أحمدُ بن يَحْيَى، أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء (١)
وقيل فيه: مُحَمَّد بن يَحْيَى، والصَّحيح الأوَّل.
صَحِبَ أباهُ يَحْيَى الجَلَّاءَ، وذا النُّون المِصْرِيِّ، وأبا عُبَيْد البُسْرِيّ، وحَكَى عنهم، وصَحِبَ أيضًا أبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ.
رَوَى عنهُ أبو بَكْر الدُّقِّيّ، ومُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن الجُلُنْدَى، ومُحَمَّد بن الحَسَن بن عليّ اليَقْطِينيّ، وأبو إسْحاق الأذْرَعِيّ، وأبو عُمَر مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد (a) اللَّبَّاد، وأبو العبَّاس الدِّمَشقيّ الوَرَّاق، وإبْراهيم بن المُوَلَّد الرَّقِّيِّ، وأبو مُحَمَّد بن يَاسِيْن، وأبو الفَضْل عَبْد الله بن عُبَيْد الله.
وحَكَى أبو الخَيْر التِّيْنَاتِيّ أنَّهُ رآهُ بالتِّيْنَات؛ ثَغْرٌ منِ الثُّغُور الشَّامِيَّة، قد ذَكَرناهُ (٢). وكان بَغْدَاديًّا دَخَلَ الشَّام، وسَكَن الرَّمْلَة ودِمشْق، وهو من كِبَار شُيُوخ الصُّوْفيَّة، وله أحْوَال وكَرَامَات ظَاهِرة.
стр. 1472
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (١)، قال: أحْمَد بن يَحْيَى، أبو عَبْد الله المَعْرُوفُ بابنِ الجَلَّاء، من كِبَار مَشَايخ الصُّوْفيَّةِ، انْتَقلَ من (a) بَغْدَاد فسَكَنَ الشَّامَ. سَمِعْتُ أبا نُعَيْم الحافِظ (٢)، يقول: أبو عَبْدِ الله أحْمَد بن يَحْيَى، بَغْدَاديٌّ سَكَن الرَّمْلَة، وصَحِبَ ذا النُّون، وأبا تُرَاب، وأبُوه يَحْيَى الجَلَّاءُ، أحَدُ الأئمَّةِ، له النُّكَت اللَّطِيْفة.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن محَمَّد بن حَمُّوْيَه، ح.
وأنبأتنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَانَا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان بن إسْمَاعِيْل القَارئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد هِبَة الرَّحمن بن عَبْدِ الوَاحِد بن عَبْد الكَريم القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (٣)، قال: ومنهم - يعني: من مَشَايِخ الصُّوْفيَّة - أبو عَبْدِ الله أحْمَدُ بن يَحْيَى الجَلَّاء، بَغْدَاديّ الأصْلِ، أقامَ بالرَّمْلَةِ ودِمشْقَ، من أكَابِر مَشَايخ الشَّام، صَحِبَ أبا تُراب، وذا النُّون، وأبا عُبَيْدٍ البُسْرِيّ، وأباهُ يَحْيَى الجَلَّاء.
стр. 1473
أخْبَرَنا الشَّيْخان أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن عَبْد الله بن رَوَاحَة، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بن أبي نَصْر زَيْد بن عَبْدِ الله بن رَوَاحَة الأنْصَاريَّان، قالا: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بنُ مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيِّ، قال: قُرئ على أبي الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن الحُسَين السُّلمِيّ، وأنا أسْمَعُ بدِمشْقَ، عن أبي عليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْراهيم المُقْرِئ الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدَان بن عُمَر بن الحَسَن المَنْبِجِيّ الطَّائِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن دَاوُد الدِّيْنَورِيّ المَعْرُوف بالدُّقِّيِّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله بن الجَلَّاء، وقد قيل لهُ: أكان أبوكَ يَجْلُو المَرَايَا والسُّيُوف، فسُمِيِّ الجَلَّاءَ؟ قال: لا؛ ولكن كان إذا تكلَّم على قُلُوب المُؤْمنِيْن جَلَاهَا.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ الله الرُّهَاوِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْد الله بن أحْمَد الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْد القَادِر بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليِّ بن عَبْدِ الله بن الحَسَن بن جَهْضَم، قال: حَدَّثَني أبو عَبْدِ الله الفَرْغَانيّ ساكن دِمَشْقَ، قال: سَمِعْتُ أبا الخَيْر يقول: كنتُ جالِسًا ذات يَوْم في مَوضِعي هذا على باب المَسْجِد، فرفَعْتُ رأسي، فرأيتُ رَجُلًا في الهَوَاءِ، وبيده رَكْوَةً، فأوْمَى إليَّ، فقُلتُ لَهُ: انْزِل، فأبَى ومَرَّ في الهَوَاءِ، فسُئل الشَّيْخ أبو الخَيْر: عَرفْتَ الرَّجُلَ؟ فقال: نعم، فقيل لهُ: مَنْ كان؟ فقال: أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بنُ عليّ بن الحُسَين الطُّرَيْثِيثيّ، قال: أخْبَرَنا والدي، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المَالِيْنِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا أحْمَد عَبْد الله بن بَكْر الطَّبَرَانِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا إسْحاق الأذْرَعِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ الله أحْمَد بن يَحيَى الجَلَّاء يقول: قَدِمْتُ على أبي عُبِيْدٍ البُسْرِيّ، فأَخْلَى لي بَيْتًا، فكان يأتينِي بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخرة،
стр. 1474
فيَقف على البابِ فيقُول: ما أظُنُّ أنَّ أبا عَبْدِ الله يَعْدلُ بالوحْدَة شيئًا؟ فأقول: إلَّا منْكَ، فيقول: إلَّا منِّي؟ فأقول: نعم، فيَدْخل، فيُذَاكرني إلى أنْ يُؤذِّن المُؤذِّنُ لصَلاةِ الفَجْر، فيَخْرج ويُصَلِّيَ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن قُبَيْس، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الوَرَّاق، قال: سَمِعْتُ عليّ بن عَبْدِ الله بن الحَسَن الهَمَذَانيّ، يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن دَاوُد، يقول: ما رأَتْ عَيْنايَ بالعِرَاق ولا بالحِجَاز ولا بالشَّام ولا بالجَبَل مثل أبي عَبْد الله بن الجَلَّاء، وكان في مِمْشَاذ خمسُ خِصَالٍ لم تكن واحدةً منها في الجَلَّاء.
قال الخَطِيبُ (٢): أخْبَرَني أحْمَدُ بن عليّ بن الحُسَين، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ جَدِّي إسْمَاعِيْل بن نُجَيْد، يقول: كان يُقال: إنّ في الدُّنْيا ثلاثةً من أئمَّة الصُّوْفيَّة لا رابعَ لهم: أبَو عُثْمان بنَيْسَابُور، والجُنَيْد ببَغْدَاد، وأبو عَبْد الله بن الجَلَّاءِ بالشَّام.
أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن حَمُّوْيَه، ح.
وأخْبَرَتْنا زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها، قال: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب بن عُثْمان، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٣)، قال: وكان يُقال: في الدُّنْيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عُثْمان بنَيْسَابُور، والجُنَيْد ببَغْدَاد، وأبو عَبْد الله بن الجَلَّاء بالشَّام.
قُلتُ: أبو عُثْمان هو سَعيد بن إسْمَاعِيْل الحِيْرِيّ.
стр. 1475
أنْبَأنَا عَبْد القَادِر بن عَبْد الله الرُّهَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد القَادِر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَبْد الله، قال: سَمِعْتُ عُبَيْدَ الله بن إبْراهيم، يقول: سُئل أبو بَكْر بن الزَّانيَار عن ابن الجَلَّاءِ؟ فقال: مُؤْتَمَن على سِرّ الله .
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن مُحَمَّد، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنا علِيُّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن أبي نَصْر الطَّالَقَانِيّ بدِمَشْقَ، قال: قال أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ (٢): ومنهم: أبو عَبْد الله بن الجَلَاء (a) واسْمُه أحْمَدُ بن يَحْيَى بن الجَلَّاءِ، ويقال: مُحَمَّد بن يَحْيَى، وأحْمَدُ أصَحُّ؛ كان أصْلُهُ بَغْدَاديًّا (b)، أقامَ بالرَّمْلَة ودِمَشْق، وكان من جلَّةِ مَشَايخ الشَّامِ، صَحِبَ أباهُ يَحْيَى الجَلَّاء، وأبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ، وذا النُّون المِصْرِيّ، وأبا عُبَيْد البُسْرِيّ، وكان أُسْتاذ مُحَمَّد بن دَاوُد الدُّقِّيّ، وكان عَالِمًا وَرِعًا.
كَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ من مَرْو أنَّ أبا سَعْد مُحَمَّد بن مَنْصُور بن عبد الرَّحيم الحُرْضِيّ أخْبَرَهم، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكّي إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ (٣)، قال: مُحَمَّد بن يَحْيَى، ويقال: أحْمَد بن يَحْيَى، وأحمدُ أصَحُّ، أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء، كان أصْلُهُ بَغْدَاديًّا، أقام بالرَّمْلَةِ وبدِمَشْق، وكانَ من جلَّةِ المَشَايخ وأئمَّة القَوْم، صَحِبَ أبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ، وسَافرَ معَهُ.
стр. 1476
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم الحافِظُ (١)، قال: أحْمَدُ بن يَحْيَى، أبو عَبْد اللهِ الجَلَّاءِ، أحَدُ مَشَايخ الصُّوْفيَّة الكِبَار، صَحِبَ أباهُ، وذا النُّون بن إبْراهيم المِصْرِيّ، وأبا تُرَاب النَّخْشَبِيّ، وحَكَى عنهم. حَكَى عنه أبو عُمَر مُحَمَّد بن سُليْمان بن أبي دَاوُد (a) اللَّبَّادُ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن دَاوُد الدُّقّيّ، وأبو العبّاس الوَرّاق الدِّمشقيّ، وأبو جَعْفَر مُحَمَّد بن الحَسَن بن عليّ اليَقْطِينيّ، ومُحَمَّد بنُ عَبْد الله الجُلنْدَى المُقْرِئ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانمٍ بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَةَ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، ح.
وأنْبَأتنا زَيْنَبُ بنْتُ عبْد الرَّحْمن الشَّعْرِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب القَارِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ القُشَيْريّ (٢)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الطّبَريّ، يقول: سَمِعْتُ أَبا عُمَر الدِّمَشقيّ يقول: سَمِعْتُ ابنَ الجَلَّاء يقول: قُلتُ لأبي وأُمِّي: أُحبُّ أَنْ تَهَباني لله ، فقالا: قد وَهَبْناكَ للهِ، فغبْتُ عنهما مُدَّةً، فلمَّا رجعْتُ، كانت لَيْلَة مَطيرة، فدَقَقْتُ (b) الباب، فقال أبي: مَنْ ذَا؟ قُلتُ: وَلدُك أحمد، قال: كان لنا ولد فوَهَبْناه للهِ! ونحنُ من العَرَب لا نَسْتَرجع ما وَهَبْنا، ولَم يَفْتح البابَ.
стр. 1477
قال (١): وقال ابن الجَلَّاء: مَنْ اسْتَوى عندَهُ المَدْحُ والذَّمُّ فهو زَاهِدٌ، ومَنْ حافَظَ علي الفَرَائِض في أوَّل مَوَاقيْتها فهو عَابِدٌ، ومَنْ رَأى الأفْعَالَ كُلّها من اللهِ فهو مُوَحِّدٌ.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر القُشَيْريّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: وقال ابنُ الجَلَّاء: كُنْتُ أمْشي مع أُسْتَاذِي، فرأيتُ حَدَثًا جَمِيْلًا، فقُلتُ: يا أُسْتاذ، يُعَذِّبُ اللهُ هذه الصُّورَة؟ فقال: أفنظَرت ستَرى غبَّهُ، قال: فنَسيْتُ القُرْآن بعدَهُ بعشرين سَنَةً.
أنْبَأنَا إبْراهيم بن عُثْمان الكَاشْغَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بنُ عَبْد القَادِر، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ الأَزَجِيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَبْد الله بن جَهْضَم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الحَسَن بن الجُلَنْدَى المُقْرِئ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله بن الجَلَّاء، يقول: كنتُ واقفًا أنْظُر إلى غُلَام نَصْرَانيّ حَسَن الوَجْهِ، فمرَّ بي أبو عَبْد الله البَلْخِيّ، فقال: إيش وقُوفكَ؟ فقُلتُ: يا عَمّ؛ ما تَرَى! هذه الصُّورة تُعَذَّب بالنَّار؟ فضَرب بيَده بين كتفي وقال: لتجَدنَّ غبَّهَا بعد أرْبَعيْن سنةً، قال: فأُنْسِيْتُ القُرْآن بعد أرْبَعيْن سَنَةً.
قال عليّ: سألتُ مُحَمَّد بن دَاوُد، فقُلتُ لَهُ: حِكايَة بلغَتْني عن ابن الجَلَّاءِ، قال: ما هي؟ فذكَرْتُ له هذه الحِكايَة، فقال: صَحِيْحة.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمُّويَه، ح.
وأنبأتنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيُّ، ح.
стр. 1478
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب القَارِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، يقول سَمِعْتُ أبا عَبْد الله الرَّازِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد بن يَاسِيْن يقول: سَمِعْتُ ابنَ الجَلَّاءِ، وقد سَألتُه عنِ الفَقْر، فسَكَت حتَّى خَلَا، ثمّ ذهَبَ ورجَع عن قريب، ثمّ قال: كان عندي أرْبعة دَوَانيق فاسْتَحيتُ من الله أنْ أتكلَّم في الفَقْر، فذهبْتُ وأخْرَجْتُه، ثمّ قعدَ وتكَلَّم (a) في الفَقْر.
قال القُشَيْريّ (٢): سَمِعْتُه - يعني مُحَمَّد بن الحُسَين - يقول: سَمِعْتُ عَبْد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشقيّ يقول: سَمِعْتُ إبْراهيِم بن المُوَلّدِ يقول: سألتُ ابن الجَلَّاءِ متَى يَسْتَحقّ الفَقِيْرُ اسْم الفَقْر؟ فقال: إذا لم تَبْقَ عليهِ بَقِيَّة منهُ، فقُلتُ: كيفَ ذاك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكُن له فهوَ لهُ.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ المُحْتَسِبُ، قال: حَدَّثَنَا (b) أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيّ (٤)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عَبْدِ الله الرَّازِيّ يقول: سَمِعْتُ أبا عَمْرو (c) الدِّمَشقيّ يقول: قال أبو عَبْد الله بن الجلَّاء: لا تُضَيِّعَنَّ حقَّ أخيك اتِّكالًا على ما بينَكَ وبينه من المَوَدَّةِ والصَّدَاقَة، فإنَّ الله تعالى فرضَ لكُلِّ مُؤْمِنٍ حُقُوقًا لا يُضيِّعُها إلَّا مَنْ لم يُرَاعِ حُقُوقَ الله عليهِ.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن حَمُّوْيَه، ح.
стр. 1479
وأنْبَأتنا زَيْنَبُ بنتُ عبْد الرَّحْمن الشَّعْرِيِّ، قالا: أخْبَرَنا الشَّاذْيَاخِيِّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْبُ القَارِئ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القشَيْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، يقول: سَمِعْتُ الحُسَين بن أحْمَد بن جعْفر، يقول: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن دَاوُد الدِّيْنَورِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا عَبْد الله بن الجَلَّاء يقُول: أَعْرفُ مَنْ أقامَ بَمَكَّة ثلاثين سَنَةً لم يشْرَب من ماءِ زَمَزَم إلَّا ما اسْتَفاهُ برَكْوَتهِ ورِشَاهُ، ولَم يَتَناوَل من طَعَامٍ جُلِبَ من مِصْرَ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (٢)، قال: حَدَّثَني عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا مَكِّيّ بن مُحَمَّد بن الغَمْر المُؤدِّبُ، قال: أخْبَرَنا أبوسُليْمان مُحَمَّد بن عَبْد الله بن أحْمَد بن زبْر (٣)، قال: قال أبو يَعْقُوب الأذْرَعِيّ: تُوفِّي أبو عَبْد الله بن الجَلَّاء يَوْم السَّبْت لاثْنَتي عَشرة خَلَتْ من رَجَب سنة ستٍّ وثَلاثِمائة.
أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمُّوْيَه، ح.
وأنْبأتْنا زَيْنَبُ بنْتُ عبد الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيُّ، ح.
وأنْبَأنَا أبو النَّجِيْب القَارِئُ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (٤)، قال: ولمَّا ماتَ ابن الجَلَّاءَ نَظَروا إليه وهو يَضْحَكُ، فقال الطَّبِيْبُ: إنَّهُ حَيٌّ ثمّ نَظَر إلى مجَسَّتِه فقال: إنَّهُ مَيِّتُ، ثمّ كَشَفَ عن وَجْهِهِ فقال: لا أدرى هو مَيِّتُ أم حَيٌّ! وكان في داخل جلْدِه عِرْقٌ على شَكْل: "اللهِ".
стр. 1480
أحمدُ بن يَحْيَى، أبو غَانِم القَاضِي (١)
قاضي حَرَّان. حَدَّثَ بحَلَب سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة عن أبيهِ يَحْيَى، وعليّ بن أحْمَد بن بسْطَام، والحَسَن بن المُثَنَّى، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن إسْمَاعِيْل بن مَاهَان الأُبُلِّيّ، ومُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مِرْدَاس الأُبُلِّيّ، ومُوسَى بن الحُسَين بن مُوسَى، وإبْراهيم بن عبدِ الصَّمَد الهاشِميّ، وأبي عِمْرَان مُوسَى بن عَبْد الحَميْد الجَوْنِيّ، ومُحَمَّد بن الحُسَين بن مُكْرَم البَزَّاز البَغْدَاديّ، وسَمِعَهُما بالبَصْرَة، وأحْمد بن عبد الرَّحيم بن مُوسَى، والنُّعْمان بن أحْمَد الوَاسِطِيّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام السُّلَمِيّ، وأحمد بن مَنْصُور الرَّمَادِيّ، وهَارُون بن مُحَمَّد الحَارِثِيّ، والحَسَن بن مُحَمَّد السَّكُونِيّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن إبْراهيم حَمُّوْيَه الطَّيَالِسِيّ، وأبي خَلِيفَة الفَضْل بن الحُبَاب الجُمَحِيّ، وإبْراهيم بن زَكَرِيَّاء الأيْلِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن القَاسِم بن نَصْر بن زِيَادٍ البَغْدَاديّ، وأحمد بن مُحَمَّد بن سَعيد بن عُقْدَة، وعبد الله بن أحمَد بن موسَىَ عَبْدَان، وزَكَرِيَّاء بن يَحْيَى السَّاجِيّ، وعبد الله بن حَمْدَان الصَّائِغ، ومُحَمَّد بن سَعيد بن وزَكَرِيَّاء، وأبي مُحَمَّد القَاسِمِ بن عَبَّاد القَزَّاز، والحَسَن بن مُحَمَّد السَّكُونِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن مُقْبِل، ومُحَمَّد بن عليّ بن حَاتِم، وأبي أيُّوبَ سُليْمان بن الحَسَن العَطَّار، وأبي عُثْمان سَعيد بن هُلَيْبَةَ العَبَّادَانيّ، وأبي عُثْمان عَمْرو بن أبي سُوَيْد، ومُحَمَّد بن سَعيد بن مِهْرَان، ومُحَمَّد بن حِبَّان المَازِنِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن حَيَّان، وأبي الحَسَن عليّ بن الحَسَن بن مَهْدِي، وعليّ بن الحَسَن بن صَدَقَة، ومُحَمَّد بن زُهَيْر بن الفَضْل، وأحمد بن القَاسِم البَغْدَاديّ، وخَرَّج فَوَائِد من حَديثهِ، وأمْلَاها بحَلَب في التَّاريخ المَذْكُور.
وهو في غالب ظَنِّي ممَّن انْتَقل من حَرَّان إلى حَلَب في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة بن حَمْدَان بعدما هَجَمها الرُّوم في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين، وقَتلُوا أكْثر أهْلها.
стр. 1481
رَوَى عنهُ الشَّيْخُ أبو عُبَيْد الله عَبد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن أبي نُمَيْر العَابِد، وإسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن إسْمَاعِيْل بن أبي عِيسَى الجِلِّيّ الحَلَبِيَّان.
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ بن عليّ بن زُهْرَة الحُسَيْنيّ الحَلَبِيُّ، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو المَكَارِم حَمْزَةُ بن عليّ بن زُهْرَة، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليَّ بن عَبْدِ الله بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عَبْدُ الله بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن الجِلِّيّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخ الزَّاهِد أبو عُبَيْدِ الله عبْد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن عَبْد الوَاحِد الأسَدِيّ القُطْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو غَانِم أحْمَد بن يَحْيَى القَاضي بحَلَب سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن أحْمَد بن بِسْطَام، قال: حَدَّثَنَا الحَسَن بن عَرَفَة، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بن عَيّاش، عن عبد الرَّحْمن بن زِيَاد الإفْرِيْقِيّ، عن مُسْلِم بن يَسَارٍ أنَّ رسُول الله ﷺ قال (١): الحَسَنُ والحَسَينُ سيِّدَا شَبَاب أهْل الجَنَّة، وأبُوهمُا أفْضَلُ منهما.
أحمدُ بن يَحْيَى المِصِّيْصيُّ (٢)
حَدَّثَ عن الوَلِيد بن مُسْلِم. رَوَى عنهُ عِمْران بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مَسْعُود بن أبي مَنْصُور بن مُحَمَّد بن الحَسَن الخَيَّاط الجَمَّالُ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ
стр. 1482
الحَسَن بن أحْمَد الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ (١)، قال: أُخْبرتُ عن عِمْران بن عبد الرَّحيم، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يَحْيَى المِصِّيْصيِّ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بن مُسِلم، عن الأوْزَاعِيّ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطَاء، عن أبي هُرَيْرَة (٢)، قال: قال رسُول الله ﷺ : ما من عَبْدِ أنْعمَ اللهُ عليه نِعْمَةً فأسْبَغَها عليه إلّا جَعَل إليه شَيئًا من حَوَائج النَّاس، فإنْ تبرَّم بهم (a) فَقَدْ عرَّض تلك النّعْمَة للزَّوَال.
أخْبَرَنا عَبْد الجلِيْل بن أبي غَالِب الأصْبَهَانِيّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، وسمِعْتُ منه بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن نَصْر بن المُظَفَّر البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أبي أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْحاق بن مَنْدَة، قال: أحْمَدُ بن يَحْيَى المِصِّيْصيّ، حَدَّثَ عن الوَلِيدِ بن مُسْلِم بمَنَاكيْر، رَوَى عنهُ عِمْران بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ.
أخْبَرَنا يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الجَمَّال، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ في تاريخ أصْبَهَان (٣)، قال: أحْمَدُ بن يَحْيَى المِصِّيْصيّ، قَدِمَ أصْبَهَان، حَدَّثَ عن الوَلِيد بن مُسْلِم.
стр. 1483
أحمدُ بن يَدغبَاش التُّرْكِيّ القَائِد (١)
هو أحْمَد بن دغبَاش، وقد قَدَّمنا ذِكْره وأنَّهُ وَلِيَ حَلَب، وذكَرَهُ الحافِظ أبو القَاسِم بن عَسَاكِر، بما أخْبَرَنا ابن أخيه أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد إجَازَةً، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم قال (٢): أحْمَد بن يَدغبَاش التُّرْكي كان أبوهُ أهْدَاهُ مَلِكُ التُّرْك إلى المُعْتَصِم، وكان يُدَبِّر أمْرَ دِمَشْق لمَّا وليها عليّ بن أَمَاجُور بعدَ مَوْت أبيهِ في خِلَافَة المُعْتَمد على الله لصِغَر عليّ بن أَمَاجُور.
ثُمَّ وليها خِلَافةً لأحْمد بن طُوْلُون، فلمَّا مات أحْمَد بن طُوْلُون أظْهرَ مُحَالفَة أبي الجَيْش خُمَارَوَيْه بن أحْمَد بن طُوْلُون، ومُوافَقة أبي أحْمَد المُوَفَّق، فلمَّا وصَل المُعْتَضِد ابن المُوَفَّق إلى دِمَشْقَ، ووقَعَت الوَحْشَةُ بينه وبين إسْحاق بن كُنْدَاجيق، فارَقَهُ ابن يَدغبَاش وصَار في حيِّز ابن كُنْدَاجيق.
قُلتُ: وكان ابن كُنْدَاجيقِ لمَّا وقَعَت الوَحْشَة بينه وبين المُعْتَضِد عاد هو وابن أبي السَّاج وجَعْفَر البغَامَرْدِيّ إلى حَلَب وابن يَدغبَاش معهم، وجَبَوا أمْوَالها.
ذكَرَ أحْمَدُ بن يُوسُف بن إبْراهيم الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن خَاقَان، قال: استَخْلفَ أحْمَدُ بن طُوْلُون على دمَشْق أحْمَد بن يَدغبَاش، وسَار إلى حِمْص وإلى أنْطَاكِيَة والثَّغْر في سَنَة أرْبَعٍ وسِتَّين ومَائتَيْن، ثمّ وَرَدَ عليهِ بالثَّغْر خِلَافُ ابنهِ العبَّاس في سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين فانْكَفأ مُسْرِعًا إلى مِصْر.
стр. 1484
قال: ولمَّا ماتَ أحْمَدُ بن طُوْلُون، أظْهَرَ أحْمَدُ بن يَدغبَاش بدِمَشْقَ الدَّعْوَة لأحمد بن المُوَفَّق، وخَلَعَ أبا الجَيْشِ، فلم يَزل على دِمَشْق إلى أنْ قَدِمَ المُعْتَضِد بالله أحْمَد بن المُوَفَّق، وهو وَليُّ عَهْد المُعْتَمد إِذ ذاك، إلى دِمَشْق، ثمّ خَرَجَ عنها إلى نَاحيَةِ الرَّمْلَة، فالْتَقَى هو وأبو الجَيْشِ خُمَارَوَيْه بن أحْمَد بن طُوْلُون بالطَّوَاحِين من الرَّمْلَة، فهَزَم كُلّ واحدٍ منهما صاحبَهُ، ورجَعَ أحْمَدُ إلى العِرَاق، وصارَ أبو الجَيْش إلى دِمَشْق فملَكَها.
قُلتُ: قَوْله: إلى أنْ قَدِمَ المُعْتَضِد بالله أحْمَد بن المُوَفَّق وهو وَليُّ عَهْد المُعْتَمد، يُريدُ أنَّ المُوَفَّق ولي عَهْد المُعْتَمد إذ ذاك؛ لأنَّ المُعْتَضِد وَلِي عهْد المُعْتَمد في مُحَرَّم سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين ومَائتَيْن بعد أبيهِ المُوَفَّق، واللهُ أعْلَمُ.
أحمدُ بن يَرَنْقُش بن عَبْد الله العِمَادِيُّ، أبو العبَّاس الأَمِيرُ نَاصِر الدِّين ابن الأَمِير مُجَاهِد الدِّين (١)
كان أبوهُ يَرَنْقُش من مَمَالِيْك عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن مَوْدُود بن زَنْكِي صاحب سِنْجَار، ووُلد ابنُه أحْمَد هذا بِسنْجَار، وتقدَّم وصار أُسْتَاذ دَار قُطْب الدِّين بن عِمَاد الدِّين، وكان أميرًا مُكَمَّلًا، فَاضِلًا، شَاعِرًا، حَسَنَ الأخْلَاق، طَيِّبَ المُعَاشَرَة، وكان مُتَموِّلًا، وله أمْلَاكُ كثيرة (a) بِسنْجَار، ووَجَاهة عَظِيمَة، فتغيَّرَ عليه قُطْب الدِّين بن عِمَاد الدِّين، مَوْلاهُ، وقبَضَ عليه، وعذَّبَهُ بالجُوع والعَطَش، وأخَذَ جميع مالهِ، وحَبَسَهُ حتَّى مات.
стр. 1485
وكان قد قَدِمَ علينا صَلَب قبل ذلك في أيَّام المَلِك الظَّاهِر، وأقام بها مُدَّةً، وسَكَن بدَرْب العُدُول، ثمّ عاد إلى سِنْجَار.
رَوَى لنا عنْهُ أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين بن عليّ بن دَبَابَة الحنفِيّ السِّنْجَارِيّ، وأخْبَرَني ابن دَبَابَة أنَّ أحْمَد بن يَرَنْقُش كان في صَدْر عُمره مُسْرفًا على نَفْسهِ، وأنَّهُ أقْلعَ وتابَ تَوْبَةً حَسَنةً. قال: وكان يَصُومُ الهَوَاجر، ويقُومُ اللَّيْل.
أنْشدَني أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَن بن عليّ بن دَبَابَة السِّنْجَارِيّ بها، قال: أنْشَدَني نَاصِر الدِّين أحْمَد بن مُجَاهِد الدِّين يَرَنْقُش بن عَبْدِ الله العِمَادِيّ لنَفْسِه (١): [من مجزوء الوافر]
مَشِيْبُ الرَّأس حينَ بَدَا … يقُول دَنَا الّذي بَعُدَا
فقُم بادِرْ إلى عَمَلٍ … يُسُرُّكَ أنْ تَرَاهُ غَدَا
فيَوْمَكَ ذا إذا ما فا … تَ ليسَ بعَائدٍ أبَدَا
وأنْشَدَني أبو الحَسَن بن دَبَابَةَ، قال: أنْشَدَني أحْمَدُ بن يَرَنْقُش لنَفْسِه (٢): [من الطويل]
تَقُول وقد وَدَّعْتُها ودمُوعُها … علِى نَحْرِها من خَشْيَةِ البَيْن تلتَقي
مَضَى أكْثَرُ العُمْر الّذي كان نَافِعًا … رُويْدَكَ فاعْمل صَالِحًا في الّذي بَقِي
أنْشَدَنا أبو المَحَامد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني الأَمِير نَاصِر الدِّين أبو العبَّاسِ أحْمَد ابن الأَمِيرِ مُجَاهِد الدِّيَن يَرَنْقُش، أُسْتَاذ دَار المَلِك المَنْصُور قُطْب الدِّين صاحب سِنْجَار، ﵀، وذلك حينَ مَقْدمي إلى سِنْجَار رَسُولًا عن المَلِك العادِلِ،
стр. 1486
رَحِمَهُ اللهُ، في شُهُور سَنَة ستِّمائة، لأبي عَبْد الله بن شَرَف الشَّاعر، وقد شَكَرتُ مَخْدومَهُ، وأثْنَيتُ عليه بكَثْرة حَوَائج النَّاس إليهِ، هذين البَيْتَيْن: [من الطويل]
لمُلْتَمسِي الحَاجَاتِ جَمْعٌ ببابهِ … فهذا لَهُ فَنٌّ وهذا له فَنُّ
فللخَامِل العُلْيَا وللمُعْدَم الغِنَى … وللمُذْنبِ الرُّحْمَى وللخَائفِ الأَمْنُ
قال القُوصيّ: وأنْشَدَني ﵀، وقد حَرَّضْتُهُ على فعْل الخَيْر، مُتَمثِّلًا (١): [من مجزوء الكامل]
للخَيْر أهْلٌ ما تَزَا … ل وُجُوهُهُمْ تَدْعُو إليهِ
طُوْبَى لمَنْ جرتِ الأُمُو … ر الصَّالِحات على يَدَيهِ
قال: وحَرَّضْتُه يَوْمًا على الإحْسان وبَذْل الجاه للإخْوان، فأنْشَدَني هذين البَيْتَيْن: [من الطويل]
فأَحْسِنْ إلى الإخْوَان تَملكْ رقابَهُم … فخيرُ تجاراتِ الكَرِيْمِ اكْتِسَابُها
وأَدِّ زَكَاةَ الجاهِ واعْلَم بأنَّها … كمثْلِ زَكَاةِ المالِ تَمَّ نِصَابُها
قال لنا أبو المَحَامِد القُوصِيّ: هذا الأَمِيرُ نَاصِر الدِّين، ﵀، كان عَارِفًا بأحْوَالِ المُلْك، نَاصِحًا لسُلْطَانه، ثمّ وَشَى به أعْدَاؤهُ حَسَدًا على عُلُوِّ شَأنهِ، فنَكَبَهُ سُلْطانُهُ نَكْبةً اسْتأَصَلَ فيها شَأفَتَهُ وشَأفَةَ أَتْبَاعه، وقبَضَ على جميع أمْوَالهِ وحَوَاصلهِ ورِبَاعِهِ، وتُوفِّيَ مَحْبُوسًا.
أخْبَرَني القَاضِي أبو عليّ الحَسَنُ بن مُحَمَّد القِيْلَويّ، قال: أخْبَرَني بعضُ أهل سنْجَار أنَّ نَاصِر الدِّين ابن المُجَاهِد كَتَبَ على حائط المكان الّذي ماتَ فيه في مَحْبسِهِ بخَطِّهِ:
حالي عَجَبٌ وفي حَدِيْثِي عِبَرُ … في أغْفَلَ ما كُنْتُ أتَانِي القَدَرُ
стр. 1487
أخْبَرَني جَمَاعَةٌ من أهل سِنْجَار أنَّ أحْمَد بن يَرَنْقُش ماتَ في حَبْسِ قُطْب الدِّين صاحب سِنْجَار بعد أنْ قَبَضَ على جميع ماله ومنعَهُ من الطَّعَام والشَّرَاب، فبلغَ من أمْره أنْ أكل قَلَنْسُوَتَهُ وأكْمامَهُ لشِدَّة الجُوع.
وأنْشَدَني غيرُ واحدٍ من أهل سِنْجَار الدُّوبَيْتي الّذي أنْشَدناه أبو عليّ القِيْلَويّ، وفيه زِيَادَةٌ على ما أنْشدناه أبو عليّ، وذَكَروا أنَّهُ نَظمَهُ في السِّجْن بسِنْجَار، وقد مُنِعَ الماءَ والطَّعَام:
حالي عَجَبٌ وفي حَدِثني عِبَرُ … أشْكُو ظَمأً وعبْرَتي تَنْحَدِرُ
في صَفْو زَمَاننا أتَاني الكَدَرُ … يا منْ ظَلَمُوا تَفَكَّرُوا واعْتَبروا
وأُخْبِرتُ بسنْجَار أنّهُ ماتَ في حَبْسِ قُطْب الدِّين بعد أنْ قَبَضَ على جميع مَالِهِ ومَنعَهُ الطَّعَام والشَّرَاب، ودخَل إليهِ بعضُ مَنْ كان يُشْرف على حالهِ من أصْحَاب قُطْب الدِّين، فقال له: قُل لقُطْب الدِّين يُطْعمني ويَسْقِيْني وأنا أُعْطِيْه ألْفَ دِيْنارٍ لم يبْقَ لي غيرُها. قال: فمضَى ذلك الإنْسان، وأخْبَر قُطب الدِّين بما ذَكَرَهُ، فسَيَّرَ إليهِ طَعَامًا وماءً بثَلْج، وقال للرَّسُول: أدْخلهُ إليه ولا تُمَكِّنه منهُ حتَّى يُعطيكَ الذَّهَب، فلما دَخَلَ به إليهِ نَظَر إليه، فقال لهُ الرَّسُول: لا سَبِيْل لكَ إليه إلَّا بعد أداء ما ذكرت، فقال: والله ما بَقي لي شيءٌ، والّذي لي قد قُبِضَ جميعُه، وإنَّمَا قُلتُ لتطعمُوني وتَسْقُوني، فردُّوا الطَّعَامَ والماءَ، ولم يَتَناول منه شيئًا، وخَرَجُوا من عنده، فنام فرَأى النَّبيَّ ﷺ في المَنَام، فناوَله شيئًا أكَلُهُ، فزالَ عنهُ الجُوع والعَطَشُ، فدَخَلُوا عليه بعد ذلك فرأوهُ قائمًا يُصَلِّي، فلمَّا فَرغ من صَلَاته أخْبرِهُم بما رَأى، فلمَّا بلغَ قُطْب الدِّين اتَّهَم والدتَهُ أُمّ قُطْب الدِّين بأنَّها أنْفَذَت إليه مَأكُولًا ومشْروبًا، ولم يَزل على ذلك إلى أنْ مات ﵀.
وحَكَى لي بَعْضُ أهل سِنْجَار أنَّ صاحب سِنْجَار سيَّر إلى أحْمَد بن يَرَنقُش جَمَاعَةً خنقُوهُ وهو في السِّجْن.
стр. 1488
وقال لي بعضُ مَنْ أدْرَكهُ من أهْل سِنْجَار من فُقَهائنا الحَنَفِيَّة: أنَّهُ لم يَبْقَ أحدٌ ممَّن تولَّى خنْقَهُ إلَّا ابتُلي ببليَّةٍ، فمنهم من لازَمَهُ الصَّرع إلى أنْ مات، ومنهم من افتقَر واحْتاج بعد الغِنَى إلى مَسْألَة النَّاس.
وحكى لي غيرُه أنَّ قُطْب الدِّين صاحب سِنْجَار لمَّا احتُضر ودنَتْ وفاتُه، جَعَل يَشْكو العَطَش، ويُسْقى فلا يروى، ويَذْكر ابن المُجَاهِد كَثيرًا، ويُردِّد اسْمَهُ على لِسَانه إلى أنْ مات.
وقال لي عليّ بن الحُسَين بن دَبَابَة (a) السِّنْجَارِيّ: إنَّ أحْمَد بن يَرَنْقُش تُوفِّي بسِنْجَار سَنَة خَمْس عَشرة وستِّمائة، في حَبْسِ قُطْب الدِّين صاحبها، مَمْنُوعًا من الطَّعَام والشَّرَاب.
قال: وبَلَغَني أنَّ أُتِيَ بماء ليشربَهُ فردَّهُ وقال: لا حاجةَ لي فيه، فإنِّي رأيتُ النَّبيَّ ﷺ في النَّوْم، فشَكَوتُ إليهِ العَطَشَ، فناولني فصّ خَاتمه، فمصَصْتُه فزال عنِّي العَطَشُ.
مَنْ اسْمُ أبيْهِ يَزِيد من الأحْمَدِين
أحمدُ بن يَزيد بن إبْراهيم، أبو بَكْر البَجَليُّ
إمامُ المَسْجِد الجَامِع بمَعَرَّة النُّعْمَان.
حَدَّثَ عن أبي بَكْر أحْمَد بن إسْحاق. رَوَى عنهُ أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن عبد الرَّحْمن المَلَطِيّ.
стр. 1489
أحْمَدُ بن يَزيدَ بن أَسِيْد السُّلَمِيُّ
كان قَائِدًا من قُوَّادِ طَاهِر بن الحُسَين، وكان في صُحْبَته حينَ خرَجَ إلى الشَّام، وقَدِمَ معَهُ إلى نَاحِيَةِ صَلَب، وحَكَى عنه، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن أبي شَيْخ الرَّقِّيّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليِّ الحافِظُ (١)، قال: أخْبَرَنا سَلامَةُ بن الحُسَين المقرِئُ، قال: أخْبَرَنا عليّ بنُ عُمَر الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أبي سَعْدٍ، قال: حَدَّثَني هَارُون بن مَيْمُون الخُزَاعِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أبي شَيْخ من أهل الرَّقَّة، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن يَزِيد بن أَسِيْد السُّلمِيّ، قال: كُنْتُ مِع طَاهِر بن الحُسَين بالرَّقَّة، وأنا أحَدُ قُوَّادِه، وكانتَ لي به خاصيَّةٌ؛ أجْلِسُ عن يمِيْنهِ، فخَرَجَ علينا يَوْمًا راكبًا، ومَشَيْنَا بينَ يَدَيْهِ، وهو يَتَمَثَّل: [من الطويل]
عليكُم بدَاري، فاهْدِمُوها! فإنَّها … تُرَاثُ كَريمٍ لا يَخَافُ العَوَاقِبا
إذا هَمَّ أَلْقَى بين عَيْنَيهِ عَزْمَهُ … وأعْرَضَ عن ذِكر العَوَاقِب جَانبِا
سَأْدَحَضُ عنِّي العارَ بالسَّيْف جالبًا … عليَّ قَضَاء اللهِ ما كان جَالِبَا
فدارَ حول الرَّافِقَة، ثمّ رجَع، فجَلَسَ مَجْلسَهُ، فنَظَر في قِصَصٍ ورِقَاعٍ، فوَقَّعَ فيها صِلَاتٌ أُحْصيَتْ ألْفَ ألْفٍ وسَبْعمائة ألْفٍ. فلمَّا فَرغ نَظَرَ إليَّ مُسْتَطْعِمًا للكَلَام، فقُلتُ: أصْلَحَ اللهُ الأَمِيرَ، ما رأَيْتُ أنْبَلَ من هذا المَجْلِسِ، ولا أحْسَنَ، ودَعَوْتُ له، ثمّ قُلتُ: لكنَّهُ سَرَفٌ، فقال: السَّرَفُ من الشَّرَف، فأرَدْتُ الآية
стр. 1490
الّتي فيها ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (١) فجئتُ بالأُخْرَى الّتي فيها: إنَّ الله لا يُحبُّ المُسْرفين (٢)، فقالَ: صَدَقَ اللهُ، وما قُلْنا كما قُلْنا.
أحمدُ بن يَزِيد بن خَالِد
حَدَّثَ بحَلَبَ عن يُوسُف بن يُونُس أبي يَعْقُوب الأفْطَس الطَّرَسُوسِيّ.
رَوَى عنهُ عِصْمَةُ بنُ بَجْمَاك.
أنْبَأنَا أبو الفَرَج مُحَمَّد بن عليّ بن حَمْزَة القُبَّيْطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الكَرَم بن الشَّهْرَزُورِيّ، عن أبي القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٣)، قال: وحَدَّثني عِصْمَةُ بنُ بَجْمَاك، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بنُ يَزِيد بن خَالِد بحَلَب، خ.
قال ابنُ عَدِيّ: وحَدَّثَنَا ابنُ شَبِيْب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يَزِيد الكِنْدِيّ، قالا: حَدَّثَنَا يوسُفُ بن يُونُس أبو يَعْقُوب الأفْطَس، قال: حَدَّثَنا سُليْمان بن بِلَال، عن عَبْد الله بن دِيْنار، عن ابن عُمَرَ، قال: قال رسُول الله ﷺ (٤): إنَّ الله يدعُو يَوْم القِيامَة بعَبْدٍ من عَبِيدِهِ، فيُوقفُه بينَ يَدَيْهِ، فيُسَائله عن جَاهِهِ كما يُسَائلُهُ (a) عن مَالِهِ.
стр. 1491
مَنْ اسْمُ أبيْهِ يَعْقُوب من الأحْمَدِين
أحمدُ بنُ يَعْقُوبَ بن أحْمَد بن أبي عُبَيْدَة مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن صالح بن عليّ بن عَبْدِ الله بن عبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميُّ الصَّالِحِيُّ الحَلَبِي
حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن عُزَيْز الأَيْلِيّ (a)، وأبي سُليْمان الكَيْسَانِيّ. رَوَى عنهُ ابنُه القَاضِي مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب المِصِّيْصيُّ.
أحمدُ بن يَعْقُوب بن عَبْد الجبَار بن بغَاطر بن مُصْعَب بن سَعيد بن مَسْلَمَة بن عَبْدِ المَلِك بن مَرْوَان بن الحَكَم، أبو بَكْرٍ القُرَشِيُّ الأُمَوِيّ الجُرْجَانِيُّ (١)
رَحَلَ وطافَ البِلَاد، ودخَل العِرَاق والشَّامَ والجَزِيْرَة وِمِصْر، وسَمِعَ بدِمَشْق وحَرَّان، ففى طَريقه ما بين دِمَشْق وحَرَّان دَحَلَ حَلَبَ أو بعضَ عَملها.
ذكَره الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة الله الشَّافِعيّ في تاريخ دِمَشْق (٢)، بما أخْبَرَنا به ابن أخيهِ أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أحْمَدُ بن يَعْقُوبَ بن عَبْد الجبار بن بغاطر (b) بن مُصْعَب بن سَعيد بن مَسْلَمَة
стр. 1492
ابنِ عَبْد المَلِك بن مَرْوَان بن الحَكَم، أبو بَكْرٍ القُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ الجُرْجَانِيُّ، رَحَل وسَمِعَ بدِمَشْقَ وبطَبَرِيَّة الفَضْل بن صالح بن بِشْر بن سَلَمَة، وبحَرَّانَ أبا العبَّاس مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَلْمِ، وبغيرها عَبْد الله بن مُحَمَّد بن خَلَّاد، وعبد الله بن مُحَمَّد بن سُليَمان السَّعْديّ المَرْوَزيّ، وبمِصْر أبا دُجَانَة شَقِيْق (a) بن مُحَمَّد بن هِبَة الده الخَوْلانِيّ، وأبا بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن نَصْر العَطَّار البَغْدَاديّ، وعَبْدَان بن أحْمَد الجَوَالِيْقِيّ.
رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عُثْمان الطِّرَازِيّ (١)، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن القَاسِم الفَارِسِيّ، وأبو سَعيد أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الجُوْرِيّ النَّيْسَابُوريّ، وأبو الفَضْل مُحَمَّد بن أحْمَد الزُّهْرِيّ، وأبو عَمْرو أحْمَدُ بنُ أُبَيّ الفُرَاتِيّ الأَسْتَوَائِيّ، وأبو حَازِم عُمَر بن إبْراهيم الحافِظُ العَبْدُويّ وهو نَسِيْبُه، وأبو سَعْد أحْمَدُ بن مُحَمَّد المَالِيْنِيّ، وأبَوَا بَكْر: أحْمَد بن عبد الرَّحْمن الشِّيْرَازيّ، وأحمد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم المَرْوَزيّ الصَّدَفِيّ، وأبو الفَضْل نَصْر بن أبي نَصْر العَطَّار الطُّوْسيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن عليّ البَيْهَقِيّ الخُسْرُوجِرْدِيّ.
أخْبَرَنا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، سَمَاعًا أو إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْيد الجَنْزَرُودِيّ (b)، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الفَقِيهُ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن خَلَّاد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن
стр. 1493
ابن عَمْرو بن جَبَلَة، قال: حدثتنا مَنِيْعَة (a) بنتُ شُعْبَة الطَّائيَّةُ، قالت: سَمِعْتُ أُمِّي حَفْصَةُ بنتُ عُمَر الطَّائيَّة أَنَّها سَمِعتْ عائِشَةَ تقول: قال لي رَسُول الله ﷺ : إذا أرَدْتِ أنْ يَذْكُرك اللهُ عنده فأَكْثري من قَوْل: لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلَّا بالله، وسُبْحَان الله، والحَمَدُ لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكْبر.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد الشَّافِعيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن (b) مُحَمَّد، وأبو بَكْر عُمَر ابْنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بَاذُوَيْه السَّهْلِكيّ البِسْطَامِيِّ بقِرَاءَتي عليهما ببِسْطَام، قالا: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد البِسْطَامِيِّ السَّهْلِكيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن القَاسِم الفَارِسيُّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن يَعْقُوب بن عَبْد الجَبَّار القُرَشِيّ يقول: دَخَلْتُ مع خَالي بَغْدَاد سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وبَغْدَادُ تَغْلي بالعُلَمَاء والأُدَبَاءِ والشُّعَراءِ، وأصْحَاب الحَدِيْث، وأهْل الأخْبار، والمَجَالِسُ عَامِرةً، وأهْلُها مُتَوافرُونَ، فأرَدْتُ أنْ أطُوفَ المَجَالِسَ كُلّها، وأخْبر أخْبَارها فقيل لي: إنَّ هَا هُنا شَيْخًا يُقال له: أبو العَبَرْطَن (c) ؛ أمْلَح النَّاس، يُحَدِّثُ بالأعَاجِيْب، فقُلتُ لخالي: مُرْ نبا نَدْحُل على الشَّيْخ، فقال: إنَّهُ مُهَوّسٌ يَضْحَكُ منهُ النَّاسُ، فارْتَحلْنا من بَغْدَاد، ولم نَدْخُل عليه، وكُنت أجِدُ في القَلْب من ذلك ما أجدُ، حتَّى إذا كان انْحِدَاري من الشَّام بعد طُول من المُدَّة، وامْتِدَادٍ من الأيَّام والأعْوَام، وتُوفِّيَ خالي، فلمَّا دَخَلْتُ بَغْدَاد فأوَّل مَنْ سَألتُ عنهُ سَألْتُ عن أبي العَبَرْطَن، فقيل: يَعِيْشُ وله مَجْلِسٌ، فقُمْتُ وعمَدْتُ إلى الكَاغَد والمِحْبَرَة، وقَصَدْتُ الشَّيْخ، فإذا الدَّارُ مَمْلوءَةً من أوْلادِ المُلُوك والأغْنِيَاء، وأوْلاد الهاشِميِّيْن بأيديهم الأقْلَام يَكْتُبون، وإذا مُسْتَمْل قائم
стр. 1494
في صَحْن الدَّار، وإذا شَيْخ في صَدْر الدَّار، ذو جَمَالٍ وهَيْئَةٍ (a)، قد وَضَعَ في رأسِهِ طَاق خُفٍّ مَقْلُوب، واشْتَملَ بفَرْوٍ أسوَدَ قد جَعَل الجِلْدَ ممَّا يلي بَدَنَهُ، فجلسْتُ في أُخْرَيَاتِ القَوْم، وأخرجْتُ الكَاغَد، وانتظَرْتُ ما يَذْكرُ من الإسْنَادِ، فلمَّا فَرَغُوا قال الشَّيْخُ: حَدَّثَنَا الأوَّلُ، عن الثّاني، عن الثَّالث أنَّ الزَّنْج والزُّطّ كُلّهُم سُوْدٌ! وحَدَّثَني خِرْبَاق، عن نِيَاق، قال: مَطَرُ الرَّبْيعْ ماءٌ كُلُّهُ! وحَدَّثَني دُرَيْد، عن رُشَيْد، قال: الضَّرِيْر يَمْشي رُوَيْدًا.
قال أبو بَكْر أحْمَدُ بن يَعْقُوب: فبَقِيتُ أتعجَّبُ من أمْر الشَّيْخ، فطَلَبتُ منه خلْوةً في أيَّام، أعُودُ إليِهِ كُلّ يَوْم فلا أصِل إليه، حتَّى كانت اللَّيْلةُ الّتي يخرج النَّاسُ فيها إلى الغَدِير اجْتَزْتُ بباب دَاره، فإذا الدّار ليس فيها أحَدٌ، فدَخَلْتُ، فإذا الشَّيْخُ وحْدَهُ جالسٌ في صَدْرِ الدَّار، فدَنَوْتُ منه وسلَّمْتُ عليهِ، فرَحَّبَ بي وأدْنَاني، وجَعَل يَسْألُني، فرأيتُ منهُ من جَمِيلِ المُحَيَّا والعَقْلِ والأدَب والظَّرَافَة واللّبَاقَة ما تحيَّرتُ. فقال لي: هل لكَ من حَاجةٍ؟ قُلتُ: نعَم، قال: وما هي؟ قُلْتُ: قد تحيَّرت من أمْر الشَّيْخ، وما هو مَدْفُوع إليهِ ممَّا لا يَليْقُ بعَقْلهِ وحُسْن أدَبهِ وبيانه وفَصَاحَته، فتنفَّسَ نَفَسًا (b) شَدِيْدًا، ثمّ قال: إنَّ السُّلْطان أرَادَني على عَمَلٍ لم أكُن أُطِيْقُه، وحَبَسَني في المُطْبَق أيَّام حياته، فلمَّا وَلي ابنُه عَرَضَ عليَّ ما عَرَض عليَّ أبُوه فأبَيْتُ، فَحَبَسَني وردّني إلى أَسْوَأ ما كنتُ فيه، وذَهَب من يَدِي ما كُنْت أمْلكُه، واخترْتُ سَلامَة الدِّين، ولم أتعرَّض لشيءٍ من الدُّنْيا بشيء من دِيْنِي، وصُنْتُ العِلْم عمَّا لا يليقُ بهِ، ولم أَجِد وَجْهًا لخَلاصِي، فتحامقْتُ ونَجَوْتُ، فهأنَذَا في رَغَدٍ من العَيْش.
стр. 1495
أنْبَأنَا أبو البَرَكات الحَسَن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظُ (١)، قال: كَتَبَ إليَّ أبو عَبْدِ الله الحُسَينُ بن أحْمَد بن عليّ البَيْهَقِيّ، قال: قال لنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ: أحْمَدُ بن يَعْقُوبَ، كان يُعْرَفُ بابن بغَاطرة القُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ، لهُ من أمْثَال هذا - يعني: حَدِيثًا ذَكَرَهُ - أحَادِيْث مَوْضُوعَة لا أسْتَحِلُّ رِوَايَةَ شيءٍ منها.
أحمدُ بن يَعْقُوبَ الأنْطَاكِيُّ (٢)
رَوَى عن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد البَلَوِيّ. رَوَى عنهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَوَّار.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ الحَسَن بن مُحَمَّد الشَّافعِيُّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله الفَرَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان سَعِيْد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْدَان النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن المُؤَمَّل (a)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَوَّار، قال: أخْبَرَني أحْمَدُ بن يعْقُوبَ الأنْطَاكِيّ، عن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد البَلَوِيّ، قال: حَدَّثَنَا البَرَاءُ بن سَعيد بن سَمَاعَة بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن البَرَاءِ بن مالك الأنْصَاريّ، عن أَبِيهِ، أنَّ قُدَامَةَ بن عُقَيْل الغَطَفَانِيّ أخْبَرَهُ عن جُمْعَةَ - أو جُمَيْعَة - بنتِ ذَابِل (b) بن طُفَيْل بن عَمْرو، عن أبيها ذَابِل (c) بن طُفَيْل بن عَمْرو الدَّوْسِيّ:
стр. 1496
أنَّ النَّبِيّ ﷺ قعَد في مَسْجِده مُنْصَرفَهُ من الأبَاطيل (a)، فقَدِمَ عليه خُفَافُ بن نَضْلَة بن عَمْرو بن بَهْدَلَة الثَّقَفِيّ، فأنْشَدَ رسُول الله ﷺ : [من الكامل]
كم قد تحطَّمَتِ القَلُوصُ بي (b) الدُّجَى … في مَهْمَهٍ قَفْرٍ من الفَلَواتِ
فِلٍّ من التَّوْرِيس (c) ليسَ بقَاعِهِ … نَبْتٌ من الإسْناتِ (d) والأَزَمَاتِ
إِنِّي أتَانِي في المَنَامٍ مُسَاعِدٌ … من جِنِّ وَجْرةَ كانَ لي ومُوَاتِ
يَدْعُو إليكَ لياليًا ولياليًا … ثُمِّ اخْزَأَلَّ (e) وقال: لَسْتُ بآتِ
فركبْتُ نَاجِيَةً أضَرَّ بِنَيِّها … جَمْرٌ يخُبُّ (f) بهِ على الأَكَمَاتِ
حتَّى وَرَدْتُ إلى المَدِينَةِ جَاهِدًا … كيما أراكَ (g) فتَفْرجَ الكُرُبَاتِ
قال: فاسْتَحْسَنَها رسُول الله ﷺ ، وقال: إنَّ منَ البَيَانِ لسِحْرًا، وإنَّ من الشِّعْر كالحِكَم.
أحْمَدُ بن يَعْقُوب القَائِد
كان من قُوَّاد خُمَارَوَيْه بن طُوْلُونِ، ولَّاه حَلَب وأنْطَاكِيَة وقِنَّسْرِيْن سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين ومَائتَيْن بعد أنْ هَزَم خُماروَيْه بن طُوْلُونَ مُحَمَّدَ بن دِيْودَاد الأَفْشِيْن بالثَّنِيَّةِ، واسْتَأمَن إليهِ جَمَاعَةٌ من عَسْكَره، ووَلى الأَفْشِيْن هَارِبًا. فكَتَبَ أحْمَدُ بن يَعْقُوب إلى خُمَارَوَيْه يَسْألُه أنْ يرُدَّ إليهِ ما كان يتَولَّاه من أعْمَال المعَاون بأنْطَاكِيَة
стр. 1497
وناحيتها، فأجابَهُ إلى ذلك، ثمّ كتَبَ له تَقْلِيدًا بالصَّلاةِ بأهْلِ أنْطَاكِيَة وسَاحِل جُنْد حِمْصَ، وأهْل كُورِة قِنَّسْرِيْن والمعَاون والأَحْدَاث بهذه البِلاد بأَسْرها. قرأتُ ذلك في سِيْرة خُمَارَوَيْه.
أحمدُ بن يَعْقُوب، أبو الحُسَين الكَفْرطَابِيُّ (١)
شَاعِر مُجِيْد مَذْكُور من أهل كَفَرْ طَاب.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن يُوسُف الحالي الكَفْرطَابِيّ المَعْرُوف بابنِ المُنَيِّرة في كتابٍ لهُ سَمَّاهُ البَدِيْع في نَقْد الشِّعْر (٢)، فذَكَرَ في باب تَجْنيس التَّرْكيب منه، قال: وشِعْر أبي الفَتْح البُسْتِيّ أكْثره من هذا الباب، وقد تَبِعَه النَّاس في ذلك، فقال شَاعِرُنا أحْمَد بن يَعْقُوب الكَفْر طَابِيُّ:
وأهْيَفِ الخَصْر مثْلُ اللَّيْل طرَّتُهُ … وصُدْغُهُ خَزَريُّ الجِنْسِ أَوْلَاني
أَوْلَيْتُ وَصْلًا فأوْلَاني قَطِيْعَتَهُ … بئْسَ الجَزَاءُ بما أوْلَيت أَوْلَانِي
قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ، وذَكَر وَفَاة جَدِّ أبيهِ أبي المُتَوَّج مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ قال: ورَثاهُ الشَّيْخُ أبو الحُسَين أحْمَدُ بن يَعْقُوب بقَصِيدَة أوَّلُها:
стр. 1498
لا تُصْحِبَ الدَّهْر عزمًا واصْحَب الجَزَعا … لا تُطِعْ زَاجِرًا عنهُ وإنْ وزَعَا
أتَابعٌ أَنا مَنْ لم يدْرِ ما كمدَي … وقد رأَيْتُ الفَتَى من كان متّبعا
لو قَلْبُه بين أحْشَائي إذًا لرأَى … قَلْبًا تُقَطِّعه أيْدِي الجَوَى قِطَعَا
وَيْحَ الرَّدَى رَامِيًا لم تُشْوِ أسْهمُهُ … وفاجعَ الخَطْبِ لم يَعْلَمْ بمَن فجَعَا
أمخلِصُ الدَّوْلَةِ اعْتَاقَتْ حَبَائلهُ … لا حبَّذا بك من ناعٍ إليَّ نَعَا
قال في آخرها يُخَاطبُ أبا الحَسَن عليًّا ولدَهُ: [من البسيط]
ما جَار حُكْمُ اللَّيالِي عن سَجيَّتِهِ … ولا استَسَنَّ الرَّدَى فيكُم ولا ابْتَدعَا
هذي سَبيلُ الرَّدَى (a) من قَبْلِنا سَلَفُوا … وسوْفَ نَمْضِي على آثارهِم تَبَعَا
لو خُلِّدُوا لم تكُنْ هذي مَنَازِلنُا … ولم نَجِدْ مَعَهُمْ في الأرْض مُتّسَعَا
فعِشْتُمُ يا بَني نَصْرٍ ولا سَلَبَ الـ … ــرَّحْمَنُ أنْعُمَهُ عنكُم ولا نَزَعَا
كانت وَفَاةُ مُقَلَّد بن نَصْر في ذِي الحجَّة سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، فقد تُوفِّي أحْمَدُ بن يَعْقُوب بعد ذلك.
أحمدُ بن يُمْن بن هَمَّام بن أحْمَد بن أحْمَد بن الحُسَين، أبو العبَّاسِ العُرْضِيُّ
من أهْل عُرْض، بَلْدَة من المَنَاظِر من عَمَل قِنَّسْرِيْن، والقُرْب من رُصَافَة هِشَام. انْتَقَلَ إلى دِمَشْق وسَكَنها، واكتسَبَ بها أمْوَالًا، وحصَّل بها أمْلَاكًا، وكان له شِعْر حَسَن، رَوى لنا عنْهُ شَيئًا من شِعْره شِهَاب الدِّين أبو المَحَامِد القُوصِيّ.
стр. 1499
أنْشَدَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بنُ حَامِدِ القُوصِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أنْشَدَني الأجَلُّ الرَّئِيسُ نَجِيْبُ الدِّين أبو العبَّاسِ أحْمَد بن يُمْن بن هَمَّام بن أحْمَد بن أحْمَد بن الحُسَين العُرْضِيّ بدِمَشْق لنَفْسِه: [من الطويل]
يقُولونَ لي: أَفْنَيْتَ دَمْعَكَ فاقْتَصِد … فمَنْ لي بَعِيْنٍ لا تَجِفُّ غُرُوبُها
ولي أَنّةٌ تبري الضُّلُوعَ منَ الجَوَى … وَلي كَبِدٌ لم أدر ماذا يُذيْبُها
قال لي: وأنْشَدَني لنَفْسِه أيضًا في الشَّيْب: [من البسيط]
ما كانَ أسْرَعَ ما وَلَّى الشَّبَابُ وما … جَاءَ المَشِيْبُ بجَيْشِ الوَهْنِ والهَرَمِ
وما تذكَّرتُ أيَّامًا مَضَيْنَ بِهِ … إلَّا بَكَيْتُ على سَاعَاتها بِدَمِي
قال لي: وأنْشَدَني لنَفْسِه في الشَّيْب أيضًا: [من الكامل]
لا أبْعَدَ اللهُ الشَّبَابَ فإنَّهُ … عَوْنٌ على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ
ولطالَما قد كُنْتُ فيه مُنَعَّمًا … ما بين غَانِيَةٍ إلى حَسْنَاءِ
واليَوْمَ مُذْ وَخَطَ المَشِيْبُ بعَارِضِي … متَوقِّعٌ لشَماتةِ الأعْدَاءِ
قال أبو المَحَامِد القُوصِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه وأجازَهُ لي: وأنْشَدتُهُ يَوْمًا هذه الأبْيَات الرَّائِيَّة على سبيل المُذَاكَرَة: [من الكامل]
حَاشَى لفَضْلِكَ أنْ تُنيلَ مطَالبي … قَوْمًا سبَقْتُهُمُ إليكَ تَخيُّرَا
ويكُون حَظِّي في العَنَاءِ مُقَدَّمًا … عنهم وحَظِّي في العَطَاءِ مُؤَخَّرا
هطلَتْ عليهم مِن نَداكَ سَحَابةٌ … تُرْوِي البِلَادَ ولا تُبلُّ لي الثَّرَى
وسَرَيتُ قبلَهُمُ إلى أكْنَافِها … قَيد الصَّبَاح وما حَمدْتُ له السُّرَى
стр. 1500
قال: فأنْشَدَني لنَفْسِه على وَزْنها ورَويّها: [من الكامل]
ولقد سَألتُ عن الكرام فلم … أَجِدْ سَمعًا يُحِسُّ بهم ولا عَيْنًا تَرَى
فسَرَيتُ ألْتَمِسُ الغنَى حتَّى بَدَا … ضَوْءُ الصَّبَاحِ فما حَمِدْتُ له السُّرَى
آه على مَوْتٍ يُريْحُ لو أنَّهُ … ممَّا تُبَاعُ بِهِ النُّفُوسُ ويُشْتَرَى
مَنْ اسْمُ أبيْهِ يُوسُف من الأحْمَدِين
أحمدُ بن يُوسُف بن أسْبَاط بن وَاصِل الشَّيْبَانِيُّ
كان مع أبيهِ بشِيْح الحَدِيْد من عَمَل حَلَب وكُورَة أنْطَاكِيَة، رَوَى عن أَبِيهِ يُوسُف بن أسْبَاط. رَوَى عنهُ عَبْدُ الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ، وسَعْدَان بن يَزِيد.
أخْبَرَنا الشَّريفُ افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنِ الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن منْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِرُ بن طَاهِر الشَّاهِد، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عبد الرَّحْمن بن إسْحاق العَامِرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو أحْمَد بن أُبَيّ الفُرَاتِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُوسَى عِمْران بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المُسَيَّب، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن يُوسُف بن أسْبَاط، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: ما أُبالي سَألتُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ عن دِيْني أو زَنَيْتُ!.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحمّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو بَكْر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا سَعْدَان بن يَزِيد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يُوسُفَ بن أسْبَاط، عن أَبِيهِ، قال أبي: مَكَثتُ دَهْرًا
стр. 1501
وأنا أَظُنُّ أنَّ قَول النَّبِيّ ﷺ : أفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاء غَائب لغائبٍ أنَّهُ إذا كان غائبًا، ثمّ نَظَرْتُ فيه فإذا هو لو كانَ على المَائِدَة ثمّ دَعَا له وهو لا يَسْمَعُ كان غائبًا.
أحمد بن يُوسُف بن إسْحاق - وقيل: أبي إسْحاق، يَعْقُوب - المَنْبِجِيّ، أبو بَكْر الطَّائيُّ (١)
حَدَّثَ عن أبي سَعيد سَهْل بن صالح، وعبد الله بن خُبَيْق الأنْطَاكِيَّيْن، وحَاجِب بن سُلَيمان المَنْبِجِيّ، وعبد الله بن عبد الرَّحْمن، وأحمد بن سَعيد بن شَاهِين، ومُحَمَّد بن شُعْبَة، وسُفْيان بن عُيَيْنَة.
رَوَى عنهُ أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الصَّيْدَاوِيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن إبْراهيم بن المُقْرِئ، ومُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْر قاضي مَنْبِج، وأبو عُثْمان مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمْدَان، وعَبْد الرَّحمن بن عِيسَى بن مُحَمَّد المَنْبِجِيّ، ومُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُقْبِل البَغْدَاديّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن أحْمَد بن إبْراهيم بن زَيْد العَدْل، وأبو عليّ مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسَين الإسْفَرَاينِيّ المَعْرُوفُ بابنِ السَّقَّاء، وأبو الفَرَج مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الحَسَن بن سُلَيمان بن صاحب المُصَلّى، وأبو الفَضْل نَصْر بن أبي نَصْر الحافِظ، وأحمد بن حَرْب الطَّائيّ، وأبو شَاكِر عُثْمان بن مُحَمَّد بن حَجَّاج النَّيْسَابُوريّ الفَقِيه، وأبو القَاسِم فَرَج بن إبْراهيم بن عَبْد الله النَّصِيْبِيّ، وأبو الفَضْل نَصْر بن مَحْمُود بن أحْمَد العَطَّار الصُّوْفيّ الطّوْسيّ.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الحُسَين بن طَلَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الصَّيْدَاوِيّ (٢)، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن يُوسُف بمَنْبِج، قال: حَدَّثَنَا سَهْل بن صالح، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن صالح، عن أشْعَث
стр. 1502
ابن أبي الشَّعْثَاء، عن مُعاوِيَة بن سُوَيْد بن مُقَرِّن، عن البَرَاءِ، قال (١): نَهَى رسُول الله ﷺ عن خَاتم الذَّهَب.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم المُؤيَّد بن عبد الرَّحيم بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن الإخْوَة، قال: أخْبَرَنا سَعيد بن أبي الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ، ح.
قال أبو الحَجَّاج: وأخْبَرَتْنا عَيْنُ الشَّمْس بنتُ أبي سَعيد بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن سُلَيم، قالت: أخْبَرَنا أبو الرَّجَاء الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ، وأبو مَنْصُور بن الحُسَين، قالا: أَخْبَرَنا أبو بَكْر بن المُقْرِئ (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن يُوسُف بن إسْحاق (a) المَنْبِجِيّ بمَنْبِج، قال: حَدَّثنا سَهْل بن صَالِح، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْب بن حَرْب، عن يَحْيَى التَّيْمِيّ، عن إِدْرِيس الأوْدِيّ، عن عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن ابن بُرَيْدَة، عن أَبِيهِ، قال (٣): كان رسُول الله ﷺ إذا انْتَهى
стр. 1503
إلى القُبُور قال: السَّلامُ عَليْكم أهل الدِّيَار من المُؤْمنِيْن، إنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بكم لاحقُونَ، وأنتمُ لنا فرطٌ ونحن لكم تبعٌ، ونَسْأل اللهَ لنا ولكم العَافِيَةَ.
قال ابنُ المُقْرِئ (١): قال أبو بَكْر: قطعُوا الوَرَقة الّتي فيه (a) هذا الحَدِيْث من كتابي.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي جَرَادَةَ العُقَيْلِيّ، بقِرَاءَتي عليه بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن الجِلِّيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الزُّبَيْرِ قاضي مَنْبِج، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن خُبَيْق، قال: سَمِعْتُ سِقْلَاب بن خُزَيْمَة، يقول: مكتوبٌ في التَّوْراة: يا ابن آدَم، خوَّفْناكَ فلم تَخَفْ، وشَوَّقناكَ فلم تَشْتَق، يا ابن الأرْبَعِين مَهلًا، يا ابن الخَمْسين لا عُذر لك، يا ابن السِّتِّين قد دَنَا الحَصَاد، يا ابن السَّبْعين هَلُمَّ إلى الحِسَاب.
أحمدُ بن يُوسُف بن أَيُّوب بن شَاذِي بن مَرْوَان، أبو العبَّاس (٢)
المُلَقَّب بالمَلِك المُحْسِن يَمِيْن الدِّين (b ابن المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين رحمهما الله، وأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
стр. 1504
أخْبَرَني أنَّ مَوْلده في شَهْر رَبِيع الآخر سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة بدِمَشْق، وذَكَر العَضُدُ مُرْهَف بن أُسامَة في تَعْلِيقٍ لهُ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، أنَّ موْلده بمِصْر.
ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي المَحَامِد القُوصِيّ، وذَكَرهُ، وقال: ومَوْلدُه بالقَاهِرَة المُعِزِّيَّة في شُهُور سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، قال: أخْبَرَنا بذلك شَيْخُنا الوَزِير، ذو البَلَاغتَيْن، عِمَاد الدِّين الأصْبَهَانِيّ الكَاتِب.
اشْتَغل المَلِكُ المُحْسِن بالعِلْم، وخَرَج عن لبس الأجْنَاد، وتزيَّا بزيّ أهْل العِلْم، واشْتَغَل بالحَدِيْث وسَمَاعه، والاسْتِكْثار منه، وتَحْصِيل الأُصُول الحَسَنة بخطُوط المَشَايخ، وسَمِعَ بالدِّيَار المِصْرِيّة أبا القَاسِم البُوْصِيرِيّ، وأبا عَبْد الله مُحَمَّد بن حَمد بن حَامِد الأرْتاحِيّ وغيرهما، وسَمِعَ بدِمَشْق أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن الحَسَن الحَرَّانيّ، وشُيُوخَنا: أبا اليُمْن الكِنْدِيّ، وأبا القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، وأبا القَاسِم العَطَّار، ودَاوُد بن مُلاعِب، وغيرهِم، وسَيَّرَ إلى بَغْدَاد وحَمل منها أبا حَفْص بن طَبَرْزَد، وحَنْبَل بن عَبْد الله المُكَبِّر، وسَمِعَ منهما عامَّة حَدِيثهما، وأفادَ النَّاس بالشَّام حديثهما.
ثُمَّ قَدِمَ علينا حَلَب وَافِدًا إلى أخيهِ المَلِك الظَّاهِر ﵀، فأكْرَمه وأحْسَن إليه، ومَلَّكهَ قَرْيَةً من بَلَد حَلَب يقال لها قَذَارَان، وهي الَّتي ذَكَرَها امْرؤ القَيْس في قصيدته الرَّائِيَّة (١)، وسَمِعَ بحَلَب من شَيْخنا افْتِخار الدِّين أبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، وشَيْخنا أبي بَكْر بن رُوزْبَة البَغْدَاديّ.
وحَجَّ إلى مَكَّة مَرَّتَين، فسَمِعَ بمَكَّة أبا الفَرَج يَحْيَى بن يَاقُوت بن عَبْد الله الفَرَّاش نَزِيلُ مَكَّة، وبالمَدِينَة أبا مُحَمَّد عبد الرَّحيم بن المُفَرِّجِ بن عليّ بن مَسْلَمَة؛ وعاد في الحِجَّة الثَّانيَة على طَريق بَغْدَاد، فسَمِعَ بها من جَمَاعة من الشُّيُوخ الّذين
стр. 1505
أدْرَكهم. ووَصَل إلى حَلَب، وأقامَ بها إلى أنْ ماتَ. وحَدَّثَ بها عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ الحَرَّانيّ، وسَمِعْتُ منهُ عنْهُ، وكان يَميلُ أوَّلًا إلى مَذْهَب أهْل الظَّاهر، ثُمَّ مال إلى التَّشَيُّع عند مَقَامهِ بحَلَبَ ﵀.
أخْبَرَنا المَلِكُ المُحْسِن أبو العبَّاسِ أحْمَد بن المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن أَيُّوب بحَلَب بالمَسْجِد الجامع بين يَدي المِحْرَاب، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن الحَسَن الحَرَّانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بن الفَضْل بن أحْمَد بن مُحَمَّد الفَرَاوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى إسْحاقُ بن عبد الرَّحْمن الوَاعظُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد بن مُحَمَّد الصُّوْفيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أَيُّوب البَجَليّ، قال: أخْبَرَنا مُسْلِم، قال: حَدَّثَنَا هِشَام، قال: حَدَّثَنَا قَتَادَة، عن زُرَارَة بن أوْفَى، عن أبيِ هُرَيْرَة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال (١): إنَّ الله تعالَى تجاوز لي عن أُمَّتِي ما لم تَتَكلمَّ بهِ ولم تَعْمل بهِ أو ما حدَّثتِ به أَنْفُسَهَا. تُوفِّي المَلِك المُحْسِن أحْمَد بن يُوسُف بحَلَب يَوْم الأَحَد الخامس والعشرين من مُحَرَّم سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين وستِّمائة وقت الظُّهْر، وأوْصَى أنْ يُصَلِّي عليه القَاضِي زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان قاضي حَلَب، فصَلَّى عليه بالجَامِع بحَلَبَ؛ وأوْصَى أنْ يُحْمل إلى الرَّقَّة ويُدْفَن بها بالقُرْبِ من عَمَّار بن يَاسرِ صاحب رسُول الله ﷺ ، فُحمِلَ إليها بعد أنْ صُلِّيَ عليه، وحَضَرتُ الصَّلاةَ عليهِ، ودُفِنَ إلى جَانِب قَبْر عَمَّار ﵁.
ولمَّا مَرَرتُ بالرَّقَّة وزُرْتُ بها عَمَّارًا، رأيتُ قَبْرَهُ إلى جانبه، ﵀ وإيَّانا.
стр. 1506
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوفِيقِي
أحمدُ بن يُوسُف بن الحَسَن (a)، أبو العبَّاس الكَوَاشِيّ (١)
وكَوَاشَا قَلْعَةٌ حَصِيْنَةٌ من قِلَاعِ المَوْصِل، رَجُلٌ من الصَّالِحين الأخْيَار، والأوْلِيَاء الأبْرَار، عالمٌ فَاضِلٌ، فَقِيْهٌ كَامِل، عَارِفٌ بالنَّحو والتَّفْسِير، وسَمعَ الحَدِيْث اليَسِيْر.
وحَدَّثَ عن شَيْخنا أبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريِم المَعْرُوف بابنِ الأَثِيْر، وقرأ النَّحو على والده يُوسف، وشَيْخنا أبي الحَرَم مَكي بن ريَّان المَاكِسيْنِيّ.
وقَدِمَ علينا حَلَب، وأقام بالمَسْجِد المنسُوب إلينا، واجْتَمَعْتُ به ولم أسْمَعْ منه شيئًا لنُزُول سَنَده، وعاد من حَلَب إلى المَوْصِل، وانْقَطِع إلى اللّه في دُوَيْرة الصُّوْفيَّةِ بالجامع العَتِيق، ولَزِمَ العِبَادَة بها، وصَنَّف للقُرآن تفسِيرَيْن: مَطُوَّلًا ومُخْتصَرًا، وَقَفْتُ على المُخْتَصَر منهما، وهو حَسَن مُفِيْدُ.
стр. 1507
وقَدِمْتُ المَوْصِل رَسُولًا وزُرْتُهُ بالدُّوَيْرة المَذْكُورة، وجَدَّدْتُ العَهْدَ برُؤيته، وطَلبتُ أنْ أَسْمعَ منه حَدِيثًا فلم يكن عندَهُ شيء من أُصُوله، فذَكَر لي حَدِيثًا من حِفْظهِ، رَوَاهُ عن شَيْخنا ابن الأَثِيْر من كتاب التِّرمِذيّ بإسْنَاده إلى رسُول اللّه ﷺ ، وذَكَرهُ مَقْطُوعًا، وأجازَ لي ولوَلَدَيَّ رِوَايَةَ جميع ما يُروَى عنه.
ثمّ قَدِمتُ المَوْصِلَّ مرةً أُخْرى في شُهُور سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وسِّتِمائة، وجَدَّدتُ العَهْدَ بزيارته، والتَّبَرُّك به، فاجْتَمَعْت به بالجامع العَتِيق بعد صَلاةِ الجُمُعَة وقد أضَرَّ، ووجَدْتُ بينَ يَدَيْهِ على سجَّادته مِنْدِيلًا قد وضعَهُ وهو يَسْجُد عليه، فلما فَرَغَ من صَلَاته قال لي مُعْتَذِرًا: هذا المندِيل أضَعُه بين يَدي في الصَّلاة، وأسْجدُ عليه خَوْفًا من أنْ أميْلَ عن القِبْلَة في حَالَة السُّجُود (a).
أحمدُ بن يُوسُف بن خَالِد بن سَالَم بن زَاوِيَة، أبو الحَسَن السُّلَمِيُّ - وقيل: الأزْدِيّ - النَّيْسَابُوريُّ، ويعرَفُ بِحَمْدَان (١)
وكان إمَامًا في الحَدِيْث، وَاسع الرِّحْلَة، دَخَلَ الشّام والجَزِيْرَة، واجْتازَ بحَلَب في طَرِيقه ما بين الشَّام والجَزِيْرَة، أو بَبعْضِ عَمَلها.
стр. 1508
ذكَرَهُ الحاكِم أبو عَبْد اللّه الحافِظ في تاريخ نَيْسَابُور (١)، بما أنْبَأنَا بهِ أبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْد اللّه الرُّهَاوِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الخير القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِرُ بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمِن الصَّابُونِيّ، وأبو بَكْر أحْمَد بن الحُسَين بن عليّ البَيْهَقِيّ، وأبو عُثْمان سَعيدُ بن مُحَمَّد البَحِيْرِيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز الحِيْرِيّ، إجَازةً منهم، قالوا: أخْبَرَنا الحاكِم أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الحافِظ، قال: أحْمَدُ بن يُوسُف بن خَالِد بن سَلم (a)، أبو الحَسَن السُّلميّ النَّيْسَابُوريّ، أحَدُ أئمَّة الحَدِيْث، كبير الرِّحْلَة، واسِع الفَهْم، مَقْبُول عند الأئمَّة في أقْطَار الأرْض، وهو من خَوَاصِّ يَحْيَى بن يَحْيَى، ومن المُصَاهِرين على أقاربهِ، ويُقال: على ابْنَته.
سَمعَ بخُرَاسَان حَفْصَ بن عبد الرَّحْمن، وحَفْصَ بن عَبْد اللّه، ويَحْيَى بن يَحْيَى، والجَارُوْد بن يَنِ يد النَّيْسَابُوريِّ، وعليّ بن الحُسَين بن شَقِيق، وعَبْد الرَّحمن بن عَلْقَمَة، وعَبْدَان بن عُثْمان المَرْوزيّ، وطَبَقتهم.
وبالرَّيّ من عِيسَى بن جَعْفَر القَاضِيّ، وسُليْمان بن دَاوُد القَزَّاز، ومُحَمَّد بن يَحْيَى بن الضُّرَيْس، وطَبَقتهم.
وبمَدِينَة السَّلام من أبي النَّضْر، ومُحَمَّد بن جَعْفَر المَدَائِنِيّ، ومُولىَ بن دَاوُد الضَّبيّ، ومَنْصُور بن سَلَمة الخُزَاعِيّ، وطَبَقتهم.
وبالكُوفَة من يَعْلَى ومحمد ابني جُنَيْد، وجَعْفَر بن عَوْن، وعُبَيْد الله بن مُوسَى، وطَبَقتهم.
стр. 1509
وبالبَصْرَة من أبي عَامِر العَقَدِيّ، وصَفْوَان بن عِيسَى القَاضِيّ، وعُمَر بن يُونسُ اليَمَامِيِّ، وطَبَقتهم.
وبالحِجَاز من النَّضْر بن مُحَمَّد الجُرَشِيّ، ومُؤَمَّل بن إسْمَاعِيْل، والمِنْقَريّ.
وباليَمَن من عَبْد اللّه بن سَلَّام، وإسْمَاعِيْل بن عَبْدِ الكَريم، وعُمَر بن يَزِيد، وطَبَقتهم.
وبالشَّام من مُحَمَّد بن يُوسُف الفِرْيَابِيّ، ورَوَّاد بن الجَرَّاح العَسْقَلانِيّ، وعَبْد الأعْلَى بن مُسْهِر، ومُحَمَّد بن المُبارَك الصُّوْرِيّ، وطَبَقتهم.
وبالجَزِيْرَة من مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد الحَرَّانِيّ، وطَبَقته.
رَوَى عنهُ يَحْيَى بن يَحْيَى التَّمِيْمِيّ، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، ومُسْلم بن الحَجَّاج في الصَّحيحَيْن.
وأكْثَرَ إِبْرَاهيم بن أبي طَالِب، ومُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة وكافَّة أئمَّتنا الرِّوَايَةَ عنهُ.
قال الحاكِم: سَمِعْتُ أبا العبَّاس الأصَمّ يقول: كنتُ سَمِعتُ من أحْمَدَ بن يُوسُف السُّلَمِيِّ قبل خُرُوجنا إلى مِصْر، فانصَرَفتُ فَلَمْ أَجِدْ سَمَاعِي منهُ.
أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أُمُّ البَهَاء فاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّد بن البَغْدَاديّ،
стр. 1510
قالت: أخْبَرَنا سَعِيْد بن أحْمَد العَيَّار (a)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الخَفَّاف، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِد أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن الشَّرْقيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن يُوسُف السُّلَمِيّ ومُحَمَّد بن عَقِيل، وأحمد بن حَفْص، قالوا: حَدَّثَنَا حَفْصُ - هو ابنُ عَبْد اللّه - قال: حَدَّثنِي إبْراهيم بن طَهْمان، عن شُعْبَة بن الحَجَّاج، عن قَتَادَة، عن أنَس، قال: قال رسُول اللّه ﷺ (١): رُفِعَتْ إلى السِّدَرةِ (b) فإذا أربعةُ أنْهار: نَهْران ظَاهِران، ونَهْران بَاطِنان، فأمَّا الظَّاهِرَان فالنِّيْلُ والفُرَاتُ، وأمَّا البَاطِنَان فنهران في الجَنَّة، وأُتيتُ بثلاثة أقْدَاح، قدَح فيه لَبنٌ، وقدَح فيه عَسَل، وقدَح فيه خَمْرٌ، فأخَذْتُ الّذي فيه اللَّبَن، فقيل لي: أصَبْت الفِطْرة، وأمْسَك (c).
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن قُشَام الحَلَبِيّ، عن الحافِظ أبي العَلَاء الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عليّ بن مُحَمَّد الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عِليّ الصَّفَّارُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحاكِم (٢)، قال: أبو الحَسَن أحْمَد بنُ يُوسف بن خَالِد بن سَالَم بن زَاوِيَة (d) الأزْدِيّ السُّلَمِيّ النَّيْسَابُوريّ، كان أبُوه يُنْسَبُ إلى الأَزْد، وأُمُّه إلى سُلَيم.
سَمِعَ عَبد الرَّزَّاق، والنَّضْر بن مُحَمَّد. رَوَى عنهُ مُسْلم بن الحَجَّاج، كَنَّاه لنا أبو النَّضْر بَكْر بن مُحَمَّد بن إسْحَاق السُّلَمِيّ.