← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قَرَأتُ في كتاب أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهمذاني [ابن] (a) الفَقِيه في البُلْدان (b) وأخبارها: لَمَّا أنَّ فتح أنوشروان قِنَّسْرِيْن ومَنْبج وحَلَب وحِمْص ودِمَشْق وإِيلِيَاء وأَنْطاكِيَة، اسْتَحْسَنَ أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا انْصَرَف إلى العِرَاق، بَنى بها مَدِينَة على مِثال أَنْطاكِيَةُ بأسْواقها وشَوَارعها ودُورها، وسمَّاها رندخُسْره (c)، وهي الّتي تُسمِّيها العرب: الرُّومِيّة، وأمرَ أنَّ يُدْخَلَ إليها سَبْي أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا دَخَلُوها لم يُنْكِروا من منازلهم شيئًا، فانْطلق كُلّ رَجُل منهم إلى مَنْزله، إلَّا رَجُلٌ إسْكَافٌ (١)، كان على باب داره بأَنْطاكِيَة شَجَرة فِرْصَادٍ فلم يَرَها على بابِه ذلك، فتَحَيَّر سَاعةً، ثمّ دخل الدَّار فوجَدَها مثل دَاره. وقَرَأتُ في بعض ما عَلَّقْتُهُ من الفَوائدِ أنَّ كِسْرَى بنَى الرُّومِيّة بالمَدَائِن، وهي: بَاذْبَجَان خُسْره (d)، وتَفْسيرها: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ. وهذا الّذي ذكرَهُ [ابن] الفَقِيه أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ من أنَّهم لم يُنكروا من منازلهم، وأنَّ الرَّجُل الإسْكَاف لم يَرَ شَجَرة الفِرْصَاد على بابه، فتحيَّرَ سَاعةً ثمّ دَخَل، بعيدٌ جدًّا، بل هو من المُسْتحيلات؛ لأنَّ أبْنيَة أَنْطاكِيَةُ بالحَجَر، وبناء هذه المَدِينَة بالآجُرِ، بل يُحْتمل أنَّه شبَّهها بها في المنازل والشَّوَارع، فدَخَلَ كُلُّ واحدٍ إلى ما يُشْبهُ مَنْزله، لا أنَّ الإسْكَاف أَنْكر الموضِع لأنَّهُ لم يرَ شَجَرة الفِرْصَاد.

стр. 212

وذَكَرَ أبو عَبْد الله حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ، في كتاب تواريخ الأُمَم (١) كِسْرَى أَنَوشَرْوان بن قباد (a)، قال: وبنَي عدّة مُدُن، منها مَدِينَة دَخَلت في عِداد مُدن المَدَائِن السَّبْع، وسمَّاها: بُهُ أربذ يو خُسْره (b)، ومعنى: بُهُ أربذ يو خُسْره، أي: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ، وقال: أربذ يو: اسمٌ (c) لمَدِينَة أَنْطاكِيَةُ، وبُهُ: اسمٌ للخير. وقع (d) إليَّ قَصِيدَة من نَظْم أبي عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ، مَزْدوجةٌ، وَسَمَها بقصيدةِ الأعْلَام؛ يَذْكُرُ فيها خُروجَهُ من طَرَسُوس سنةَ ثَمانٍ وثَلاثِمائة، ويَصِفُ فيها المنازل التي نَزَلَها، فذَكَرَ أَنْطاكِيَةُ وفَضْلها، وفَسَّر الأبيات، والنُّسْخةُ نُسخة عَتِيقة جدًّا. قال فيها: [من الرجز] ثمّ وَرَدْنَا غدوة (e) أَنْطاكِيَةُ … وأهْلُها في خَيْرها مُواسِيَهْ أهْل عَفَاف وأُمُور عاليهْ … أخْلاقهُم قدمًا عليها جارِيهْ * * * مَدِينَةٌ مَيْمُونةٌ مُذ لم تَزَلْ … النِّصْف في السَّهْلِ ونصفٌ في الجَبَل والبَقُّ لا يَدْخُلُها ويتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل * * * كَثِيْرة الخَيْرات والثِّمار … وتِيْنُها القِلَّار في الأشْجَارِ مثل النُّجُوم في دُجَى الأسْحار … حَصِيْنَةٌ كَثِيْرةُ الآثارِ * * *

стр. 213

صَاحِب يس حَبْيْبٌ فيَها … وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ وَجِيْهَا في الخلُد والثِّمَارِ يَجْتَنِيْهَا … أكْرِم به مُفْتَخَرًا نَبِيْهَا وقال في تَفْسير الأبْيات: أمَّا أَنْطاكِيَةُ فإنَّ لها حِصْنًا نصفٌ في السَّهْلِ ونصفٌ في الجبَل، ولا يَدْخلُها البَقُّ، ومَنْ خَرَجَ منها آذاهُ البَقُّ، وهي كَثِيْرة الفَأر، والتِّيْنُ القِلَّارِيُّ لا يَكُون إلَّا بها، ويُعْرفُ بالعِرَاقِ: بالشَّاميّ، وصاحب يس: حَبِيب النَّجَّار، قَبْرهُ بها، وهو الّذي قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١). بابُ ما جَاءَ في ذَمِّ أَنْطاكِيَةُ قيل: إنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِين هارُون الرَّشِيد، رَحْمة الله عليه، كانَ وَرَدَ أَنْطاكِيَةُ، فاسْتَطابَها جدًّا، وَهَمَّ بالمَقام فيها، وكَرِهَ ذلك أهْلُها، فقال له شيخٌ منهم، وصَدَفهُ (a) عن الصُّورة: يا أَمِير المُؤمِنِين؛ ليْسَت هذه مِنْ بُلدانك، قال: وكيف؟ قال: لأنَّ الطِّيْبَ الفاخِرَ يتَغيَّر فيها حتَّى لا يُنْتَفع به، والسِّلاح يَصْدَأُ فيها، ولو كان من قَلْعِ الهِنْد، فتركَها ورَحَلَ عنها. ويُقال: إنَّ أَنْطاكِيَةُ كَثِيْرة الفَأْر، وقد ذَكَر ذلك أبو عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في أُرْجُوزَةٍ له، فقال في ذكر أَنْطاكِيَةُ: [من الرجز] والبَقُّ لا يَدْخلُها ويَتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل

стр. 214

أنْبَأنَا عَبْد المُحْسِن بن عَبْد الله الخَطِيب، عن أبي عَبْد الله الحُسَيْنُ بن نَصْر بن خَمِيْس، قال: أخْبَرَنَا أبو المَعَالِي ثابتُ بن بُنْدَار بن إبْرَاهِيْم البَقَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ الحَسَن بن الحُسَيْنُ بن دُوْمَا النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ مُحمَّد بن جَعْفَر بن مَخْلَد البَاقَرْحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد الحَسَن بن عَلُّويَة القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل بن عِيسَى العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن بِشْر أبو حُذَيْفَة، عن ابن سَمْعَان، قال: بلَغَني عمَّن له علمٌ بالعِلْم الأوَّلِ أنَّ كُلّ رجُل بعثَهُ سَمْعُون بعد عِيسَى إلى أُناسٍ أو بَلْدةٍ، أقام عندَهُم حتَّى ماتَ في بلادهم، واتَّبَعُوه ما خلا يُحْنَّى وتُومان؛ بُعثَا إلى أَنْطاكِيَةُ فلم يُجيبُوهما، وقَتَلُوا مَنْ آمنَ بهما واتَّبَعَهُما، وَعَدَوا عليهما، وأرادُوا قَتْلَهُما، وقَتَلُوا حَبِيبًا النَّجَّار، فأخذَهُم اللهُ بالصَّيْحَة. وكانت أوَّل مَدِينَة أَهْلكَها اللهُ بعد عِيسَى أَنْطاكِيَةُ. قال أبو حُذَيْفَة إسْحَاق بن بِشْرٍ: وقال الحَسَنُ: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدائِن جَهَنَّم. قُلتُ: ظَنَّ أبو حُذَيْفَة أنَّ الحَسَن أرادَ بقوله: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدَائِن جَهَنَّم، أَنْطاكِيَةُ الشَّام، فذَكَر ذلك عَقِيبَ ذِكْر حبيب النَّجَّار وأخذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة، وليس الأمر كذلك؛ بل المُراد من أَنْطاكِيَةُ التي ذكَرَها الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة، وهي أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، لِمَا نَذْكره ونُبَيِّنَهُ، وأخْذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة لعُتُوِّهم وتَكْذيبهم، لا يدُلُّ على عَدَم الفَضِيْلة، فإنَّ مَكَّة أشْرَف البِقَاع وقد كذَّب أهلُها رسُول الله ﷺ ، فانْتَقَم الله منهم، ونصَره عليهم، بل عُقُوبَة الجاني في الموضِع الشَّريف ألْيَق بحال الجاني، ألَا ترَى إلى أصْحاب الفِيْل كيف انْتَهَكُوا حُرْمَة الحَرَم؟ فأهلكَهُم اللهُ تعالَى كما أَخْبَر في كتابهِ بقَوْله تعالَى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١)، فكان ذلك

стр. 215

زِيَادة في شَرف الحَرَم، فهذا فيما نحن فيه. ألَا تَرى إلى ما حَكيناهُ فيما تقدَّم من تَسْميتها مَدِينَة الله، أنَّه لَمَّا خُسِفَ بها رأي رجُلٌ صالِحٌ في نَوْمهِ قائلًا يقول: تكتبُ على أبْواب المَدِينَة: الله معنا، فسُمِّيت مَدِينَة الله. والدَّليلُ على أنَّ المُراد بقول الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، ما أخْبَرَنَا الشَّيْخ الإمام أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْنُ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أبو عَبْد الله، قال: أخْبَرَنَا أبو المُعَمَّر المُسَدَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس بن أبي السّحيس (a) الحِمْصِيّ، قَدِمَ علينا، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن سُلَيمان بن يُوسُف الرَّبعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن إسْمَاعِيْل الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا إدْرِيس بن سُلَيمان بالرَّمْلَةِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمن بن خَالِد بن حَازِم، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُحمَّد، عن الزُّهْرِيّ، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسُول اللهِ ﷺ (٢): أرْبَعُ مَدَائن في الدُّنْيا من الجَنَّة: مَكَّة والمَدِينَة وبَيت المَقْدِس ودِمَشْق، وأرْبع مَدَائِن من النَّار: رُوْمِيَّة وقُسْطَنْطِينِيَّة وأَنْطاكِيَة وصَنْعاء. قال إِدْرِيس: يعني أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة. وقد جاءَ في رِوَايَة أُخْرى مُصرَّحًا في الحَدِيْثِ بأنَّها أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة؛ أخْبَرَنَا بذلك الفَقِيه (b) العالم شَرَف الدِّين أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الدِّمَشْقِيّ بها، قال أخْبَرَنَا عَمِّي (c) أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ

стр. 216

الحَسَنُ بن المُظَفَّر بن السِّبْط، وأبو عَبْد الله الحُسَيْن بن مُحمَّد بن عَبْدِ الوهَّاب البَارع ببَغْدَاد، وأُمُّ البَهَاء فاطِمَةُ بنتُ عليّ بن الحُسَيْن العُكْبَرِيَّة بدِمَشْق، قالوا: أخْبَرَنَا أبو الغّنائِم مُحمَّد بن عليّ بن عليّ بن الدَّجَاجيّ، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن عُمَر بن مُحمَّد الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو السَّرِيّ سَهْل بن يَحْيَى. وقال ابنُ السِّبْط: ابن يَحْيَى بن سَبَأ الحَدَّاد - قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثْمان الرَّازيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد بن يَزِيد، عن مُحمَّد بن مُسْلِم الطَّائِفيّ، عن مُحمَّد بن مُسْلِم الزُّهْرِي، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ (a): أربع مَدَائن من مَدَائن الجَنَّة، وأرْبَع مَدَائن من مَدَائِن النَّار، فأمَّا مَدَائن الجنَّة: فمَكَّةُ والمَدِينة وبَيتُ المَقْدِس ودِمَشْقُ، وأمَّا مدائن النَّار: فالقُسْطنطينيَّة وطَبَرِيَّة وأَنْطاكيَّة المُحْتَرِقة وصَنْعاء. وذكَر أحمد بن يَحْيَى بن جابر البَلاذُرِيّ (١): أنَّ أَنْطاكِيَة المُحْتَرقة ببلادِ الرُّوم، أحرقَها العبَّاس بنُ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك. وقال أبو عَبْدِ الله السَّقَطِيّ: ليس هي صَنْعاء (اليَمَن) (b) وإِنَّما هي صَنْعاءُ بأرض الرُّوم. وقد جاءَ في رِوايَةٍ أخْرى بدل طَبَرِيَّة: الطُّوَانة؛ وهو الصُّحيحُ.

стр. 217

قَرَأتُ في كتاب الحَافِظ لمَعَارف حَرَكات الشَّمْس والقَمر، والأقالِيْم وأسماء بُلدانها، تأليفُ أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيد الله المُنَادي، وأظُنُّه بخَطِّه، والنُّسخة مقرُوءة عليه، قال: بَلَغَنا عن يزيد بن عبد الله الخَوْلانِيّ، عن كَعْب الأحْبَار أنَّه قال: خَمْسُ مَدَائِن في الدُّنيا من مَدَائِن الجَنَّة، وخمْسُ مَدَائِن في الدُّنْيا من مَدَائِن النَّار، فأمَّا مَدَائِن الجنَّة: فحِمْصُ، ودِمَشْق، وبَيتُ المَقْدِس، وبَيْتُ جِبْرِين، وظَفَار اليَمَن. وأمَّا مَدَائِن النَّار: فالقُسْطَنْطِيْنِيَّة وعَمُّورِيَّة وأَنْطاكِيَة وتَدْمُر وصَنْعاء اليَمَن. قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادي: هذه ليسَت أَنْطاكية الشَّامِ، ولكنَّها أَنْطاكِيَةُ الرُّومِ. وأخْبرَنِي من أثِقُ به، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: قَرَأتُ في مجموع جَمَعَهُ رَشَاء بن نَظِيف، قال: وأظُنُّه بخَطِّه، قُلتُ: وأخْبرَنَا به إجَازَةً أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحمَّد بن الحَسَن، عن عَمِّه أبي القَاسِم الحَافِظ (١)، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم النَّسِيب، عن رَشَاء بن نَظِيف، قال: حَدَّثَني أبو سَعيد مُحمَّد بن أحمد بن عُبَادَة البَيْرُوتيِّ، بمَدينَة دِمَشْق، قال: حدَّثَني عَبْدُ المُؤْمن بن المُتَوكِّل، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الرَّحْمن مَكْحُول، قال: حدَّثنا العبَّاسُ بن الوَلِيد بن مَزْيَد، عن أبيهِ الوَليد، عن عُرْوَة، عن ثَوْبَان مَوْلَى رسُول اللهِ ﷺ ، قال: تَثُور بَنُو الأصْفَر بالعَرَب، فتكُون بينهم وَقْعَةٌ في مَوْضِعٍ يُقالُ له الرَّأسُ واللَّفئكة (a)، فتَسيل (b) فيه دماءٌ حتَّى تخوض الخَيلُ في الدِّماء إلى أَرْسَانها (c). قال ثوبان مَوْلَى رسُول اللهِ ﷺ : يا رسُول الله أفمن قِلَّةٍ؟ قال: إنَّما تكثر الأعْمال (ة) السُّوء، وليَنْزعَ

стр. 218

الله المهابَة من صُدور أعدائكُم منهم، وتكونوا في عَينهم كغُثَاء السَّيْل، ويَفتَحُون الملعُونَتَينِ (a). قال ثَوْبَانُ مولى رسُول اللهِ ﷺ : يا رسُول الله، وما المَلْعُونَتانِ؟ قال: أَنْطاكِيَةُ وصَيْدَا. وهذه أيضًا أَنْطاكِية المُحْتَرِقة أيضًا. واللهُ أعْلَمُ - لأنَّهُ قد وَرَدَ أنَّها من مَدَائِن النَّار. أمَّا أَنْطاكِيَة الشَّام، فقد جاءَ في فَضْلها من الأخْبار والآثار ما نَذكُره إنْ شَاءَ اللهُ. بابٌ في فَضْلِ أَنْطاكِيَة ذكر اللهُ تعالى أَنْطاكِيَة في القُرْآن في موضعَيْن، وسمَّاها قَرْيةً وسمَّاها مَدِينَةً في المَوْضِعين، ذكَرها في سُوْرة الكهف في قِصَّة الجِدَار الّذي أراد أنْ ينقَض فأقامَهُ، وسمَّاها في أوَّل القِصَّة قرية بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (١)، وسمَّاها ﵎ في آخر القِصَّة بالمَدِينَة، حيث قال عزَّ مَنْ قائل: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٢). جاء في التَّفْسِير عن ابن عبَّاس (٣) ﵁ أنَّها أَنْطاكِيَةُ، وذَكَرَ ذلكَ أبو إسْحَاق الثَّعْلَبِي وغيره. وذكَرَها الله تعالَى أيضًا في سُورة يس في قِصَّةِ حَبِيب النَّجَّار، قال في أول القصة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤)، وقال عزَّ مَنْ قائل في آخر القِصَّة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (٥).

стр. 219

أخْبَرنا أبو الغَنائم مُحمَّد بن أبي طالب بن شَهْرَيَار في كتابه إلينا من أصْبَهان، قال: أخْبَرتَنا فاطِمةُ بنتُ أبي الفَضْل، المعروفَة ببنْتِ البَغْدادِيّ، قالت: أخْبَرَنَا أبو طاهر أحمد بن مَحْمُود الثَّقفيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بكر مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنا إبْرَاهِيْم بن عَبْد الله (a)، قال: حَدَّثَنا عَمْرو بن عليّ، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بن سَعيد، قال: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عن السُّدِّيّ، عن عِكْرِمة في قَوْله تعالَى: واضْرِب لهم مَثَلًا أصْحَاب القَرْيَة. قال: هي أَنْطاكِيَةُ. ونقَلْتُ من كتاب أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن المُنَادي الّذي سمَّاهُ الحَافِظ، وهو مَسْمُوعٌ عليه، قال: حَدَّثَنا جَدِّي، قال: حَدَّثَنَا يُونُس، قال: حَدَّثَنا شَيْبَان، عن قَتَادَةَ: واضْرِب لهم مَثَلًا أصْحاب القَرْيةِ. قال: ذُكِر لنا أنَّها أَنْطاكِية؛ مَدِينَةٌ من مَدَائِن الرُّوم. قُلتُ قَوْله: من مَدَائِن الرُّوم؛ يعني: أنَّها كانت من مَدَائِن الرُّوم، والرُّوم يُعَظِّمُونها، فإنَّ قِصَّة حَبِيب كانت بأَنْطاكِية الشَّام، وقَبْرهُ بها. أخْبَرَنَا أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد القزَّاز، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثابت الخَطيبُ (١)، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْن بن عليّ بن الحُسَيْن بن بَطْحاء المُحْتَسِبُ، قال: أخْبَرَنَا أبو سُلَيمان مُحمَّد بن الحُسَيْن بن عليّ الحَرَّاني، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن الحَسَن بن قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنا أحمدُ بن مُسْلِم الحَلِبِيّ، قال: حَدَّثَنا عبد الله بن السَّرِيّ المَدَائِنِيّ، عن أبي عُمَر البَزَّاز، عن مُجَالد بن سَعيد، عن الشَّعْبِيّ، عن تَمْيِم الدَّاريّ، قال (٢): قُلْتُ: يا رسُولَ

стр. 220

اللهِ، ما رأيتُ للرُّومِ مَدِينَةً مثل مَدِينَةٍ يُقالُ لها أَنْطاكِيَةَ، وما رَأيتُ أكثرَ مَطَرًا منها، فقال النَّبِيُّ ﷺ : نعم؛ وذلك أنَّ فيها التَّوْراة، وعصَا مُوسَى، ورَضْرَاض الألْوَاح، ومَائِدَةُ سُلَيمان بن دَاوُد في غار من غِيْرَانها، ما من سَحابةٍ تُشْرفُ عليها من وَجْهٍ من الوُجُوهِ إلَّا أفرَغَتْ ما فيها من البَرَكَة في ذلكَ الوَادِي، ولا تَذْهبُ الأيَّام واللَّيالِي حتَّى يَسْكُنَهَا رجُلٌ من عِتْرَتِي، اسمُهُ اسمي، واسْمُ أبيهِ اسْمُ أبي، يُشْبهُ خَلْقُه خَلْقِي وخُلْقُهُ، يملأُ الدُّنْيا قِسْطًا وعَدْلًا كما مُلِئَتْ ظُلْمًا وجَوْرًا. وقد رُويَ هذا الحَدِيْث عن عَطَاء، عن ابن عبَّاس، عن النَّبِيّ ﷺ . وفيه زِيَادةٌ على ما رَوَاهُ الشَّعْبِيّ عن تَمِيْم الدَّارِيّ، نَقَلْتُهُ من خَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللهِ بن إبْرَاهِيْم الطَّرَسُوسِيّ، قاضِي مَعَرَّة النُّعْمَان، وكان فَاضِلًا مُسْنِدًا، قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَيْر عَدِيُّ بنُ أحْمد بن عَبْد البَاقِي، قال: حَدَّثَنَا يوسُفُ بن سَعيد بن مُسْلم، قال: حَدَّثَنَا الحَّجاجُ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطَاءٍ، عن ابن عبَّاس، قال: كنتُ جالِسًا عندَ النَّبِيّ ﷺ إذْ أتاهُ تَمِيْم الدَّارِيُّ، فقال لهُ رسُولُ اللهِ ﷺ : من أينَ قَدِمْتَ؟ قال: من الشَّامِ، فقال تَمِيم: يا رسُول اللهِ؛ لم أرَ بالشَّام مَدِينَةً أحْسنَ من أَنْطاكِيَة ولا أطْيَبَ، إلَّا أنَّها كَثْيِرة الأمْطَار، فقال رسُولُ الله ﷺ : أتَدْرونَ ما السَّببُ في ذلك؟ قالوا: اللهُ ورسُولهُ أعْلَم! قال: فيها جَبَلٌ، وفي ذلك الجبَلَ غَار، وفي ذلك الغَار عصَاة (a) مُوسَى صلَّى اللهُ عليهِ، وشيءٌ من ألْواحهِ، ومائِدةُ سُلَيمانُ، ومَحْبُرَةُ (b) إِدْرِيسَ، ومِنْطَقَهُ شُعَيْب، وبُرْدَا نُوح، ولا تطلعُ سَحابةٌ شَرْقَيَّةٌ ولا غَربيَّةٌ، ولا قِبليَّة ولا جَرْبيَّة (c)، إلَّا حُطَّ من

стр. 221

بَرَكتها عليها وعلى ذلك الغَار قَبْل أنْ تُمْطِر (a) في الدُّنْيا، ولا تقُوم السَّاعَة ولا تذهبُ اللَّيالِي والأيَّامُ حتَّى يَخْرُجَ رجُلٌ من أهْلِ بَيْتي ومن عِتْرَتِي، يُوافِق اسمُهُ اسْمِي، واسْمُ أبيهِ اسْم أبي، فيَسْتَخْرج جميعَ ما في ذلك الغَارِ، يَملأُ الأرْض عَدْلًا كما مُلِئَتْ جَوْرًا وظُلْمًا. أنْبَأنَا عَبْد العَزِيْز بن الحُسَيْن بن هِلالَةَ، قال: أخْبَرَتنا عَفِيفَة بنت أحْمَد بن عَبْد الله الأصْبَهَانِيَّة، قالت: أخْبَرَتَنْا فاطِمَة الجُوزْدَانِيَّة، قالت: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن رِيْذَة، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم الطَّبَرَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن حَاتِم، قال: حَدَّثَنَا نُعَيْم بن حَمَّاد، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عن مَطَر الوَرَّاق، عمَّن حَدَّثَهُ، عن كَعْب، قال (١): إنَّما سُمِيَّ المَهْدِيُّ، لأنَّهُ يَهْدي (b) لأمْرٍ قد خَفِيَ، ويَسْتخرِجُ التَّوْراةَ والإنْجِيْلَ من أرْضٍ يُقالُ لها: أَنْطاكِيَةُ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَضائِل نَاصِر بن مَحْمُود بن عليّ القُرشِيّ، ح. وأخْبرنَا أبو مُحمَّد هِبَةُ الله بن الخَضِر بن هِبَةِ الله بن طَاوُس إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضائِل نَاصِر بن مَحْمُود، قال: حَدَّثَنا عليّ بن أحمد بن زُهَيْر، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحمَّد بن شُجاع، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن فَاتِكُ بن عَبْد اللهِ المُزَاحِميّ بِصُوْر، قال: حَدَّثنَا أبو القَاسِم عليّ بن مُحمَّد بن طَاهر بصُوْر، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد المَلك مُحمَّد بن أحمد بن عَبْد الوَاحِد بن جَرِير بن عُبْدُوس، قال: حدَّثنا مُوسَى بن أَيُّوب، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن قُسَيْم، عن السَّرِيّ بن بَزِيع، عن السَّرِيّ بن يَحْيَى، عن

стр. 222

الحَسَن، عن أبي هُرَيْرَة، عن رسُول اللهِ ﷺ ، قال (١): لا تَزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي يُقاتلونَ على أبْواب بَيتِ المَقْدِس وما حَولها، وعلى أبواب أَنْطاكِيَة وما حَوْلها، وعلى باب دِمَشْقَ وما حَولها، وعلى أبوابِ الطَّالَقَان وما حَوْلها، ظَاهِرين على الحقِّ لا يُبالُون مَنْ خَذَلهم ولا مَنْ نصَرهم، حتَّى يُخْرج اللهُ كنزَهُ من الطَّالَقَان، فيُحيي بهِ دينَهُ كما أُميتَ من قَبْل. وقَرَأت بِخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللهِ بن إبْرَاهِيم الطَّرَسُوسِيّ القَاضِي: حَدَّثَنَا أبو الفضل صالِح بن يوسف العِجْلِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن عليّ بن الجَارُوْدِ، قال: حَدَّثَنَا ابن مَسْرُور، عن ابن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، عن ابن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُول الله ﷺ : أفْضَلُ الرِبّاطِ أرْبعةٌ: عَسْقَلان، والإسْكَنْدَرِيَّة؛ وهما العَرُوسَان، وأَنْطاكِيَة. ثم قال: لا تزالُ طائفَةٌ من المَلائِكَة يُقاتِلُونَ حولَ أَنْطاكِيَة وحَول دِمَشْق وحول الطَّالَقَانِ إلى أنْ يخرج يَأْجُوج ومَأْجُوج. وسقَطَ ذِكْر الرَّابِعَة في رِوايَةِ القَاضِي أبو عَمْرو، وأظُنُّها: دِمَشْق (٢). قَرَأتُ بِخَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله بن إبْرَاهِيْم الطَّرَسُوسِيّ: حَدَّثَنا أبو الحَسَن عَلَّان بن عِيسَى بن مُشْكان القَاسَانِيّ سنةَ اثنَتين وثلاثين وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبي وعَمِّي، قالا: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بن رَاَهَوَيْه، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بن عُبَادَة، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن إسْحَاق، عن عَمْرو بن دِيْنار، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاسٍ، وأبي سَعيد الخُدْرِيّ، وأبي هُرَيْرَة، قالوا: سَمِعْنا رسُول اللهِ

стр. 223

صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يقُول: ليلَة أُسْرِي بي إلى السَّماءِ رأيتُ قُبَّةً بَيْضَاءَ لم أرَ أحْسَنَ منها، وحَوْلها قِبَابٌ كَثْيِر، فقُلتُ: ما هذه القِبَاب يا جِبْرِيل؟ قال: فقال: هذه ثُغُور أُمَّتِكَ، فقُلتُ: ما هذه القُبَّة البَيْضاءُ؛ فإنّي ما رَأيتُ أحسَنَ منها؟ قال: هي أَنْطاكِيَة، وهي أُمُّ الثُّغُور، فَضْلُها على الثُّغُور كفَضْل الفِرْدَوْس على سَائر الجِنَان، السَّاكنُ فيها كالسَّاكِنِ في البَيْت المَعْمُور، يُحْشر إليها أخْيار أُمَّتكَ، وهي سجنُ عالَمٍ من أُمَّتكَ، وهي مَعْقِلٌ ورِباط، وعِبادَةُ يومٍ فيها كعبادَةِ سَنَةٍ، ومَنْ ماتَ بها من أُمَّتِكَ كَتَبَ اللهُ له يَوم القِيامَةِ أجْرَ المُرَابِطْين. وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان وفُتُوحها وأحْكَامها؛ تأليفُ أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابر البَلاذُرِيّ (١)، قال: حَدَّثَني مُحمَّد بن سَهْم الأنْطاكِيّ، عن أبي صَالِح الفَرَّاء، قال: قال مَخْلَد بن الحُسَيْن: سَمْعِتُ مشايخَ الثَّغْر يَقُولُونَ: كانت أَنْطاكِيَة عَظِيمَة الذِّكْرِ والأمْر عند عُمَر وعُثْمان رحمهما اللهُ. أنْبَأنا أبو الفَضْلِ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْدِ الوهَّاب بن صالح المُعَزّمِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر هِبَة الله بن الفَرْخ ابن أُختِ الطَّويل، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن بن عليّ المُحَكِّميّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد بن سُلَيمان بن كَامِل الكَرَابِيْسِيّ البُخارِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنا أبو جَعْفَر هارُون بن إبْرَاهِيْم بن عِيسَى بن المَنْصُور أَمِير المؤمِنِين الهاشِميّ ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنا إبَراهِيْم بن الحَسَن الأنْطاكِيّ والرَّبْيِع بن ثَعْلَب، قالا: حَدَّثَنا رَبيعُ بن جُمَيْع، عن الأَعْمَش، عن بِشْرِ بن غَالِبٍ، قال:

стр. 224

قَدِمَ أهْلُ أَنْطاكِيَة على الحُسَيْن بن عليّ، فسألَهُم عن حَالِ بلدِهم، وعن سِيْرة أميرهم فيهم، فذكَروا خَيْرًا، إلا أنَّهم شَكَوْا البَرْد، فقال الحُسَيْنُ بن عَليّ: حَدَّثَني أبي عن جدّي رسُول الله ﷺ أنَّه قال (١): أيّما بَلْدة كثُرَ أذانُها بالصَّلاةِ كُسِرَ بَرْدُهَا. وقد رَواهُ الرَّبْيع بن ثَعْلَب، عن عَمْرو بن جُمَيْع، عن بِشْر بن غَالِبٍ. أخْبرَنا به أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللهِ مُشَافهةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب عَبْد القَادِر بن مُحمَّد بن عَبْد القَادِر بن مُحمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد الحَسَن بن عليّ بن مُحمَّد الجَوْهَرِيّ، بقراءة أبي بَكْر الخَطِيب وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحمَّد بن عليّ الصَّيْرَفِيّ المَعْرُوفُ بابنِ الزَّيَّاتِ قراءةً عليهِ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن أحمدُ بن الحُسَين بن إسْحَاق الصُّوفِيّ الصَّغير، قال: حَدَّثَنا الرَّبيعُ بن ثَعْلَب العَابِد، قال: حَدَّثَنا عَمْرو بن جُمَيْع، عن بِشْر بن غَالِب، قال: قَدِمَ على الحُسَيْن بن عليّ ﵉ ناسٌ من أهْلِ أَنْطاكِيَة، فسألَهُم عن حالِ بلادِهم، وعن سِيْرة أميرهم، فذكَرُوا خَيْرًا، إلَّا أنَّهم شَكَوْا إليه البَرْد، فقال الحُسَيْن ﵁: حَدَّثَني أبي عن جدِّي رسُول الله ﷺ أنَّه قال: أيّما بلْدة كَثُرَ أذانُها بالصَّلاةِ كُسِرَ بَرْدُها. وقد رُوي ذلك عن الحَسَن بن عليَ ﵁، عن رسُول الله ﷺ ، وَسَنَذْكُره في تَرْجَمَةِ أخي بِشْر بن غَالِب، فيمَن لا يُعْرف اسْمه (٢).

стр. 225

بابٌ في ذِكْرِ مَنْبِج، واسْمها، وبِنَائها (١) وهي مَدِينَةٌ حَسَنَةُ البناءِ، صَحيحةُ الهَوَاء، كَثِيْرة المياه والأشْجَار، يانعَةُ البُقُول والثِّمَار، وأهلُها خِلَقٌ حَسَنَة، ويُقال إنها كانت مَدِينَة الكَهَنَة، ودُورها وأسْوارها مَبنيَّة بالحِجارَة، ولم تزل أسْوارها في أكْمل عمَارَة إلى أنْ حَصَرها المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب في سَنة [سَبْع وتِسْعِين وخَمْسِمائَة] (a). ولَمَّا فتحَها خرَّب حِصْنها، وكان حِصْنًا مانِعًا، وهو الّذي حَصَرهُ بلك بن أُرْتُق وصاحبها إذ ذاك حَسَّان (٢)، فقُتِلَ (٣) عليها، وبقي السُّور على حالهِ، وإذا انْهَدم

стр. 226

منهُ شيء لا يُعْمر، فلمَّا مات المَلِك الظَّاهِر، جاء كَيْكَاوُس ملك الرُّوم وفي صُحْبته المَلِك الأفْضَل عليّ بن يُوسُف، أخو المَلِك الظَّاهِر، فاسْتولَى على المَدِينَة، ورَمَّ ما تَشَعَّثَ من سُورها، وفَتَحَ تلّ باشِر من يد ابن دَلْدرم، واسْتدعَى أتَابِك طُغْرِل المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن المَلِك العادِل من حِمْص ليَدْفع كَيْكَاوُس، فجاء وخَرَجَ بعَسْكر حَلَب إلى الباب، واتَّفق للعَسكَرَيْنِ وَقْعَة أُسِرَ فيها جَمَاعة من أُمَراءِ الرُّوم، فانْدَفعِ كَيْكَاوُس عن البلادِ، فاسْتعادَها المَلِكُ الأشْرَف، فشَعَّثَ أتَابِك طُغْرِل سُور مَنْبِج عند ذلك تَشْعيثًا فاحشًا، وتداعَت أرْكانه، وبَني منهُ الخان الّذي جدَّده أتَابِك للسَّبيل، وهو موضع الحِصْن الّذي (a) خرَّبه المَلِك الظَّاهِر، وأخذَ أهل البَلَدِ من حِجَارَة السُّور أحْجارًا كَثِيْرة لعَمَائِرهمِ، فلم يبقَ منه إلَّا ما يمنَع الغَارة، وأمَّا البَلَد فإنَّه عَامِرٌ، آهِلٌ، كَثِيرُ الخَيْراتِ، ومَعايشهم وافرة جدًّا، لا سِيَّما في اسْتخراج ماء الوَرْد والخِلَاف (١) والإبْرَيْسَم. وكان اسْمُها أوَّلًا: سُرْياس، ثمّ سُمِّيت: أبروقليس، فسمَّاها كِسْرَى: مَنْبه، وعُرِّبت فقيل: مَنْبِج. قَرَأتُ في تاريخ وقع إليَّ، ذَكَرَ جامعُه أنَّه انْتَسَخهُ من كُتُب شتَّى، ومن التَّوْراة اليُونانِيَّة والسُّرْيَانيَّة، ومن تاريخٍ للرُّومِ وغيرهم (٢)، قال: وفي سَنة خَمْسين

стр. 227

من مُلْكهِ - يعني مُلْك بُخْتَنَصَّر - قُتِلَ فِرْعَون الأعْرَج ملك مِصْر واسْمُه يُوياقيم (a)، قال: وكان فِرْعَون قد أحْرَق مَدينة مَنْبِج، ثمّ بُنِيت بَعْد ذلك، وسُمِّيت أبروقليس، وتفسيره: مَدِينة الكَهنَة. أخْبَرَنَا أبو المُظَفَّر عَبد الرَّحِيم بن عَبد الكريم بن مُحمَّد بن منصور السَّمْعانيّ في كتابه إليَّ من مَرْو، قال: أخْبَرَنَا أبي أبو سَعد (١)، إجازَةً إن لم يَكُن سَمَاعًا، قال: ومَنْبِج بناها كِسْرَى حين غلب على نَاحيةٍ من الشَّام ممَّا كان في أيْدِي الرُّوم، وسمَّاها مَنْبِه، وبنَى بها بيت نَار، ووكَّل به رجُلًا يُسمَّى يَزْدَانِيَار (b) من وَلد أَرْدَشِيْر بن بَابَك (c)، وهو جَدُّ سُليمان بن مُجَالِد الفَقِيه. ومَنْبِه بالفارسيَّة: أنا أجود، فأَعْرَبت العَرَبُ مُنْبِه مَنْبِج، وقال: إنَّما سُمِّيت ببَيْت نَار مَنْبِه، فغلَب على اسْم المَدِينَةِ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوبُ بن أحمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، قال: ومَنْبِج اسم البَلد، أعْجَميُّ، وقد تكلَّمُوا به، ونسَبُوا إليه الثِّياب المَنْبَجَانِيَّةَ (d).

стр. 228

قُلت: ويُقال الأَنْبَجانِيَّة أيضًا، وقد جاءَ في الحديث: [أتُوْني بأنْبجَانِيَّة أبي جَهْمٍ] (a). وقال: أبو زَيْد أحمَد بن سَهْل البَلْخيّ، في كتاب صُورة الأرض والمُدُن (١): وأما مَنْبِج فهي مَدِينةٌ في بَرِّيَّة، الغَالِب على مَزَارعها الأعْذَاءُ، وهي خِصْبَة. وبقُربها سَنْجَة (٢)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، بقربها قَنْطَرَة حِجارَة، تُعْرفُ بقَنْطَرة سَنْجة، ليسَ في الإسْلام قَنْطَرَة أعْجب منها. وقَرَأت في كتاب أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في المَسَالِك والمَمَالِك (٣)، في الطَّريق من بلاد الرُّوم إلى الشَّام في بعض مَسَالكه، قال: ثمّ ارْجع إلى الحوزة (b)، فمنها طريق إلى بُحيَرَة سماطى ثمّ بعَقَبة بيغاس (٤)، إلى علُّو وهي الفُرَات، ثمّ إلى سُرْياس وهي مَنْبِج.

стр. 229

وذكَر أحْمدُ بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، في تَعْدَادِ كُوَر جُند قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، فقال (١): وكُورة مَنْبِج وهي مَدِينَةٌ قديمَةٌ، افْتُتِحَت صُلْحًا، صَالَح عليها عَمْرُو بن العَاصِ وهو من قِبَلِ أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وهي على الفُرَاتِ الأعْظَم، وبها أخْلَاطٌ من النَّاس من العَرَب والعَجم، وبها مَنازل وقُصُور لعَبْد المَلِك بن صالح بن عليّ الهاشِميّ. قُلتُ: قوْله: وهي على الفُرَات، خَطَأٌ؛ لكنَّ جِسْر مَنْبِج (٢) على الفُرَات. وقيل: إنَّ عِياض بن غَنْم فَتَحَ مَنْبِج صُلحًا على مِثل صُلْح حَلَب. وذكَر البَلاذُرِيُّ، قال (٣): ولم تَزَل قِنَّسْرِيْن وأَنْطاكِيَة ومَنْبِج وذَواتها جُنْدًا، فلمَّا اسْتُخلف هارُون بن المَهْدِي أفْرَد قِنَّسْرِين بكُورها فصَيَّرِ ذلك جُنْدًا واحدًا، وأفرد مَنْبِج ودُلُوْك ورَعْبَان وقُورس وأَنْطاكِيَة وتِيْزِيْن، وسَمَّاها العَوَاصِم؛ لأنَّ المُسْلِمِينُ يَعْتَصِمُون بها، فتَعْصمَهم وتَمْنَعهم إذا انْصَرفوا من

стр. 230

عدوِّهم (a) وخَرجوا من الثُّغُور، وجَعل مَدِينَة العواصم مَنْبِج، فسَكَنها عَبْدُ المَلِك بن صالِح بن عليّ في سَنة ثلاثٍ وسَبْعِين ومائة، وبنَى بها أبْنيتَهُ. وذكَر قُدامة في كتاب الخَرَاج (١) نحوًا من ذلك. وقَرَأتُ في كتاب ابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (٢): مَدينة مَنْبِج، وهي خِصْبَة، كَثِيْرة الأسواق، قَدِيمةٌ، عظيمة الآثار، وهي ذات سُورٍ أزَليٍّ رُوميٍّ، وبقُربها أيضًا مدينة صَنْجة (b)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرةٌ، بقُرْبها قَنْطَرَة حِجَارَة تُعْرفُ بقَنْطَرَة صَنْجة، ليس على الإسْلام أعْجب بناءً منها، يقال: إنَّها من عجائب الزَّمان. قال (٣): وجِسْر مَنْبِج مَدينةٌ صَغيرةٌ، لها زرْع سَقي ومَباخِس، وماؤُهَا من الفُرَاتِ، حَصِيْنة، وزروعُها سَقي، نَزِهَةٌ، ذاتُ مياهٍ وأشْجارٍ، وهي قريبةٌ من الفُرَاتِ، وقد قاربَت أن تَخْتَلَّ وتَخْرَب. قال البَلاذُريُّ في كتاب البُلْدانِ (٤): وقَرْيَة جِسْر مَنْبِج، ولم يكن الجِسْر يومئذٍ، إنَّما اتُّخِذَ في خِلَافَة عُثْمان بن عَفَّان ﵁ للصَّوَائَف، ويُقال: بل كان لَهُ رَسْمٌ قديم. وقال (٥): قالوا: وأتى أبو عُبَيْدَة حَلَب السَّاجُور، وقدَّم عِيَاضًا إلى مَنْبِج، ثمّ لحقَهُ وقد صَالح أهلَها على مِثل صُلْح أَنْطاكِية، فأنفَذَ أبو عُبَيْدَة ذلك.

стр. 231

قَرَأت بِخَطِّ عليّ بن هِلال الكَاتب، المَعْرُوفُ بابنِ البَوَّاب: لمَّا دَخَلَ الرَّشيد مَنْبِج، قال لعَبْد المَلِك بن صالح. وكان أوْطَنَها -: هذا منزلُك؟ قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف بناؤه؟ قال: دُون منازل أهْلِي، وفَوْقَ مَنازل النَّاس، قال: فكيف طِيْب مَنْبِج؟ قال: عَذْبَةُ الماء، غَذِيَّةُ الهواءِ، قليلةَ الَأدْوَاء، قال: فكيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّهُ (١). وفي رواية أُخْرى من غير خَطِّ ابن البَوَّاب، قال: إنَّها لطَيِّبة؟ قال: بك طابَتْ، وبك جَمُلَتْ (٢). وقَرَأتُ في تاريخ مُحمَّد بن الأزْهَر الكَاتِب (٣): يقال إنَّ الرَّشِيد لمَّا وَصَلَ مَنْبِج، قال: لَهُ - يعني لعَبْد المَلِك بن صالح: كيف مَدِينتكَ؟ قال: عَذْبَةُ الماءِ، بارِدةُ الهَواءِ، صُلْبَةُ المَوْطَأِ، قليلَةُ الأدْوَاءِ، قال: كيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّه. وقال له يَوْمًا: يا أبا عَبْد الرَّحْمن؛ ما أحْسَن بلادَكُم! قال: وكيف لا يكون ذلك، وهي بَرِّيَّة حَمْراءُ، وشملةٌ صَفْراءُ، وشجرةٌ خَضْراءُ، فيافي فُيُّح، وجِبَال وُضَّح. فالْتَفتَ الرَّشِيدُ إلى الفَضْلِ بن الرَّبْيِع فقال له: ضَرْبُ السَّوْط أسْهل من هذا الكلام!.

стр. 232

أنْبَأنَا أحْمد بن عَبْد الله الأسَدِيّ، عن الحَافِظ أبي طَاهِر الأصْبَهَانِيّ، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، عن أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عبُيَد الله المُنَادِي، قال: يُقال (١): إنَّ ما من بناءٍ بالحِجَارَة أبْهَى (a) من كَنِيْسَة الرُّهَا، ولا بناءٌ بالخَشَب أَبْهَى من كَنِيْسَة مَنْبِج؛ لأنَّها بطاقات من خَشَب العُنَّابِ، ولا بناءٌ بالرُّخَامِ أبْهَى من قُسْيَان أَنْطاكِيَة، ولا بناءٌ بطاقاتِ الحِجَارة أبْهَى من كَنِيْسَة حِمص، ولا بناء بالآجُر والجِصِّ أبْهَى من إِيْوَان كِسْرى بالمَدَائن، ولا منارةٌ أعْجب بناءً من مَنارة الإسْكَنْدَرِيَّة. نَقَلْتُ من خَطِّ أبي جَعْفَر أحمد بن جُبَيْر في رِحْلَته (٢): ذِكْرُ مدينة مَنْبِج، حَرَسها الله: بلدةٌ فَسيحة الأَرجاء، صَحِيْحة الهَواء، يَحْويها (b) سُورٌ عَتِيق، مُمتَدّ الغاية والانْتهاء، جَوُّها صَقيل، ومُجْتَلَاها جَمِيل، ونَسيْمها أرِج النَّشْر عَليل، نَهارها يَنْدى ظِلُّه، وليلُهَا - كما قيل فيها - سَحَرٌ كُلُّه، يَحفٌّ بغربيِّها وشرقيِّها بَساتِيْن مُلْتَفَّة الأشْجار، مُختلفَة الثِّمَار، والماء يَطَّرد فيها، ويتخَلَّل جميعَ نَواحِيها. قَرَأتُ في رسالة أبي المُظَفَّر إبْرَاهِيْم بن أحمد بن اللَّيْث الأذْريّ (٣)، بخَطِّ أبي طَاهر السِّلَفِيّ الحافظ: ورحلنا منه - يعني من نَهر السَّاجُور - إلى مَنْبِج، فرأيته ثَغْرًا قد تشَعَّثَ سُورُه، وبَلَدًا قد اخْتَلَّت أُمُوره، إلَّا أنِّي رأيتُ لهُ ظاهِرًا حَسنًا أدِيْمهُ، وجَوًّا طيِّبًا نَسِيْمهُ، فلم أَلُمْ صديقَنَا الطَّائِيّ (٤) على قَوْلِه: [الكامل] في نِعْمةٍ أوْطَنْتُها وأقمتُ في … أفْيَائها فكأنَّني في مَنْبِج

стр. 233

ولأبي فِرَاس الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدان التَّغْلِبيّ يَصفُ مُنْتَزَهات مَنْبِج، وقد أنْشَدَنا بعض قوْله والدي ﵀، قال: أنْشَدَنا أبو المُظَفَّر سَعيد بن سَهْل بن مُحمَّد الفَلكِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد، قال: أنْشَدنا أبو مَنْصُور بن طَاهِر، قال: أنْشَدَنا مُحمَّدُ بن عُمَر المُتكلِّم، قال: أنْشَدنا أبو فِرَاس لنَفسه، فذكَرَ بيْتَين من شعره، والأبيات (١): [من مجزوء الكامل] قِف في رُسُوْمِ المُسْتَجَا … ب وَحَيِّ أكْنَافَ المُصَلَّى فالجَرْس فالمَيْمُوم (a) فَالسُّـ … ــقْيا بها فالنَّهْرُ الأعْلى تِلكَ الملاعب والمَنَا … زِلُ لا أرَاها اللهُ مَحْلا حيثُ الْتَفَتَّ وجَدَّتَ (b) مَا … ءً سَائِحًا وسَكَنْتَ ظِلَّا تَرَ (c) دار وادي عَين قَا … صِرَ مَنْزلًا رَحْبًا مُطِلَّا وتَحُلُّ بالجِسْر الجِنَا … نَ وتَسْكُنُ الحِصْنَ المُعَلَّى يَجْلُو (d) عرائِسُهُ لَنَا … مَرْجٌ أحسَّ (e) العَيش سَهْلَا والماءُ يَفْصِلُ بَين زَهْـ … ــرِ الرَّوْضِ في الشَّطَّين فَصْلَا كبسَاطِ وَشْيٍ جَرّدَتْ … أيْدِي القُيُون عليه نَصْلَا السُّقْيَا: قَريةٌ كثيرة المياه والبَسَاتين على باب مَنْبِج، هي وقفٌ على بني البُحْتُرِيّ الشَّاعر، وهي في أيْدِيهم إلى الآن (f).

стр. 234

قُلتُ: وجِسْر مَنْبِج الآن تحت قَلْعَة نَجْم، وهي قَلْعَة صَغِيرَة على الفُرَات، والجِسْر في ذَيْلها، وهي قَلْعَة حسنَةُ المَنْظر، مَحْمُودة المَخْبَر، كان لها رَبَضٌ صَغير، ومَسْجِدٌ لطيفٌ، فأقْطعَها المِلِكُ الظَّاهِر بَدْر الدِّين أَيْدَمُر عَتِيقَهُ عند مَوْته، وأخذَ ولاية قَلْعة حَلَب منه، فَعَمَرها، وبَنى في الرَّبَض مَسْجِدًا جامعًا، وجَعَل فيهِ مِنْبَرًا وخَطيبًا، وبنَي سُوقًا حَسنًا، فعَظُم الرَّبَض، ورَغِب النَّاس في المَقام فيهِ، وعُوِّض عن قَلْعَة نَجْم باللَّاذقِيَّة، وجُعل في القَلْعَة والٍ من جهة السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر، أعزَّ الله نَصْره، وفي البَلَدِ وَالٍ، فكَثُرت العَمَائِر في الرَّبَض، وبُنيت فيه منازل كَثِيْرة، فاتَّسَعت أرجاؤُه، وكثُر بناؤُه، وصَار مِصْرًا من الأمْصَار، ومَقْصَدًا للمَعاشِ من سائر الأقْطار. والقلعة مَنْسُوبة إلى نَجم غُلَام جِنِّي الصَّفْوَانيِّ، وكانت لبني نُمَيْر، وآخر مَنْ كان بها مَنْصُور بن الحَسَن بن جَوْشَن بن مَنْصُور النُّمْيرِيّ، من ولد الرَّاعِي عُبَيْد بن الحُصَيْن الشَّاعر، فقُتِل مَنْصُور وأُخِذَت القَلْعَة منهم، وخَلَّف ولدًا اسمهُ نَصْر، فأضَرَّ وعُمره أربع عشرة سنة، وقال الشِّعْر، وانْتَقل إلى بَغْدَاد بعد أنْ تغلَّب التُّرْك على ديارهم، فقال ولده يَذْكُر أباه، وأنْشَدَنيها أبو الحَسَن المُبارك بن أبي بَكْر بن مَزْيد الخَوَّاص البَغْدادِيّ بها عَنْهُ: [من الكامل] لا تبعدَنَّ حسام دَوْلَةِ عَامِرٍ … من لَيْثِ مَلْحَمَة وغَيْث عَطَاء أنْحَى على شمْلِ العَشِيْرَة بعده … ريبُ الزَّمان بفُرقةٍ وتناء وَسَنَذْكُر تَرْجمة نَصْر (١) في الأسْماء إنْ شَاء اللهُ تعالى. وقد ذكَرها القَاضِي الفَاضِل عَبْد الرَّحِيْم بن عليّ بن البَيْسَانِيّ في بعض رَسائله فقال (٢): وجئنا قَلْعَة نَجْم، وهي نَجْم في سحاب، وعُقَاب في عِقَاب، وهَامَة لها الغمامَة عَمامَة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قُلامَة.

стр. 235

بابٌ في ذِكْرِ رُصَافَة هِشَام (١) وهي من عَمَل حَلَب، واسمُها بالرُّومِيَّة: قَطَا ميْلا؛ ذكَرَ ذلك أحْمد بن الطَّيِّب السَّرخَسِيّ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، وقال: ومن قَطا ميْلا إلى العُذَيْب أربعة وعشرون مِيْلًا. وبناها هِشام بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، ولها سُور من الحَجَر، وفي داخلها مَصْنَع كبير لماء المَطَر يَشْربُ منهُ أهلُها، وهي قَوِيَّة مَنِيعَة؛ لأنَّها في بَرِّيَّةٍ، ولا ماء عندها إلَّا ماء المَصْنَع الّذي هو داخِل السُّور، وكان هِشَام قد اتَّخذها دار إقامته، ويَجْري بها خَيْل الحَلَبة، وتَفِدُ إليه الوُفود بها. وأهلُها مَيَاسِيْر وتغلب عليهم التِّجَارَة. نَقَلْتُ من كتاب ربيع الآداب، في مَحَاسِن الأخْبار، وعُيُون الأشْعَار، تَصْنيف أبي أحْمد الحَسَن بن عبد الله بن سعيد العَسْكَريّ (٢)، من نُسخةٍ مَقْروءة

стр. 236

عليه، قال: أخْبَرنِي مُحمَّد بن يَحْيَى بن العبَّاسِ، أخْبَرَنَا الحَسَنُ بن عُلَيْل العَنْزِيّ بها (a)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الصَّبَّاح، قال: حَدَّثَني هِشَام بن مُحمَّد، قال: لَمَّا كَثُرَ الطَّاعُونُ في زَمَنِ بَني أُمَيَّة وفَشَا، كانت العَرَب تَنْتَجعُ البَرَّ، وتَبْتَنِي القُصُور والمصَانع هَرَبًا منهُ، إلى أنْ وَلي هِشَام بن عَبْد المَلِكِ، فابْتنَى الرُّصَافَة. وكانت الرُّصَافَة مَدِينَةً رُوْمِيَّةً؛ بَنَتْها الرُّوم في القَديم، ثمّ خَرِبَت، وكان الخُلَفَاءُ وأبناؤُهُم يَهْربُون من الطَّاعُون، فينزلون البَرِّيَّة، فعزِم هِشَامٌ على نُزُول الرُّصَافَة، فقيل لهُ: لا تَخْرُج، فإنَّ الخُلَفَاءَ لا يُطْعَنُون؛ لم نَرَ خَلِيفَةً طُعِن! قال: أفتريدُونَ أنْ تُجَرِّبُوا بي؟ فخرج إلى الرُّصَافَةِ، وهي بَرِّيَّةٌ فابْتنَى بها قَصْريْن. وذكَرَ حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ في كاب تَوَاريخ الأُمَمِ (١): أنَّ النُّعْمان بن الحَارِث بن الأيْهَم بن الحاَرِث بن مَارِيَة ذات القُرْطَيْنِ، وهو أحَد مُلُوك غَسَّان، هو الّذي أصْلَح صَهاريج الرُّصَافَة، وكان بعض مُلُوك لَخْم خَرَّبَها. قُلْتُ: وفي الرُّصَافَة دَيْرٌ مَذكورٌ للنَّصارَى؛ ذكَرَه الشِّمْشَاطِيّ في كتاب الدِّيَارَات (٢)، وذَكَرَ حِكايَة الأَخْطَل، وشَدِّ رَاهب الدَّيْر إيّاهُ على هَجوه النَّاس، وَسَنَذكُر ذلك في تَرْجَمَةِ الأَخْطَل (٣) إنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 237

بابٌ في ذِكْرِ خُنَاصِرَة (١) وكانت بَلْدة صَغِيرَة، ولها حِصْنٌ، وبناؤه بالحَجَر الأَسْوَد الصَّلْد، وهي من كُورَة الأَحَصِّ وبلاد بَني أَسَد، وكان عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ قد تَدَيَّرها، وكان يُقِيم بها في أكْثر أوْقاته، وهي اليَوم قَرْية من قُرى الأَحَصّ، يَسْكُنها الفَلَّاحُون، وخَرِبَ حِصْنُها وأبْنيتها، ونُقِلَت حِجارَته. وسُمِّيت باسْم بانيها: خُنَاصِرَة بن عَمْرو بن الحَارِث، وقِل: بناهَا أبو شَمِر بن جَبَلَة بن الحَارِث. أنْبَأنَا أبو المُظَفَّر عَبْد الرَّحِيْم بن أبي سَعْد السَّمْعانيّ، عن أبيهِ أبي سَعْدٍ، قال (٢): وخُنَاصِرَةُ بناهَا خُنَاصِرَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث بن كَعْب بن الوغا (٣) ابن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عَوْف بن كِنَانَةَ الكَلْبِيّ. وقيل: الخُنَاصِرَة (a) بن عَمْرو، خَلِيفَة إبْرَاهِيْم الأَثْرَم صَاحب الفِيْل، خَلَفَهُ باليَمَن بصَنْعاء إذ سَار إلى كِسْرَى أَنَوشَرْوان، وبوم خُنَاصِرَة أجارُوا على العَجَم. وقيل: بناهَا أبو شَمِر بن جَبَلَة بن الحَارِث.

стр. 238

ونَقَلتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، قال (١): حَدَّثَني العبَّاس بن هشَامٍ، عن أبيهِ، قال: خُنَاصِرةُ نُسِبَتْ إلى خُنَاصِر بن عَمْرو بن الحَارِث الكَلْبِيّ ثمّ الكِنَانِيّ. وقَرَأتُ بِخَطِّ مُحَمّد بن أَسْعَد الجَوَّانِيّ النَّسَّابَة، في كتاب الجَوْهَر المَكْنُون (٢): خُنَاصِرَة فَخذٌ في عُذْرَهَ كَلْب، هُم ولَدُ خُنَاصِرَة بن عَمْرو؛ أحَد بَنِي عَبْد وُدّ بن عَوْف بن كِنَانَة بن عُذْرَة بن زَيْد اللَّات بن رُفَيْدَة بن ثَوْر بن كَلْب، وبهِ سُمِّيت خُنَاصِرَة. وقَرَأتُ في جَمْهَرَة نَسَب اليَمَن (٣)، ولا أعْلِمُ مؤلِّفه، في ذكْر كَعْب المَعْرُوفِ بالوَكَّاء بن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عَوْف بِن كِنَانَة بن عَوْف بن عُذْرَة بن زَيْد اللَّات بن رُفَيْدَة بن زَيْد بن كَلْب بن وَبْرَة بن تَغْلِب بن حُلْوَان، قال: فمن بنَي الوَكَّاءِ بن عَمْروِ خُناصِر بن الحَارِث بن كَعْب الوَكَّاء؛ كانَ قد مَلَكَ الشَّامَ، وبهِ سُمِّيت خُنَاصِرَة.

стр. 239

وقال ابنُ الكَلْبِيّ (١): بناهَا خُنَاصِرَة بن عمرو بن الحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عَبْد وُدّ بن عوْف بن كِنَانَة، وكان مَلَك الشَّام. وقال غيرهُ: عَمرها الخُناصِرُ بن عَمْرو خَلِيفَة الأَثْرَم صَاحب الفِيْل. قال جِرَانُ العَوْدُ (٢)؛ وجعَلَها خُنَاصِرَات: [من الوافر] نَظَرْتُ (a) وصُحْبَتي بخُنَاصِرَاتٍ … ضُحَّيًا (b) بعْدَما متَعَ النَّهَارُ إلى ظُعُنٍ لأُخْتِ بَنِي نُمَيْر (c) … بكابَة حيثُ زاحَمَها العفارُ يَعْني: الرَّمْل. وفي خُنَاصِرَة يقول عَدِيّ بن الرِّقَاع العَامِلِيّ، وقد نزلَ بها الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، ووَفَدَ عليهِ (٣): [الكامل] وإذا الرَّبِيْعُ تتابَعَتْ أنوَاؤُهُ … فَسَقَى خُنَاصِرَةَ الأَحَصِّ وزادَهَا (d) نَزَلَ الوَلِيدُ بها فكانَ لأهْلِها … غَيْثًا أغَاثَ أنيسَها وبِلادَهَا وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ (٤) في جُنْد قِنَّسرين: والخُنَاصِرَة حِصْنٌ على شَفِير البَرِّيَّةِ، كان يَسْكُنُه عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز. وقال ابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ في جَغْرَافيَا (٥): خُنَاصِرَةُ، هي حِصْنٌ يُحَاذِي قِنَّسْرِيْن من (e) ناحيَةِ البَادِيَةِ، وهي على شَفِيرها وسِيْفها، وكان عُمَرِ بن عَبْد العَزِيْز يَسْكُن بها، وهي صَالِحة في قَدْرها، مغُوثة للمُجتازين عليها في وَقْتنا هذا؛ لأنَّ

стр. 240

الطَّريق انْقَطع من بَطْن الشَّام بإتيان الرُّومِ عليهِ، وهَلاك مَرافقه، وبَوار وُلاته، واسْتيلاءَ الأعْرَاب عليهم بَعْد هلاك وُلاته، فلَجأ النَّاسُ إلى طَريق البَادِيةِ والبَرِّ بالأَدِلَّاءِ والخَفَارَة (a). بابٌ في ذِكْرِ بَالِس (١) وهي مَدِينَةٌ كانت في أوَّل الإسْلام عَامِرَة جدًّا، وهي أوَّل مُدُن جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكان لها سُور من بناءِ الرُّوم، وكانت تُفَضَّلِ (b) علي قِنَّسْرِيْن في العِمَارة، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءِ والرُّؤَسَاء، وفي زَماننا خَرب سُورهَا، ولم يبقَ فيها من العُلَمَاءِ أحَدٌ ولا من الرُّؤَساء، ويُنْسَب أهلها إلى قِلَّة العُقُول. والغَالِب على أهل البَلَد بنُو كِلَاب، وبَرِّيَّتها نَزلها قديمًا بنُو فَزَارَة.

стр. 241

أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور بن مُحمَّد الدِّمَشْقِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد (١)، أخْبَرنا أبو القَاسِم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو حَاتِم البُسْتِيّ، قال: أوَّل الشَّام بَالِس. وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابهِ (٢): وأمَّا بَالِس فهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام من العِرَاق إليها، عَامِرة (a)، وهي مَدِينَة فُرْضَةِ الفُرَات لأهْل الشَّام. قُلتُ: وكانت الفُرَات تَلْصَق بسُورِ المَدِينَة، فَجَزَرَت عنها وبَعُدَت جدًّا حتَّى صَار بينهما بُعْدٌ، وفي زَماننا قد قَرُبَت منها. وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، لأحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، قال (٣): وحَدَّثَني سُفْيان بن مُحمَّد البهرَانِيّ، عن أشْيَاخِهِ، قالوا: فتح عُبَادَة - والمُسلِمُونَ مَعَهُ - أنطَرسُوس وكان حِصْنًا، ثمّ جَلا عنه أهلُه، فبَنى مُعاوِيَةُ أنطَرسُوس، ومَصَّرها، وأقْطَعَ بها القَطَائِع، وكذلك فَعَل بمَرَقِيَّة (b) وبَالِس. وقال البَلاذُرِيُّ (٤)، فيما حَكَاهُ عن شُيُوخ الشَّام: قالوا: ثمّ سار أبو عُبَيْدَة - يعني بعد فَتْح دُلُوْك ورَعْبَان - حتَّى نَزَل عَرَاجِيْن، وقَدَّم مُقَدِّمتَهُ إلى بَالِس، وبعثَ جَيْشًا عليه حَبِيْب بن مَسْلَمَة إلى قَاصِرِين. وكانت بَالِس وقَاصِرِين

стр. 242

لأخوَيْن من أشراف الرُّوم أُقْطِعَا القُرَى الّتي بالقُرْبِ منهما، وجُعلا حافظَيْن لِمَا بينهما وبين مُدُن الرُّوم بالشَّام، فلمَّا نزل المُسلِمُون بهما صَالَحهُم أهْلها على الجِزْيَة أو الجَلاء، فجلَا أكثُرُهُم إلى بلادِ الرُّوم وأرْضِ الجَزِيرَة. قالوا: ورَتَّب أبو عُبَيْدَة ببَالِس جَماعةً من المُقاتِلَة، وأسْكنها قَوْمًا من العَرَب الّذين كانُوا بالشَّام، فأسْلَمُوا بعد قدوم المُسْلِمِيْن الشَّام (a)، وقَوْمًا لم يكونُوا من البُعُوث؛ نَزَعُوا من البَوَادِي من قَيْس، وأسْكَن قَاصِرِين قَوْمًا ثمّ رفَضُوها وأعْقابَهُم (b). ونَقَلْتُ من خَطِّ ابن كَوْجَك، في سِيْرَة المُعْتَضِد، تأليفُ سِنَان بن ثَابِت، وذَكَرَ سِنَان أنَّه نقلَهُ من خَطِّ أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في مَسِير المُعْتَضِد لقتال خُمَارَوَيْه بن طُوْلُون في وَقْعَة الطَّوَاحِين، على ما ذكرناهُ في وَصْفه لمَدِينَة حَلَب (١)، وذكَر أنَّه رَحَل من دَوْسَر (٢) إلى بَالِس يوم السَّبت لتِسْع ليالٍ خَلَوْنَ منه - يَعْني من شَهْر ربيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وسَبْعِين - فنزلَ في الجانب الشَّرْقيّ، ثمّ عَبَرَ في يوم الأَحَد إلى الجانب الغَرْبيّ من الفُرَات، وهو جانب المَدِينَة، وهي مَدِينَة صَغِيْرةٌ، ولها قَلْعَةٌ ورَبَضٌ، عليها سُورٌ واحد، بعضُ بنائها على الفُرَاتِ وبعْضُهُ بينَهُ وبينَ الفُرَات رَقَّة.

стр. 243

وذَكَرَ البَلاذُرِيُّ في كتابهِ، قال (١): وكانت بَالِس والقُرَى المَنْسُوبة إليها حدّها الأعْلَى والأوْسَط والأسْفل أعْذَاء عُشْرِيَّة، فلمَّا كان مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، تَوَجَّه غَازِيًا للرُّوم من نحو الثُّغُور الجَزَرِيَّة، عَسْكَرَ ببَالِس، فأتاهُ أهلها وأهل تُوبلس (a) وقَاصِرِين وعَابِدِين وصِفِّيْن، وهي قُرَى مَنْسُوبة إليها، وأتاهُ أهل الحدّ الأعْلَى فسَألوه جميعًا أنْ يحفرَ لهم فَهْرًا من الفُرَات يَسْقِي أرْضهم على أنْ يَجْعَلُوا له الثُّلُثَ من غَلَّاتهم بَعْدَ عُشْر السُّلْطَان الّذي كان يأخُذه، فحفر النَّهْر المَعْروف بنَهْر مَسْلَمَة ووفَوا له بالشُّرُوط، ورَمَّ سُوْر المَدِينَة وأحْكَمه، ويُقال: بل كان ابْتداء العَرْض من مَسْلَمَة، وأنَّه دعَاهُم إلى هذه المُعاملَة. فلمَّا مات مَسْلَمَة، صَارت بَالِس وقُرَاهَا لوَرَثَتِهِ، فلم تزل في أيْدِيهم إلى أنْ جاءَت الدَّوْلَةُ المُبارَكة، وقَبَض عَبْدُ اللّه بن عليّ أمْوَال بَنِي أمَيَّة، فدخَلَت فيها، فأقْطعها أَمِير المُؤمِنِين أبو العبَّاس سُلَيمان بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس، فصَارت لابنهِ مُحمَّد بن سُلَيمان. وكان جَعْفَر بن سُلَيمان، أَخُوه، يَسْعى به إلى أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد، ويَكْتب إليهِ فيُعْلمه أنَّه لا مال لهُ ولا ضَيْعة إلَّا وقد اخْتَانَ أضْعَاف قيمته، وأنْفَقه فيما يُرَشِّح لهُ نفسه، وعلى مَن اتَّخَذَ من الخَوَلِ، وأنّ أمْوَاله حِلٌّ طِلْقٌ لأَمِير المُؤمِنِين، وكان الرَّشِيدُ يأمُر بالاحْتِفاظِ بكُتبهِ، فلمَّا تُوُفِّي مُحمَّد بن سُلَيمان، أُخْرجت كُتُب جَعْفَر إليهِ واحْتُجَّ عليه بها، ولم يكن لمحمَّد أخ لأبيه وأُمِّهِ غيره، فأقرَّ بها، وصارَت أمْواله للرَّشِيد، فأقْطَع بَالِس وقُرَاها المأْمُون، فصَارَت لولده من بَعْده.

стр. 244

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوْفِيْقِي قَرَأتُ في كتاب جَغرَافيَا لابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (١)، قال: بَالِس وهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات من غربيِّهِ، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام على الفُرَات (a)، فعَفَت آثارها ودرسَت قوافلُها وتجارُها بعدَ سَيْف الدَّوْلَة، وهي مَدِينَةٌ عليهِا سُورٌ أزَلِيٌّ، ولها بَساتِيْن فيما بينها وبين الفُرَاتِ، وأكْثر غلَّاتها القَمْحِ والشَّعِير، ومن مشْهُورِ أخْبارها أنَّ المَعْروفَ بسَيْفِ الدَّوْلَة عند انْصرافهِ عن لقائهِ صَاحب مصْر، وقد هَلكَ جميعُ ماله (b)، أنْفَذَ إليها المعروفَ بأبي حَصِين (c) القَاضِيّ، فقَبَض من تُجَّارٍ كانوا بها، تَوافَرت لهم الأوقاتُ، ولم يُطْلِق لهم النُّفُور (d) مع خَوْف نَالَهم، فأخْرجَهُم عن أحْمالِ بَزٍّ، وأطْواف زَيْتٍ إلى ما عَدَا ذلك من مَتَاجر الإسْلام في دفعتَيْن بينهما شُهُور قلائل وأيَّام يسيرة، ألف ألف دِيْنار. ونقلتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (٢)، وذكَرَ بَالِس، وقال: وهي مَدِينَةٌ قَديْمةٌ على شَاطِئ الفُرَات في أصْلِ جَبَلٍ، ومنها تُحمل التِّجَاراتُ الَّتي تَرد من مِصْر وسائر أرْضِ الشَّام في السُّفُنِ إلى بَغْدَاد. وخَرَاجُ بَالِس إلى عَامِل ديار مُضَر، وحَرْبُها وصَلَاتُها إلى عَاِمل جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم. وأهْلُها أخْلَاطٌ من العَرَب والعَجَم.

стр. 245

بابٌ في ذِكْرِ حِيَار بني القَعْقَاع (١) ويُعْرفُ بحِيَار بَنِي عَبْسٍ أيضًا. وهي مَنْسُوبَةٌ إلى بَني القَعْقَاع بن خُلَيْد بن جَزْءٍ بن الحَارِث العَبْسِيِّ، وهم أخْوَالُ الوَلِيدِ وسُلَيمان ابني عَبْد المَلِك بن مَرْوَان؛ لأنَّ أُمَّهُما وَلَّادَة بنت القَعْقَاع بن خُلَيْد بن جَزْءٍ. وقيل: هي وَلَّادَة بنت العبَّاسِ بن جَزْءٍ. وكان الحِيَارُ بَلَدًا قديمًا، فصَار الآن مَنْزِلًا للأعْرَابِ، ويُعْرَفُ بقِنَّسْرِيْن الثَّانيَة، فإنَّني قَرَأتُ في كتاب البُلْدان لابن وَاضِح الكَاتِب، في تَعْدَادِ كُوَر جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم، قال (٢): وكُورَة قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى وهي: مَدِينَةٌ على جَادَّةِ الطَّريق الأعْظَم، وبها قوْمٌ من تَنُوخ. وكُورَة قِنَّسْرِيْن الثَّانيَة وهي: حِيَارُ بَنِي القَعْقَاع، وأهْلُها عَبْسٌ وفَزَارَة وغيرهم من قَيْس. وذكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي في كتابهِ المَعْروف بالحَافِظ أنَّ الحِيَار من الإقْليم الثَّالث. وذكَر أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابر البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان، فيما حكَاهُ عن شُيُوخهِ، ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَةَ، قال (٣): وقالوا: وكان حِيَار بَنِي القَعْقَاع

стр. 246

بَلَدًا مَعْروفًا قَبْل الإسْلام، وبهِ كان مَقْتَلُ المُنْذِر بن مَاءِ السَّماءِ اللَّخْمِيّ مَلِك الحِيْرَة، فنزَلَهُ بَنُو القَعْقَاعَ بن خُلَيْد بن جَزْءٍ بن الحَارِث بن زُهَيْر بن جَذِيْمَة بن رَوَاحَة بن رَبيعَة بن مَازِن بن الحَارِث بن قُطَيْعَة بن عَبْس بن بَغِيض، فأوْطَنُوهُ فَنُسبَ إليهم، وكان عَبْدُ المَلِك بنُ مَرْوَان أقْطَعَ القَعْقَاعَ بهِ قَطِيْعَةً، وأقْطَع عمَّهُ العبَّاس بن جَزْءٍ بن الحاَرِث قطائِعَ أوْغَرَهَا لهُ إلى اليَمَن، وأُوْغِرَتْ بَعْدهُ، وكانت - أو أكثرها - مَوَاتًا. وكانت ولَّادَةُ بنْتُ العبَّاس عند عَبْدِ المَلِكِ بن مَرْوَان فولَدَتْ له الوَلِيدَ وسُلَيمانَ. بابٌ في ذِكْرِ مَعَرَّة النُّعْمَان (١) هي مَدِينَةٌ حَسَنةُ، وكان لها سُورٌ من الحِجَارة، وأبنيتها أبنيةٌ حَسَنةُ بالحَجَر، وهي كَثِيْرة الأشْجَار والفَوَاكِه، لا سِيَّما من التِّيْن والفُسْتُق والزَّيْتُون. ويَغْلِبُ على أهْلهَا الذَّكَاءُ المُفْرط، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءَ والشُّعَرَاء منهم أبو العَلاء بن سُلَيمان. وكان الفِرِنْج قد هَجَمُوها، وتَشَتَّتَ أهلُها في البِلاد [في سَنة ستٍّ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة] (a)، ثمّ فتحَها من أيديهم أتَابِك زَنْكي بن آقْسُنْقُر، وردَّ على أهلها

стр. 247

أمْلاكهم، فعَادوا إليها وسكنُوها، وعمرت المَدِينَة عِمَارَة حَسَنَة، لكن سُورها خَرِب، وبنَى بها المَلِك المُظَفَّر مَحْمُود بن نَاصِر الدِّين مُحمَّد بن تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَانْشَاه - حين كانت في يَدهِ - قَلْعَةً حَسَنَة حَصِيْنَة (١)، ونقل حجارتها من سِيَاث (٢)؛ مَدِينَة خَرِبَةٍ كانت قريبًا منها، ومن أبْنيةِ الرُّوم الَتي في الكَنَائِس المُتهدِّمَة (a) في بَلدها. وانْتزعها من يَده عَسْكَرُ المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف ابن المَلِك العَزِيز بن المَلِك الظَّاهِر، أعزَّ اللّهُ أنْصَاره، فزادَ في عِارتها وتقويتَها، فقَوِيَت قُلُوبُ أهلها بالقَلْعَة، ورَغبوا في عِمَارَة البَلَد وسُكْناه، وهي اليوم من أعْمَر البلاد، وقد صَار أكثر عُبُور القَوَافِل عليها. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد وأبو العبَّاس ابنا عَبْد اللّه بن عُلْوَان الأسَدِيّانِ، عن أبي عَبْد اللّه مُحمَّد بن أبي السَّعَادَات عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن أبي الحَسَن المَسْعُودِيّ، قال: مَعَرَّة النُّعْمَان هي مَنْسُوبَة إلى النُّعْمان بن بشِير من الصَّحَابَة رِضوَان اللّه عليهم؛ كان وَالي حِمْص والعَوَاصِم وتلك النَّواحِيّ، وكانت المَعَرَّة قديمًا تُسمَّى ذات القُصُور، فلمَّا ماتَ للنُّعْمان ابن هناك، قيل لها مَعَرَّة النُّعْمَان (٣).

стр. 248

وأخْبَرَنِي أبو الحَسَن عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ، قال (١): كان اسْمُها - يعني المَعَرَّة - قديمًا ذات القُصُور، فَنُسِبَت إلى النُّعْمان بن بشَير من الصَّحابَةِ ﵃؛ لأنَّ ابنَهُ ماتَ بها. وبَلَغَني من غيره أنَّ الَّتي تُعْرفُ بِذَاتِ القُصُور هي مَعَرَّة مَصْرِيْن، والأوَّل أَصَحُّ. وأخْبَرَني القَاضِي شِهَاب الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن مُدْرِك بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، قاضيها بها، فيما يَأْثرهُ عن أهْل مَعَرَّة النُّعْمَان، أنَّ مَعَرَّة النُّعْمَان إنَّما نُسِبَت إلى النُّعْمان بن بَشِير؛ لأنَّ مَوْضعَها كان أَجَمَةَ قَصَبٍ، وكان سُكْنى أهْل المَعَرَّة بِسيَاث، وهي المَدِينَة إذ ذاك، وآثارُهَا تَدُلُّ على ذلك، فخرج من سِيَاث ولد النُّعْمان يَتَصَيَّد، فافْترسَهُ الأَسَدُ عند الأَجَمَة، فدفنَهُ في ذلك المَوْضع، وبنَى مَنْزِلًا عند قَبْره، وقال لأهْل سِيَاث: مَنْ كان يُودّني، ويُحبّ مُوافقتي، فليَبْنِ لهُ مَوْضعًا عند الموضِع الّذي ابْتَنيتَه، فبنَى النَّاس مَعَرَّة النُّعْمَان، وسُمِّيت بذلك لِمَا لَحِقَ النُّعْمان من مَعَرَّة الحُزْن على وَلدهِ. قُلتُ: والصَّحيحُ أنَّ النُّعْمان بن بَشِير جَدَّدَ بناءَهَا وزَادَ فيهِ، واخْتارها للمَقام أيَّام ولايته فنُسِبَت إليهِ، وقد كانت مَدِينَةً مَعْروفةً قبل ذلك؛ فَتَحَها أبو عُبَيْدَة ﵁. وأكثر أهْلها من تَنُوخ. وقال البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان له (٢): هي مَنْسُوبَه إلى النُّعْمان بن بَشِير.

стр. 249

وقال ابنُ حَوْقَل النَّصِيْبِيّ في جَغْرَافيَا (١): مَعَرَّة النُّعْمَان مَدِينَةٌ وما حَوْلها من القُرَى أعْذَاءٌ؛ ليس بنواحيها ماءٌ صَارٍ ولا عَيْنٌ. كذا قال، وقد شاهدْتُ عَيْن مَاء من قِبْلي المَعَرَّة على الطَّريق بالقُرْبِ منها. وقال الجَدَلِيُّ (٢): هي مَنْسُوبَةٌ إلى النُّعْمان بن بَشِير الأنْصاريّ، كان مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان أقْطَعَهُ إيَّاها فَنُسِبَتْ إليهِ. وقال ابنُ وَاضِح الكَاتِب (٣): ومَعَرَّة النُّعْمَان مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ خَرَابٌ، وأهْلها تَنُوخ. وذكَرَ صَاحبُنا يَاقُوت بن عَبْد اللّه الحَمَوِيّ في كتابه (٤)، وقال: بمَعَرَّة النُّعْمَان قبرُ مُحمَّد بن عَبْد اللّه بن عَمَّار بن يَاسِر. وقَرَأتُ بِخَطِّ مُحمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن الكَاتِب، في رُوزنَامج (٥) أنْشَأَهُ، وذكَرَ فيهِ رِحْلتَهُ من بلاد أَذْرَبِيْجَان إلى الحَجِّ وعَوْدِه منهُ، وجِعلَهُ كالتَّذْكرة لولَده، قال فيه بَعْدَ أنْ ذكَرَ خُروجَهُ من حَلَب حَرَسَها اللّهُ: ونَزَلْنا سَرْمِيْن، فاسْتقبلني القائدُ بها بالإكْرام وِالإنعام، ورَكب في صُحْبَتي إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، بل مَقرّ الرُّوْح والرَّيْحان، بل زهْرة العَيْن والجَنَانِ، بل مَعْدِن البَيان واللِّسَان

стр. 250

والرُّجْحَان، في الأدَب والشِّعْر والإتْقَان، بل مَحَلّ كُلّ كريم وهِجَان، وهي مَدِينَة تَبُلُّ غُلَّةَ الظَّمآن، وتَفْثَأُ أكلةَ الغَرْثَانِ السَّغْبَان. أخْبَرَنَا أبو عَليّ الأوَقيّ إذْنًا، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: حَدَّثَني أبو مُحمَّد بن أحْمَد بن إبْرَاهِيْم الرَّازِيَّ، قال: هذه نُسخة كتاب الشَّيْخ أبي الفَتح عَبْد العَزِيْز بن الحُسَيْن بن عليّ بن زُبَيْد المِصْرِيّ، وقد رأيتُهُ بمَعَرَّة النُّعْمَان، ولم أسْمعها منهُ، وذكَرَ فيها: ثمّ سافرتُ منها - يعني طَرابُلُس - فوصَلتُ مَعَرَّة النُّعْمَان، فوجَدْتُها واسعة الأسْواق، كَثِيْرة الأَرْفاق، صَحيحة الهَوَاء، واسعَة الفَضَاءِ، مياهُها غَزيرة، وفواكهُها كَثِيْرة، وأهلُها يَميْلُون إلى الخَيْر والتَّعَفُّف، ويَعِيْشُون [بالقَناعَة والتكلُّف] (a)، وفيهم بعضُ الحَمِيَّة، وشيءٌ من العَصَبِيَّة، ولهم مع هذا مَعْرفة بالشَّرِّ والخصُومَة، وعادة شدَّة السّعاية والنَّميمة، غير أنَّ ذلك فيما بينهم؛ لا يتعدَّاهم ولا يتجاوزَهم إلى أحَدٍ سواهم. وأنْبَأنَا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، عن تاج الإسْلام أبي سَعْد السَّمْعانيّ، قال (١): وذكَر أبو نَصْر بن هُمَيْمَاه الرِّامشِيِّ أنَّ النِّسْبَة الصَّحيحة إليها: مَعَرنَمِيّ؛ لأنَّ ثَمَّ مَعَرَّتَيْن: مَعَرَّة النُّعْمَان ومَعرَّةَ مصْرِيْن (b)، فالنِّسْبَةُ إلى الأُوْلَى: معرنَميّ، وإلى الثَّانيَة: مَعرْمَصِيّ (c)، غير أنَّ أكثر أهل العِلْم لا يَعرْفُ ذلك، والمَعَرِّيّ المُطْلَق مَنْسُوبٌ إلى مَعَرَّة النُّعْمَان. قال أبو سَعْد السَّمْعانيّ (٢): خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلماء في كُلِّ فَنّ، وقَبْر عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ في سَوَادِها بموضعٍ يُقالُ لهُ دير سِمْعَان.
следующие страницы →