فقد أَمْسَى صَلَاحُ أبي عليٍّ … لأهْلِ الأرْض كُلِّهم (a) صَلَاحَا
إذا ما المَوْتُ أخْطَأهُ فلَسْنا … نُبَالي المَوْتَ حيثُ غَدَا ورَاحَا
قال: وحَدَّثَنَا الصُّوْلِيُّ (١)، أظنُّهُ قال: حَدَّثَني حُسَين بن فَهْم، عن أَبِيهِ، قال: كَتَبَ أَشْجَعُ بن عَمْرو السُّلَمِيّ إلى الرَّشِيْد في يَوْم عِيْدٍ (٢): [من البسيط]
لا زلْتَ تَنْشُر أعْيَادًا وتَطْويها … تمضي بها لكَ أيَّامٌ وتَبْنِيها (b)
مُستقبلًا جِدَّة (c) الدُّنْيا وبَهْجَتها … أيَّامُها لكَ نَظْمٌ في لَيالِيها
والعِيْدُ والعِيْدُ والأيَّامُ بينهما … مَوْصُولَةٌ لكَ لا تَفْنَى وتُفْنِيْهَا
ولا تَقضَّتْ بكَ الدُّنْيا ولا بَرحَتْ … تَطوي لكَ الدَّهْرَ أيَّامٌ وتَطْويها
وقال رَشَاء: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن مُعَاذ، قال: حَدَّثَني أبو عَبْد اللَّه مَحْمُود بن عليّ القزوِينيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عَبْد اللَّه لأَشْجَع بن عَمْرو السُّلَمِيّ (٣): [من الهزج]
هي الشَّمْس الّتي تَطْلُـ … ـعُ بينَ الثَّغْرِ والعِقْدِ (d)
كأنَّ الشَّمْس لمَّا طَـ …
стр. 2312
الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن الفَضْل بن المَأْمُون، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِمِ بن بشَّار الأنْبارِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي لأَشْجَعَ بن عَمْرو السُّلَمِيّ يَمْدَحُ جَعْفَر ابن يحْيَى بن خَالِدٍ البَرْمَكِيّ (١): [من المتقارب]
أتَصْبِر يا قَلْبُ أم تَجْزَعَ … فإنَّ الدِّيَارَ غَدًا بَلْقَعُ
غَدًا يتَفرَّقُ أهْلُ الهَوَى … ويَكْثُر باكٍ ومُسْتَرجعُ
وتَخْتلفُ الدَّار بالظَّاعِنين … فُنُونًا تشتُ ولا تجمَعُ (a)
وتَفْنَى الطُّلُولُ ويَبْقَى الهَوَى … ويصنَعُ ذو الشَّوْقِ ما يصنَعُ
فها أنْتَ تبكي وهُمْ جيرَةٌ (b) … فكيفَ تكون إذا ودَّعُوا
وراحَت بهم أو غَدَتْ أينُقٌ … تَخُبّ على الأَيْنِ أو تُوْضِعُ
أيَطْمَعُ في العَيْش بعد الفِرَاق … مُحبٌّ لعمرُكَ ما يَطْمَعُ
هُنالك يُقْطَعُ مَنْ يَشْتَهي الـ …
стр. 2313
يُجَاذِبُه بالحِجَاز الهَوَى … إذا اشْتَمَلَتْ فَوْقَهُ الأَضْلُعُ
ولا يَسْتَطِيْعُ الفَتَى سُتْرَةً … إذا جَعَلَتْ عيْنُه تَدْمَعُ
لقد زَادَنِي طَرَبًا بالعِرَاق … بَوَارقُ غَوْرِيةٌ تَلْمَعُ
إذا قُلْتُ قد هَدَأَتْ عَارَضَتْ … بأبْيَضَ ذي رَوْنقٍ يَسْطَعُ
ودَوِّيَّةٍ بين أقْطَارها … مَفَاوزُ أَرْضِين لا تُقْطَعُ
يَضَلّ القَطَا بين أرْجَائها … إذا ما سَرَى الفَتَى المصْقعُ
تخَطّيْتُها فَوْقَ عَيْرَانةٍ … من الرِّيْح في مَرِّها أسْرَعُ
إلى جَعْفَرٍ نَزَعَتْ هِمَّتي … فأيّ فَتًى نحوَهُ تَنْزِعُ
إذا وضعَتْ رجْلَها عندَهُ … تضمَّنَها (a) البَلَدُ المُمْرِعُ
وما لامْرئ دُونَهُ مَطْلَبٌ … ولا لامْرئ دونَهُ مَقْنَعُ
رَأيتُ المُلُوكَ تَغُضّ الجُفُونَ … إذا ما بَدَى المَلِكُ الأتْلَعُ
يَفُوت الرِّجالَ بحُسْنِ القَوَام … ويقْصُرُ عن شَأْوِه المُسْرِعُ
إذا رَفعَتْ كَفّهُ معْشَرًا … أَبَى الفَضْلُ والعِزُّ أنْ يُوْضَعُوا
فما يرفعَ النّاسُ مَنْ حَطَّهُ … ولا يضَعُ النَّاسُ مَنْ يَرْفَعُ
يُريدُ المُلُوكُ مَدَى جَعْفَر … وهم يَجْمَعُون ولا يَجْمَعُ
وكَيْفَ ينالُونَ غَايَاتهِ … وما يَصْنَعُون كما يَصْنَعُ
وليسَ بأوْسَعِهم في الـ …
стр. 2314
فللجُود فِى كَفِّهِ مَطْلَبٌ … وللسِّرّ في صَدْره مَوضِعُ
شَديد العِقَاب على عَفْوهِ … إذا السَّيْفُ ضُمِّنَهُ الأَخْدَعُ
وكم قائل إذ رَأى همَّتي … وما في فُضُول الغِنَى أَصْنعُ
غَدًا في ظِلَال (a) ندى جَعْفر … يَجُرُّ ثِيَابَ الغِنَى أَشْجَعُ
كأنَّ أبا الفَضْل بَدْرُ الدُّجَى … لعَشْرٍ خَلَتْ بعدَهَا أرْبَعُ
لفُرْقَته أكْتَأَبَتْ بَابِلٌ … وأشْرَق إذْ أَمَّهُ المَطْلِعُ
فقُلْ لخُرَاسَان تُغْشَى الطَّريقُ … فقد جَاءَها الحكَم المُقْنِعُ
ولا يَرْكَبُ المَيْل منها (b) امرُؤٌ … فيُصْرف عن غبّ ما يَصْنَعُ
فقد حُبّبَت بابن يَحْيَى البِلَادُ … وكُلّ إلى مُلْكه أَنْزَعْ
الأشْتَرُ بن الحَارِث (١)
واسْمُه مَالِك بن الحَارِث بن عَبْد يَغُوث بن مَسْلَمَة بن رَبِيْعَة بن الحَارِث بن
стр. 2315
جَذِيْمَة النَّخَعِيّ، والأشْتَر لَقَبٌ غَلَبَ على اسْمهِ.
شَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وكان شَهِدَ فَتْحَ حَلَبَ وقِنَّسْرِيْن مع أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، ودخَل الدَّرْب غَازِيًا إذا ذاك، وقيل إنَّهُ أوَّلُ مَن دَخَلَهُ، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى في حَرْف المِيْم فيمَن اسْمُه مَالِكٌ (١).
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصّمَد بن مُحَمَّد القاضِي، عن أبي مُحَمَّد عبدِ الكريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، عن أبي نَصْرِ بن مَاكُولا (٢)، قال: الأشْتَرُ مَالِك (a) بن الحَارِث بن عَبْد يَغُوث بن مَسْلَمَة بن رَبِيْعَة بن الحَارِث بن جَذِيْمَة النَّخَعِيّ، فَارِسٌ، شَاعِرٌ، صَحِبَ عليًّا ﵁، ورَوَى عنهُ وعن خَالِد بن الوَلِيد، رَوَى عنهُ عبد الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر، وأبو حَسَّان الأعْرَجُ.
الأشْرَفُ بن الأعَزّ بن هاشِم بن القَاسِم بن مُحَمَّد بن سَعْد اللَّه بن أحْمَد الأزْرَق بن مُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد الأدْرَع ابن الأَمِير عُبَيْد اللَّه بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن بن جَعْفَر بن الحَسَن بن الحَسَن بن علِيِّ بن أبي طَالِب، أبو هاشم -وقيل: أبو الأعَزّ، وقيل: أبو العِزّ- الحَسَنيّ الرَّمْليّ النَّسَّابَة، المَعْرُوف بتَاج العُلَى، وابن النَّاقِلَة (٣)
وقيل في نَسَبِه: أبو الأعَزّ الأشْرَف بن الأعَزّ بن هاشِم بن القَاسِم بن أبي الفَضْل أحْمَد بن أبي البَرَكَات سَعْد اللَّه بن أبي طَالِب الأزرق بن أبي جَعْفَر
стр. 2316
الأدْرَع ابن الأَمِير عُبَيْدِ اللَّه بن عَبْد اللَّه بن الحَسَن بن جَعْفَر بن الحَسَن بن الحَسَن بن عليّ بن أبي طَالِب. ذَكَر العِمَاد أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ (١) أنَّهُ ذكر له نَسَبه هكذا.
حدَّث عن أبي القَاسِم بن فَضْلَان الطَّرَسُوسيّ، وسَمِعَ أُسامَة بن مُرْشِد المُنْقِذِيّ، وكان يدَّعي أنَّهُ سَمِعَ مُسْنَد التِّرْمِذيّ من الكَرُوخِيّ، وسَمِعْتُه يقول إنَّهُ سَمِعَ من أبي مُحَمَّد الحَرِيرِيّ المَقَامَة الكَرْجِيَّة من إنْشَائهِ.
رَوَى عنهُ أبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ بن أبي المَكَارِم أحْمَد بن الحُسَين بن بَهْرَام القزْوِينيّ، والد شَيْخنا أبي المَجْد مُحَمَّد، والعِماد أبو عبد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكَاتِبُ.
وسَمِعْتُه يَعظ في مَجْلس المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب بحَلَب، وسَمِعْتُ شَيئًا من شِعْره من لَفْظه غير مَرَّة، وكان شَيْخًا مُسِنًّا، فَاضِلًا، فَصِيحًا، عَارِفًا بالتَّوَاريخ وأيَّامَ العَرَب، حَسَنَ المُذَاكَرَة، جَيِّدَ الشِّعْر، عَالِمًا بالأنْسَاب،
قَدِمَ حلَبَ في جُمَادَى الآخرة سَنَة ستمائة، فأكْرمه المَلِك الظَّاهِر، ونَفَق عليهِ (a)، وأجْرَى له مَعْلُومًا يَكْفيه، واسْتَكْتَب ولَدَه الأكْبَر المَعْرُوف بشَرَف العُلَى فِى دِيْوَان الإنْشَاء، وكان أصْلُهُ من الكُوفَة، وانْتَقل بعضُ سَلَفه إلى الرَّمْلَةِ.
وكان يَذكُر أنَّ مَوْلدَهُ في شَهْر رِبيع الثَّاني سَنَة سَبْعٍ وتِسْعِين وأرْبَعمائة، وأظُنُّني سَمِعتُه يَذكُر ذلك. وأخْبَرَني ولدُه شَرَف العُلَى هاشِم بن الأشْرَف أنَّ مَوْلد أبيهِ في هذا التَّاريخ، وكان كَثِيْر من النَّاس يكَذِّبُونه فِى زَعْمه ذلك، فإنَّهُ كان يدَّعي أنْ عُمُره مائة وثلاثة عَشر سَنَة، وكان غير مَأْمُون على ما يَنْقُلُه، كَثِيْر الكَذِب فيما يُخْبر بهِ.
وشَاهدْتُ نُسْختَهُ من مُسْنَد التِّرْمِذيّ وقد بيعَت بعدَ مَوْته، وهي بخَطِّ
стр. 2317
بعض المَغارِبَة وفي آخرها تَسْميع يَتَضَمَّن سَمَاعَهُ للكتاب على الكَرُوخِيّ، ذَكَرَ كاتبهُ أنَّهُ بخَطِّ الكَرُوخِيّ، وهو مُزَوَّر بغير شَكٍّ، فإنَّهُ ذَكَرَ تاريخ التَّسْمِيع، وتصفَّحْتُ الأجْزاء من النُّسْخَة، فرأيتُ تاريخ كتابة النُّسْخَة قد كُشِطَ في مَوَاضِع عدَّة وأُصْلح، وظَهَرَ لي في النُّسْخَة أنَّها كُتِبَت بعد تاريخ طَبَقَة السَّمَاع -الّتي شَاهدتُها، وعَزَاها أنَّها بخَطِّ الكَرُوخِيّ- بمُدَّة وغَطَّى فَضَائِله الّتي جَمَعَها بما كان يَسْتَعملُه من الكَذِب.
أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو المجد مُحَمَّد بن الحُسَين بن أحْمَد القَزْوِينيّ إذْنًا -وناوَلني الجُزء بخَطِّه، ونَقَلْتُ هذا الحَدِيْث منهُ، وسَمِعْتُ منه بعضَهُ- قال: أخْبَرَنا والدي وسَيِّدِي الإمَامُ أبو عَبْد اللَّه الحُسَينُ ابن القَاضِي الإمَام زيْن الدِّين أبي المَكَارِم أحْمَد بن الحُسَين بن بَهْرَام القَزْوِينيّ في شَوَّال سَنَة إحْدَى وثَمانين وخَمْسِمائَة، قال حَدَّثَني الأَمِيرُ السَّيِّدُ تَاجُ العُلَى الأشْرَفُ بن الأعَزّ بن هاشِم الطَّالِبيّ النَّسَّابَة بمَيَّافَارقِين في رَبيع الأوَّل سنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، قال: حَدَّثَنَا الإمَام الصَّدُوق أبو القَاسِم بن فَضْلَان الطَّرَسُوسِيّ الكِنَانِيّ (a) بمَكَّةَ، حَرَسَها اللَّهُ، سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة، قال: أخْبَرَنا نَقِيْبُ النُّقَبَاءِ أبو القَاسِم عليّ بن طَرَّاد الزَّيْنَبِيّ، رَحْمَةُ اللَّه عليهِ، قال: حَدَّثَنَا والدي السَّيّد الأجَلّ الكَامِل طَرَّاد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَبِيّ، إمْلاءً من لَفْظه، قال: أخْبَرَنا أَبو نَصْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَسْنُون النَّرْسِيِّ الشَّيْخ الصَّالِحِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو بن البَخْتَرِيّ الرَّزَّازُ إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا هاشِم بن القَاسِم أبو النَّضْر، قال: حَدَّثَنَا سُليْمان بن المُغِيرَة، عن ثَابِتٍ البُنَانِيّ، عن أنَس بن مالِك (١)، قال: قال رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 2318
عليه وسلَّم: آتي يَوْمَ القِيامَة بابَ (a) الجَنَّة فأسْتَفْتح، فيقُولُ لي الخَازِن: مَنْ أنْتَ؟ فأقُول: مُحَمَّدٌ، فيقُول: بكَ أُمرتُ أنْ لا أفْتح لأحَدٍ قَبْلك.
ظَفِرْتُ بكتاب كَتَبه مُؤَيَّدُ الدَّوْلةَ أُسامَة بنُ مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ الكِنَانِيّ إلى أخيهِ أبي المُغِيْث مُنْقِذ بن مُرْشِد على يد تَاج العُلَى إلى آمِد، دَفَعه إليَّ القَاضِي بَهَاء الدِّين أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الخَشَّاب، يَتَضَمَّن التَّنْبِيْهَ على فَضْل تَاج العُلَى وذِكْر مَنَاقِبه، فنَقَلْتُ من خَطِّ أُسامَة في أثْناءِ الكتاب: يُنْهي عَبْدُكَ (b) أنَّهُ اجْتَمع بالأَمِير السَّيِّدِ الأجَلّ الأَوْحَد، العَالِم عَلاء الدِّين أبي العِزّ الأشْرَف بن الأعَزّ الحَسَنيّ، أدَام اللَّهُ عُلوَّهُ، فرَأى آذِيّ بَحْر لجميعِ العُلُوم زَاخِر، مُضَاف إلى النَّسَب الشَّريف الفَاخِر، جليسُه منهُ بين رَوْضَةٍ وغَدِير، وأدَبٍ بَارِع وفَضْلٍ غَزِير، قد احْتَوى على فُنُون الأدَبِ، وأحْكم مَعْرفَةَ السِّيَر والنَّسَب، وما أصفُ لك يا مَوْلاي فَضْلَه غير أنَّني واللَّهِ ما رَأيْتُ مثْلَه، وما أنتَ يا مَوْلاي -جُعلْتُ فدَاءَكَ- ممَّن يُنَبَّهُ على فَضِيْلةٍ، ولا يُحثُّ على مَكْرمةٍ، فاصْرف همَّتَكَ إلى ما تَلْقَاهُ به من الإكْرَام والتَّبْجِيل لفَضْل عِلْمِه الغَزِير، وشَرَفهِ الأصِيْل.
نَقَلْتُ من خَطِّ العِمَاد أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ في كتاب السَّيْلِ والذَّيلِ (١) الّذي ذَيَّلَ به على خَرِيْدَة القَصْر، وأجازَ لنا ذلك عنه جَمَاعَةٌ منهم أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر القُرْطُبِيّ، قال: الشَّريفُ شَرَفُ الدِّين، الأشْرَف ابن الأعَزّ بن هاشِم الحَسَنيّ الرَّمْليّ، المَعْرُوف بالنَّاقِلَةِ، النَّسَّابَة، المُقِيْم بحِصْن كِيْفَا، مَولُده بحُمْرَان بين مَكَّة والمَدِينَة (c)، وقد سَافَرَ إلى بلَادِ المَغْرب والمَشْرِق، والأنْدَلُسِ، وصِقِلِّيَّة، ومِصْر، وأَذْرَبِيْجَان، وغيرها. حَضَر عندي بالخَيْمَة على آمِد في
стр. 2319
خامس المُحَرَّم سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ورأيتُه مُفَوَّهًا مَنْطِيقًا، ورأيتُهُ بسِيْمَاءِ الشَّبَاب (a)، فسَألتُ عن سنِّهِ، فقال: أرْبيتُ على الخَمْسِين.
فهذا يَدُلُّ على أنَّ مَوْلده كان في حُدُود الثَّلاثين قبْلها، وقد كان العِمَاد يَظُنَّ أنَّ سنّه أصْغَر ممَّا ادَّعَاهُ، وتدرَّجَ بعد ذلك إلى أنْ ادَّعَى أنَّ مَوْلدَهُ سَنَة سَبْعٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، وآفة الكَذِب النِّسْيَان!.
حدَّثني شَيْخُنا عِزُّ الدِّين عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الأَثِيْر (١)، قال: حَدَّثَني أخي مَجْدُ الدِّين أبو السَّعَادَات المُبارَك بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ، قال: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا بالمَوْصِل مع حَمْزَةَ بن مُضَر العَلَويّ وقد مرَّ علينا تَاجُ العُلَى وهو شَابٌّ، وابن مُضَر شَيْخٌ أنْقَى، فقال: انظُر إلى هذا الفَاعِل الصَّانِع، واللَّهِ الّذي لا إلَه إلَّا اللَّه هو، أعْرِفه وأنا صَبِيٌّ لم يُنْبت وَجْهِي، وصُوْرته (b) كما تراهُ، وها هو على تلكَ الحالةِ وأنا أنْقَى.
وسَمِعْتُ شَيْخَنا ابنَ الأَثِيْر المَذْكُور يقُول لي: كان تَاجُ العُلَى عندنا بالمَوْصِل فاتَّفَقَ أنْ حَضَر عند أخي مَجْد الدِّين وعندَهُ ذو النَّسَبَيْن المَعْرُوف بابنِ دِحْيَة، فالْتَفَت أخي إلى تَاج العُلَى فقال له: هذا السَّيِّدُ ذو النَّسَبَين ابن دِحْيَة والحُسَين، فقال: أَسْمِعْني فإنِّي قليلُ السَّمْع، فقال له: هو يَنْتَسبُ إلى دِحْيَةَ، فقال: حَاشَى هذا السَّيِّدُ أَنْ يَنْتَسِبَ إلى دِحْيَةَ الكَلْبيّ ودِحْيَةُ لم يُعْقِبْ، فإنَّ النَّسَّابِين كُلَّهُم قالوا إنَّ دِحْيَة كان له عَقِبٌ، وأمْتَدَّ عَقِبُه إلى ما بعد الثَّلاثمائة، ثمّ انْقَطع فلم يبقَ منهم أحدٌ على وجهِ الأرْض، فقال له ابنُ دِحْيَة: تَكْذبُ يا شَيْخَ السَّوْءِ، فقال له من غير اكْترَاث ولا انْزعاج، على تُؤَدةٍ من القَوْل، من غير غَضب: لا تسْفَهْ، أنا لا أقُول
стр. 2320
هذا من تلقاءِ نَفْسِي، وإِنَّما أنْقلُه عن النَّاسِ، فإنَّ فُلَانًا قد ذَكَرَ ذلك، وذَكَرهُ فُلَانٌ وفُلَانٌ، فاحتَدَّ ابنُ دِحْيَة، وسبَّهُ، وهو لا يردُّ عليه، ويُكلِّمه كَلامَ عَاقِلٍ ثَابِتٍ من غير اكْتِرَاثٍ بقَوْلهِ، ثمّ قال له في أثناءِ كَلَامهِ: وأيُّ فَخْرٍ لك في الانْتماءِ إلى هذا النَّسَب، فإنَّ دِحْيَةَ لَم يَتميَّز على الصَّحَابَة إلَّا بالجَمَال، فهلا انْتَسَبْتَ إلى أبي بَكْر، أو عُمَر، أو عُثْمان، أو عليّ، أو غيرهم من كِبَار الصَّحَابَة.
ثمّ أورد تَاجُ العُلَى حِكايَةً، فقال ابنُ دِحْيَة: أنا واللَّهِ أحفظُها خَيْرًا منك، فقال: أنا ما أوْرَدتُ الحِكايَة وادَّعيتُ أنَّ أحدًا لا يحفَظُها، فهل لَحَنْتُ فيها؟ قال: لا، قال: فهل زدتُ فيها؟ قال: لا، قال: فهل نقصْتُ منها؟ قال: لا، قال: فأيّ حِفْظٍ هو خَيْرٌ من هذا؟!
وسَمِعْتُ شَيْخَنا عِزّ الدِّين يقول لي، فيما يَحْكيه عن تَاج العُلَى: لمَّا قَدِمَ تَاجُ العُلَى إلى المَوْصِل لم يُوَفِّه أوْلَادُ النَّقِيْب بنُو عُبَيْد اللَّهِ حقَّهُ من الكَرَامَةِ، وجرى له معهم أمرٌ أوْجَبَ أنْ لبسَ ثَوْبًا أزْرَقَ، وعِمَامَةً صَغِيرَة وكحلَ عَيْنَيْهِ، وقصَّ شَارِبَهُ، وانْتَمَى إلى مَذْهَب الحَنَابِلَةِ، وجَعَل يجلسُ في مَجَالِسِ الوَعْظ، ويَذْكُرُ مَنَاقِبَ بني أُمَيَّة، ويَغُضُّ من الطَّالِبيِّيْن، فشقّ ذلك على أوْلَادِ النَّقِيْب، ولم يقدرُوا على مُقَابَلَته، وعظُمَ أمْرُه، وانْتَمَى إليه خَلْقٌ من أهْل السُّنَّةِ، ثمّ رَحَلَ من المَوْصِل، وفي قُلُوبهم منه شيءٌ عظيم، ثمّ عاد إليها، ودَخَل على أخي مَجْد الدِّين، وأقام أيَّامًا، وعزَمَ على الرَّحِيْل، فقال له أخي: إنَّ أتَابِك صَاحب المَوْصِل على شرف المَوْت، وستحضُر عِزيَّته، فاصْبر حتَّى تَعظ في عزيَّته، فقال: مُبَاركٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ! فقال له: هل لك أنْ أُصْلِح بينَك وبين أوْلَادِ النَّقِيْب، ويرضَخُوا لك بشيءٍ، فأعْجبَهُ ذلك وأجابَ إليهِ، قال: فاجْتَمع أخي بأوْلَادِ النَّقِيْب وقال لهم: إنَّ تَاج العُلَى قد قَدِمَ، فهل لكم في مُصَالحتِه؟ فقالوا: نعم، فقال: ولا بُدَّ أنْ يَصلَ إليهِ منكم شيءٌ، فقالوا: أيُّ شيء رَسَمتَهُ فعَلْناهُ، قال: فأصْلَح بينهم، وجَلَس مَجْلِسًا
стр. 2321
ذَكَر فيه مَنَاقِبَهُمِ وفَضَائِلهم، فلمَّا انفصَل المَجْلِسُ أرْسَل كُلٌّ منهم إليه بشيءٍ من الثِّيَاب، والذَّهَب، وغير ذلك. قال: وماتَ أتَابِكُ صَاحِب المَوْصِل، فجلَس في عزيَّتهِ وتكلَّم، وحَصَل له شيءٌ، وسَافر عن المَوْصِل، وحصَل في آمِد، وجَرَى بينَهُ وبين ضِيَاءِ الدِّين ابن شَيْخ السَّلَّامِيَّة -وَزِير صاحبها، وكان مَكِينًا عنده- خُمَاشَةٌ، فنال من ضِيَاء الدِّين، وتسمَّح في عرضه، فأخذَهُ ضِيَاء الدِّين وأرْكبَهُ حِمَارًا وضَرَبه في أسْوَاق آمِد مَشْهُورًا، فكان كُلّما جاء إلى مكان من الأسْوَاق قال لمَنْ حَوْله: اصْبروا بارك اللَّه فيكم، ثمّ يَقُول: يا أهل آمِد، أتَدْرُونَ لِمَ فَعَلَ بي ابنُ شَيْخ السَّلَّامِيَّةِ (a) هذا؟ إنَّما فَعَل ذلك لأنَّني نَهَيْتُه عن الانْتِماءِ إلى نَسَبهِ المَلْعُون، فإنَّهُ من أوْلادِ الشِّمْر قاتل الحُسَين ﵇، ولَعَن اللَّهُ قاتلَهُ، الْعَنُوا الشِّمْر وأوْلَادَهُ، قال: فيَضِجّ (b) أهْل البَلَد باللَّعْنَة على الشِّمْر وعلى مَنْ أَوْلَد، ففَعَل ذلك في كُلِّ مَحَلَّةٍ وسُوق يَمُرُّون به فيه، قال: فحصَل لابن شَيْخ السَّلَّامِيَّة من التَّأذِّي والشُّهْرة أكْثَر ممَّا حصَل له، ثمّ حَبَسَهُ فلم يَزل في الحَبْسِ حتَّى سيَّر المَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي ﵀ من حَلَبَ رَسُولًا إلى صَاحب آمِد وشَفع فيه، واسْتَخرجَهُ من السِّجْن، وأحْضَرَه إلى حَلَبَ المَحْرُوسَة.
أخْبَرَني القَاضِي عِزُّ الدِّين أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد القِيْلَويُّ، قال: لمَّا حُبِس تَاجُ العُلَى بآمِد كَلَّم الوَزِير نِظَام الدِّين مُحَمَّد في الحُسَين المَلِك الظَّاهِر في أمْره، وأشَار عليه أنْ يُرْسِل رَسُولًا إلى صاحب آمِد بشَفَاعة مَنْ عنده في تَاج العُلَى، فأجابَهُ المَلِك الظَّاهِر إلى ذلك، وسيَّر الشَّريفَ أبا مُحَمَّد العَلَويّ الحَلَبِيّ إلى صاحب آمِد رَسُولًا، فشَفع فيه، وأخْرجَهُ من السِّجْن.
قال لي القِيْلَويّ: فَحَكَى لي الشَّريفُ أبو مُحَمَّد، قال: لمَّا سِرْتُ من حَلَب، ووَصَلْتُ آمِد، تَنَكَّرْتُ، ولبسْتُ غير زِيِيّ، ودَخَلْتُ آمِدَ، وسَألتُ عن السِّجْن
стр. 2322
الّذي فيه تَاجُ العُلَى، وكان في بُرْج من أبْرِجَةِ (a) آمِد، فدُللتُ عليه، فجئتُ إليه واجْتَمَعْتُ بهِ، ثُمّ عُدْتُ إلى مكاني الّذي نَزَلْت فيه خارجَ البَلَدِ، ولبسْت ثِيَابي، وأخَذْتُ غِلْمَاني، ودَخَلْتُ آمِد، فاسْتَحْضَرَني صاحبُها، فأدَّيْتُ إليه رِسَالة المَلِك الظَّاهِر وما قالَهُ من الشَّفَاعَةِ فيه، فقال لي صَاحِبُ آمِد: ما لي به عِلْمٌ منْذُ سَجَنَهُ ضِيَاء الدِّين ابن شَيْخ السَّلَّامِيَّة، فقُلتُ لَهُ: السَّاعَةَ كُنْتُ عنده، وهو مَحْبُوسٌ بالمكانِ الفُلَانيّ، وما زلْتُ به حتَّى أخْرجَهُ من السِّجْن وسلَّمَهُ إليَّ، فأخَذْتُه وجئتُ بهِ إلى حَلَب.
حَضَرْتُ مَجْلِسَ المَلِك الظَّاهِر ﵀ مِرَارًا، وأنْشَده تَاجُ العُلَى لنَفْسِهِ قَصَائِد من شِعْره يَمْدَحَهُ فيها، وسَمِعْتُها من لَفْظه في تلك المَجَالِس، وكان يُنْشدُ عنه في الأحيانِ وَلَدهُ زَيْد لأنَّهُ أضرَّ في آخر عُمْرِه، فممَّا سَمعتُه من لَفْظه يُنْشدُ السُّلْطانَ المَلِكَ الظَّاهِر ﵀ قَصِيدَة رَثى بها أخاهُ المَلِك الأشْرف مُحَمَّد ابن المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن أَيُّوب ﵏، وكان قد اقْتُرِح عليه هذا الرَّوِي، وما أوْدعَ القَصِيدَةَ من ذِكْر الكَوَائن، والقَصِيدَةُ: [من الكامل]
دَاءُ المَنِيَّة ما لَهُ من آسِ … عقَدَ اليَقِيْنُ حُبَاهُمُ باليَاسِ
راجِعْ نُهَاك فأنْتَ أهْدَى والتَفِتْ … نظَرًا إلى الآثارِ والأرْمَاسِ
تاللَّهِ ما الدُّنْيا بدَار إقامةٍ … لمُسَوِّفٍ أو ذَاكِرٍ أو نَاسِ
هيَ ما رأَيْتَ وما سمعْتَ وَهَلْ تَرَى … إلَّا مَعَالِمَ أرْبُعٍ أدْرَاسِ
ومَعَاهدًا كانت حِمًى فتنكَّرَتْ … بعد الأنيسِ وبُهْجةِ الإيْنَاسِ
شربُوا على العلَّاتِ كأسًا فرَّقَتْ … جَمْعَ الفريق فَيا لَها مِن كَاسِ
أوَما هي الدُّنْيا وحَاصلُها المُنَى … والمُسْتَفادُ مصَائدُ الأنْفَاسِ
يا بُؤْسَ ما صنَعَتْ بسَادَةِ مَعْشَرٍ … غُرِّ الأسِرَّةِ قادةٍ أَشْوَاسِ
стр. 2323
بُسُط الأكُفّ على انْقِبَاضِ زَمَانِهم … وُضُحِ المَكَارِم غيرِ ما أَجْبَاسِ
عَرضَتْ لهم خَتْلًا بهَيْئَةِ مُوْمِسٍ … لَبِسَت مَلَابسَها على ألْبَاسِ
حتَّى إذا لانَتْ لهم وتلَوَّنَتْ … وأَرَتْ تفَحُّجَ غيرِ ذاتِ شِمَاسِ
وَسَقَتْ لهم وهيَ النَّوَارُ بمَرْيها … فمَرَوا حَواسِكَها على اسْتِيْنَاسِ
زَبَنَتْهُم فهَوَوا وكَمْ زَبَنَتْ وما … أَلْوَتْ على مَسْحٍ ولا إبْسَاسِ
عَطَفَتْ على الجَعْدِيّ عَطْفَةَ ثائرٍ … فَفَرَتْهُ بالأنْيَابِ والأَضْرَاسِ
لَمْ يُنْجِهِ منها النّجاءُ وما اجْتَبى … لفِرَارِهِ من سُبَّقِ الأَفْرَاسِ
قد كان يَفْتَرِسُ الأُسُودَ فمَزَّعَتْ … أَشْلَاءَهُ بالمخلَبِ الفَرَّاسِ
سَلْ بالفَوَارِس من ذُؤَابَةِ هاشِمٍ … حَلَبَ العُلَى والقَصْرَ من بُطْيَاسِ
يُريدُ قصْر بُطْيَاس الّذي ابتناهُ صَالحِ بن عليّ بن عَبْد اللَّه بن العبَّاس، وسَكَنهُ هو وبنوه بظَاهِر حَلَب (a).
وسَلِ اللَّيالِيَ عن مَدَى العَرَب الأُلَى … حطَمُوا الصَّلِيبَ بجَانَبِي بَغْرَاسِ
عقَدُوا بأمْرَاسِ الأمَانِي سَعْيَهُم … ومُنَاهُم حَلَّتْ عُرَى الأَمْرَاسِ
ضَرَبَتْ لكَ المثَلَ القَرِيبَ وإنَّما … ضَربَ الأُلَى الأمْثَالَ للأكْيَاسِ
وأَرَتْكَ أمْسِ قُصُورَ مِصْرَ ومُلْكُها … مُتَوالِيَ الأعْيَادِ والأعْرَاسِ
تَتْلُو مَواكبُهُ مَواكبَ سَادِرٍ … في اللَّهْو بين المَقْسِ والمِقْيَاسِ
حتَّى إذا بلغَ المَدَى وتَتابَعَتْ … إحَنُ الخِلَاف على هَوَى السُّوَّاسِ
طلَعَتْ عليه بوَاصِبٍ مُسْتَأصلٍ … أصْلَ الجميعِ وحَاصِبٍ رَجَّاسِ
فهَوَتْ مَرَاتبُهُ وشُتّتَ شَمْلُهُ … وخَلَتْ مَجَالِسُه من الجُلَّاسِ
ما شئْتَ من غِيَرٍ وحَسْبُكَ ما تَرى … بعد المَشِيْب بغُصْنِكَ المَيَّاسِ
مَنْ يَعْرَ عن ثَوْبِ الشَّبَابِ ومَنْ يَعِشْ … كَلًّا ومَنْ يُحْجَبْ عن الأُنَّاسِ
стр. 2324
تَقْصُرْ خُطَاهُ فما يَجْيءُ بطَائِلٍ … أيْن المَنَاسِمُ من سُمُوّ الرَّاسِ
مَنْ جاوزَ السِّتِّين أغْلَقَ رهْنُهُ … وأتَتْ عليه هَوَاجِسُ الوَسْوَاسِ
مَنْ صَاحَبَ الأيَّامَ مصَّتْ (a) عُوْدَهُ … وحَسَا حُشَاشَتَهُ الرَّغِيْبُ الحَاسِي
أَعَسَوْتَ بعد هُنَيْدَةٍ وإلى متَى … آنَ انْتِقَالُكَ أيُّهَذَا العَاسِي
ماذا طَوَتْ منْكَ اللَّيالِي من أخي … ثِقَةٍ عَدِيمِ الرَّوْعِ والإيْجَاسِ
رَيَّانَ من مَاءِ المُروَّة عَازفٍ … بالطَّبْعِ عن مستَحْقِبِ الأدْنَاسِ
ذِي مِرَّةٍ وذَكَاءِ مُجْتَمِعِ القُوَى … أرْبَى وزادَ على ذَكَاءِ إِيَاسِ
يا دَهْرُ أين غَضَارتي ونَضَارتي … ومُعَاشِري ومَعَاشِري وأُنَاسِي
لا تُكَذبنَّ هُبُوبُ عَاصِفَة الرَّدَى … تَأتي على المِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ
يَشْفِي البُكَاءُ عَلِيْلَ قَلْبِكَ فابْكِهِمْ … ما في البُكَاءِ عليهِمُ من بَاسِ
هي فُرْقةُ الأبَدِ الّتي أخْلَى بها … من أُلْفَة الآرَامِ كُلّ كِنَاسِ
أَمُحَمَّدٌ إنْ مُتّ مَاتَ مُحَمَّدٌ … خَيْرُ الوَرَى وأبُوكَ خَيْرُ النَّاسِ
ولكَافِلِ الأيْتَامِ أطْوَلُ مُدَّة … تُعْطِيهِ نافِلَةَ النَّدَى والبَاسِ
غَازِي وقُل ما شِئْتَ في المَلِك الَّذي … هو صِبْغَةً جَبَلُ الإلهِ الرَّاسِي
بالظَّاهر المَلِكِ الغياث زَماننُا … خَضِرٌ يَرُوقُ نَضَارةً كالآسِ
بالطَّيِّب المُحْيي الرَّجَاء لأنَّهُ … من طَيِّب الأعْرَاق والأجْنَاسِ
عَارٍ عن العَارِ الّذي وُصِمُوا بهِ … ومن المَحَامِد والمَكَارِم كَاسِ
غَرْسٌ زَكَا ونَمَا فنَوْرُ غُصُونهِ … وثِمَارهِ من أَكْرمِ الأغْرَاسِ
يا كَافِلَ الأيْتَامِ في زَمَنٍ بهِ … قَلْبُ العُقُوق على القَرَابَةِ قَاسِ
أنْتَ المُرَادُ لها ورافِعُ طَرْفِها … عند انْتِكَاسِ مَكَايدِ الأنْكَاسِ
بأَبيكَ أَرْسَى الدِّينُ في مِصْرٍ على … تلكَ الحَوَادِثِ ثَابِتَ الآسَاسِ
стр. 2325
أَوَمَا أَبُوكَ أغَاثَ دِيْنَ مُحَمَدٍ … وأعَادَ مِصْرَ إلى بَني العبَّاسِ
واسْتَنْقَذَ البَيْتَ المُقَدَّس رَافعًا … عَلَىَ النُّبُوَّةِ من يَدِ الأنْجَاسِ
وأَذَلَّ في حِطِّيْنَ عِزَّ صَلِيْبهم … بالمَشْرفيَّةِ والقَنا الدَّعَّاسِ
وإليكَ تَالِدُهَا يحِنّ وإنَّما … تَمْحُو الطَّريِفَ عَوَاقِبُ الإبْلَاسِ
يا مُنْتَهَىَ الآمَالِ أنْتَ كَفِلْتَني … فسَرَوتُ ثَوْبَ معَرَّةِ الإفْلَاسِ
ولبسْتُ في حَلَبٍ من العُمْر الَّذي … جَدَّدْتَ لي بالبرِّ خَيْرَ لِبَاسِ
وغَفَرْتُ ما جَنَت النَّوَى وحَلَلْتُ عن … ظَهْر المطِيِّ مَعَاقِدَ الأحْلَاسِ
فلأُبقينَّ لك الثَّنَاءَ وإنَّما … تتْلُو الثَّنَاءَ صَحائِفُ الأحْرَاسِ
أنْشَدَني نَجِيْبُ الدِّين دَاوُد بن أحْمَد الطِّيْبيُّ التَّاجر، وكَتَبه لي بخَطِّه، قال: أنْشَدَنا تَاجُ العُلَى الأشْرَفُ ابن الأعَزّ العَلَويّ الرَّمْليّ لنَفْسِه: [من الطويل]
أتَعْرفُ رَسْمَ الدّار من أُمّ سَالِم … برامَةَ أقْوَتْ بعْدَ بيضٍ نَوَاعمِ
عَهدنا بها الشُّمَّ الأنُوفَ فبُدِّلَتْ … عِرَاصُ رُبَاهَا بالمَهَا والنَّعَائِمِ
ونحنُ نُدِيرُ الكأسَ صرْفًا ونجْتَني … جنَى ثَمَرَاتِ الوَصْلِ من آل فَاطِمِ
كأنَّ لَيَالينا بجَرْعَاءِ مَالكٍ … وطَرْفُ الصّبى يَقْظَان أضْغَاث حَالِمِ
ولمَّا رَأينا الدَّارَ قفْرًا تبادرَتْ … دراكًا مَدُوْلاتُ الدُّمُوع السَّوَاجِمِ
على مَعْشرٍ شطَّتْ بهم غرْبَةُ النَّوَى … نَعِمْنا بهم والشَّمْلُ عَذْبُ المَنَاسِمِ
فواكَبدِي من لَاعِجِ الشَّوْق والهَوَى … إلى الرَّمْلَةِ الغَنَّاءِ ذاتِ الرَّوَاسِمِ
لقد حكم البَيْنُ المُشتُّ بصَرْفهِ … عليَّ وصَرْفُ البَيْن أجْوَرُ حَاكِمِ
وقَائِلَةٍ يا ابنَ الأعَزّ اصْطَبر فقد … رمَتْكَ العِدَا بالمُوْبقاتِ القَوَاصِمِ
أجدَّك ما أصْبَحْتُ إلَّا أكْيلَةً … تَرُوحُ وتَغْدُو بين لَاح ولَائِمِ
أنْشَدَني القَاضِي زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ قاضي حَلَبَ، قال: أنْشَدَنا تَاجُ العُلَى لنَفْسِه، ولا يَبْعُد أنَّني
стр. 2326
سَمِعتُهما من تَاج العُلَى فيما سَمِعتُه من شِعْره وشَذَّ عن خَاطِري: [من البسيط]
بنو زَمَانِكَ هذا فاخْشَ نقلَهُمُ … فإنَّهُم كشَرارٍ بَثَّهُ لَهَبُ
إنْ يَسْمَعُوا الخَيْرَ يُخْفُوه وإنْ سَمِعُوا … شَرًّا أذَاعُوا وإن لم يَسْمَعُوا كَذبُوا
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّدِ بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب الأصْبَهَانِيّ (١)، قال: وأنْشَدَني -يعني الأشْرفَ ابن الأعَزّ- لنَفْسِه وَصِيَّةً لوَلَده: [من البسيط]
بُنَيَّ باركَ فيكَ اللَّهُ من وَلدٍ … نَمَاهُ للخَيْر جَدُّ صَالِحٌ وأَبُ
تَعَلَّم العِلْمَ وابْغِ الخَيْرَ مُجْتَهدًا … فالعِلْمُ يَنْفَعُ (a) ما لا يَنْفَعُ النَّسَبُ
تُوفِّي تَاج العُلَى النَّسَّابَة بحَلَب في يَوْم الأحَد سَلْخ صَفَر من سَنَة عَشْرٍ وسِتّمائة.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ أَشْعَثُ
أشْعَثُ بن شُعْبَة، أبو أحْمَد المِصِّيْصيّ البَزَّار (٢)
كُوفيُّ الأصْل، وسَكَنَ المِصِّيْصَة، وقيل: إنَّهُ خُرَاسَانيٌّ نَزَل البَصْرَة، ثمّ خرَج إلى المِصِّيْصَة فسَكَنَها.
وقال ابنُ الفَرَضِيّ: إنَّهُ يُخَالفُ في بَعْض حَدِيثِهِ.
حَدَّثَ بالمِصِّيْصَةِ ومِصْرَ عن الرَّبيعْ بن صَبِيْح، وحَنَش بن الحَارِث النَّخَعيِّ،
стр. 2327
وإبْراهيم بن أدْهَم، وإسْمَاعيل بن إبْرَاهيم، وأَرْطَأة بن المُنْذِر، ومَنْصُور بن دِينْارٍ التَّيْمِيّ، وإبْراهيم بن مُحَمَّد الفَزَارِيّ، وأبي مُطِيع مُعاوِيَة بن يَحْيَى، والسَّرِيّ بن يَحْيَى، وعبد اللَّه بن ضِرَار المَلَطِيّ، ووَرْقَاء [بن عُمَر اليَشْكُريّ] (a).
رَوَى عنهُ يَعْقُوبُ بن كَعْب الحَلَبِيُّ، وإبْراهيم بن الحُسَين الأنْطَاكِيّ، وأبو صالح الفَرَّاء، وسُفْيانُ بن مُحَمَّد بن سُفْيان المِصِّيْصيُّ، ويَمَانُ بن سَعيد المِصِّيْصيّ، والمُسَيَّبُ بن وَاضِح التَّلْمَنَّسيِّ، وعُبَيْدُ بن القَاسِم الرَّقِّيّ، والقَاسِم بن عبد الرَّحْمن، ومُحَمَّدُ بن عِيسىَ الطَّبَّاع، والخَلِيل بن بُكَيْر، ومُحَمَّدُ بن سَعِيد، وعليّ بن مَعْبَد، وأبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بن زَكَرِيَّاء، وسَلَمَةُ بن عَقَّار (b)، والحَسَنُ بن الرَّبْيع، وأحمد بن عَمْرو بن السَّرْح (c)، وهِشَام بن الفَضْل.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ (١)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد أحمدُ بن مُحَمَّد البَغْدادِيّ بقراءتي عليه بأصْبَهان في مَنْزلِه، قال: أخْبَرنا أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد بنِ إبْراهيم الوَرْدَانِيّ (d) قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن موسَى بن مَرْدَوَيْه الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحُسَين بن يَزِيد الهَمَذانِيّ (e) بمَكَّة، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن
стр. 2328
القَاسِم الرَّقّيّ، قال: حَدَّثَنا أشْعَثُ بن شُعْبَة بالمِصِّيْصَةِ، قال: لمَّا قَدِمَ هَارُون الرَّقَّةَ، أشْرَفَتْ أُمُّ وَلدٍ لهَارُون من قَصْرٍ من خَشَبٍ، فرأتِ الغَبَرَةَ قد ارْتفَعَت، والمقالَ (a) قد تقَطَّعَت، واِنْجَفَلَ النَّاسُ، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عَالِمٌ، من خُرَاسَان، يُقال له: عَبْد اللَّه بن المُبارك، فقالت: هذا واللَّهِ المَلِكُ (b)، لا مُلْك هَارُونَ الّذي لا يَحْمَدُه النَّاسُ إلَّا بالسَّوْط والخَشَب.
قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد الحافِظ في تاريخ أبي سَعيد بن أحْمَد بن يُونُس بن عَبْد الأعْلَى الصَّدَفِيّ، قال في تاريخ الغُرَبَاء القادِمين على مِصْر (١): أشْعَثُ بن شُعْبَة، كُوْفيّ، يُكْنَى أبا أحمد، ويُعْرَفُ بالمِّصِيْصيّ لسُكناهُ المِصِّيْصَة.
وقال في مَوضِع آخر (٢): يُقالُ إنَّهُ من أهْلِ خُرَاسَان، نزَلَ البَصْرَة، وخَرَجَ إلى الثَّغْر فأقام بهِ، ثُمَّ قَدِمَ إلى مِصْرَ سَنَةَ إحْدَى وتِسْعِين ومائة، وحَدَّثَ بها.
أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان، فيما أَذِنَ لنا في رِوَايته عنه، قال: أنْبَأَنَا مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْد اللَّه، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم في كتاب الجَرْحِ والتَّعْدِيل (٣)، قال: أشْعَث بن شُعْبَة المِصِّيْصيّ رَوَى عن أَرْطَأة بن المُنْذِر، وحَنَش بن الحَارِث، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطَّبَّاع، وأحمد بن عَمْرو بن السَّرْح (c)، سَمِعْتُ أبي وأبا زُرْعَة يقولان ذلك، زاد أبي: ورَوَى عنهُ
стр. 2329
المُسَيَّبُ بن وَاضِح، روى هو عنه عن إبْراهيم بن أدْهَم، رَوَى عنهُ سَلَمَةُ بن عَقَّار (a)، والحَسَنُ بن الرَّبْيع، وهِشَام بن الفَضْل (b) صاحب أحْمَد الدَّوْرَقيّ، وزادَ أبِي: أصْلهُ خُرَاسَانيٌّ سَكَنَ الثَّغْر. سُئِلَ أبو زُرْعَة عن أشْعَثَ بن شُعْبَة الّذي روَى (c) عن مَنْصُور بن دِيْنارٍ، فقال: لَيِّنٌ.
أَشْعثُ بن عَمْرو -ويقال: ابنُ عُمَرَ، ويقال: ابنُ عُثْمانَ- التَّمِيْمِيّ الحَنْظَلِيِّ البَصْرِيّ (١)
قَدِمَ دَابِقِ وَافِدًا علىِ عُمَر بنِ عَبْد العَزِيْز ﵁ حينَ اسْتُخْلِف، وحَكَى عنه، رَوَى عنهُ عَنْبَس بن بَيْهَس.
أنْبَأنَا زَيْنُ الأُمَناءِ الحَسَنُ يبن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَقِيه، ح.
وأنْبَأنَا أبو القَاسِم القَاضِي، عن أبي الحَسَن الفَقِيه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن أبي العَلَاء قراءةً، وأبو الفَتْح نَصْرُ بن إبْراهيم الزَّاهِدُ لَفْظًا، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن عَوْف، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن مُوسَى بن الحَسَن (d)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن خُرَيْم، قال: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بن زَنْجُوَيْه (٣)، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا عَنْبَسُ (e) بن بَيْهَس، عن رَجُلٍ من بني تَمِيْم يُقالُ له الأشْعث بن عَمْرو أنَّهُ أتَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بالشَّام حينَ اسْتُخْلِفَ، قال: فكَلَّمتُه، قُلتُ: اسْقِني سَقَاكَ
стр. 2330
اللَّه. قال: أين؟ قُلتُ: بالخِرْنِق، قال: وما الخِرْنِقُ؟ قُلتُ: غائطٌ بالشّحر (a) لا يَطَأهُ طَريقٌ! قال له: الوَيْلُ، ما تصنعُ بغائطٍ لا يَطَأهُ طَريقٌ؟ قُلتُ: أنا رَجُلٌ صَاحبُ سَائِمةٍ أُريْدُ الفَلَاةَ، قال: أَثَّرَ (b) بالغائطِ أحَدٌ قَبْلَك أثرًا؟ قُلتُ: نعم، حَفَر عَبْدُ اللَّه ابن عَامِرٍ بها ركيَّةً، قال: كَمَ صَوْبُها (c)؟ قلْتُ: خَمْسُون ذِرَاعًا (d) أو خَمْسُونَ قامةً، قال: كَمِ هي من البَصْرَة؟ قُلتُ: مَسِيرة ثلاث ليالٍ، فكَتَب إلى عَدِيّ بن أَرْطَأة: أتَاني رجُلٌ من بني تَمِيْم فاسْتَحْفَرني بالخِرْنق، وزَعَم أَنَّها منك مَسيرة ثلاث ليالٍ، فإذا أتاك فأحْفِرْهُ، وأحْفِرْ مَنْ جاءكَ من أسْوَدٍ وأبيَضٍ، واشْتَرِط -أظُنُّه قال، الشَّكُّ من يَحْيَى-: ابن السَّبِيْل أوَّلُ ريَّانٍ، وإنَّ حَرِيمَها طُوْلُ رِشَائها.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل بن نَاصِر، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل ابنُ خَيْرُون، وأبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، وأبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، واللَّفْظُ لهُ، قالوا: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ -زَادَ ابنُ خَيْرُون: وأبو الحُسَين الأصْبَهَانِيّ- قالا: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن سَهْلٍ، قال: أخْبَرَنا البُخاريُّ (١)، قال: أشْعَثُ بن عُمَر التَّمِيْمِيّ الحَبَطِيّ (e) البَصْرِيّ، سَمِعَ عُمَرَ بن عَبْد العَزِيْز، كَتَب إلى عَديّ: أنْ احْفر، وابنُ السَّبيْل أوَّلُ رَيَّان، وأنَّ حَرِيْمَها طُولُ رِشَائها، قاله لنا قُتَيْبَة عن عَنْبَس بن بَيْهَس، وقال لنا مُوسَى بن إسْمَاعِيْل: حَدَّثَنَا عَنْبَسُ (f) سَمِعَ أشْعَثَ بن عَمْرو.
رَوَاهُ أحْمَدُ بن إبْراهيم الدَّوْرَقيّ، عن عبد الصَّمَد بن عَبْد الوَارِث، قال:
стр. 2331
حَدَّثَنا إِيَاسُ بن بَيْهَس، عن أشْعَث بن عَمُرو مُخْتصرًا وخالفَهُما في اسْم عَنْبَس ووَهِمَ في ذلك.
أنْبَأنَا أبو البَرَكَاتِ الحَسَنُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: قَرأتُ بخَطِّ عَبد الوَهَّاب المَيْدانيّ في سَمَاعِه من أبي سُليْمان بن زَبْرٍ، عن أبيهِ: أخْبَرَنا حَمْدَانُ (a) بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن أسَدٍ، قال: حَدَّثَنا عَنْبَسُ بن بيْهَس، قال: زَعَم الأشْعَثُ بن عَمْرو -رَجُلٌ من بني تَمِيْم، أحَدُ بَني حَنْظَلَة- سَمعتُه يُحدِّثُ أنَّهُ أتَى عُمَرَ بن عَبْد العَزِيْز حينَ اسْتُخْلِف، فكلَّمه، فذَكَر نَحْوَها.
قال أبو القَاسِم الحافِظ (٢): في نُسْخَة ما شَافَهني به أبو عَبْدِ اللَّه الخَلَّالُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر بن سَلَمَة، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن مُحَمَّد، ح.
قال: وأخْبَرَنا ابن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْدِ اللَّه إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِمِ (٣)، قال: أشْعَثُ بن عُثْمان التَّمِيْمِيّ، ويقال: أشْعَثُ بن عَمْرو الحَبَطِيّ (b)، سَمِعَ عُمَرِ بن عَبْد العَزِيْز [ما] (c) كتَبَ إلى عَدِيّ بن أَرْطَأة، رَوَى عنهُ عَنْبَس (d) بن بَيْهَس، سَمِعْتُ أبي وأبا زُرْعَة يقولان ذلك، وزادَ أبو زُرْعَة: يُعَدُّ في البَصْرِيِّيْن. قال: وأخْبَرَنا ابن أبي خَيْثَمَة -فيما كَتَبَ إليَّ- قال: سُئِلَ أبي ويَحْيَى بن مَعِيْن عن أشْعَث بن عَمْرو التَّمِيْمِيّ فقالا: لا نَعْرفُهُ.
стр. 2332
قال أبو القَاسِم الحافِظ: وكَذَا قالا: الحَبَطِيّ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
وقال أبو القَاسِم الحافِظ (١): أشْعَثُ بن عَمْرو، ويقال: ابنُ عُمَرِ، ويقال: ابنُ عُثْمان، التَّمِيْمِيِّ الحَنْظَليَّ البَصْرِيّ، وفَدَ على عُمَرَ بن عَبْد العَزِيْز، ورَوى عنهُ قوله، رَوَى عنهُ عَنْبَسُ بن بَيْهَس.
أشْعَثُ بن قَيْس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِبَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاويَة بنِ الحَارِث الأصْغَر، بنِ الحَارِث الأكْبَرَ بنِ مُعاوِيَة -وقيل: مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بِن الحَارِث ابن مُعاوِيَة- ابن ثَوْر بن مُرَتَّع (a) بنِ ثَوْر -وهو كِنْدِيَّ بن عُفَيْر، وقيل: مُرَتّعِ بن مُعاوِيَة بن ثَوْرِ- بن عُفَيْرِ بن عَدِيّ بن مُرَّة بن أُدَد بن زَيْد بن يَشْجُبَ بن عَرِيْب بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ بن يَشْجُبَ بن يَعْرُب بن قَحْطَان، أبو مُحَمَّد الكِنْدِيُّ (٢)
قَدِمَ على النَّبِيَّ ﷺ في وَفْد كِنْدَة، وأسْلَم، وصَحِبَ النَّبيَّ ﷺ ، ورَوَى عنهُ أحَادِيْث يَسِيْرةً.
стр. 2333
رَوَى عنهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيّ، وأبو وَائِل شَقِيْق بن سَلَمَة، وأبو حَازِم، ومُسْلِم بن هَيْصَم، وعَبْد الرَّحمن بن عَدِيّ، وقَيْس بن أبي حَازِم، وإبْراهيم النَّخَعِيِّ. وقيل: كان (a) اسْمُه مَعْدِي كَرْب، وكان أبدًا أشْعَثَ الرَّأسِ، فسُمِّي الأشْعَثَ. وأبوه قَيْس هو: الأَشَجُّ بن مَعْدِي كَرْب.
وأُمُّ الأشْعَث كَبْشَةُ بنتُ يَزِيد بن شْرَحْبِيل بن يَزِيد بن امْرئ القَيْس بن عَمْرو المَقْصُور بن حُجْر آكل المُرَار بن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث الأكْبَر بن مُعاوِيَة بن ثَوْر. وقيل: إنَّ أُمَّهُ هِنْد بنتْ الحَارِث بن عَمْرو، من بَني آكِل المُرَار.
وكان سَيِّدًا في كِنْدَة في الجَاهِلِيَّة والإِسْلَام، وارْتِدَّ عن الإسْلَام بعدَ مَوْت النَّبيَّ ﷺ ، ثمّ أسْلَم في خِلَافَة أبي بَكْر ﵁. وزوَّجَهُ أبو بَكْر بأُخْتِهِ أم فَرْوَة بنت أبي قُحَافَة، وهي أُمُّ ابْنه مُحَمَّدُ بن الأشْعَث.
وانتجَع الأشْعَثُ خَالِدَ بن الوَلِيد بقِنَّسْرِيْن في سَبْعْ عَشرة، بعد أنْ غَزَاها
стр. 2334
خَالِد غَزْوتَهُ الّتي أصَابَ فيها ما أصَاب، فأجازَهُ خَالِدٌ بعشرة آلاف دِرْهَم، وكانت سَبَب عَزْل عُمَر بن الخَطَّاب ﵁ خَالِدًا عن قِنَّسْرِيْن.
وقيل: أوَّلُ مَنْ قَطَع الدَّرْبَ من المُسْلمِيْن بعد فَتْح أنْطَاكِيَة الأشْعَثُ بن قَيْس، أنْفَذهُ أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، فقطع اللُّكَام، وفتَحَ عدَّهَ حُصُون، وعاد إليه.
وشَهِدَ فَتْحَ العِرَاق معِ سَعْد ﵁، وشَهِدَ اليَرْمُوك، وأُصِيْبَت عَيْنُه يَوْمئذٍ، وسَكَنَ الكُوفَة، وشَهِدَ صِفِّيْنَ مع عليٍّ ﵁، وجَعَلَهُ على المَيْمَنَة، وعلى راية كِنْدَة، وشَهِدَ معه النَّهْرَوَان.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيِّ، قراءةً منِّي عليه بمَنْزِله بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن إبْراهيم بن عِيسَىِ البَاقِلَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن مالك القَطِيْيِّ إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الحاَسِب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن صالح، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاوِيَة، عن الأَعْمَش، عن شَقِيْق، عن عَبْد اللَّه (١)، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَلَف على يمَينٍ ليَقْتَطع بها مالَ امْرئٍ مُسْلِم لقي اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ. فقال الأشْعَثُ بن قَيْس: ففيَّ كان ذلك؛ كان بيني وبين رَجُلٍ من اليَهُود أرْضٌ فجحَدَني، فقَدَّمتُه إلى النَّبِيَّ ﷺ ، فقال لي: ألكَ بَيِّنة؟ قُلتُ: لا، فقال لليَهُودِيّ: أتَحْلفُ؟ فَقَلتُ: يا رسُولَ اللَّه، إذًا واللَّهِ يَذْهَبُ بمالي، فأنْزَل اللَّه : ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢).
стр. 2335
أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحُسَينُ بن هِبَةِ اللَّه بن صَصْرَى، قراءَةً عليهِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحُسَينُ بن الحَسَن بن مُحَمَّد الأسَدِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن أبي العَلَاء، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عُثْمان بن القَاسِم بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن خَيْثَمَة بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا هِلالُ بن العَلَاءِ، قال: حَدَّثَنَا أبي وعَبْدُ اللَّه، قالا: حَدَّثَنا عُبَيد اللَّه، عن زَيْد، عن الأَعْمَش، عن شَقِيْقَ بن سَلَمَة، عن عَبْد اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ (١): مَنْ حَلَف على يَمينٍ صَبْرًا ليقْتَطعَ بها مالَ امْرئٍ في مُسْلِم لقي اللَّه وهو عليه (a) غَضْبانُ، وقد نَزَل تَصْدِيقُ ذلك في كتاب اللَّه . قَال: فقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢)، قال: فمَرَّ الأشْعَثُ بن قَيْسٍ فقال: ما حدَّثكم افي مَسْعُود؟ قالوا: حَدَّثَنَا كَذَا وكذا، قال: صَدَق واللَّهِ؛ نَزَلَتْ (b) هذه الآية فيَّ وفي صَاحبٍ لي كان بيني وبينه شيءٌ في أرْضي، فأتَيْنا النَّبِيّ ﷺ فاخْتَصَمنا إليه، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : فهل لك بَيِّنة؟ فقُلتُ: لا، فقال لصَاحبي: احْلِف، فعند ذلك قال هذا.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أحْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف، قال: أخْبَرَنا الحَارِث بن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٣)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن (c)، عن الزُّهْرِيّ، قال: قَدِمَ الأشْعَثُ في قَيْس على رسُولِ اللَّه ﷺ
стр. 2336
في بضْعَة عَشَرَ رَاكِبًا من كِنْدَة، فدَخَلُوا على النَّبيَّ ﷺ مَسْجِدَه قد رجَّلُوا جُمَمَهُم واكْتَحلُوا، وعليهم جِبَابُ (a) الحبَرَة قد كَفُّوها بالحَرِيْر، وعليهم الدِّيْبَاج ظَاهِرُ مُخَوَّصٌ بالذَّهَب، فقال لهم رسُول اللَّه ﷺ : ألَم تُسْلمُوا؟ قالوا: بلى، قال: فما بالُ هذا عليكم؟ فأَلْقَوْهُ، فلمَّا أرادُوا الرُّجُوع إلى بلادِهِم أجازَهُم بعَشرة أوَاقٍ، عَشرة أوَاق، وأعْطَى الأشْعَث بن قَيْسٍ اثْنتي عَشرةَ أُوْقِيَّة.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن أبي البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن الحَسَن وأبو الفَضْل بن خَيْرُون، قالا: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْص الأهْوَازِيّ، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاطٍ (١)، قال: ومن عُفَيْر (b) بن عَدِيّ بن الحَارِث بن مُرَّة بن أُدَد، ثمّ من كِنْدَة، وهم ولد ثَوْر بن عُفَيْر: الأشْعَث بن قَيْس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيعَة بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن ثَوْر بن مُرَتِّع بن ثَوْر (c)، وهو كِنْديّ بن عُفَيْر، أُمُّهُ كَبْشَةُ بنتُ يَزِيد، من وَلَد الحَارِث بن عَمْرو بن مُعاوِيَة، يُكْنَى أبا مُحَمَّد، مات في آخر سَنَة أرْبَعين، بعد قَتْل عليّ ﵇ قَليلًا.
أنَبْأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّب، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي مُحمّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٢)، قال: في الطَّبَقَةِ الرَّابعة من كِنْدَة، وهو كِنْدِيّ، واسْمُه ثَوْر بن عُفَيْر بن عَدِيّ بن الحَارِث بن مُرَّة بن
стр. 2337
أُدَد بن زَيْد بن يَشْجُب بن عَرِيْب (a) بن كَهْلَان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان: الأشْعَث بن قَيْسٍ، وهو الأَشَجّ بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاوِيَة الأكْرَمين بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن ثَوْرِ بن مُرَتَّعِ (b) بن كِنْدَة، وهو ثَوْر بن عُفَيْر، وأُمُّه كَبْشَةُ بنتُ يَزِيد بن شُرَحْبِيل بن يَزِيد بن امْرِئ القَيْس بن عَمْرو المَقْصُور بن حُجْر آكِل المُرَار بن عَمْرو بن مُعاوِيَة بن الحَارِث الأكْبَر بن مُعاوِيَة بن ثَوْر بن مُرَتَّعِ بن مُعاوِيَة بن كِنْدَة، وإنَّما سُميُّ كِنْدَةَ لأنَّهُ كَندَ أباهُ النّعْمَة -كَفَره- وكان اسْمُ الأشْعَث مَعْدِي كَرْب، وكان أبدًا أَشْعَث الرَّأس، فسُمِّي الأشْعَث.
ووفَدَ الأشْعَثُ بن قَيْس على النَّبيَّ ﷺ في سَبْعين رَجُلًا من كِنْدَة، وكُلّ اسْم في كِنْدَة وَفَد بوفادته إلى النَّبيَّ ﷺ مع الأشْعَث بن قَيْسٍ، وقد كَتَبنا كُلّ مَنْ قَدرنا عليه منهم، هذا كُلّه في رِوَايَة هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الكَلْبيّ.
أنْبَأنَا الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر اللَّفْتُوانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا الحَسَن بن مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عُمَر بن أَبَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سَعْد (٢)، قال فيمَن نزل الكُوفَة: الأشْعَثُ بن قَيْس الكِنْدِيّ أحدُ بني الحَارِث بن مُعاوِيَة، ويُكْنَى أبا (c) مُحَمَّد، ابْتَنى بها دارًا، وماتَ بها، والحَسَن بن عليّ بن أبي طَالِب يَوْمئذٍ بالكُوفَة حين صالح مُعَاويَة، وهو صَلَّى عليه.
стр. 2338
وقال عليّ بن الحَسَن (١): أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن عليّ في كتابهِ، وأخْبرَني أبو الفَضْل بن نَاصِر عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين ابن المُظَفَّر، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ أحْمَد بن عليّ بن الحَسَن بن شُعَيْب، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ اللَّه بن عبد الرَّحيم بن البَرْقِيّ، قال: ومن كِنْدَة، واسْمُ كِنْدَة ثَوْر بن مُرَتَّعِ بن عُفَيْر بن عَمْرو بن عَدِيّ بن الحَارِث بن مُرَّة بن أُدَد بن زَيْد بن الهُمَيْسَع ابن عَمْرو بن عَرِيْب (a) بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ: الأشْعَث بن قَيْس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة ابن ثَوْرِ بن مُرَتَعّ، يُكْنَى أبا مُحَمَّد، وكان أعْوَر؛ أُصِيْبَتَ عَيْنُه يَوْمَ اليَرْمُوك، وتُوفِّيَ سَنَة أرْبَعيْن قَبْل قَتْل عليّ بيَسِيْر، له أحَادِيْثُ يَسِيْرةً.
كذا قال: قَبْل قَتْل عليّ! والصَّوَاب: بَعْد قَتل عليّ [﵁] (b)، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم (٢)، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: قَرَأْنا (c) على أبي عَبْد اللَّه يَحْيَى بن البَنَّاء، عن أبي الحَسَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن خَزَفَة، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي خَيْثَمَة، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: الأشْعَثُ بن قَيْس الكِنْدِيُّ أبو مُحَمَّد. قال أبو بَكْرٍ: وهو الأشْعَثُ بن قَيْس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيعَة بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن مُعَاويَة بن ثَوْر بن مُرَتَّعِ.
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج بن عليّ الحُصْرِيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من
стр. 2339
مَكَّة، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه الأَشِيْريِّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الوَلِيد بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز بن ثَابِت، قال: أخْبَرنَا أبو عُمَر بن عَبْد البَّر النَّمَريّ (١)، قال: الأشْعَثُ بن قيس بن مَعْدِيِ كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاوِيَة بن الحَارِث الأصْغر بن الحَارِث الأكْبَر بن مُعاوِيَة بن ثَوْر بن مُرَتِّع بن مُعاوِيَة بن ثَوْر بن عُفَيْر بن عَديِّ بن مُرَّة بن أُدَد بن زَيْد الكِنْدِيِّ، وكِنْدَةُ هم ولد ثَوْر بن عُفَيْر، يُكْنَى أبا مُحَمَّد، وأُمُّهُ كَبْشَةُ بنْتُ يَزِيد منِ وَلد الحَارِث بن عَمْرو، قَدِمَ على رسُول اللَّه ﷺ سَنَة عَشر في وَفْد كِنْدَة، وكان رَئيسَهم.
قال ابنُ إسْحاق، عن ابن شِهَاب: قَدِمَ الأشْعَثُ بن قَيْسٍ في سِتِّين رَاكِبًا من كِنْدَة، وذَكَرَ خَبَرًا طَوِيْلًا فيه ذِكْرُ إسْلامِه وإسْلَامِهم، وقَوْل رسُول اللَّه [ ﷺ ] (a): نحنُ بنو النَّضْر (٢) بن كِنَانَة، لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنْتَفي من أبينا. كان في الجَاهِلِيَّةِ رَئيسًا مُطَاعًا في قَوْمه، وكان في الإسْلَام وَجِيْهًا في قَوْمه، إلَّا أنَّهُ ممَّن ارتدَّ عن الإسْلَام بعد النَّبيِّ ﵇، ثمّ راجعَ الإسْلَام في خِلَافَة أبي بَكْر الصِّدِّيْق، وأُتِيَ به أبو بَكرٍ أسَيْرًا.
قال أسْلَمُ مَوْلَى عُمَر بن الخَطَّاب: كأنِّي أنظُرُ إلى الأشْعَث بن قَيْس وهو في الحَدِيْد يُكَلِّمُ أبا بَكْر، وهو يَقُول: فعَلْت وفعَلْت حتَّى كان آخر ذلك، سَمعتُ الأشْعَث يَقُول: اسْتَبْقني لحَرْبك، وزوِّجْني أُخْتكَ، ففَعَل أبو بَكْر.
стр. 2340
قال أبو عُمَرَ ﵁: أُخْت أبي بَكْر الصّدِّيْق الّتي زوَّجَها من الأشْعَث بن قيسِ هي أُمُّ فَرْوَة بنتُ أبي قُحافَة، وهي أُمَّ مُحَمَّد بن الأشْعَث، فلمَّا اسْتُخلف عُمَرُ، خَرَج الأشْعَث مع سَعْدٍ إلى العِرَاق، فشَهِدَ القَادِسيَّة والمَدَائِن وجَلُولَاء ونَهَاونْدًا، واخْتَطَّ بالكُوفَة دارًا في كِنْدَة ونَزَلها، وشَهِدَ تَحْكيم الحَكَمَيْن، وكان آخر شُهُود الكتاب. ماتَ سَنَة اثْنَتَيْن وأرْبَعين، وقيل: سَنَة أرْبَعين بالكُوفَة، وصَلَّى عليه الحَسَنُ بن عليّ.
ورُوي أنَّ الأشْعَثَ قَدِمَ على رسُول اللَّه ﷺ في ثلاثين رَاكبًا من كِنْدَة، فقالوا له: يا رسُولَ اللَّه، نحنُ بنُو آكِل المُرَار وأنْتَ ابنُ آكِل المُرَار، فتبسَّم رسُولِ اللَّه [ ﷺ ] (a)، وقال: نحنُ بنو النَّضْرِ بن كِنَانَة، لا نقفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي من أبينا.
ورَوَى الأشْعَثُ أحَادِيث عن النَّبيِّ ﵇. رَوَى عنهُ قَيْسُ بن أبي حَازِم، وأبو وَائِل الشَّعْبِّي، وإبْراهيم النَّخَعيِّ، وعَبْد الرَّحمن بن عَدِيّ الكِنْدِيِّ.
رَوَى سُفْيانُ بن عُيَيْنَة، عن إِسْمَاعِيْلَ بن أبي خَالِد، قال: شَهدْتُ جنازةً فيها جَرِيرٌ والأشْعَث، فقَدَّم الأشْعَثُ جَرِيرًا، وقال: إنِّي ارتدَدْتُ ولم تَرْتدّ.
وقال الحَسَنُ بن عُثْمان: ماتَ الأشْعَثُ الكِنْدِيُّ، ويكْنَى أبا مُحَمَّدٍ سَنَة أرْبَعيْن بعد مَقْتَل عليّ بأرْبَعيْن يَوْمًا فيما أخْبَرَني ولَدُه. وقال الهَيْثَمُ بن عَدِيِّ: صَلَّى عليه الحَسَنُ بنُ عليّ.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَدْ بن يُوسُف، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ
стр. 2341
الأَزَجِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بن بَكْرَان بن عِمْران الرَّازِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بن مَخْلَد بن حَفْص العَطَّار في الأسَامِي والكُنَى، قال: الأشْعَث بن قيسٍ أبو مُحَمَّد، حَدَّثَنَا بذلك العباس بن مُحَمَّد الدورِي، قال: حَدَّثَنَا يعلى -يعني ابن عُبَيْدٍ- قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ بن عُمَارَة، عن عبد الرَّحْمن بن يَزِيد، قال: دَخَل الأشْعَثُ على عَبْد اللَّه -يعني ابن مَسْعُودٍ- وهو يَتَغدَّى يَوْم عَاشُوْراء، فقال: يا أبا مُحَمَّد ادْن الغَدَاءَ.
стр. 2342
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
قَرَأتُ في كتاب القَرعْ (١) والشَّجْر لأبي الحسَين مُحَمَّد بن القَاسِم النَّسَّابَة التَّمِيْمِيّ، قال: وكان الأشْعَثُ بن قيس بن مَعْد يكَرِب الكِنْدِيُّ رُبَّما عَصَتْ عليه العَرَب، فنَفَتْهُ عن كِنْدَة، وألْحقَتْهُ بسينبخت، وهذا من البَاطِلِ الّذي لا يقبل، وسينْبخت هو ملكُ كِنْدَة وحَضْرَمَوْت، وهو أخُو سِنْدَاد أبنا مهربوذ بن جَانْدَان في خُسْرُو بن أدرهُرْمزِ (a) من نَسْل سُهْرَاب بن مَذْغَنْز بن تُوْسَفَان بن كُنَازِبْك (b) بن نَرْسِي بن شَاه بن سَاسَان.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: الأشْعَثُ بنُ قيس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاوِيَة بن الحَارِث بن الحَارِث (c) بن
стр. 2343
مُعاوِيَة بن ثَوْر بن مُرْتِعِ (a) بن مُعاوِيَة بن ثَوْر -وهو كِنْدَة- ابن عُفَيْر بن عَدِيّ بن الحَارِث بن مُرَّة بن أدد بن زَيْد بن يَشْجُب بن عَرِيْب بن كَهْلَان بن سَبأ بن يَشْجُب بن يَعْرب في قَحْطَان. وأُمُّهُ كَبْشَةُ بنت يَزِيد من وَلد الحَارِث بن عَمْرو، وكُنْيَةُ الأشْعَث أبو مُحَمَّد. قَدِمَ على رسُول اللَّه ﷺ في وَفْد كِنْدَة، وبُعَدُّ فيمَن نَزَل الكُوفَة منِ الصَّحَابَةِ، وله عن النَّبيِّ ﷺ رِوَايَة، وقد شَهِدَ مع سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ قِتَالَ الفُرْسِ بالعِرَاق. وكان على راية كِنْدَةَ يَوْمَ صِفِّيْن مع عليّ بن أبي طَالِب، وحَضَر قِتَال الخَوَارِج بالنَّهْرَوَان، وورَدَ المَدَائِن، ثُمّ عاد إلى الكُوفَة، فأقام بها حتَّى مات في الوَقْتِ الّذي صالحَ فيه الحَسَنُ بن عليّ مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان، وصَلَّى عليه الحَسَنُ.
أنْبَأْنَا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلميِّ، عن أبي نَصْر بن مَاكُولا (١)، قال: وأمَّا مُرْتِعُ -بضَمِّ المِيْم وسُكُون الرَّاءَ وكَسْر التَّاء المُعْجَمة باثْنَتَيْن من فَوْقها وتَخْفِيفها- فهو مُرْتِعُ بن معاوِيَة بن ثَوْر الأكْبَر -وهو كِنْدَة- ابن عُفَيْر بن عَدِيّ بن الحَارِث بن مُرَّة بن أُدَد، وسُمِّي مُرْتِعًا لأنَّهُ كان يُقال له: أرْتِعْنا في أرْضك، فيقول: قد ارتعْت مكان كَذَا وكَذا.
وقال ابنُ الكَلْبيِّ (٢): إنَّما سُمِّي عَمْرُو بن مُعاوِبَة بن ثَوْر مُرْتِعًا. وقيل فيه: مُرْتِّع، بفَتْح الرَّاء وتَشْديد التَّاء وكَسْرها.
أنْبَأنَا أبو نصر مُحَمَّد بن هِبةِ اللَّه بن مُحَمَّد الشِّيْرَازِيّ، قال: أخْبَرنَا عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح يُوسُف بن عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد، قال:
стр. 2344
أخْبَرَنا شُجَاعُ بن عليّ بن شُجَاع، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه (a) بن مَنْدَة، قال: أشْعَثُ بن قَيْس بن مَعْدِىِ كَرْب بن مُعاوِيَهَ بن جَبَلَةَ بن عَدِيّ بن رَبيعَة ابن الحَارِث بن مُعاوِيَة بن ثَوْر الكِنْدِيّ، يُكْنَى أبا مُحَمَّد، وكان قد ارتدَّ ثمّ راجع الإسْلَام (b) في خِلَافَة أبي بَكْر، وزوَّجَهُ أُخْتَه أُمّ فَرْوَهَ، شَهِدَ القَادِسيَّةَ، ومَدَائِن (c)، وجَلُولَاء، ونَهَاوَنْد، والحَكَمَيْن على عَهْد عليِّ، وفِيه نَزَلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١) الآية. تُوفِّي بالكُوفَة سَنَة اثنين وأرْبَعين، وصَلَّى عليه الحَسَنُ (d) بن عليّ.
أنْبَأنَا ابن المُقَيِّر، عن ابن نَاصِر، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن خَيْرُون، وأبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، وأبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، واللَّفْظُ له -زَادَ ابنُ خَيْرُون: ومُحَمَّد بن أحْمَد الأصْبَهَانيِّ- قالا: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إسْمَاعِيْل (٢)، قال: أشْعَثُ بن قيسٍ الكِنْدِيّ سَكَنَ الكُوفَة، وله صُحْبَةٌ.
أنْبَأنَا الحَسَن (e) بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا عليُّ بن الحَسَن الحافِظ (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الشَّقَّانيِّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَنْصُور بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَنا مَكِّيِّ بن عَبْدَان، قال: سَمِعْتُ مُسْلم بن الحَجَّاج (٤) يقول: أبو مُحَمَّد الأشْعَث بن قيسٍ الكِنْديّ له صُحْبَة.
стр. 2345
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن خَلِيل الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بَوْش الأزَجِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَدُ بن عُبيد اللَّه بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زِكَرِيَّاء النَّهْرَوَانيّ (١)، قال: حَدّثَنَا يزْدَادُ بن عبد الرَّحْمن، قال: حَدَّثَنَا أبو مُوسَى -يعني تِيْنَة- قال: حَدَّثَنَا القَحْذَمِيّ، قال: تزوَّج قَيْسِ بن مَعْدِي كَرْب بنْتَ الحَارِث بن عَمْرو من بني آكِل المُرَار، فوَلدتْ له الأشْعثَ بن قيس، فقال: أبو هَانئ الكِنْدِيّ: [من الوافر]
بنَات الحَارِثِ الملك بن عَمْرو … تَخَيَّرُهَا فتنكح في ذراها
لها الوَيْلاتُ إذا أنكحتمُوهَا … ألا طَعَنت بمُدْيَتها حَشَاهَا
وقد نبئْتُها ولدَتْ غُلامًا … فَلا عاش الغُلَام ولا هَنَاهَا
فأجَابَهُ أبو قَسَّاس الكِنْدِيّ: [من الوافر]
ألَا أبْلغ لدَيْكَ أبا هُنَيٍّ … ألَا تَنْهى لسَانَكَ عن رَدَاهَا
فقد طَالَبْتَ هِنْدًا قَبْل قَيْسٍ … لتَنْكحَها فلم تكُ من هَوَاهَا
فطافَتْ في المَنَاهِل تبتَغِيها … فلاقَتْ مَنْهلًا عَذْبًا شَفَاهَا
شَدِيد السَّاعدين أخَا حُرُوب … إذا ما سِيْلَ منْقِصَةً أباها
وما حُثَّتْ مطيَّتُهُ إليها … ولا من فَوْق ذَرْوتها أتَاهَا
قال عِيسَى: قال القَحْذَمِيِّ: وآلُ الأشْعَث يُنْشدُونَ هذا الشِّعْر ولا يُنْكرونه. قال: والأشْرَاف لا يُبالُونَ أنْ يكون أخْوَالهم أشْرَف من أعْمَامِهِم (a).
قال القَاضِي الجَرِيْريِّ (٢): قَوْله في الشِّعْر:
ألَا تَنْهى لسَانَكَ عن رَدَاهَا
стр. 2346
أنَّثَ اللِّسَان، وذَكَر أهْل العِلْم بالعَرَبِيَّة أنَّ العَرَب تُذَكِّر اللِّسَانَ وتُؤنِّثُه، وقيل: إنَّ مَنْ أنَّثَهُ أرادَ بهِ اللُّغَة والرِّسَالَة كقول الشَّاعِر (١): [من البسيط]
إنِّي أتتْني لسَانٌ لا أُسَرُّ بها … من عَلْوَ لا صَخَبٌ فيها ولا سَخَرُ
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن عُمَر بن أبي نَصْر بن عَبْد الدَّائم الغَزَّال في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ بن هِبَةِ اللَّه بن المَأْمُون -ونَقَلْتُه أنا من خَطِّه (a)- قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه يَحْيَى بن الحَسَن بن أحْمَد بن البَنَّاء، قال: أنْبَأنَا أَبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَهْل النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو (b) الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن دِيْنارٍ الكَاتِب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَسَن بن بِشْر الآمِدِيّ، قال: الأشْعَثُ بن قَيْس بن مَعْدِي كَرْب بن مُعاوِيَة بن جَبَلَة بن عَدِيّ بن رَبِيْعَة بن مُعاوِيَة الأكْرَمين الكِنْدِيّ كان شَاعِرًا وسَيِّدًا كَرِيْمًا، وهو القائلُ يَوْم صِفِّيْن (٢): [من الرجز]
ميْعَادُنَا اليَوْمَ بيَاضُ الصُّبْح … دِبُّوا إلى القَوْم بطَعْنِ سَمْح
حَسْبي من الإقْدَام قيْد رُمْح
قال الآمِدِيُّ (٣): ووهَبَ جَارِيَةً نَفِيْسَةً لرَجُلٍ من جُهَيْنَة ضَافَهُ، فلَامَهُ أهْلُهُ، وقالوا: يا شَيْخ، قد ذَهَب عَقْلُكَ (c)! فقال: [من الوافر]
تملَّكَهَا وكانَ لِذاكَ أهْلًا … أشَمُّ الأنْفِ أصيَدُ كالفَنيقِ
نَماهُ من جُهَيْنَةَ خَيْرُ نَامٍ … إلى العَلْيَاءِ والحَسَب العَتِيْقِ
стр. 2347
فظلَّ بها يُلاعِبُها عَرُوسًا … على لَبَّاتِهَا عَبَقُ الخَلُوقِ
فلا تَذْهَبْ نفُوسُكُمُ علَيها … ولا تَسْمُوا إلى الخَطر الدَّقِيْقِ
أنْبَأنَا أحْمَدُ بن الأزْهَر بن السَّبَّاك في كِتَابِهِ إليْنَا من بَغْدَاد أنَّ القَاضِي أبا بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ أخْبَرَهُم من كتابهِ، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، عن أبي عُبَيْد اللَّه المَرْزُبانيّ قال في مُعْجَم الشُّعَراء (١): الأشْعَث بن قَيْس الكِنْدِيّ، مُخَضْرَم، نَزَل الكُوفَة، له شَرَفٌ في قَوْمِهِ، وله مع عليّ بن أبي طَالِب أخْبَار، وهو القائلُ في يَوْم صِفِّيْن، وشَهدَهُ مع عليّ صَلَواتُ اللَّه عليه: [من الرجز]
ميْعَادُنا اليَوْمَ بيَاضُ الصُّبْح … لا يَصْلُح الزَّادُ بغير مِلْح
لَا لَا ولا الأمرُ بغير نُصْح … دِبُّوا إلى القَوْم بطَعْن سَمْح
لا صُلْحَ للقَوم وأين الصُّلْح … حَسْبى من الإقْدَام قابُ رُمْح
وتهَدَّدَهُ عليّ ﵇ لشيء بلَغَهُ عنه، فعَيَّرته امْرأتُه بذلك، فقال (٢): [من الكامل]
ولقد دَخَلْتُ على عليٍّ مرَّةً … فخرَجْتُ منها ما أُقِلُّ عِطَافَا
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقنَديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُّور، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر المُخَلِّصُ، قال: حَدَّثَنَا رِضْوَانُ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا يُونُس بن بُكَيْر، عن ابن إسْحاق، قال: وكان من حديث كِنْدَة حين أرتَدَّت أنَّ رسُول اللَّه ﷺ كان بَعَثَ إليهم رَجُلًا من الأنْصَار يُقالُ له زِيَاد بن لَبِيْد -وكان عَقَبِيًّا، بَدْرِيًّا- أميرًا على حَضْرَمَوْت فكان فيهم حَيَاةَ رسُول
стр. 2348
اللَّه ﷺ ، يُطيعُونَه ويُؤدُّونَ إليه صَدَقَاتهم لا يُنازعونَهُ، فلمَّا تُوفِّي رسُول اللَّه ﷺ ، وبلَغَهُم انتقاضُ مَنْ انْتَقض من العَرَب، ارتدُّوا وانْتَقَضُوا بزياد بن لَبِيْد.
وكان سَبَبُ انْتقاضِهم به أنَّ زيادًا أخَذَ فيما يأخُذُ من الصَّدَقَة قَلُوصًا لغُلَامٍ من كِنْدَة، وكانت كَوْمَاءَ من خِيَار إبلِهِ، فلمَّا أخَذَها زِيَادٌ فعَقَلَها في إبل الصَّدقَة ووَسَمَها، جَزِعَ الغُلَام من ذلك، فخرَجَ يَصِيْحُ إلى حَارِثَةَ بن سُرَاقَة بن مَعْدِي كَرْب، فقال: أُخِذَتِ الفُلَانيَّةُ في إبل الصَّدَقَة، فأُنْشدُكَ اللَّهَ والرَّحِم، فإنَّها أكْرَمُ إبلي عَليَّ بَعِيْرًا وأعزَّهُ، فخَرَج معه حَارِثَةُ حتَّى أتى زيادًا فطَلَبَ إليه أنْ يَرُدُّها عليه ويأخُذَ مكانها بَعِيْرًا، فأبَى عليه زِيَاد، وكان رَجُلًا صُلْبًا مُسْلِمًا، وخَشِي أنْ يَرَوا ذلك منه ضَعْفًا وخَورًا للحَدِيْث الّذي كان، فقال: ما كُنت لأرُدُّها وقد وَسَمْتُها في إبل الصَّدَقَة، ووقَع عليها حَقُّ اللَّه ، فراجَعَهُ حَارِثَةُ فأبَى، فلمَّا رأى ذلك حَارِثَةُ قام إلى القَلُوص فحلَّ عقَالَها ثمّ ضَرَبَ وَجْهَها فقال: دُوْنَك وقَلُوْصَكَ، لصاحبها، وهو يَرْتَجِزُ ويقول: [من الرجز]
يَمْنَعُها شَيْخ بخَدَّيهِ الشَّيْبُ … قد لَمَّع الوَجْهَ كتَلْمِيع الثَّوب
اليَوْم لا أخْلطُ بالعِلْم الرَّيْب … وليس في مَنْعِي حَريمي من عَيْب
وقال حَارِثَةُ بن سُرَاقَة الكِنْدِيّ: [من الطويل]
أطَعْنَا رسُول اللَّهِ ما دامَ وسْطَنا … فيا لعِبَادِ اللَّه ما لأبي بَكْرِ
أيأخُذُها قَسْرًا ولا عَهْدَ عندَهُ … يُمَلّكُه فينا وفيكم عُرَى الأمْرِ
فَمن يَكُ يُهْدِيها بلا هُدًى … وقد مات مَوْلاها النَّبِيّ ولا غَدْرِ
فنحنُ بأن نخْتَارَهَا وفِصَالَها … أحقُّ وأوْلَى بالإمارة في الدَّهْرِ
إذا لم يكُن من ربّنا أو نَبيِّنا … فَذُو الوَفْر أوْلى بالقَضيَّةِ في الوَفْرِ
أَيُجْري على أمْوَالنا النَّاس حُكْمَهُم … بغير رضًا إلَّا التَّسَنم بالقَسْرِ
стр. 2349
بغير رضا منَّا ونحنُ جَمَاعَةٌ شُهُودًا … كأنَّا غَائبين عن الأمْرِ
فتلكَ إذا كانت من اللَّه زلفَةٌ … ومن غيره إحْدَى القَوَاصِم للظَّهْرِ
فأجابَهُ زِيَادُ بن لَبِيْد: [من الطويل]
سَيْعَلَمُ أقْوَامٌ أطَاعُوا نبيَّهُمٍ … بأنَّ غَوِيَّ القَوْم ليسَ بذِي قَدْرِ
أذاعَتْ عنِ القَوْم الأصَاغِرِ لعنةً … قُلُوبُ رجَالٍ في الحُلُوقِ منَ الصَّدْرِ
وذُمُّوا لعُقْبَاهُ إذا هيَ ضَرَّمَتْ … هوَادِيَهُ الأُوْلَى على حين لا عُذْرِ
فإنَّ عَصَا الإسْلَام قد رَضِيَتْ به … جماعتُهُ الأُوْلَى برَأيِ أبي بَكْرِ
فإنْ كُنْتُمُ منهم فطَوْعًا لأمْرِهِ … وإلَّا فأنتُم من مُخَافِتَةٍ صُغْرِ
فنحنُ لكم حتى نُقيمَ صعُورَكُم … بأسْيَافنا الأُوْلَى وبالذُّبَّل السُّمْرِ
رُوَيْدَكُم إنَّ السُّيُوف الَّتي بها … ضَرَبْناكُمُ بَدْءًا بأيْماننا تَبْري
أبَعْدَ الّتي بالأمْسِ كُنْتُم غَرِيْتُمُ … لها تَبْتَغُون الغَيِّ من فَرَطِ الصُّغْرِ
وكانَ لهم في غَيّ أسْوَدَ عِبرةٌ … وناهِيَةٌ عن مثْلها آخِرَ الدَّهْرِ
تلَفَّتَ فيكُم بالنِّسَاءِ ابنُ غيّةٍ … وبالقَوْمِ حتَّى نالهُنَّ بلا مَهْرِ
فإنْ تُسْلِمُوا فالسِّلْمُ خيرُ بَقِيَّةٍ … وإِنْ تَكْفُروا تسْتَوبِلُوا غِبَّةَ الكُفْرِ
وتفرَّق النَّاسُ عند ذلك طائفتين: فصارَت طائفةٌ مع حَارِثَة بن سُرَاقَة، قد ارتَدُّوا عن الإسْلَام، وطائفةٌ مع زِيَادِ بن لَبِيْد، فلمَّا رَأى ذلك زِيَادٌ قال لهم: نَقَضْتُم العَهْدَ وكَفَرْتُم، فأحْلَلْتُم بأنفُسِكم واغْتَنَمْتُم أُوْلَاها بعد عُقْباها. فقال حَارِثَةُ: أمَّا عَهْدٌ بيننا وبين صاحبك هذا الأحْدَثِ، فقد نَقَضْناها وإن أَبيْتَ إلَّا الأُخرى أصَبْتَنا على رَجُل فاقْضِ ما أنت قَاضٍ (a)، فتنحَّى زِيَادٌ فيمَن اتَّبَعَهُ (b) من كِنْدَة وغيرهم قريبًا، وكَتَب إلى المُهاجِر أنْ يُمِدّه، وأخْبَره خَبَر القَوْم، فخرَج المُهاجِر إليه،
стр. 2350
وسَمِعَ الأشْعَثُ بن قَيْسٍ صَارخًا من أعْلَى حِصْنِهِم في شَعْراء من اللَّيْل: [من الرجز]
عَشِيرة تملك بالعَشيْرَه … في حَائطٍ يَجْمَعُها كالصِّيْرَه
والمُسْلمُون كاللُّيُوث الزِّيْره … قَبَائِلٌ أقلُّها كَثِيْره
فيها أميرٌ من بني المُغِيرَه
فلمَّا سَمِعَ الأشْعَثُ الصَّارخ (a) إلى ما قد رأى من اخْتِلَاف أصْحَابه بادَرَهُم فخرَج من تحت لَيْلَته حتَّى أتى المُهاجِر وزيادًا، فسألهما أنْ يُؤْمناهُ على دَمِهِ ومالهِ حتَّى يُبْلِغاهُ أبا بَكْرٍ فيَرَى فيه رأيَهُ، ويفْتَح لهم باب الحِصْن ففَعَلا، وفتح (b) لهم بابَ الحِصْن، فدَخَل المُسْلمُون على أهْل الحِصْن فاسْتَنْزَلُوهم (c) فضربُوا أعْنَاقهم، واسْتَاقُوا أمْوَالهم، واسْتَبَوا نسَاءهم، وكَتَبُوا إلى أبي بَكْر بذلك، واسْتَوْثَقُوا من الأشْعَث حتَّى بَعثُوا به إلى أبي بَكْر في الحَدِيْد مُوثقًا، فقال له أبو بَكْر: كيف تَرَى صَنِيْع اللَّه بمَن نقضَ عَهْدَه؟ فقال الأشْعَثُ: أرَى أنَّهُ قد أخْطأ حَظَّهُ، وتَعِس جَدُّه، فقال له أبو بَكْر: فما تأمرني فيك؟ قال: آمُرُكَ أنْ تَمُنَّ عليَّ فتفكَّني من الحَدِيْد وتَزوِّجني أُخْتَك أُمّ فَرْوَة ابنة أبي قُحَافَة، ففَعَل أبو بَكْر، فقال الأشْعَثُ حين زوَّجه أبو بَكْر (١): [من الطويل]
لعَمْرِي وما عَمْرِي عليَّ بهَيِّنٍ … لقد كُنتُ بالإخْوَان (d) جِدّ ضَنِينِ
أُحاذر أنْ تضْرَب هناك رُؤوسُهم … وما الدَّهْرُ عندي بعدها بأَمِيْن
فلَيْتَ جُنُوبَ النَّاسِ تحتَ جنُوبهم … ولم تَرم أُنْثى بعْدَهُم بجَنِيْن