← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ابن حَسَنَة صَاحِب رسُول الله ﷺ - وكان أحْفَظَ مَنْ بالثُّغُور في زَمانهِ - قال: سَمِعْتُ مُوسَى بن الحَسَن المِصْرِيِّ بالمَدِينَة، قال: سَمِعْتُ هارُون بن سَعِد يقُول: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يقُول: شَرِبْتُ اللُّبَانَ للحِفْظ، فأَعْقَبني صبَّ الدَّمِ. أحمد بن مُحَمَّد بن أبي سَعْدَان، أبو بَكْر الشَّافِعيّ الصُّوْفيّ البَغْدَاديُّ (١) من كِبَار شُيُوخ الصُّوْفيةِ وعُلمَائهم، نَزَل طَرَسُوس، وكان صَحِبَ الجُنَيْد بن مُحَمَّد، وأَبا الحُسَين النُّوْرِيِّ، وصحبَهُ أبو القَاسِم المِصْرِيِّ، ورَوَى عنهُ شيئًا من كَلَامهِ أبو القَاسِم جَعْفَر بن أحْمَد الرَّازِيِّ. أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور المَرْوَزيّ في كِتَابِهِ إليْنَا منها، قال: أخْبَرَنا أبو الخَيْر جَامِع بن عبد الرَّحْمن بن إبراهمِ السَّقَّاء الصُّوْفيّ، قِراءَةً عليهِ بنَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الصَّفَّار الصُّوْفيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلميّ (٢)، قال: ومنهم - يعني من مَشَايِخ الصُّوْفيَّة - أبو بَكْر بن [أبي] (a) سَعْدَان، وهو أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي سَعْدَان البَغْدَاديّ، من أصْحَاب الجُنَيْد والنُّوْرِيِّ، وهو أعْلَم مَشَايخ الوَقْت بعُلُوم هذه الطَّائفَة، وكان عَالِمًا بعُلُوم الشَّرْع، مُتَقَدِّمًا (b) فيه، يَنْتَحِل مَذْهب الشَّافِعيّ، وكان أُستاذ (c) أبي القَاسِم المِصْرِيّ ﵁، ويَعْرِفُ من عُلُوم الصَّنْعَة وغير ذلك، وكان ذا لسَانٍ وبَيَانٍ، وبَلَغَني أنَّهُ كانَ بطَرَسُوس، فطُلِبَ مَنْ يُرْسَل بهِ إلى الرُّوم، فلم يَجِدُوا مثْلَهُ في فَضْله وعِلْمِهِ وفَصَاحَته وبَيانهِ ولِسَانهِ.

стр. 1262

قال السُّلَمِيُّ (١): سَمِعْتُ الشَّيْخ أبا القَاسِم جَعْفَر بن أحْمَد الرَّازِيِّ، يقُول: سَمِعْتُ أبا الحَسَن بن حُذَيْق (a) وأبا القَاسِم (b) الفَرْغَانيّ يقُولان: لَم يبقَ في هذا الزَّمان لهذه الطَّائِفَةِ إلَّا رَجُلَان: أبو عليّ الرُّوْذبَارِيُّ بمِصْرَ، وأبو بَكْر بن أبي سَعْدَان بالعِرَاق، وأبو بَكْر أفْهَمُهُمَا. وقال (٢): سَمِعْتُ أبا القاسِم الرَّازِيّ يقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر يقول: مَنْ صَحِبَ الصُّوْفيَّةَ فليَصْحَبْهُم بلا نَفْس ولا قَلْب ولا مِلْك، فَمَتى نَظَرَ إلى شئٍ من أسْبَابِه قَطَعَهُ ذلك عن بلُوغ مَقْصَدهِ. أحمد بن مُحَمَّد بن أبي الوَفَاء بن أبي الخَطَّاب بن مُحَمَّد بن الهِزَبْر الرَّبَعِيُّ، أبو الطَّيِّب المَعْرُوفُ بابنِ الحَلَاوِيّ المَوْصِلِيُّ (٣) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ فَاضِلٌ، حَسَنُ المُفَاكَهَة والأخْلَاق، قَدِمَ علينا حَلَب في أيَّام المَلِك العَزِيزَ مُحَمَّد ابن المَلِك الظَّاهر غَازِي، وامْتَدَحهُ بها، وأقامَ بها مُدَّةً. وجالَسْتُه، وسَمِعْتُ منه شَيئًا من شِعْره بحَلَب.

стр. 1263

وخَرَجَ عن حَلَب إلى بلدهِ، وتَوَجَّه إلى بَغْدَاد، وامْتَدَح الإمَام المُسْتَنْصِر أبا جَعْفَر المَنْصُور أَمِير المُؤمِنِين ﵀، ثمّ عاد إلى المَوْصِل وأقام بها، وأجْرَى له أميرها بَدْر الدِّين لُؤْلُؤ جَاريًا حَسَنًا، واجْتَمَعْتُ به فيها، وأنْشَدَني مَقَاطِيع من شِعْره، وكان حينئذٍ قد غَيَّر مَلْبُوسَهُ وتَزَيَّا بزيّ الأجْنَاد، وكان اجْتِمَاعي بهِ بالمَوْصِل بمَشْهَد البَرَمَةِ يَوْم التَّاسِع من مُحَرَّم سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وستَّمائة. أنْشَدَنا شَرَف الدِّين أبو الطَّيِّب أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الوَفَاء المَعْرُوفُ بابنِ الحَلَاوِيّ لنَفْسِه بالمَوْصِل من لَفْظه (١): حَكَاهُ من الغُصْن الرَّطِيْب وَرِيقُهُ … وما الخَمْرُ إلَّا وَجْنَتَاهُ ورِيْقُه هِلَالٌ ولكن أُفْقُ قَلْبي مَحَلُّه … غزَالٌ ولكن سَفْحُ عَيْني عَقيْقُه وأَسْمْرَ يَحْكي الأسْمَرُ اللَّدْنُ قدَّهُ … غَدَا رَاشِقًا (a) قَلْب المُحبِّ رَشِيْقُه على خَدِّه جَمْرٌ من الحُسْن مُضْرَمٌ … يَشُبُّ ولكن في فُؤاِدِي حَرِيقُهُ أقرَّ له من كُلّ حُسْنٍ جَلِيْلُه … ووَافقَهُ من كُلِّ مَعْنى دَقِيْقُه بَدِيْع التَّثَنِّي رَاحَ قَلْبي أسِيْره … على أنَّ دَمْعي في الغَرَامِ طَلِيْقُه على سَالَفيْهِ للعِذَار جديدُهُ … وفي شَفَتَيه للسُّلَاف عَتِيْقُه (b) يُهَدِّدُ منه الطَّرْفُ من ليسَ خَصْمَهُ … ويُسْكِرُ منهُ الرِّيقُ من لا يَذُوْقُه على مثْلِه يَسْتَحْسِنُ الصَّبُّ فَتُكَهُ (c) … وفي حُبِّهِ يَجْفُو الصَّدِيْقَ صَدِيْقُه من التُّرْك لا يُصْبِيِهِ وَجْدٌ إلى الحَمِى … ولا ذِكْرُ باناتِ الغُوَير يَشُوْقُهُ

стр. 1264

ولا حَلَّ في حَيٍّ تلُوْحُ قِبَابُهُ … ولا سَارَ في رَكْبٍ يُسَاقُ وَسِيْقُهُ ولا باتَ صَبًّا بالفُرَيْق وأهْله … ولكن إلى خَاقَان يُعْزَى فَريْقُه لهُ مَبْسِمٌ يُنْسِي (a) المُدَامَ بَريقِهِ … ويُخجِلُ نُوَّارَ الأقاحيْ بَريْقُهُ تَدَاويْتُ من حَرِّ الغَرَام ببَردهِ (b) … فأضْرم من ذَاك الحَرِيق رَحيْقُه إذا خَفَق البَرْقُ اليَمَانِيُّ مَوْهنًا … تذكّرتُه فاعْتَادَ قَلْبي خُفُوقُهُ حَكَى وَجْهَهُ بَدْرَ السَّماءِ فلو بَدَا … مَعَ البَدْر قال النَّاسُ هذا شَقِيْقُهُ وأشْبَهَ زَهْرَ الرَّوْضِ حُسْنًا وقد بَدَا … على عَارِضَيْهِ آسُهُ وشَقِيْقُهُ رآني خَيَالًا حين وَافَى خيالُهُ … فأطْرَقَ من فَرْط الحَيَاء طَرُوْقُه وأشبَهْتُ منه الخَصْرَ سُقْمًا فقد غَدَا … يُحَمِّلُني كالخَصْر (c) ما لا أُطِيْقُهُ فما بَالُ قَلْبي كُلُّ حبٍّ يُهِيْجهُ … وحتَّام طَرْفي كُلّ حُسْنٍ يروْقُهُ فهذا ليَوْم البَيْن لم تَطْفَ نَارهُ … وهذا فبَعْد البُعْد ما جَفَّ (d) مُوْقُهُ ولله قَلْبي ما أشَدَّ عَفَافَهُ … وإنْ كان طَرْفي مُسْتَمِرًّا فُسُوْقُهُ أرَى النَّاسَ أضْحَوا جَاهِلِيَّةَ وُدِّهِ … فما بَالُهُ عن كُلِّ صَبٍّ يَعُوْقُهُ (e) فما فاز إلَّا من يَبيتُ صَبُوحَهُ … شَرَابُ ثَنَاياهُ ومنها غَبُوقُهُ وأنْشَدَنا أبو الطَّيِّب بن الحَلَاوِيّ لنَفْسِه (١): ألفَ الملَالَ وَمَالَ عن ميثَاقهِ … رَشَأً فِرَاقُ النَّفْس دونَ فِرَاقهِ عَذْبُ اللّمى حُلْوُ الخِلَالِ كأنَّما … خُلقَتْ مَراشفُ فيْهِ من أخْلَاقهِ جَوَّال حَلْي الخَصْر أخْرَسَ صَدَّهُ (f) … عن ذِكْرِه السُّلوانَ نُطْقُ نِطَاقهِ

стр. 1265

يفْتَرُّ عن عَذْب المَرَاشِف وَاضحٍ … مُرُّ الصَّبَابَة دونَ حُلْو مَذاقهِ يَسْقِي لَمَاهُ سَليم عَقْرَب صُدْغه … فيَنُوبُ منهُ الرِّيقُ عن درْيَاقهِ دَقَّتْ مَعَاني حُسْنه ولقدَّه … عَبِثَ الأنَامُ من القَنَا بدِقَاقِهِ وَسْنَان يُقْلقُني تَوَعُّدُ طَرْفه … ويَوَدُّهُ قَلْبِي على إقْلَاقِهِ يَهْوَى المِطَالَ ولو بأَيْسَر مَوْعدٍ … ويَصُدّ حتَّى الطَّيْفَ عن مُشْتَاقهِ وَقَفَ الجَمَالُ على مَحَاسِن وَجْهِهِ … حتَّى ظَنَّنا الحُسْنَ من عُشَّاقِهِ يا مُحْرقًا قَلْبًا أقَامَ برَبْعهِ … ألَّا كَفَفْتَ جَفَاكَ عن إحْراقِهِ رِفْقًا بصَبّكَ إنْ أرَدْتَّ بَقَاءَهُ … يَكْفيهِ ما يَلْقَاهُ من أشْوَاقِهِ أَطْلَقْتَ أَدْمُعَ عَيْنِهِ يَوْم النَّوَى … وفُؤَاده أحْكْمتَ (a) شَدَّ وَثَاقِهِ أسْهَرتَهُ وأَسَلْتَ مُقْلَتَهُ دَمًا … أتُرى ذَبَحْتَ النَّوْمَ في آمَاقِهِ وهذا المَعْنَى سَبَقَهُ به ابن قَلَاقِس في قَوْله (١): [من المنسرح] فليتَ شِعْري وقد بَكيتُ دَمًا … هل ذُبِحَ النَّوْمُ بَيْنَ آمَاقِي وأنْشَدَنا ابن الحَلَاوِيّ أيضًا لنَفْسِه: [من الطويل] تَبَدَّتْ فأَوْدَى بالقَضِيْب اعْتِدَالُها … وأَرْبَى على نَقْصِ الهِلَالِ كَمَالُهَا وفَاهَتْ منَ الدُّرِّ الثَّمينِ بمثْلِهِ … وأزْرَى على السِّحْرِ الحَرَامِ حَلَالُها فما الحُسْنُ إلَّا مَا حَوَاهُ لثَامُهَا … وما الغُصْنُ إلَّا ما أرَاهُ اخْتِيَالُها منَ التُّرْكِ في رَشقِ السِّهَامِ وإنَّها … ليُعْزَى إلى حَييَّ هِلَالٍ هِلَالُها تَصُولُ بمَيَّادِ القَوَامِ بمثْلِهِ … تَكرُّ إلى قَتلِ الرِّجَالِ رِجَالُها

стр. 1266

وما الصَّعْدَةُ السَّمْراءُ إلَّا قَوَامُها … فصَعْبٌ على غيرِ الجليدِ اعْتِقَالُها نَأَتْ دَارُها عنِّي وفي القَلْبِ شَخْصُها … فحمَّلني ثِقْلَ الغَرَامِ احْتِمَالُها ولو لَمْ تَكُن بَدْرَ السَّماء لَمَا غَدَا … إلى القَلْب بَعْدَ الطَّرْف منِّي انْتِقَالُها تذَلَّلَتُ في حُبِّي لها فتَدلَّلَتْ … وآفَةُ ذُلِّي في الغَرَام دَلَالُهَا ومِن عَجَبٍ أخْشَى مَعَ الهَجْر بُعْدَها … وما كانَ يُرجَى في الدُّنُوِّ وصَالُها وما هيَ إلَّا الشَّمْسُ يَدْنُو مَنَارُهَا … ويَبْعُدُ عن أيْدِي الرِّجال منالُها من البِيْضِ وَافَاهَا النَّعِيمُ فعَمَّها … وزَيَّنَها في رُتْبةِ الحُسْن خَالُها وأنْشَدَنا لنَفْسِه ثلاثة أبياتٍ نَظَمها بحَلَب المَحْرُوسَة، وقد سُئِلَ أنْ يَنْظمَها لتُكْتَب على مُشْطٍ للسُّلْطَان المَلِك العَزِيز مُحَمَّد بن المَلِك الظَّاهِر رحمَهُما اللهُ، فقال (١): [من الطويل] حَلَلْتُ من المَلِك العَزِيز برَاحَةٍ … غَدَا ثَمْهُا عندِي أجَلَّ الفَرَائِضِ وأصْبَحْتُ مُفْتَرَّ الثَّنايا لأنَّني … حَلَلْتُ بكفٍّ بَحرُها غير غَائِض (a) وقَبَّلْتُ سَامِي خَدِّه بَعْدَ كَفِّه … فلَمْ أخْلُ في الحالَيْن من لَثْمِ عَارِضِ (a) وأنْشَدَني لنَفْسِه، وقد سُئِلَ أنْ يَحُلَّ هذا اللُّغْزَ، وهو في الشَّبَّابَةِ بنَظْمٍ يلْغزُ فيهِ الشَّبَّابَةَ (٢): [من الطويل] ونَاطِقَةٍ خَرْسَاءَ بادٍ شُجُوْنُها … تكنَّفَهَا عَشْرٌ وعَنْهُنَّ تُخْبرُ يَلَذُّ إلى الأسْمَاعِ رَجْعُ حَدِيْثَها … إذا سُدَّ منها مَنْخِرٌ جَاشَ مَنْخِر

стр. 1267

فقال في الجَوَاب: [من الطويل] نَهَاني النُّهىَ والحِلْمُ عن وَصْلِ مثْلِها … فكم مثْلُهَا فارَقْتُها وهي تَصْفِرُ وأنْشَدَنا لنَفْسِه أبْيَاتًا كتَبها إلى القَاضِي مُحْيِي الدِّين يَحْيَى بن مُحْيِي الدِّين مُحَمَّد بن الزَّكي يصفُ كتابتَهُ (١): [من الطويل] كَتَبْتَ فلوَلَا أنَّ ذاكَ مُحَرَّمٌ … وهذا حَلَالٌ قِسْتُ خَطَّك بالسِّحْرِ فواللهِ ما أدْرِي أزَهْرُ خَميْلةٍ … بطِرْسكَ أم دُرٌّ يَلُوحُ على نَحْرِ فإنْ كان زَهْرًا فهو صُنْعُ سحابةٍ … وإنْ كان دُرًّا فهو من لُجَّة البَحْرِ وأنْشَدَنا لنَفَسِه من أبياتٍ يُهَنّيءُ بها الأَمِير رُكْن الدِّين بن قَرَاطَاي بعِيْدِ الفِطْر في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وستمائة: أتاكَ العِيْدُ مُبْتَسِمًا ولولا … وُجُودُك لم يَكُن منهُ ابْتِسَامُ ووَلَّى الصَّوْمُ يَشْكُر منكَ سَعْيًا … حَمِيْدًا لا يُنَالُ ولا يُرَامُ كِلَا الحَالَيْن فيهِ أجَدْتّ صُنْعًا … فمَحْمُودٌ فُطُورُكَ والصّيَامُ على دَار السَّلَام وأنْتَ فيها … لأجْلكَ دَائمًا منَّا السَّلَامُ بقُرْبكَ لَذَّ لي فيها مَقَامي … ولولا الرُّكْنُ ما طَابَ المَقَامُ وأنْشَدَني لنَفْسِه، وكتَبَ بها إلى أَمِيْن الدِّين يَاقُوت المَعْرُوف بالعَالَمِ، صَاحب الأَمِير أمِيْن الدِّين لُؤْلُؤ، يطلُبُ منهُ أنْ يَطْلبَ له من صَاحبهِ أَمِيْن الدِّين لُؤلُؤ صَايْوَانًا (٢) وقد عزَم على السَّفَر إلى الشَّام من الغَدِ: [من الطويل]

стр. 1268

عَزَمْتُ رَحيْلًا في غَدٍ غير جَازعٍ … من البَيْن إذْ أَنْحَى عليَّ بثِقْلِهِ وكيفَ يَخافُ البَيْنَ من ألْفُهُ النَّوَى … وأهْوَنُ شيءٍ عندَهُ شَتّ شَمْلِهِ وقد عَرَضَتْ لي حَاجَةٌ إنْ تَقُمْ بها … فإنَّكَ أهْلٌ للجمِيلِ وفعْلِهِ أُرِيْدُ من المَوْلَى الأَمِير الّذي سَرَتْ … مَوَاهِبُهُ بين الوَرَى سَيْر عَدْلِهِ أُخَا سَفَرٍ ما حَلَّتِ الشَّمْسُ وِجهَةً … من الأرْض إلَّا صَدَّهَا قَدْرُ شَكْلِهِ ذَوَابُهُ مُسْتَبشِرَاتٌ لشَدِّهِ … إذا شئْتَ أو مُسْتَسْلماتٌ لحَلِّهِ فكُن مُسْعِدي فيما طلَبْتُ فمَقْصَدِي … بأنِّيَ لا أَنْفَكُّ من تَحْتِ ظِلِّهِ تُوفِّي أبو الطَّيِّب بن الحَلَاوِيّ في شُهُور سنَة ستٍّ وخَمْسِين وستِّمائة. أحمدُ بن مُحَمَّد بن أبي يعقُوبَ بن هارُونَ الرَّشِيْد بن مُحَمَّد المهدِيّ بن عَبْد الله المنصُور بن مُحَمَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس، أبو الحَسَن الرَّشِيْدِيُّ الهاشِميّ (١) أُمُّهُ أُمِّ وَلدٍ، ووَلي في أيَّام المُقْتَدِر أحْكَام المَظَالِم والأُمُور الدِّيْنِيَّة، وكان من الأمَاثِل المُمَدَّحين، ومَدَحَهُ أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ، وأبو أحْمَد ابن الزُّكُوْرِيَّة الأنْطَاكِيّ (٢). وحَدَّثَ بحَلَب وأنْطَاكِيَة عن أبيه مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب، وأبي العبَّاس مُحَمَّد بن الحَسَن بن إِسْمَاعِيْل الهاشِميّ، وأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عليِّ الوَرَّاق حَمْدَان، ومُحَمَّد بن غالب بن حرْب تَمْتَام، وأحمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة، وإسْمَاعِيْل بن عَبْد الله بن مَيْمُون بن أبي الرِّجال العِجْلِيّ الفَقِيه، والحَسَن بن عُلَيْل البَصْرِيّ، وعبد الله بن أحْمَد بن إبْراهيم الدَّوْرَقيّ، ويَحْيَى بن أبي طَالِب الوَاسِطِيّ، والحَسَن بن عَرَفَة العَبْدِيّ، والعبَّاس بن عَبْد الله التَّرْقُفِيّ، وأبي بَكْر عَمْرو بن يَحْيَى بن الحَارِث

стр. 1269

الزِّمْجَارِيّ، وأبي إسْمَاعِيْل التِّرمِذيّ، وأحمد بن عَبد الوَهَّاب بن نَجْدَة الحَوْطِيّ، وأبى الحَسَن عليّ بن أحْمَد السَّوَّاق، وأبي مُوسَى عِمْرَان بن مُوسَى، وأحمد بن الهَيْثَم البَزَّاز (a)، وأبي عُبَادَة الوَلِيد بن عُبَيْد البُحْتُرِيّ وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو طَالِب عليّ بن الحَسَن بن إبْراهيم بن سَعْد بن دِيْنار الحَلَبِيّ، وسَمِعَ منه بحَلَب، وأبو حَفْص عُمَر بن الحَسَن العَتَكيّ الأنْطَاكيّ، سَمِعَ منهُ بأنْطَاكِيَة، وأبو يُوسُف يَعْقُوب بن مُسَدَّد بن يَعْقُوب القُلُوسِيّ، وأبو عليّ مَنْصُور بن عَبْدِ الله الخالِديّ الهَرَويّ، وأبو الحَسَن إسْمَاعِيل بن أحْمَد بن أَيُّوب بن الوَليد بن هارُون البَالسِيّ، وأبو أحْمَد الحَسَنُ بن أحْمَد الإمَام، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن مُحَمَّد بن دَاوُد الثَّقَفِيّ المُؤدِّب، وأبو الفَتْح مَحْمُود بن الحُسَين كَشَاجِم، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ. أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحَسَن بن المبُارَك الزَّبِيْدِيّ البَغْدَاديّ بمَكَّة، وأبو سَعْد ثَابِت بن مُشَرَّف البَنَّاء البَغْدَاديّ بحَلَبَ، قالا: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى بن شُعَيْب السِّجْزِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَاصِم الفُضَيْل بن يَحْيَى الفُضَيْلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرّحْمنِ بن أبي شُرَجْ الأنصَاريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد الإمَام، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن هارُون الرَّشِيْد أَمِيرِ المُؤمِنِين، قال: حَدَّثَنَا أبو مُوسَى عِمْرَان بن مُوسَى بالطَّبَريَّةِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي عِمْران بن أبي لَيْلَى، قال: حَدَّثَنَا أبى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي لَيْلَى عن عَطَاء، عن جَابِر (١)، قال: انْتَهى رسُول الله ﷺ إلى قَبْرٍ ولمَّا يُفرغ منهُ، فاطَّلَعَ فيهِ، ثُمّ قال: أَعُوْذُ باللهِ من عَذَاب القَبْر، فعُذْنا باللهِ من عَذَاب القَبْر، ثمّ اطَّلعَ ثانية ثمّ قال: أَعُوْذُ باللهِ من عَذَاب القَبْر، فعُذْنا بالله من عَذَاب القَبْر، ثمّ اطّلَعَ ثلاثًا فقال: أَعُوْذُ باللهِ من عَذَاب القَبْر.

стр. 1270

كذا قال في الإسْنَاد: أحْمَد بن مُحَمَّد بن هارُون، فأَسْقَط اسْم جَدّه أبي يَعْقُوب، ونَسَبهُ إلى جدِّ أبيهِ هارُون الرَّشِيْد، وبه عُرِفَ بالرَّشِيْدِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحُسَين بن هِبَةِ الله بن مَحْفُوظ بن صَصْرَى الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى حَمْزَةُ بن أحْمَد بن فَارِس بن المُنَجَّا بن كَرَوَّس السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أبو الفَتْح نَصْر بن إبْراهيم بن نَصْر المَقْدِسِيّ قال: أخْبَرَنا أبو المُعَمَّر مُسَدَّد بن عليّ بن عَبْد اللهِ الأمْلُوكِيُّ الحمْصِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بنُ عليّ بن الحَسَن بن إبْراهيم العَتَكِيُّ الأنْطَاكِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّشِيْدِيّ، رَحمنا اللهُ وإِيَّاه، بأنْطَاكِيَةَ سنَة ثلاث عَشْرة وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عليّ الوَرَّاق أبو جعْفَر، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّنا مُصْعَب بن سُلَيمان، قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بن مالِك، يقول: أُهْدِي للنّبي ﷺ تَمْرٌ فجعَل يُهْدِيهِ، فرأيتُه يَأكُل مقْعِيًا من الجُوع. أخْبَرَنا أبو المَعَالِي أحْمَدُ بن الخَضِر بن هِبَةِ الله بن طَاوُوس، قال: أخْبَرَنا حَمْزَة بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إبْراهيم بن يَزْدَاد الأهْوَازِيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عُبَيْدِ الله بن قُدَامَة المَلَطِيّ المُؤدِّبُ بأطْرَابُلُس، قال: حَدَّثَنَا أبو يُوسُف يَعْقُوب بن مُسَدَّد بن يَعْقُوب القُلُوسِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّشِيْدِيّ الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عَبد الوَهَّاب الحوطِيّ، وذَكَرَ حَدِيثًا يأتي ذِكْره في تَرْجَمَةِ عليّ بن عُبَيْد الله المَلَطِيّ (١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.

стр. 1271

أخْبَرَنا أبو القَاسِم الثَّعْلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنا نَصْر بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أبو المُعَمَّر الحِمْصِيّ، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عليّ الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن الرَّشِيْدِيّ، قال: سَمِعْتُ العبَّاس بن عَبْدِ الله التَّرْقُفِيّ، يقُول: سَمِعْتُ الفِرْيَابِيّ ومُحَمَّد بن كَثِيْر، قالا: سَمِعْنا الأوزَاعِيّ، قال: كان عندنا رَجُلٌ صَيَّادٌ، وكان يَرَى التَّخَلُفَ عن الجُمُعَة، قال: فخَرَجَ يَوْمًا كما يَخْرج فخُسِفَ به وببَغْلتهِ، فما رُأي منها إلَّا آذَانُها. قال ابنُ كَثِيْر والفِرْيَابِيُّ: مَرَنا بذلك المَوضع فرأيناهُ. قال العَتَكِيّ: وقد رأيتُ ذلك المَوضعَ. أنْبَأنَا أبو البَرَكات الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ الدِّمَشقيّ (١)، قال: أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوبَ بن هارُونَ الرَّشِيْد، أبو الحَسَن الرَّشِيْدِيّ الهاشِميّ، سَمِعَ بدِمَشْق أحْمَد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة، وأبا العبَّاس مُحَمَّد بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل، وأحمد بن عَبد الوَهَّاب بن نَجْدَة الحَوْطِيّ بجَبَلَة، وأبا بَكْر عَمْرو بن يَحْيَى بن الحارِث الزِّمْجَارِيّ (a) بحِمْص، وبالعِرَاق أبا جَعْفَر مُحَمَّد بن عليّ الوَرَّاق حَمْدَانًا، ومُحَمَّد بن غَالِب بن حَرْب تَمْتَامًا، وأبا النَّضْر إسْمَاعِيْل بن عَبْد الله بن مَيْمُون بن أبي الرِّجال العِجْليّ الفَقِيه، والحَسَن بن عُلَيْل البَصْرِيّ بسُرَّ مَنْ رَأى، وعَبْد الله بن أحْمَد بن إبْراهيم بن كَثِيْر الدَّوْرَقيّ، ويَحْيَى بن أبي طَالِب الوَاسِطِيّ، وأبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد السَّوَّاق، والعبَّاس بن عَبْدِ الله التَّرْقُفِيّ، والحَسَن بن عَرَفَة العَبْدِيّ، وأبا إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيّ، وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو حَفْص عُمَر بن عليّ بن الحَسَن العَتَكِيّ الأنْطَاكِيّ، وأبو عليّ مَنْصُور بن عَبْدِ الله الخالِديّ الهَرَويّ، وأبو يُوسُف يَعْقُوب بن مُسَدَّد بن يَعْقُوب القُلُوسِيّ.

стр. 1272

قَرأتُ في شِعْر أبي بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد الصَّنَوْبَريّ الحَلَبِيّ أبْيَاتًا يَمْدَحُ بها أبا الحَسَن الرَّشِيْدِيّ، وقد أنْشَدَنا بعض قوله ابن رَوَاج، قال: أنْشَدَنا السِّلَفِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مَنْصُور بن النَّقُّور، قال: أنْشَدَنا القَاضي أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ، قال: أنْشَدَنا المَعْنَوِيّ، قال: أنْشَدَنا الصَّنَوْبَريّ لنفسِه، والأبيات قَوْلُه (١): [من الطويل] وأَحْلَلْتُ هِمَّاتي بنَجْمِ تُجِلُّهُ … نُجُوْمُ قُصَي عندَ غَايتِهَا القُصْوَى بمُنْتَجبٍ من هاشمٍ ضُرِبتْ لهُ … قِبَابُ العُلَا منها على الذَّرْوَة العُلْيَا بأَبْلَجَ ينمِيْه الرَّشِيْدُ إذا بَدَا … رأيْتَ لسِيْمَا المَجْدِ في وَجْهِه سِيْمَا بَدِيْهتُهُ تَعْلُو رَويَّةَ غيرِهِ … ويُسْرَى يَدَيْ مَعْرُوفِهِ أبدًا يُمْنَى إذا الشِّيْمَةُ الحُسْنَى أبا الحَسَن انْتَمَتْ … فإنْ إليكُمْ مُنْتَمى الشِّيْمَة الحُسْنَى ألَسْتُم بني خَيْرِ الأبَاطِحِ أبْطُحًا … وأعْظَمِ مَن صَلَّى إلى القِبْلَةِ العُظْمَى تَوَلَيتَ أحْكَامَ المَظَالِم والتُّقَى … على سَنَنٍ منها البَعِيْدُ وذُو القُرْبَى وقُلِّدْتَّ أعْوَادَ المَنَابِرِ فاكْتَسَتْ … مَنَابِرُها نُورَ الطَّهَارَةِ والتَّقْوَى رآكَ إمَامُ المُسْلمِيْنَ أجَلَّهُم … نُهُوضًا فلَمْ يُنْهِضْكَ إلَّا إلى الجُلَّى إذا حَضَرُوا للإذْنِ قُدِّمْتَ قَبْلَهُمْ … إلى رُتْبةِ يَدْعُونَهَا الرُّتْبَةَ القُدْمَى وإنْ رَفَعَ الأسْتَارَ راعاكَ طَرْفُهُ … مُراعاةَ بشْرٍ في عَوَاقبهِ بُشْرى وقَرَأتُ في دِيْوان شِعْر أبي أحْمَد مُوسَى بن أحْمَد الأنْطَاكِيّ المَعْرُوفُ بابنِ الزُّكُوْرِيَّة، قال تَمْدَحُ أبا الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّشِيْدِيّ المُقيم كان بحَلَب، من أبياتٍ أوَّلها: [من الوافر] رَمَاني بالبعَادِ وبالصُّدُود … وفَارقَني فأشْمَتَ بي حَسُودي طَلَبتُ فَتَىً تَليقُ به القَوَافي … لأَقْصدَهُ فأَمنَحَهُ قَصِيْدي

стр. 1273

فَلَم أرَ في جَمِيْع الأرْض أهْلًا … لذاكَ سِوَى أبي الحَسَن الرَّشِيْدِي فَتَىً عَذُبَتْ خلائقُه فعَمَّتْ … جميعَ الخَلْق من بِيْضٍ وسُوْدِ رفيْعُ المَجْدِ شهْمٌ هَاشِميٌّ … شَرِيفٌ في الأُبوَّة والجُدُودِ جَوَادٌ في مَذَاهِبهِ جَمِيلٌ … سَعيدٌ حَلَّ في بُرْج السُّعُودِ فلَوْ حَلَّ السُّجُودُ لوَجْهِ خَلْقٍ … نُعَظِّمُهُ سِوى الصَّمَد المَجِيْدِ لكان لأحْمَدَ المَحْمُودُ (a) منِّي … رُكُوعي ثمّ كانَ له سُجُودِي هُوَ القَيْلُ المُؤَمَّل والمُرَجَّى … مَدَى الدُّنْيا لبأسٍ أو لجُوْدِ لقد أحْيَا أُناسًا بعدَ مَوْتٍ … فعَاشَ القَوْمُ في عَيْشٍ رَغِيْدِ أنَالَ المُسْتَحقِّيْن العَطَايا … كذَاكَ يَنَالُ في دَار الخُلُودِ وَسَدَّ الثَّغْرَ من بَعْدِ انْثِلَامٍ … بأقْوَامٍ كأمْثَالِ الأُسُودِ ولو لَمْ يأتِ تَدْبِيرًا وعُرفًا … يَشِيْبُ لهَوْلهِ رَأسُ الوَلِيدِ لكانَ الرُّومُ يَغْشَوْنَا وكانَتْ … جُمُوع جُيوشِهم في بَرْقَعِيْدِ لقَد مَنَّ الإلَهُ على البَرَايا … برأيكَ بَلْ وبالعَقْلِ الحَمِيْدِ وكم أنْشَأتَ من حِصْنٍ جَدِيْدِ … لكَم أصْلَحْتَ ثُلْمَةَ هَدْمِ ثَغْرٍ وكم جِسْرًا عَقَدْتَ على طَريقٍ … شَقَقْتَ بعَقْدِهِ بَطْنَ الحَسُودِ تَبَشُّ بزائريكَ إذا ألَمُّوا … وتُصْغِي للكَلَام وللنَّشِيْدِ وتَنْثرُ بعدَ ذاكَ لهم حَدِيثًا … كنَظْم الدُّرِّ في عقدٍ وجيْدِ نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ في تَعْلِيقٍ له في التَّاريخ: سَنة أرْبع عَشرة - يعني وثَلاثِمائة - وفيها تُوفِّي أبو الحَسَن الرَّشِيْدِيّ بحَلَب.

стр. 1274

وسَيَّرَ إليَّ بعضُ الشِّرَاف الهاشِميِّيْن بحَلَب تاريخًا جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن المُهَذَّب (١)، فقَرَأتُ فيه: وفيها - يعني سَنَة أربَع عَشْرة وثَلاثِمائة - تُوفِّي أبو الحَسَن الرَّشِيْدِيّ بحَلَبَ. أحْمَدُ بن مُحَمَّد اليَشْكُرِيُّ (٢) قَدمَ دَابِق على مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك، ودَخَلَ معَهُ في غَزَاته المَشْهُورة الّتي جَهَّزَهُ فيها أبُوه عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وبلَغَ فيها إلى القُسْطَنْطِينِيَّة. وكان اليَشْكُرِيّ هذا أحَدُ الفِتْيَة الّذين تَابُوا بالمَدِينَة وخَرَجُوا إلى دَابِق لهذه الغَزَاة، وَسَنَذْكُر خَبَرهُم (٣) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى فيما يأتي من هذا الكتاب. أحْمَدُ بن مُحَمَّد الحَلَبِيُّ حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن الحَارِث. رَوَى عنهُ أبو بَكْر بن أحْمَد بن مَرْوَان المالِكِيّ. أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل بن سَلامَة السَّلَمَانِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٤)، ح.

стр. 1275

وحَدَّثنا أبو الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ من لفظه، عن أبي المَعَالِي عَبْد الله بن صَابر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو القَاسِم عليّ بن إبراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا رَشاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللّهُ، قال: حَدَّثنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مَروَان المالِكي (١)، قال: حَدَّثثا أحْمَد بن مُحَمَّد الحلَبي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحارِث، قال: حَدَّثنا المَدَائني، قال: تَغَدَّى أعْرَابيٌّ مع سُليْمان بن عَبْد المَلِك، وهو يَوْمئذ وليّ عَهْد، فقال له سُليْمانُ: كُلْ من كليَتِه؛ فإنَّها تزيدُ في الدِّمَاغ. فقال: لو كانَ هَذا هكذا لكان رأس الأَمِير مثْل رَأس البَغْل!. أحمدُ بن مُحَّمد الحلَبِيُّ حَدّثَ عن عليِّ بن عَبْد العَزِيز صاحب أبي عُبَيْد. رَوَى عنهُ أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَاج الإشْبِيلِيّ. أنبأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل جَعْفَر بن يَحْيَى الحَكّاكُ المَكِّي إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر عَبْد اللّه بن سَعيد بن حَاتِم الوَائليّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحمَّد بن الحاجّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد الحلبي، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو عُبيد، قال: حَدَّثَنَا أبو أيُّوب الدِّمَشقيّ، عن مُحمَّد بن نِمْرَان، عن سَعيد بن بشِير، عن قَتَادَة، عن سالَم بن أبي الجعد، عن مَعْدَان بن أبي طَلْحَة، عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال (٢): جَزَّأ رسُول

стр. 1276

اللّه ﷺ القُرآن ثَلاثَة أجْزاءٍ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) جُزْءٌ منها. أحمدُ بن محُمَّد، أبو بَكْر الحلَبيُّ حَدَّثَ عن يُوسُف بن مُوسَى. رَوَى عنهُ أبو حَامِد أحْمَدُ بن عليّ العَطَّار. أخبَرَنا الشَّيْخ الصَّالح أبو مُحمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قِراءَةً عليهِ بحَلَب، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن يَاسِر الجيَّانيّ الحافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو عمرو عُثْمان بن مُحمَّد بن أحْمَد الشَّرِيكُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ المسكيّ، والشَّيْخُ مُفْتِي بن مَشْكُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَرَجِ عليّ بن أحمد بن عبد الرَّحْمن إِمْلاءً، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخ أبو حَامد أحْمَدُ بن مُحمَّد بن عليّ العَطَّار السَّرْخَسِيّ، ﵀، بها، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر أَحْمَدُ بن مُحَمَّد الحلبي، قال: حَدَّثنا يُوسُف بن مُوسَى، قال: حَدَّثنا أبو التُّقَى هشَام بن عَبْد المَلِك، قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن مَخزُوم (a) بن سَعْدَانَة القُرَشِيّ، قال: حَدًّثنا مُحَمَّد بن دَاب، عن بَكْر بن يُونسُ الكُوْفيِّ، عن بَعْضِ أشْياخِهِ، وكانت له صحبَة إلى النَّبي ﷺ ، فدَعا ذات يوْم بابن له، فقال له: يا بُني، لا تزهَد في معْرُوف، فإنَّ الدَّهْر ذو صُرُوف، والأيَّامٍ ذوات نوائب على الشَّاهِد والغائب. يا بُنَي، كم من رَاغِبٍ قد كان مرغُوبًا إليه، وطَالِبٍ قد كان مَطْلُوبًا ما لدَيهِ، واعْلَم أنَّ الزَّمان ذُو ألْوَان، ومَنْ صَحِبَ الزَّمان يرى الهَوَان، وكُنْ يا بُنَي كما قال أخُو بني الدُّئِل (٢): [من الطويل] أعدُد (b) من الرَّحْمن فَضْلًا ونِعْمَةً … عليكَ إذا ما جَاءَ للخير طَالِبُ

стр. 1277

فكُلّ امرئٍ لا يُرْتَجَى الخيرُ عندَه … يَكُن هيِّنًا ثِقْلًا على مَنْ يُصَاحِبُ ولا تمنَعَنْ ذا حاجةٍ جاءَ طَالِبًا … فإنَّكَ لا تَدْري متَى أنْتَ رَاغِبُ أحمد بن مُحَّمد الرَّافِقِيُّ حَدَّثَ بحَلَب عن عَبْد اللّه بن الحسَن بن زيدٍ الحرَّانيّ. رَوَى عنهُ أبو الحسَن البَصْرِيّ. نَقَلتُ من مجمُوعٍ وَقع إليَّ بمَارِدِين بخَطّ بعض أهل الحَدِيْث لا أعْرفُ كاتِبه، قال: وأخْبَرَنا الشَّيْخُ الصَّالحُ الوَاعِظُ أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى الزَّبيْديّ، قال: أخْبَرَنا حَنش (a) بن غالب، قال: أخْبَرَنا أبو الحسَن البَصْرِيّ، قال: حَدَّثنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد الرَّافِقيّ بحَلَب، قال: حَدَّثني عَبْدُ اللّه بن الحسَن بن زَيْد الحرَانيّ، قال: حَدَّثنا يَحْيَى بن إسْحاق بن يزيد الخَطَّابيّ، قال: رَفع إليَّ عمُرُ كِتابًا، فقال: هذا كلام عُمَر بن عَبْد العَزيز، فكان فيهِ: لقد لَامَ اللّهُ العُلماءَ على علِمهم كما لَام الجَاهِلينَ على جَهْلهم، فوَضَعَ الثَّوَابَ والعِقَاب على فَرائضه ومَحَارِمهِ، كما وضَعَها على الإقْرار والإنْكار، وحَاجَّ العُلماءَ على إقْرارهم كما حَاجَّ الجُهَّالَ على إنْكارهمِ، والتَّمَنِّي على اللّهِ خُدْعَه، والاعْتلَال عليهِ هَلكَة، واسْتِصْغَار مَحَارِمه فِرْية عليه، وتَرْك التَّوْبَةِ زُهْد فيما عندَهُ، والبُخْل بحقِّه شَكّ في وعْده، وتتبعُ الشَّهَوات إضْرَارٌ (b)، وتأميْل البناءِ جَهْل، وبقَدْر الشُّغْل بالدُّنْيا يكُونُ الفَقْر، وبقَدْر إيثارِ التَّقْوَى يكونُ العِلْم، ليس العِلْمُ بالرِّوَايَةِ، ولا الحكم بالظُّلَامةِ، ولا مَعْرفَةُ الحكم بالحِفْظ، ولا حفْظُه بتلَاوَته دونَ العَمَلِ به والانْتهاء إلى حُدُودِهِ، وبتحريف الكتابِ هَلَكَ الزَّائِغُونَ، وبإضَاعَةِ التأويْل هَلَكَ العَالمِونَ، وبإصَابَةِ التَّأويل وحِفْظه يهتدي الرَّاسِخون في العِلْم.

стр. 1278

وذَكَر بعدَهُ كَلَامًا آخر اخْتَصَرتهُ (١). أحمدُ بن مُحَمَّد الحلَبيُّ رَوَى عن سَرِيّ السَّقَطِيّ. رَوَى عنْهُ عليّ بن مُحَمَّد القَصْرِيّ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لنا في روَايته عنْهُ، قال: أخَبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أنبأنَا أبو الفَرَج غَيْثُ بن عليّ الخَطِيبُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الخَطيبُ (٣)، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بنُ الحُسَيْن (a) ابن محمَّد بن رامِين الإِستِراباذِيّ، قال: أخْبَرَنا عبد اللّه بن مُحمَّد الحميدِيّ الشِيرازيّ، قال: حَدَّثنَا القَاضِي أحْمَدُ بن مَحْمُود بن خُرَّزَاد الأهْوَازِيّ، قال: حَدّثني عليّ بن مُحَمَّد القصرِيّ، قال: حدَّثني أحمَدُ بن مُحَمَّد الحلبيّ، قالَ: سمِعتُ سرِيًّا السَّقَطِيّ، يقول: سَمِعْتُ بِشْرًا - يعني ابن الحَارِث - يقُول: قال إبْراهيمُ بن أدْهَم: وَقفتُ على رَاهِبٍ في جَبَل لبنَان فناديتهُ، فأشْرَفَ عليَّ، فقُلتُ لَهُ: عِظْنِي، فأنشأَ يَقُول: [من مجزوء الخفيف] خُذْ عن النَّاسِ جَانِبًا … كي يَعُدُّوكَ رَاهِبا إنَّ دَهْرًا أظلَّني … قد أرَاني العَجَائبا قَلِّب النَّاسَ كيفَ شئـ … ـتَ تَجِدْهم عَقَارِبَا

стр. 1279

قال بِشْرُ فقُلت لإبْراهيم: هذه مَوْعِظَةُ الرَّاهِب، فعِظْنِي أنْتَ، فأنْشَأَ يَقُول: [من الطويل] تَوَحَّشْ منَ الإخْوَانِ لا تَبْغِ مُؤْنسًا … ولا تتخذْ أخًا ولا تَبغِ صَاحِبَا وكُن سَامريَّ الفِعْلِ من نسل آدَم … وكُن أَوْحَدِيًّا ما قَدرت مجُانبِا فقَدْ فسَدَ الإخْوَانُ والحُبُّ والإخَا … فلَسْتَ ترَى إلَّا مَذُوقًا وكاذِبَا فقلتُ ولولا أنْ يُقالَ مُدَهْدَةٌ … وتُنْكَرَ حالَاتي لقد صرْتُ رَاهِبًا قال سَرِيٌّ: فقلتُ لبِشْر: هذه مَوْعِظَةُ إبْراهيم لكَ، فعِظْنِي أنتَ، فقال: عليكَ بلُزُوم بيتكَ. فقُلتُ: بلغَني عن الحَسَن أنَّهُ قال: لولا اللَّيل ومُلَاقاة الإخْوَان ما كنتُ أُبالي متَى مِتّ! فأنشَأَ يَقول: [من الكامل] يا مَنْ يُسَرُّ برُؤْيةِ الإخْوَان … مهلًا أَمنْتَ مَكائِدَ الشَّيْطان (a) خَلَتِ القُلُوبُ من المَعَادِ وذِكرِهِ … وتشَاغَلُوا بالحرْصِ في الخُسْرانِ صَارَتْ مَجَالِسُ من تَرَى وحَدِيثهم … في هَتْكِ مَسْتُورٍ وخَلْقِ قُرانِ قال الحلبيُّ: فقُلْتُ لسَرِيّ: هذه مَوْعِظَةُ بشرٍ لك، فعِظْنِي أنْتَ، فقال: عليك بالإخْمَالِ، فقُلتُ: إنِّي لأُحبُّ ذلك، فأَنشأَ يَقُول: [من الكامل] يا مَنْ يُريدُ بزَعْمِهِ إخْمَالا … إنْ كان حَقًّا فاسْتَعِدَّ خِصَالَا تَرْكُ المجالِسِ والتَّذاكرُ يا أَخى … واجْعَلْ دُؤُوْبَكَ للصَّلَاةِ خيَالَا بل كُن بها حيًّا كأنَّكَ ميِّتٌ … لا يَرتَجي منه القَريب وِصَالَا قال علي بن مُحَمَّدٍ: قلتُ للحلبيّ: هذه مَوْعِظَةُ سَرِيّ لكَ، فعِظْنِي. فقال لي: يا أخي، أحَبّ الأعْمَال إلى اللّه تباركَ ما أصدرَ إليه من قَلْب زَاهدٍ في الدُّنْيا، فازْهَدْ

стр. 1280

في الدُّنْيا يُحبّك اللهُ، ثمّ أنْشأ وهو يَقُول: [من مجزوء الرمل] أنتَ في دَارِ شتَاتٍ … فتأهَّبْ لشَتَاتِكْ واجْعَلِ الدُّنْيا كيَوْمٍ … صُمْتهُ عن شَهَوَاتِكْ واجْعلِ الفِطْر إذا ما … صُمْتَهُ يَوْمَ مَمَاتِكْ قال ابنُ خُرَّزَاد: فقلتُ لعليّ: هذه مَوْعِظَةُ الحلبي لكَ، فعِظْنِي. فقال لي: احْفَظْ وَقْتكَ، واسْخُ بنَفْسك للّه تعالَى، وانْزَعْ قِيْمَة الأشْيَاء عن قلبك يَصْفُو لذلك سِرُّكَ، وَيزكُو بذلك ذِكْرُكَ، ثمّ أنْشدَني: [من الطويل] حَيَاتُكَ أَنْفاسٌ تُعَدُّ فكُلمّا … مَضَى نَفَسٌ منها انتقَصْتَ بهِ جُزْءَا فتصْبحُ في نقصٍ وتمسِي بمثْلِهِ … وما لكَ معْقُول تُحِسُّ به رُزْءَا تَمَسَّكْ بما يُحْييكَ في كُلِّ سَاعَةٍ … ويَحْدُوكَ حادٍ ما يريدُ بك الهُزْءَا قال أبو مُحَمَّد: قلتُ لأحْمد: هذه مَوْعِظَةُ عليّ لكَ، فعِظْنِي. فقال لي: يا أخي، عليكَ بلُزُوم الطَّاعَة، وإيَّاكَ أنْ تَبرح من باب القَنَاعَة، وأَصلحْ مَثْوَاك، ولا تُؤثر هَوَاك، واتبع آخِرَتَك بدُنْياكَ، واشْتَغل بما يَعْنِيك بترك ما لا يَعْنِيك، ثمّ أنْشدَني: [من الطويل] نَدمْتُ على ما كان منِّي نَدامةً … ومَنْ يتَّبِعْ ما تشتهي النَّفْسُ يندَم فخافُوا لكَيْما تأمَنُوا بعْدَ مَوْتِكم … ستلقَونَ ربًّا عَادِلًا ليسَ يَظْلمُ (a) فليسَ لمغرُورٍ بدُنْياهُ زاجرٌ … سَتَنْدَمُ إنْ زلَّتْ بكَ النَّعْل فاعْلمِ قال القَاضِي أبو مُحَمَّد بن رَامين (b): قلتُ لأبي مُحمَّد: هذه مَوْعِظَةُ أحْمَد لك، فعِظْنِي أنت. فقال: اعْلَم - رحمَكَ اللّهُ - أنَّ اللّه جَلَّ ثناؤهُ ينزل العَبِيْد حيث نزلَتْ

стр. 1281

قُلُوبُهم نحوها، فانظُر أين أنزلْتَ قلبكَ، واعْلَم أنَّهُ يُقرِّب القُلُوب على حَسب ما قرب إليها، فانظُر من القَريب من قلبك، وأنشَدَني: [من الطويل] قُلُوبُ رِجَالٍ في الحجابِ تَزولُ … وأرْوَاحُهُم فيما هُناك حُلُولُ بروحَ نَعِيْمِ الأُنس في عِزِّ قرْبهِ … بإيْرَادِ تَوْحيِدِ المَليك تَجُولُ لهم بفناِء القُرْب من محْضِ برِّهِ … عَوَائدُ بَذلٍ خَطْبُهنَّ جَلِيْلُ قال أبو بَكْر الخطيبُ: فقُلت للقَاضي أبي مُحمَّد بن رَاميْن: هذه مَوْعِظَةُ الحُميدِيّ لكَ، فعِظْنِي. فقال: اتَّق اللّه، وثقْ به، ولا تَتَّهِمَهُ فإنَّ اخْتِيَاره لكَ خير من اخْتيارك لنَفْسِك، وأنشدَني: [من مجزوء الخفيف] اتَّخِذ (a) اللّهَ صَاحِبًا … وذَرِ النَّاسَ جَانبِا جرِّب النّاسَ كيفَ شِئْـ … تَ تَجِدْهم عَقَارِبَا قال أبو الفَرَج غَيْثٌ الصوْرِيّ: قلت للشَّيْخ أبي بَكْر: هذه مَوْعظَة القَاضِي أبي مُحمَّد لكَ، فعِظْنِي أنتَ. فقال: احذَرْ نفسَك، الّتي هي أعْدَى أَعْدَائكَ، أنْ تُتَابِعَها على هَوَاهَا، فذلك أعْضَل دَائكَ، واستَشْعر الخوفَ من اللّه بخلافها، وكرِّر على قلبك ذِكْر نُعُوتها وأوْصَافها، فإنَّها الأمَّارةُ بالسُّوءِ والفَحْشَاءِ، والمُوْرِدَةُ مَنْ أطَاعَها مَوَارد العَطَب والبَلَاء، واعْتَد في جميعِ أُمُورك أنْ تحرَّى الصِّدْقَ، ولا تتَّبع الهَوَى فيُضِلّك عن سَبِيْل اللّه، وقد ضمَنَ اللّهُ تعالَى لمَن خَالف هَوَاهُ، أنْ يَجْعَلَ دَارَ الخلد قَرارَهُ ومَأْوَاهُ، وأنْشَدَني لنفسِهِ: [من مجزوء البسيط] إنْ كُنْت تَبْغي الرَّشَاد مَحْضًا … في أمرِ دُنْياكَ والمَعَادِ فخالِفِ النَّفْسَ في هَوَاهَا … إنَّ الهَوَى جَامعُ الفَسَادِ

стр. 1282

أحمدُ بن مُحَمَّد، أبو العبَّاس النَّامِيُّ الدَّارِيُّ المِصِّيْصيُّ (١) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ من شُعَرَاءَ سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَنِ بن حَمْدَان المُقيْمِين بحَلَب في بَابهِ، وكان فَاضِلًا أَدِيْبًا، عَارِفًا بالأدَب واللُّغَة، وَقَفْتُ لهُ على أمَالِي أمْلَاها بحَلَب، رَوى فيها عن أبي الحَسَن عليّ بن سُلَيمان الأخْفَش، وابن دَرسْتَوَيْه، وأبي عَبْد الله الكَرْمَانِيّ، وأبي بَكْر الصُّوْلِيّ، وإبْراهيم بن عبد الرَّحيم العَرُوضِيّ، وأبيهِ مُحَمَّد المِصِّيْصيّ، وطحال (٢). رَوَى عنهُ أبو القَاسِمِ الحُسَين بن عليّ بن أبي أُسامَة الحَلَبِيّ، وأبو الفَرَج البَبَّغَاء، وأبو الخَطَّاب بن عوْن الحَرِيرِيّ، وأبو بَكْر الخَالِديّ، والقَاضِي أبو طَاهِر صَالِح بن جَعْفَر الهاشِميّ الحَلَبِيّ، وأبو الحُسَين أحْمَد بن عليّ بن أبي أُسامَة الحَلَبِيّ. ووَقَعَ إليَّ كتاب صَنَّفَهُ في العَرُوض سمَّاهُ المُقْنِع، وعليهِ خَطُّهُ بقراءة أبي القَاسِم بن أبي أُسامَة عليهِ. وقيل إنَّهُ كان جَزَّارًا بالمِصِّيْصَة، وقَرَأتُ في أشْعَار السَّرِيّ الرَّفَّاء المَوْصِلِيّ يَهْجُوه ويَذْكر أنَّهُ كان بالمِصِّيْصَة جَزَّارًا في مَوضِع بها يقال لهُ باب الشَّام (٣): [من الطويل] أجَزَّارَ بَابِ الشَّام كيفَ وَجَدْتَني … وأنْتَ جَزُورٌ بين نَابِي ومِخْلَبي

стр. 1283

أراكَ انتَهَبْتَ الشِّعْرَ ثُمَّ خَبأْتَهُ … عن النَّاسِ فِعْلَ الخائفِ المُتَرقِّبِ تَبَاعدْتَّ عن يَاقُوتَةِ الثَّغْر (a) بالمُدَى … إليهِ فَلَم تَجْرَح (b) ولم تتَحَوَّبِ ولمَّا جَرَى الحذَّاقُ في ضوْءَ صُبْحهِ … تعَثَّرْتَ منه في ضَبابةِ غَيْهَبِ حُرِمْتَ (c) من الإيْجَاز أَقْربَ مسْلَكٍ … ومن ذَهَبِ الألْفَاظِ أحْسَنَ مَذْهَبِ وتَزْعُم أنَّ الشِّعْرَ عندكَ أعْربَتْ … مَحَاسِنُهُ عن ناطقٍ منكَ مُعْرِبِ فما بالُ شعرِ النَّاس مِلءَ عُيُوننا … وشِعْري (٢) في الأشْعَارِ عَنْقَاءُ مُغْرِبِ أنْبَأنَا أبو القاسم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ، قال: أخْبَرَنا أبو يُوسُف يَعْقُوب بن أحْمَد الأدِيْبُ إجَازَةً، عن أبي مَنْصُور الثَّعالِبيّ، قال في يَتِيْمة الدَّهْر (١): أحْمَد بن مُحَمَّد النَّامِيِّ شَاعِرٌ مُفْلِقٌ من فُحُول شُعَرَاء العَصْر، وخَواصّ شُعَرَاءَ سَيْف الدَّوْلَة، وكان عنده تِلْوَ المُتَنَبِّي في المَنْزلةِ والرُّتْبَةِ. وذَكَرَ ابنُ فُوْرَجَة في التَّجَنِّي على ابن جِنِّي، قال: وكان على كَثْرهَ شُعَرَاءِ سَيْف الدَّولة لا يتَّقي أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي منهم غير أبي العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد المِصِّيْصيّ المَعْرُوف بالنَّامِيِّ، وله يقول المُتَنَبِّي (٢): [من البسيط] والمَدْحُ لابن أبي الهَيْجَاء تُنْجِدُهُ … في الجاهِلِيَّةِ (e) عَيْنُ العيِّ (f) والخَطَلِ خُذْ ما تَرَاهُ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بهِ … في طلْعَةِ البَدْر (g) ما يُغْنيك عن زُحَلِ قال: وذلك أنَّ النَّامِيّ كَثِيْرًا ما يَذْكُر في مَدَائحه أيَّام الجاهِلِيَّة.

стр. 1284

أخْبَرَنا أحْمَد بن أزْهَر بن عَبد الوَهَّاب في كتابهِ إليَّ من بَغْدَاد، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِمِ عليّ بن المُحَسّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: حَدَّثَني أَبو عَبْد الله الحُسَين بن مُحَمَّد بن الصَّقْر الكَاتِبُ، قال: وكان النَّامِيِّ بَطِيءَ الخَاطِر، شديدَ القَوْل، إذا أراد أنْ يَعْمَل شِعْرًا خَلا خلْوةً طَوِيلَةً أيَّامًا وليالى، فإنْ نطقَتْ في داره جَارِيَةٌ أو غُلَام كَاد أنْ يَقْتُلَهُ، وانْقَطع خَاطِرُهُ، واذا أراد أنْ يَعْمل قَصِيدَةً جَمعَ جميع ما للعَرَب والمُحْدَثِيْنَ من الشِّعْر على وَزْنِ تلكَ القَصيدَة، وجَعَلَهُ حَوَالَيهِ، ونظَر فيه حتَّى يَقْدَحَ به خَاطِره ويَتَحَلَّب مَعَانيهِ. قال: ورأيَتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ. وقال أبو عليّ التَّنُوخِيّ: وقد أخْبَرَني أيضًا بهذا جَمَاعَةٌ منهم أبو إسْحاق إبْراهيم بن عليِّ النَّصِيْبِيّ أنَّهُ شَاهدَهُ، وأنَّهُ كانت ترتَفِع له القَصيِدَة في سَبْعة أشْهُر، قالوا: فكانت تحْدُث الحَادِثَةُ عند سَيْفِ الدَّوْلَة من فَتْحٍ، أو صِفَهٍ لوَقْعَة، أو تَهْنئة بعيدٍ أو غير ذلك، فيَعْمل فيها الشُّعَراءُ ويُنْشدُونَهُ في الحال، أَو بَعْد يَوْم ويوْميْن، ولا يُنْشدهُ هو شيئًا، فإذا كان بَعْدَ سَبْعة أشْهُر أو ثلاثة أو أكْثَر من ذلك أو أقَلّ علي حَسَب ما ترتَفعُ، جاءَ إليه فاسْتَأذنَهُ في الإنْشَادِ، وقال: قد ارْتَفَعَتْ لي قَصِيدَةٌ في الفَتْح الفُلَانيّ، أو القصَّة الفُلَانيَّة الّتي كانت جَرَت في وقت كَذَا وكذا، فإنْ رَأى مَوْلَانا أنْ يأذَن في إنْشَادها. قال: فيُكايدُه سَيْفُ الدَّوْلَة فيقول: في أيّ وَقْتٍ، وأيّ قِصَّة؟ فلا يَزَالُ يُريهِ أنَّهُ قد أُنْسِيَ تلكَ الحال لبُعْدها تَوْبيخًا له إلى أنْ يكاد يَبْكي، فيقول: نعم، نعم، هاتها الآن. قال: ورُبَّما اغْتَاظ لطُول العَهْد وخُرُوج الزَّمان عن الحَدِّ فلا يأذَنُ له في الإنْشَاد. قال أبو عليّ التَّنُوخِيّ: وأخْبرَني أبو عَبْدِ الله بن الصَّقْر هذا، قال: كنتُ قائمًا بين يَدي سَيْف الدَّوْلَة وقد وُلد له قَبْل ذلك بتِسْعَة أشْهُر مَوْلُود، وهَنَّأهُ الشُّعَراءُ عليهِ، فجاءَ النَّامِيِّ واسْتَأذَنَهُ في الإنْشَادِ يُهَنِئه بالمَوْلُود، فقال له سَيْفُ

стр. 1285

الدَّوْلَة: يا أبا العبَّاس، الصَّبِيُّ قد حان لنا أنْ نُسْلِمَهُ إلى الكُتَّاب، تُنْشدُنا تَهْنئَةً بولَادتهِ الآن؟! فما زالَ يتضرَّعُ حتَّى أذنَ لهُ. قال أبو عليّ: وأخْبرَني ابن الصَّقْر هذا، قال: قال لي النَّامِيِّ يَوْمًا: كنتُ البَارِحَة أعْمل شِعْرًا فصَعَق ديكٌ سمعْتُ صيَاحَهُ، فانْقَطَعَ خَاطِري. قال: فقُلتُ لَهُ: لا يَجبُ أنْ تُخْبِرَ بهذا عن نَفْسِك. قَرأتُ بخَطِّ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب في كتاب المُفَاوَضَة، وأنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب بن بِشْرَان إجَازةً، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر، قال: حَدَّثَني أبو الفَرَج البَبَّغَاء، قال: قصَدْتُ يَوْمًا أبا العبَّاس النَّامِيِّ المِصِّيْصيّ بعد تَأَخُّره عن سَيْف الدَّوْلَة لأجلِ ما كان تنجَّز بينهما في معنَى المُتَنَبِّي وتَقْديمه له عليه، فعرَّفتُه خَبَرهُ، وتَفَاوضْنا ما جَرَى مع سَيْف الدَّوْلَة، فقال: يا أبا الفَرَج، خَدَمْتُهُ الدَّهْرَ الأطْوَلَ وما رعَى، واسْتَجمل أنْ يقُول لي: قال المُتَنَبِّي! وأنا الّذى أقولُ: [من الطويل] لهُ نَظْرَةٌ نحو الحُمول بحَوْمَلٍ … وأُخْرى إلى وَدَّان صَادِقَةُ الوُدِّ إلى هَا هُنا عَهْدُ الوَدَاع الّذي به … عَهدْت وما لي بالتَّجلُّد من عَهْدِ فيا قَلْب أعْوَانٌ عليك كَثِيْرةٌ … وما لكَ من صَبْرٍ عليهنَّ من بُدِّ وُشَاةٌ وعُذَّالٌ وبرقٌ ودِمْنَةٌ … ألَا قَلَّما أَجدَتْ عليكَ وما تُجْدي قَرَأتُ في كتاب أدَب الخَوَاصّ، تأليفُ الوَزِير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن المَغْرِبيّ (١)، قال: وأنْشَدَنا يَوْمًا - يعنى سَيْف الدَّولَة أبا الحَسَن بن حَمْدَان - في مَجْلِسه القَافِيَّة الّتي أوَّلُها: [من البسيط] إنَّ الخليْط أجدَّ البَيْن فانْفَرقا

стр. 1286

يعني من شعْر زُهَيْر بن أبي سُلْمَى (١)، فأبْدَى اسْتِحْسَانًا لها، فقال له النَّامِيِّ المِصِّيْصيّ أبو العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد الدَّارِيِّ: أراكَ كَلِفًا بها، أَفتُحبُّ أنْ أمْدَحكَ بخير منها؟ قال: نَعم، أشدّ الحُبّ. فلمَّا كان بعد أيَّامٍ لقيَهُ راكبًا على نهر حَلَب المُسَمَّى قُوَيْق، قال: فترّجَّل، ووقفَ عليه سَيْفُ الدَّوْلَة، وأخَذَ يُنْشد قَصِيدَةً في غاية الحُسْن، أوَّلُها (٢): [من البسيط] ما أنْتَ منِّي ولا الطَّيْفُ الّذي طَرقا … رُدَّ الكَرَى واسْتَردَّ منِّيَ الأَرَقَا فأرادَ سَيْفُ الدَّوْلَة كيَادَهُ والعَبَثَ بهِ، فأعرضَ عنهُ، وأظْهَر اسْتنقاصًا لشِعْره، فقَطع الإنْشَادَ في وسَط القَصِيدَة، ورَكِبَ ومَضَى - وسَيْفُ الدَّوْلَة يَراهُ - إلى شَاطِئ النَّهْر، فخَرقَها، وغَسَلَها، فاحْتَمَلَهُ سَيْفُ الدَّوْلَة، ولم يُنْكر ما كان منهُ، ودَرَسَتْ آثارُ هذه القَصِيدَة فليسَ تُوْجَدُ في دِيْوَانهِ. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد المُؤدِّب، إذْنًا ومُكاتَبَةً، عن أبي غالِب بن البَنَّاء، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب بن بِشْرَان، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِب، قال: وحَدَّثَني أبو القَاسِمِ عليّ بن مُحَمَّد المُنَجِّم الرَّقِّيّ، قال: كان جميعُ أصْحَاب سَيْف الدَّوْلَةِ يَغْتَاظُونَ من المُتَنَبِّي، ويَتَعَصَّبونَ عليه للنَّامِيِّ، فلمَّا عَمِل في وَقْعَة بني كِلِاب القَصِيدَةَ الرَّائِيَّة الّتي أوَّلُها (٣): [من الوافر] طِوَالُ قنًا تُطَاعِنُها قِصَارُ فعَمِل النَّامِيِّ قَصِيدَةً أوَّلُها (٤): [من الطويل]

стр. 1287

أَأَلبيْضَ (a) تَعْصِي يا عُقَيْلُ بنَ عَامِرٍ … وما بَتَرَ الأعْمَارَ مِثْلَ البَوَاتِرِ كأنًّ عليًّا والقَنا في ظُهُورهم … سَماءٌ رَمَتْهُم بالنُّجُوم الزَّوَاهِرِ فَوَلَّتْ تُناجي بالنّجاءَ خِلالَها … وتَجْأَرُ من أحْكَامِ سُمْرٍ جَوَائرِ قال: وتَشَاجَرَ النَّاسُ في القَصِيدَتَيْن، وتقدَّم سَيْفُ الدَّوْلَةِ بإنفاذِهِما إلى بَغْدَاد، وأنْ يُكْتَب في مَعْناهما إِلى العُلَمَاء، فلم يَحُكُمُ أحَدٌ بشيءٍ إلَّا أنَّ قَصِيدَةَ النَّامِيِّ أُعِيْدَتْ وقد كُتِبَتْ بالذَّهب، فعُلم من هذا أنَّهم قد فَضَّلُوها. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ بحَلَب، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أنْشَدَني أبو القاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الدِّمَشقيّ الحافِظ، ح. وأنْبَأنَا به عَاليًا الخَطِيبُ أبو القَاسِم عَبْد المُحْسِن بن عَبْد الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسِيِّ، قال: أخْبرَنا عَمِّي عبدُ الرَّحْمن بن أحْمَد بقِرَاءَتي عليهِ، قالا: أنْشَدَنا عَبْدُ المُحْسِن بن مُحَمَّد بن عليّ التَّاجرُ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَتْح أحْمَدُ بن عليّ المَدَائن بحَلَبَ، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِم الحُسَينُ بن عليّ بن أبي أُسامة، قال: أنْشَدَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد النَّامِيِّ لنَفْسِه (١): [من المنسرح] رَأَيْتُ في الرَّأس شَعْرةً بَقيَتْ … سَوْدَاءَ عَيْنِي تُحبُّ رُؤْيَتَها فقُلْتُ للبِيْضِ إذ تُرَوِّعُها … بالله إلَّا رحمْتِ غُرْبَتَها قالتْ رأَيْتَ السَّوْدَاءَ في وَطنٍ … تكُون فيه البَيْضَاءُ ضَرَّتها

стр. 1288

أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر السَّبَّاكُ، عن أبي بَكْر الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب بن بشْرَان، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر: قال أبو الخَطَّاب بن عَوْن الحَرِيرِيّ، وحَدَّثَني عنهُ أبو القَاسِم الشَّاعر بذلك، وقد رأيتُهُ ولم أسْمَعْ منهُ هذه الحِكايَة قال: دَخَلْتُ إلى أبي العبَّاس النَّامِيِّ، فوَجَدتُه جالِسًا ورأسُهُ كالثَّغَامَةِ (١) بياضًا، وفيه شَعْرةٌ واحدةٌ سَوْداء، قلتُ له: يا سَيِّدِي، في رأسكَ شَعْرةٌ سَوداءُ، قال: نعم، هذه بَقِيَّةُ شَبَابي وأنا أفْرَح بها، ولي فيها شِعْرٌ، قُلتُ: أنْشدنيهِ، فأنشدَني (٢): [من المنسرح] رَأيْتُ في الرَّأس شَعْرةً بقيَتْ … سَوْدَاء تَهْوى العُيُون رُؤيَتها فقُلتُ للبِيْضِ إذ تُرَوِّعُها … بالله إلَّا رَحمْتِ غُرْبتها وقَلَّ لبْثُ السَّوْدَاءِ في وَطَنٍ … تكُون فيهِ البَيْضَاءُ ضَرَّتها ثم قال: يا أبا الخَطَّاب، بَيْضاءُ واحدةٌ تَرُوعُ ألْفَ سَوْداءَ، فكيف بسَوْدَاء بين ألف بَيْضاءَ؟!. قَرَأتُ في نُسْخَةٍ قَدِيْمَة من دِيْوان شِعْر أبي العبَّاسِ النَّامِيِّ، وأظُنُّها بخَطِّ جَامِع شِعْره، ما صُوْرته: وكنتُ أنْشَدْتُ في لَيْلَةٍ من اللَّيالِي سَيْفَ الدَّوْلَة أبياتَ البُحْتُرِي (٣): [من الخفيف] وأَبَتْ تَرْكِيَ الغُدَيَّاتُ والآ … صَالُ حتَّى خَضَبْتُ بالمقْرَاضِ شَعَراتٌ أَقُصُّهُنَّ ويَرْجِعْـ … ــنَ رُجُوعَ السِّهَام في الأغْرَاضِ فهَل الحادِثَاتُ يا ابنَ عُوَيْفٍ … تارِكَاتي ولُبْسَ هذا البَيَاضِ

стр. 1289

فاسْتَحْسَنَها، وقال للنَّامِيِّ: اعْمَل مثل هذا، فعَمل قَصِيدَةً يمتدحُهُ ويصفُ الشَّيْبَ، وفيها (١): [من الخفيف] ولقد جَارَت النُّهَى فتَغَاضَيْتُ … لبِيْضٍ نَهَيْن بعْضَ التَّغَاضِي ثُمَّ خِفْتُ انْقراضَ وُدّ الغَوَاني (a) … فاسْتَعرْتُ الصِّبَا من المقْراضِ خطواتُ الشَّبَاب عن شَعراتٍ … أشْعَرت أنَّها بَوَاقٍ مَوَاضِ وقَرأتُ في هذه النُّسْخَة المُشَار إليها: وقال لي أبو العبَّاسِ النَّاميِّ: أهدَيْت إلى صَدِيْق لي سِكِّينًا عليها طَائر مُذْهَب، وكَتَبتُ معها أبْيَاتًا، منها (٢): [من الخفيف] أوْقَدَ الصَّقْلُ مَاءَ فِرندِهَا الجا … ري فجاءَتْ كالنَّار ذات اشْتِعَالِ جَوّ نُورٍ لم تُخْلهِ بدْعَةُ الصَّنْـ … ـعَة من طَائرٍ بَدِيْعِ المثِالِ عَامَ في لؤلُؤٍ ولكنَّهُ قَدْ … قامَ فيه مُذَهّبَ السِّرْبالِ أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، فيما أَذِنَ لَنا فيهِ، قال: كَتَبَ إلينا الفَضْل بن سهلٍ الحلبي أنَّ أبا بَكْر الثَّابِتِيّ أخبرَهُم إذْنًا، قال: أنْشَدَنا أبو الفَتْح أحْمَدُ بن عليّ بن النَّخَّاس بحَلَب، قال: أنْشَدَنا الحسُين بن عليّ بن أبي أُسامَةَ، قال: أنْشَدَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن مُحَمَّد النَّاميِّ لنَفْسِه يَصِفُ الشَّقَائقِ (٣): [من الطويل] وعَذْراء كالعَذْراءِ عَاقصَة الشَّعْر … بدَتْ في وقايات لقامَتها (b) حُمْر تُنشر عنها معجزًا من زَبَرْجَد … يَدُ الشَّمْس زَرَّتْهُ (c) عليها يَدُ القَطْر

стр. 1290

قَرأتُ بخَطِّ بعض الفُضَلَاءَ: ماتَ النَّاميّ أبو العبَّاس في سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين وثَلاثِمائة عن سِنٍّ عاليةٍ، وكان من شُعَرَاءَ سَيْف الدَّوْلَةِ. والصَّحيحُ ما أنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن مُحَمَّد بن عَبْد البَاقي الأنْصَاريّ، عن التَّنُوخِيّ، قال: ماتَ أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد المِصِّيْصيّ الشَّاعِر المَعْرُوف بالنَّاميِّ الكبير بحَلَبَ في سَنة سَبْعِين أو إحْدى وسَبْعِين وثَلاثِمائة عن سِنٍّ عاليَةٍ، وسَمِعْتُ مَنْ يَذكر أنَّهُ ماتَ عن تِسْعين سَنَة أو نحوها. وأخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن عَبْد الله الأسَدِيّ إذْنًا، عن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر الخَطِيبُ قال في كتاب المُؤْتَنف (١)، ح. ونَقَلْتُه من خَطِّ مُحَمَّد بن سَعْدُون العَبْدَرِيّ ممَّا أخْرَجَهُ أبو عَبْد الله الحُمَيْدِيّ من كتاب المُؤْتَنف، تَكْلة المُؤِتَلِف والمُختَلِف لعَبْد الغَنِيّ والدَّارَقُطْنِيّ، قال: وأمَّا النَّاميِّ بالنُّون فهو أحْمَد بن مُحَمَّد أبو العبَّاس المِصِّيْصيّ الشَّاعر المَعْروف بالنَّاميِّ، ذَكَرَ لي أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ أنَّهُ ماتَ بحَلَب في سَنة سَبْعِين أو إحْدى وسَبْعِين وثَلاثِمائة، شَكَّ في ذلك. أحمد بن مُحَمَّد، أبو الحَسَن المَعْنوِيُّ وبَعْضُهم يُسَمِّيه عليّ بن أحمد، والصَّحيح هو الأوَّل. وهو شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كان في أواخر عَصْر سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن بن حَمْدَان بحَلَب. سَمعَ أبا عَبْد الله بن خَالَوَيْه. ورَوَى عن أبي بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد الصَّنَوْبَريّ، وأحمد بن عليّ الكَاتِب.

стр. 1291

رَوَى عنهُ شَيْخُهُ أبو عَبْدِ الله بن خَالَوَيْه، وأبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن أحْمَد بن خَنْبَش الخولانِيّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجوهَرِيّ، وأبو القَاسِمِ عليّ بن المحسِّن التَّنُوخِيّ. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي الفَقِيه، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو سَعْد بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، إِجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّلَّال، قال: أنْشَدَنا أبو عليّ مُحمد بن وِشَاح بن عَبْد الله الزَّيْنَي، مَوْلاهم، قال: أنْشَدَنا أبو القَاسِمِ عبد الصَّمَد بن أحْمَد بن خَنْبَش الخولانِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد المَعْنَوِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ (١) لنفسِه: [من البسيط] إنْ كان في الصَّيْف ريحانٌ وفاكهةٌ … فالأرْضُ مستَوقَدٌ والجوُّ تَنُّورُ وإنْ يكن في الخَرِيْفِ النَّخْلُ مُحْتَرقًا … فالأرْضُ مَحْسُورة والجوُّ مَأْسُور (a) وإنْ يكُن في الشِّتَاء الغَيْثُ مُتَّصِلًا … الأرْضُ عريانَةٌ والجوُّ مَقْرُورُ ما الدَّهْر إلَّا الربيعُ المُسْتَنِيْرُ إذا … جاءَ الرَّبيع أتَاكَ النَّوْر والنُّوْرُ فالأرْضُ يَاقُوتَةٌ والجوُّ لُؤْلُؤة … والنَّبْتُ فيرُوْزَجٌ والماءُ بَلُّوْرُ ما يَعْدَمُ النَّبْتُ كأسًا من سحائبه … فالنَّبْتُ ضَرْبان: سَكْرانُ ومَخُمورُ فيهِ لنا الوَرْدُ مَنْضُودٌ مُوَّردُهُ (b) … بين المجالِس والمنثُور مَنْثُورُ ونَرْجِسٌ سَاحرُ الأبْصَار ليس كما … كانتْ له من عَمَى الأبْصَارِ مَسْحُورُ هذا البَنَفْسَجُ هذا الياسَمِين وذَا الـ … ـنّسْرِين قد قرنا بالحُسْن مَشْهُورُ (c) فظَل (d) تَنْثُر فيهِ السّحْبُ لُؤلُؤَهَا … والأرْضُ ضَاحِكةٌ والطَّيْرُ مَسْرُورُ

стр. 1292

حَيْثُ الْتَفتَّ فقُمْريُّ وفَاخِتَةٌ … تُغَنِّيان (a) وشفْنينٌ وزَرْزُورُ إذا الهزَارانِ فيه صوَّتَا فهما … لحُسْن صَوْتَيهما عُوْدٌ (b) وطُنْبُورُ يَطيبُ (c) فيه الصَّحارى للمُقِيْمِ بها … كما يَطيبُ (d) لهُ في غَيْرِهِ الدُّورُ مَنْ شَمَّ ريحَ تحيَّاتِ الرَّبيْع يَقُلْ … لا المِسْكُ مِسْكُ ولا الكَافُورُ كَافُورُ أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا أَبو جَعْفَر المَهْدِيّ بن أبي حَرْب المَرْعَشيِّ فِي داره بسَارِيَة، قال: حَدَّثنا أبو عَبْد اللهِ الحُسَين بن نَصْر بن المُرْهَف القَاضِي بنَهَاونْد، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الحوهَرِيّ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن المَعْنَوِيّ، قال: أنْشَدَنا أحْمَد بن عليّ الكَاتِبُ: [من الكامل] يَوْمٌ بَدَا في غايةِ الحُسْنِ … تَبْكي سَحائُبُهُ بلا جَفْنِ فالأرْضُ تَضْحكُ من بُكا المُزْنِ … والشَّمْسُ تحت سُرَادِق الدّجنِ وكأنَّ دِجْلَةَ في تَمَوُّجِها … تَخْتالُ بين مَطَارفٍ دُكْنِ أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبدُ الوَهَّاب بن رَوَاج، قِراءَةً عليهِ ببِرْكة الفِيْلِ بين مصْر والقَاهِرَةِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُور، قال: أنْشَدَنا القَاضِي أبو القَاسِم التَّنُوخيِّ، قال: أنْشَدَنا المَعْنَوِيّ، قال: أنْشَدَنا الصَّنَوبَريِّ (١) لنفسِه: [من الخفيف] أيُّها المُغتدي من العُرْس عَادتْـ … ـكَ نُحُوسٌ (c) ما بعدَهُنَّ نُحُوسُ ما سَمِعْنَا والله فيما سَمِعْنا … بعَرُوسٍ تُجلَى عليها عَرُوسُ

стр. 1293

قرأتُ على ظَهْر كتاب مَعَاني القُران للفَرَّاءِ (١)، بخَطّ أبي عَبْدِ اللهِ الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه الهَمَذَانيّ، مَكْتُوبًا بخَطِّ بعض تَلَامذتهِ، أظُنُّه عَمَّار بن الحُسَين بن عليّ بن حَمَّاد المَوْصِليِّ، قال ابنُ خَالَوَيْه: حضَر ذات يَومٍ عندي أبو إسْحاق بن شهرَام، وأبو العبَّاس ابن كاتب البكْتَمُرِيّ، وأبو الحَسَن المَعْنَوِيّ، فأنْشَدَ عَمَّارٌ بيتًا على فصّ خاتمه وهو (٢): [من الطويل] وكُلُّ مُصِيْبَاتِ الزَّمان وَجَدْتُها … سِوَى فُرْقَةِ الأحْبَابِ هَيِّنةَ الخَطْبِ وسأل الجَمَاعَة إجازَتَهُ، فقال أبو إسْحاق بن شهرَام: [من الطويل] وكُلُّ مُصِيْبَاتِ الزَّمانِ وَجَدْتُها … سِوَى فُرْقَةِ الأحْبَابِ هيّنةَ الخَطْبِ وقد قالَ ليْ قَوْمٌ تبدَّلْ سِوَاهُمُ … لعلَّك تَسْلُو إنَّما الحُبُّ كالحُبِّ ومَن لي بسَلْوى عنهُمُ لو أطَقْتُها … ولكنَّ عَذْلِي ليسَ يقبَلُهُ قَلْبي فيا حِبُّ لا تَبْخلْ علِيَّ بقُبْلَةٍ … تَرُدُّ بها نَفْسِي فيَغْبطَنِي صَحْبي فإنِّي وبيتِ اللهِ فيكَ معذَّبُ الـ … ـفُؤَادِ عَلِيْلُ القَلْبِ مُخْتَلسُ اللُّبِّ وليْ مثَل قد قالهُ قبلُ شَاعِرٌ … إذا ازدَدْتُ منهُ زِدْتُ ضَرْبًا على ضَرْبِ خرجْتُ غَدَاةَ النَّفْر أعْتَرضُ الدُّمَى … فلم أرَ أحْلَى منكِ في العَيْنِ والقَلْبِ فوالله ما أدْرِى أَحُسْنًا (a) رُزقتِهِ … أم الحُبُّ أعْمَى مثلَ ما قيلَ في الحُبِّ وقال أبو العبَّاس: [من الطويل] وكُلُّ مُصِيْبَاتِ الزَّمانِ وجَدْتُها … سِوَى فُرْقَةِ الأحْبَابِ هَيِّنَةَ الخَطْبِ فيا أسَفي لو كانَ يُغْني تَأسُّفٌ … ووَاكُرْبَتي لو روّحَتْ شِدَّة الكَرْبِ شَربتُ بكأسِ الهَمِّ خَمْرَ فِرَاقِهِم … فأصْبَحتُ سَكْرانَ السُّرُورِ بلا شُرْبِ

стр. 1294

وقال أبو الحَسَن المَعْنَوِيّ: [من الطويل] وكُلُّ مُصِيْباتِ الزَّمانِ وجَدْتُها … سِوَى فُرْقَةِ الأحْبَابِ هَيِّنَةَ الخَطْبِ ولم أَرَ هذا الدَّهْرَ يملِكُ صرْفَهُ … سِوى الرَّجُلِ العَلَّامَة النَّجُدِ النَّدْبِ ولَسْتُ لصَرْفِ الدَّهْرِ بالوَاهنِ الّذي … يَرُوْحُ على لَوْمٍ ويَغْدُو على عَتْبِ أنا مَعْنَوِيُّ الشَّام قَوْلًا وفطْنَةً … ولسْتُ هُبيرِي العَلَاقَة والحُبِّ أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن أبي بَكْر الإمَام، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل بن نَاصرِ السَّلَاميِّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل بن الحَدَّاد الفَرَضِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهرِيّ، ح. قال أبو سَعْد: وقرأتُ على أبي مَنْصُور بن خَيْرُون المُقرِئ الشَّاهِد، عن أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجَوْهَرِيّ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن المَعْنَوِيّ لنَفْسِه: [من مجزوء الرجز] كأنَّما ما كانَ مِنْ … آثارهِمْ لم يَبِنِ إِلَّا بَقَايا دِمَنٍ … فَدَيتُهاِ مِن دِمَنِ ودَّعَ رُوْحي بدَني … يومَ وَدَاعِ السُّفُنِ رَاحوا فراحُوا معَهُم … بكُلِّ شيءٍ حَسَنِ أحمدُ بن مُحَمَّد، أبو سَهْل الفَارِسِيُّ (١) حَدَّثَ بالمِصِّيْصَة عن أحْمَد بن حَرْب. رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن إبْراهيم بن المُقْرِئ. أخْبَرَنا أبو الحَجّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم المُؤيَّد بن عبدِ الرَّحيم بن الإخْوة وصاحِبتهُ عَيْن الشَّمْس بنتُ أبي سَعيد بن الحَسَن، قالا:

стр. 1295

أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيد بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيِّ - قالت: إجَازَةً - قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ، وأبو الفَتْح منْصُور بن الحُسَين، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقرِئ (١): حَدَّثنا أبو سَهْل أحْمَد بن مُحَمَّد الفَارسيّ بالمصِّيْصَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن حَرْب، قال: حَدَّثَنَا زَيْد بن الحُبَاب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُسْلِم الطَّائِفِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن دِيْنار، عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبي ﷺ ، قال: مَنْ كانَتْ عندَهُ شَهَادَةٌ فلا يقُول: لا أُخْبرُ بها إلَّا عند إمَامٍ، ولكن ليُخبر بها لعلَّهُ يرجعُ ويَرْعَوي. أحمدُ بن مُحَمَّد العبَّاسيُّ حَدَّثَ عن عَبْد الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ رَوَى عنهُ أبو بَكر بن المُقْرِئ. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم بن الإخْوَة وصاحِبتهُ عَيْن الشَّمْس، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَرَج الصَّيْرَفيِّ - قالت: إجَازَةً - قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر وأبو الفَتْح، قالا: أخْبَرَنا أبو بكْر بن المُقْرِئ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد العبَّاسيِّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن خُبَيْق، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن أسْبَاط، قال: سئِلَ الثَّوْرِيّ عن مَسْألَةٍ وهو يشتَري شيئًا، فقال: دَعْني فإنَّ قلبي مَعَ دِرْهمَي. أحمدُ بن مُحَمَّد الأَذَنِيُّ إن لم يَكُن ابن سَعيد الرَّاوِي عن لُوَيْن فهو غيره. حَدَّثَ عن إبْراهيم بن حَمَّاد، روَى عنهُ أبو عِمْران مُوسَى بن سَهْل الجوَنيِّ.

стр. 1296

كَتَبَ إلينا أبو الفُتُوح دَاوُد بن مَعْمَر القُرَشِيّ من أصْبَهَان، قال: أنبأنَا أبو سعد أحمد بن مُحَمَّد الوَاعِظ، عن أبي هاشِم مُحَمَّد بن الحسين الجُرْجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن عَبْد الله البُخاريّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر بن القَاسِم، أبو عَبْدِ الله الفَقِيه ببُخَارَى، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن مُحَمَّد بن إبْرَاهيم أبو بَكْر العَطَّار ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنَا أبو عِمْران مُوسَى بن سَهْل الجَوْنِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد الأَذَنِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا يوسف بن سَوَّار، قال: حَدَّثَنَا خَلَف بن خَلِيفَة، عن أبي هاشِم الرُّمَّانِيّ، عن مُحارِب بن دِثَار، عن أنَس بن مالِك (١)، قال: بَعَثَ رسُول الله ﷺ رَجُلًا من أصْحَابه يُقال له سَفِيْنَة بكتابٍ إلى مُعَاذ، إلى اليَمَن، فلمَّا صَارَ في الطَّريق إذا هو بسَبِعُ رَابض وسط الطَّريق فخاف أنْ يَجُوزَ، فتقَدَّم (a) إليه، فقال: أيُّها السَّبُعُ، إنِّي رسُولُ رسُولِ الله ﷺ إلى مُعَاذ، وهذا كتاب رسُول اللهِ إلى مُعَاذ، فقام السَّبعُ فهَرْولَ قُدَّامَه غَلْوَةً، ثمّ هَمْهَم، ثمّ صَرَخَ، ثمّ تَنَحَّى عن الطَّريق، فمَضَى بكتاب رسُول اللهِ ﷺ إلى مُعَاذ. ثمّ رجع بالجَوَاب، فإذا هو بالسَّبعُ، فخافَ أنْ يَجُوز، فقال: أيُّها السَّبُعُ، إنِّي رسُولُ رَسُول الله ﷺ إلى مُعَاذ، وهذا جَوابُ كتاب رسُول الله ﷺ من مُعَاذ، فقَام السَّبعٌ فصَرَخَ، ثمّ هَمْهَم، ثمّ تَنَحَّى عن الطَّريق، فلمَّا قَدِمَ، أخْبَرَ رسُول اللهِ ﷺ ، فقال رسُول الله ﷺ : تَدْري (b) ما قال أوَّل مَرَّة؟ قال: كيفَ رسُول الله وأبو بَكْر وعُمَر وعُثْمانُ وعليّ؟ وأمَّا الثَّانيَة فقال: أقْرِ رسُول الله وأبا بَكْر وعُمَر وعُثْمان وعليًّا وسَلْمَانَ وصُهيْبًا وبِلَالًا منِّي السَّلامَ.

стр. 1297

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه التوفيق أحْمدُ بن مُحَمَّد العُقَيْلِيُّ الأمِيْرُ (١) أميرٌ شَاعِرٌ مَذْكُورٌ، وَقفتُ على ذِكْره في مُخْتَار من أخْبَار مِصْر، تأليفُ الأَمِير مُخْتَار الملك مُحَمَّد بن عُبَيْد الله بن أحْمَد المُسَبِّحيّ (٢)، وأوْرَدَ لهُ قَصِيدَةً طَرْدِيَّةً على مَذْهَب طَرْدِيَّة أبي فِرَاس، وصَفَ فيها أيَّامًا مرَّتْ له بحَلَب وناحِيَتها، وذكَرَ فيها مَنَازلَ من قرَى حَلَب مَرَّ بها وهو في الصَّيْد، وذكَرَ وَقْعَةً جَرَتْ لهُ مع الرُّوم، وكان ذلك في دَوْلة بني حَمْدَان، والطَّرديَّة قولهُ: [من الرجز] يا سَائلي عن خَبَري وسِنِّي … خُذْ وَصْفَ أيَّام السُّرُور عنِّي ذاكَ هُوَ العُمْرُ الّذي يَسُرُّ … وما سِوَى ذَاكَ فلَيْسَ عُمْرُ أيَّامَ للأَمْر نَفَاذٌ وَمَضَا … وللسُّرُورِ لَذَّةٌ بِلَا انْقضَا أَحْسَنُ يَوْمٍ مرَّ ليْ مِن عُمْري … لَمْ أرَ يَوْمًا مِثْلَهُ في دَهْرِي يَوْمُ سُرُورٍ كانَ في أرْضِ حَلَبْ … طَرِبْت فيهِ طَرَبًا على طَرَبْ وذَاكَ أنِّي قْمتُ نِصْفَ اللَّيْل … مُشَارِفًا لخَدَمي وخَيْلي حينَ زَقَا البَازُ وصَاحَ الصَّقْرُ … فقُلتُ: يَوْم صَيْدُهُ يَسُرُّ هَاتِ إليَّ يا غُلَامُ الطَّاهي … قلتُ لهُ لمَّا أتَى: باللهِ أَكْثِرْ لنا مِنَ الشِّوَاء المُنْضَجِ … ومِنْ دَجَاجٍ فآيق مُلَهْوَجِ

стр. 1298

وَاشْوِ منَ الحُمْلَانِ ما يَكْفِينا … واخْتَرْ هُدِيْتَ الفَائقَ السَّمِيْنَا وَامْلَ الصَّنَادِيقَ من المصُوْصِ … حتَّى تكُونَ عَدَدَ الشُّخُوْصِ وَاصْلحْ منَ القَبْجِ مُطَجَّناتِ … ومن فَرَاريْجَ مُبَزَّرَاتِ واحْمِلْ منَ المُرْي وماءَ الحِصْرِم … والخَلّ والزَّيْت اللَّذيْذِ المَطْعَمِ للكَرْدنَاجِ والشِّوَى والمَائِدَهْ … فحَمْل ذا فيهِ جَمِيعًا فَائِدَهْ وَاصْلحْ من البيضِ مُشَوَّشَات … ونَرْجِسِيَّاتٍ وَمَقْلوَّاتِ واصْلح رُقَاقًا وَاسِعًا نَقِيَّا … يكُونُ إنْ لقَيْتَهُ بَهِيَّا حتَّى ترى اللَّفَّة في التَّدْويرِ … قائمةً كَعُنُقِ الطُّنْبُورِ إنْ قُطِعَتْ ووُضِعَتْ في الجَامِ … رأيْتَ زَهْرًا حَسَنَ النِّظَام مِلاكُ بزْماورْدِكَ الدَّجَاج … والقَبْجُ والدُّرَّاج والسِّكْبَاجُ بكَثْرةِ البَقْلِ وخَلِّ الدَّنِّ … والبَيْضَ والزَّيْتُونَ والجُبُنِّ والجَوْز أيضًا وقُلوب الخَسِّ … وكَثْرَة النَّعْنَع والكَرَفْسِ واضْمُمْ إلى الصَّعْتَرِ والهَلْيُون … مما يَفْتُقُ الشهوَةَ من طَرْخُونِ والمِسْكُ والماوَرْدُ يا عجَيْبُ … بهِ إذا طَيَّبْتَهُ يَطِيْبُ وإنْ لَقيْتَ أحَدًا بَلِفَّهْ … فلتَكُن اللَّفَّةُ تملَا كَفَّهْ أُريدُهُ يَوْمَ سُرُورٍ كَامِلا … والخَيْر فيه للرِّجَالِ شَامِلَا وخُذْ لنا من الجُنُوب والجِدَا … ما تَشْتَهيهِ النَّفْس في وَقْت الغَدَا ووَفِّر الأوسَاطَ والذَّوائبِا … حتَّى تَرَى منَّا غَدًا عَجَائبِا وخُذْ من الحَلْوى السِّلَالَ الوافرَهْ … فإنَّ أيْدِيْنَا لها مُبَاشِرَهْ قُلتُ: الشَّرَابِيّ، فقالوا: قد حَضَرْ … قلتُ: احْمِل الرَّاحَ ووَفِّرْ يا قَمَرْ وَامْلَ الأَوَاني والبلَسْقيَّاتِ … يَكُنَّ للطَّالبِ بارِزَاتِ واحْمِلْ من المرْوَاح في جِرَارِهِ … يشرَبُه مَنْ شَاءَ باخْتِيَارِهِ

стр. 1299

وخُذْ من المَطْبُوخ والشَّمْسِيِّ … رِيَّ رِجَالٍ حَظُّهُمْ في الرّيِّ وخُذْ لنا فَاكهَةً تَرْضَاهَا … فأعْيُنُ النَّاسِ غَدًا تَرَاهَا وقُلتُ: أينَ البَازْيَارُ جَعْفَر؟ … قيلَ: ببابِ الدَّار، قُلتُ: يَحْضُرُ قلتُ لهُ لمَّا أتَى: اسْمع قَوْلي … ولا تُخالفْنِي تَنَلْ من نَيْلي قُمْ فاحْمِلٍ الكُرَّزَ والغُطْرَافَا … والزُّرَّقَيْن واحْذَرِ الخلَافَا وزرقَانِ فهْوَ سَبعُ القَبْج (a) … وهْوَ كَثِيْرٌ في نَوَاحِيا الفَجّ (١) واحْمِل مع الكُرَّز يَاشِقَيْن … فَرْخَيْنِ إنْ شِئْتَ وكُرَّزَينِ أرْبَعَة فيها لنا كِفَايَهْ … وَهْيَ لعَمْري تبْلغٌ النِّهايَهْ تَصِيْدُ ما طارَ من الفِرَاخَ … أَحْسَنَ من صَيْدِكَ بالفِخَاخَ وخُذْ صقُوْرًا تِسْعَةً كبَارَا … تأخُذُ ما دَبَّ لها أوْ طَارَا وخُذْ شَوَاهيْنًا جِيَادًا فُرْهَا … تأخُذُ طَيْرَ الماء فيهِ كُرْهَا سِتًّا وإنْ شِئْتَ فخُذْ ثَمانِيَهْ … تُديرُ منها ما تَشَا عَلَانِيَهْ وخُذْ لنا عَشْرًا من الكِلَابِ … مُخْتَارةً تمعِنُ في الهُرَّابِ وخُذْ من الأكْلُبِ للعِرَاضِ … أرْبَعةً فَهْيَ القَضَاءُ المَاضِي وخَلِّها باللهِ بالنَّوَائِبِ … فإنَّها تأْخُذُ كُلَّ ذَاهِبِ وخُذْ لنا بُوْرَجنًا يفَرِّجِ … فإنَّهُ يُخْرج ما في البُنَّجِ ثمَّ خُذْ الفَهْدَ فإنِّي وَامِق … لصَيْدِهِ إذا اغْتَدَى يُعَانِق كأنَّهُ بلَثْمٍ ما يَصِيْدُ … وضَمّهِ فإنَّهُ شَدِيْدُ كعَاشِقٍ فازَ بمَنْ يُحبُّ … وَهْوَبهِ مِن قَبْل ذاكَ صَبُّ

стр. 1300

وقُلْ لهُ: وَاسِ أَخي مُفَرِّجِ … لَسْتُ أُحبُّ اليَوْمَ صيْدَ الزُّمَّجِ لا البَاز يَصْطَادُ ولا الصُّقُور … إذا رأَتْهُ فَوقَهَا ويَدُور وقلتُ للغِلْمَان في وَسْط السَّحَرْ: … قُوْمُوا اخْرُجُوا فاليَوْم يَوْمُ مشْتَرْ ولا تُريدُوا مَعكُمْ مَنْ قد عُرِفْ … بالشُّؤْم في الصَّيْدِ ولكنْ يَنْصَرفْ قالُوا: فمَنْ نَردُّ؟ قُلتُ: ردُّوا … ذَاكَ وذا وذا وذا وشُدُّوا لمَّا رَدَدْتُ القَوْم طابَتْ نفْسِي … وسِرْتُ في عِصَابَةٍ منْ جِنْسِي كُلِّ كَريم بَطَلٍ مُحَام … مُغَاورٍ مُنَازِلٍ مِقْدَامِ أَجْرَى منَ اللَّيْثِ إذا اللَّيْثُ زَأَرْ … والبَدْرِ في الحُسْنِ إذا البَدْرُ بَهَرْ سقيًا لعجَّار (a) وما وَلَاهَا … طَابَ ثراهَا وشَفَى هَوَاهَا حتَّى إذا صِرتُ وَرا البُسْتَانِ … وعَيْن قِنَّسْرِيْنَ (b) في الجِنَانِ رأى الغُلَامُ أرْنَبًا في المجْثَم … نائمةً بحَيْنهَا لَم تَعْلَم فشَكَّهَا بالآلَةِ المبُارَكَهْ … ونفسُها ممَّا دَهَاهَا هَالِكَهْ وانْفَتَح الصَّيْدُ لنا وَطَابَا … قُلتُ: احْفَظُوا وَيَحْكُم الكلَابَا فلَمْ نزلْ نَطْلُبُها في البقعَهْ … حتَّى أَخَذْنَا مائة وسَبْعَهْ وَصَاحَ طَيْرُ الماءِ عن يَميْني … كأنَّما دَلَّ على كِميْنِ قُلتُ: ذَرِ الأصْفَرَ والمُلمَّعَا … حتَّى إذا ما اسْتَعْلَيا دَارا مَعَا كأنَّ ذا يَطْلُبُ ذا في الحَرْب … والطَّيْرُ منها في أَشَدِّ الكَرْب لمَّا نقَرْتُ الطَّبْلَ طارَ الرَّفُّ … واسْتقبَلتهُ بالرَّدَى الأكُفُّ فجُدِلَتْ أرْبعة كِبَارُ … كأنَّها من ثِقْلِها أحْجَار ثُمَّ تَبِعْناهُ إلى حَدِّ البِرَكْ … وَهْوَ مِنَ الخوَف كَطَيرٍ في شَرَكْ فلَمْ يَطِر حتَّى نَقَرْنا الطَّبْلَا … فازْدَادَ منَّا وَحْشَةً وخَبْلَا
следующие страницы →