْم في تَصْنِيف الكِتَاب وتَرْتِيبه: تَقيَّلَ ابنُ العَدِيْم - في مَنْهِجِه وخِطَّتِه - سَنَنَ الخَطِيب البَغْدادِيّ في كتابِه "تأريخَ مَدِينَة السَّلام"، وسَلَكَ منْهجه، ولعلَّ ابنَ العَديم ضَمَّن خُطْبَة كتابَ البُغْيَة، الَّتي ضاعَتْ بضَياعَ الأوْراقِ الأُولَى من الجُزءَ الأوَّل، جانبًا من خِطَّتِه، وطَرِيقَته، والغايةِ من تَصْنِيفِه الكتاب. _________ (١) محمود شاكر: المتنبي ٦٠٥ - ٦٥٦.

стр. 65

إنَّ وجُودَ الجُزءَ الأوَّل بين أيْدينا، إضافةً إلى أجْزاءَ مُتَفرِّقَةٍ من نصْفِه الأوَّل، وكَذا الجُزء قَبْلَ الجُزئين الأخِيرَيْن منه، تُتِيحُ لنا مَعْرِفَةَ مَنْهجِه في التَّأَلِيفِ وتَرْتيبِ مادَّة الكتابِ، وإنْ كانَ ابنُ الشَّعَّارِ المَوصِليّ قد قرَّر بأنَّهُ سَلكَهُ على غِرَارِ كتاب بَغْداد: "حَذا فيه حَذْوَ تاريخ الخَطِيْب أبي بَكْر بن ثابِت"، (١)، وألَّفَهُ على نَمطِه (٢)، لَم يَشُذْ عنه حتَّى في مَداخِل الأبْوابِ والفُصُولِ الّتي تَسْبقُ مَجامِيع أسْماءَ التَّراجم، وإنْ خَالَفَهُ في التَّرْتيبِ في تَراجِم المحمَّدين الَّذين سَلَكهمِ الخَطِيبُ في أوَّلِ التَّراجمِ، عل عادَةِ بَعْض المُؤرِّخِين في تَقْديمهم على غَيْرهم، وتَقْديم العَبادِلَة على بَقيَّةِ العُبّاد تَبَرُّكًا بهم، بينما رَاعَى ابنُ العَدِيْم التَّرْتيبَ على حُرُوف المُعْجَم، فأَخَّرَ ذِكْرَهُم إلى مَوْضِعه. وعَمَلُ ابن العَدِيْم أيضًا لا يبعُدُ عن طَرِيقَةِ ابن عَساكِر في كتابِه "تاريْخ مَدِينة دِمَشْق"، لكن اخْتِلَافَ مَشْرَبِ كُلٍّ منهما انْعَكَسَ جَليًّا على عَمَليهما، فابنُ عَساكِر - لتكوينه الحَدِيثي - حَشَدَ في كتابِه جُمْلَةً كثيرةً من الرِّواياتِ الَّتي تَعَدَّدَتْ فيها طُرُقُ النَّقْل والرِّوَايةِ وإنْ اتَفقَتْ في المَتْنِ والمَضْمُون، بينما كانَ ابنُ العَدِيْم أكْثَرَ انْتِقاءً وتَحْريرًا لنُقُولِهِ، وأحْرَصَ على جَوْهَرِ المادَّة، وإنْ لَم يُغْفِلْ مَصْدَرَ النَّقْل وسَنَدَ الرِّوايَة. وفي الكتابِ الأوَّل الَّذي خَصَّصَهُ المُؤلِّفُ للكَلامِ على حَلَب وما يُجاورُها، وما فيها من أنْهارٍ وبُحيراتٍ ومَعالَمَ ومَشاهدَ، فإنَّهُ لَم يخْرُجْ عن مَنْهَجِ الحافظَيْن: الخَطِيبِ البَغْدادِيّ وابن عَساكِر، إذْ خَصَّصَ الخَطِيبُ الجُزءَ الأول من كتابِه للكلَام على مَدِينة بَغْداد وأوَّلِيَّةِ تَأسِيسها، وخِطَطِها، وفَضَائلِها، ومَحاسِن أهْلها، وذِكْر نَهْريها: دِجْلَة والفُرَات، وتَعْدَاد مَساجِدها، وجُسُورها، وما يتعلَّقُ بنَواحِي المَدِينة، _________ (١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣. (٢) روزنثال: علم التأريخ ٢٣٣.

стр. 66

ومَرافِقها المُختَلِفة (١)، وخَصَّصَ الحافِظُ ابن عَساكِر المجَلَّدَيْن الأوَّلَيْن من كتابِه للحَدِيث عن مَدينةِ دِمَشْق وفَضائلِها ومَعالمِها، وقد أثْنَى ابنُ العَدِيْم على عَمَله، واسْتَفادَ منه، وأحَالَ على ما أوْرَده ابنُ عَساكِر في فَضَائل الشَّام، يقول (الجزء الأوَّل): "وقد ذَكرَ الحَافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشْقِيّ في تاريخ دِمَشْقَ من فَضْلِه ما كَفَى، وأوْردَ في ذلك من الأحاديثِ والآثار ما أشْبَعَ القَولَ فيه وشَفَى، فإنَّه أطالَ فيما ذَكَرَهُ وأطْنَب، وأكْثَرَ النَّقْلَ فيما أوْردَهُ وأسْهَب، ومَدَّ عِنَانَ قَلمِهِ فيما سَطرَهُ وأطْلَقَهُ، وأوْسَعِ المجالَ في كُلِّ حَديثٍ أسْنَدَه وبيَّن طُرُقه، فاكْتَفَيْنا بما نقلَهُ وأوْردَهُ، واسْتَغنينا بما رواه في فَضْل الشَّام وأسْنَدَه، إلَّا إنَّا لم نَرَ إخْلاءَ كتابِنا هذا عن إيْرادِ شيءٍ من فَضْله، ولا إسْتَحْسنَّا تَركَ التَّنبيهِ على ما وَرَد فيه وفي أهْلهِ، فاقْتصَرنا من ذلك على القليل، واكْتَفَيْنا بالإشَارةِ إلى وَجْهِ الدَّليل". وعليه فقد جَعَلَ ابنُ العَدِيْم الكتابَ الأوَّلَ من تارِيْخهِ كالمُقَدِّمةِ لعَمَله، بل إنَّهُ يُشُيرُ إليه في ثَنايا التَّراجمِ باسْم "مُقَدِّمة الكتاب"، أو "دِيْباجَته"، وعلى هذه المُقَدِّمَة مَدارُ بَقِيَّة الأجْزاء فيمَن تَرْجَم لهم، ويقُولُ روزنثال: "إنَّ ابنَ العَدِيْم يَسْتَحقُّ الذِّكْرَ لا لأَنَّ لبعضِ تَراجِمهِ خَصائِصَ تاريخيَّة، بل لأنَّ المُقَدِّمةَ التَّأريخيَّةَ لأحْسَنِ على يَده فَصْلًا ضَخْمًا عن جُغْرافيَّةِ شَمالي سُوريا، وأنَّها بُحِثَتْ تَبَعًا لأحْسَنِ المَصادِر وقُدِّمَتْ فيها مَعلُوماتٌ ثقافيَّة غَنِيَّة" (٢). واسْتنادًا إلى مُلاحَظةِ روزنثال هذه، فقد تَمَيَّزَ ابنُ العَدِيْم في هذه المُقَدِّمةِ عن سَلَفه الخَطِيب، البَغْدادِيّ وابن عَساكِر، إذ جَمَعَ مادَّةً جُغرافيَّةً وَاسِعة وقَيِّمة عن المَنْطقةِ الَّتي شَمِلَها إقْليمُ حَلَب، وهو المُعَبَّرُ عنه قَديمًا بجُنْدِ قِنَّسْرين _________ (١) ينظر في ذلك الدراسة الضافية للأستاذ الدكتور بشار عواد معروف في مقدمة تحقيقه للكتاب ١: ٧٥ وما بعدها. (٢) روزنثال: علم التأريخ ٢٣٣ - ٢٣٤.

стр. 67

ثُمَّ مَمْلكةُ حَلَبَ فيما بَعد، ورَصَدَ أقْوالَ الجُغْرافيِّيْن، ومُدَوَّناتِهم وإفاداتِهم، وحَفِظَ لنا نُصُوصًا غائبِة - أو في حُكْم الضَّائِعةِ - وكانتْ عَيْنُه البَصِيْرةُ نقَّادَةً لتلك الأخْبار والنُّقول، فعلى سَبيل المثال أطْلَعَنا ابنُ العَدِيْم على نُصُوصٍ جُغْرافيَّة للمُهَلبيّ ممَّا ضَمَّنَهُ كتابهُ المَسَالِك والمَمالِك، المَعْروف اخْتِصارًا بالعَزِيزيّ، والَّتي لَم تَصِلْنا إلَّا من طَريقه وبَعْضُها من طَريقِ صَدِيقه ياقُوِت الحَمَويّ، أَثْبَتَها وتَتَبَّعَها بالنَّقْدِ والتَّصْويبِ والشَّرْحِ والتَّوْضِيح. وحَفِظَ لنا بعض نصُوصِ رِحْلَةِ أبي الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ (ت ٢٨٦ هـ) الَّتي رَافِقَ فيها الخليْفةَ المُعْتَضدَ بالله في سَفَره عام ٢٧١ هـ لقتالِ خُمَاروَيْه، إضافةً إلى نُصُوصٍ أُخْرَى للسَّرْخَسِي من كتابِه المَسالِك والمَمَالِك، ورِسَالته في البحارِ؛ المفقُودِ أصْلُهُما، وكتابِ المسَالِك والممَالِك لمُحمَّد بن أحمد الجَيْهانِيّ، ومثلُها عَشَراتُ الكُتُبِ والرَّسائل والمجامِيع الَّتي تفرَّدَ المُصَنِّف بذِكْرها والنَّقْل عنها. وعلى غِرار ما فَعَلَهُ أسْلافُه الحافِظَان: الخَطِيب البَغْدادِيّ وابن عَساكِر وغيرهما ممَّن اعْتَني بالتَّأْريخ البُلْدانيّ، فقد اقْتَصَرَ في كتابهِ على ما يتَّصِلُ بمَدِيْنةِ حَلَب وما يَتْبَعُ إليها من قُرَى ونَواحٍ دُونَ سِواها من حَواضِرَ وأقاليمِ الدَّوْلَة، وأشارَ إلى جانِبٍ من الخِطَّة الَّتي رَسَمها لنَفْسِه في عِدَّة مَواضعَ، فبعد أنْ عدَّدَ المواضِعَ الَّتي تَنْدَرج ضمنَ أعْمال حَلَب، قال (الجزء الأوَّل): "فهذه المُدُنُ والثُّغُورُ الَّتي أوْرَدنا ذِكْرَها في هذا الفَصْل هي شَرْطُ كتابنا هذا، وقد بيَّنَا أنَّها من أعْمَال حَلَب، وإنْ وقعَ الاخْتلَافُ في بَعْضِها، فلا بُدَّ من ذِكْرِها في هذا الكتاب، وذِكْر ما وَرَد فيها، وذِكْر مَنْ دَخَلَها أو اجْتَازَ بها، أو كان من أهْلِها إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى". وفي كَلامِه على الإقْليم الرَّابع بحَسَبِ تَقْسِيمات الجغرافيِّين، وهو الإقليمُ الَّذي تقَعُ حَلَب ضِمْنه، وعندَ نقله من جُغْرافيا بَطْلَمْيُوس، وما عدَّدَهُ من أسْماءِ المُدن

стр. 68

المشهُورةِ في الإقليم الرَّابع، انْتَخَبَ منها ما يتَّصِلُ بإقْليم حَلَب، قال (الجزء الأوَّل): "قال - أي بَطْلميُوس -: وعَرْضُ هذه البُلْدانِ جميعها من ثلاثٍ وثلاثين دَرَجَةً إلى تسعٍ وثلاثين دَرَجَةً. وعَدَّ غيرَ هذه المواضع من المُدُن لم أكْتبها لأَنَّهُ لا يتَعَلَّقُ بذِكْرِها لي غَرضٌ، وانَّما غَرَضي منها ما ذَكَرتُه لأنَّهُ من أعْمَالِ حَلَب، حَرَسها اللهُ تعالى". وفي كلامِهِ على ما يتعلَّقُ بحَلَبَ من المَلَاحِم (الجزء الأوَّل): "وذَكَرَ ابنُ المُنادِي أشْياءَ من المَلَاحِم اخْتَصَرتُها أنا، وذكَرتُ ما يتَعلَّقُ بحَلَبَ وأعْمالِها". ومثلُ ذلك في بابِ التَّراجم، فقد تَجاوَزَ عن التَّرْجَمَةِ لبعضِ أبْناءَ المنطقةِ ممَّن انْقَطَعتْ عَلاقَتُهم بها، ولا تَجْمَعُهم بها رَابِطةُ سُكْنى أو مُرُور؛ أمْثال أبي عليّ المُحَسِّن التَّنُوخِيّ (ت ٣٨٤ هـ)، فقد انتقَلَ أبُوه إلى العِرَاقِ فوُلِد له المحسِّن بالبَصْرَة، وبَقِي في العِراق، وكانت وَفاتُهُ ببَغْداد، وصَرَّحَ ابنُ العَدِيْم بأنَّهُ تَجاوز عن التَّرْجَمَةِ له أثْناءَ الكَلام على التَّنُوخيِّين بحَلَب ونَواحِيها، قال (الجزء الأوَّل): "وأوْلَد أبو القَاسِم ببَغْداد ولده المُحَسِّن بن عليّ التَنُوخِيّ مُؤلِّف نِشْوار المُحَاضَرة، وكِتاب الفَرَج بعدَ الشِّدَّة، وليسَ هو من شَرْطِ كتابِنا هذا". وعلى هذا النَّهْج سَلَك كتابهُ، وعلى قاعدةٍ مُقرَّرةٍ سارَ في تأْليفه، فجاءَ رَسْمُه مُطابقًا لاسْمه "تاريخ [إقْليم] حَلَب"، مُخْتصًّا بهذه البُقْعَةِ من بلادِ الشَّام، تَعْرِيفًا بمُدنِها وقُراها ومَعالمِها الطَّبيعيَّة، وتأْريخًا لحَوادثِ وأيَّامها، وتَعْريفًا برِجالها وعُلمَائها: من أهْل البَلَد أو الطَّارئين عليها. وابنُ العَدِيْم؛ وقد قدَّمَ تَراجِمَ مُتَميِّزة؛ اسْتَقْصَى فيها أخْبارَ المتَرْجَم لهم، وتَتَبَّعَ أحوالَهم بحَسَبِ ما سَمحتْ به مَصادرُ العَصْرِ، وما تَوفَّر لدَيه من رِوَاياتٍ

стр. 69

وأخْبار، فلَم يَكُنْ حصَّادًا للأخْبارِ، جَمَّاعًا لها من المَصادرِ؛ يَحْشُرها دون تَمْحيصٍ ولا تَثَبُّتٍ، بل عَمِلَ على الانْتِقاءَ، والتَّقْليل من التَّكْرار من خلالِ الإحَالةِ على أخْبارٍ تقدَّمَ ذِكْرُها عندَه واتَّصَلتْ بأكْثَرَ من عَلَم. وغَلَبَ عليه طابعُ المُؤرِّخ المُدَقِّق، فامْتَازَ بنَظْرتهِ النَّقديَّة الفاحِصَةِ الصَّارِمَة، فلم يَكُنْ نَاقِلًا للنُّصُوصِ والرِّواياتِ فقط؛ بل نَاقِدًا لها، ومُعلِّقًا على ما يُؤكِّدُ أو يَنْفي كَلامَ مَن تَقَدَّمَهُ، وهو أيضًا يُصحِّحُ ويَعْترضُ ويُؤيِّدُ، ويَعْضُد الأقوالَ أو يُضَعِّفُها، كُلُّ ذلك يَكْشِفُ عن نَفَسٍ تَأْريخيٍّ عَميق، وسَعَةٍ في الاطِّلَاعَ، وفي النَّماذِج التَّالية ما يُغْني عن الشَّرْح: ففي تَرْجَمةِ المُتَنَبِّي (الجُزء الثاني) نَقَلَ ابنُ العَديم نصًّا من رسَالةِ ابن القَارِح (دَوْخَلَة)، يَذُمّ فيه المُتَنبِّي، مُسْتَنِدًا في ذلك إلى كتابٍ في التَّاريِخ اجْتَمعَ على تأْليفِه ابنُ أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ، ومَضْمُونُه: "أنَّ الوَزِيرَ عليّ بن عِيسَى جلسَ للنَّظَرِ في المَظَالِم، وأحْضَرَ مَجْلسَهُ المُتَنَبِّي وكان مَحْبُوسًا ليُخلي سَبيلَه، فناظرَهُ بحَضْرَةِ القُضَاةِ والفُقَهَاء، فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيَّ، ولي علامةٌ في بَطْنِي، خاتَمُ النُّبُوَّةِ، وكشَفَ عن بَطْنِه وأراهُم شَبِيهًا بالسَّلْعَةِ على بَطْنهِ، فأمرَ الوَزيرُ بصَفْعِه فصُفِعَ مائة صفْعَة، وضَرَبه وقَيَّده، وأمَرَ بحبسهِ في المُطْبَق". وبعد أنْ عادَ ابنُ العَدِيم إلى كتابِ التَّاريخ المُشَارِ إليه، وجَدَ القصَّةَ في حَوَادثِ سَنَة ٣٠٢ هـ، فحقَّق المَسْألةَ بالقَول: "فبانَ لي أنَّ أبا الحَسَن عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيّ [دَوْخَلَة]، رأى في تاريخ ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ ذِكْرَ أحْمَدَ المُتَنَبِّي فظَنَّهُ أبا الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَين، فوقعَ في الغَلَطِ الفَاحِشِ لجَهْلهِ بالتَّاريخ، فإنَّ هذه الوَاقِعَةَ مَذْكُورَةٌ في هذا التَّاريخ في سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثِمائة، ولم يكُن المُتَنَبِّي وُلدَ بَعْدُ، فإنَّ مَولدَهُ على الصَّحيح في سَنَة ثَلاث وثَلاثِمائة، وقيل إنَّ مَولدَه سَنَةَ إحْدَى وثَلاثِمائة، فيكونُ له من العُمْر سَنَة واحدةٌ. وأبو مُحَمَّد عبد الله بن الحُسَين الكاتب القُطْرُبُّلِيّ، ومُحَمَّدُ بن أبي الأزْهَر ماتا جميعًا قبلَ أنْ يَتَرعرعَ المُتَنَبِّي ويُعْرَف.

стр. 70

وهذا المُتَنَبِّي الّذي أحْضرَهُ عليُّ بن عِيسَى هو رَجُلٌ من أهل أصْبَهَان تَنَبَّأ في أيَّامِ المُقْتَدِر، يقالُ له: أحْمَدُ بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ، ووَجَدْتُ ذِكْرَهُ هكذا مَنْسُوبًا في كتابِ عُبَيْد الله بن أحْمَد بن طَاهِر الّذي ذَيَّلَ به كتابَ أبيه في تاريخ بَغْدَاد". وفي تَرْجَمَةِ أبي العَرَب البَادِيسِيّ المَغْرِبيّ، نَقَلَ كَلامَ الحافِظ ابن الدُّبَيْثِيِّ، وعَقَّبَ عليه بالقَوْل (الجزء الرَّابع): "كذا قال ابنُ الدُّبيْثِيِّ: مَنْسُوبٌ إلى بَلْدَةٍ بالمَغْرب تُسَمَّى بَادِيْس! وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، وبَادِيْسُ اسْمُ رَجُلٍ يَنْتسب إليه جَمَاعَةٌ من المُلثَّمةِ، وفيهم مُلُوكٌ منهم: تَمِيْم بن بَادِيسْ، وهذا سَبْتِيٌّ، وبَادِيْس الَّتى هي المَدِينَةُ ليسَ هذا منها، واللهُ أعْلَمُ". وفي تَرْجَمَةِ قسيم الدّوْلةِ آق سُنْقُر نَقَلَ من تاريخ عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، وعلَّقَ على ما وقَعَ فيه من أخْطاءَ بالقول (الجزء الرَّابع): هكذا نَقَلْتُ من خَطِّ ابن مُنْقِذ، وفيه أَوْهَامٌ! من جُمْلتِها أنَّهُ قال: فكَسَرَهُ تاجُ الدَّوْلَةِ بأرضِ تُبَّل. وليسَ كذلك، بل بأرْضِ سَبْعِين أو كَارِس من نُقْرَة بَني أَسَد. وتُبَّل ليست من هذه الكُورَة، وبينهما مَسَافَةُ يومٍ. ومن جُمْلَةِ أَوْهَامِه أنَّهُ قال: جلَسَ في قلعَةِ حَلَب، وضَرَبَ رَقَبةَ آقْ سُنْقُر فيها. وليسَ الأمْرُ كذلك، بل ضَرَبَ رَقَبتَهُ عَقِيب الكَسْرة بسَبْعِين، أو كَارِس، ورُوْمِي ابن وَهْب حَكَى له صُوْرةَ قَتْله، لا أنَّهُ كان بحَلَب، والَّذي قَتَلهُ تاج الدَّوْلَة صَبْرًا بحَلَب هو بُزَان صاحِبُ الرُّهَا، وكان انْهزَمَ في هذه الوَقْعَةِ إلى حَلَب. فلمَّا دَخَلَها تاجُ الدَّوْلَة أحْضَرَه وقَتلَه، وقيلَ: بل أسَرَهُ وحَمَلَهُ إلى حَلَب فقتَلَهُ على ما نَذكُرُه في تَرجَمَتِهِ إنْ شَاء اللهُ تعالَى.

стр. 71

وقال: بَقي قَسِيمُ الدَّوْلَةِ في قَبْرِه من سَنَة خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَةِ ستٍّ وعشرين. وهذا طُغْيَانٌ من القَلَمِ، فإنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَةِ قُتِلَ سَنَة سَبْعٍ وثمانين، وقد ذَكَرهُ كذلك". وقال في تَرْجَمَةِ حُجْر بن عَدِيّ الأدْبَر الكِنْدِيّ بعد أنْ نقَلَ رِوايَةً من تاريخ ابن عَساكِر وَقَعَ الخَطَأُ فيها (الجزء الخامس): "قُلتُ: هكذا جاءَ في هذه الرِّوَايَةِ: فيهم الأشْعَثُ بن قَيْس، وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، فإنَّ هذه القِصَّةَ كانتْ في سَنَةِ إحْدَى وخَمْسِين أو في سَنةِ خَمْسِين، والأشْعَثُ ماتَ في سنةِ أرْبَعيْن قبْلَ هذه الوَاقِعَةِ بإحْدَى عَشْرة سنةً، وقد ذَكَرنا فيما نَقَلْنَاهُ عن ابنِ دِيْزِيْل أنَّ الّذي طَلَبَ منه مُعاوِيَةُ إحْضَارَ حُجْر إليه هو مُحَمَّد بن الأشْعَث. والعَجَبُ أنَّ الحافِظَ أبا القَاسِم ذَكَرَ هذه القِصَّةَ بهذا الإسْنَادِ ولم يُنبِّه على هذا الوَهْم". وابنُ العَدِيْم صانعُ تَراجِم، إذ لم يَكْتَفْ برَصْدِ تراجم الحلَبيِّيْن أو أولئك الَّذين مرُّوا بحَلَب أو زَارُوها، ممَّا وَجَدَهُ مُترجَمًا في كُتُبِ الرِّجالِ والتَّراجم، بل قد نَجِده يُقِيمُ تَرْجَمَةً لأحَدِهم من تَضاعِيْفِ أسانيدِ الأحادِيث أو الأخْبار، ويَتَتبَّع أخْبارَه في مَظانِّ الكُتُب، مُنْفردًا بالتَّعريفِ به. ورتَّب التَّراجِمَ على التَّرْتيبِ الألفْبائيّ في الأسْماءَ، وكذا في الآباءَ، ثُمَّ في الأجْدَادِ ودَواليك، ويُلحِقُ الاسْمَ - أحيانًا - بالتَّعْريفِ بنَسَب المُتَرْجَمٍ له أو نِسبتِه، ثُمَّ ذِكْرَ اخْتصاصه من العُلُوم كالفِقْه، أو الحَدِيث، أو الأدَبِ: كتابةً وشِعْرًا، إلى غير ذلك من ضُرُوبِ المَعْرفةِ وأبْوابِ العِلْم، ثُمَّ يُعَدِّدُ شُيُوخه وتَلاميذه، ويُثْبِتُ نُصُوصًا ممَّن تَرْجَمَ له، وأُخْرَى من مَرْويَّاته أو من نتاجِه الشِّعْريّ، وَيَعْرضُ جانبًا من حَياتِه وسِيْرَتِه، ويَخْتمُ التَّرْجَمَةَ بالتَّاريخ لوَفاتِه وإيْرادِ الأقْوالِ إذا ما تعدَّدَتْ واخْتَلَفت.

стр. 72

وتَتَبَّعَ - في تَراجِم المُلُوكِ والأُمَراءَ والقادَة ومَن يَجْري مَجْراهم - ظُرُوفَ عَصْرِهم ومُشَارَكتهم في الأحْدَاثِ الكائنة لعَهْدِهم، وما وقَعَ في أخْبارِهم وسِيَرِهم من وَقائعَ ومُجْرَيات. ولَم يُعَيِّنْ لتَرَاجِمِهِ مَساحةً محُدَّدةً، فجاءَتْ مُتفاوِتَةً في الطُّولِ والقِصَر، أقلُّها صَدُّ الاكْتِفاء بالاسْم وتَعْريفٍ صغير كتَرْجَمةِ أحمدَ بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن خُزَيْمَة الهَرَويُّ، أبي إسْمَاعِيْل الحدَّادُ الصُّوْفيّ المَعْرُوف بعَمّوَيْه، والَّتي لم تَزِدْ عن ثلاث كَلَماتٍ: "شَيْخ الصُّوْفيَّةِ بهَرَاة"، وتَرَكَ له فَراغًا لاسْتكمالِ تَرْجمَتِه، وأكْثرُها يَمْتَدُّ لصَفحاتٍ كثيرةٍ تَزِيدُ على السِّتِّين والسَّبْعين، بحَسَبِ قِيْمة المتَرْجَمِ له ومَكانتِه وأثَرِه، وأيضًا بحَسَبِ ما يَقَعُ له من أخْبارِهِ وسِيْرتِه، كتَرْجَمةِ الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالب، وأبي الطَّيِّب المُتَنبي، وأبي العَلاء المَرَّيِّ، وأبي العتَاهيَة، والحجَّاج بن يُوسف الثَّقفيّ. ويلفتُ النَّظَرَ في كتابِه جنُوحُهُ إلى الإحَالةِ ليَسْلَم من التَّكْرار، بما يَجْعَلُ الكتابَ وِحْدةً واحدةً، يُحِيلُ على الأحاديث والرِّواياتِ والأخْبار والتَّراجم. ومن خِلَال إحَالاته الكَثيرة تبَيَّن لنا كَثْرةَ المَفْقُود من كتابه وقِيْمَته. وتَرْجَم لبعضِ الأعْلام ممَّن وَقَعَ الاخْتِلَافُ في تَسْمِيتهِم على رَسْم كُلّ اسْمٍ من أسْمائِهم، فمثلًا تَرْجَم لأبي لَيْلى الأنْصَاريّ في حَرْف الدَّال على ما قيل في أنّ اسْمَهُ داوُد بن بلَال، وتَرْجَم له في اسْم يَسار (وهو في الضَّائعِ من الكتاب وأحَالَ عليه)، وتَرْجَم له أيضًا في الكُنَى. وتَرْجَم لأحمدَ بن حَمْدُون المَعْرُوف بالقَنُوعِ المَعَرِّيّ، وهو أيضًا ممَّن وقَعَ الاخْتِلافُ في اسْمه؛ فقيل فيه: أحمد بن مُحَمَّد بن حمْدُون، وقيل فيه: أحْمَد بن مُحمَّد عِوَضَ حَمْدُون، فأفْرَدَ له تَرْجَمةً تحتَ اسْمِه الأوَّل (الجزء الثَّاني)، وتَرْجَمَ له أيضًا

стр. 73

باسْمِ أحمد بن مُحَمَّد بن حَمدُون (الجُزء الثَّالث)، وتَرْجمةً أُخْرَى قي الألْقَاب (الجُزء العاشِر) تحتَ لَقَبِ القَنُوع المَعَرِّيّ، وفي كُلِّ واحدةٍ من هذه التَّراجِم أوْرَدَ له أشْعارًا مُخْتلِفَةً. وقد نبَّه على ذلك عندَ تَرْجَمته الأُولَى له: "وَسَنَذْكُر في كُلّ حَرْف ما سُمِّي به، ونُوردُ من شِعْره في ذلك الحَرْف ما نُسِبَ إلى ذلك الاسْم، والّذي يترجَّح عندي أنَّ اسْمَهُ: مُحَمَّد بن حَمْدُون لأنَّ الأكْثَر عليهِ، واللهُ أعْلَمُ. وتَرْجَم لشاعِرٍ اسْمهُ عبد الله بن مُحمَّد المُخْتَرز (أو المُحْتَرز)، ويُلَقَّبُ بالأحْوَصِ في أرْبَعةِ مَواضِعَ: في أسْماءَ العَبَادِلة؛ وهي تَرْجَمَةٌ ضائعةٌ، وتَرْجَم له أيضًا في الأسْماءَ باسْم الأحْوَص (الجُزء الثَّالث) وتَرْجَمَ له في الكُنَى والألْقاب في تَرْجَمتَيْن مُنْفردتَيْن الأحْوَص الذُّفافِيّ، والمُحْتَرز الذُّفَافيّ!. ودَمَجَ ابنُ العَدِيْم أحيانًا التَّرْجَمَةَ لشَخْصَين وجَعلَهُما في تَرْجَمَةٍ واحدةٍ، وَقعَ هذا في الجُزء العاشِر الخاصِّ بالكُنَى والألْقاب؛ كتَرْجَمتِه في كُنَى العَبادِلَة لأبي عَبْد الله الشِّبْليّ، خَادِم المُتَنَبي، وأبي عَبْد الله الدَّنِف الشَّاعِر، جَمَعَهُما لاقْتِرَانهما في الكُنْيَةِ ولاتِّصالهما بالمُتَنَبِّي، فهُما - كما عَرَّفَ بهما ابنُ العَدِيْم - من طَبَقَةِ المُتَنَبِّي وأقْرَانهِ، "كانا عند أبي الطَّيِّب بحَلَب مع جَمَاعَةٍ من الشُّعَراء، فَجَمَعْتُ بينهما في هذه التَّرْجَمَةِ لتَضَمُّن الحِكايَة ذِكْرَهُما جَمِيعًا"، ومثل: "ابْنا مَالِك الأسْلَميَّان"، الَّذَيَنْ أعاد التَّرْجَمَةَ لهما أيضًا باسم "ابْنَا هاشِم الأسْلَميَّان" بحَسَب اخْتِلافِ الأقْوَال في اسْم أبيهما، و"الخالِديَّان المَوْصِليَّان" ابْنا هاشِم العَبْدِيّ. وتَرْجَم أيضًا لجَماعاتٍ تَجْمَعهُم النِّسْبَةُ إلى القَبِيلةِ أو إلى الصَّنائِع؛ كتَرْجَمتِه في الجُزءَ العاشِر للشِّبامِيِّيْن ممَّن كانوا مع الإمام عليّ كَرَّم اللهُ وَجْهه في صِفِّين، وبني الصُّفْريّ؛ مَوَالِي صالِح بن عليّ بن عَبْد الله العبَّاسِيّ، سُمُّوا بذلك لاسْتِعمالهم آلات الصُّفْر، وهم الَّذين يُسَمِّيهم أهْلُ حَلَب الطَّشْتِيَّة.

стр. 74

أمَانَتُهُ: ويتَّصِلُ بمَنْهجِه في التَّألِيفِ: أمانَةُ النَّقْل ودِقَّةُ التَّوْثيق، وهي تفُوقُ في دِقَّتها مناهِجَ التَّوْثيق الصَّارِمَةَ في زَماننِا، ولعلَّهُ مأخوذٌ بقُوَّة ما تَعاطاهُ من الفَتْوى والحَدِيث والفِقْه، إذ اتَّبعَ طَريقَ عَزْوٍ وتَوْثيقٍ لكُلِّ مَصادرِه، ولم يُغْفِلْ إسْنادَه (مَصْدره) حتَّى في رِواياتِه عن أخَصِّ أهْلِه: والدِه وعَمِّه أبي غَانِم، فلم يُوْردْ نقلًا دُونَ ذِكْر المَصْدَر، وكيفَ وَصَل إليه؛ حتَّى لو كانَ أخْذُه من على ظَهْر كتابٍ، ويَعْزو الأقْوالَ إلى أصْحابِها، ويُعَدِّد الأسَانيدَ وإنْ طالَتْ، ويَصِفُ النُّسَخَ الَّتي بين يَديه، ويَضَعُ الفُروقَ بينها إذا ما تعدَّدتْ عندَه النُّسَخ، وفي النَّماذجِ التَّاليةِ ما يُدلِّل على تَحَرِّيهِ وطَرْيقَةِ تَوْثِيقه، فيَقُول عن نُسْخةِ كتاب الحاَفِظِ للمُنَادِي المَقْرُوءة على مُؤلِّفها (الجُزء الأوَّل): "وقَع إليّ كتابٌ ألَّفهُ أبو الحُسَيْن أحمدُ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيد الله المُنَادِي، سَمَّاهُ: الحَافِظَ لمَعارفِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمر والنُّجُوم في آفاقِها، والأقالِيْم وأسْمَاءَ بُلْدانها في سِياقها، وهو مَسْموعٌ عليه، وأحْسَبُه بخطِّهِ، فقَرَأتُ فيه … ". وأيضًا اعْتِناؤه بوَصف النُّسَخ الَّتي يَعْتَمدُ عليها كُودُكولجيًّا وبَيَان حالتها وخَطِّ كاتبها، وما عليها من سَماعات وخُطُوط لمُؤلِّفيها أو خُطوط عُلَماء مُعْتَبرين، مثل (الجزء الأوَّل): "وَقَعَ إليَّ مَجمُوعٌ بخَطِّ بعضِ الفُضَلَاء، يتضمَّن فِقَرًا وقَواعِدَ وأخْبارًا وفوائِدَ، في نُسْخةٍ عَتِيقة؛ يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ كاتِبَ النُّسْخَةِ جَمعَ المَجمُوع، فقَرأتُ فيه … ". وفي تَرْجَمَةِ المُتَنَبِّي (الجزء الثَّالث):

стр. 75

"وقَرأتُ في جُذَاذَة طِرْس مَطْرُوح، في النُّسْخَة الّتي وَقَعَتْ إليَّ بسَمَاعَ جَدِّ جَدِّ أبي القَاضِي أبي الحَسَن أحْمَد بن يَحْيَى بن زُهَير بن أبي جَرَادَة، من شِعْر المُتَنَبِّي على مُحَمَّد بن عَبْد الله بن سَعْد النَّحْوِيّ الحَلَبِيّ، وفيها مَكتُوبٌ بغير خَطِّ النُّسْخَة … ". وفي تَرْجَمَة إسْحاقَ بن صَالِح بن عليّ الهاشِمي (الجُزء الثَّالث): "وَقَعَ إليَّ مُدْرَجٌ بخَطِّ الشَّريف هَادِي بن إسْمَاعِيْل بن الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن الحُسَيْنيّ، كَتَبَهُ ووضَعَهُ وذهَّبَهُ للسُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه، في النَّسَب .. ". وأيضًا في الجزء الأوَّل: "وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِيْر بن عُفَيْر في سَنةِ سَبْعَ عشرةَ، في نسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ صَحِيْحة، قال: … ". وفي تَرْجَمَة الحَسَن بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع التِّنِّيْسِيّ (الجزء الخامس): "ووَقَعَ إليَّ نُسْخَة من شِعْره صَحيْحة؛ ابْتَدأ في أوَّلِ الدِّيْوَان وقال: قال أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع، وخَتَمَهُ بقَوْله: آخر شِعْر أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن وَكِيع، ثُمَ إنَّهُ كَتَبَ بعدَهُ: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرِها مَكْتُوبًا: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرها بخَطِّ ابن وَكِيع يقُول: … ". وفي تَرْجَمَةِ الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ بن المُعلِّم الحَلَبِيّ (الجزء الخامس): "وقَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَان نَبَأ بن مَحْفُوظ الأدِيْب الدِّمَشقيّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من نُسْخَةٍ نُقِلَت من خَطِّ عَبْدِ الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيِّ من شِعْر أبي مُحَمَّد الخفاجِيّ، وعليها بخَطِّ عَبْد الوَدُود النَّحْوِيّ عند ذِكْر أبْياتِ أبي مُحَمَّد عند قَوْله … ".
следующие страницы →