← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بَلَدًا مَعْروفًا قَبْل الإسْلام، وبهِ كان مَقْتَلُ المُنْذِر بن مَاءِ السَّماءِ اللَّخْمِيّ مَلِك الحِيْرَة، فنزَلَهُ بَنُو القَعْقَاعَ بن خُلَيْد بن جَزْءٍ بن الحَارِث بن زُهَيْر بن جَذِيْمَة بن رَوَاحَة بن رَبيعَة بن مَازِن بن الحَارِث بن قُطَيْعَة بن عَبْس بن بَغِيض، فأوْطَنُوهُ فَنُسبَ إليهم، وكان عَبْدُ المَلِك بنُ مَرْوَان أقْطَعَ القَعْقَاعَ بهِ قَطِيْعَةً، وأقْطَع عمَّهُ العبَّاس بن جَزْءٍ بن الحاَرِث قطائِعَ أوْغَرَهَا لهُ إلى اليَمَن، وأُوْغِرَتْ بَعْدهُ، وكانت - أو أكثرها - مَوَاتًا. وكانت ولَّادَةُ بنْتُ العبَّاس عند عَبْدِ المَلِكِ بن مَرْوَان فولَدَتْ له الوَلِيدَ وسُلَيمانَ. بابٌ في ذِكْرِ مَعَرَّة النُّعْمَان (١) هي مَدِينَةٌ حَسَنةُ، وكان لها سُورٌ من الحِجَارة، وأبنيتها أبنيةٌ حَسَنةُ بالحَجَر، وهي كَثِيْرة الأشْجَار والفَوَاكِه، لا سِيَّما من التِّيْن والفُسْتُق والزَّيْتُون. ويَغْلِبُ على أهْلهَا الذَّكَاءُ المُفْرط، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءَ والشُّعَرَاء منهم أبو العَلاء بن سُلَيمان. وكان الفِرِنْج قد هَجَمُوها، وتَشَتَّتَ أهلُها في البِلاد [في سَنة ستٍّ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة] (a)، ثمّ فتحَها من أيديهم أتَابِك زَنْكي بن آقْسُنْقُر، وردَّ على أهلها

стр. 247

أمْلاكهم، فعَادوا إليها وسكنُوها، وعمرت المَدِينَة عِمَارَة حَسَنَة، لكن سُورها خَرِب، وبنَى بها المَلِك المُظَفَّر مَحْمُود بن نَاصِر الدِّين مُحمَّد بن تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَانْشَاه - حين كانت في يَدهِ - قَلْعَةً حَسَنَة حَصِيْنَة (١)، ونقل حجارتها من سِيَاث (٢)؛ مَدِينَة خَرِبَةٍ كانت قريبًا منها، ومن أبْنيةِ الرُّوم الَتي في الكَنَائِس المُتهدِّمَة (a) في بَلدها. وانْتزعها من يَده عَسْكَرُ المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف ابن المَلِك العَزِيز بن المَلِك الظَّاهِر، أعزَّ اللّهُ أنْصَاره، فزادَ في عِارتها وتقويتَها، فقَوِيَت قُلُوبُ أهلها بالقَلْعَة، ورَغبوا في عِمَارَة البَلَد وسُكْناه، وهي اليوم من أعْمَر البلاد، وقد صَار أكثر عُبُور القَوَافِل عليها. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد وأبو العبَّاس ابنا عَبْد اللّه بن عُلْوَان الأسَدِيّانِ، عن أبي عَبْد اللّه مُحمَّد بن أبي السَّعَادَات عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن أبي الحَسَن المَسْعُودِيّ، قال: مَعَرَّة النُّعْمَان هي مَنْسُوبَة إلى النُّعْمان بن بشِير من الصَّحَابَة رِضوَان اللّه عليهم؛ كان وَالي حِمْص والعَوَاصِم وتلك النَّواحِيّ، وكانت المَعَرَّة قديمًا تُسمَّى ذات القُصُور، فلمَّا ماتَ للنُّعْمان ابن هناك، قيل لها مَعَرَّة النُّعْمَان (٣).

стр. 248

وأخْبَرَنِي أبو الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ، قال (١): كان اسْمُها - يعني المَعَرَّة - قديمًا ذات القُصُور، فَنُسِبَت إلى النُّعْمان بن بشَير من الصَّحابَةِ ﵃؛ لأنَّ ابنَهُ ماتَ بها. وبَلَغَني من غيره أنَّ الَّتي تُعْرفُ بِذَاتِ القُصُور هي مَعَرَّة مَصْرِيْن، والأوَّل أَصَحُّ. وأخْبَرَني القَاضِي شِهَاب الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن مُدْرِك بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، قاضيها بها، فيما يَأْثرهُ عن أهْل مَعَرَّة النُّعْمَان، أنَّ مَعَرَّة النُّعْمَان إنَّما نُسِبَت إلى النُّعْمان بن بَشِير؛ لأنَّ مَوْضعَها كان أَجَمَةَ قَصَبٍ، وكان سُكْنى أهْل المَعَرَّة بِسيَاث، وهي المَدِينَة إذ ذاك، وآثارُهَا تَدُلُّ على ذلك، فخرج من سِيَاث ولد النُّعْمان يَتَصَيَّد، فافْترسَهُ الأَسَدُ عند الأَجَمَة، فدفنَهُ في ذلك المَوْضع، وبنَى مَنْزِلًا عند قَبْره، وقال لأهْل سِيَاث: مَنْ كان يُودّني، ويُحبّ مُوافقتي، فليَبْنِ لهُ مَوْضعًا عند الموضِع الّذي ابْتَنيتَه، فبنَى النَّاس مَعَرَّة النُّعْمَان، وسُمِّيت بذلك لِمَا لَحِقَ النُّعْمان من مَعَرَّة الحُزْن على وَلدهِ. قُلتُ: والصَّحيحُ أنَّ النُّعْمان بن بَشِير جَدَّدَ بناءَهَا وزَادَ فيهِ، واخْتارها للمَقام أيَّام ولايته فنُسِبَت إليهِ، وقد كانت مَدِينَةً مَعْروفةً قبل ذلك؛ فَتَحَها أبو عُبَيْدَة ﵁. وأكثر أهْلها من تَنُوخ. وقال البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان له (٢): هي مَنْسُوبَه إلى النُّعْمان بن بَشِير.

стр. 249

وقال ابنُ حَوْقَل النَّصِيْبِيّ في جَغْرَافيَا (١): مَعَرَّة النُّعْمَان مَدِينَةٌ وما حَوْلها من القُرَى أعْذَاءٌ؛ ليس بنواحيها ماءٌ صَارٍ ولا عَيْنٌ. كذا قال، وقد شاهدْتُ عَيْن مَاء من قِبْلي المَعَرَّة على الطَّريق بالقُرْبِ منها. وقال الجَدَلِيُّ (٢): هي مَنْسُوبَةٌ إلى النُّعْمان بن بَشِير الأنْصاريّ، كان مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان أقْطَعَهُ إيَّاها فَنُسِبَتْ إليهِ. وقال ابنُ وَاضِح الكَاتِب (٣): ومَعَرَّة النُّعْمَان مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ خَرَابٌ، وأهْلها تَنُوخ. وذكَرَ صَاحبُنا يَاقُوت بن عَبْد اللّه الحَمَوِيّ في كتابه (٤)، وقال: بمَعَرَّة النُّعْمَان قبرُ مُحمَّد بن عَبْد اللّه بن عَمَّار بن يَاسِر. وقَرَأتُ بِخَطِّ مُحمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن الكَاتِب، في رُوزنَامج (٥) أنْشَأَهُ، وذكَرَ فيهِ رِحْلتَهُ من بلاد أَذْرَبِيْجَان إلى الحَجِّ وعَوْدِه منهُ، وجِعلَهُ كالتَّذْكرة لولَده، قال فيه بَعْدَ أنْ ذكَرَ خُروجَهُ من حَلَب حَرَسَها اللّهُ: ونَزَلْنا سَرْمِيْن، فاسْتقبلني القائدُ بها بالإكْرام وِالإنعام، ورَكب في صُحْبَتي إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، بل مَقرّ الرُّوْح والرَّيْحان، بل زهْرة العَيْن والجَنَانِ، بل مَعْدِن البَيان واللِّسَان

стр. 250

والرُّجْحَان، في الأدَب والشِّعْر والإتْقَان، بل مَحَلّ كُلّ كريم وهِجَان، وهي مَدِينَة تَبُلُّ غُلَّةَ الظَّمآن، وتَفْثَأُ أكلةَ الغَرْثَانِ السَّغْبَان. أخْبَرَنَا أبو عَليّ الأوَقيّ إذْنًا، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: حَدَّثَني أبو مُحمَّد بن أحْمَد بن إبْرَاهِيْم الرَّازِيَّ، قال: هذه نُسخة كتاب الشَّيْخ أبي الفَتح عَبْد العَزِيْز بن الحُسَيْن بن عليّ بن زُبَيْد المِصْرِيّ، وقد رأيتُهُ بمَعَرَّة النُّعْمَان، ولم أسْمعها منهُ، وذكَرَ فيها: ثمّ سافرتُ منها - يعني طَرابُلُس - فوصَلتُ مَعَرَّة النُّعْمَان، فوجَدْتُها واسعة الأسْواق، كَثِيْرة الأَرْفاق، صَحيحة الهَوَاء، واسعَة الفَضَاءِ، مياهُها غَزيرة، وفواكهُها كَثِيْرة، وأهلُها يَميْلُون إلى الخَيْر والتَّعَفُّف، ويَعِيْشُون [بالقَناعَة والتكلُّف] (a)، وفيهم بعضُ الحَمِيَّة، وشيءٌ من العَصَبِيَّة، ولهم مع هذا مَعْرفة بالشَّرِّ والخصُومَة، وعادة شدَّة السّعاية والنَّميمة، غير أنَّ ذلك فيما بينهم؛ لا يتعدَّاهم ولا يتجاوزَهم إلى أحَدٍ سواهم. وأنْبَأنَا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، عن تاج الإسْلام أبي سَعْد السَّمْعانيّ، قال (١): وذكَر أبو نَصْر بن هُمَيْمَاه الرِّامشِيِّ أنَّ النِّسْبَة الصَّحيحة إليها: مَعَرنَمِيّ؛ لأنَّ ثَمَّ مَعَرَّتَيْن: مَعَرَّة النُّعْمَان ومَعرَّةَ مصْرِيْن (b)، فالنِّسْبَةُ إلى الأُوْلَى: معرنَميّ، وإلى الثَّانيَة: مَعرْمَصِيّ (c)، غير أنَّ أكثر أهل العِلْم لا يَعرْفُ ذلك، والمَعَرِّيّ المُطْلَق مَنْسُوبٌ إلى مَعَرَّة النُّعْمَان. قال أبو سَعْد السَّمْعانيّ (٢): خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلماء في كُلِّ فَنّ، وقَبْر عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ في سَوَادِها بموضعٍ يُقالُ لهُ دير سِمْعَان.

стр. 251

ومن أحْسَن ما وقَع إليَّ في وَصْفها، أبياتٌ قالها الوَزِير أبو القَاسِم الحُسَيْن بن عليّ بن الحُسَيْن بن المغْربِيّ، وقد أخْبَرنا ببعض قَوله أبو هاشِم عَبدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحمَّد بن مَنْصُور، قال: أنْشَدَني أبو صَالِح قراطاش بن طُنْطاش (a) الظَّفْرِيّ إمْلاءً، قال: أنْشَدَني أبو العِزّ أحْمدُ بن عُبَيْد اللّهِ بن كَادِشٍ العُكبَرِيّ، ح. وقد أنْبَأنَا أبو حَفْص بن طَبَرْزَد، عن ابن كَادِش، قال: أنْشَدَني أبو عَبْد اللّهِ مُحمَّد بن جَرْدَة (b)، قال: أنْشَدَني الوَزِير أبو القَاسِم المَغربِيّ لنَفْسه؛ والأبيات (١): [من الخفيف] مَا على سَاكن المَعَرَّة لو … أنَّ دِيارًا نبَتْ بهم أو طُلُولا يسكنُونَ العُلَا مَعاقِل شُمًّا … ويروْنَ الآدَابَ ظِلًّا ظَلِيْلا مَنْزلٌ شَاقَنِي أنيسٌ ومَا كا … ن رسُومًا نواحلًا وَطُلُولا حيثُ يُدْعَى النَّسيمُ فظًّا وتُلْفَى … سَبَلُ الغادِياتِ شكسًا بَخيلا أينما تَلْتَفِتْ تَجدْ ظِلّ طُوْبَى … وتَجدْ كَوْثَرًا أغَرَّ صَقِيْلا تُرْبُها طيَّبَ الشَّبَاب فما تَصْـ … ـحَبُ إلَّا السُّرُورَ فيها خَلِيْلا فتَرى اللَّهْوَ إنْ أردْتَ طَلِيقًا … والتُّقَى إنْ أرَدْتَّهُ مغْلُولَا وإذَا ما اعْتَزى بها الأدَبُ العُذْ … رِيُّ جاءُوا عمارةً وقَبيلا ليتَ لا يعْنِفُ السَّحَابُ عَليها … ليتَهُ جادَهَا عليلًا كَليْلا وسَلامٌ على بَنِيْها ولا زا … لَ نَعِيْمُ الحيَاةِ فيهم نَزِيلا أنْشَدَنا الحَسَن بن عَمْرو بن دُهْن الحَصَا، قال: أنْشَدَنا الخَطِيب أبو الفَضْل عَبْد اللّه بن أحْمَد الطُّوسِيّ، قال: أنْشَدَنا الخَطِيب أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ إجَازَةً، ح.

стр. 252

وأنْشَدَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني أبو جَعْفَر مُحمَّد بن المُؤيَّد بن أحْمَد التَّنُوخيَّ، قال: أنْشَدَني جَدِّي أبو اليَقْظَان أحمَد بن مُحمَّد بن حَوَارِيّ، قالا: أنْشَدنا أبو العَلاء أحْمَد بن عَبْد الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ لنفسهِ ممَّا قاله ببَغْدَاد يَتَشَوَّق بَلَده (١): [الطّويل] مَتى سَألَتْ بَغْدَادُ عنِّي وأهلُها … فإنِّيَ عن أهْلِ العَوَاصِم سَأآلُ إذا جَنَّ ليْلي جُنَّ لُبّي وزَائِدٌ … خُفُوقُ فؤادي كُلَّما خَفَقَ الَآلُ وماءُ بلادي كانَ أنْجَعَ مَشْرَبًا … ولو أنَّ ماءَ الكَرْخِ صَهْباءُ جِرْيالُ فيا وَطَني إنْ فاتني بكَ سَابِقٌ … من الدَّهْر فليَنْعِمْ لسَاكِنكَ البَالُ فإنْ أسْتَطِعْ في الحَشْر آتِكَ زَائرًا … وهَيْهاتَ لي يَوْمَ القِيامَةِ أشْغَالُ بابٌ في ذِكْرِ مَعَرَّة مَصْرِيْن (٢) وهي من الجَزْر من عَمَل حَلَب، ويُقالُ فيها مَعَارَّة مَصْرِين أيضًا. وهي مَدِينَةٌ مَذْكُورَة، وبَلْدَةٌ مَشهُورة، لها ذِكْرٌ في الفُتُوح، وباب الرِّزْق فيها لطالبه مَفْتوح، باطنها حَسَن، وظاهرُهَا أغَن، محفوفةٌ بالأشْجَار، وشِرْبُ أهلهَا من ماء الأمْطَار، ولها سُور قديم مبنيّ بالحَجَر، وقد تهَدَّم، وكاد أنْ لا يبقى منه إلّا الأَثَر.

стр. 253

وكان الفِرِنْج قد اسْتَولوا عليها حين اسْتَولوا على الأثارِب وزَرْدَنَا (١)؛ وزَرْدَنَا قَرْيَةٌ قريبة منها كان لها قَلْعَة خَرِبَت، ففَتَح إيلْغَازِي بن أُرْتُق مَدِينَة مَعَرَّة مَصْرِيْن وزرْدَنَا والأثارِب في سَنة ثلاث عَشرة وخَمْسِمائَة بعد أنْ كسَرَ الفِرِنْج على ما نَشْرحه إنْ شَاءَ اللّهُ في تَرْجَمَتِهِ (٢). وأهلُها ذوو يَسَار وأمْوال وأمْلاك، ولمَّا هَجَمها الفِرِنْج دقَنَ أهلها فيها أمْوالًا، فظَهَرَ بعدَهُم منها شيء. ويقالُ إنَّها هي الّتي تُعْرفُ بذاتِ القُصُور، وكان أكابر حَلَب وأعْيانُها يَرْغَبُون في اقْتناء الأمْلاك جها، واتِّخاذِ الدُّوْرِ والمنازِل فيها، وكان فيها لسلَفنا أمْلاكٌ وافرة، خَرَجَ عنَّا بعضُها، وبَقِي البعضُ، ويُجْلبُ منها الزَّيْتُ الكَثِيْر، وأرضُها عَذِيّ؛ يُزْرِع فيها البَصَل والثُّوم والكُسْفَرَة (a) والحَبَّة (٣)، فتأتي على أكْمل ما يكون من غير سَقْي.

стр. 254

وذكَرَ أحْمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان (١)، ما ذكَرهُ عن مَشَايخِه في ذِكْر الفُتُوح، قالوا: وبَلَغَ أبا عُبَيْدَة أنْ جَمعًا للرُّوم بين مَعَارَّة مَصْرين (a) وحَلَب، فلقيَهم وقَتَل عدَّة بَطَارِقَةٍ، وفضَّ ذلك الجَيْش، وسَبَى وغَنِم، وفتَحَ مَعَارَّة مَصْرِين على مِثْل صُلْح حَلَب. وقد عَدَّ ابنُ وَاضِح الكَاتِب لجُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم كُوَرًا، فقال (٢): وكُورَة مَرْتَحْوان (٣)، وكُورَة مَعَرَّة مَصْرِيْن. قُلتُ: وكلتاهما من الجَزْر مُتَلاصقتان، ومَرْتَحْوان قريبة من مَعَرَّة مَصْرِيْن. وقال الحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبيّ في كتابهِ: وكان بَلَد مَعَرَّة مَصْرِيْن إلى جَبَل السُّمَّاق بلد التِّيْن والزَّبِيْب والفُسْتُق والسُّمَّاق وحَبَّة الخَضْراء، يَخْرج عن الحدِّ في الرُّخْص، ويُحْمل إلى مُدُن العِرَاق، ويُجَهَّز إلى كُلِّ بَلَدٍ.

стр. 255

أنْشَدَني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبرَاهِيم بن سَعيد بن الخَشَّاب، قال: أنْشَدَني بعضُ أهل مَعَرَّة مَصْرِيْن لَحْمدَان بن عَبْد الرَّحِيْم (١): [من البسيط] جَادَت مَعَرَّة مَصْرِيْن من الدّيَمِ … مثلُ الّذي جَاد من دَمْي لبَيْنهمِ وسَالَمَتْها اللَّيالِي في تغيُّرها … وصافحَتْها يدُ الآلاءِ والنّعَم ولا تناوَحت الإعْصَارُ عاصفةً … بعرْصَتَيها كما هَبَّت عك إرم حَاكَت يَدُ القَطر في أفنائها حُلَلًا … مِنِ كلّ نَوْرٍ شَنيْب الثَّغْر مُبْتَسم إذا الصَّبَا حرّكت أنْوارهَا اعتنقت … وقَبَّلت بعْضُها بعضًا فمًا لِفَمِ كأنَّما نشَرت كفُّ الرَّبيعْ بها … بَهَارَ كِسْرَى مليْك الفُرْس والعَجَم كم وقفَةٍ لي بباب السُّوْق أذكرُها … مع أُسْرةٍ مَاتَت الدُّنْيا لموتهم وكم على تَلِّ باب الحِصْن من أربٍ … أدركته عند خلٍّ من بَني جُشَمِ وكم على الجانب الشَّرْقيّ لي خُلَسٌ … مع فِتْيَةٍ يَدْرؤُونَ الهَمَّ بالهِمَمِ مُهلهْليُّون لا يألُون في كرم … جهدًا ويرْعَونَ حقّ الجارِ والذّمَمِ عَاقرتُهم وجَلابيبُ الصِّبا قُشُب … وعَارضي غير مُحْتاجٍ إلى الكَتَمِ يا ليتَ شِعْري ولَيْتٌ أصبَحَتْ غُصَصًا … هل يَجْمع اللّهُ شمْلي بعد بينهِم وما كَفَى الدَّهْر منّي أنْ نأى بكمُ … عنّي وغَادرني لحمًا على وَضَمِ حتَّى أراني حِصَار الكَفر ثانيةً … بناظرٍ غَرْق تحتَ الدُّمُوع عَم صَبْرًا لعلِّي أرى للدَّهرِ عاطفةً … تدبُّ فينا دبيبَ البُرْءِ في السّقَمِ فاللّهُ يُعقبُ أهل الصَّبْر إنْ صَبَروا … وصَابَرُوا بنَعيم غير مُنْصَرِم

стр. 256

الكَفْر (١): قَرْيَةٌ كبيرةٌ من الجَزْر من كُورَة مَرْتَحْوان، ولها مغائر كان الفِرِنْج إذا أغاروا على البَلَدِ دَخَلُوا واحْتَموا فيها، ومعهم أهل يَحْمُول (٢) وبيت رأس (٣)؛ وهي ثلاث (a) قُرَى مُجْتَمعات، يُسْمع في كُلِّ قَرْيَة صَوْت مَنْ يَصيح في الأُخْرى، فكان الفِرِنْج يَحْصُرونهم في المغائر فلا يَقْدرُون عليهم. أنْبَأنا أبو القَاسِم الحُسَيْن بن هِبَة الله بن صَصْرَى، قال: أجَازَ لنا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن نَصْر بن صَغِير القَيْسَرَانِيّ، وقال في مَعَرَّة مصْرِيْن، ورَأيتُه أنا بخَطِّه في دِيْوَان شِعْره (٤): [من المتقارب] مَعَرَّة مَصْرِيْنَ (b) ناهيكَ مِصْرًا … مَحَلًّا مُحلًّى بَهَاءً وفَخْرا أرقَّ البقَاعِ هَوَاءً ومَاءً … وأبْهَى المَنازِل دَارًا وقَصْرَا أقَمْتُ بها يوْمَ صَدْرٍ أغَرّ … يُضاهِى وُجُوهًا من القَوْمِ غُرَّا وَوَالَهْفَتَا لو أعان الزَّمانُ … خَلَعْتُ على ذلك اليَوْم شَهْرا (c)

стр. 257

بابٌ في ذِكْرِ حَاضِر قِنَّسْرِيْن (١) ويُقالُ لهُ: حَاضِر طَيِّء، وكان مَدِينَةً إلى جَانب قِنَّسْرِيْن، ولها قَلْعَةٌ تُشبهُ قلعَة قِنَّسْرِيْن، وبها قَوْمٌ من طَيِّء، فلهذا يُنْسبُ إليهم. وقيل (٢): بأنَّ مُحمَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن عبَّاس لمَّا تَزَوَّج رَائِطَة (٣) بنت عَبْد الله الحارِثِيَّة، دَخَلَ بها في دار رجُلٍ من أهل الحَاضِر يُقالُ لهُ طَلْحَة بن مالِك الطَّائِيّ، أو مَنْصُور بن مالِك الطَّائِيّ، فاشْتملت (a) على أبي العبَّاس السَّفَّاح في دَاره. والحَاضِرُ الآن قَرْيَة كبيرة يَسْكُنها الفَلَّاحُون، وخَرِبَت قلعتها وصارت الآن تلًّا يُزْرع فيه القَصِيْل والأُشْنَان. قَرَأتُ بِخَطِّ ابن كَوْجَك العَبْسِيّ الحَلَبِيّ في كتاب سِيْرة المُعْتَضِد تَأليف سِنَان بن ثَابِت بن قُرَّة، ممَّا نَقَلَهُ من خَطِّ أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في مَسير المُعْتَضِد

стр. 258

إلى وَقْعَة الطَّوَاحِين، فقال بعد أنْ ذَكَرَ دُخُول المُعْتَضِد إلى حَلَب: ورحَلَ الأميرُ من مَدِينَة حَلَب يوم الخَمِيْس لليلتَيْن خَلَتا من رَجَب - يعني من سَنَة إحْدَى وسَبْعِين - نحو قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، وبينَهُما إثنا عشر مِيْلًا تكون أربعة فَرَاسِخ، وقِنَّسْرِيْن مَدِينَة صَغيرة لأَخِي الفُصَيْص التَّنُوخيّ، وعليها سُور، ولها قَلْعَة، وسُورها مُتَّصلٌ بسُور سَائر المَدِينَة، وعلى فَرْسَخ من هذا الموضِع - ممَّا يلي حَلَب - مثلُ هذه المَدِينَة لطَيِّءٍ، وهي الَّتي تُعْرفُ بحَاضِر طَيِّءٍ، وعليها سُور أيضًا، ولها قَلْعَةٌ على بناءِ قِنَّسْرِيْن. وقَرأتُ بِخَطِّ بَنُوْسَةَ في كتاب أخْبار البُلْدان وفُتُوحها وبنائها، تأليفُ أحْمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (١): وكان حَاضِر قِنَّسْرِيْن لتَنُوخ مُذْ أوَّل ما تَنَّخُوا (a) بالشَّام؛ نَزَلُوه وهم في خِيَم الشَّعْرِ، ثمّ ابتَنوا به المنازِل، فدَعَاهُم أبو عُبَيْدَة إلى الإسْلام، فأَسْلَم بعضُهُم، وأقام على النَّصْرانيَّةِ بنو سَلِيْح بن حُلْوَان بن عِمْران بن الْحَاف بن قُضَاعَة. قال: فحَدَّثَني بعضُ ولد يَزِيد بن حُنَيْن الطَّائِيّ الأنْطاكِيّ، عن أشْيَاخِهِم، أنَّ جَمَاعةً من أهْل ذلك الحَاضِر أسْلَمُوا في خِلَافَة المَهْدِيّ، فكتَبَ على أيديهِم بالخُضْرة: قِنَّسْرِيْن. ثُمَّ قال البَلاذُرِيّ (٢): وكان حَاضِر طَيِّء قديمًا، نَزَلُوه بعد حَرْب الفَسَاد الّتي كانت بينهم حتَّى نزل الجَبَلَيْن (٣) مَنْ نَزَلَ منهم، فتفرَّق باقُوهم في البِلادِ، فلمَّا وَرَدَ أبو عُبَيْدَة عليهم أسْلم بعضُهُم، وصَاعَ كَثِيْرٌ منهم على الجِزْيَة، ثمّ أسْلَمُوا بعد ذلك بيَسِير إلَّا مَن شَذَّ عن جَماعَتِهم.

стр. 259

وقال ابن وَاضِح الكَاتِب (١): وبإزاءَ مَدِينَة قِنَّسْرِيْن مَدِينَةٌ يُقالُ لها: حَاضِرُ طَيِّء، بها مَنازِل طَيِّء. قُلتُ: وبها الآن جَمَاعةٌ كبيرة عَبْسِيُّون. وكان عِكْرِشَة بن أَرْبَد العَبْسِيّ نازلًا بها في أيَّام هِشَام بن عَبْد المَلِك والوَلِيد بن يَزِيد، فمات بنوه فيها، فقال يَرثيهم؛ وَسَنَذكُرها في تَرْجَمَتِهِ (٢) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى: [من الطويل] سَقى اللّهُ أَجْدَاثًا وَرَائي تَرَكْتُها … بحَاضِر قِنَّسْرِيْن منِ سَبَل القَطْرِ مَضَوْا لا يريدُون الرَّواح وغالَهُم … من الدَّهْرِ أسْباب جَرين على قَدر أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر بالمِزَّة من لَفْظه، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أبي أحمد لفظًا، قال: أنْبَأنَا مُحمَّد بن مُحمَّد الصُّوفِيّ، عن أبي سَعْد الفَقِيه، قال: أخْبَرَنَا أبو نُعَيْم الحَافِظُ، قال: أخْبرنا أبو الشَّيْخ الحَافِظُ، قال: قُرئ على أبي مُحمَّد عَبْد اللّهِ بن مُحمَّد بن يَعْقُوب، قال: أخْبرَنَا أبو حَاتِم الرَّازِيّ، قال: دَخَلْتُ حَاضِر قنَّسْرِيْن، فرأيتُ مدينَتَها وبيُوتَها وحيْطانَها وأَنْهارَها، قائمة ليسَ فيها أحَدٌ، فسَألتُ عن أمْرهم فقيل لي: إنَّه كان بينَهُم وبين أهْل حَلَب قتال، فكانوا يَغْدُون كُلَّ يوم للقِتَالِ حتَّى كانت ليلةٌ دَخَلُوا مدينَتَهُم، فأصْبَحُوا ولَيْسُوا في المَدِينَة، لا يُدْرَى أين أَخَذُوا! (a).

стр. 260

بابٌ في ذِكْرِ سَرْمِيْن (١) وهي مَدِينَةٌ بطَرف جَبَل السُّمَّاق، كَبيرة العَمل، واسعَة الرُّسْتَاق، ولها (a) مَسْجِدٌ جامعٌ وأسْوَاق. وكان لها سُور من الحَجَر خَرِبَ في زماننا هذا ودَثَر، وبها مَسَاجِد كَثِيْرةٌ دَاثِرَة، كانت مَعْمُورَة بالحَجَر النَّحِيْت عِمَارَة فاخِرَة؛ قيل: إنَّ بها ثلاثمائة وستِّين مَسْجِدًا ليس بها الآن مَسْجِد يُصَلَّى فيه إلَّا المَسْجِد الجَامِع، وأكثرها الآن إسْمَاعِيْليَّة ولهم بها دَار دَعْوَة. وكان يَسْكنُ بها الحَسَن بن عِجْل المَعْروف بالصُّوْفِيّ، الّذي يَنْتَسِبُ إليه بنُو الصُّوفِيّ رُؤساء دمَشْق، وكان جَدَّ أبي الحَسَن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ صَاحب شَيْزَر لأُمِّهِ، ولمَّا قَوِيَ أمْرُ الإسْمَاعِيْليَّة بسَرْمِيْن تحوَّل إلى حَلَب فسكَنها، وداره بحَلَب هي الدَّار الّتي وقَفَها شَيْخُنا قاضِي القُضَاة أبو المَحَاسِن يوسف بن رَافِع بن تَمِيْم، ﵀، مَدْرَسَةً لأصْحاب الشَّافِعِيّ ﵀، تجاه المَدْرَسَة النُّورِيَّة، وخَرَجَ منها فُضَلاء وشُعَراء. وذَكَرها أحمد بن أبي يَعْقُوبَ بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، في تَسْمِيَة كُوَر جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم، فقال (٢): كُورَة سَرْمِيْن وأهْلُها من قَيْس.

стр. 261

وكانَ بقُربها في جَبَل بني عُلَيْم حِصْنٌ مَنيع يُقالُ لهُ كَفَرْ لَاثَا (١)، وكان الفِرِنْج قد اسْتَولوا عليهِ وعلى سَرْمِيْن في سَنهَ ستٍّ وتسعين وأرْبَعِمائة (a)، فاسْتَنْقذه نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي من أيديهم وَخَرَّبَهُ. بابٌ في ذِكْرِ كَفَرْ طَاب (٢) وأمَّا مَدِينَة كَفَرْ طَاب، فكانت مَدِينَة مَبْنِيَّة بالمَدَر، وشُربهم من صَهاريج من ماءَ المَطَر، وكان بها جَمَاعةٌ من الأعْيَان المُوسِرِين، ومن أهْل العِلْم والدِّين، فَهَجَمَها الفِرِنْج في سنة ستٍّ وسَبْعِين، فتَشَتَّتَ أهلُها في بلاد الشَّام، وكان منهم المَعْرُوفُونَ ببني قُشَام، ولمَّا اسْتَرجعها أتَابِك زَنْكِي من أيدي الكُفَّار، رَجع إليها من أهلها من أَحَبّ الرُّجوع واخْتار، وكان بها جمَاعة من العُلَمَاء والأُدَباء والشُّعَرَاءِ. وذكَرها أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح في كتاب البُلْدان، فقال (٣): ومَدِينَة كَفَرْ طَاب والأَطْمِيْم وهى مَدِينَة قَدِيْمَة، وأهلُها قَوْمٌ من يَمَن من سائر البُطُون، وأكثرهم كِنْدَة.

стр. 262

الأطْمِيم: هي المَعروفة الآن بِلَطْمِيْن (١)، وهى قَرْيَة كبيرة جامِعَةٌ. قَرَأتُ بِخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، في رِسَالة أبي المُظَفَّر إبْرَاهِيْم بن أحمد الأذْرِيّ الّتي ذكَرَ فيها رِحْلتَهُ إلى الشَّام وغيرها، قال: ومنها - يَعْني (a) من معَرَّة النُّعْمَان - إلى كَفَرْ طَاب، وما أحْسنها بَلْدةً لو أنَّ لأهْلها ماء لشفاههم وشِرْبًا لأفْواهِهِم. أنَّشدَني والِدي، ﵀، لبَعْضِ الشُّعَرَاء يَصِف كَفَرْ طَاب بِقِلَّةِ الماءِ (٢): [مخلع البسيط] باللّهِ يا حَادِيَ المَطَايَا … بينَ حُناكٍ (٣) وأرْمَنايَا (٤) عَرِّج على أرْضِ كَفَرْ طَابٍ … وحَيِّها أوْفر التَّحَايا واهْدِ لها الماءَ فهي ممَّن … يفرحُ بالماء في الهَدَايا ويُرْوَى: يُهْدَى لها الماء في الهَدَايا.

стр. 263

وقيل بأنَّ هذه الأبيات لأبي مُحمَّد عَبْدِ الله بن مُحمَّد بن سَعيد الخفَاجِيّ الحَلَبِيّ (١)، والأمْرُ على ما ذَكَرهُ في قِلَّةِ الماءِ بها، فإنَّ حَمَّامها لها صِهْرِيج من ماءِ المَطَر، وما يَخْرج منها من الماءِ المُسْتعمل يَسْتعملونَهُ في دِبَاغَةِ الجُلُودِ، ثمّ يَسْتعملونَهُ في طِيْن الفَخَّار الّذي يُعْمل بها، ويُحْمل إلى البِلاد التي حَوْلها. بابٌ في ذِكْرِ أفَامِيَةَ (٢) ويُقالُ فيها: فَامِيَة أيضًا بغير ألف. وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ، وبها آثار رُوْمِيَّة عَظِيمَة، ولها قَلْعَةٌ مَنِيعَة في نهايةِ القُوَّة، هي باقية إلى اليَومِ، وقد ذَكَرنا فيما تقَدَّم (٣) أنَّ سَلُوْقُوس بناهَا وبنَى سَلُوْقِيَة، وحَلَب، والرُّهَا، واللَّاذقِيَّة. وقال ابن وَاضِح الكَاتِب في كتاب البُلْدان (٤): ومَدِينَة فَامِيَة، وهي مَدِينَة رُوْمِيَّة قَدِيْمَة خَرَاب على بُحَيرَة عَظِيمَة، وأهلها عُذْرَة وبَهْرَاء. وشاهدتُ في طَريق حَمَاة بالقُرْبِ من العَبَّادِي (٥) أثَر قَناة قيل لي: إنَّ هذه قَنَاة أفَامِيَة، وكانت تأتي إليها من سَلَمْيَة.

стр. 264

وأخْبَرَني والِدي، ﵀، قال: إذا مَدَّ نهْر قُوَيْق، وغاض بالمَطْخ، يَحْمَرُّ ماءُ بُحَيرَة أفَامِيَة؛ فَيَقُولُونَ: إنَّ مَغِيض الماءِ يخرج تحت الأرْض إلى البُحَيرَة المَذْكُورَة. وبعضُ النَّاس يقول: إنَّ سَمَك البُحَيرَة يَحِيض فَيَحْمَرّ ماؤُها. وأفَامِيَة بَلْدَةٌ وَبِئَةٌ (a) جِدًّا. ويُقالُ: إنَّ أبا هُرَيْرَة، صَار إلى فَاميَة فلم يُضِيْفُوهُ، فارْتَحل عنهم، فقالوا: يا أبا هُرَيْرَة، لِمَ ارْتَحَلتَ عَنَّا؟ فقال: لأنَّكم لم تُضِيْفُوني. قالوا: ما عَرَفْناك. فقال: وإنَّما تُضِيفُونَ مَنْ تَعْرفونَهُ!؟ قالوا: نَعَم، فارْتَحل عنهم. أخْبَرَنَا بذلك أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَضْل إسْمَاعِيْل بن عليّ الجنْزَوِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد هبَةُ الله بن أحْمد بن مُحمَّد الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحمد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو المُعَمَّر المُسَدَّدُ بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس الأمْلُوكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبي أبو طَالِب عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا عِمْران بن بَكَّار البَرَّاد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بن مُحمَّد الحَضْرَميّ، عن بَقِيَّة، عن الأوْزَاعِيّ، عن يَحْيَى بن أبي كَثِيْر، أنَّ أبا هُرَيْرَة دَخَل حِمْص مُجْتازًا بها حتَّى صارَ إلى فَامِيَة فلم يُضِيفوه، فارْتَحل عنهم، وذَكَرَ ما ذَكَرْناهُ إلى آخره. وقلعَة فَامِيَة من القِلَاع المَوْصُوفَة بالحَصَانَة والمَنَعَة. وأنْبَأنَا أبو القَاسِم الأنْصاريّ، عن الحَافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبنُوسِيّ، عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي، قال: أمَّا القِلَاع الّتي اتَّخذها (b)

стр. 265

جَبَّارُوا الأُمَم وملوك الأرْض عَواصِم من أعْدَائهم، والأبْنِيَة الّتي تحصَّنُوا بها من مخاوفهم، فأكْثَر من أنْ تُحْصَى، وأنَّ من أعجْبها بُنْيانًا، وأمْنعها بإذن الله لِمَن اسْتَقْطنها، قَلعَة مَارِدِين، وقَلْعَة بَعْلَبَك، وقلعَة فَامِيَة. وذكَرَ غير ذلك. وكانت أفَامِيَة في أيْدِي نوَاب المِصْرِيِّين، فنَرَلَ عليها قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر في سَنة أرْبعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فكاتَبه أهلُها، فخاف الوَالِي (١) وسلَّمها إليه، فسَلَّمها إلى أبي المُرْهَف نَصْر بن مُنْقِذ، ثمّ أخذَها منه تاج الدَّوْلَة تُتُش، فلمَّا قُتِلَ (٢) وثَب أهلها فيها، ونادوا بشعَار المُسْتَنْصِر المُسْتولِي على مِصْر، فسَيَّر إليها خَلَف بن مُلَاعِب في سَنة ثَمان وثَمانين (٣)، إلى أنْ قتله البَاطِنِيَّة بها، فنَزل عليها طنكري (٤) الفِرِنْجي، فتَسَلَّمها في شَهر مُحَرَّم من سَنة خمْسمائة بعد أنْ أقام عليها ثَمانية أشْهر (a).

стр. 266

بابٌ في ذِكْرِ شَيْزَر (١) هي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، وفَواكِهُهَا كَثِيْرة، ولها قَلْعَةٌ حَصِيْنَة، ومَدِينَةٌ تحتَ مَدِينَة، اسْتولَى عليها الفِرِنْج حين خرجوا إلى الشَّام، وانتَزعوها من أيدي وُلاة الإسْلام، وكان لسَدِيدِ المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن المُقَلَّد بن مُنْقِذ قَلْعَةُ الجِسْر إلى جانبها، فَعَمَرَها وحَصَّنَها، وقصَدَ بذلك التَّضْييقَ على الأُسْقُف الّذي كان بشَيْزَر، فحصَل لابن مُنْقِذ ما قصَدَه، وضَاقَ بالأُسْقُف الأمرُ، وكَرِهَ بلَدَهُ، فاشْتَرى شَيْزَر من الأُسْقُف بمالٍ بَذَلَهُ، وتَسَلَّم منه البَلَد ونَزَله، وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، وعَمرها ابن مُنْقِذ وسكَنها، وشَيَّد قَلْعتها وحَصَّنَها، فصَارت مَذْكُورة بين البِلادِ. وأمراؤُها السَّادة بنو مُنْقِذ هم الأجْنَاد، وقصَدَهَا أبو المَكَارِم مُسْلِمُ بنُ قُرَيْشٍ بالحِصَار، فعَاد عنها بالخَيْبَةِ والخَسَار، فقال فيه سَالم بن المُهَذَّب، عند عَجْزه عنها، أبياتًا سَتُذكَر في تَرجَمَتِهِ إنْ شَاءَ اللّهُ، منها (٢): [من الطويل] فَمُتْ كمدًا بالجسر (a) لسْتَ بجَاسِرٍ … عليهِ وعَايِنْ شَيْزَرًا أبدًا شَزْرًا

стр. 267

وشَيْزَر بَلَدٌ مَوْصُوف بالوَخَامَةِ، وفيه يقُول مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة (١): [من الكامل] وُخِمَتْ (a) وجاوَرَها العَدُوُّ؛ فأهلُها … شُهَداءُ بين الطَّعْنِ والطَّاعُونِ ولم تزل شَيْزَر في أيدِي بني مُنْقِذ، يسكُنونها ويُحامون عنها ويحفظُونها، إلى أنْ جاءت الزَّلْزَلَة سَنة اثْنَتين وخمسين وخَمْسِمائَة، فهدمَت شَيْزَر وحَمَاة، وقَتَلت صَاحبها مُحمَّد بن سُلْطان بن مُنْقِذ، وهتكت حِمَاهُ، وكان قد ابْتنى دَارًا وزَخْرَفَها، وجَلَس فيها وعنده أولاده وبنو عَمّه وحاشيتَهُ، وهم يتفرَّجون على قِرْد عندهم، فجاءت الزَّلْزَلَة وهَدمت الدَّار عليهم، فلم يَنْجُ منهم غير القِرْد، وبادر نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي إلى شَيْزَر فتسلَّمها وعمر أسْوارها، ودَفعها إلى سَابِق الدِّين عُثْمان ابن دَايَتِهِ (٢)، ولم تزل في عِمَارَة وزِيَادة إلى أنْ أُخِذَت من ابن ابنهِ؛ حَصَرهُ المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر رحِمهما اللّهُ، فتشَعَّثَت أحْوال المَدِينة، وقَلَّت مَعايش أهلهَا لعَدَم سُكْنى العَسْكَر بها. وأمَّا القَلْعَةُ فأحْوالُها مُنْتظمةٌ، وأمُورُها مُسْتقيمةٌ ملتئمَة، ونَهْر الأُرُنْط يَحُكُّ سَفْح القَلْعَة، وقد بُنى عليه سَكْر (b) ليَجْتَمع الماء تحت القَلْعَة، ويُسَمَّى ذلك المَوْضِع الخِرَطْلَة. وقد ذكَرَها امرؤ القَيْس في قَصِيدَته الرَّائِيَّة بقَوله (٣): [من الطويل] تقَطَّعُ أسْباب اللُبانَة والهَوَى … عشيَّة جَاوَزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا

стр. 268

أخْبَرَنَا أبو العبَّاس أحمد بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قال: أخْبَرنا أبو البَرَكَات مُحمَّد بن حَمْزَة العِرْقِيّ كتابةً، وأخْبَرَنَا عنهُ سَمَاعًا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر بن حُسَين، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم على بن جَعْفَر السَّعْدِيّ المَعْروفُ بابنِ القَطَّاع، قال: أخبرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن البِرّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا أبوَ مُحمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبرَنا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (٤)، قال: وشَيْزَر اسمُ موضعٍ لا أحْسَبُه عَرَبيًّا صَحيحًا. وقد ذكَرَها أبو زَيْد أحْمَد بن سَهْلٍ البِلْخِيُّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن وما تَشْتمل عليه، فقال (٥): فأمَّا شَيْزَر وحَمَاةُ فإنَّهُما مَدِينتان صَغِيْرَتان نَزِهَتان، كَثِيْرة (a) المياه والشَّجَر والزَّرْع. بابٌ في ذِكْرِ حَمَاة (٦) حَمَاةُ بَلْدَةٌ حَسَنَةٌ، نَضِرَةٌ، حُلَوةٌ، خَضِرةٌ، أطاعَ حُسْنها العَاصِي، واسْتحلاها الدَّانِيّ والقَاصِيّ، طَيِّبَة الفَواكِه والثِّمَار، وأهلُهَا خِيَرَةٌ أبْرَار، وهي مَدِينتان والقَلْعَة بينهُمَا، وعلى كُلِّ مَدِينَة منهما سُور، وفيها سُوْق، والمَدِينَة الغَرْبيَّة تُعْرفُ بِسُوق الأعْلَى، والمَدِينَة الشَّرْقيَّة تُعْرَفُ بسُوْق الأسْفَل، ولكُلِّ

стр. 269

واحدةٍ منهُمَا مَسْجِدٌ جَامِعٌ تُقَام فيه الخُطْبَة. ونَهْرُ الأُرُنْط يحفُّ بِدُور المدينَتَين، ولم تكن قلعَتها بالحَصِيْنَة ولا المُخْتَارة، وخرَّبتها الزَّلْزَلَة سَنة اثْنتين وخمسين وخَمْسِمائَة، وكانت زَلْزَلَةً عَظِيمَةً هائلةً. ولمَّا ملكَها تَقِيّ الدِّين عُمر ابن أخي السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر حَصَّنَها وقَوَّاهَا، وجاءَ بعدَهُ وَلدُهُ المَلِك المنصُور مُحمَّد بن عُمَر فجدَّدَ أسْوار القَلْعَة، وبناها وشَيَّدَهَا وعَلَّاهَا، فصَارت من أحْسَن القِلَاع وأبْهَاها، ويَغْلِبُ على أهْلها العِلْم والأدَب، وقد عدَّها البِشَارِيّ (١) كما ذَكَرْناهُ (٢) من مُدُن حَلَب. وقَرأتُ بِخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، في رِسَالة أبي المُظَفَّر الليثِيّ، قال: ومنها - يعني من كَفَرْ طَاب - إلى حَمَاة، وهي مَدِينَة نَزِهَةٌ بُنِيَت على النَّهْر المَعْرُوف بالعَاصِي، وربَّما قيل لهُ المَقْلُوب، وعلى حافتي النَّهْر دَوَاليب يُسمِّيها أهلها الحَنَّانَات، ومن جُمْلَتها الحنَّانَة المَعْروفُة بأم الحَسَن، ويُقالُ: إنَّ فلكها أربعونَ ذِرَاعًا. وقد ذكَرَها امرؤ القَيْس مع شَيْزَر في شِعْره كما ذَكَرْنا (٣)، وكذلك عُبَيْدُ الله بن قَيْس الرُّقَيَّات في قَوْله (٤): [من الطويل] قِفُوا بِيَ أنْظُر نَحْوَ قَوْمِي نَظْرةً … فَلَم يَقِفِ الحادِي بنا (a) وتَغَشْمَرَا فَواحَزَنا إذ فارَقونا وَجاوَزُوا … سِوى قَوْمِهِم أَعْلى حَمَاةَ وشَيْزَرا وقال أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب في ذِكْر حَمَاة (٥): وهي مَدِينَة قَدِيْمَةٌ، وعلى نَهْرٍ يُقالُ لهُ الأُرُنْط، وأهل هذه المَدِينَة قوْم من يَمَنٍ، والأغْلَب عليهم بَهْرَاء وتَنُوخ.

стр. 270

وعدَّها ابنُ وَاضِح (١) من عَمَل حِمْص، لكنَّ البِشَارِيّ (٢) ذكَرها وشَيْزَر ورَفَنِيَّة من مُدُن حَلَب. وذكَرَ أبو العَلاءِ المَعَرِّيّ (٣) أنَّها من العَوَاصِم. ورَفَنِيَّة (٤): مَدِينَةٌ قَريبةٌ من حَمَاة، خَرِبَت ودَثِرَت. وقيل: إنَّما سُمِّيت حَمَاة؛ لأنَّهُ نَزَل بها الحَمَانيّ بن كَنْعَان بن حَام. أنشَدَني أبو الرَّبيع سُلَيمان بن بُنَيمان (a) بن أبي الجَيْش بن بُنَيمان الإرْبِلِيّ لنفسه: [من الوافر] سَقي زمنًا برَبْع حَمَاةَ وَلّى … هزيمَ الوَدْق مُنهَلَّ الرّبابٍ حَبِيٌّ يَسْتَطيرُ البَرْقُ فيهِ … كمَتْن السَّيْف سُلّ [من] (b) القرابِ فكم سلَفَتْ لنا فيها ليَالٍ … سرقناهُنّ من عَصْر التَّصَابي وكم صِدْنَا بها من ظَبي إنسٍ … رخيمِ الدَّلّ مُقتبلِ الشَّبابِ

стр. 271

يُريك إذا بَدَا أنْوار وَجْهٍ … كشَمْسِ الأُفْق تُسْفر عن نِقَابِ وعَاصيْها يُصفِّقُ حين تشدُو الـ … ــحَمائمُ فَوْق أغْصَانٍ رِطابِ تَرى الأَنْهارَ منها في اصْطخابٍ … إذا الورقاءُ أبدَت في انْتحابِ فكم من جَدْولٍ ينسابُ فيهِ … على الحَصْباءِ جَرْيًا كالحبُابِ وبدرُ التَّمّ قد ألْقَى سَناهُ … عليه فهو فضِيُّ الإهَابِ فلا تَعْدِل بعَاصيْها قُوَيْقًا … فأينَ الدّوحُ من تلك الهِضَابِ بابٌ في ذِكْرِ بَغْرَاس (١) هي قَلْعَة مَذْكُورَة حَصِيْنَة، وكان الطَّريق إلى الثُّغُور للغَزَاةِ عليها، وكان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أيُّوب قد اسْتَنْقَذَهَا من أيدي الكُفَّار في ثاني شَعْبان من شُهُور سَنَة أرْبَع وثَمانين وخَمْسِمائَة، فخرَّب قلْعهَا. فجاءَ الفِرِنْج الدِّيْوِيَّة (٢) وعَمَروها واسْتَولوا عليها وهي الآن في أيْدِيهم.

стр. 272

وقريبٌ منها حِصْن الدَّربسَاك (١)، فتَحَهُ المَلِكُ النَّاصِر أيضًا [في ثامن شَهْر رَجَب من السَّنَة المَذْكُورَة] (a)، وهو في أيْدِي المُسْلِمِيْن اليوم. وقَرَأتُ في كتاب أبي زَيْد أحْمَد بن سهل البَلْخِيّ، في صِفَة الأرْض والمُدُن وما تَشْتملُ عليهِ (٢)، قال: وبَغْرَاس على طَرِيق الثُّغُور، وبها دارُ ضِيَافَة لزُبَيْدَة، وليس بالشَّام دار ضِيَافَة غيرها. وذكَرَ أحمدُ بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكامها، ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَةَ، وحَكَاهُ البَلاذُرِيّ (٣) عمَّن حَدَّثه من أهْلِ الشَّام، قالوا: وكانت أرْض بَغْرَاس لمَسْلَمَة بن عَبْدِ المَلِك فوقَفَها في سُبُل البِرِّ، وكانت عَيْنُ السِّلَّوْر وبُحَيرتُها له أيضًا. قُلتُ: يُريد بعَيْن السِّلَّوْر وبُحَيرتها: بُحَيرَة يَغْرَا من عَمَل حَارِم، وناحية العَمْق. وقال البَلاذُرِيّ (٤): وحَدَّثَني بعضُ أهْلِ أَنْطاكِيَة وبَغْرَاس أنَّ مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك لمَّا غَزَا عَمُّورِيَّة، حَمَل معه نساءَهُ، وحَمل ناسٌ ممَّن معَهُم نسَاءَهُم، وكانت بنو أُمَيَّة تَفْعَل ذلك إرادَةَ الجَدِّ في القِتَالِ للغَيْرة (b)، فلمَّا صَار في عَقَبَةِ

стр. 273

بَغْرَاس، عند الطَّريق المُستَدّقَّة الّتي تُشْرفُ على الوَادِي، سقَط مَحْمَلٌ فيه امرأةٌ إلى الحَضِيضِ، فأمَر مَسْلَمَةُ أنْ تمشي سائرُ النِّسَاء، فمشَيْنَ، فسُمِّيت تلكَ العَقَبَةُ عَقَبَة النِّسَاءِ. قال (١): وقد كان المُعْتَصِم بالله صَلواتُ اللهِ عليهِ بَنَي على حَدِّ تلكَ الطَّريق حائطًا قصيرًا من حِجَارَة. قال البَلاذُرِيّ (٢): وقد اخْتلَفُوا في أوَّل مَن قَطَع الدَّرْب، وهو دَرْبُ بَغْرَاس، فقال بعضُهم لبَعْضٍ: قَطَعَهُ مَيْسَرةُ بن مَسْرُوق العَبْسِيّ؛ وجَّهَهُ أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح فلَقِيَ جَمْعًا للرُّوْم ومعَهُم مُسْتَعْربَةٌ من غَسَّان وتَنُوخ وإيَاد؛ يُريدُوْنَ اللَّحاق بهِرَقْل، فأوْقَعَ بهم، وقَتَل منهم مَقْتلةً عَظِيمَة، ثمّ لَحِقَ به الأشْتَر النَّخَعِيّ مَدَدًا من قِبَلِ أبي عُبَيْدَة وهو بأَنْطاكِيَة. وقال بعضُهم: أوَّل مَن قَطَع الدَّرْب عُمَيْر بن سَعْد الأنْصاريّ حين توجَّه في أثر جَبَلَة بن الأيْهَم. وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيّ (٣): إنَّ أبا عُبَيْدَة نفْسَه غَزَا الصَّائِفَة فمرَّ بالمِصِّيْصَة وطَرَسُوس، وقد جَلَا أهلُهَا وأهْلُ الحُصُون الّتي تليها، فأدْرَبَ وبلغَ في غَزاته زَنْدَة (a). وقال غيره: إنَّما وجَّه مَيْسَرة بن مَسْرُوق فبلَغَ زَنْدَة.

стр. 274

بابٌ في ذِكْرِ المِصِّيْصَة (١) وهى الآن في أيدِي الأرْمَن وهي مَدِينَة مَذْكُورَةٌ من الثُّغُور الشَّاميّةِ وأعْمال حَلَب والإقْليم الرَّابِع، وتَشتمل على مَدِينتَيْن بينَهُما نَهْر جَيْحَان: مَدِينَة المِصِّيْصَة من الجانب الغَرْبيّ من النَّهْر، ومَدِينَة كَفَرْبيَّا (٢) من الجانب الشَّرْقيّ، وكلتاهما كان بها جَمَاعَة من أهل العِلْم.

стр. 275

وقَرَأتُ في بعض المجامِيع في عَجَائب طَبَائِع البُلْدان، قال (١): ومَنْ أَطَال الصَّوْم بالمِصِّيْصَة في الصَّيْفِ هَاجتْ به المِرَّةُ السَّوْدَاءُ، وربَّما جُنَّ. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ، قال: حَدَّثنا أبو مُحمَّد وأبو الفَضْل، عن القَاسِم وصالح ابنا أبي القَاسِم العِجْلِيّان، قالا: حَدَّثنا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أَيُّوب بن الضُّرَيْسْ الرَّازِيّ، قال: سَمعْتُ عليّ بن عَبْد الله يقول: تَوَسْوَسَ يُوسُف بن أسْبَاط بالمِصِّيْصَة، وعُوفي حتَّىَ صَار إلى حال الصِّحَّة. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمرو: حَدَّثَني أبو الحَسَن العَدْل عليّ بن الحُسَيْن الحَذَّاء، وأبو بَكْر غَانِم بن يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، قالا: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْدِ البَاقِي، قال: وكذلك يَحكُمُ أهْل الحِكْمة على مَنْ أَدْمَنَ شُرْبَ ماءَ جَيْحَان مع مُلازمة الصَّوْم أنَّه يُوْرِث الوَسْوَاس. وقَرَأتُ في كتاب أحمد بن مُحمَّد بن إسحَاق الزَّيَّات الهَمَذَانِيّ في البُلْدان، وذكَرَ من أعاجيب البِلَاد، وقال: ومَنْ أطَال الصَّوْم في المِصِّيْصَة هاجَ به المِرَار (a) الأَسْوَد. وقال أبو عُبَيْد عَبْد الله بن عَبْدِ العَزِيْز بن مُحمَّد البَكْرِيّ في كتاب مُعْجَم ما اسْتَعْجَم من أسماء البِلادِ (٢): المِصِّيْصَة: بكسر أوَّلهِ، وتَشدِيدِ ثانيهِ، بَعْدَهُ ياءٌ، ثمّ صَادٌ أُخْرى مُهمَلَة: ثَغْرٌ من ثُغور الشَّام. قال أبو حَاتِم: قال الأصمَعِيُّ: ولا يُقال مَصِّيْصَة بفَتْح أوَّلِه.

стр. 276

وقَرأتُ بِخَطِّ إبْراهِيْم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ المَعرُوف بتُوْزُوْن في كتاب اليَاقُوت، تأليفُ أبي عُمر مُحَمَّد بن عَبْدِ الوَاحِدِ صَاحب ثَعْلَب، في يَاقُوتَةِ البَرَم، وذَكَرَ أنَّ أبا عُمر أمْلَاهُ علينا من حِفْظِهِ في شُهور سَنة سَبع وثَلاثِمائة وعشرين (a)، وذَكَرَ أنَّه قَرأهُ على أبي عُمر أيضًا، قإل: أخْبَرَنا ثَعْلَبُ، عن ابن الأَعْرَابيّ، قال: هي المِصِّيْصَة، والنَّسَبُ إليها مِصِّيْصِيٌّ. وأخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيُّ، قراءةً عليهِ، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمد بن مُحَمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِي قراءةً عليهِ، فيما تلْحَنُ فيه العَامَّةُ (١): ممَّا يُكْسَر، والعَامَّةُ تفتَحهُ، وهي المِصِّيْصَةُ؛ بكَسْر اليم. وقَراتُ بِخَطِّ الحَافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأجَازَهُ لنا عنه غير واحدٍ من الشُّيُوخ، قال: وسَمِعْتُه - يعني أبا الحَسَن أحمد بن حَمْزَة بن أحمد التَّنُوخِيّ العِرْقِيّ - يقول: كان أبو القَاسِم بن القَطَّاع يقول: فُلان المِصِيْصِيّ، تخفيف الصَّاد، ويُنْكر على مَنْ يشُدِّدهُ. وأمَّا مَعْرفةُ مَنْ بناها أوَّلًا: فاخْتُلِفَ في ذلك، فقال أحمدُ بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في المَسَالِك والمَمَالِك: المِصِّيْصَة، قال: وهي مُسَمَّاة فيما زَعَم أصْاب السِّيَرِ باسْم الّذي عَمَرَها، وهو: المِصِّيْصَة بن الرُّوم بن اليَفَن (b) بن سَام بن نُوْح.

стр. 277

وقَرأتُ في كتابٍ وَقَعَ إليَّ بالقَاهِرَة، في جَماهير أنْسابِ اليَمَن وأسْماءِ مُلُوكها (١): قال أبو القَاسم الحَسَنُ بن عليّ الكُوْفيّ، حَدَّثنا أبو سُلَيمانَ دَاوُد بن عَبْدِ اللهِ اليَمَانيّ الصّنْعانِيُّ، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ القَاسِم، قال: حَدَّثنا الفَضْلُ بن العبَّاس الأنْصاريّ، عن أبيه، قال: أتَي مُعاوِبَةُ بن أبي سُفْيان بشيخٍ كبير قد سَقطَ حاجبَاهُ على عينَيهِ من الكِبَر، فما ينظرُ إلَّا ما رفع باليدِ، قال: ما اسْمُكَ؟ قال: عُبَيْدُ بن شِرْيَه، قال: المَنِي؟ قال: الجُرْهمُيِّ، قال: وهل بقي من جُرْهُم أحَدٌ؟ قال: أنا من بقيَّتهم، قال: فسألهُ عن مسائل ذَكَرها، إلى أنْ دكَر له ولد يَافث بن نُوح، فقال: يَافِث بن نُوح ولد سبعَة ذكور منهم جوْمَر بن يَافِث، ومأْجُوج بن يَافِث، ومَاذي بن يَافِث، ويَاوَان بن يَافِث، وثَوْبَان بن يَافِث، ومَاشج بن يَافِث، وتيراس بن يَافث. قال: وولد يَاوَان بن يَافِث: أَيَّاس، والمِصِّيْصَة، وطَرَسُوس، وأَذَنَة. والرُّوم من ولدِ هؤلاء، وحَلُّوا بلَادَهُم، فَعُرِفَت بأسْمائهم على تُخُوم الرُّوم: طَرَسُوس وأذَنَة والمِصِّيْصَة وأيَّاس. وقد ذُكِرَ في التَّوْراة (٢) ولد يَاوَان كما ذكرَناهُ. وقال الحَسَن بن أحمد المُهَلَّبيِّ العَزِيزِيّ، في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، الّذي وضَعَهُ للعَزيْز المُسْتَولِي على مِصْر، وذكَرَ المِصِّيْصَة؛ فكانت تُسمَّى بَغْدَاد الصَّغيرة؛ لأنَّها كانت جانبَيْن على النَّهْرِ، وكان بها من أهلها فِتْيان فُرْسَان ظُرفاء شُجعان. قال: فأمَّا خَاصِيَّات الثَّغْر، فإنَّه كان يُعْمل بالبَلَد الفِرَاء المصّيْصِيَّة، تُحمل إلى الآفاق، وربَّما بلغ الفَرْو منها ثلاثين دِيْنارًا، ويعمل بها عِيْدَان السُّروَج الّتي يُبَالَغُ بثَمنها إلى هذه الغايةِ، ولم يكُن على وجهِ الأرْض بَلَدٌ يُعْمَل فيه الحَدِيْد المَحْزُوز للكَراسِي الحَدِيْد واللُّجُم والمَهَامِيْز والعَمَد والدَّبَابِيْس كما يُعْمَل بالثُّغُور.

стр. 278

وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، تأليفُ أحمد بن يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، قال (١): ومَدِينَة المِصِّيْصَة مَدِينَة بناهَا المَنْصُور أَمِير المُؤمِنِين في خلافَته، وكانت قبل ذلك مُصَلحةً (a). وأوَّل مَن قَطَع جَبَل اللُّكَام وصَار إلى المِصِّيْصَة مَالِك بن الحَارِث الأشْتَر النَّخَعِيِّ، من قِبَل أبي عُبَيْدَة بن الجرَّاح، وكان بها حِصْنٌ صَغِير بناهُ عَبْد الله بن عَبْد المَلِك لمَّا غَزَا الصَّائِفَة. وقد حَكينا في الباب الّذي قَبْل هذا الباب عن البَلاذُرِيّ (٢)، قال: وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيُّ: إنَّ أبا عُبَيْدَة نفسَهُ غَزَا الصَّائِفَة فَمرَّ بالمِصِّيْصَة وطَرَسُوس، وقد جَلَا أهلُها وأهْلُ الحُصُون الّتي تليها فأدْرَب، وبلغَ في غَزَاتة زنْدَة (b). عُدْنا إلى كلام ابن وَاضِح، قال (٣): وخرج المَنْصُور إلى الثُّغُور، فبَنى مَدِينَة المِصِّيْصَة العُظْمَى على النَّهْر الّذي يُقالُ لهُ جَيْحَان، ونَقَل إلى مَدِينَة المِصِّيْصَة أهل السُّجُون من الآفاقِ وغيرهم، وبنَى أَمِير المُؤمِنِين المأْمُون مَدِينَةً إلى جانبها سَمَّاها كَفَرْبَيَّا، فصَار النَّهْر المَعْرُوف بجَيْحَان بين المَدِيْنَتَيْن، وعلى النَّهْر جِسْرٌ عَظِيم قَدِيمٌ مَعْقُودٌ بالحِجَارَة. ومَدِينَةُ المِصِّيْصَة من الجانب الغَرْبيّ من جَيْحَان، ومَدِينة كَفَرْبيَا من الجانب الشَّرْقيّ، وأهْلُها أخْلاطٌ من النَّاس.

стр. 279

وذكَرَ أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان (١)، قال: وحَدَّثني مُحَمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِدِيّ وغيره، قالوا: لمَّا كانت سنة أربعٍ وثمانين غَزَا على الصَّائِفَة عَبْدُ الله بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، فدخَلَ من دَرْب أَنْطاكِيَة، وأتَى المِصِّيْصَة، فبَنى حِصْنها على أَسَاسهِ القَديْم، ووضَع بها سُكَّانًا من الجُنْد فيهم ثلاثمائة رَجُلٍ، انْتخبهم من ذوي البأسِ والنَّجْدة المَعْرُوفين، ولم يكن المُسلِمُون سَكَنُوها قبل ذلك، وبَنى فيها مَسْجِدًا فوق تَلِّ الحِصْن، ثمّ سَار في جيشه حتَّى غَزَا حِصْن سِنَان ففَتَحه، ووَجَّه يَزِيد بن حُنَيْن الطَّائِيّ الأنْطاكيّ فأغَار، ثمّ انصرفَ إليه. وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيّ (٢): وكان أوَّل مَن ابْتَنَى حِصْنَ المِصِّيْصَة في الإسْلامِ عَبْد المَلِك بن مَرْوَان على يد ابنهِ عَبْد الله بن عَبْد المَلِك في سنة أربع وثمانين على أساسها القَدِيم، فتَمَّ بناؤهَا وشِحْنَتُها في سنة خمسٍ وثمانين، وكانت في الحِصْن كَنِيْسَةٌ جُعِلت هُرْيًا، فكانت الطَّوالعُ من أَنْطاكِيَة تَطْلعُ عليها في كُلِّ عام، فَتَشْتُوا بها، ثمّ تنصَرف، وعدَّةُ مَنْ كان يَطلعُ إليها ألف وخَمْسِمائَة إلى الألفَيْن. قالوا (a): وشَخَصَ عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز حتَّى نزل هُرْيَ المِصِّيْصة، وأرادَ هَدْمَها وهَدْم الحُصُون بينها وبين أَنْطاكِيَة، وقال: أكْرَهُ أنْ يُحاصرَ الرُّوم أهلَها، فأعلَمهُ النَّاس أنَّها عُمِرَت ليَدْفَع مَنْ بها الرُّومَ عن أَنْطاكِيَة، وأنَّه - إنْ أخْربَهَا - لم يَكُن للعَدُوِّ نَاهِيَة دونَ أَنْطاكِيَةَ، فأمْسَكَ، وبَنى لأهْلِها مَسْجِدًا جَامِعًا من ناحِيَةِ

стр. 280

كَفَرْبيَّا، واتَّخَذ فيهِ صِهْرِيجًا، ثمّ إنَّ المَسْجِدَ جُدِّدَ (a) في خلافة المُعْتَصِم، وهو يُدْعَى: مَسْجِد الحِصْن. قالوا (b): ثمّ بَنَى هِشَام بن عَبْد المَلِك الرَّبَض، ثمّ بَنى مَرْوَان بن مُحَمَّد الخُصُوصَ في شَرقيّ جَيْحَان، وبَنى عليها حائطًا، وأقام فيهِ بابَ خَشَب، وَخَنْدَقَ خَنْدَقًا، فلمَّا اسْتُخلفَ أبو العبَّاس، ﵀، فَرَضَ بالمِصِّيْصَة لأربَعمائَة رَجُلٍ زِيَادةً في شِحْنَتها، وأقْطَعَهم. ثمّ لمَّا اسْتُخْلف المَنْصُور، صَلوات اللهِ عليهِ، فَرَضَ فيها لأربَعمائةِ رَجُلٍ. ثمّ لمَّا دخلَت سنة تسعٍ وثلاثين ومائة أمرَ بعمران مَدِينَة المِصِّيْصَة، وكان حائطها مُتَشَعِّثًا من الزَّلازِل، وأهلها قليل في داخل المَدِينَة، فبَنى سُور المَدِينَة، وأسْكَنَها أهْلَهَا سَنَةَ أربعينَ ومائَة، وسَمَّاها المَعْمُورَة، وبَنى فيها مَسْجِدًا جَامِعًا في موضع هَيْكلٍ كان فيها، وجعلَه مثل مَسْجِد عُمَر مرَّات، ثمّ زادَ فيهِ المأْمُون أيَّام ولاية عَبْد الله بن طَاهِر في الحُسَيْن المَغْرب، وفَرَضَ المنصُور، رَحْمَةُ الله عليه، فيها لألف رَجُلٍ، ثمّ نَقَل أهْلَ الخُصُوص؛ وهُم فُرْسٌ، وصقَالِبَةٌ، وأنْباط نَصارَى، كان مَرْوَان بن مُحَمَّد أسْكنَهم إيَّاهَا وأعطاهُم خِطَطًا في المَدِينَة عِوَضًا من مَنازلهم على ذَرْعها، ونقَضَ مَنازلهم، وأعانَهُم على البناءَ، وأقْطَعَ أرْباب الفَرْض قطائعَ ومَساكن. ثمّ لما اسْتُخْلف المَهْدِيّ، أَمِيرُ المُؤمِنِين صَلواتُ اللهِ عليهِ، فرضَ بالمِصِّيْصَة لألْفي رَجُلٍ ولم يُقطِعهم؛ لأنَّها قد كانت شُحِنَت من الجُنْدِ والمُطَّوِّعَة، ولم تَزَل

стр. 281

الطَّوَالعُ تأتيها من أَنْطاكِيَةَ في كُلِّ عامٍ، حتَّى وُليَها سَالِم البُرْنُسِي (a)، وفَرَضَ معهُ لخسمائة مُقاتِل على خاصَّةِ عَشَرة دَنانير، عَشرة دنَانِير، فكَثُر مَنْ بها وقَوُوا، وذلك في خِلَافَة المَهْدِيّ رَحْمَةُ الله عليهِ. قال البَلاذُرِيّ (١): وحَدَّثَني مُحَمَّد بن سَهْم، عن مَشَايخ الثَّغْر، قالوا: أَلَحَّت الرُّومُ على أهْلِ المِصِّيْصَة في أوَّل الدَّوْلَة المُباركة حتَّى جَلَوا عنها، فوَجَّه صَالِحُ بن عليّ جِبْرِيل بن يَحْيَى البَجَليّ إليها، فَعَمَرَها، وأسْكنها النَّاسَ سَنَةَ أربَعين ومائة، وبَنَى الرَّشِيد، صَلوات اللهِ عليهِ، كَفَرْبيَّا، ويقال: بل كانت ابْتُدِيَت في خِلافَة المَهْدِيّ، رَحْمةُ الله عليه، ثمّ غَيَّر الرَّشِيدُ بناءَها، وحَصَّنَها بخَنْدَقٍ، ثمّ رُفِعَ إلى المأمُون، ﵁، في غَلَّةٍ كانت على منازلها، فأبْطلَها، وكانت منازلها كالخَانَاتِ، وأمرَ فَجُعِل لها سُور، فَرُفِع، فلم يَسْتَتِمَّ حتَّى تُوُفِّي، فقام المُعْتَصِمُ، صَلوات اللهِ عليهِ، بإتْمامِهِ وَتشرِيْفِهِ. وقال البَلاذُرِيّ (٢): حَدَّثني دُؤَاد بن عَبْد الحَمِيْدِ قاضي الرَّقَّة، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز أرَادَ هَدْمَ المِصِّيْصَة ونَقْل أهلها عنها لِمَا كانوا يلقَونَ من الرُّوم، فتُوُفِّي قبل ذلك. أخْبَرنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن أبي مَنْصُور جَعْفَر بن عَبْد الله الدَّامَغَانِيّ (b) البَغْدادِيّ إذْنًا، وَقَرأتُ عليه هذا الإسْنَاد بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنَا

стр. 282

الشَّريفُ أبو العِزّ مُحَمَّد بن المُخْتَار بن مُحَمَّد بن المُؤيَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عَليّ الحَسَن بن عليّ بن المُذْهِب، قال: أخْبرنا أبو بَكْر أحمد بن جَعْفَر القَطِيْعيِّ، قال: أخْبَرنا أبو عَبْد الرَّحْمن عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثنا هارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثنا ضَمْرَةُ، عن رَجَاءَ بن أبي سَلَمَة، قال: هَمَّ عُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيْز بِهَدْم المِصِّيْصَة لِتَغَوُّلها في بلادِ الرُّوم. عُدْنا إلى ما ذكَرهُ البَلاذُرِيّ (١)، قال: وقال أبو النُّعْمان الأنْطاكيّ: كان الطَّريق فيما بين أَنْطاكِيَة والمِصِّيْصَة مُسْبَعَةٌ يَعْترض النَّاس فيها الأسَدُ، فلمَّا كانَ الوَلِيد بن عَبْدِ المَلِك شُكِيَ ذلك إليه، فَوَجَّه أرْبعةَ آلاف جَامُوْسَةٍ وَجَامُوْسٍ، فنفَع اللهُ بها. وكان مُحَمَّد بن القَاسِم الثَّقَفِيّ، عَامِل الحَجَّاج على السِّنْد، بَعَثَ منها بأُلُوف جَوَامِيْس، فَبَعَثَ الحَجَّاجُ إلى الوَلِيدِ منها بما بعثَ من الأربَعَة الآلاف، وأَلْقَى باقيها في آجَام كَسْكَر. ولمَّا خَلَعَ يَزِيدُ بن المُهَلَّب فَقُتِل، وقَبضَ يزِيدُ بن عَبْد المَلِك أمْوالَ بني المُهَلَّب، أصَاب لهم أربعةَ آلاف جَامُوسَة، كانت بكُوَر دِجْلَة، فَوَجَّه بها يَزِيد بن عَبْد المَلِك إلى المِصِّيصَة أيضًا مع زُطِّهَا، فإن أصْل الجَوَامِيْس بالمِصِّيصَةِ ثمانية آلاف جَامُوْسَة، وكان أهل أَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن قد غَلَبُوا على كَثِيْر منها، واحْتَازُوه لأنفُسهم في أيَّامِ فِتْنَة مَرْوَان بن مُحَمَّد، فلمَّا اسْتُخلفَ أَمِير المُؤمِنِين المَنْصُور، ﵀، أمَرَ بِرَدِّها إلى المِصِّيْصَة، وأمَّا جَوَامِيْس أَنْطاكِيَة فكان أصْلُهَا ما قَدِمَ به الزُّطّ معَهُم، وكذلك جَوَامِيس بُوْقَا.

стр. 283

قال (١): وقال أبو الخَطَّاب: بُني الجِسْرُ الّذي على طَرِيْق أَذَنَة من المِصِّيْصَة، وهو على تسعة أمْيالٍ من المِصِّيْصَة، سنةَ خمسٍ وعشرين ومائة، فهو يُدْعَى: جِسْر الوَلِيد، وهو الوَلِيد بن يَزِيد بن عَبْد المَلِك المقتُول. قالوا (٢): ولمَّا كانت سنَةُ خَمْسٍ وستِّين ومائة، أغْزَى المَهْدِيّ، ﵀، ابنَهُ هارُون الرَّشِيد، صَلواتُ الله عليه، بلادَ الرُّوم، فنَزلَ على الخلِيْج، ثمّ خرجَ، فَرَمَّ المِصِّيْصَة ومَسْجِدها، وزادَ في شِحْنَتها، وقَوَّى أهْلهَا. وقَرَأتُ في كتاب أبي زَيْد أحْمد بن سَهْل البَلْخِيّ، في صِفَة الأرْض والمُدُن (٣)، قال: والمِصِّيْصَة مَدِينَتان: إحداهما المِصِّيْصَة، والأخرى تُسَمَّى كَفَرْبَيَّا على جانبي جَيْحَان، وبينهما قَنْطَرَة حِجَارَة، حَصِيْنَة (a) جِدًّا على شَرَف من الأرْض، يَنْظُر منها الجالِسُ في مَسْجِد الجامع بها إلى قُرْب البَحْر نحو أربعة فَرَاسخ. وجَيْحَان يخرج من بَلَد الرُّوم حتَّى ينْتهي إلى المِصِّيْصَة، ثمّ إلى رُسْتَاق يُعْرف بالملون (b)، حتَّى يقَع في بَحْر الرُّوم. قُلتُ: فقد يُنْخَل (c) من مَجْموع ما ذَكَرناهُ، أنَّ بناء المِصِّيْصَة في الدَّوْلَة الإسْلاميَّة كان، لأنَّ هِرَقْل لمَّا خرج عن أَنْطاكِيَة إلى القُسْطَنْطِينِيَّة اسْتصْحَبَ أهل هذه البِلادِ، وأجلوا منها، ونَقَلَهم معَه، وشَعَّثَ هذه البِلاد. فإنَّ البَلاذُرِيّ قال في كتابه (٤): حَدَّثني مشايخُ من أهل أَنْطاكِيَة وغيرهُم، قالوا: كانت ثُغور المُسْلِمِين الشَّامِيَّة أيَّام عُمَر وعُثْمان وما بعد ذلك: أَنْطاكِيَة وغيرها من المُدُن

стр. 284

الّتي سَمَّهاها هارُون الرَّشِيد (١)، فإن المُسلِمونَ يَغْزُونَ ما وراءها كغَزْو اليوم ما وراء طَرَسُوس، وكانت فيما بين إسْكَنْدَرُونَة وطَرَسُوس حُصُونٌ ومَسَالح للرُّوم، كالمَسَالح والحُصُون التي يَمُرُّ بها المُسلِمونَ اليوم، فربَّما أجْلَاهَا (a) أهْلُهَا، وَهَربُوا إلى بلاد الرُّوم خَوْفًا، وربَّما نقَل إليها من مُقاتلَة الرُّوم مَنْ تُشْحَن به، وقد قيل إنَّ هِرَقْل أدْخَلَ أهلَ هذه المُدُن معه عند انْتِقالهِ من أَنْطاكِيَة لئلَّا يسَيرَ المُسلِمونَ في عِمَارَة ما بينَ أَنْطاكِيَة وبلاد الرُّوم، واللهُ أعْلَمُ. قال البَلاذُرِيّ (٢): وحَدَّثَني ابنُ طَيْبُوْن (b) البَغْرَاسِيّ، عن أشْيَاخِهِم، أنَّهُم قالوا: الأمْرُ المُتَعالَم عندنا أنَّ هِرَقْل نَقَلَ أهْل هذه الحُصُون معَهُ، وشَعَّثَها، وكان المُسلُونَ إذا غَزَوْا لم يَجدُوا بها أحَدًا، وربَّما كَمَنَ عندَها القَوْمُ من الروم، فأصَابوا غِرَّةَ المُتَخَلِّفين عن العَسَاكر والمُنْقَطعين عنها، فإن وُلَاةُ الشَّوَاتِي والصَّوائِف إذا دَخَلُوا بلاد الرُّوم خلَّفُوا بها جُنْدًا كَثِيْفًا إلى خُرُوجهم. فكانت المِصِّيصَةُ وغيرُها من الثُّغُور الشَّامِيَّة خَرابًا بسبب ذلك، فلمَّا غزا عَبْدُ الله بن عَبْد المَلِك، بَن حِصْن المِصِّيْصَة دُون مَدِينتها، فأرادَ عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز هَدْمَهُ بالكُلِّيَّة، فلمَّا عَرف المصْلَحة في تَرْكِهِ، تَرْكَهُ، وبنَى مَسْجِدًا جَامِعًا للمُسْلمين من ناحيةِ كَفَرْبَيَّا، ثمّ بَنى هِشَام رَبَض الحِصْن، ثمّ بنَى مَرْوَان بن مُحَمَّد الخُصُوص من النَّاحِيَةِ الشَّرْقيَّةِ، لِقِلَّة مَنْ يَعُمّ المَدِينَة بالسُّكْنى، فيكون ساكنُوا الخُصُوص مُسْتَيقظين لأنفُسِهم، وجعل عليه خَنْدَقًا وحائطًا، وكثروا في أيَّام

стр. 285

السَّفَّاح، ثمّ ازْدَادُوا في أيَّام المنصُور، فرأى أنْ يُجَدِّد عِمَارَة المِصِّيْصَة ويُسْكنها النَّاس لأنَّهُم كثروا، فبَنَى المَدِينة على الوَجْهِ الّذي نَقَلناهُ، فلهذا نُسبَ بناءُ المَدِينَة إليهِ، وكَثُر النَّاس بعد ذلك، فاحْتيج في أيَّام الرَّشِيد إلى بناء كَفَرْبيَّا، ولم يكن لها سُور، فبَنى المأْمُون لكَفَرْبَيَّا سُورًا، فلهذا نُسبَ بناؤها إليه، واللهُ أعْلَمُ. بابٌ في فَضْل المِصِّيْصَة أخْبَرنا الفَقِيهُ العالَم أبو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبرَنا أبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الكَريم بن حَمْزَة، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحمد، قال: حَدَّثنَا تمَّامُ بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو الحارِث بن عُمَارَة، قال: حَدَّثنا أبي - وهو مُحَمَّد بن عُمَارَة بن أبي الخَطَّابِ اللَّيثِيّ - قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْرَاهِيم، عن هِشَام بن خَالِدٍ، عن الوَلِيد بن مُسلمٍ، عن مَكْحُول، عن كَعْب، قال: بطَرَسوس من قُبُور الأنْبِياءَ عَشَرة، وبالمِصِّيْصَة خَمْسةٌ، وهي الّتي تَغْزُوهَا الرُّومُ في آخرِ الزَّمانِ، فيَمُرُّون بها فَيَقُولُونَ: إذا رَجَعْنا من بلادِ الشَّام، أخَذْنَا هؤلاءَ أَخْذًا، فيَرْجعُونَ وقد تَحلَّقَت (a) بينَ السَّماءِ والأرْضِ. قال الحافِظُ أبو القَاسِم: رَوَاهُ غيرُه عن مُحَمَّد بن هِشَام والرَّجُل سَعيد بن عَبْدِ العَزِيْز.
следующие страницы →