← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وباتَ وأشْرَفَ على أبي العَتَاهِيَة فرآهُ يُصَلِّي، فلم يزل يَرْقُبُه حتَّى قَنَت وصَار إلى مَضْجعه (a)، فانْصَرف حَمْدَوَيْه خَاسِئًا (b). قال المَرْزبانيّ: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أبو ذكوان، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن رُسْتُم، قال: كان حَمْدَوَيْه صاحب الزَّنَادقة أراد أنْ يأخُذَ أبا العَتَاهِيَةِ ففَزع من ذلك فجلَس حَجَّامًا. قال المَرْزُبانيّ: وأخْبَرَني الصُّوْلِيّ (١)، قال: حَدَّثَني عَوْنُ بن مُحَمَّد، قال: سَمِعْتُ العبَّاسَ بن رُسْتُم يقول: كان أبو العَتَاهِيَة مُذَبْذَبًا في مَذْهَبهِ يَعْتقدُ شيئًا، فإذا سَمِعَ طاعِنًا عليه تَرَكَ اعْتِقَادَهُ وأخَذَ غيرَهُ، قال: وشِعْره يدلُّكَ على ذلك. وقال: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن موسى، قال: حَدَّثَني شَيْخٌ من مَشَايخِنا، قال: حَدَّثَني أبو شُعَيْب الحَجَّام صاحبُ ابنِ أبي دُؤَاد (ح)، قال: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: القُرْآنُ مَخْلُوقُ أو غيرُ مَخْلُوق؟ فقال: سألتَ عن اللهِ أو عن غيرِ اللهِ؟ قُلتُ: عن غير الله، فأمْسَكَ، حتَّى أعدْتُ عليه هذا مَرَّات، يقُول لي مثل قَوْله، فقُلتُ: ما لك لا تُجِيْبني؟ قال: قد أجبْتُكَ، ولكنَّكَ حِمَارٌ!. قال (٣): وأخْبَرَني مُحَمَّدُ بن العبَّاس، قال: حَدَّثَني أبو أحْمَد يَحْيَى بن عليّ، قال: حَدَّثَني ابن مَهْرُوَيْه، قال: حَدَّثَنا العبَّاس بن مَيْمُون طَابِع، عن رَجَاءِ بن سَلَمَة، قال: سَمِعْتُ أبا العَتَاهِيَة يقُول: قرأتُ البَارِحَة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) ثمّ قُلْتُ قَصِيدَةً خَيْرًا منها (d).

стр. 2172

وقال: أخْبَرَني الحسُينُ بن عليّ، قال: حَدَّثَني الحَسَنُ بن عُلَيْلِ العَنَزِيّ، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن سُلَيمان الحَنَفِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: شَهِدَ رجُلٌ على أبي العَتَاهِيَةِ بالزَّنْدَقَة، ونحنُ بطُوْس مع الرَّشِيْد، فَحبَسَهُ الرَّشِيْدُ منذ غُدْوَة إلى العَصْر، وطَلبُوا شَاهدًا آخر فلم يَجدُوا فأطلَقَهُ، ثمَّ حبَسَهُ ثانيةً، فدَخَلْنا عليه الحَبْسَ فأنْشَدَنا (١): [من مجزوء الوافر] هِيَ الأيَّامُ والعِبَرُ … وأمْرُ اللهِ يُنْتَظَرُ أتَيْأَسُ أنْ تَرَى فَرَجًا … فأَيْنَ اللهُ والقَدَرُ فأطْلَقَهُ الرَّشِيْدُ. أخْبَرَنا (a) أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أذن لنا أنْ نَرْوِيه، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَرْقَانِيُّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن العبَّاس بن مُحَمَّد (b) الخَزَّازُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المَرْزبَان، قال: أخْبَرَني عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَني الحُسَينُ بن عبد الرَّحْمن، قال: قال الرَّشِيْدُ لأبي العَتَاهِيَة: النَّاسُ يَزْعُمُون أنَّكَ زِنْدِيق؟! فقال: يا سَيِّدِي، كيفَ أكونُ زِنْدِيقًا وأنا القائلُ (٣): [من المتقارب] أيا عَجَبي، كيفَ يُعْصَى الإلَـ … ــهُ (c) أم كيفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ وفي كُلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدُ (d) أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ البَغْدَاديّ (٤)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن

стр. 2173

عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسَى الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد بن مُحَمَّد الخَصِيْبِيّ (a)، قال: حَدَّثَني أبو الفَضْل مَيْمُون بن هَارُون، قال: حَدَّثَني العَبَر (b)، قال: جلسَ مَنْصُورُ بن عَمَّار بعضَ مَجَالِسِه، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليهِ، وقال: إنِّي أُشْهدُكم أنَّ أبا العَتَاهِيَة زنْدِيقٌ، فبلَغَ ذلك أبا العَتَاهِيَة، فكتَبَ إليهِ (١): [من الخفيف] إنَّ يَوْمَ الحِسَابِ يَوْمٌ عَسِيْرُ … ليسَ للظَّالمين فيه نَصِيْرُ فاتَّخِذ عُدَّةً لمُطَّلعَ القَبْـ … ـــر وهَوْلِ الصِّرَاطِ يا مَنْصُورُ ووَجَّه بها أبو العَتَاهِيَة إلى مَنْصُور، فنَدِمَ على قَوْله، وحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، وقال: أُشْهدُكُم أنَّ أبا العَتَاهِيَة قد اعْتَرفَ بالمَوْتِ والبَعْث، ومَنْ اعْتَرف بذلك فقد بَرئ ممَّا قُرِفَ (c) بهِ. قَرَأتُ في كتاب المُسْتَنِيْر للمَرْزُبَانِيّ، قال: حَدَّثَني عليُّ بن أبي عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حَدَّثَني عليّ بن مَهْدِي الكِسْرَوِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن يَزِيد العَمِّيّ، عن عَمْرو بن مالكٍ المَذَارِيّ (d)، قال: كان أبو العَتَاهِيَةِ من عندنا، وكان أبُوه بيّاع الجِرَار، وكان ضيِّقَ المعَاش، وكان أبو العَتَاهِيَة كَثِيْرًا ما (e) يُجَالِسُ مَنْ يَجتاز بنا من النُّسَّاك، وكان قليلَ العِلْم، فخرَج مع بعض النُّسَّاكِ فأقام بعَبَّادَان حينًا، فرجَع وقد تَفَقَّهَ وحَسُنَ أدَبُه، وقال الشِّعْرَ في الزُّهْدِ، ثمّ شَخَصَ إلى الكُوفَة فتَأدَّب هناك، ثمّ قَدِمَ بَغْدَاد ورَأى نَفْسَهُ مُتَخلِّفة عن أُولئك الشَّيَاطِين، وأراد

стр. 2174

أنْ يكون له سَبَبٌ إلى المُلُوك يتعيَّش به، فأشَار عليه الهَيْثَمُ بنُ عَدِيّ أنْ يُشَبِبَ بالخَيْزُرَان، فَجَبُن عن ذلك، فأغْرهُ بعُتْبَة جَارِيَة رَيْطَة بنت أبي العبَّاسِ، فلبس مِدْرَعَة صُوْف، وطَلَبَ عُتْبَة، وسَألَ عنها فدُلَّ عليها وتُسَائِلُ بعضَ عجَائز القَصْر أرَقَّ مَسْألَةٍ، فتعرَّضَ لها أبو العَتَاهِيَة فقال (١): [من الطويل] فَدَيتُكِ تَجْمِيْشِ العَجُوزِ بليَّةٌ … ولا سِيَّمِا من بَرَّةٍ مُتَبَتِّلَهْ فأمَرَتْ فوُجِئَ (٢) في عُنُقه، ورَأتْهُ في زيّ مَجْنُونٍ فخَلَّتْ سَبِيلَهُ، فرَجَعَ إلى الهَيْثَمِ بن عَدِيّ فشَكَا إليه، فقال: إنَّما أشَرْتُ عليك أنْ تُشَبِبَ بها وتَدَّعِي عِشْقَها، لم أُشِرْ عليكْ أنْ تأمرَها بالمَعْرُوفِ وتَنْهاها عن المُنْكَر، وقد وقعَ الجنُونُ بحيثُ أردْت، فالْزَم هذا فعَسى أنْ تَنال خَيْرًا، ففَعَلَ، فكان يتْبَعُ عُتْبةَ في الطُّرُقاتِ ويُنْشِدُها أشْعَارَهُ، وإذا دَخَلَتْ إلى بَيْتِها جلسَ لها حتَّى تخرجُ، فاسْتَطرفِ (a) النَّاسُ ذلك منه، وكَنَوْهُ بأبي العَتَاهِيَة، وضُرِبَ وحُبِسَ فلم يزدهُ ذلك إلَّا بصِيْرةً في أَمْره، وكان ذلك سَبَبًا له إلى بُلُوغ ما أَمَّلَ. أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن الحَرَسْتَانِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبرنا أحمدُ بنُ عليّ البَغْدَاديّ (٣)، قال: أخبَرَني عليُّ بن أيُّوبَ القُمِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بنُ عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن موسى البَرْبَرِيّ، قال: أخْبرَني أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن عليّ الهاشِميُّ، عن أبي شُعَيْب أحْمَد بن يَزِيد صاحب ابن أبي دُؤَاد (b)، قال: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: يا أبا إسْحاق، حَدِّثني بقِصَّتكَ مع عُتْبَةَ؟ فقال لي: أُحَدِّثُكَ، قَدِمْنَا من الكُوفَة ثلاثةُ فتْيان شَبَابًا (ح) أُدَبَاء، وليسَ لنا ببَغْدَاد مَنْ نَقْصِدُه، فنزلنا غُرْفَةً بالقُرْبِ من

стр. 2175

الجِسْر، فكُنَّا نُبَكِّرُ فنَجْلسُ في المَسْجِد الّذي ببابِ الجِسْر في كُلِّ غَدَاةٍ، فمرَّت بنا يَوْمًا امرأةٌ رَاكبةٌ معها خَدَمٌ سُودَانٌ، فقُلنا: مَنْ هذه؟ قالوا: خَالِصَةُ، فقال أحَدُنا: قد عَشِقْتُ خَالِصَة، وعَمِلَ فيها شِعْرًا، فأَعَنَّاهُ عليه. ثمّ لَم نَلْبَثْ أنْ مرَّت أُخرى راكبةً معها خَدَمٌ بِيْضَان، فقُلْنا: منْ هذه؟ فقالوا: عُتْبَةُ، فقُلتُ: قد عَشِقْتُ عُتْبَةَ، فلم نَزل كذلك في كُلِّ يَوْم إلى أنْ التَأَمَتْ لنا أشْعَارٌ كَثِيْرةٌ، فدَفع صَاحبي شعْرَهُ إلى خَالِصَة، ودَفَعْتُ أنا شِعْري إلى عُتْبَةَ، وألْحَحْنا إلْحاحًا شَدِيْدًا، فمرَّةً تُقْبل أشعَارُنا، ومرَّةً نُطْرَد، إلى أنْ جَدُّوا في طَرْدنا، فجلَسَتْ عُتْبَةُ يَوْمًا في أصْحَاب الجَوْهَر، ومَضَيْتُ فلَبِسْتُ ثِيَابَ رَاهِبٍ، ودفَعْتُ ثِيَابي إلى إنْسَان كان معي، وسَألتُ عن رَجُلٍ كبيرٍ من أهْل السُّوق، فدُلِلْتُ على شَيْخ صَانِع (a)، فجئتُ إليه، فقُلتُ: إنِّي قد رغبْتُ في الإسْلَام على يَدَي هذه المَرْأةِ، فقام معي وجَمَع جَمَاعَةً من أهْل السُّوق، وجاءها فقال: إنَّ الله قد سَاقَ إليكِ أجْرًا، هذا رَاهِب قد رَغبَ في الإسْلَام على يَدَيْك، قالت: هَاتُوه، فدَنوْتُ منها، فقُلتُ: أشْهَدُ أنَّ لا إلَه إلَّا الله، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسُولهُ، وقَطَعْتُ الزُّنَّارَ، ودَنَوْتُ فقبَّلْتُ يدَهَا (b)، فلمَّا فعَلْت ذلك رَفَعْتُ البُرْنُسَ فعَرَفَتْني، فقالت: نَحُّوهُ لعَنَهُ الله! فقالوا: لا تَلْعَنيه فقد أسْلَم، فقالت: إنَّما فعَلْتُ (c) ذلك لقَذَرِه، فعَرَضُوا عليَّ كُسْوَةً، فقلت: ليسَتْ بى حَاجَة إلى هذه، وإنَّما أرَدْتُ أنْ أَشْرُفَ بولَائها، فالحَمْدُ لله الّذي مَنَّ عليَّ بحُضُوركم، وجَلَسْتُ فجعَلُوا يُعلِّمونَني الحَمْدَ، وصَلَّيْتُ معهم العَصْر، وأنا في ذاك بينَ يَدَيْهِا (٤) أنْظُر إليها لا تَقْدرُ لي على حِيْلَةٍ، فلمَّا انصرَفَتْ لقِيَتْ خَالِصَةَ فشَكَتْ إليها، فقالت: ليسَ يَخْلُو هذان من أنْ يكُونًا عَاشِقَيْن أو مُسْتَأكِلَيْن، فصَحَّ عَزْمُهما على امْتِحاننِا بمالٍ على أنْ نَدَع التَّعرُّضَ لهما، فإنْ قَبِلْنا المالَ فنحنُ مُسْتَأكِلَان، وإنْ لَم نَقْبَلْهُ فنحنُ عَاشِقَانِ.

стр. 2176

فلمَّا كان الغَدُ، مرَّت خَالِصَةُ، فعَرَض لها صَاحِبُها، فقال لهُ الخَدَمُ: اتَّبِعْنا، فاتَّبَعَهُم (a)، ثُمَّ لَم نَلبَثْ أنْ مرَّت عُتْبَة، فقال لي الخَدَمُ: اتَّبِعْنا، فاتَّبَعْتُهم، فَمضَتْ بي إلى مَنْزِل خَلِيطٍ لها بَزَّازٍ، فلمَّا جَلَسَتْ دَعَتْ بي، فقالت لي: يا هذا، إنَّك شَابُّ وأرَى لك أدَبًا، وأنا حُرْمَةُ خَلِيفَةٍ، وقد تَأَنَّيْتُكَ، فإنْ أنْتَ كَفَفْتَ وإلَّا أَنْهَيْتُ ذلك إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، ثُمّ لم آمَن عليك. قُلتُ: فافْعَلِي بأبي أنْتِ وأُمِّي، فإنَّكِ إنْ سَفَكْتِ دَمي أَرَحتني، فأسْألكِ باللهِ إلَّا فَعَلْتِ ذلك، إذ لم يكُن لي فيك نَصِيبٌ، فأمَّا الحَبْسُ والحيَاةُ ولا أراك فأنت في حَرَجٍ من ذاك، فقالت: لا تَفْعَل يا هذا وأبْقِ علِى نَفْسِك، وخُذ هذه الخَمْسَمائة الدِيْنار واخْرُج عن هذا البَلَدِ، فلمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ المال ولَّيْتُ هَارِبًا، فقالت: رُدُّوه، فلم تَزَلْ تَرُدُّنِي، فقُلتُ: جُعِلْتُ فداءَكِ، ما أصْنعُ بعَرَضٍ من الدُّنْيا وأنا لا أرَاك؟ وإنَّك لتُبْطئيْنَ يوْمًا واحدًا عن الرُّكُوب فتَضِيْقُ بي الأرْضُ بما رَحُبَت، وهي تأبَى إلَّا ذِكْر المال حتَّى جَعَلَتْ لي ألفَ دِيْنارٍ، فأبَيْتُ وجَاذبتُها مجُاذبةً شَدِيدةً، وقُلتُ: لو أعْطَيْتنِي جميع ما يَحْوِيه الخلَيفَة ما كانت لي فيه حاجَة وأنا لا أراك بعد أنْ أجدَ السَّبِيْل إلى رُؤيتِكِ. وخرجْتُ فجئْتُ الغُرْفَة الّتي كُنَّا نْنْزلها، فإذا صاحبي مُوَرَّمُ الأُذُنَيْن، وقد امْتُحِنَ بمثْل مِحْنَتي، فلمَّا مدَّ يدَهُ إلى المالِ صَفَعُوهُ، وحَلَفَتْ خَالِصَةُ لئن رَأَتهُ بعد ذلك لتُودِعنَّه الحَبْسَ (b)، فاسْتَشَارني في المقام، فقُلتُ: اخرُج وإيَّاكَ أنْ يُقْدَرَ عليك، ثمّ الْتَقَتَا فأخْبَرَتْ كُلُّ واحدةٍ صَاحبتَها الخَبَرَ، وأحْمَدَتْنِي عُتْبةُ وصَحَّ عندها أنِّي مُحِبٌّ مُحقٌّ. فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، دَعَتْني عُتْبَةُ، فقالت: بحياتي عليك، إنْ كُنْتَ تُعِزُّها، إلَّا أخَذْتَ ما يُعطيْك الخادِمُ فأصْلحتَ به (c) من شَأنك، فقد غَمَّني سُوء حَالِكَ، فامتَنَعْتُ، فقالت: ليس هذا ممَّا تَظُنُّ، ولكنِّي لا أُحبُّ أنْ أراك في هذا الزِّيّ، فقُلتُ: لو أمْكَنني أنْ تَريني في زِيّ المَهْدِيّ لفعلتُ ذلك، فأقْسَمَتْ عليَّ، فأخَذْتُ

стр. 2177

الصُّرَّةَ فإذا فيها ثلاثمائة دِيْنارٍ، فاكْتَسَيْتُ كُسْوَةً حَسَنةً، واشْتَرَيْتُ حِمَارًا. أنْبَأنَا زَيْدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرّحْمن بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو حَنِيْفَة عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن الحَسَن المُؤدِّب، قال: حَدَّثَنَا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيُّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن إبْراهيم الحَكِيْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا عَتاهِيَةُ بن أبي عَتاهِيَة، قال: أقْبَل أبي يَمْدَحُ المَهْدِيّ ويَجْتَهدُ في الوُصُول إليه، فلمَّا تَطَاولَتْ أيَّامُهُ أحَبَّ أنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ بأمرٍ يَصِلِ [به] (a) إليه، فلمَّا بَصُرَ بعُتْبَة راكبةً في جَمْعٍ من الخَدَم تَتَصرَّفُ في حَوَائج الخِلَافَة تعرَّضَ لها، وأَمَّلَ أنْ يكون تولُّعُه بها هو السَّبَبُ المُوْصِل إلى مَحبَّته (b)، وانْهَمكَ في التَّشْبيْبِ والتَّعرُّض في كُلِّ مكانٍ لها، والتَّفرُّد بذِكْرها وإظْهارِ شِدَّة عِشْقها، وكان أوَّل شِعْرٍ قالَهُ فيها (٣): [من الخفيف] رَاعَنِي يا يَزِيدُ صَوْتُ الغُرَاب … لحَذارِي للبَيْنِ من أحْبَابي يا بَلَائي ويا تَقلْقُلَ أحْشَا … ئي ونَفْسِي لطَائِرٍ نعَّابِ أفصَح البَيْنَ بالنَّعِيْب وما … أفصَح لي في نَعِيْبهِ بالإيابِ فاسْتَهلَّت مَدَامِعي جَزَعًا منـ … ــه بدَمْعٍ ينهلُّ بالتِّسْكَابِ ومُنِعْتُ الرُّقَادَ حتَّى كأنِّي … أرْمَدُ العَيْن أو كُحلْتُ بصَابِ (c) قلتُ للقَلْبِ إذ طَوَى وَصْلَ … سُعْدَى لهواه البَعِيدِ بالأنْسَاب أنْتَ مثْلُ الّذي يَفِرُّ من القَطْـ … ــر حَذَارَ النَّدَى إلى الميْزَاب وهي طَويْلَةٌ (d).

стр. 2178

قال: وقال في عُتْبَةَ (١): [من مجزوء الكامل] ولقد طَربْتُ (a) إليك حَـ … ــتَّى صِرْتُ من ألَم (b) التَّصَابي يَجِدُ الجلِيْسُ إذا دَنَا … رِيْحَ الصَّبَابَةِ (c) في ثِيَابي وقال فيها أيضًا (٢): [من الطويل] وإنِّي لمَعْذُورٌ على طُول حُبِّها … لأنَّ لها وَجْهًا يَدُلُّ على عُذْري إذا ما بَدَتْ والبَدْر لَيْلَة تَمِّهِ … رأيتَ لها فَضْلًا مُبِيْنًا على البَدْر وتَهْتَزُّ من تحت الثِّيَابِ كأنَّها … قَضِيْبٌ من الرَّيْحان في وَرَقٍ خُضْرِ أبَى اللهُ إلَّا أنْ أموْتَ صَبَابةً … بسَاحرَةِ العَيْنَين طَيِّبَة النَّشْرِ وتَبْسِم عن ثَغْر نقِيّ كأنَّهُ من … اللُّؤْلُؤ المَكْنُون في صَدَفِ البَحْرِ يُخَبِرُني عنهُ السِّوَاكُ بطِيْبِه … ولسْتُ به لولا السِّوَاكُ بذِي خُبْرِ أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يحيى بن جَعْفَر بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عليّ بن الدَّامَغَانِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبي أبو مَنْصُور جَعْفَر ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن رِزْمَةَ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بنُ مَنْصُور، قال: حَدَّثنا الزُّبَيْرُ - يعني ابن بَكَّار - قال: حَدَّثَني جَعْفَرُ بن الحُسَين اللَّهَبِيُّ، قال (٣): أرْسَل أَمِيرِ المُؤْمنِن المَهْدِيُّ يَوْمًا إلى أبي العَتَاهِيَة فدعاهُ، فقال: أنت الّذي تقُول في عُتْبَة (٤): [من المنسرح] اللهُ بَيْني وبينَ مَوْلَاتي … أبْدَتْ لي الصَّدَّ والمَلَالَات

стр. 2179

متَى وَصَلتكَ حتَّى تُنْكر صَدَّها عنك (a)؟ قال: يا أَمِير المُؤمنِيْن، أنا الّذي أقُول (١): [من المنسرح] يا نَاقُ سِيْري (b) بنا ولا تَعدِي … نفْسَكِ ممَّا تَرَيْنَ رَاحَاتِ حتَّى تُنيخي (c) بنا إلى مَلِكٍ … توَّجَهُ اللهُ بالمَهَابَاتِ يَقُولُ للرِّيح كُلّمَا صَفَقَتْ (d): … هل لك يا رِيْحُ في (e) مُبَارَاتي قال: فأطْرَق مليًّا وجَعَل ينكتُ (d) بقَضِيبٍ كان في يَدِه، ثمّ رَفعَ رَأسَهُ فقال: أنْتَ الّذي تَقُول (٢): [من المتقارب] ألَا ما لسَيِّدَتِي ما لها … لقد (g) سَكَن الحُبُّ سِرْبَالَها ما يُدْريكَ ما في سِرْبالِها؟ فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، وأنا الّذي أقُولُ (٣): [من المتقارب] أَتَتْهُ الخِلَافَةُ مُنْقَادةً … إليهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا فلم تَكُ تَصْلُح إلَّا له … ولا كانَ يَصْلحُ إلَّا لها ولو رَامَها أحَدٌ غَيْرُهُ … لَزُلْزلَت الأرْضُ زِلْزَالَهَا قال: فنَكَّسَ رأسَهُ ونكَتَ بقَضِيْبِه، ثمّ رَفَع رأسَهُ فسَألَهُ عن شيءٍ، فعَيِيَ بجَوَابِه، فأمرَ به فجُلِدَ، ثمّ أُخْرِج مَجْلُودًا، فلَقِي عُتْبة على الباب، فقال (٤): [من السريع] بَخٍ بَخٍ يا عُتْبَ من مثْلُكُم … قد قَتَلَ المَهْدِيُّ فيكُم قَتِيْل

стр. 2180

قال: فدَخَلُوا فأخْبَرُوا المَهْدِيَّ بما قال، فضَحكَ، ثمّ أمر له بعشرين ألف دِرْهَمٍ فأخَذَها، فلمَّا خَرَج كان على الباب المُرَابطَةُ فقسَمها فيهم، فأُخْبِرَ المَهْدِيُّ بذلك، فدَعاهُ فقال له: ما الّذي حملَكَ على أنْ أكْرَمتُكَ بكَرَامةٍ فقَسَمْتَها؟ فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، ما كنتُ لآكُلَ ثمن مَنْ أَحْبَبْت، فأطلَقَها له، وتقدَّمَ إليه ألَّا يُبَذِّرَها. أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو حَنِيْفَة المُؤدِّبُ، قال: حَدَّثَنَا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (٢)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن القَاسِم الكَوْكَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَسَلُ (a) بنُ ذَكْوَان، قال: أخْبَرَنا دِمَاذٌ، عن حَمَّاد (b) بن شَقِيق، قال: قال أبو سَلَمَة الغَنَويّ: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: ما الَّذي صَرفكَ عن قَوْل الغَزَل إلى قول الزُّهْدِ؟ قال: إذًا والله أُخْبِرُكَ، إنِّي لمَّا قُلْتُ (٣): [من المنسرح] اللهُ بينى وبينَ مَوْلَاتى … أهْدَتْ لي الصَّدَّ والمَلَالَاتِ مَنَحْتُها مُهْجَتي وخَالِصَتي … فكان هِجْرَانُها مُكَافَاتي هَيَّمني (c) حُبُّها وصَيَّرَنِي … أُحْدُوثَةً في جَميع جَارَاتي رأيتُ في المَنَام في تِلك اللَّيْلةِ كأنَّ آتيًا أتَاني، فقال: ما أَصَبْتَ أحدًا تُدْخِلُه بينكَ وبين عُتْبَة يَحْكُم لك عليها بالمَعْصِيَةِ إلَّا الله تعالَى؟! فانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا، وتُبْتُ إلى اللهِ من سَاعتي من قَوْل الغَزَل. وذَكَرَ أبو الحَسَن المَسْعُودِيّ في كتاب مُرُوج الذَّهَب (٤): قال أبو العبَّاس

стр. 2181

يَحْيَى ثَعْلَبُ: كان أبو العَتَاهِيَة قد أكْثَرَ مَسْألَة الرَّشِيْد في عُتْبَة، فوعَدَهُ بتَزْوِيجها إنْ أجابَت، وتَجْهيزها. ثمّ إنَّ الرَّشِيْد سَنَح له شُغْل فحُجِبَ عنه أبو العَتَاهِيَة فدَفع إلى مَسْرُور الكَبِير ثلاثَ مَرَاوحَ، فدَخَل بها مُبْتسِمًا فقرأ الرَّشِيْدُ على أحديهنَّ (١): [من الكامل] ولقد تنسَّمْتُ الرِّيَاح لحاجَتي … فإذا لها من راحتَيْكَ نَسِيمُ (a) قال: أحْسَنَ الخَبِيْثُ. وإذا على الأُخْرى: أعْلَمتُ (b) نَفْسِي من رجائِكَ ما لَهُ … عَنَقٌ يَخُبُّ إليكَ بي ورَسِيْمُ (c) فقال: وقد أجَادَ. وإذا على الأُخرى: ولرُبَّما اسْتَيْأَسْتُ ثمّ أَقُولُ: لا، … إنَّ الّذي ضمِنَ النَّجَاحَ كَريمُ فقال: قاتلَهُ الله، ثمّ دَعَا به فقال: ضَمنْتُ لك يا أبا العَتَاهِيَة وإنِّي قاعدٌ لقَضَاءِ حاجتِكَ. وبَعَثَ إلى عُتْبَة: انْتَظريني اللَّيْلة في مَنْزِلك، فلي إليك حاجَةٌ، فصارَتْ هي إليه، فحلَف ألَّا يَذْكُر حَاجَتَهُ إلَّا عندَها، فلمَّا كان اللّيْلُ صارَ إليها في خَواصّ خَدَمِهِ، فقال: لستُ أذْكُر حاجتى أو تَضْمَنينَ لي قَضاءَهَا، قالت: أنا أَمَتُكَ وأمْرُكَ فيَّ نافِذٌ إلَّا أبا العَتَاهيَة؛ فإنِّي حلَفْتُ لأبيكَ ﵁ بأيْمانٍ لا تُحدّ كفَّارتها بالمضيّ (d) إلى مَكَّة حافيةً، كُلّما قَضَيْتُ حَجَّةً وجَبَتْ حِجَّةٌ أُخرى، وكُلّما أفَدْتُ شيئًا تَصَدَّقْتُ به، وبَكَتْ بينَ يَدَيْهِ، فرَحمها ورَقَّ لها، وانْصَرَف عنها. وغَدَا عليه أبو العَتَاهِيَة لا يَشُكُّ في الظَّفَر، فقال له: ما قصَّرتُ في أمْرك،

стр. 2182

ومَسْرُورٌ وحُسَينٌ ورَشِيْدٌ وغيرهم شُهُود لي، وشَرَح له الخَبَر. قال أبو العَتَاهيَة: لمَّا خبَّرني بذلك لَم أدرِ أين أنا، ثمّ قُلتُ: الآن يئسْتُ منها إذْ ردَّتْكَ، وعلمتُ أنَّها لا تُجِيْبُ أحدًا بعدك، فلبسَ الصُّوفَ، وقال (١): [من الكامل] قطَّعْتُ مِنْكِ حَبَائلِ الآمالِ … وحَطَطْتُ عن ظَهْر المطِيّ رِحالي ووَجَدْتُ بَرْدَ اليأسِ بين جَوَانِحي … فغنيْتُ عن حَلٍّ وعن تَرْحالِ (a) وذَكَرَ أبو عُبَيْد الله المَرْزبانيّ في كتاب المُسْتَنِيْر، وقرأتُه فيهِ في أخْبَار أبي العَتَاهِيَة، وأخْبَرَنا به إجَازَةً أحْمَد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ عنه، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بِن أحْمَد الكَاتِب، ومُحَمَّد بن يَحيَى (٢)، قالا: حدَّثنا مُحَمَّدُ بن مُوسَى، قال: حَدّثنا الزُّبَير بن بكَّار، قال: حَدَّثَني ثَابِتُ بن الزُّبَيْر بن خُبَيْب (b)، قال: أخْبَرَني ابنُ أُخْتِ أبي خَالِد الحَرْبيّ (c)، قال: قال لي هَارُون الرَّشِيْد: احْبِسْ أبا العَتَاهِيَة حتَّى يقُول شِعْرًا رقيقًا، وأمرني بالتَّضْييق عليهِ، قال: فأخذْتُه فحبسْتُه في بيت خَمْسة أشْبَارٍ في خَمْسةِ أشْبارٍ، فصَاحَ: المَوْت، أَخْرجُوني، أنا أقُولُ لكم ما شئتُم! قال: فقلتُ له: فقُلْ، فقال: أخْرجني حتَّى أَتَنَفَّس، فأخرجْتُه وأعْطيتُه قِرْطاسًا ودَوَاةً فكَتَبَ فيهِ (٣): [من الخفيف] مَنْ لعَبْدٍ أذَلَّهُ مَوْلاهُ … ما لَهُ شَافِعٌ إليهِ سِوَاهُ يَشْتَكِي ما بهِ إليه ويَخْشَاهُ … ويَرْجُوه مثلما يَخْشَاهُ

стр. 2183

قال: فجئتُ بها مَسْرُورًا، فأدْخَلَها إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، فتقَدَّم الرَّشِيْد إلى إبْراهيم المَوْصِلِيّ فغنَّى بها، ودَعَا بهِ، فقال: أنْشدني (١): [من الكامل] يا عُتْبَ سيِّدَتِي أمَا لك دِيْنُ؟ فأنْشَدَهُ إيَّاها، فوعَدَهُ أَنْ يُزوِّجَهُ بها، فلمَّا خَرَج قال له النِّسَاءُ: إنَّهُ شبَّبَ بها وشهَرها في النَّاسِ، وإنْ زَوَّجْتَهُ إيَّاها حقَّقْتَ عليها ما قال (a) فيها، فأمَر له عِوَضًا من ذلك بخَمسِين (b) ألفِ دِرْهَم. وقال المَرزُبانيّ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، قال: غُنِّي الرَّشِيْدُ يَوْمًا في شِعْر أبي وهو في الحَبْس (٢): [من الطويل] خَلِيلَيَّ ما لي لا تَزَالُ مَضَرَّتي … تكونُ على الأقْدَارِ حَتْمًا منَ الحَتْمِ كفَاكَ بحقِّ اللهِ ما قد ظَلَمْتَني … فهذا مقَامُ المُسْتجيرِ من الظُّلْمِ ألَا في سَبِيْلِ اللهِ جِسْمي وقُوَّتي … أما (c) مُسْعِدٌ حتَّى أنُوح على جِسْمي فأمر الرَّشِيْدُ بإحْضَاره فقال له: أيَجُوز لكَ هذا؟ بالأمْسِ يَنْهاكَ أَمِير المُؤْمنِيْن المَهْدِيُّ عن القَوْل في عُتْبَة فتأبَى إلَّا لَجَاجًا ومحْكًا، واليوم آمرُكَ بالقَوْل فيها فتَأْبى ذلك؟! قال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣)، كُنْتُ أقُول في الغَزَل وَلي شَبَابٌ وحِدَّةٌ، وبي حَرَاكٌ وقُوَّة، واليَوْم فأنا شَيْخ ضَعِيْفٌ لا يَحْسُنُ بمثلي لَهْوٌ ولا تَصَابٍ، فقال: والله لا رَضِيْتُ منكَ إلَّا بالّذي كُنت عليهِ. ثمّ قال له: أنْشدني بعضَ ما قُلتَ فيها، فسَكَت، فقال: واللهِ لتُنْشدَني شَيئًا

стр. 2184

من ذلك، فأنْشَدَهُ (١): [من البسيط] نَفْسِي بشيءٍ من الدُّنْيا مُعَلَّقَةٌ … اللهُ والقَائِمُ المَهْدِيُّ يَكْفِيْها إنِّي لآيَسُ (a) منها ثمّ يُطْمِعُني … فيها احْتِقَارُكَ للدُّنيا وما فيها فقال له الرَّشِيْدُ: هل لك في التَّزْويْج بها؟ قال: لا والله، قال: إنَّك إنْ قبلْتَ ذلك خَلَّيْتُ سَبِيْلكَ وزدْتُ في مَنْزِلتَك، قال: عليَّ عَهْدُ الله ألَّا أتزوَّج على أُمّ ولدى حتَّى ألْقى الله، فاعْفنى من ذلك يا أَمِير المؤمنِيْن عفا اللهُ عنك، فأمرَ الرَّشِيْدُ بردِّهِ إلى الحَبْس. وقال المَرْزُبانيّ (٢): حَدَّثَني عليّ بن [أبي عَبْد الله] (b) الفَارِسِيّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حَدَّثَني عليُّ بن مَهْدِى، عن أحْمَد بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَني مُخارِقٌ، قال: لمَّا تَقَرَّأ (c) أبو العَتَاهِيَة ولبِسَ الصُّوْفَ، أمرَهُ الرَّشِيْدُ أنْ يقُول شِعْرًا في الغَزَل، فامْتَنَعَ؛ فضَرَبَهُ ستِّينِ عَصًا، وحَلَفَ ألَّا (d) يخرُجَ من حَبْسِهِ حتَّى يقُولَ شِعْرًا في الغَزَل، فامْتَنَعَ؛ رُفِعَت المقارِعُ عنه قال للرَّشيْدِ: كُلّ ممْلُوكٍ له حُرٌّ، ومَرَتْهُ طَالِقٌ إنْ تكلَّم سَنَةً إلَّا بلا إله إلَّا الله مُحَمَّدٌ رسُولُ اللهِ ﷺ (e)، فكأنَّ الرَّشِيْد تحَوَّبَ (f) ممَّا فَعَل بهِ، فأمَرَ بأنْ يُحْبَسَ في دارٍ ويُوسَّعَ عليه، ولا يُمْنَعَ من الدُّخُول إليهِ. قال مُخَارِقٌ: وكانت الحالُ بينِي وبين إبْراهيم المَوْصِلِيّ لَطِيْفة، فكان لا يزَالُ يبعَثُ بي إليه في الأيَّام أتعرَّف خَبَرَهُ، فإذا دَخَلْتُ إليه إلى حَبْسِهِ وَجَدْتُ بينَ يَدَيْهِ ظُهُورًا (g) ودَوَاةً يكتبُ إليَّ بجميع (h) ما يُرِيدُ، وأُكَلِّمُهُ أنا، فمكث كَذَا سَنَةً،

стр. 2185

واتَّفَقَ أنَّ إبْراهيم صنَعَ صَوْتَهُ: [من الكامل] أَعرَفْتَ أنَّ (a) الحَيّ بالحْجِرِ … فَسَرَورَيان فقُبَّة العُمْر (b) وهجرتَنا وأَلِفْتَ رَسْمًا باليًا … والرَّسْم كانَ أحقَّ بالعُمْر (c) فقال لي إبْراهيمُ: اذْهَبْ إلى أبي العَتَاهِيَة حتى تُغَنِّيهُ هذا الصَّوْتَ، فأتيْتُه في اليَوْم الّذي تَنْقَضي فيه يَمِيْنُه، فكَتَبَ إليَّ بعد أنْ غنَّيْتُه: هذا اليَوْمُ الّذي تَنْقَضي فيه يَمِيْني، فأُحِبُّ أنْ تُقيم عندي إلى اللَّيْل، فأقْمتُ عندَهُ نَهاري كُلَّهُ، حتَّى إذا أذَّن النَّاسُ المَغْربَ كَلَّمَني، فقال: [يا] (d) مُخَارِق، قُلتُ: لَبَّيْكَ، قال: قُل لصَاحِبكَ: يا ابن الزَّانيِة، أمَا والله لقد أبقيْتَ للنَّاس فِتْنَةً إلى يَوْم القِيامَة، فانظُر أين أنْتَ من اللهِ غَدًا. قال مُخَارِق: فقُلتُ لَهُ: دَعْني من هذا، قُلْتَ (c) شيئًا تتخَلَّصُ بهِ من هذا المَوضِع؟ قال: قد قُلْتُ في امْرأتي شِعْرًا، قُلتُ: فأنْشِدنيهِ، فأنْشَدَني (١): [من الخفيف] مَنْ لقَلْبٍ مُتَيَّم مُشْتَاقِ … شَفَّهُ شَوْقُهُ وطُوْلُ الفِرَاقِ طالَ شَوْقي إلى قعِيْدَةِ بَيْتي … لَيْتَ شِعْري فهل لنا من تَلَاقِ فهي حَظِّي قد اقْتَصَرتُ عليها … من ذَوَاتِ العُقُودِ والأطْوَاقِ جَمَعَ اللهُ عاجلًا بكِ شَمْلي … عنِ قريبٍ وفكَّني من وَثَاقي قال: فكتبتُها وصرْتُ بها إلى إبْراهيم، فصنَع فيها لَحنًا، ثمّ دخَل على الرَّشِيْدِ، فكان أوَّلَ ما غنَّاهُ في ذلك المَجْلِس، فأعْجبَهُ، وقال: لمَن هَذا الغِنَاءُ والشِّعْر؟ قال إِبْراهيم: أمَّا الغِنَاء فلي، وأمَّا الشِّعْرُ فلأسِيْركَ أبي العَتَاهِيَة، قال: أوَ فَعَل؟ قال: نعَم، قد كان ذاك، فدعا بهِ، ثمّ قال لمَسْرُور الخَادِم: كم كُنَّا ضَرَبْنا أبا العَتَاهِيَة؟

стр. 2186

قال: ستِّين عَصًا، فأمَرَ له بستِّين ألفًا (a)، وخلَعَ عليه وأطْلَقَهُ. وقال المَرْزُبانيّ: حَدَّثَني! مُحَمَّد بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ (b) بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، ح. قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بنُ أبي سَعْدٍ، قال: قال لي مُحَمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة: لم يزل أبي يقُول الشِّعْر في عُتْبَة إلى أنْ خَرَج الرَّشِيْد في خِلَافَته إِلى الرَّقَّة، وكان أبو العَتَاهِيَةِ يُنَادِمُ الرَّشيْدَ، ولا يُفارِقُه في سَفَر ولا حَضَر إلَّا في وقْتِ الحَجِّ إِذا كان بالعِرَاق، وكان الرَّشِيْدُ يُجْري عليه في كُلِّ سنة خَمْسِينَ ألفَ دِرْهَم سِوى المَعَاون والجَوَائِز، فلمَّا قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّة أظْهَرَ أبو العَتَاهِيَة التَّزَهُّد، وتصَوَّف (c) وتركَ حُضُورَ المُنادَمَة والقَوْلَ في الغَزَلِ، فأمرَ الرَّشيْد بحَبْسِه فحُبِسَ، فلمَّا طالَتْ أيَّامُهُ في الحَبْسِ كتَبَ إلى الرَّشِيْد قَصِيدَةً لِقُول فيها (١): [من الطويل] تَذَكَّرْ أمينَ اللهِ حقِّي وحُرْمَتي … وما كُنْتَ تُوْلينى لعلَّك تَذْكُرُ لياليَ تُدْنِي مِنْكَ بالقُرْبِ مَجْلِسي … ووَجْهُكَ من ماءِ البَشَاشَةِ يَقْطُرُ فَمنْ لي بالعَيْنِ الّتي كُنْتَ قبْلها (d) … إليَّ بها نَفْسِي فداؤُكَ (ح) تَنْظُر فبَعَثَ إليه الرَّشِيْدُ لمَّا قرَأها: لا بأس عليك. فكتَبَ إليهِ (٢): [من الوافر] أَرِقْتُ وطارَ عن عَيْني النُّعَاسُ … ونَامَ السَّامرُونَ ولَم يُؤَاسُوا أمين اللهِ ظِلُّكَ ظِلٍّ (f) أمْنٍ … عليكَ من التُّقَى فيهِ لبَاسُ وجودُكَ يَسْتَهل ندى ويَحْيا … من كُلِّ نَاحيةٍ أُنَاسُ

стр. 2187

تُسَاسُ من السَّماءَ بكُلِّ سَعْدٍ (a) … وأنتَ به تَسُوسُ كما تُسَاسُ كأنَّ الخَلْقَ في تركيب رَوْح (b) … له جَسَدٌ وأنْتَ عليهِ رَاسُ قال: وحَدَّثَني أبو عَبْدِ الله الحَكِيْميّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مُوسَى، عن الزُّبَيْر، ح قال: وأخْبَرَني الحُسَينُ بن علِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَني الزُّبَيْرُ بن بَكَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو غَزِيَّة، قال: حَدَّثَني أبو يَحْيَى العَبَّادَانيّ، عن إسْحاقَ بن إبراهيم، قال: لمَّا حَبَسَ الرَّشِيْدُ أبا العَتَاهِيَة كَتَبَ إليَّ يَسْألُني أنْ أتكلَّم فيهِ، قال: فكتبتُ إليه: قد قال أَمِير المُؤْمنيْن: ليسَ عليكَ بأسٌ، وأنا أتَكلَّم في أمْركَ وأعْمل في خلاصكَ. قال: فكَتَبَ إلَيَّ (١): [من الوافر] أَرقْتُ وطَارَ عن عَيْني النُّعَاسُ … ونَامَ السَّامرُونَ ولم يُؤَاسُوا فَدَيتُكَ أنْ غَمَّ السِّجْنَ (c) باسٌ … وقد أَرْسَلْتَ (d): ليسَ عَليْكَ باسُ قال: فعَملتُ فيه لحنًا ثُمَّ غَنَّيْتُه الرَّشِيْد، فقال: لمَن هَذا الشِّعْرْ؟ قُلتُ: لأبي العَتَاهِيَة، فأمَرَ بإطْلَاقه. وقال المَرْزُبانيّ: أخْبَرَني إبْراهيمُ بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، عن مُحَمَّد بن يَزِيد النَّحْوِيّ (٢)، قال: كان على الرُّوم امْرَأةٌ، وكانت تكتُب إلى المَهْدِيّ، والهَادِي، والرَّشِيْد - في أوَّل خِلَافَته - بالتَّعْظِيم والتَّبْجِيل، وتُدِرُّ عليهم الهَدَايا حتَّى بلَغَ ابنٌ لها، فصَارَ المَلِكَ دُوْنَها، وإنَّما تُملِّكُ الرُّومُ المَرْأةَ من أهْل بَيْت المملَكَةِ إذا لم تَجد

стр. 2188

منهم رَجُلًا، وكذلك فَارِسُ تفعَل، فلمَّا بلَغَ ابنها عَاثَ وأفْسَد، وخَاشَن الرَّشِيْدَ، فخافَتْ على مُلْكِ الرُّوم أنْ يذهَبَ، وعلى بلادِهم أنْ تعْطَبَ، لعِلْمها بالرَّشِيْد، وخَوْفها من سَطْوَته، فاحْتَالتْ على ابنها فسَمَلَتْ عَيْنه، فبَطَل من المُلْكِ، فعادَ إليها، فاسْتَنْكَر ذلك أهْلُ المَمْلَكَةِ، وأبْغَضُوها من أجْلِهِ، فخرَجَ عليها نَقَفُور (a)، وكان كاتِبَها، فأعانُوه وعضَدُوه، فقام بأمْرِ المُلْكِ، وضَبَطَ أمْرَ الرُّوم، فلمَّا قوي على أمْره، وتمكَّنَ من مُلْكه، كَتَبَ إلى الرَّشِيْدِ: من نَقَفُور مَلِكِ الرُّوم إلى هَارُون مَلِكِ العَرَبِ، أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ هذه المَرَأةَ كانت قد وَضَعَتْكَ وأباكَ وأخَاكَ مَوضِعَ الشَّاهِ، ووضَعَتْ نَفْسَها مَوضعَ الرُّخّ، وأنا الشَّاهُ وأنْتَ الرُّخُّ، وقد عزَمْتُ على تَطَرُّقِ (b) بلادِكَ والهُجُوم على أمْصَاركَ، أو تُؤَدِّي إليَّ ما كانت المَرْأةُ تُؤدِّيهِ إليكَ، وكَلَامًا شَبِيهًا بهذا. فلمَّا وَرَدَ على الرَّشِيْدِ كَتَبَ إليه: بِسْم الله الرَّحْمن الرَّحِيْم. من عَبْدِ الله هارُونَ، أَمِيرِ المؤمنِيْن، إلى نَقَفُور كَلْبِ الرَّوم، أمَّا بَعْدُ؛ فقد فهمْتُ كتابكَ، وجَوَابكَ عندي ما تَرَاهُ فَضْلًا أنْ تَسْمَعَهُ. ثُمَّ شخَصَ من شَهْره يَؤُمُّ بلادَ الرُّوم في جَمْعٍ لم يُسْمَعِ بمثلِهِ، وقُوَّادٍ لا يُجَارَوْنَ رَأيًا ونَجْدةً، فلمَّا بلَغَ ذلك نَقَفُور ضَاقَتْ عليه الأرْضُ بما رحُبَتْ، وشَاور في أمْره، وجاءَ الرَّشِيْدُ حتَّى توَغَّل بلادَ الرُّوم يَقْتُل ويَسْبي ويَغْنَم، ويُخَرِّب الحُصُونَ، ويُعَفِّي الآثارَ حتَّى صَار إلى طَريقٍ مُتَضَايقَةٍ دُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فلمَّا بلَغَها ألْفَاها وقد أمَرَ نَقَفُور بالشَّجَر فقُطِعَ، ورُمِي به في تلكَ الطُّرُق، وأُشْعِلَتْ فيه النِّيْرَان، فكان ذلك ممَّا تَحَصَّنَ بهِ عند نَفْسه، فقال الرَّشِيْد: ما تَرَونَ في هذه النِّيْرَان؟ فكان أوَّل مَنْ تلَبَّس

стр. 2189

ثِيَاب النَّفَّاطِيْن وخَاضَها مُحَمَّدُ بن يَزِيدَ بن مَزْيَد الشَّيْبَانِيّ، ثمَّ اتَّبَعَهُ النَّاسُ، فبَعَثَ إليه نَقَفُور بالهَدَايا، وخضَعَ له أكْثَر الخُضُوع، وأدَّى إليه الجِزْية عن رأسِهِ فَضْلًا عن أصْحَابه، ففي ذلك يقُولُ أبو العَتَاهِيَة (١): [من الطويل] إمَامَ الهُدَى أصْبَحْتَ بالدِّين مَعْنِيًّا … وأصْبَحْتَ تَسْقِي كُلّ مُسْتَمطرٍ رِيَّا لكَ اسْمانِ شُقَّا من رَشَادٍ ومن هُدَىً … وأنْتَ الّذي تُدْعَى رشيْدًا ومَهْدِيَّا إذا ما سَخِطْتَ الشَّيءَ كان مُسَخَّطًا … وإنْ تَرْضَ شيئًا كان في النَّاسِ مَرْضِيَّا بَسَطْتَ لنا شَرْقًا وغَرْبًا يدَ العُلَى … فأَوْسَعْتَ شَرْقيًّا وأوْسَعْتَ غَرْبيَّا ووَشَّيْتَ وجْهَ الدِّين (a) بالجُوْدِ والنَّدَى … فأصْبَحَ وَجْهُ الأرْضِ بالرَّوْض (b) مَوْشيا وأنْتَ أَمِيرَ المؤمنِيْن فَتَى التُّقَى … نشَرْتَ من الإحْسان ما كان مَطْوِيَّا قضَى اللهُ أنْ صَفَّى (c) لهَارُون مُلْكَهُ … وكان قَضَاءُ اللهِ في الخَلْقِ مَقْضيًّا تحَلَّبَتِ (d) الدُّنْيا لهَارُونَ بالرِّضَا … وأصْبَحَ نَقَفُورٌ لهَارُونَ ذِمِّيَا فرجَع الرَّشِيْدُ عندما أعطَاهُ نَقَفُور إلى الرّقَّة، فلمَّا سقَطَ الثَّلْجُ، وأمِنَ نَقَفُورُ أنْ يُغْزَى، وتمكَّن بالمُهْلَةِ من التَّدْبِير نقَضَ ما كان بينه وبين الرَّشِيْدِ، ورجَع إلى حَالته الأُوْلَى، فلم يَجْتَرِ يَحْيَى بن خَالِدٍ، فَضْلًا عن غيره، على إخْبَارِ الرَّشِيْدِ بذلك، فبذَلَ هو وبنُوه للشُّعَراءِ الأمْوَالَ على أنْ يقُولُوا أشْعَارًا في إعْلَامِ الرَّشِيْدِ بغَدْر نَقَفُور، فكُلّهم كَاعَ وأشْفَق إلَّا شَاعِرًا من أَهْل جُدَّةَ (e) يُكْنَى أبا مُحَمَّد عَبْدُ الله بن يُوسُف، كان مُجِيْدًا جَيِّدَ النَّفَسِ، قَوِيَّ الشِّعْر، فاخْتَصَّهُ ذُو اليَمِيْنَين في أيَّام

стр. 2190

المَأْمُون، ورفَع قَدْرَهُ جدًّا، فإنَّهُ أخَذَ مائة ألفٍ، وأُدْخِل إلى الرَّشِيْدِ فأنْشَدَهُ (١): [من الكامل] نقَضَ الّذي أعطيتَهُ نَقَفُور … فعليهِ دَائِرَةُ البَوارِ تَدُورُ أبْشِرْ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن فإنَّهُ … فَتْحٌ (a) أتَاكَ بهِ الإلَهُ كَبِيرُ فَتْحٌ يَزِيدُ على الفُتُوح تَأَمُّنًا … بالنَّصْر فيهِ لوَاؤُكَ المَنْصُور فلَقَدْ تَباشَرَتِ الرَّعِيَّةُ أنْ أتَى … بالنَّقْضِ عنهُ وَافِدٌ وبَشِيرُ ورَجَتْ بيُمْنكَ (b) أنْ تُعَجَّلَ غَزْوَةً … تَشْفي النُّفُوسَ نَكَالُها (c) مَذْكُور أعْطَاكَ جِزْيَتَهُ وطَأْطَأ خَدَّهُ … حَذَرَ الصَّوَارِم والرَّدَى مَحْذُور فأجَرْتَهُ من وَقْعها وكأنَّها … من حَرِّهَا (٤) شُعَلُ الضّرامِ تَطِيرُ وصرَفْت بالطَّوْل العَسَاكِر قافِلًا … عنه وجارُكَ آمِنٌ مسْرُورُ نَقَفُورُ إنَّكَ حين تَغْدِرُ إنْ نأَى … عنكَ الإمَامُ لجَاهِل مَغْرُورُ أَظَنَنْتَ حينَ غَدَرْتَ أنَّكَ مُفْلِتٌ … هبلَتْكَ أُمُّكَ ما ظَنَنْتَ مَغْرُورُ ألْقَاكَ حَيْنُكَ في زَوَاخر (e) بَحْرهِ … فَطَمَتْ عليكَ من الإمَام بُحُورُ إنَّ الإمَامَ على اقْتِسَارك قَادِرٌ … قَرُبَتْ دِيَاركَ أو نَأتْ بكَ دُوْرُ ليسَ الإمَامُ وإنْ غَفَلْنا غَافِلًا … عمَّا يَسُورُ (f) لحَزْمِهِ ويُدِيرُ مَلِكٌ تجَرَّدَ للجِهَادِ بنَفْسِهِ … فعَدُوُّهُ أبَدًا بهِ مَقْهُورُ يا مَنْ يُريدُ رِضَى الإلَهِ بسَعْيهِ … واللهُ لا يَخْفَى عليهِ كَيْرُ لا نُصْحَ يَنْفَعُ مَن يَغُشُّ إمَامَهُ … والنُّصْحُ من نُصَحائهِ مَشْكُور

стр. 2191

نُصْحُ الإمَام على الأنَام فَرِيْضَةٌ … ولأهْلهِ (a) كَفَّارَةٌ وطَهُورُ فلمَّا أنْشَدَهُ قال الرَّشِيْد: أوقَدْ فَعَل؟ وعَلمَ أنَّ الوُزَرَاء احْتَالُوا في ذلك، فغَزَاهُ في بَقِيَّةِ الثَّلْج، فافْتَتَح هِرَقْلَة في ذلك الوَقْتِ، فقال أبو العَتَاهِيَةِ (١): [من الوافر] ألَا نَادَتْ هِرَقْلَة بالخَرَابِ … من المَلِكِ المُوَفَّق للصَّوَابِ غَدَا هَارُون يُرْعِدُ بالمَنَايا … وببرِقُ بالمُذكَّرَة القِضَابِ (b) وغَايَاتٍ (c) يَحُلّ النَّصْرُ فيها … تَمُرُّ كأنَّها مَرُّ (d) السَّحَابِ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن ظَفِرْتَ فاسْلَمْ … وأَبشرْ بالغَنِيْمَة والإيَابِ قال: أراد قول امْرِئ القَيْس (٢): [من الوافر] وقَدْ طوَّفتُ في الآفاق حتَّى … رَضيْتُ من الغَنِيْمَة بالإيابِ أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْس، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن عليّ (٣)، قال: حَدَّثَني عُبَيْدُ الله بنُ أبي الفَتْح، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن إبْراهيم بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن عبدِ الرَّحْمن السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي سَعْد الوَرَّاقُ، قال: حَدَّثَني عليُّ بنُ الحَسَن بن عُبَيْد الشَّيْبَانِيّ، قال: حَدَّثَني هَارُون بن سَعْدَان، قال: كُنْتُ جالِسًا مع أبي نُوَاسٍ في بَعْضِ طُرُق بَغْدَادَ، وجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ به وهو مَمْدُودُ الرِّجل بين بني هاشِم وفِتْيانِهم، والقُوَّادِ وأبْنائهم، ووُجُوهِ أهْل بَغْدَاد، فكُلّ يُسَلِّم عليه، فلا يَقُومُ إلى أحدٍ منهم، ولا يَقْبِضُ رِجْلَهُ إليه، إذ أَقْبلَ شَيْخٌ رَاكبًا على حِمَارٍ مَرِيْسيّ، وعليه ثَوْبَان دَبِيْقِيَّان؛ قَيْض ورِدَاءٌ قد تَقَنَّعَ بهِ، وردَّهُ على أُذُنَيْه، فوَثَبَ إليه أبو نُوَاسٍ،

стр. 2192

وأمْسَكَ الشَّيْخُ عليه حمَارَهُ، واعْتَنَقَا، وجَعَل أبو نُوَاس يُحَادِثُهُ وهو قائمٌ على رِجْليهِ، فمكُثا بذلك مَليًّا حتَّى رأيتُ أبا نُوَاس يَرْفَعُ إحْدَى رِجْليهِ ويَضَعُها على الأخرى مُسْتَريحًا من الإعْياء، ثمّ انْصَرَفَ الشَّيْخُ، وأقْبَل أبو نُوَاس فجلسَ في مَكانهِ، فقال له بعضُ (a) مَنْ بالحَضْرة: مَنْ هذا الشَّيْخُ الّذي رأيتُكَ تُعَظِّمُه هذا الإعْظَام، وتُجلُّهُ هذا الإجْلَال؟ فقال: هذا إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِم أبو العَتَاهِيَةِ. فقال له السَّائِلُ: لِمَ أجْلَلْتَهُ هذا الإجْلال، وسَاعةٌ منكَ عند النَّاسِ أكثَرُ منه؟! قال: وَيْحَك، لا تفعَلْ، فواللهِ ما رأَيْتُهُ قَطُّ إلَّا توهَّمتُ أنَّهُ سَمَاوِيٌّ وأنا أرْضِيٌّ!. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، في كِتَابِه إليْنَا من الإسْكَنْدَرِبَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أَبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحمّد بن أحْمَد السِّلَفِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بنُ أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاجُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم المحسِّنُ بن حَمْزَة بن عَبْدِ الله الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن جَعْفَر الدَّيْبُلِي، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَني أبو عليّ مُحَمَّد بن هَمَّام، عن يعْقُوب بن إسْحاق الرُّخَاميِّ، عن أَبِيهِ، قال: كُنْتُ جالِسًا مع أبي نُوَاس على بابِ دَاره بالبَصْرَة، فبَيْنا نحن كذلك إذا أقْبَل شَيْخٌ على حِمَارِهِ، فلمَّا بَصُرَ به أبو نُوَاس قام فتلقَّاهُ، ومَشَى معه يُحَادِثُهُ، وشَيَّعَهُ، ثمّ رجع، فقُلتُ لَهُ: بالله ما رَأب كاليَوْم قَطّ، قال: وما ذاك؟ قُلتُ: أنا جَالِسٌ معَكَ منذُ الغَداة يَمُرُّ بنا طَبَقَاتُ النَّاس من بني هاشِم وغيرهم، ما رأيتُكَ حَفِلْتَ بأحِدٍ منهم، حتَّى أقْبلَ هذا الشَّيْخُ ففَعَلْت به ما رأيْتُ، فقال: أوَما تَعْرفُ هذا؟ هذا أبو العَتَاهِيَة الّذي يَقُولُ (١): [من الطويل] إذا قَلَّ مَالُ المَرْء قَلَّ صَدِيْقُهُ … وضَاق (b) به عمَّا يُريْدُ طَرِيْقُهُ

стр. 2193

وقَصَّرَ طَرْفُ العَيْنِ منهُ كَلَالَةً … وأَسْرَع فيما لا يُحبُّ شَقِيْقُهُ (a) وذَمَّ إليهِ خِدْنُهُ طَعْمَ عُوْدِهِ … وقد كان يَسْتَحْلِيهِ حينَ يَذُوقُهُ أنْبَأْنَا أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عليّ بن حبيش، قال: حَدثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سْحاق الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عبدِ الله الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي شَيْخ، قال: بكَّرْتُ إلى سِكَّةِ ابن نيبُخْت في حَاجة، فرأيْتُ أبا نُوَاس في السِّكَّه، فجلَسْتُ إليهِ، فَمرَّ بنا أبو العَتَاهِيَةِ على حِمَارٍ، فسَلَّم، ثمّ أَوْمَأ برأسِهِ إلى أبي نُوَاس وأنْشأ يقُول (٢): [من الكامل] لا تَرْقُدَنَّ لعَيْنِكَ السَّهَرُ … وانْظُر إلى ما تَصْنعُ العِبَرُ انْظُر إلى عِبَر (b) مُصَرَّفةٍ … إنْ كان ينفعُ عَيْنَكَ النَّظَرُ وإذا سَألْتَ فلم تَجدْ أحَدًا … فسَلِ الزَّمان فعندَهُ الخَبرُ أنْتَ الّذي لا شيءَ تَملِكُه … وأحَقُّ منْكَ بمالكَ القَدَرُ قال: فنَظَر إليَّ (c) أبو نُوَاس، ثمّ قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣). أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الغَسَّانيِّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى أحْمَد بنُ عَبْد الوَاحِد الوَكيلُ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْلُ بن سَعيد المُعَدَّلُ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن القَاسِم الكَوْكَبيِّ، قال: قال لي أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن القَاسِم: أخْبَرَني العُتْبيِّ، قال: رُؤي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة واقفًا بباب الجِسْر، كئيبًا اسِفًا، ينكثُ بسَوْطه في مَعْرفَة دَابَّتِهِ، فقيل

стр. 2194

له: يا أبا السِّمْط، ما الّذي نراهُ (a) بكَ؟ قال: أخبركُم بِالعَجَب، مَدَحْتُ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، فوصَفْتُ له نَاقَتي من خِطَامها إلى خُفَّيْها، ووصفْتُ الفَيَافي من اليَمَامَة إلى بابهِ أرْضًا أرضًا، ورَمْلَةً رَمْلَةً، حتَّى إذا أشْفَيْتُ منه على غِنَى الدَّهْر، جَاء ابنُ بيَّاعَة الفَخَاخِيْر - يعني أبا العَتَاهِيَة - فأنْشَدَهُ بَيْتَيْن، فضَعْضَعَ بهما شِعْري، وسَوَّاهُ في الجَاِئزَة بي! فقيل له: وما البَيْتان؟ فأنْشَدَ (١): [من الكامل] إنَّ المَطَايَا تَشْكيْكَ لأنَّها … تَطْوِي إِليكَ سَبَاسبًا ورِمَالًا فإذا رَحَلْن بنا رحَلْنَ مُخِفَّةً … وإذا رَجعْنَ بنا رجَعْنَ ثقَالا قُلتُ: أخَذَ هذا المَعْنَى من قَوْل النَّبِيِّ ﷺ (٢): لو اتَّكَلتُم على الله حَقَّ التَّوَكُّل لرَزَقَكُم كما يرزقُ الطَّيْر، تَغْدو خِمَاصًا وتعُودُ بِطَانًا. نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن هاشم الخالِديّ، وحدَّثنا الصُّدَائيّ، عن المُبَرَّد، عن علِيّ بن عُمْرُوس الشَّاعِر، عن أشْجَعَ السُّلَمِيِّ، قال: أذنَ المهَدِيّ للشُّعَراءِ، فدَخَلْتُ مع منْ دَخَل، فاتَّفَقَ أنْ جَلَسْتُ إلى جانب بَشَّارٍ، فإنَّا لسكوتٌ إذ سَمِعْنا حِسًّا، فقال لي بَشَّار: مَنْ هذا يا أَشْجَعُ؟ قلتُ: أبو العَتَاهِيَة، فقال: أتُرَى تَحملُه قَحِتُهُ (٣) وجَهْلُهُ على أنْ يُنشِدَ في مثل هذا المَحْفِل شِعْرًا؟! قلتُ: لا عِلْم لي، إذ

стр. 2195

اسْتأذنَ في النَّشِيْدِ فأُذِنَ له، فأنْشَدَ (١): [من المتقارب] ألَا ما لسَيِّدَتِي ما لها … أَدَلَّتْ فأحْمِلُ (a) إدْلَالَهَا قال: فنَخَسَنِي بَشَّار ثمّ قال: أمَّا ترى ما أَجْبَس (٢) هذا الجَاهِل، يُنْشِد هذا الشِّعْر الرَّكِيْكَ في مثل هذا المَحْفِل العَظيم، فلمَّا بَلغَ إلى قَوْلِهِ (٣): [من المتقارب] أتَتْهُ الخِلَافَةُ مُنْقَادَةً … إليهِ تُجَرِّرُ أذْيَالَهَا فلم تكُ تَصْلُح إلّا ولَهُ … ولم يَكُ يَصْلُحُ إلَّا لها ولو رَامها أحَدٌ غَيْرُهُ … لَزلزِلَت الأرض زِلْزَالها ولو لم تُطِعْهُ بَنَاتُ النُّفُوسِ (b) … لَمَا قَبِلَ اللهُ أعْمَالَهَا فقال لي بَشَّارٌ: وَيْحَك يا أَشْجعُ، انْظُر هل طارَ أَمِيرُ المُؤْمنِيْن عن سرِيره سرُورًا؟! قال: فلا والله ما أخذَ أحدٌ من الشُّعَراء في اليَوْم جَائِزَة أسْنَى من جَائِزَتهِ. أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (٤)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحُسَين صاحبُ العبَّاسيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الرَّازِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن القَاسِم الكَوْكَبيِّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي سَعْد، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن عبد الرَّحْمن بن مُعاوِيَة المُهَلَّبيّ، قال: حَدَّثَني أبو تَمَّام، قال: يُكْتَبُ من شِعْر أبي

стр. 2196

العَتَاهِيَة خَمْسةُ أبيات، فإنَّ أحدًا لم يشركهُ فيها، ولا تهيَّأ لأحدٍ مثْلَهَا، قَوْله (١): [من مجزوء الكامل] النَّاسُ في غَفَلَاتِهمْ … ورَحى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ والّذي قال في أحْمَدَ بن يوسُفَ (٢): [من الطويل] ألَم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى لهُ الغِنَى … وأنَّ الغِنَى يُخْشَى عليهِ من الفَقْرِ وقوله في مُوسَى أَمِير المؤمنِيْن (٣): [من المتقارب] ولمَّا اسْتَقَلُّوا بأثْقَالِهم … وقد أزْمَعُوا بالّذي أزمَعُوا قَرَنْتُ الْتِفَاتي بآثَارِهمْ … وأَتْبَعْتُهُم مُقْلَةً تَدْمَعُ وقَوْله (٤): [من الوافر] هَب الدُّنْيا تُسَاقُ إليكَ عَفْوًا … أليسَ مَصيرُ ذاكَ إلى زَوَال وقال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (٥)، قال: أخْبَرَني عليّ بن أيُّوبَ القُمِّيِّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، عن مُحَمَّد بن يَزِيد النَّحْوِيّ، قال: لا أعْلَمُ شَيئًا منِ (a) غَزَل أبي العَتَاهِيَة ومَدِيْحه يَخْلُو من صَنْعَةٍ، ورُبَّما كانت من القَصِيدَة في مَوضِعَيْن، فمن شِعْره الّذي كان يُسْتَطْرَفُ قَوْلهُ (٦): [من مجزوء الرمل] آه من غَمِّي وكَرْبي … آه من شِدَّة حُبِّي

стр. 2197

ما أشَدَّ الحُبّ يا سُبْـ … ـحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي ولقد قلتُ وجَمْرُ الـ … ـحُبّ قد أقْرَحَ قَلْبي يا بَلَائي من غَزَالٍ … قد سَبَا قَلْبي ولُبِّي لم أنَل منهُ نَوَالًا … غيرَ أَنْ كدَّر شِرْبي أنْتَ ممَّن خَلَقَ الرَّحْـ … ـمَن من ذا الخَلْقِ حَسْبي قال: ومن مَلِيْح أشْعَاره قَوْلهُ (١): [من الكامل] مَنْ لم يَذُق لصَبَابةٍ طَعْمًا … فلقد أحَطْتُ بطَعْمها عِلْمَا إنِّي منَحْتُ موَدَّتي سكَنًا … فرأيتُهُ قد عَدَّهَا جُرْمَا يا عُتْب ما أنا عن صَنِيْعِكِ بي … أعْمَى ولكنَّ الهَوَى أعْمَى واللَّهِ ما أَبْقَيْتِ من جَسَدِي … لَحْمًا ولا أَبْقَيْتِ لي عَظْمَا إنَّ الّذي لم يدر ما كَلَفِي … لَيَرَى على وَجْهى بهِ وَسْمَا قال: ومن شِعْره المُخْتَار قَولُه (٢): [من الكامل] يا عُتْب هَجْرُكِ مُوْرث الأدْوَاءِ … والهَجْرُ ليسَ لوُدِّنَا بجَزَاءِ يا صَاحِي لقد لقيْتُ من الهَوَى … جهْدًا وكُلّ مَذَلَّة وعَنَاءِ عَلِقِ الفُؤَادُ بُحبِّها من شِقْوتي … والحُبُّ دَاعِيَةٌ لكُلِّ بَلَاءِ إنِّي لأرْجُوها (a) وأحْذَرُها فقَد … أصبَحْتُ بينَ مَخَافةٍ ورَجَاءِ بَخِلَتْ عليَّ بوُدِّهَا وصَفَائِها … ومَنَحْتُها وُدِّي ومَحْضَ صَفَائِي فتخالَفَ الأهْوَاءُ فيما بَيْنَنا … والمَوْتُ عند تخالفِ الأهْوَاءِ نَقَلْتُ من أخْبار أبي العَتَاهِيَة في كتاب المُسْتَنِيْر للمَرْزُبَانِيّ: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن

стр. 2198

يَحْيَى (١)، قال: حَدَّثَنَا عَوْن بن مُحَمَّد الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن النَّضْر كاتبُ غَسَّان بن عَبَّاد (٢)، قال: أُخْرِجْتُ رَسُولًا إلى عَبْد اللَّه بن طَاهِرٍ، وهو يُريد مِصْرَ، فنَزَلتُ على العَتَّابِيّ، وكان لي صَدِيْقًا، فقال: أنْشدْني لشَاعِر العِرَاق، يعني أبا نُوَاس، وكان قد ماتَ، فأَنْشدْتُه ما أحْفَظُ من مُلَحِه، وقُلتُ له: ظَنَنْتُكَ تَقُولُ: أنْشدني لأبي العَتَاهِيَةِ؟ فقال: لو أرَدتُ هذا لقُلتُ: أنْشدني لأشْعَر النَّاس، ولم أَقْتَصر على العِرَاق. وقال: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بنُ مُوسَى، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن بِشْرٍ الحَلَبيِّ أبو طَاهِر، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن مُحَمَّد بُرَيْه (a) الهاشِميّ، قال: حَدَّثَني السِّدْرِيّ، قال: سَمِعْتُ الأصْمَعِيِّ يَقول: شِعْرُ أبي العَتَاهِيَة مثل كُسَاحَةِ المُلُوك يقَعُ فيه الجَوْهَرُ والذَّهَبُ. أخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهَاشِميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد التَّمِيْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن إبْراهيم الطَّرَازِيّ بأصْبَهَان، قال: أنْبَأنَا أحْمَدُ بن مَهْدِي السَّلَامِيِّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن أبي القَاسِم الأزْرَقُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن زِيَاد النَّقَّاش أنَّ أحْمَد بن يَحْيَى بن زَيْد أخْبَرَهم، قال: أتَى أبا العَتَاهِيَة بعضُ إخْوانِه فقال له: أَعِرْنِي دَفْتَر كَذَا وكذا، فقال: إنِّي أكْرَهُ ذاكَ، فقال له: أمَا عَلِمْتَ أنَّ المَكَارِم مَوْصُولةٌ بالمَكَارِه، فدَفع إليهِ الدَّفْتَر. أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن رُسْتُم بن كَيْلَان شَاه الدَّيْلَمِيّ بالبيت المُقَدَّس،

стр. 2199

قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن هِبَةِ اللَّه بن يَحْيَى، المَعْرُوفُ بابنِ البُوْقِيّ الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثَنَا وَالدِي أبو جَعْفَر هِبَةُ اللَّه، قال: قُرئ على أبي طَاهِر بَرَكَة بن حَسَّان الحَوْزِيّ (a)، وأنا حاضِرُ أسْمَعُ، فأقَرَّ بهِ؛ قيل له: أخْبَركُم أبو مَنْصُور زَيْد بن طَاهِر اللَّالكيّ (١)، قَدِمَ عليكُم، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليُّ بن عُمَر بن بِلَال بن عَبْدَان، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عُمَرُ بن مُحَمَّد بن سَيْف، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن النُّوبيّ (b)، قال: حَدَّثَني أبو العبَّاسِ الّذي يُكَثِّر (٢) لهَارُون الرَّشِيْدِ، قال: بَعَثَ الرَّشِيْدُ إلى أبي العَتَاهِيَة، وهو بالرَّقَّة، فأحضَرَهُ، قال: مَنْ أمَرَكَ بقَطِع القَوْل في الزُّهْدِ؟ عُدْ إلى القَوْل فيما كُنْتَ تقُول. فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قد قلْتَ وما سَمِعْتَ منِّي، فإنْ اسْتَحْسَنْتهُ وأمَرْتَني بالقَوْل في مثْله فعَلْتُ، وإلَّا رجَعْتُ إلى ما كُنْت أَقُول، فقال: قُلْ، فقال: وأنا خَلْف القُبَّةِ (c): [من الخفيف] قُلْ لأهْلِ القُبُور: كيفَ وجَدْتُم … طَعْمَ مُرّ البِلَى وثقْلَ التُّرابِ في بُيُوتٍ سقُوفُها اللَّبِنُ فيها … أسْكنُ المَوْتُ جَوْفَها أحْبَابي وأتَاهَا البِلَى فمرَّ عليها … فأبَتْ أنْ تُسِيْغ رَدّ الجَوَابِ أَكَل الدُّودُ من وُجُوهٍ حسَانٍ … لم تَزَلْ في غضَارة وشَبَابِ بَدَّد المَوْتُ شَمْلَهُم فتَنَادوا … بنَزَالٍ إلى بُيُوتٍ خَرَابِ فلَهُ الحَمْدُ إذ قضَاهُ علينا … مُنْزلُ القَطْر من مُتُون السَّحَابِ

стр. 2200

فلمَّا بلَغَ أبو العَتَاهِيَة إلى قَوْله: أَكَل الدُّودُ من وُجُوهٍ حسَانٍ بَكَى هَارُون الرَّشِيْد، وقال له لمَّا فَرَغ منها: قُل في هذا المَعْنَى. قال: وكُنَّا رُؤسَاءَ المُكَثِّرين ثلاثةً، فأمَرَ لنا بعَشَرة آلاف دِرْهَم، فلم نَزَل نُكَثِّر بهذه الأبْيَاتِ حَوْلَ قُبَّتِه طُول لَيْلَتهِ. وذكَرَ أبو عُبَيد اللَّه (a) المَرْزُبانيّ فيما قرأتُه في كتاب المُسْتَنِيْر، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ الحَكِيمِيّ، ومُحَمَّد بن يَحْيَى، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى البَرْبَرِيُّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن صالح العَدَوِيّ، قال: أخْبرَني أبو العَتَاهيَة، قال: كان الرَّشِيْدُ يُعْجبُه غِنَاءُ المَلَّاحِيْن في الزَّلَّالَات إذا رَكِبها، وكان يَتَأذَّى بفَسَاد كَلَامِهم، وكَثْرة لَحْنهم، واسْتِحالَة مَعَاني ألْفَاظِهم، فقال يَوْمًا لعِيسَى بن جَعْفَر وجَمَاعَة من نُدَمائهِ: قُولوا لمَن معنا يَعْمَلُ شِعْرًا لهؤلاء الملَّاحِيْن حتَّى يَحْفظُوه، ويترنَّموا به ويُريحوني من هذا الّذي أَسْمَعُه منهمِ، فقيل له: ليس أحَدُ أحْذَق بهذا ولا أقْدَر عليه، وعلى ما أشْبَهَهُ من أبي العَتَاهِية، وكان الرَّشِيْدُ قد حَبَسَنِي وقال: لا أُطْلقُكَ أو تَقُول شِعْرًا في الغَزَل، وتُعاودُ ما كُنْتَ عليه، فبَعَثَ إليَّ وأنا في الحَبْس يأمرني أنْ أقول شِعْرًا للملَّاحِيْنَ، ولم يأمُر بإطْلاقِي، فغَاظَني ذلك، وقُلتُ: واللَّه لأقُولنَّ شِعْرًا يَحْزَن به ولا يَسُرُّه، فعَمِلتُ شِعرًا ودفَعتُه إلى مَنْ حَفَّظَهُ الملَّاحِيْن، فلمَّا رَكِبَ الحَرَّاقَة انْدفعَ الملَّاحُون يُغَنُّون (١): [من مجزوء الرمل] خَانَكَ الطَّرْفُ الطَّمُوحُ … أيُّها القَلْبُ الجَمُوحُ لدَوَاعِيِ الخَيْر والشَّـ ....

стр. 2201

هل لمَطْلُوبٍ بذَنْبٍ … تَوْبة منهُ نَصُوحُ كيفَ إصْلَاحُ قُلُوبٍ … إنَّما هُنَّ قرُوحُ أَحْسَنَ اللَّهُ بنا … أَنَّ الخَطَايا لا تَفُوحُ فإذا المَسْتُورُ منَّا … بين ثَوْبَيْهِ فُضُوحُ كم رأينا من عَزِيْزٍ … طُوِيَتْ عنه الكُشُوحُ صَاحَ منهُ برَحيلٍ … صَائِحُ الدَّهْر الصَّيُوحُ (a) مَوْتُ بعضِ النَّاسِ في … الأرْض على قَوْم (b) فُتُوحُ سيَصِيْرُ المَرْءُ يَوْمًا … جَسَدًا ما فيه رُوْحُ بَيْنَ عَيْني كُلّ حَيٍّ … عَلَمُ الدَّهْرِ (c) يَلُوحُ كُلُّنا في غَفْلَةٍ والـ … ــمَوْتُ يَغْدُو ويَرُوحُ لبني الدُّنْيا من الدُّنْـ …

стр. 2202

الكَريم بن مُحَمَّد، قال: سْمِعْتُ عَبْد اللَّه بن عُمَر -يعني الإصطَخْرِيّ- يَقُول: سَمِعْتُ أبا طَاهِر الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ الكَريم بن عَبْدِ الوَاحِد بن مُحَمَّد، أبا طَاهِر الصُّوْفيّ، يَقُول: سَمِعْتُ أبا الفَتْح مُحَمَّدَ بن أحْمَدَ بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن النُّعْمان النَّحْوِيّ الأنْبارِيّ، قال: سَمِعْتُ أبي أبا بَكْر أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أبي أبا جَعْفَر مُحَمَّد يَقُول: سَمعْتُ أبي أبا الحَسَن عليّ يَقُول: سَمِعْتُ أبي أبا سَعيد مُحَمَّدَ بن النُّعْمان يَقُول: أنْشَدَني أَبو العَتَاهِيَة لنَفْسِه (١): [من البسيط] الخَيْرُ والشَّرُّ مُزْدَادٌ ومُنْتَقصٌ … فالخَيْرُ مُنْتقصٌ والشَّرُّ مُزْدَادُ فما أُسَائِل عن قَوْم صَحبْتُهم … ذَوي مَحَاسِنَ إلَّا قيل: قد بَادُوا ولا أُسَائِل عن قَوْم عرفْتُهم … ذوي مَسَاوِيَ إلَّا قيل: قد زَادُوا (a) فالخَيْرُ ليسَ بمَوْلُود له وَلَدٌ … لكن له من بَنَاتِ الشَّرِّ أوْلَادُ أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم بن سَلمان الإرْبِلِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج بن الإِبَرِيّ، قالت (b): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الحُسَينُ بن أحْمَد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عُبيدِ اللَّه بن مُحَمَّد بن يُوسُف الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمانُ بن أحْمَد بن السَّمَّاكِ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن الخُتَّلِيّ، قال: حدَّثني سُليْمانُ بن أبي شَيْخ أبو أيُّوبَ، قال: أنْشَدَني أبو العَتَاهِيَة (٢): [من الطويل] نُنافسُ في الدُّنْيا ونحنُ نَعِيْبُها … لقد حذرَتْناها لعَمْرِي خُطُوبُها وما نَحْسِبُ السَّاعَاتِ تُقْطَعُ مُدَّةً … على أنَّها فينا سَرِيعُ دَبِيْبُها

стр. 2203

كأنِّي برَهْطِي يَحْمِلُونَ جِنَازَتي … إلى حُفْرةٍ يُحْثَى عليَّ كَثِيْبُها فكم ثَمَّ منِ مُسْترجعٍ مُتَوَجِّعٍ … وباكيةٍ يَعْلُو عليَّ نَحِيْبُها ودَاعيَةٍ حَرَّى تُنَادى وإنَّني … لفي غَفْلَةٍ عن صَوْتها لا (a) أُجِيْبُها وإنِّي لمَمَّن (b) يَكْرَهُ المَوْتَ والبِلَي … ويُعْجِبُه ريْحُ (c) الحَيَاةِ وطِيْبُها أيا هَادِمَ اللَّذَّاتِ ما منْك مَهْرَبٌ … تُحاذِرُ منك النَّفْسُ (d) ما سيُصِيْبُها رأَيْتُ المَنَايا قُسِّمَتْ بين أنْفُسٍ … ونَفْسي (e) سيأتي بعْدَهنّ نَصِيْبُها قال أبو القَاسِم بن سُنَيْن: وأنْشَدَني -يعني مُحمَّد بن مَزْيَد- لأبي العَتَاهِيَة (١): [من السريع] قد نغَّصَ المَوْتُ عليَّ الحَيَاه … إذ لا أرَى منه لحيّ نَجَاهْ مَنْ جَاوَر المَوْتى فقد أبْعَد الدَّار … وقد جاوَرَ قَوْمًا جُفَاه ما أبْيَنَ الأمرَ ولكنَّني … أرَى جميعَ النَّاسِ عنهُ عُمَاه لو عَلمِ الأحياء ما عاينَ المَـ …

стр. 2204

ومَنْ ذَا الّذي يَنْجو من النَّاسِ سَالمًا … وللنَّاسِ قالٌ بالظُّنُونِ وقِيْلُ وقال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى أحْمَدُ بن عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَجِ المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ (١)، قال: حَدَّثَنا الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن الضَّحَّاكِ، قال: رأيْتُ النَّاسَ في النَّفْرِ وقد اجْتَمَعُوا علىٍ رَجُلٍ وهو يُنْشد، فدَنَوْتُ، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ فقيل: أبو العَتَاهِيَة، وهو يُنْشِد (٢): [من الهزج] أجَابَ اللَّهُ دَاعيْكِ … وعَادَى مَنْ يُعَادِيكِ كأنَّ الشَّمْسَ والبَدْرَ … جَمِيعًا (a) في تراقيْكِ وفي فيك جَنيّ النَّحْـ …

стр. 2205

الرَّحْمن بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بنُ بَيَان الرَّزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن عليّ بن الصَّقْر، قال: حَدّثَنَا أبو الحَسَن شَاكِر بن عَبْدِ اللَّه المِصِّيْصيُّ القَارِئُ، قال: حَدَّثَنَا عِمْرانُ بن مُوسَى، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن الحَسَن العَوْفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا العَتَاهِيَة يُنْشِدُ هذه الأبْيَات (١): [من الكامل] إنْ كان يُعْجِبُكَ السُّكُوتُ فإنَّهُ … قد كان يُعْجبُ قبْلك الأخْيَارا ولئن نَدمتَ على سكُوتكَ (a) مرَّةً … فلقد نَدِمْتَ على الكَلَام مِرَارَا إنَّ السُّكُوتَ سَلامَةُ ولرُبَّما … زَرَعَ الكَلَامُ عَدَاوَةً وضِرَارَا وإذا تقرَّب خَاسِرٌ من خَاسِرٍ (b) … زادا بذاكَ خَسَارة وَتَبَارَا أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن قُمَيْرَة التَّاجرُ البَغْدَاديّ قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتبِة شُهْدَةُ بنت ابن (c) الإِبَرِيّ قالت: أخْبَرَنا طَرَّادُ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بنُ صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَني الحُسَين بن عبدِ الرَّحْمن، قال: كَتَبَ بَكْرُ بن المُعتَمِر إلى أبي العَتَاهِيَة من السِّجْن يَشْكُو إليه طُول السِّجْن (d) وشِدَّةَ الغَمّ، فكتَبَ إليه (٣): [من مجزوء الوافر] هي الأيَّامُ والعِبَرُ (e) … وأَمْرُ اللَّه يُنْتَظَرُ أتَيأَسُ (f) أنْ تَرَى فَرجًا … وأينَ اللَّهُ والقَدَرُ أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، وعَبْدُ السَّلام بن

стр. 2206

المُطَهَّر بن أبي سَعْد بن أبي عُصْرُون، وأبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن عُبَيْد (a) بن سَوَّار المِصْرِيّ، وأبو إسْحاق إبْراهيمُ بن عُثْمان بن عليّ الحَنَفِيّ قالوا: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي عُصْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن المُظَفَّر الشَّهْرَزُورِىّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِدٍ أحْمَدُ بن مُحَمَّد الشُّجَاعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن اللَّيْثُ بن الحَسَن بن اللَّيْثِ بسَرْخَس، قال: أخْبَرَني عليُّ بن الفَضْل بن مُحَمَّد ببَغْدَاد أنَّ أبا العَتَاهِيَة كَتَبَ إلى بَعْضِ إخْوَانهِ (١): [من الطويل] صَدِيْقِي مَنْ يُقَاسِمُنِي هُمُوي … ويَرْمِي بالعَدَاوَةِ مَنْ رَمَانِي ويَحْفَظُني إذا ما غِبْتُ عنهُ … وأَرْجُوه لنَائِبَةِ الزَّمانِ أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عليّ بن الخَضِر القُرَشِيّ، قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَات بن عبد الرَّحْمن القَزَّاز، والكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج، ح. وأخْبَرَنا أبو البَقَاء يَعِيْشُ بنُ عليّ بن يَعِيْش، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيُّ، قالوا: أَخْبْرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ المَلِك بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن إبْراهمِ بن عليّ (b) الكِنْدِيّ، قال: أنْشَدَنا (c) أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن جَعْفَر بن سَهْل الخَرَائِطِيّ (٢)، قال: أنْشَدَني أَبو عَبْدِ اللَّه المَارَسْتَانِيّ لأبي العَتَاهِيَةِ (٣): [من الكامل] النَّاسُ يَخْدَعُ بعضُهُم بَعْضًا … مَحَضُوا التَّخَادُعَ بينهم مَحْضَا فلَقَلَّ ما تلْقَى بها أحَدًا … مُتَنَزِّهًا يَحْمي له عِرْضَا

стр. 2207

إلْبَسْ جميعَ النَّاس مُحْتَملًا … للعَالَمينَ وكُنْ لهم أَرْضَا فلئن غَضِبْتَ لكُلِّ حَادِثَةٍ … تُرْمي بها فلقَلَّ ما تَرْضَى أخْبَرَنا أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْلُ بن عَبْدِ القَوِيّ بن أبي العِزّ بن عَزُّون بالقَاهِرَة، وأبو مُحَمَّد يُونُس بن خَلِيل بن عَبْدِ اللَّه بحَلَب، قالا: أخْبَرَنا أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن صالح بن يَاسِيْن، قال (a): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الرَّازِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد (b) الهَمَذَانيّ بمِصْر، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ النَّحْوِيّ بالرَّمْلَةِ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: أنْشَدَني إبْراهيمُ بن السَّرِيّ الزَّجَّاجُ لأبي العَتَاهِيَة (١): [من مجزوء الكامل] اصْبر لدَهْرٍ نالَ منْكَ … فهكذا مَضَتِ الدُّهُورُ فَرَحٌ وحُزْنٌ مرَّةً … لا الحُزْن دَامَ ولا السُّرُورُ أخْبَرَنا عَتِيقُ بن أبي الفَضْل بن سَلامَة السَّلَمَانِيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٢)، ح. وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليُّ بن إبْراهيم النَّسِيبُ، قال: أخْبرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن ما شَاءَ اللَّه، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ أحْمَدُ بن مَرْوَان المالِكِيّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُوسَى بن حَمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مَنْصُور البَغْدَاديّ، قال: لمَّا حَبَسَ أَمِيرُ المُؤْمنِيْن الرَّشِيْدُ أبا العَتَاهِيَةِ، جَعَل عليه عَيْنًا له يأتيهِ بما يقُول، فوجَدهُ يَوْمًا

стр. 2208

وقد كتَبَ على الحَائط (١): [من الوافر] أمَا واللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُوْمُ … وما زَالَ المُسِيئَ هو الظَّلُومُ إلى دَيَّان يَوْمِ الدِّين نمضِي … وعندَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ قال: فأُخْبِرَ بذلك الرَّشِيْد فبَكَى، ودَعَا به، فاسْتَحَلَّهُ ووَهَبَ له ألفَ دِيْنار. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ كتابةً، عن أبي مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد اللَّه مُحمّد بن عِمْران بن مُوسَى المَرْزُبانيّ -إجَازَةً كَتَبَها لي سَنَة أرْبَعِ وثَمانين وثَلاثمائة- قال: أخْبَرَني عَبْدُ اللَّه بن يَحْيَى، قال: حدَّثنا مُحمّد بن خَلَف، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن الحَسَن، قال: أَتينا بَقِيَّةَ بن الوَلِيد ومَعَنا أبو العَتَاهِيَة، فانْقَبض بَقِيَّةُ ولم يُحَدِّث، فقال له أبو العَتَاهِيَة: بلَغَني رحمكَ اللَّهُ أنَّ لكُلِّ شَيءٍ دَسمًا، ودَسَمُ العُلَمَاء البَشَاشَة والطَّلَاقَة، فانْبَسَط، وسَألناهُ أنْ يُحَدِّثَ فأبَى، فقال أبو العَتَاهِيَة: إنَّ لكُلِّ شيءٍ زَكَاةً وزَكَاةُ العُلَمَاء الفَوَائِد، قال: فحدَّث.

стр. 2209

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوفِيقِي أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَدَ بن الفَرَج، قالت (a): أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه الحُسَين بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد ابن عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبوِ عَمْرو بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مَزْيَد، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ (b) بن أبي سُكَيْنَة، قال: أتَى أبو العَتَاهِيَة بابَ أحْمَد بن يُوسُف، فأخْبَره الحَاجِبُ أنَّهُ نائم، فمكُث ساعةً ثمّ دَعَا بدَوَاةٍ وقِرْطاسٍ، فكتَبَ هذا البَيْت، ثمّ قال للحَاجِب: إذا انْتَبه فادْفَع إليه هذه الرُّقْعَة (١): [من الطويل] ألَم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى له الغِنَى … وأنَّ الغِنَى يُخْشَى عليه من الفَقْرِ قال ابن سُنَيْن: أنْشَدَني مُحَمَّد بن مَزْيَد لأبي العَتَاهِيَةِ (٢): [من الكامل] للَّه ما وَارَى التُّرابُ من الأُلَى … كانُوا الكِرَام هُمُ إذا نُسِبَ (c) الكِرَامْ أفْنَاهُمُ مَن لم يَزل يُفْنِي القُرونَ … وللفَنَاءِ وللبِلَى خُلِقَ الأنَامْ يا صَاحِبَيَّ نسِيْتُ دَارَ إقَامَتِي … وعَمَرْتُ دَارًا ليسَ لي فيها مُقَامْ دَار يُرِيْدُ الدَّهْر نُقْلَةَ أهْلِها … وكأنَّهُم عمَّا يُرِيدُ بهم نِيَامْ أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بنُ جَعْفَر بن عَبْدِ اللَّه بن مُحَمَّد بن عليّ بن (d) الدَّامَغَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبي أبو مَنْصُور جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن رِزْمَة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ

стр. 2210

ابن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ -يعني ابن بَكَّار- قال: حَدَّثَني جَعْفَرُ بن الحَسَن اللَّهَبِيّ، قال: دخَل أبو العَتَاهِيَة إلى بعض الهاشِميِّيْن، فبَيْنا هو عندَهُ إذْ أتاهُ خَبَرٌ عن وَكِيْل له يُخْبره باخْتِلَال (a) في ضَيْعَتهِ، فغَمَّهُ ذلك حتَّى تبيَّن الغَمُّ في وَجْهِهِ، فقال أبو العَتَاهِيَةِ (١): [من الكامل] ليَدِ المَنِيَّةِ في تلَمُّسها (b) عن … ذُخْرِ كُلّ شقيقةٍ (c) فَحْصُ وكأنَّ مَنْ وَافَى منيَّتَهُ (d) لم … يَبْقَ (e) منه لنَاظِرٍ شَخْصُ نَبْغي من الدُّنْيا زيادَتَها … وزيادَةُ الدُّنْيا (f) هي النَّقْصُ قال: فأَسْفَر لَوْنُه، وسَكَن مَا بهِ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدِ بن عبد الرَّحْمن الخَطِيب، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ (g) ابن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد المُنْعِم بن عليّ بن بَرَكات، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدَم المَرَاغِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو سَعْد مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الأسَديّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن عُبَيْد اللَّهِ الصَّفّار، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بن مُحَمَّد بن سَيْفٍ، قال: أنْشَدَني أبو جَعْفَر أحْمَدُ بن مُحَمَّد الطَّبَريّ المَعْرُوف بابنِ رُسْتُم النَّحْوِيّ، قال: أنْشَدَني ابنُ أبي العَتَاهِيَة لأبيهِ (٢): [من البسيط] مَا مِن صَدِيْق وإنْ تَمَّتْ مَودَّتُهُ … يَوْمًا بأبْلَغَ في الحَاجَاتِ من طَبَقِ
следующие страницы →