← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وجَدُّهم الأعْلَى يَحْيَى بن عُبَيْد أخو أبي عُبَادَة البُحْتُرِيّ الشَّاعر؛ وأبو القَاسِم هذا رَجُلٌ فَاضِلٌ مُقْرئٌ مُجَوِّدٌ، عَارِفٌ بعُلُوم القُرْآن واللُّغَة والنَّحو معْرفَة جَيِّدة، قَرأ القُرْآنَ على شَيْخنا أبي القَاسِم عليّ بن قاسم بن الزَّقَّاق الإشْبِيلِيّ المُقْرِئ وغيرِه، وقرأ اللُّغَة على شَيْخنا أبي اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، والنَّحو على أبي الرَّجَاء مُحَمَّد بن حَرْب النَّحْوِيّ الحَلَبِيِّ، وسَمِعَ الحَدِيْث من أبي مَنْصُور أبيهِ، ومُحَمَّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ، وأبي الفَرَج يَحْيَى بن أبي الرَّجَاء بن سَعْد الثَّقَفِيّ، وله شِعْرٌ. تَصَدَّرَ بالمَسْجِد الجامع لإفَادة عُلُوم القُرْآن واللُّغَة والنَّحو سِنِين عِدَّةً، وكان له حَلْقَة به إلى أنْ ماتَ، كتبتُ عنه شَيئًا من شِعْره، وسَمِعْتُ منه جُزءًا من الحَدِيْث، وعلَّقتُ عنه فَوَائِدَ عن شُيُوخه، وسَألتُهُ عن مَوْلدِه، فقال: في سَنَة إحْدَى وسِتِّين وخَمْسِمائَة، ثمّ قَرَأتُ بخَطِّ والده أبي مَنْصُور: مَوْلد أبي القَاسِم، أنْشَأَهُ الله صَالِحًا، آخر السَّاعَة الثَّالثَة من نهار يَوْم الأرْبَعَاء ثاني عشرين شَوَّال سَنَة إحْدَى وسِتِّين وخَمْسِمائَة مُوافق أوَّل يَوْم من أَيْلُول سَنَة ١٤٧٦ يُونَانِيَّة (١). أخْبَرَنا أبو القَاسِم أحْمَد بن هِبَةِ الله بن سَعْد الله الحَلَبِيّ قِراءَةً عليهِ بها، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج يَحْيَى بن أبي الرَّجَاء بن سَعْد الثَّقَفِيّ الأصْبَهَانِيّ بحَلَب، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن الحَدَّاد، قِراءَةً عليهِ وأَنا حاضرٌ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الحافِظُ أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحاق إبْراهيم بن عَبْدِ الله بن عليّ بن يَحْيَى المَعْرُوف بابنِ أَبي العَزَائِم، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمْرو أحْمَد بن حَازِم بن أبي غَرَزَة، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بن مُوسَى، عنِ أيْمَن بن نَابِل، عن قُدَامَة بن عَبْد الله، قال (٢): رَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ يَرْمي الجَمْرَةَ يَوْم النَّحْر على ناقةٍ صَهْباءَ، لا ضَرْب ولا طَرْدَ، ولا إليكَ إليكَ.

стр. 1437

أنْشَدَنا تَاجُ الدِّين أبو القَاسِم أحْمَدُ بن هِبَةِ الله بن سَعْدِ اللهِ الحَلَبِيّ النَّحْوِيّ لنَفْسِه يَمْدحُ المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوبَ (١): [من الطويل] لقد سُمْتَ ما لا أسْتَطِيْعُ من الأمْرِ … رُوَيْدَكَ إنَّ اللَّوْمَ لي بالهَوَى يُغْرِي فلو ذُقْتَ ما قَدْ ذُقْتُ من لذَّة الهَوَى … تَيَقَّنْتَ أنَّ العَذْلَ ضَرْبٌ من الهُجْرِ سَقَاني الصِّبَى كأسَ الهَوَى ثُمَّ عَلَّني … وجَرَّعَني من حُلْوِه ومن المُرِّ بنَفْسِي الَّتي أوْدَى هَوَاهَا بمُهْجَتي … وأصْبَحَ قَلْبي عندَها مُوْثَقَ الأسْرِ إذا سُمْتُهَا تَعْجِيْلَ حُلْو وصَالِها … تُكَلِّفُني صَبْرًا أمرّ من الصَّبْرِ وتَرْنُو بطَرْف كُلّما طَرَفَتْ بهِ … تُقَلِّبُ قَلْبي في ذَكيٍّ من الجَمْرِ فتَحْسبُ هَارُوتًا ومارُوتَ إذْ رَنَتْ … لدَى الرَّأي في ألْبَابِنَا نافثَي سِحْر لقَدْ مَنَعَتْ يَقْظَى لذيذَ وصَالِها … وفي النَّوْم حتَّى صَدَّتِ الطَّيْفَ أنْ يَسْري ولو أنَّها تَسْطِيع بُخلًا بذِكْرها … لصَدَّتْهُ أنْ يَجْري ويَخْطُرَ في فِكْري عِدِيهِ (a) وِصَالًا منْكِ يَشْفِيهِ أَنَّهُ … أضَرَّ بهِ الهِجْرانُ يا ضَرَّةَ البَدْرِ جَوَانحُه تَأْتَجُّ نارًا من الأَسَى … وأجْفَانُه قَرْحَى وأدْمُعُهُ تَجْري لكَ اللهُ من قَدٍّ رَشِيْقٍ وطَلْعَةٍ … لقد أزْرَيا بالبَدْر والغُصُنِ النَّضْرِ تُعَطِّرُ نادِي الحَيّ إذ خَطَرَتْ بهِ … ولَمْ تُمْسِسِ (b) الأرْدَان شَيئًا من العِطْرِ ولم أَنْسَهَا يَوْم الوَدَاعِ وقد سَبَتْ … فُؤادي وغالَتْ ما ادَّخَرْتُ من الصَّبْرِ بدُرَّين مَنْثُورَين لفْظٍ وأدْمُعٍ … ودُرَّين مَنْظُومَين في الفَمِ والنَّحْرِ لأَزمَعَ لمَّا أنْ رحَلتِ ترحُّلًا … رُقَادِي عن عَيْني وقَلْبي عن صَدْري قِفي زَوِّديني نَظْرةً منْكِ علَّني … أعيْشُ بها يا عَزُّ واغْتَنمِي أجْري ولا تجْمَعي هَجْرًا وبَيْنًا فلم أكُن … لأقْوَى على بَيْن الأحِبَّةِ والهَجْرِ

стр. 1438

رأَتْ شَيْبَ رأسي الغانياتُ فَعِفْنَني … وكنتُ أُرَى ما بين سَحْر إلى نَحْرِ (a) مَضَتْ لي أيَّامُ الشَّبَابِ حَمِيْدةً … ولم يَبْقَ من عَصْر الشَّبَاب سِوَى الذِّكْرِ وأَقْبَل عَصْرُ الشَّيْب بالكُره مُؤْذِنًا … بتَصْرِيم أيَّامٍ بَقِينَ من العُمْرِ كأنَّ شَبَابي كانَ لَيْلَة وَصْلها … فلَمْ تدْجُ حتَّى رُوَّعَتْ بسَنَا الفَجْرِ كأنَّ سَوَادَ الشَّعْر سُوْدُ مَطَالِبي … يُبَيِّضُها غازٍ بأفْعَالِهِ الغُرِّ أنْشَدَنا أبو القَاسِم بن الجِبْرَانِيّ لنَفْسِه من قَصِيدَة (١): [من الكامل] مَلِكٌ إذا ما السِّلْمُ شتَّتَ مَالَهُ … رَدَّ الهِيَاجُ عليهِ ما قد فَرَّقَا وأَكُفُّهُ تَكِفُ النَّدَى فبَنانهُ … لو لامَسَ الصَّخْرَ الأصَمَّ لأَوْرَقَا قال لي أبو القَاسِم أحْمَدُ بن هِبَةِ الله النَّحْوِيّ: عَمِل أبو العَلَاء أحْمَدُ بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان في لُزُوم ما لا يَلْزَم (٢) في النُّون السَّاكنَةِ مع البَاءِ والذَّالِ ووَاو الرِّدفِ وأوَّل السَّريع: [من السريع] كُلْ واشْرَبِ النَّاسَ على خِبْرَةٍ … فَهُمْ يَمِرُّونَ ولا يَعْذُبُونْ ولا تُصَدِّقُهُم إذا حَدَّثُوا … فإنَّنِي أَعْهَدُهُم يَكْذِبُون وإنْ أَرَوْكَ الوُدَّ عن حَاجَةٍ … ففي حبالٍ لهم يَجْذِبُوْن قال: وقيل لا يَقْدِر شَاعِرٌ أنْ يأتي ببيتٍ رابعٍ لهذه الأبْيَات الثَّلاثةِ، فَزَادَ فيها ابنُ مُنِير أبو الحُسَين بَيْتًا رابعًا وهو قَوْلهُ (٣):

стр. 1439

قُزْمٌ إذا سِيْلُوا وإنْ أُطْعِمُوا … رأيتَهُم من طمَع يُهْذِبُون يعني: يُسْرِعُون. قال لي أبو القَاسِم: فزدْتُ أنا بَيْتًا خَامسًا وهو قَوْلي: لَيْسَ يُرَجَّى خَيْرَهُم آمِلٌ يَوْمًا … ولا عن لاجئٍ يَشْذِبُون يعني: يَذُبُّوْنَ. قُلتُ: فزدْتُ أنا بَيْتًا سَادسًا وهو قَوْلي: لا يَصْدفُونَ النَّفْسَ عن شَرِّها … كَلَّا ولا عَنْ سَوْءَةٍ يُعْذِبُون أي: يَمْنَعُونَ. قال لي أبو القَاسِم بن الجِبْرَانِيّ: كان أبو مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ الحَرِيرِيّ عَمَل بَيْتَيْن وقد أوْرَدَهُما في المَقَامَات (١)، وقال النَّاسُ: لا ثالثَ لَهُما؛ وهُما قَوْلُه: [من المنسرح] لا تَسْألِ المَرْءَ مَنْ أَبُوهُ وَرُزْ … خِلَالَهُ ثُمَّ صِلْهُ أو فَاصْرِمِ فما يَشِينُ السُّلَافَ حين حَلَا … مَذَاقُها كَوْنَها ابْنَةَ الحِصْرِم قال: فعَمِلتُ بَيْتًا ثالثًا وهو قَوْلي: وإنْ غَدَا رَاقِيًا مَرَاتبَ ذِي … أصْلٍ عَرِيقٍ فلا تَقُلِ حِصْ رِمْ قُلتُ: وبَيْتا الحَرِيرِيِّ أخْبَرَني بهما الشَّيخُ العَلَّامَةُ تَاج الدِّين أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ قراءةً منِّي عليه بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا جَمَاعَةٌ منهم: الشَّيْخ

стр. 1440

أبو مَنْصور مَوْهُوبُ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيّ، ومَجْد الإسْلَام عُبَيْد الله بن القَاسِم بن عليّ، ح. وأخْبَرَنا ضِيَاء الدِّين الحَسَن بن هِبَة الله بن عَمْرو المَوْصِلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عليّ العِرَاقِيّ، وسعيد بن المبُارَك بن عليّ بن الدَّهَّان، ح. وأخْبَرَنا عَبْدُ اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ البَغْدَاديّ، وأبو بَكْر عَبْد الله بن عُمَر بن عليّ القُرَشِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد الله بن مُحَمَّد بن النَّقُّور، قالوا كُلّهُم: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ الحَرِيرِيّ البَصْرِيّ، فذَكَرَ البَيْتَيْن. تُوفِّي أبو القَاسِم أحْمَدُ بن هِبَةِ الله بن الجِبْرَانِيّ الطَّائيُّ بحَلَبَ يَوْم الاثْنَين سَابِع شَهْر رَجَب من سَنَة ثَمانٍ وعشرين وسِّتِمائة، ودُفِنَ في سَفْح جَبَل جَوْشَنٍ. أحمدُ بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أحْمَد بن يَحْيَى بن أبي جَرَادَة، أبو الحَسَن بن أبَي الفَضْل بن أبي غَانِم بن أبي الفَضْل بن أبي الحَسَن الحَلَبِيُّ، القَاضِي العُقَيْلِيُّ (١) والدِي، وتَمَام نَسَبهِ قد ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَةِ عَمِّ أبيه أبي الحَسَن أحْمَد بن هِبَة اللهِ بن أحمد (٢).

стр. 1441

وَلِيَ القَضَاءَ بحَلَب وأعْمَالها في سَنَة خمْسٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة في دَوْلَة المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل بن مَحْمُود بن زَنْكِي، ومِن بعدَه في دَوْلة عِزّ الدِّين مَسْعُود بن مَوْدُود، ودَولة عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن مَوْدُود، وصَدْرًا من دَوْلَة المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوبَ، فانْتَقَلت المناصب الدِّيْنِيَّة بحُكْم المَذْهَب من الحَنَفِيَّة إلى الشَّافِعيَّة، فعُزل والدي عن القَضَاءِ في سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ووليه القَاضِي مُحْيِي الدِّين مُحَمَّد بن عليّ قاضي دِمَشْق. وكان عَمِّي أبو غَانِم إذ ذاك مُجَاوِرًا بمَكَّة، حَرَسَها اللهُ، فحَجَّ وَالدِي تلك السَّنَة، واجْتَمع به بمَكَّة، وعادا إلى حَلَب. وكان والدي قبل ولايته القَضَاءَ قد ولي الخَطَابَة بقَلْعَة حَلَب في أيَّام نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، وخَطَب بالمَسْجِد الجامع بحَلَب في أيَّام ولده المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل نيابةً عن أخيهِ أبي غَانِم، وولي أيضًا قبل ولايته القَضَاء في أيَّام المَلِك الصَّالِح خِزَانَة بَيْت المَال. وكان ﵀ حَسَن السِّيْرَة في أحْكَامِه، جَاريًا فيها على أحْسَن قَانُون، مُتَحرِّيًا في قضَايَاهُ، مُقِيْمًا لنَامُوس الشَّريْعَة المُطَهَّرة. وكان ﵀ يقُول لي: يا بُنَي، واللهِ ما أُوْثرُ لك أنْ تَتَولَّى القَضَاء، فإنْ عُرِضَ عليك لا تَتَوَلَّهُ، فإنَّني ما اسْتَرحتُ منذُ وُليتُه حتَّى تركتُه، ولكنِّي أُوْثر لك أنْ تكُون مُدَرِّسًا، وأنْ تَتَولَّى مَدْرسَة الحَلاوِيِّين، فقدَّر الله تعالَى أنْ وَفَّقَني لِمَا كان يُؤثره لي بعد وَفاته. وكان ﵀ قد سَمِعَ أباهُ القَاضِي أبا الفَضْل هِبَة الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، وأبا المُظَفَّر سَعيد بن سَهْل بن مُحَمَّد الفَلَكِيّ وَزِير خُوارَزْم، والشَّيْخ أبا زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن

стр. 1442

المَنْصُور الزَّاهِد المَغْرِبيّ، وأبا مُحَمَّد عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن بن جُزَيّ الأنْدَلُسِيّ، والشَّيْخ مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد التِّرْمِذيّ؛ وحَدَّثَ عن هؤلاء، وسَمِعَ جَمَاعَةً من شُيُوخنا مثل: يَحْيَى بن عَقِيل بن شَرِيْف بن رِفَاعَة السَّعْدِيّ، وأبي اليُمْن الكِنْدِيّ، وأبي عليّ الأَوَقِيّ، وأبي عَبْد اللهِ الدَّربَنْدِيّ، وجَمَاعَة غيرهم، وكان يحضُر قراءتي عليهم. وأخْبَرَني أنَّ مولدَهُ بحَلَبَ سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين وخَمْسِمائَة. قال لي عَمِّي أبو غَانِم: ممَّا أذْكرهُ لكَ من فَضْل والدكَ، أنَّني كُنْتُ مُجاوِرًا بمَكَّة، وبها الشَّيْخُ رَبِيعُ بن مَحْمُود المَارِدِيْنِيّ، فقال لي في بعضِ الأيَّام: يا أخي، قد ألْهَمَني اللهُ تعالَى أنْ أمْضي كُلّ ليلةٍ - أوَ قال: كُلّ يَوْم - إلى المُلْتَزم، وأدْعُوَ الله تعالَى أنْ يُخَلِّص أخَاكَ أبا الحَسَن من القَضَاءِ، فقدَّر الله تعالى أنْ اسْتجابَ من الشَّيْخ رَبِيع، وترك والدُكَ القَضَاء، وحَجَّ من عامِهِ ذلك، وجاء إلينا إلى مَكَّة في المَوْسِم. ذَكَر لي عَمِّي عندما تُوفِّي والدي، في مَعْرض عَنَايةِ الله تعالى بهِ، حيث ألْهَم الشَّيْخ رَبِيع بن مَحْمُود الدُّعَاءَ لهُ، واستجيْب له، وكان الشَّيْخ رَبِيع أحَد الأوْلِيَاءِ الظَّاهرة كرامَتُهم، واجْتَمَعْتُ بهِ بحَلَبَ، ودَعَا لي في حَيَاةِ والدِي رَحمهما الله. أخْبَرَنا والدي أبو الحَسَن أحْمَد بن هِبَة الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قِراءَةً عليهِ بحَلَب حَرَسَها اللهُ، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر سَعيدُ بن سَهْل بن مُحَمَّد الفَلَكِيُّ، إمْلاءً بالمَدْرَسَة النُّورِيَّة بحَلَب في يَوْم الأرْبَعَاء الحادي عَشر من شَوَّال سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسين وخَمْسِمائَة، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أبو الحَسَن عليِّ بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عُبَيْدِ الله المَدِيْنِيُّ إمْلاءً بنَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا القَاضِي الجَلِيْل أبو بَكْر أحْمَدُ بن الحَسَن بن أحْمَد الحِيْرِيُّ، قال: أخْبَرَنا حَاجِبُ بن أحْمَد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحيم بن مُنِيْب المَرْوَزيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن هَارُون، قال: أخْبَرَنا

стр. 1443

حُمَيْد، عن أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال (١): لا عليكُم أنْ لا تُعْجَبُوا بأحَدٍ حتَّى تَنْظُروا بم يُخْتَم له، فإنَّ العَامِل يَعْمَلُ زمانًا من عُمُره أو بُرْهَةً من دَهْره بعمل صَالح لو مَات عليه لدَخَل الجَنَّة، ثمّ يَتَحَوَّل فيَعْمل عملًا سيئًا، وإِنَّ العامِل ليَعْمَلُ زَمانًا من عُمُره بعَمَل سَئ لو ماتَ عليهِ لدَخَل النَّار، ثمّ يتَحَوَّل فيَعْمل عَمَلًا صَالِحًا، فإذا أرادَ اللهُ بعَبْد خَيْرًا استعْمَلَهُ قبل مَوْتهِ، قالوا: يا رسولَ الله، وكيفَ يَسْتَعْملهُ قبل موْتهِ؟ قال: يُوَفِّقُه لعَمَل صَالح ثمّ يَقْبضُه عليه (a). تُوفِّي وَالدِي، ﵀، لَيْلَة الجُمُعَة لثَلاثٍ بَقِينَ من شَعْبان سَنَة ثلاث عَشرة وسِتّمائة بمَرض التَّرَاقي، وهو طُلُوْعٌ ظَهَر في ظَهْره بين كتفَيهِ على مُحاذَاةِ القَلْب، ويُقال له: الشَّقْفَة. ودُفِنَ يَوْم الجُمُعَة بعد الصَّلاة في التُّرْبَةِ المُخْتَصَّة بأهلنا بالقُرْبِ من مقام إبْراهيم ﵇. وكان ﵀ في مَرضهِ ذلك يَطْلبُ منِّي أنْ أقرأ له شيئًا في كتاب أدَب المَرِيْض والعَائد لأبي شُجاعٍ البِسْطَامِيِّ، ويَسْألني أنْ أُوردَ له أشياء وَرَدَت في الصَّبْر، وما يَنْبغِي للمَرِيْض أنْ يَقُولَهُ ويَدْعُو به ممَّا يَنْفَعُه لآخرته، وكان إذا قال له أحدٌ من الجَمَاعَة: أبْشِر بالعَافِيَة يقُول: والله إنِّي لا أكْرَهُ المَوْت، مَنْ أحَبَّ لقاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لقاءَهُ، وأوْصىَ بإخْرَاج شيءٍ من مَالهِ وافِر يُتَصَدّق به على الفُقَرَاء والمَسَاكِيْن، ولمَّا أحَسَّ بالمَوْت جَعَل يقول في تلك اللَّيْلة الّتي تُوفِّي فيها ما قاله النَّبِيّ ﷺ (٢): اللَّهُمَّ أعَنِّي على سَكَراتِ المَوْتِ. ثمّ اسْتَدْعَى بسوَاكٍ فاسْتَاكَ به، وسَمِعَه مَنْ كان يتولَّى تمريضَهُ من جَمَاعتنا وهو يَقُول: هذا ذو الكِفْل

стр. 1444

يُصَلِّي، وقال: أعطوني سُبْحَة الشَّيْخ أبي الحَسَن - يعني الفَاسِيّ - وكان من أوْلياءِ الله تعالى وكبار الزُّهَّاد. ثمّ إنَّهُ طَلَبني، وكنتُ في ناحيَةِ الدَّار، فَحضَرتُ إليه، فالتفَتَ فرآني واسْتَدْعاني إليه، ثمّ قَبَّل فمي، فوجَدْتُ شفَتيه قد بَرَدَتا، فعَلِمتُ أنَّهُ في النَّزْع، ولمَّا احْتُضر جعلْتُ أنا وعَمِّي أبو غَانِم نُلقِّنه الشَّهَادَةَ وهو يتشهَّد مَعَنا، وقرأنا سُوْرة الإخْلَاص فجعلَ يَقْرأها مَعنا إلى أنْ مات، وعَرق جَبيْنُه عَرقًا باردًا طَيِّب الرَّائِحَة، ودمعَتْ عَيْنُهُ، وظَهَر له من أمارات الخير عند مَوْته - ولله الحَمْد - ما طَيَّب القُلُوب لفَقْده. وكان قد سَألَ في اللَّيْلة الّتي تُوفِّي فيها: ما هذه اللَّيْلة؟ فقيل له: لَيْلَة الجُمُعَة، فقال: غَدًا أُفَارقَكُمُ، فماتَ في تلك اللَّيْلة، ودُفِنَ يَوْم الجُمُعَة. ومن عَجَائِب ما اتَّفق أنَّهُ كان يَجْتَهد في تَزْويجي ويَحثُّني عليه، ويقول: أشْتَهي أنْ أرَى لأبي القَاسِم ولدًا يَمْشي بين يَدَيّ، فاتَّفقَ أنْ زوَّجني، فوُلد لي ولدي أحْمَد الّذي قدَّمْتُ ذِكْره (١)، فسَمَّاهُ والدي باسْمِه، وتكمَّل له من العُمر سَنَة، ومَرض والدِي، فلمَّا كان يَوْم الخَمِيْس الّذي أعْقَبه لَيْلَة الجُمُعَة الّتي تُوفِّي فيها، جئتُ إلى جَنب الدَّار، فرأيتُ أحْمَد وهو يَمْشيِ خطوات أوَّل مَشْيه وله سَنَة وشَهْر، فحملتُه وجئتُ إلى وَالدِي وقلتُ له: يا موْلاي، هذا أحْمَدُ قد مَشَى، فنظَر إليهِ وهو على جَنْبهِ، فاسْتَدْعاهُ إليهِ، فَمَشَى إليهِ من باب المَجْلِس إلى صَدْره، فأخَذَهُ وقبَّل وَجْهَهُ، ودمَعَتْ عَيْنُه، وتُوفِّيَ تلك اللَّيْلة، وقد أدْرَك ما تَمَنَّاهُ ﵀.

стр. 1445

أحمدُ بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد بن مُحَّمَّد بن الحُسَين بن أبي الحَدِيْدِ، أبو المَعَالِي المَدَائِنِيُّ (١) ويُسَمَّى أيضًا: القَاسِم. شَيخٌ حَسَنٌ فَاضِلٌ فَقِيْهٌ أدِيبٌ شَاعِرٌ، قَدِمَ إلى حَلَب، وأقامَ بها مُدَّةً في مَدْرَسَة شَيْخِنا قاضِي القُضَاة، ثمّ سَافَرَ إلى بَغْدَاد، وكتَبَ بها الإنْشَاءَ في دِيْوَان الخَلِيفَة المُسْتَعْصِم، وسَمِعْتُ مَنْ يُنْشد مَدَائح المُسْتَعْصِم الّتي نَظَمها في ذلك الوَقْت، وهو حاضرٌ، لأنَّهُ كان يترفَّعُ عن الإنْشَادِ لكنه كان دمِث الأخْلَاق، حَسَن المُحاضَرَة، طَيِّب المُفَاكَهَة، اجْتَمَعْتُ بهِ في مَجْلِس الوَزِير أبي طَالِب بن العَلْقَمِيّ، وجَرَى بيني وبينه مُبَاحَثَة في الفِقْه. وسأذْكُرُ تَرْجَمتَهُ في حَرْف القَاف (٢)، وأُوْرِدُ شَيئًا من شِرْه الّذي سَمِعْتهُ منهُ، لأنَّ القَاسِمِ أشْهَر اسْمَيهِ، لكنِّي لا أُخْلى هذه التَّرْجَمَة من شيءٍ من مَحَاسِن شِعْره، فمن ذلك ما أنْشَدَني رضي الدِّيِن أبو عبد الله مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن فَلَاح الهِيْتِيّ النّاظِر بها بهِيْتَ، قال: أنْشَدَني مُوفَّق الدِّين بن أبي الحَدِيْدِ لنَفْسِه، وكتَبَها إلى أخيه عَبْد الحَميْد بن أبي الحَدِيْد، وقد وضَع كِتَابًا يردُّ فيه على ضِيَاءِ الدِّين نَصْر الله بن الأَثِيْر في كتابه المَوْسُوم بالمَثَل السَّائِر، وسَمَّى كتابه الفَلك الدَّائِر على المَثَل السَّائِر (٣): [من السريع] المَثَلُ السَّائِرُ يا سَيِّدِي … صنَّفْتَ فيه الفَلك الدَّائِرَا

стр. 1446

لكنَّ هذا فَلَكٌ دَائِرٌ … تَصيرُ فيه المَثَلَ السَّائِرَا وقرأتُ من شِعْره بخَطِّه في المُوَجَّهِ (١): [من الخفيف] عجبوا من عِذَاره بعد حَوْلَين … وما طال وهو غضّ النَّبَاتِ كيف يزكو زَرْعٌ بخَدّيه والنَّا … ظِرُ وَسْنانُ فاتِرُ الحَرَكَاتِ وقرأت بخَطِّه: ولمَّا رُتِّبَ بعضُ أصْحَابنا عَارضًا للجَيْش، ودَخَل بالخَلْعَة، قُمْتُ إليه وقبَّلْتُهُ ودَعْوتُ لهُ، وقلتُ ارْتِجَالًا (٢): [من مخلع البسيط] لمَّا بَدَا رَائِقَ التَّثَنِّي … وهو بأثْوَابهِ يَمِيْدُ قَبَّلْتُهُ باعْتبار مَعْنَىً … لأنَّهُ عارضٌ جَدِيْدُ تُوفِّي ابن أبي الحَدِيْد ببَغْدَاد بعد اسْتِيْلَاء التَّتَار عليها في شُهُور سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وسِتّمائة، وكان قد سَلِم من القَتْل، وكتَبَ لهم الإنْشَاء إلى البِلاد على عادته. مَنْ اسْمُ أبيْهِ هِشَام من الأحْمَدِين (a) أحمدُ بن هِشَام بن عَمْرو بن أبي هِشَام (٣) وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (٤)، والصَّحيح أنَّ اسم أبيه هاشِم.

стр. 1447

أحْمَدُ بن هِشَام بن فرخُسْرُو المَرْوَزيّ القَائِد وهو أخو عليّ والحُسَين ابني هِشَامٍ الخُرَاسَانيَّيْن، كان في صُحْبَة عَبْد الله المَأْمُون حين خَرَجَ إلى بَلَادِ الرُّوم غَازِيًا، وقَدِمَ معَهُ حَلَب، حَكَى عن المَأْمُون. رَوَى عنهُ بعض ولَده، وكان شَاعِرًا حَسَن الشِّعْر. أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد الله بن أبي الحَسَن، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، عن أبي المُعَمَّر المُبارَك بن أحْمَد بن عَبْد العَزِيْز الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن مُحَمَّد بن زيْد الوِقَايَاتِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد العُكْبِريِّ، ح. وأنْبَأنَا أبو حَفْص المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقنديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، ح. وأخْبَرَنا أبو الحَسَن إذْنًا قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُبيدِ الله بن نَصْر بن الزَّاغُونِيّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن العُكْبَرِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو القاسِم آدَمُ بن مُحَمَّد المُعَدَّلُ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج عليِّ بن الحُسَين الأصْبَهَانِيّ (١)، قال: حَدَّثَني أبو عَبْد الله أحْمَد بن حُبَيْش (b) التَّمَّار، ﵀، قال: حَدَّثنَا أبي، عن بعض ولد أحْمَد بن هِشَام، عن أَبِيهِ، قال: كُنْتُ في جُملة (c) المَأْمُون حيثُ (d) خَرَجَ إلى بَلَد الرُّوم، فدخَلَ وأنا معَهُ إلى كَنِيْسَةٍ قَدِيْمَة البِنَاءَ بالشَّام، عَجِيْبَة الصُّوَر،

стр. 1448

فلم يَزَلْ يَطُوِفُها (a)، فلمَّا أراد الخُرُوجَ قال لي: إنَّ مِن شَأن الغُرَبَاء وذَوي (b) الأسْفَار، منْ نَزحَت دارهُ عن إخْوانه وأتْرابه، إذا دَخَلَ مَوضِعًا مَذْكُورًا، ومَشْهَدًا مَشْهُورًا، أنْ يَجْعَل لنَفْسِه فيه أَثرًا، تَبَرُّكًا بدُعَاءَ ذَوِي الغُرْبةِ، وأهْل الانْقِطَاع (c) والسِّيَاحَة، وقد أحبَبْتُ أنْ أدخُل في الجُمْلَة (d)، فابْغِ لي دواةً أكْتبُ بها حُضُوري في مَوضِع من هذه الكَنيْسَة، فاسْتَدْعَيْتُ دواةً، فكَتَب على مَلْبَن (e) المَذْبَح هذه الأبْيَات: [من الكامل الأَحذّ] يا مَعْشَرَ الغُرَبَاءَ رَدُّكُمُ (f) … ولقيتُمُ الأحْبَابَ (g) عن قُرْبِ قَلْبي عليكُم مُشْفقٌ حَدِبٌ (h) … فشفَى الإلَهُ بحِفْظِكُم قَلْبي إنِّي كَتَبْتُ لكي أُساعدَكُم … فإذا قَرَأْتُم فاعْرفُوا كُتْبِي وذَكَرَ المَرْزُبانيّ في مُعْجَم الشُّعَراء (١)، فقال: أحْمَدُ بن هِشَام بن فرخُسْرُو المَرْوَزيّ القَائِد، من أبناءَ خُرَاسَان، وأخُوه عليّ بن هِشَام القَائِد، أقْدَمهما المَأْمُون معهُ من خُرَاسَان، وأحمدُ هو القائل، وله فيهما لَحْنٌ في طَريْقَة الثَّقيل الأوَّل: [من الوافر] إلَامَ وكَم تُعَدُّ ليَ الذُّنُوبُ … ألَم تَرَ مُذْنبًا قَبْلي يَتُوْبُ أُؤَمَّل أنْ تَدَارَكَني بعَفْوٍ … ويُقْسَمَ من لقائكَ لي نَصِيْبُ قال: وله: [من الوافر] تَمَنَّعَ من شَفَعْتُ بهِ إليهِ … فَزَادَكَ مَنْعُهُ أسَفًا عليهِ خُذُوا بدمي مَحَاسِنَهُ وخُصُّوا … مُقَبَّلَهُ وبَرْدَ ثَنِيَّتَيْهِ

стр. 1449

أحمدُ بن هِشَام بن اللَّيْث الفَارِسِيُّ، أبو عَبْدِ الله سَمِعَ المُسَيَّب بن وَاضِح التَّلْمَنَّسِيِّ بها، أو بحَلَب، أو ببَعْضِ عَمَلها، وحَدَّثَ عنهُ بِصُور. رَوَى عنهُ أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيعْ الصَّيْدَاوِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو نصْر بن طَلَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن جُمَيْع (١)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن هِشَام بن اللَّيْث بِصُوْر، قال: حَدَّثنَا المُسَيَّبُ بن وَاضِح، قال: حَدَّثنَا إسْمَاعِيْلُ بن عَيَّاشٍ، عن مُحَمَّد بن طَلْحَة، عن عُثْمان بن يَحْيَى، عن ابن عبَّاسٍ (٢)، قال: أوَّلُ ما سُمِعَ بالفَالُوْذَج أنَّ جِبْرِيلَ أتَى النَّبِيّ ﷺ فقال: إنَّ أُمَّتَكَ ستُفْتَحُ لهم الأرْض، وما يكثر (a) عليهم مِن الدُّنْيا حتَّى إنَّهم ليَأكُلونَ الفَالُوْذَجَ. قال النّبِيّ ﷺ : وما الفَالُوْذَجُ؟ قال: يَخْلِطُون العَسَلَ والسَّمْنَ جَمِيعًا. قال: فشهَقَ النَّبِيّ ﷺ من ذلك شَهْقَةً. مَنْ اسْمُ أبيْهِ الهَيْثَم من الأحْمَدِين أحْمَدُ بن الهَيْثَم بن حَفْص، أبو بَكْر القَاضِي (٣) قاضي طَرَسُوس، كان قَاضِيًا بها في أيَّام المتُوَكِّل. سَمِعَ مُوسَى بن دَاوُد، والحُسَين بن حُمَيْد العَكِّيّ، وأبا عُثْمان سَعيد بن مُحَمَّد الخَوْلانِيّ

стр. 1450

الخَصيْب المُؤذِّن، والقَاضِي عَبْد الله بن مُحَمَّد القَزْوِي، ومُحَمَّد بن أبي غَالِب، وإبْراهيم بن مَهْدِي. رَوَى عنهُ أحْمَد بن شُعَيْب النَّسَائِيُّ، وأبو عُمَر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عبدِ الرَّحْمن بن الجِلِّيِّ الطَّرَسُوسِيِّ، وأبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد الرَّشِيْدِيُّ، والحَسَن بن مِهْرَان الأصْبَهَانِيُّ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْدِ اللهِ بن عُلْوَان الأسَدِيّ الحافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو طَالب عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن العَجَمِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ النَّرْسِيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عليّ بن الحَسَن العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عليّ بن مُحَمَّد المُرْهِبِيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن مِهْرَان الأصْبَهَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن الهَيْثَم قَاضِي طَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن مَهْدِي، قال: حَدَّثَنَا أبو حَفْصٍ الأبَّار، عن أبي بُرْدَة، عن أبي مُوسَى، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): أوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ له الحَام سُليْمانُ بن دَاوُد، فلمَّا وَجَد حرَّها قال: أَوَّه من عَذَاب الله، أوَّه قبَل أنْ لا يَكُون أوَّه (b). أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحُسَين بن هِبَة الله بن مَحْفُوظ التَّغْلِبيّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى حَمْزَةُ بن أحْمَد بن فارس بن المُنَجَّا بن كَرَوَّس السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَقيه الزَّاهِد أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم بن نَصْر المقَدِسِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو المُعَمَّر مُسَدَّد

стр. 1451

ابن عليّ بن عَبْد الله الأمْلُوكيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَفْصٍ عُمَرُ بن عليّ الأنْطَاكيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد الرَّشِيْدِيّ بأنْطَاكِيَةَ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن الهَيْثَم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي غَالِب، قال: أخْبَرَنا هُشَيْم، عنَ العَوَّام بن حَوْشَب، عن إبْراهيم التَّيْمِيّ، قال: رأيتُ في المَنَام كأنَّهُ أُوْرِدَ بي على نَهْرٍ فقيْلَ لي: اشْرَب واسْقِ مَنْ شئْتَ لِمَا صَبْرتَ وكُنْتَ من الكَاظِميْن. أحمدُ بن الهَيْثَم بن حَدِيْدَة الحَلَبِيُّ حَدَّثَ عن أبي نُعَيْم عُبَيْد بن هِشَام الحَلَبِيِّ، وأحمد بن مُحَمَّد. رَوَى عنهُ أبو الفَتْح مُحَمَّد بن الحُسَين بن أحْمَد الأزْدِيّ المَوْصِليُّ الحافِظُ. أخْبَرَنا أبو الخَطَّابِ عُمَر بن أَسْعَد بن المنُجَّا التَّنُوخِيُّ الحَنْبَلِيُّ بدِمَشْق، وعَبْدُ الرَّحمن بن أبي القَاسِم بن الصُّوْرِيّ بحَلَب، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن القَاسِم بن الشَّهْرَزُورِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بنُ الحَسَن بن الحَسَن الأنْصَاريّ من لفظه، وأبو إسْحاق إبْراهيم بن عُثْمان بن عليّ الحَنَفِيّ، وأبو مَنْصُور يُونُس بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الفَارِقِيّ بدِمَشْق، وأبو العبَّاس عَبْدُ السَّلام بن المُطَهَّر بن أبي سَعْد بن أبي عُصْرُون بحَلَب، قالوا: أخْبَرنا الإمَامُ أبو سَعْد عبدُ الله بن مُحمَّد بن أبي عُصْرُون، قالا: أخْبَرَنا جَدُّنا للأُمِّ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن عَبْد البَاقِي بن طَوْق، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن الفَتْح بن عَبْدِ الله بن فَرْغَان، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن الحُسَين بن أحْمَد بن عُبَيْدِ الله بن بُرَيْدَة الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن الهَيْثَم بن حَدِيْدة الحَلَبِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عُبيد بن هِشَام الحَلَبِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن عبد

стр. 1452

الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَنْبَسَة بنُ عبد الرَّحْمن، عن مُحَمَّد بن سُلَيمان، عن عليّ بن الحُسَين، عن أَبِيهِ الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب ﵄، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): مَنْ اعْتَكف عَشْرًا في رمَضَان عُدِلَ بحَجَّتَيْن وعُمْرَتَين. حَرْفُ اليَاءَ في آباء الأحْمَدِين أحمدُ بنُ يَاسِين بن أبي تُرَابٍ حدَّثَ بطَرَسُوس عن عَبْد الله بن يُوسُف المَدَائِنِيّ. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُرْقُور التَّمَّار. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد، فيما أَذنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن الطَّرَّاح، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد الخَيَّاط، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن الحسُين بن حَمْكَان الفَقِيه الشَّافِعيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُرْقُور التَّمَّار بهَمَذَان، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يَاسِيْن المَعْرُوف بابنِ أبي تُرَاب بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ المَدَائِنِيُّ، قال: حَدَّثَني يُونُس بن عَطَاءٍ، من ولد زِيَاد الصُّدَائيِّ، عن سُفْيان الثَّوْرِيّ، عن أَبيِهِ، عن جَدِّهِ، عن زِيَاد الصُّدَائيِّ، قال: قال رسُول الله ﷺ (٢): مَنْ طَلَبَ العِلْمَ، تكفَّلَ اللهُ له برِزْقِهِ.

стр. 1453

ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ يَحْيَى من الأحْمَدِين أحْمَدُ بن يَحْيَى بن جَابِر بن دَاوُد، أبو بَكْر - وقيل: أبو جَعْفَر، وقيل: أبو الحَسَن - البَلاذُرِيُّ البَغْدَاديُّ الكَاتِبُ (١) كاتبٌ، أدِيبٌ، شَاعرٌ، مُصَنِّف، لهُ كُتُبٌ حَسَنةٌ؛ منها: كتاب أنْسَاب الأشرَاف، وهو كتابٌ مُمْتعٌ كَثِيْر الفَائِدَة والنَّفْع، ومات ولم يُتّمه، وكتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكَامها وهو أيضًا كتاب كَثِيْر الفَوَائِد. ودَخَلَ صَلَبَ ومَنْبج وأنْطَاكِيَة والثُّغُور، وكان شَاعِرًا مُجيْدًا، رَاوِيَة للأخْبَار والأدَب، حَمع بأنْطَاكِيَة أحْمَد بن الوَلِيد بن بُرْد، ومُحَمَّد بن عبد الرَّحْمنِ الأنْطَاكِيَّيْنِ، ورَوَى عنهُما وعن هِشَام بن عَمَّار، وأبي حَفْص عُمَر بن سَعيد الدِّمشقيَّين، ومُحَمَّد بن مُصَفَّى الحِمْصِيّ، وعَفَّان بن مُسلم، وأحمد بن إبْراهيم الدَّوْرَقِيّ، ومُحَمَّد بن الصَّبَّاح الدُّولَابِيّ، ومُحَمَّد بن سَعْد كَاتِب الوَاقِدِيّ، وعَبْد الأعْلَى بن حَمَّاد، ومُحَمَّد بن حَاتِم السَّمِين، وعبَّاس بن هِشَام، وعبَّاس بن الوَلِيد النَّرْسِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد المَدَائن، وشَيْبَان بن فَرُّوخ، وعَبْد الوَاحد بن غِيَاث، وعُثْمان بن أبي شَيْبَة، والحسُين بن عليّ بن الأَسْوَدِ العِجليّ، وعليَّ بن المَدِيْنِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ القَاسِم بن سَلَّام، وعَمْرو النَّاقِد، ومُصْعَب الزُّبَيْرِيّ، وعبد الله بن صالح العِجليّ، وإسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل، وأبي الرَّبيعْ الزَّهْرَانِيّ، وخلف البَزَّاز.

стр. 1454

رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن خَلَف، وأحمد بن عَمَّار، وأبو يُوسُف يَعْقُوب بن نُعَيْم بن قَرْقَارَة الأرزَنِيّ، ويَحْيَى بن البَريْم، وعبد الله بن أبي سَعْد. وكان المتُوَكِّل قد جَعَلَهُ من نُدَمائِه أخِيْرًا، وكان يُعَلِّم عَبْد الله بن المُعْتَزِّ. أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن عليّ بن بُصْلَا البَنْدَنِيجِيّ الصُّوْفيّ، وأبو جَعْفَر يَحْيَى بن جَعْفَر الدَّامَغَانِيّ البَغْدَاديَّان بحَلَب. قال ابنُ بُصْلَا: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن المُقَرَّبِ الكَرْخِيّ، وأبو القَاسِم يَحْيَى بنُ ثَابِت بن بندَار. وقال ابنُ الدَّامَغَانِيّ: أخْبَرَتَنَا عَمَّتي ترْكنَاز بنتُ عَبْدِ الله بن مُحَمَّد الدَّامَغَانِيّ. قالوا كُلّهُم: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله الحسُين بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن مَهْدِي الفَارِسِيّ، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي أبو عَبْدِ الله الحسُينُ بن إسْمَاعِيْل المحامِلِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بن أبي سَعْدٍ، قال: حَدَّثني أحْمَدُ بن يَحْيَى بن جَابِر، قال: حَدَّثَني عبَّاسُ بنُ هِشَام، عن أَبيِهِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: اسْتَسْقَى عُمَرُ بالعبَّاسِ عام الرَّمَادَة، فقال: اللَّهُمَّ إنَّ هؤُلاءَ عِبَادُكَ، وبنو إمَائِكَ، أتَوْكَ رَاغِبيْنَ مُتوسِّليْن إليكَ بعَمِّ نَبيّك ﷺ ، فاسْقِنَا سُقْيا نَافِعةً تَعُمّ البِلَاد وتُحْيى العِبَاد، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِيكَ بعَمِّ نبيّك ﷺ ، ونَسْتَشْفعُ إليكَ بشَيْبَتِهِ، فَسُقُوا، ففي ذلك يقولُ عبَّاس بنُ عُتْبَة بن أبي لَهَب: [من الطويل] بعَمّي سَقَى الله الحِجَازَ وأهْلَهُ … عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بشَيْبَتِهِ عُمَرْ تَوَجَّهَ بالعَبَّاسِ في الجَدَبِ رَاغِبًا … إليهِ فما إنْ رامَ حتَّى أتَى المَطَرْ ومنَّا رسُولُ الله فينا تُرَاثُهُ … فهل فَوْق هذا للمُفَاخِرِ مُفْتخَرْ

стр. 1455

قَرأتُ بخَطّ أبي عليّ المُحَسِّن بن عليّ بن مُحمد التَّنُوخِيّ، وأنْبَأنَا به أبو جَعْفَر أحْمَد بن الأزْهر بن السَّبَّاك، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، عن أبي القَاسِم عليّ بن أبي عليّ عنه. قال: وأخْبَرَني - يعني أبا الحُسَين عَبْد الله بن سَلْمَان البَصِيْر - بإسْنَادٍ ذَكَر أنَّهُ غابَ عنهُ أنَّ البَلاذُرِيّ الشَّاعرُ كان يُنْفِقُ دَائمًا ولا يَجْتَدِي، ولا يَحْتَرف، فقيلَ له في ذلك، فقال: دَخَلْتُ مع الشُّعَراءَ يَوْمًا إلى المُسْتَعِين، فقال لنا: مَنْ كان قد قالَ فيَّ مثْلَ قَوْل البُحْتُرِيّ في عَمِّي المُتَوَكِّل (١): [من الكامل] ولو أنَّ مُشْتَاقًا تكلَّفَ فَوْق (a) ما … في وُسْعِهِ لَمَشَى إليكَ المِنْبَرُ وإلَّا فلا يُنْشدْني شيئًا، قال: فقُلنا: ما فينا مَنْ قال فيك مثل هذا، وانْصَرَفْنا، فلمَّا كان بعد أيَّام عُدْتُ إليه، فقُلتُ: يا أَمير المُؤمِنِين، قد قلتُ فيك أحْسَنَ ممَّا قال البُحْتُرِيُّ في عَمِّك، فقال: إنْ كانَ كذلك أَسْنَيْتُ جَائزَتَك، فهَاتِ، فقال (٢): [من الطويل] ولو أنَّ بُرْدَ المُصْطَفَى إذْ حَوَيْتَهُ (b) … يَظُنُّ لظَنَّ البردُ أنَّكَ صَاحِبُهْ وقال وقَدْ أُعْطيتَهُ فلَبِسْتَهُ … نَعَم، هذه أعْطَافُهُ ومَنَاكِبُهْ فقال: أحْسَنْتَ، انْصَرف إلى مَنْزِلك، وانْتَظر رَسُولي، ففَعَلْتُ، فجاءَني رَسُولُه يُقْعَةٍ بخَطِّه فيها: قد أنْفَذْتُ إليكَ سَبْعَة آلاف دِيْنارٍ، وأنا أعْلَمُ أنَّك ستُجْفَى بَعْدي، وتُطَّرَح وتَجْتَدِي فلا يُجْدَى عليك، فاحْفَظْ هذه الدَّنَانِيْر عندَك، فإذا بلَغَتْ بكَ الحال إلى هذا فأنْفِق منها، ولا تتعَرَّض لأحدٍ ليَبْقَى ماءُ وَجْهكَ عليك، ولكَ عليَّ أنْ لا تَحْتاج ما عِشْتُ إلى شيءٍ من أمْر دُنْياكَ؛ كَبيرٍ ولا صَغِير، على حسب حُكْمك وشَهْوتكَ.

стр. 1456

قال: ثمّ أَجْرَى لي الجرايات والأرْزَاق السَّنِيَّةَ، وتاجَ جَوَائزَهُ، فما احتَجْتُ منذ ذلك وإلى الآن إلى غير جَوَائزه والسَّبْعَة الآلاف، فأنا أُنْفِقُ من جميع ذلك، ولا أُخْلقُ نَفْسِي بالتَّعَرُّض وأترَحَّمُ عليه. أنْبَأنَا أحْمَدُ بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن أبي القَاسِم بن أبي مُحَمَّد الشَّافعيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن إبْراهيم الجُرْجَانِيّ المَعْروف بالدَّامغَانِيّ الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إبْراهيم بن عُثْمان بن إِبْراهيم الجُلَّابيّ الجُرْجَانِيّ، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ المعرُوفة ببِيْبِي بنت أبي عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الطَّلَقيّ، قالت: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد عَبْد اللهَ بن عَدِيّ الحافِظُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن خَلَف، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ، قال: قال لي مَحْمُود الوَرَّاق: قُلْ من الشِّعْر ما يبْقَى لك ذِكْرُهُ، ويَزُولُ عنكَ إثْمُهُ، فقُلْتُ (٢): [من الخفيف] اسْتَعدِّي يا نَفْسُ للمَوْتِ واسْعَي … لنَجَاة فالحَازِمُ المُسْتَعِدّ قَدْ تَبَيَّنْتِ أنَّهُ ليسَ للحيِّ … خُلُودٌ ولا مِنَ المَوْتِ بُدُّ إنَّما أنْتِ مُسْتَعيرَةُ ما سَوْفَ … تَرُدِّيْنَ والعَوَاري تُرَدُّ أنْت تَسْهَيْنَ والحَوَادِثُ لا … تَسْهُو وتَلْهيْن والمَنَايا تَجِدُّ أيّ مُلْكٍ في الأرْض أو أيّ حَظٍّ … لإمْرئ حَظُّه من الأرْضِ لَحْدُ لا تُرَجِّي البَقَاءَ في مَعْدِن المَوْتِ … ودَارٍ حُتُوفُها لَكِ وِرْدُ كيفَ يهْوَى إمرؤٌ لَذاذَةَ أيَّامٍ … عليهِ الأنْفَاسُ فيها تُعَدُّ أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد الفَقِيه إذْنًا، قال: أخْبَرَني عَمِّي الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: بَلَغَني أنَّ البَلاذُرِيّ كان أَدِيْبًا رَاوِيَةً، لهُ كُتُبٌ جِيَادٌ،

стр. 1457

ومَدَحَ المَأْمُون بمَدَائِح، وجَالَسَ المُتَوَكِّل، وتُوفِّيَ في أيَّام المُعْتَمد، ووُسْوسَ في آخر عُمْرِه، وهو القائلُ (١): [من الكامل] ما مَنْ (a) روَى أدَبًا ولم يَعْمَل بهِ … فيكفّ عَادِيَة الهَوَى بأَدِيْبِ (b) حتَّى يكُون بما تَعَلَّم عَامِلًا … من صَالحٍ فيَكُون غير مَعِيْبِ ولَقَلّ ما تُجْدِي إصَابَة صَائبٍ … أعْمَالُهُ أعْمَالُ غير مُصِيْبِ أحمدُ بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن هَارُون بن مُوسَى بن عِيسىَ بن عَبْد اللهِ بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر القَاضِي العُقَيْليُّ (٢) وتَمام نَسَبه إلى عُقَيْل قد ذَكَرْناه في تَرْجَمَةِ ابن ابنهِ أحْمَد بن هِبَة اللّه (٣). وهذا أبو الحَسَن هو جَدُّ جَدِّ أبي، وأوَّل مَنْ وَلي القَضَاءَ بحَلَب من بني أبي جَرَادَة، وتولّى القَضَاء بعد الثَّلاثين والأرْبَعمائة، ورأيتُ كِتَابًا مُسَجَّلًا عليه مُؤرَّخًا بجُمَادَى الآخر سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة. وكان فَقِيهًا، فَاضِلًا أَدِيْبًا، قرأ الفقْه على القَاضِي أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أحْمَد السِّمْنَانِيّ بحَلَب، وسَمعَ الحَدِيْث من عَمِّه أبي الفَضْل عبد الصَّمَد بن زُهَيْر بن هَارُون، والقَاضِي أبي الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه بن أبي أُسامَة.

стр. 1458

ورَوَى عن أبي عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عَبْدِ اللّه بن سَعْد النَّحْوِيّ الحَلَبِيّ عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي جميع دِيْوان شِعْره. وأُمُّهُ قُرَّة العَيْن ابنَةُ مُحَمَّد بن بُكَيْر بن العبَّاسِ، ووُلد بحَلَبَ في غَدَاة يَوْم الأرْبَعَاء الرَّابِع عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة ثمانين وثَلاثِمائة. رَوَى عنهُ ابنُهُ القَاضِي أبو الفَضْل هِبَة اللّه بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة قاضي حَلَبَ. أخَبَرَنا أبو عَبْدِ اللّه مُحَمَّدُ بنُ أبي طَاهِر بن سَعْد بن مُحَمَّد المِيْهَنِيّ الصُّوْفيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن عُمَر بن علِيّ بن الخَضِر بن عَبْد اللّه القُرَشِيّ في كتَابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، قال: قِرئ على القَاضِي أبي الفَضْل هِبَة اللّه بن أحْمَد بن أبي جَرَادَةَ، وأنا أسْمَعُ، فأقَرَّ بهِ وأجازَهُ، قال: حَدَّثَني أبي القَاضِي أبو الحَسَن أحْمَدُ بن يَحْيَى بن زُهَيْر بن أبي جَرَادَة في العَشر الأوَاخِر من صَفَر من سنَة تِسْعٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، قال: حَدَّثَني عَمِّي أبو الفَضْل عبد الصَّمَد بن زُهَيْر بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر إسْحاق بن إبْراهيم بن مَعْرُوف البُشْتِيِّ (a) بمَكَّة في المَسْجد الحَرَام، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحاق إبْراهيم بن عَبْدِ اللّه بن عُثْمان بن بَكْر الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيع بن الجَرَّاح، عن الأَعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي سَعيد، قال: قال رسول اللّه ﷺ (١): لا تَسبُّوا أصْحَابي، فوالّذي نَفْسِي بيده لو أنَّ أحَدَكم أنْفَق مثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيْفَهُ.

стр. 1459

أنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، وزَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ اللّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة في كتَابِهِ إليْنَا من حَلَب، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَضْل هِبَةُ الله بن أحْمَد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني أبي القَاضِي أبو الحَسَن أحْمَد بنُ يَحْيَى بن زُهَيْر بن أبي جَرَادَة، قال: حَدَّثَنِي عَمِّي أبو الفَضْل، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مَحْبُوب بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنا أبو مُسْلم إبْراهيم بن عَبْدِ اللّه، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة القَعْنَبِّي، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن عُمُر، عن نَافِع، عن أبي سَعيد، قال: قال رسُولِ الله ﷺ (١): لا تَبِيْعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَب إلَّا مِثْلًا بِمثْلٍ، ولا الوَرَق بالوَرق إلَّا مِثْلًا بمثْلٍ، ولا تُشفّوا بَعْضَها على بعضٍ. قَرأتُ بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بِن أحْمَد بن هِبَةِ اللّه بن أحْمَد بن يَحْيَى بن أبي جَرَادَة، في جُزءٍ خَرَّجَهُ من حَديثه، ورَوَى فيه حَدِيثًا عن أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد اللّه بن أبي جَرَادَة، عن أبي الفَضْل هِبَة اللّه بن أحْمَد، عن أَبِيهِ أحْمَد بن يَحْيَى، وتكلَّم على رجال الحَديْث، وقال في ذِكْر أحْمَد بن يَحْيَى: ولي القَضَاءَ بحَلَب، وكان مُوَفَّقًا في تنفيْذِ الأحْكَام واسْتِنْبَاط القَضَايا المُعْضلَات، وقَرَأ الفِقْهَ على القَاضِي الفَقِيهِ أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أحْمَد السِّمْنَانِيّ، وعَلَّق عليهِ بحَلَبَ التَّعْليقَ المَنْسُوب إليهِ على مَذْهَب الإمام أبي حَنِيْفَة، وجَمِعَ جميع كُتُبه في الفِقْه، وألَّف كِتَابًا في الفِقْهِ ذَكَر فيه الخِلَافَ بين أصْحَاب أبي حنِيْفَة، وما تَفَرَّد به عنهم. حَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة اللّه، ووالدي أبو الحَسَن أحْمَد بن هِبَة اللّه بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قالا: أخْبَرَنا والدنا القَاضِي أبو الفَضْل هِبَةُ اللّه بن

стр. 1460

مُحَمَّد بن هِبَةِ اللّه بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: كان القَاضِي أبو الحَسَن أحْمَدُ بن يَحْيَى يقرأ الفِقْهَ بحَلَب على القَاضِي أبي جَعْفَر السِّمْنَانِيّ، وهو إذْ ذاكَ صَبيٌّ، والقَاضِي أبو جَعْفَر إذ ذاك قاضٍ بحَلَبَ، فحضَر شَاهِدَان من عُدُول حَلَبَ ليُؤدِّيا شَهَادةً عند السِّمْنَانِيّ، فاشْتَغل بتَدْرِيس أبي الحَسَن عن اسْتماعِ شَهَادتهما حتَّى فَرغ أبو الحَسَنِ من دَرْسِه، فشقّ على ذيْنك الشَّاهِدَيْن ذلك، وقالا في أنفُسِهما: يُقَدِّم هذا الصَّبِّي علينا ويُؤخِّرنا فيما حَضَرنا فيه عنده حتَّى يَفْرغ، ففَطن أبو جَعْفَر السِّمْنَاني لذلك منهما، فالْتَفَت إليهما بعد الفَرَاغِ وقال لهما: لعلَّكما شَقّ عليكُما اشْتِغَالي بهذا الصَّبي عنكما، واللّه إنْ دَامَ على ما هو عليهِ لتَشْهَدان بينَ يَدَيْهِ. فقدَّر اللّه تعالى أنَّ أبا الحَسَن تَفَقَّهَ وكَبر، وزَوَّجَه أبو جَعْفَر السّمْنَاني بابنَتِه، وتُوفِّيَ السِّمْنَانِيّ، ووَلي أبو الحَسَن أحْمَد بن أبي جَرَادَة القَضَاءَ بحَلَب، وأتَى الشَّاهِدان المُشَار إليهما وشَهِدَا بينَ يَدَيْهِ. أنْشَدَني والدي لجدِّ أبيهِ القَاضِي أبي الفَضْل هِبَةِ اللّه بن أحْمَد بن يَحْيَى يَذْكر أباهُ ويَفْتَخر بهِ، وكَتَبَ إلينا بهذه الأبْيَات أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن أبي الحَسَن بن أبي جَرَادَة، قال: أنْشَدَنا القَاضِي أبو الفَضْل لنَفْسِه (١): [من مجزوء البسيط] أنا ابنُ مُسْتَنْبِطِ القَضَايا … ومُوْضِحِ المُشْكِلَاتِ حَلَّا وابنِ المَحَارِيْبِ لم تُعَطَّلْ … من الكتابِ العَزِيْزِ يُتْلَى وفارِسِ المِنْبَر اسْتَكانَتْ … عِيْدَانُهُ من حِجَاهُ ثِقْلَا قَرأتُ بخَطِّ أبي المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة في بعض تَخَارِيْجه، وذَكَر القَاضِي أبا الحَسَن أحْمَد بن يَحْيَى، فقال: وتُوفِّيَ في أواخر سَنة اثْنَتَيْن وأرْبعين وأرْبَعِمائة (٢) بحَلَب بعد نُزُوله من القَلْعَة بها في الثَّامن من شَعْبان من هذه السَّنَة، لأنَّ مُعِزّ الدَّولَة أبا عُلْوَان ثِمَال بن صالح بن مِرْدَاس

стр. 1461

صَاحب حَلَب لمَّا خَافَ من ناصِر الدَّوْلَة أمير الجُيُوش أبي عليّ الحَسَن بن حَمْدَان أنْ يقصدَهُ، وقد عَصَى على المُسْتَنْصِر صاحب مِصْر، وكانت اليهِ ولاية حَلَب، قبضَ أمَاثِل الحَلَبِيّيْن واعْتَقلهُم في القَلْعَة، والقَاضِي في جُمْلَتهم، لئلَّا يُسَلِّموا البَلَد إلى ابن حَمْدَان، وذلك في العاشر من شَهْر رَبيِع الآخر من سَنة أرْبعين وأرْبَعِمائة. قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي أبي الفَضْل هِبَة اللّه ابن القَاضِي أبي الحَسَن، أبو بخَطِّ غيره، على ظَهْر كتاب شِعْر المُتَنَبِّي، نُسْخَة القَاضِي أبي الحَسَن الّتي قرأها على مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن سَعْد، وخَطّه عليها، ما صُوْرته: صَعدَ القَاضِى خلَّصَهُ اللّهُ إلى القَلْعَة يَوْم الخَمِيْس العاشِر من شَهْر رَبِيع الآخر سَنَة أرْبَعيِن وأرْبَعِمائة، ونَزَل بحَمْدِ اللّه ومَنَّه يَوْم الأرْبَعَاء الثَّامن من شَعْبان سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، وللّه على ذلك الحَمْدُ وخَالصُ الشُّكْرِ. أحمدُ بن يَحْيَى بن سَنَد، أبو العبَّاس شَاعِرٌ كان بمَعَرَّة النُّعْمَان، وقَفْتُ على أبياتٍ من شِعْره في مَرَاثِي بني المُهَذَّب المَعَرِّيِّين، يَرْثِي بها أبا عَبْد اللّه الحُسَين بن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب، وهي قَوْله: [من الطويل] فُؤَادٌ عَرَاهُ حزنُهُ فتصَدَّعا … وقَلْب بَراهُ وَجْدُه فتَقَطَّعَا ونائَبةٌ عَمَّ البَريَّةَ خَطْبُهَا … فَلَم تلقَ إلَّا مُوجَعًا أو مُفَجَّعَا لفَقْد حُسَيْنٍ قرَّةِ العَيْن والّذي … أَتَتْه المَنَايا بغْتةً حين أيْفَعَا أأنْسَاهُ بين الأهْل مُلْقىً وكُلُّهُم … لفقدانِهِ يُبْدِي أسىً وتوجُّعَا وقد سَألوهُ كيفَ أنْتَ فلم يَحِرْ … جَوَابًا وأضْحَى بالبَنانِ مُوَدِّعَا فيا سَيِّدًا أودَى بصَبْري مُصَابُهُ … لقد خانك الدَّهْرُ الخؤُونُ فأسْرَعا

стр. 1462

ولو كان بالإنْصَاف يَحُكُمُ لم يكنْ … عَجَيْبًا بأنْ تبْقَى لنا وَتُمَتَّعَا فبالرَّغْم منِّي يا حُسَينُ تحكَّمَتْ … بجِسْمك أيدِي الدَّهْرِ حتَّى تَضَعْضَعَا وبالرَّغْم منِّي أنْ تُوَسَّدَ مُفْردًا … ويُصبحَ بعد الأنْسِ بيتُكَ بلقَعَا وبالوُدِّ منِّي لو صَحِبْتُكَ في الثَّرَى … وصيَّرْتُ من حُزْني بقُربك مَضْجعا وفاضَتْ دمًا عَيْني عليكَ فإنَّني … لأعْذُلُ أجْفَانِي إذا فِضْنَ أدْمُعا وقَرَأتُ في هذا الجُزءِ لهُ أبْيَاتًا يَرْثِي بها أبا الحَسَن المُهَذَّب بن عليّ بن المُهَذَّب، وتُوفِّيَ سَنَة تِسْعٍ وعشرين وأرْبَعِمائة: [من الكامل] دُنْياكَ هَذِي بالأنَام تَقَلَّبُ … وصرُوفُها فيهمْ تجيءُ وتَذْهَبُ والدَّهْرُ فيهِم قد أجَدَّ وكُلُّهُمْ … يَلْهُو عن الدَّهْرِ المُجِدِّ ويَلْعَبُ لم يَنْجُ من صَرْفِ الرَّدَى ذو غرّةٍ … غُمُرٌ ولا فطنٌ له يتهيَّبُ عَتَبي على الدَّهْر الخؤُونِ مُجدَّد … أبدًا لو أنَّ الدَّهْرَ ممَّن يُعْتِبُ إلَّا يَشِبْ رَأسِيِ لعُظْمِ مُصَابِهِ … بالأكْرمينَ فإنَّ قَلْبي أشْيَبُ أحمدُ بن يَحْيَى بن سَهْل بن السَّرِيّ الطَّائيُّ، أبو الحُسَين المَنْبِجِيُّ الشَّاهِدُ المُقْرِئُ النَّحْوِيُّ الأُطْرُوش (١) سَمِعَ بحَلَب ومَنْبج أبا سَلَمَة عُمَر بن عبدِ الرَّحْمِن الإمام الحَلَبِي، وأبا الحَسَن نَظِيْف بن عَبْد الله المُقْرِئ الحَلَبي، وأبا عَبْد اللّه مُحَمَّد بنِ إبْراهيم بن مَرْوَان، وأبا العبَّاس أحْمَد بن فارس الأدِيْب المَنْبِجِيّ، وأبا الحُسَين مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْر المَنْبِجِيّ، وأبا عَبْد اللّه الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه اللُّغَويّ.

стр. 1463

رَوَى عنهُ عَبدُ الوَهَّاب المَيْدانيّ، وعليّ بن الخَضِر بن سُلَيمان بن سَعيد السُّلمِيّ، وعَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وأبو بَكْر مَكّيّ بن جَابَار الدِّيْنَورِيّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بنُ عليّ الرَّازِيّ السَّمَّان، وعليّ بن مُحَمَّد الحِنَّائِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن شُجاع الرَّبَعِيّ، وأبو الغَنائِم عَبْد اللّه ابن القَاضِي الحَسَن بن مُحَمَّد الزَّيْدِيّ النَّسَّابَة، وأبو زَكَرِيَّاء عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن نَصْر البُخاريّ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن الدِّمَشقيّ، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (١)، [قال]: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحُسَين أحْمَد بن يَحْيَى المَنْبِجِيُّ الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن نَظِيْفُ بن عَبْد اللّه المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنا أَبو عليّ مُحَمَّد بن مُعَاذ دُرَّان، قال: حَدَّثَنا أبو عَمْرو مُسْلِم بن إبْراهيم الفَرَاهيْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام، قال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عن عَبْد اللّه بن بُرَيْدَة، عن أَبِيهِ، أَنَّ النَّبي ﷺ كان لا يتَطيَّر، وكان إذا بَعَثَ رَجُلًا (a) سأل عن اسْمه، فإنْ أعْجَبَهُ اسْمُه فَرحَ لذلك، ورُؤِي في وَجْهِهِ البِشْرُ، وإنْ كَرِه اسْمَهُ رُؤِي كَرَاهَة ذلك في وَجْهِه، وإذا دَخَل عن (b) القَرْيَة سَألَ عن اسْمها، فإنْ أعْجَبَهُ اسْمُها فَرِحَ بها ورُؤِي بِشْرُ ذلك في وَجْههِ، وإنْ كَرِهَ اسْمَها رُؤي كَرَاهَة ذلك في وَجْهِهِ. أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمانُ بن الفَضْل بن الحُسَين البَانيِاسيِّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيُّ (٢)، قال: أحْمَدُ بن يَحْيَى بن سَهْل بن

стр. 1464

السَّرِيّ، أبو الحُسَين الطَّائيّ المَنْبِجِيّ الشَّاهِدُ، المُقْرِئ، النَّحْوِيّ، سَكَنَ دِمَشْقَ، وكان وَكِيْلًا في الجامِع. رَوَى عن أبي عَبْد الله (a) بن مَرْوَان، وأبي العبَّاس أحْمَد بن فارس الأدِيْب، وأبي الحَسَن نَظِيْف بن عَبْدِ الله المُقْرِئ، وأبي الحُسَين مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْر، وعُمَر بن عبد الرَّحْمن الإمام الحلبِيّ. رَوَى عنهُ عَبد الوَهَّاب المَيْدانيّ، وهو من أقْرَانه، وعَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد الحِنّائِيّ، وعليّ بن الخَضِر السُّلَمِيّ، وأبو بَكْر مَكِّيّ بن جَابَار الدِّيْنَورِيّ، وعليّ بن مُحَمَّد بن شُجاع الرَّبَعيِّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ الرّازِيّ السَّمَّان. أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة الله القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: تُوفِّي شَيْخُنا أبو الحُسَين (b) أحْمَد بن يَحْيَى المَنْبِجِيّ الأُطْرُوش سَنَة خَمْس عَشرة وأرْبَعِمائة. حَدَّثَ عن نَظِيْف الحلَّبِيّ وغيره، وكان يَحْفظ من أخْبَارِ أبي عَبْد الله بن خَالَوَيْه. وكانَ ثِقَةً.

стр. 1465

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي أحمدُ بن يَحْيَى بن صَفْوَان الأنْطَاكِيُّ، أبو بَكْر الإمَام (١) وقيل فيه: أحْمَد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن صَفْوَان (٢)، ويعرَفُ بقُرْقُرَة الفَقِيهُ. حدَّث بأنْطَاكِيَةَ عن عَبْد الله بن نَصْر الأنْطَاكِيّ، وأبي خَيْثَمَة مُصْعَب بن سَعيد المِصِّيْصيّ، وهِشَام بن عَمَّار، وسعيد بن مَنْصُور، وكَثيْر بن عُبَيْد الحَذَّاء، ومُحَمَّد بن مُصَفًّى الحْمِصِيّ، ويَعْقُوب بن حُمَيْد بن كَاسِب، وابن أَبي كَرِيْمَةَ. رَوَى عنهُ أبو بَكْر أحْمَدُ بن سَلْمَان بن الحَسَن النَّجَّاد، وأبو القَاسِم عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن اليَسَع القَارِئ الأنْطَاكِيّ، وسُلْيمان بن أحْمَد بن أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ، وابو مُحَمَّدُ عبد الرَّحْمن بن المُبارَك الأنْطَاكِيّ، والقَاضِي أبو الحَسَن سُليْمانُ بن مُحَمَّد التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ. أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم بن سَلْمَان الإرْبلِيّ، قِراءَةً عليهِ بحَلَبَ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن النَّقُّور البَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن المُظَفَّر بن الحَسَن المَعْرُوف بابنِ سَوْسَن التَّمَّار، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحْمن بن عُبَيْدِ الله بن عَبْد الله الحُرْفِيُّ السِّمْسَارُ، قال: حَدَّثنا أحْمَدُ بن سَلْمَان الفَقِيه، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ يَحْيَى بن صَفْوَان الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثنا سَعيدُ بن

стр. 1466

مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بن أبي سَعْد الدِّمَشقيُّ، قال: سَمِعْتُ حَيَّانَ أبا النَّضْر، قال: سَمِعْتُ جُنَادَةَ بن أبي أُمَيَّةَ، يقول: سَمِعْتُ عُبَادَةَ بن الصَّامِت، يقول (١): دَخَلْتُ على رسُول الله ﷺ فقال لي: يا عُبَادَةُ، قُلتُ: لبَّيْكَ يا رسُول اللهِ، فقال: اسْمَعْ وأَطِعْ في عُسْرِكَ ويُسْركَ، ومَنْشَطك ومَكْرهكَ، وأُثرةٍ عليك، وإنْ أخَذُوا مالكَ وضَربُوا ظَهْرَكَ، ما لم تكُن مَعْصِية بُوَاحًا. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن هِلَالَة، قال: أخْبَرَنا أَسْعَد بنُ أبي سَعيد الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَتْنا فاطِمَةُ بنْتُ عَبْد الله الجُوزْدَانيَّة، قالت (a): أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن رِيْذَة الضَّبِّيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُليْمانُ بن أحْمَد بن أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يَحْيَى الأنْطَاكِيّ قُرْقُرَة، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن نَصْر الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أُسامَة، عن عُبَيْد الله بن عُمَر، عن نَافعٍ، عن ابن عُمَر (٢)، قال: قال رسُول الله ﷺ : ذكاةُ الجَنِيْن ذكاةُ أُمِّهِ.

стр. 1467

قال الطَّبَرَانِيُّ (١): لم يَرْوه مَرْفُوعًا عن عُبَيْد الله إلَّا أبو أُسامَةَ، تفَرَّد به عَبْدُ الله بن نَصْرٍ. نَقَلْتُ من كتاب الألْقَاب تأليف الحافِظ أبي الفَضْل عليّ بنِ الحُسَين الهَمْدانِيّ: قُرْقُرَة، أحْمَد بن يَحْيَى بن صَفْوَان، أبو بَكْر الفَقيه الأنْطَاكِيّ، روَى عَن ابنُ أبي كَرِيْمَة، رَوَى عنهُ عبد الرَّحْمن بن المُبارَك أبو مُحَمَّد الأنْطَاكِيّ. أحمدُ بن يَحْيَى بن عَوْف، أبو المَكَارِم القُرَشِيّ الكَاتِب (٢) كان من أصْحَاب المَلِك النَّاصر يُوسُف بن أَيُّوبَ، وكُتَّابِهِ، قَدِمَ معَهُ حَلَب، وكان فَاضِلًا، حَسَنَ البَدِيْهة والرَّوَيَّة، وله نَثْرٌ حَسَنٌ، وشِعْرٌ جَيِّدٌ. رَوَى عنهُ من شِعْره أبو القَاسِم عبد الرَّحْمن بن أبي الحَسَن المُعَدَّل بالإسْكَنْدَرِيَّة. أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن شُحَانَة الحَرَّانيّ برَابِغ، قال: أنْشَدَني أبو القَاسِم عبد الرَّحْمن بن أبي الحَسَن المُعَدَّل بالإسْكَنْدَرِيَّة، قال: أنْشَدَني أبو المَكَارِم أحْمَدُ بن يَحْيَى القُرَشِيّ الكَاتِبُ لنَفْسِه (٣): [من الكامل] خُبِّرْتُ أنَّكَ قد عَثَرْتَ فلم أزَلْ … مُغْرىً بفَيْضِ مَدَامعٍ ونَحِيْب بأبي عَلَامَ تَرَكْتَ شَعْرَكَ مُسْبَلًا … حتَّى عَثَرْتَ بفَضْلِهِ المَسْحُوب أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن شُحَانَة، قال: أخْبرَني أبو القَاسِم، قال: قال لي أبو المَكَارِم القُرَشِيُّ: كُنْتُ بالبَيْتِ المُقَدَّس مع السُّلْطان المَلِك النَّاصِر، فرأى جَاريةً من بَنَاتِ الرُّوم حَسَنَة الوَجْهِ تُصَلِّي إلى الشَّرْق، فقال لي: قُلْ فيها شيئًا، فقُلْتُ: [من السريع]

стр. 1468

وغَادةٍ تُعْزَى إلى قَيْصَرٍ … حَلَّ عَزَائي عَقْدُ زُنَّارِهَا صَلَّتْ إلى الشَّرْقِ وأوْلَى بها … لو أنَّها صَلَّت إلى دَارِهَا قال لي أبو مُحَمَّد: قال لي أبو القَاسِم: قال لي أبو المَكَارِم: أنَّهُ رَأى ببَيْتِ المَقْدِس جَارِيَةً حَسَنَة الوَجْهِ، فسَألها السُّلْطانُ المَلِكُ النَّاصِرُ أنْ تَسْقيَهُ، فقال: قُلْ فيها شيئًا، فقلتُ: [من البسيط] تَرُوم من ظَبَياتِ الرُّوم سفْكَ دَمِي … هَيْفَاءُ عاقِدَةٌ في الخَصْر زُنَّارَا شَرِبْتُ من يَدِها ماءً وذَا عَجَبٌ … كيفَ اسْتَحال بقَلْبي مَاؤُها نَارَا أحمدُ بن يَحْيَى بن النُّعْمان، أبو العبَّاس حَدَّثَ ببَالِس عن عُمَر بن سَعيد بن يُوسُف المَنْبِجِيّ. رَوَى عنهُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن سَهْل المَاسَرْجِسِيُّ. أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْدُ المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الهَرَويّ في كتابهِ منها، عن أبي القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّاميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد أحْمَدُ بنِ إبْراهيم بن مُوسَى المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن سَهْل المَاسَرْجِسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن يَحْيَى بن النُّعْمان ببَالِس، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن سَعيد بن يُوسُف المَنْبِجِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَبْد الله أَبو الحَسَن النَّصْرِيّ في دار النَّصْرِيِّين، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبْدِ الجبَّار الهَمَذَانيّ (A)، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن زُفَر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن زِيَاد (B) ، عن ابن عَجْلان، عن أبي الزُّبَيْر، عن جَابِر، قال: أُتِيَ

стр. 1469

رسُولُ الله ﷺ بَجَنَازَةٍ، فلم يُصَلّ عليها، فقُلتُ: يا رسُول اللهِ، لَمَ تركْتَ الصَّلاة عليه؟ قال: لأنَّهُ كان يُبْغِضُ عُثْمان. أحْمَدُ بن يَحْيَى بن هِبَةِ الله بن الحَسَن بن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن عليّ بن صَدَقَة، أبو العبَّاس القَاضِي (١) قاضي دِمَشْق المعرُوف بابنِ سَنِيّ الدَّوْلَة التَّغْلِبيّ. كان أبوه قاضي دِمَشْق، وتولَّى ابنه هذا القَضَاء نيابةً عن ابن الزَّكِيّ، ولمَّا مَلَكَ المَلِكُ الصَّالِح أَيُّوبَ ابن المَلِك الكَامِل دِمَشْق، ولَّاهُ القَضَاء اسْتِقْلَالًا، ودام فيه في دَوْلَته ودَوْلة أبيهِ، ودَوْلة المَلِك النَّاصِر إلى أنْ اسْتَولى التَّتَارُ على دِمَشْق، فسَارَ إلى حَلَب إلى مَلِك التَّتَار هُولَاكُو بهَدِيَّة، فولَّى القَضَاء مُحْيِى الدِّين يَحْيَى بن مُحَمَّد بن الزَّكِيّ، وجَعَله نائبًا في القَضَاء عن ابن الزَّكِيّ، وعاد فتُوفِّي في طَريقهِ ببَعْلَبَك، وكان مَوْلدُهُ سَنَة تسْعين وخَمْسِمائَة. أخْبَرَنا القَاضِي صَدْر الدِّيْن أبو العبَّاس أحْمَد بن يَحْيَى بن هِبَة الله بن سَنِيّ الدَّوْلَة الدِّمَشقيّ بها، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عَبْدُ اللَّطِيْف

стр. 1470

ابن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عليّ بن عليّ بن عُبَيْد الله الأَمِين، ح. وأنْبَأنَا عَاليًا أبو أحْمَد عَبدُ الوَهَّاب بن عليّ بن عليّ، قال: أخْبَرَنا والدي أبو مَنْصُور المَذْكُور، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عُمَر الصَّرِيفِيْنِيّ الخَطِيب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن إسْحاق بن سُلَيمان بن حَبَابَة البَزَّاز (A)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله - هو البَغَويّ - قال: حَدَّثَنَا عليّ، قال: أخْبَرَنا شُعْبَة، عن سيَّارٍ أبي الحَكَم، عن ثَابِت البُنَانِيّ، عن أنَس أنَّهُ مَرَّ على صِبْيَان فسَلَّم عليهم، ثمّ حدَّث أنَّ رسُول الله ﷺ مَرَّ على صِبْيَان فسَلَّم. رَوَاهُ البُخاريّ (١)، عن عليّ بن الجَعْد. سَمِعَ القَاضِي أبو العبَّاس أبا طَاهِر بَرَكات بن إبْراهيم الخشُوعِيّ، وعَبْد اللَّطِيْف بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الصُّوْفيّ، ونِعْمَة بنْت الطَّرَّاح، وشَيْخنا أبا اليُمْن الكِنْدِيّ، وأبا الفَضْل بن مُحَمَّد بن الحَرَسْتَانِيّ، ومُحَمَّد بن عليّ بن يَحْيَى القُرَشِي القَاضِي، وعُمَر بن أَيْلمَلِك بن الأَرْدَعَانسِيّ (٢)، وحَدَّثَ عنهُم. وتُوفِّيَ ببَعْلَبَك عند عَوْده من حَلَب في سَنَة ثمانٍ وخَمْسِين وسِتّمائة.

стр. 1471

أحمدُ بن يَحْيَى، أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء (١) وقيل فيه: مُحَمَّد بن يَحْيَى، والصَّحيح الأوَّل. صَحِبَ أباهُ يَحْيَى الجَلَّاءَ، وذا النُّون المِصْرِيِّ، وأبا عُبَيْد البُسْرِيّ، وحَكَى عنهم، وصَحِبَ أيضًا أبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ. رَوَى عنهُ أبو بَكْر الدُّقِّيّ، ومُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن الجُلُنْدَى، ومُحَمَّد بن الحَسَن بن عليّ اليَقْطِينيّ، وأبو إسْحاق الأذْرَعِيّ، وأبو عُمَر مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد (a) اللَّبَّاد، وأبو العبَّاس الدِّمَشقيّ الوَرَّاق، وإبْراهيم بن المُوَلَّد الرَّقِّيِّ، وأبو مُحَمَّد بن يَاسِيْن، وأبو الفَضْل عَبْد الله بن عُبَيْد الله. وحَكَى أبو الخَيْر التِّيْنَاتِيّ أنَّهُ رآهُ بالتِّيْنَات؛ ثَغْرٌ منِ الثُّغُور الشَّامِيَّة، قد ذَكَرناهُ (٢). وكان بَغْدَاديًّا دَخَلَ الشَّام، وسَكَن الرَّمْلَة ودِمشْق، وهو من كِبَار شُيُوخ الصُّوْفيَّة، وله أحْوَال وكَرَامَات ظَاهِرة.

стр. 1472

أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (١)، قال: أحْمَد بن يَحْيَى، أبو عَبْد الله المَعْرُوفُ بابنِ الجَلَّاء، من كِبَار مَشَايخ الصُّوْفيَّةِ، انْتَقلَ من (a) بَغْدَاد فسَكَنَ الشَّامَ. سَمِعْتُ أبا نُعَيْم الحافِظ (٢)، يقول: أبو عَبْدِ الله أحْمَد بن يَحْيَى، بَغْدَاديٌّ سَكَن الرَّمْلَة، وصَحِبَ ذا النُّون، وأبا تُرَاب، وأبُوه يَحْيَى الجَلَّاءُ، أحَدُ الأئمَّةِ، له النُّكَت اللَّطِيْفة. أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن محَمَّد بن حَمُّوْيَه، ح. وأنبأتنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأنْبَانَا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان بن إسْمَاعِيْل القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد هِبَة الرَّحمن بن عَبْدِ الوَاحِد بن عَبْد الكَريم القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (٣)، قال: ومنهم - يعني: من مَشَايِخ الصُّوْفيَّة - أبو عَبْدِ الله أحْمَدُ بن يَحْيَى الجَلَّاء، بَغْدَاديّ الأصْلِ، أقامَ بالرَّمْلَةِ ودِمشْقَ، من أكَابِر مَشَايخ الشَّام، صَحِبَ أبا تُراب، وذا النُّون، وأبا عُبَيْدٍ البُسْرِيّ، وأباهُ يَحْيَى الجَلَّاء.

стр. 1473

أخْبَرَنا الشَّيْخان أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بن أبي نَصْر زَيْد بن عَبْدِ الله بن رَوَاحَة الأنْصَاريَّان، قالا: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بنُ مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيِّ، قال: قُرئ على أبي الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن الحُسَين السُّلمِيّ، وأنا أسْمَعُ بدِمشْقَ، عن أبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْراهيم المُقْرِئ الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدَان بن عُمَر بن الحَسَن المَنْبِجِيّ الطَّائِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن دَاوُد الدِّيْنَورِيّ المَعْرُوف بالدُّقِّيِّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله بن الجَلَّاء، وقد قيل لهُ: أكان أبوكَ يَجْلُو المَرَايَا والسُّيُوف، فسُمِيِّ الجَلَّاءَ؟ قال: لا؛ ولكن كان إذا تكلَّم على قُلُوب المُؤْمنِيْن جَلَاهَا. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ الله الرُّهَاوِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْد الله بن أحْمَد الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليِّ بن عَبْدِ الله بن الحَسَن بن جَهْضَم، قال: حَدَّثَني أبو عَبْدِ الله الفَرْغَانيّ ساكن دِمَشْقَ، قال: سَمِعْتُ أبا الخَيْر يقول: كنتُ جالِسًا ذات يَوْم في مَوضِعي هذا على باب المَسْجِد، فرفَعْتُ رأسي، فرأيتُ رَجُلًا في الهَوَاءِ، وبيده رَكْوَةً، فأوْمَى إليَّ، فقُلتُ لَهُ: انْزِل، فأبَى ومَرَّ في الهَوَاءِ، فسُئل الشَّيْخ أبو الخَيْر: عَرفْتَ الرَّجُلَ؟ فقال: نعم، فقيل لهُ: مَنْ كان؟ فقال: أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء. أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بنُ عليّ بن الحُسَين الطُّرَيْثِيثيّ، قال: أخْبَرَنا والدي، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المَالِيْنِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا أحْمَد عَبْد الله بن بَكْر الطَّبَرَانِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا إسْحاق الأذْرَعِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ الله أحْمَد بن يَحيَى الجَلَّاء يقول: قَدِمْتُ على أبي عُبِيْدٍ البُسْرِيّ، فأَخْلَى لي بَيْتًا، فكان يأتينِي بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخرة،

стр. 1474

فيَقف على البابِ فيقُول: ما أظُنُّ أنَّ أبا عَبْدِ الله يَعْدلُ بالوحْدَة شيئًا؟ فأقول: إلَّا منْكَ، فيقول: إلَّا منِّي؟ فأقول: نعم، فيَدْخل، فيُذَاكرني إلى أنْ يُؤذِّن المُؤذِّنُ لصَلاةِ الفَجْر، فيَخْرج ويُصَلِّيَ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن قُبَيْس، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الوَرَّاق، قال: سَمِعْتُ عليّ بن عَبْدِ الله بن الحَسَن الهَمَذَانيّ، يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن دَاوُد، يقول: ما رأَتْ عَيْنايَ بالعِرَاق ولا بالحِجَاز ولا بالشَّام ولا بالجَبَل مثل أبي عَبْد الله بن الجَلَّاء، وكان في مِمْشَاذ خمسُ خِصَالٍ لم تكن واحدةً منها في الجَلَّاء. قال الخَطِيبُ (٢): أخْبَرَني أحْمَدُ بن عليّ بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ جَدِّي إسْمَاعِيْل بن نُجَيْد، يقول: كان يُقال: إنّ في الدُّنْيا ثلاثةً من أئمَّة الصُّوْفيَّة لا رابعَ لهم: أبَو عُثْمان بنَيْسَابُور، والجُنَيْد ببَغْدَاد، وأبو عَبْد الله بن الجَلَّاءِ بالشَّام. أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن حَمُّوْيَه، ح. وأخْبَرَتْنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب بن عُثْمان، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٣)، قال: وكان يُقال: في الدُّنْيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عُثْمان بنَيْسَابُور، والجُنَيْد ببَغْدَاد، وأبو عَبْد الله بن الجَلَّاء بالشَّام. قُلتُ: أبو عُثْمان هو سَعيد بن إسْمَاعِيْل الحِيْرِيّ.

стр. 1475

أنْبَأنَا عَبْد القَادِر بن عَبْد الله الرُّهَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد القَادِر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَبْد الله، قال: سَمِعْتُ عُبَيْدَ الله بن إبْراهيم، يقول: سُئل أبو بَكْر بن الزَّانيَار عن ابن الجَلَّاءِ؟ فقال: مُؤْتَمَن على سِرّ الله . أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنا علِيُّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن أبي نَصْر الطَّالَقَانِيّ بدِمَشْقَ، قال: قال أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ (٢): ومنهم: أبو عَبْد الله بن الجَلَاء (a) واسْمُه أحْمَدُ بن يَحْيَى بن الجَلَّاءِ، ويقال: مُحَمَّد بن يَحْيَى، وأحْمَدُ أصَحُّ؛ كان أصْلُهُ بَغْدَاديًّا (b)، أقامَ بالرَّمْلَة ودِمَشْق، وكان من جلَّةِ مَشَايخ الشَّامِ، صَحِبَ أباهُ يَحْيَى الجَلَّاء، وأبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ، وذا النُّون المِصْرِيّ، وأبا عُبَيْد البُسْرِيّ، وكان أُسْتاذ مُحَمَّد بن دَاوُد الدُّقِّيّ، وكان عَالِمًا وَرِعًا. كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ من مَرْو أنَّ أبا سَعْد مُحَمَّد بن مَنْصُور بن عبد الرَّحيم الحُرْضِيّ أخْبَرَهم، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكّي إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ (٣)، قال: مُحَمَّد بن يَحْيَى، ويقال: أحْمَد بن يَحْيَى، وأحمدُ أصَحُّ، أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء، كان أصْلُهُ بَغْدَاديًّا، أقام بالرَّمْلَةِ وبدِمَشْق، وكانَ من جلَّةِ المَشَايخ وأئمَّة القَوْم، صَحِبَ أبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ، وسَافرَ معَهُ.
следующие страницы →