شِعْره قَوْلُه يَهْجُو ابن أبي أُسامَة: [من الكامل]
يا سَاكِني حَلَبَ العَوَاصِم … جَادَهَا صَوْبُ الغَمَامَه
أَنَا في مَدِينتِكم غَرِيْب … لَسْتُ منِ أهْلِ الإقَامَه
والخَانُ يُحْدَثُ للغَرِيْب … إذا أَبَنَّ بهِ سَآمَه
فغَرِضْتُ (a) من طُول المَقَام … بها وأعْوَزَت المُدَامَه
فَخَرَجْتُ في بَعْضِ اللَّيَالي … قَاصِدًا بابَ السَّلامَه
بابُ السَّلامَة: باب كان جَدَّده سْمَّا الطَّويل على جِسْرِ باب أنْطَاكِيَة الرَّاكِب على نَهْر قُوَيْق عند الدَّادَين، وسَمَّاه باب السَّلامَة، ورَكَّب عليه بابًا أخَذَهُ من قَصْرٍ من قُصُور الهاشِميِّين يُعْرَفُ بقَصْر البَنَات.
وشَرِبْتُ من بئر بهِ … مَنْ يَأْته (b) يَنْقَعْ أُوَامَه
ورتَعْت في فلَوَاتها (c) … وعَلوتُ مُرْتَقيًا أكَامَه
فلَمَحْتُ في بَعْضِ الوِهَا … دِ وقد بَعُدْت سَوَادَ هَامَه
فسَعَيْتُ أحْسِبُها قَطَا … ةً (d) أو حدَاةً أو حَمَامَه
وذَكَرَ تَمَام القَصِيدَة (١)، أضْرَبْتُ عن ذِكْرِها تحَوُّبًا من إيْرَادها لِمَا فيها من الهَجْو الفَاحِش، والقَذْف الشَّنِيع.
وهكدا سَمَّاهُ الثَّعالِبي: الحُسَين بن الحَسَن، والأصَحَّ عندي: الحَسَن بن الحُسَين؛ فإنَّني نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد اللَّه بن إبْراهيم الطَّرَسُوسيِّ، قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وكان فَاضِلًا مُسْندًا ثَبْتًا، وكان في عَصْر الوَاسَانِيّ، ولعلَّهُ اجْتَمع به بحَلَب، وسَمعَ منه ما صُوْرته: لأبي القَاسِم الحَسَن بن
стр. 2907
الحُسَين التَّمِيْمِيِّ الوَاسَانِيّ يمدَحُ الأَمِيرَ أبا الفَضائِل سَعيد بن شَرِيْف بن سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، ويَسْأله في رَدِّ حَمَّامِهِ ودَاره بحَلَب، وكانا مَقْبُوضَتَين مُقْطَعَتَيْن لبَعْض الجُنْد (١): [من مجزوء الكامل]
لو كُنْتُ أمْدَحُ للجُدَا … لشَرَعْتُ في بَحْر النَّدَى
وأَمَمْتُ بالتَّأْميْل مَوْ … لَانا الأَمِيرَ السَّيِّدا
أوْلَى المُلُوك بأنْ يُنَا … طَ بهِ الرَّجَاءُ ويُقْصَدَا
وأحقَّ أنْ يَهَبَ الطَّرِيـ … ـفَ لسَائلٍ والمتْلَدَا
مَنْ لو رآه حَاتِمٌ … في مَجْلِسٍ صَخِبِ الصَّدَا
بَادِي الوَقَارِ يَهَابُ فـ … ـيْهِ جَلِيْسُهُ أنْ يَعْنَدَا
يقري البُدُورَ إذا قَرَى الـ … ـقَوْمُ السَّديْفَ مُسَرْهَدا
أو طَلْحَةُ الطَّلحاتِ أو … كَعْبٌ لَخَرُّوا سُجَّدَا
لكنَّني أنْحي مَطَا … لِبيَ السَّبِيْلَ الأقْصَدَا
وأرَى التَّجَمُّلَ والتَّصَـ … ـوُّنَ منذُ كُنتُ الأَمْرَدَا
ولكُلّ طَالِب بُغْيَةٍ … من دَهْره ما عُوِّدَا
ورَأيْتُ مَوْلَانا أقَا … مَ اليَوْمَ أَعْلَامَ الهُدَى
وأَشَاعَ عَدْلًا قد أعَا … دَ لنا الزَّمانَ كما بَدَا
عَمَّ القَرِب بِهِ وأَسْـ … ـهَمَ في السُّرُورِ الأبْعَدَا
وكذاكَ مَذْهبُ مثْلهِ … ما جَمارَ فيهِ ولا اعْتَدَى
فعَلِمْتُ أنِّي لا أُرَى … بين الشَّرِيْد مُصَرَّدَا
أأبا الفَضائِل لو رأيْـ … ـتَ لَدَى الصَّلاةِ المَسْجِدَا
ولَحَظْتَ فيه يدًا تُطَا … وِل كُلمَّا رفَعَتْ يَدَا
стр. 2908
وسَمِعْتَ أصْوَاتًا تُعَا … لي بالدُّعَاءِ ليَصْعَدَا
تَدْعُو لمُلْكِكَ بالدَّوَا … م على اللَّيالِي سَرْمَدَا
وعلى عِداكَ بأنْ يَصُوْ … لَ عليهِمُ سَيْفُ الرَّدَى
ويُردَّ طَرْفُ الدَّهْرِ عن … أيَّام عِزَّكَ أرْمَدَا
لعَلمْتَ أنَّكَ ما سَمِحْـ … ـتَ بما سَمِحْتَ بهِ سُدَى
لكن أَعشْتَ بذاكَ عَدْ … لًا لا يَزَال مُجَدَّدَا
وغَرَسْتَ فيهِ اليَوْمَ غَرْ … سًا تسْتَظِلُّ به غَدَا
وفَرَضْتَ جُنْدًا لا يَزَا … لُ على العَدُوِّ مُجَنَّدَا
فَمَلَكْتَ أفْئِدةَ العَبِيْـ … ـدِ ورُعْتَ أَفْئِدَة العِدَا
وحَوَيْتَ أَجْرًا باقيًا … بَعْدَ القُرُون مُخَلَّدَا
ما زلَتْ عَضْبًا مُغْمَدًا … زَمَنًا ولَيْثًا مُلْبِدَا
وحَيًا حَمَتْهُ يَدُ اللَّيَا … لي أنْ يَصُوْبَ (a) ويُرْعِدَا
حتَّى أتاكَ المُلْكُ عَفْـ … ـوا ما مَدَدْتَ لَهُ يَدَا
وَافَاكَ مُشْتَاقًا يَجْـ … ـرُّ إلى ذُرَاكَ المِقْوَدَا
فسَلَلْتَ فيه مُهَنَّدًا … عَضْبًا ورَأيًا مُحْصِدَا
وعَزِيْمَةً مثْل الشِّهَا … ب تجُوبُ خَطْبًا أسْوَدَا
حتَّى اسْتَقَام الأمْرُ في … لُطفٍ وكان تَأوَّدَا
فغَدَا مَرِير المُلْك مُنْـ … ـزَعِجًا ورَاحَ مُمَهَّدَا
فاسْعَعَدْ بأنَّكَ لا تَزَا … لُ على الزَّمانِ مُؤيَّدا
يا أكْرَمَ الأمْلَاك آ … بَاءً وأبْعَدَهُم مَدَى
وأجَلَّهُم هِمَممًا وأَشْـ … ـرَفَهُم جَمِيعًا مَحْتِدَا
стр. 2909
ما جئتُ مُجْتَدِيًا وإنْ … كُنْتَ الأجَلَّ الأمْجَدَا
والأجْوَدَ الوهَّابَ إنْ … عَدَّ الرِّجالُ الأجْوَدَا
بَلْ جِئْتُ لَمَّا أنْ رَأيْـ … ـتُكَ في المُلُوك الأوْحَدَا
ورَأيْتُ رأيَكَ بينَهُمْ … يُدْعَى الأسَدَّ الأرْشَدَا
فحَثَثْتُ أمالِي إلى … مَلِكٍ يُسامِي الفَرْقَدَا
يَهَبُ اللُّجَيْنَ لسَائِليـ … ـهِ لاهِيًا والعَسْجَدَا
والخملَ بالحُلَلِ (a) الفَوَا … خِرِ والإِمَا والأَعْبُدَا
فسَألْتُهُ من عَدْلِهِ … ما لسْتُ فيهِ مُفْرَدَا
فأكُون بينَ النَّاسِ في … طَلَبِ الكَثِيْرِ مُفَنَّدَا
دَارِي وحَمَّامي أقَلُّ … لدَيْكَ من أَنْ يوجَدَا
فهُما الغَدَاةَ كقَطرَةٍ … مَدَّتْ خَلِيْجًا مُزْبِدَا
والأرْضُ أوْسَعُ للأَنَا … م وأنْتَ أوْسَعُهُم يَدَا
وأحَقهُم طُرًّا بأنْ … تَهَبَ الجَزِيْلَ لتُحْمَدَا
فاقْطَعْ لأَهْيَفَ عنهُما … من بَحْرِ جُوْدِكَ مَوْرِدَا
واجْعَل لهُ عَيْشًا تُوَ … سِّعُهُ عليهِ أرْغَدَا
واشْغَلْهُ عنِّيِ يا سَعِيْـ … ـدُ لقِيْتَ جَدًّا أسْعَدَا
إنْ كان مَوْقِعُهُ يُهَا … بُ إذا انْتَمَى وتَشَدَّدَا
فأنَا الّذي أُطْبي القُلُو … بَ إذا وَقفتُ لأُنْشدَا
أَرْمي عِدَاكَ إذا طَغَوْا … بأَمَضَّ من حَزِّ المُدَى
عن مِقْوَلٍ يَهِضُ الجَنَا … دِلَ أو يعَضُّ الجَلْمَدَا
стр. 2910
وأزْيَنُ مَجْدَكَ في المَحَا … فِلِ رَاجِزًا ومُقَصِّدَا
ويَسِيْرُ شِعْري غَائِرًا … بين الكِرَام ومُنْجِدَا
قال: فوعَدَهُ أبو الفَضائِل بإطْلَاقهما، فكَتَبَ إليه يتنَجَّزُ تَوْقيعًا بذلكَ (١): [من مجزوء الكامل]
يا أيُّها المَلِكُ الجَلِيْلُ … ظنِّي بكَ الحَسَنُ الجَمِيلُ
وأنا المُقِيْمُ على رَجا … ئكَ لا أحُوْلُ ولا أَزُولُ
إذ أَنْتَ (a) تفْعَلُ ما يَضِيْـ … ـقُ بهِ المُلُوكُ ولا تَقُولُ
وإذا وَعَدْتَ بفِيْكَ وَعـ … ـدًا فالنَّجَاحُ لَهُ كَفيْلُ
وإذا أمرْتَ فما لأَمْـ … ـركَ حينَ تُبْرِمُهُ حَوِيْلُ
تمضِي كما يَمْضِي السِّنَا … نُ الحَشْر والسَّيْف الصَّقِيْلُ
ولعَبْدِكَ المِسْكِينِ في … حَمَّامِهِ خَطْبٌ جَلِيْلُ
ما لي إليهِ بغَيْرِ تَوْ … قيْعٍ أَرُوْحُ بهِ سَبِيْلُ
والعُمْر بالأيَّام يَفْـ … ــنَى والحَوَادِثُ تَسْتَديْلُ
وبَقَاءُ مِثْلي بعدَ أقْـ … ـرَاني الّذين مَضَوا قَلِيلُ
وإذا نَظَرْتُ إلى مَشِيْـ … ـبي قُلْتُ قد أزَفَ الرَّحِيْلُ
وإذا اسْتَقَلَّ سِوَاي يَوْ … مًا هَاجَ من صَدْري غَليْلُ
فامْنُنْ بتَوقيعٍ بِهِ … يأمَنْ لهُ المَجْدُ الأثِيْلُ
يا مَنْ يُقَصِّرُ عن نَوَ … افِل كَفِّهِ الغَيْثُ الهَطُولُ
قد طال تَعْلِيلي بهِ … لكَ بَعْدَنا العُمْرُ الطَّويْلُ
стр. 2911
قال: فأطْلَقَ له ذلك، وسَلَّمَهُ إليه، فقال يَشْكُرُه لمَّا تَسَلَّم ذلك (١): [من الخفيف]
أيُّها السَّيِّدُ اسْتَمِع قَوْلَ عَبْدٍ … لَمِ يَشُبْهُ بالزُّوْرِ والبُهْتَانِ
بل هُوَ الحَقُّ أشْهِدُ اللَّه والنَّا … س وآتِي عليهِ بالبُرْهَانِ
أنْتَ واللَّهِ فَهْيَ بالغَةُ الأَيـ … ـمان أهْلٌ لليُمْن والإيْمَانِ
وحَقِيْقٌ بأنْ يُبْلِغك اللَّـ … ــهُ برَغْمِ الأعْدَاءِ أقْصَى الأمَانِي
وبأنْ لا تَزَالَ ما حَنَّتِ النِّيْـ … ـبُ وغنَّى الحَمَامُ في الأغْصَانِ
عَالِيَ الجَدِّ نافِذَ الأمْر والنَّهْـ … ـي مُعانًا (a) مُؤيَّدَ السُّلْطانِ
وذَلِيْلَ الأعْدَاءِ في حَيْث ما كا … نُوا عَزِيزَ الأنْصَار والأعْوَانِ
وإذا عِشْتَ عُمْر نُوْح قَرِيرَ الـ … ـعَيْن جَمَّ السُّرُورِ أو لُقْمَانِ
صِرْتَ منْهُ إلى الجنَانِ وقُوْبِلْـ … ـتَ بِمَحْو الذُّنوبِ والغُفْرَانِ
يا أميرَ القُلُوب قادَ هَوَاها … واشْتَراها بأوفَر الأَثْمانِ
فَهْيَ تَعْنُو لَهُ وتَمْحَضُهُ النُّصْـ … ـحَ بلا رِيْبَةٍ ولا إِدْهَانِ
ذاكَ أنَّ القُلُوبَ تُمْلَكُ بالإحْـ … ـسَانِ والخَوْفُ مَالِكُ الأبْدَانِ
والمُطِيعُ الرَّاضِي بقيْمَةِ ما با … يَعَ غَيرُ المُسْتَكرَهِ الغَضْبانِ
يا فَتًى ما لَهُ إذا عُد أهْلُ الـ … ـفَضْلِ مِن مُشْبِهٍ ولا مِن مُدَانِ
في اتِّسَاعِ الأخْلَاق أو كَرَم الأعْـ … ـرَاقِ أو هَيْبَةٍ وقُوَّةِ شَانِ
أو سَمَاحٍ بالمال يُرْغَبُ والأدْ … رَاعِ والخَيْل والقُرى والقِيَانِ
كُلّ جَرْدَاءَ كالهِرَاوَة أو أجْـ … ـرَدَ كالسَّوَذْنيقِ زَاوي العِنَانِ
غيرُ صَاغٍ إلى سَمَاعِ أغَانٍ … مُطْرِباتٍ ولا كَعَابِ غَوَانِ
فَهْوَ والمَجْدُ مِثْل طِرْفَيْ رِهَانٍ … أو شَقِيْقَيْن أُرْضِعَا بلِبَانِ
إنْ هُما أُجْرِبا لغَايةِ سَبْقٍ … بين غُرٍّ من المُلُوك هِجَانِ
أَقْبَلا أوَّلَيْن شَدًّا وَجَاءَ الـ … ـقَوْمُ مِن بَعْدُ في الرَّعِيْل الثَّاني
ما تَكَنَّى أبا الفَضَائِل حتَّى … فَضَلَ النَّاسَ بين قَاصٍ ودَانِ
وتَسَمَّى باسْم السَّعَادَةِ والأسْـ … ـمَاءُ مَوْصُولَةُ العُرَى بالمَعَاني
هُوَ واللَّهِ مُشْتَري فَلَكٍ أصْـ … ـبَحَ باليُمْنِ دَائمَ الدَّوَرَانِ
سَارَ في بُرْجِهِ فأَطْفَأ بالسَّعْـ … ـدَ نُحُوسَ المرِّيْخ والدَّبَرَانِ
طَرَفَ اللَّهُ عن عُلَاهُ وإنْ شَا … ءَ عَدُوًّا ما قُلْتُ عَيْنَ الزَّمانِ
وكَفَانَا فيه المُلِمَّات ما صَـ … ـوَّبَ نَجْمٌ أو لَاحَ بَرْقُ يَمَانِ
فوَحَقِّ الأَنْعام والكَهْف والطُّوْ … ر وطَه وسُورَةِ الرَّحْمنِ
لو تُركْنَا نَخْتَارُ بين الأمَانِيّ … ونَقْتَادُهُنَّ بالأَرْسَانِ
ما بَلَغْنَا في الحَدْسِ والظَّنِّ مِعَشَا … رَ سُرُورٍ نَرَاهُ رَأيَ العِيَانِ
يا كَرِيْمًا آباؤُه أُمَرَاءُ الـ … ـعُرْبِ والعُجْمِ من بَني سَاسَانِ
آلُ حَمْدَانَ سَادَةُ النَّاس مُذْ كَا … نُوا قَدِيْمًا فى سَالِفِ الأَزْمانِ
وأَحقُّ المُلُوكِ بالفَخْرِ من أضْحَـ … ـى أَمِيْرًا عَلَى بَني حَمْدَانِ
سَيِّدٌ يَشْتَرِي الثَّنَاءَ ويَخْشَى الـ … ـلَّه في سِرِّهِ وفي الإعْلَانِ
أَيْمَنُ النَّاسِ طَائِرًا يَوْمَ يَلْـ … ـقَاكَ بوَجْهٍ من مَائهِ رَيَّانِ
آثَرَ الحَمْدَ والثَّوَابَ على الأَمْـ … ـوَالِ يَحْبُو بهِنَّ والبُلْدَانِ
لَم يَدَع آسِفًا يُبَكِّي على مَا … لٍ ولا ضَيْعَةٍ ولا دُكَّانِ
لا ولا ظَامِئًا يُعَلَّلُ بالنُّغْـ … ـبَةِ بينَ الشَّرِيْبِ في الأحْيَانِ
стр. 2914
فكأنَّا كُنَّا مِنَ الضُّرِّ مَوْتَى … أُدْرجُوْا مُذ سنُونَ في الأَكْفَانِ
أو أُسَارَى بينَ الكُبُولِ بأرْضِ الـ … ـرُّوْم لا يَسْمعُون صَوْتَ الأَذَانِ
فأتَاهُمْ من رَأفةِ اللَّهِ مَا أنْـ … ـشَرَ مَيْتًا وفَكَّ رِبْقَةَ عَانِ
لا بَقِيْنَا لغَيْر أيَّامِكَ الغُرِّ … الرّحَاب السَّاحَاتِ والأَعْطَانِ
الَّتي أظْهَرَتْ لنا سُنَّةَ العَدْ … لِ وأَلْوَتْ بالظُّلْم والعُدْوَانِ
وفَدَيْنَاكَ بالنُّفُوس وبالأَهْـ … ـلِيْنَ طَوْعًا مِن طَارِق الحدَثَانِ
فلأَنْتَ الأحَقُّ قد عَلمَ اللَّـ … ـهُ بأنْ تُصْطَفَى لهذَا المَكَانِ
باتِّفَاقٍ من سَائِر النَّاسِ من حَـ … ـيَّي مَعَدٍّ مَعًا ومِنْ قَحْطَانِ
نحنُ ما دُمْتَ آخِذًا بزِمَام الـ … ـمُلْكِ مِن رَيْبِ دَهْرِنا في أَمَانِ
لا يَخَافُ البَرِئُ منَّا ولا يَأْ … يَسُ جَانٍ مِن رَأْفةٍ وامْتِنَانِ
أحْمَدُ اللَّهَ يا سَعِيْدُ عَلَى أَنَّـ … ـكَ كَهْفي مِن كُلِّ إنْسٍ وجَانِ
وعلى أنَّني بجُوْدِكَ في ظِـ … ـلٍّ منَ العَيْشِ نَاضِرٍ فيْنَانِ
أسْحَبُ اليَوْمَ في فِنَائِكَ أَذْيا … لَ بُرُودٍ نَوَاعِمَ الأَرْدَانِ
لا أُبَالي بعِزّ مُلْككَ مَنْ صَدَّ … بوَجْهٍ عَنِّي ولا مَن عنَانِي
ولقَدْ عِشْتُ قبَل ذَاكَ زَمَانًا … بينَ ثَوْبَي مَذَلَّةٍ وهَوَانِ
أَرْهَبُ الصَّوْتَ من بَعيْدٍ كما يرْ … هَبُ أعْدَاءَهُ المُرِيْبُ الجَانِي
وإذا ما دُعِيْتَ للضَّيْم أَذْعَنْـ … ـتَ لدَاعيهِ أَيَّما إذْعَانِ
فأنَا اليَوْمَ كالمُدِلِّ منَ الآ … سَادِ أو كالعَصْمَاءِ بينَ القِنَانِ
قد تحيَّرت والمُهَيْمِنِ في شُكْـ … ـرِكَ ما لي بما يَدَيْتَ يَدَانِ
أيُّ شيءٍ يَجْزيْكَ عنِّي وما لي … غَيْرُ وُدِّي وغيرُ شُكْرِ لسَانِي
وهُما يَقْصُرانِ عنهُ ولو كُنْـ … ـتُ كقُسٍّ في النُّطْقِ أو سَحْبَان
стр. 2915
غَيْر أنِّي قد بعْتُ نَفْسِيَ مَوْلا … نا وإنْ لَم أُسَاوِ ما أوْلَاني
فَخُذِ الآنَ عُهْدتي وَارْضَ مِنْ عَبْـ … ـدِكَ ما يَسْتَطيْعُهُ إمْكَاني
لأَكُونَ امْرَأً تَقَصَّيْتُ جُهْدِي … في جَزَاءَ الإحْسَانِ بالإحْسانِ
ذَكَرَ أبو الطَّيِّب البَاخَرْزِيّ في كتاب دُمْيَةِ القَصْر (١)، قال: أنْشَدَني الشَّريفُ أبو طَالِب مُحَمَّدُ بن عَبْد اللَّه الأنْصَاريِّ له -يعني للوَاسَانِيّ-: [من الطّويل]
فلو كان لي بَيتٌ يَحِلُّ دُخُولهُ … لأمْتَعْتُكم بالعَزْف والقَصْف والسُّكْرِ
ولكنَّما لي بَيْتُ سوءٍ كأنَّهُ … بَقِيَّةُ نَاوُوسٍ على سَاحِل البَحْرِ
تُوفِّي الوَاسَانِيّ في حُدُودِ التِّسْعِين والثَّلاثمائة.
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ حُمَيْد ممَّن اسْمُه الحَسَن
الحَسَنُ بن حُمَيْد المَنْبِجِيُّ
وقيل: الحُسَنِ بن حُمَيْد المَنْبِجِيّ التُّجِيْبِيّ، وَسَنَذْكُره في مَن اسْمُه الحُسَين (٢) إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
وهو شَاعِرٌ مُجِيْدٌ تُنْسَبُ إليهِ القَصِيدَة اليَتِيْمَة، والأقْرَبُ أنَّها له (٣)، واللَّهُ أعْلَمُ.
رَوَى أبو القَاسِم مَنْصُور بن النُّعْمان، قال: أنْشَدَنا القَاضِي أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن إسْحَاق الحَلَبِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو سَعيد النَّصِيْبِيُّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن
стр. 2916
سُلَيمان الأخْفَش، قال: أُنْشِدت هذه القَصِيدَة المَعْرُوفة باليَتِيْمَة، ولم تُعْرَف لأحدٍ فلذلك سُمِّيَت اليَتِيْمَة، ثُمَّ أُنْشدْتُها للحَسَن بن حُمَيْد المَنْبِجِيّ، وهي: [من أحذّ الكامل]
هل بالطُّلُول لسَائِلٍ رَدُّ … أم هَل لَهَا بتَكَلُّمٍ عَهْدُ
فذكَرَها، وسنُوردها في تَرْجَمةِ دَوْقَلَة (١) بكَمَالها إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
الحَسَنُ بنُ حُمَيْد المَرْعَشِيُّ
حَكَى عن بعض الغُزَاة في الثُّغُور. رَوَى عنهُ حَيْدَرهَ بن عُبَيْد.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن أبي بَكْر السَّمْعَانيُّ، قال: أخْبَرَنا سَعْدُ بن عليّ الرَّزَّازُ بمَرْو في قَدْمَتهِ الأُوْلَى، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد مُحَمَّد بن أبي عَبْدِ اللَّه المُطَرِّز بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم أحْمَد بنُ عَبْد اللَّه الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن زَيْد الجُرْجَانِيِّ، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن مُحَمَّد بن عِيسَي يقُول: سَمِعْتُ حَيْدَرة بن عُبَيْدٍ يقُول: قال الحَسَنُ بنُ حُميد المَرْعَشِيّ: دَخَلْنا على رجُلٍ من الغُرَبَاءِ في بعضِ الثُّغُور وهو يَكيْدُ بنَفْسه، فقيل له: كيفَ تَرَاكَ؟ فقال: [من الطويل]
غَرِيْبٌ وَحِيْدٌ والمَنَايا تَحُثُّهُ … إلى مَنْزِل قَفْرٍ بغَيْر أَنيْسِ
فقُلْنا: أبْشِر رَحمكَ اللَّهُ؛ فإنَّ الغُرْبَةَ شَهَادةٌ، ولا سِيَّما وأنْتَ مُرَابطٌ في سَبِيْل اللَّه، فبَكَى طَوِيْلًا، ثُمّ قال: واللَّه لولا طَمَعي في كَرَمِهِ وعَفْوه لتقَطَّعَتْ نَفْسِي من شِدَّة الغُصَص والحَسَرات، فما برحْنَا من عندَهُ حتَّى فَاظَتْ نَفْسُه، ﵀.
стр. 2917
حَرْفُ الخَاء في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن الخَلِيل، أبو عليّ الحَلَبِيُّ (١)
ويُنْسَبُ أيضًا الأنْطَاكِيّ.
حَدَّثَ عن عُبَيْد بن جَنَّاد الحَلَبِيّ، وأبي نُعَيْمِ الفَضْل بن دُكَينْ، رَوَى عنهُ أبو عَمْرو بن حَكِيم، ومُحَمَّد بن المُنْذِر بن سَعِيد، وخَيْثَمَة بن سُلَيمان الأطْرَابُلُسِيّ، وكانَ ثِقَةً.
أخْبَرَنا زَيْن الأُمَناء أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن عَبْد الوَاحِد، قال: أخْبَرَنا شُجاع بنُ عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن الخَلِيل الأنْطَاكِيّ، قال: حَدَّثَنا عُبَيْد بن جَنَّاد (a)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن حُمَيْد الرُّوَاسِيّ، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بن [أبي] (b) خَالِد، قال: سَألْتُ ابنَ أبي أوْفَى: هل رأيْتَ إبْرَاهيم ابن رسُول اللَّه؟ قال: نَعَم، كان أشْبَه النَّاس بهِ، ماتَ وهو صَغِيرٌ، ولو قُضِيَ نَبيّ (c) لعاشَ إبْرَاهِيمُ.
قَرَأتُ في كتاب تاريخ الثِّقَات، تأليفُ أبي حَاتِم مُحَمَّد بن حِبَّان البُسْتِيّ (٣)، قال في الطَّبَقَة الرَّابعة منهم: الحَسَن بن الخَلِيل الحَلَبِيّ، يَرْوي عن أبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، حَدَّثَنَا عنه مُحَمَّد بن المُنْذِر بن سَعِيد.
стр. 2918
حَرْفُ الدَّال في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن دَاوُد بن بَابْشَاذ بن دَاوُد بن سُلَيمان بن إبْراهيم، أبو سَعْد -وقيل: أبو سَعيد- المِصْرِيّ (١)
قَدِمَ حلَبَ سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وأرْبَعِمائة، وسَمِعَ بها الحَسَن بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم الحَلَبِيّ، وسَمِعَ ببَغْدَاد أبا مُحَمَّد الحَسَنَ بن عليّ الجَوْهَرِيّ، وأبا الحُسَين مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن رِزْمَة، والخَطِيب أبا بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت، وقَرَأ الفِقْه بها على القَاضِي أبي عَبْدِ اللَّه الصَّيْمَرِيّ، وكان سَمِعَ بمِصْرَ أبا مُحَمَّد بن النَّحَّاس، وعليّ بن مُنِير الخَلَّال، وتُرَاب بن عُمَر الكَاتِب، وإسْمَاعِيْل بن عَمْرو بن رَاشِد، وغيرهم (a). كَتَبَ عنه أبو بَكْر أحْمَد بن علِيّ بن ثَابِت الخَطِيب، وكان يُدَرِّسُ الفِقْهَ ببَغْدَاد على مَذْهَب الإمَام أبي حَنِيْفَة ﵁.
قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأنْبَأنَا به عنه أبو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان وغيره، قال: ابن بَابْشَاذ هو الحَسَن بن دَاوُد بن بَابْشَاذ بن دَاوُد بن سُلَيمان المِصْرِيّ، مَعْرُوف بالأدَب والطَّلَب، وقد كتَبَ الحَدِيْث الكَثِيْر عن عبد الرَّحْمن بن عُمَر بن النَّحَّاس، وعليّ بن مُنِير الخَلَّال، وتُرَاب بن عُمَر الكَاتِب، وآخرين ورَحَلَ في العِلْم. وهو ابنُ أخي أبي الفَتْح أحْمَد بن بَابْشَاذ الوَاعِظ الجَوْهَرِيّ، وقد رَوَى عنهُ الخَطِيبُ وغَيْرُه.
стр. 2919
وقرأت أيضًا بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر: أبو سَعْد الحَسَن بن دَاوُد بن بَابْشَاذ بن دَاوُد بن سُلَيمان بن إبْراهيم بن شَهْرَيَار بن أَبْزُون بن نُورْكُوْبَه، كَذَا رَأيْتُ نَسَبَهُ بخَطِّ عليّ بن بَقَاء الوَرَّاق على غير جُزءٍ ممّا كَتَبَهُ له من فَوَائِد إسْمَاعِيْل بن عَمْرو بن رَاشِد المُقْرِئ الزَّاهِد المَعْرُوف بالحَدَّاد، انْتِقَاء الصُّوْرِيّ عليه وقَرَأهُ أبو سَعْد بنَفْسِهِ على إسْمَاعِيْل سَنَهَ عشرين وأرْبَعِمائة بمِصْر.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: الحَسَنُ بن دَاوُد بن بَابْشَاذ بن دَاوُد بن سُلَيمان، أبو سَعْد (a) المِصْريّ، قَدِمَ بَغْدَادَ، ودَرَسَ فِقْه أبي حَنيْفَة على القاضي أبي عَبْدِ اللَّه الصَّيْمَرِيّ، وتَوَجَّه فيه حتَّى دَرَّسَ، وكان مُفْرِط الذَّكَاءِ، حَسَن الفَهْم، يَحْفَظُ القُرآنَ بقِرَاءاتٍ عدَّة، ويَحْفَظُ طَرَفًا من عِلْم الأدَب، والحِسَاب، والجَبْر، والمُقَابَلَة، والنَّحو. وكَتَبَ الحَدِيْثَ بمِصْر عن أبي مُحَمَّد بن النَّحَّاس وطَبَقَتهِ.
قال الخَطِيبُ (٢): كَتَبْتُ عنهُ أحَادِيْث، وكَتَبَ عنِيّ. وكانَ ثِقَةً، حَسَنَ الخُلْقِ، وَافِرَ العَقْل. وكان أبُوه يَهُودِيًّا، ثمّ أَسْلَم وحَسُنَ إسْلَامُهُ، وذُكِرَ بالعِلْم، وهو فَارِسيُّ الأصْلِ. وأقام أبو سَعْدٍ (b) ببَغْدَادَ إلى أنْ أدْرَكهُ أجَلُهُ، فتُوفِّي لَيْلَة السَّبْت، ودُفِنَ صَبِيْحَة تلك اللَّيْلة في يَوْم السَّبْت لعَشْرٍ بَقِينَ من ذي القَعْدَة سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وأَرْبَعِمائة، ودُفِنَ في مَقْبَرَة الشُّوْنِيْزِيّ، ولم تكُن سنُّهُ بلغَت الأرْبَعِين.
أنْبَأنَا أبو الحَسَن بن أبي عبدِ اللَّه بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر، قال: أنْبَأنَا أبو إسْحَاق الحَبَّال، قال: سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين أبو سَعيد الحَسَن بن بَابْشَاذ في ذي القَعْدَة، تُوفِّي ببَغْدَاد.
стр. 2920
حَرْفُ الرَّاء في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن الرَّبْيع البَجَليُّ، أبو عليّ البُوْرَائِيّ الكُوْفيّ (١)
صَحِبَ عَبْد اللَّه بن المُبارَك في غَزَاة بلادِ الرُّوم، وكان معهُ بطَرَسُوس، وعادَ في صُحْبَتهِ، وشَهِدَ مَوْتَهُ بهِيْت، ورَوَى عنهُ وعن أحْمَد بن حَنْبَل، وعَبْد الجَبَّار بن الوَرْد، وأبي عَوَانَة، ومَهْدِي بن مَيْمُون، وأبي إسْحَاق الفَزَارِيّ، وحَمَّاد بن زَيْد، وعَبْثَر (a) بن القَاسِم، وعبد اللَّه بن إِدْرِيس.
رَوَى عنهُ أبو أُسامَة الكَلْبيّ، وبَعْقُوب بن سُفْيان الفَسَوِيّ، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين، وحَنْبَل بن إسْحَاق، وخَلَفُ بن عَمْرو العُكْبَرِيّ، وعبَّاس بن مُحَمَّد
стр. 2921
الدُّوْرِيّ، وأحمد بن يُوسُف التُّجِيْبِيّ، وإسْحَاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ، وجَعْفَر الصَّائِغُ، وأحْمدُ بن عُبَيْدِ اللَّه النَّرْسِيّ، وكَتَبَ عنهُ أحْمَد بن حَنْبَل (a).
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحُسَين صَاحِبُ العبَّاسيّ، قال: أخْبَرنا عبدُ الرَّحمن بن عُمَرَ الخلَّالُ، قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بن إسْمَاعيل الفَارسيّ، قال: حدَّثَنَا بَكْر بن سَهْل، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الخَالِق بن مَنْصُور، قال: وسُئِلَ يَحْيَى بن مَعِيْن، وأنا أسْمَعُ، عن الحَسَن بن الرَّبِيْع، فقال: لو كان يتَّقي اللَّه لم يكُن يُحَدِّث بالمغَازِي؛ ما كان يُحْسِنُ يَقْرؤها! فقال له ابنُ بنْتٍ لأبي أُسامَة: إنَّهُ يُحَدِّثُ عن ابن المُبارَك، عن حُمَيْد، عن أنَس أنَّ النَّبِيّ ﷺ كانَ يَقْرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢)؟ فقال يَحْيَى: كُلّ مَنْ يُحَدِّثهُ (b) عن حُمَيْد فقَد كَذَبَ.
قال أبو بَكْر الخطيبُ (٣): لَم يَعِبْهُ يَحْيَى إلَّا بأنَّهُ كان لا يُحْسِنُ قراءَةَ المَغازِي وما فيها من الأشْعَارِ، وذلك لا يُوجبُ ضَعْفَهُ، وما ذَكَرَهُ ابنُ بنْت أبي أُسامَة عنه من رِوَايتِهِ الحَدِث عن حُمَيْد إنَّما هو حكايَةٌ بلَغَتْهُ، وليسَ كُلُّ حِكايَةٍ تكُون حَقًّا، وقد كان الحَسَنُ بن الرَّبيعْ ثقةً، صَالِحًا، مُتَعَبِّدًا.
وقال (٤): أخْبَرَنا حَمْزَة بن مُحَمَّد بن طَاهِر الدَّقَّاق، ومُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد الأكْبَر -قال حَمْزَة: حدَّثَنا، وقال مُحَمَّد: أخْبَرَنا- الوَلِيدُ بن بَكْر الأنْدَلُسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاءَ الهاشِميّ، قال: حَدّثَنَا أبو مُسْلم صَالِح بن أحْمَد بن
стр. 2922
عَبْد اللَّهِ العِجْلِيّ، قال: حَدَّثَني أبي (١)، قال: حَسَن بن الرَّبِيْع البُوْرَائِيّ (a) يَبيع البَوَاري، كُوْفيّ، ثِقَةٌ، رَجُلٌ صَالِحٌ، مُتَعَبِّدٌ.
وقال الخَطِيبُ (٢): أخْبَرَنا عليّ بن طَلْحَة المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إبْراهيم الغَازِي، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد الكَرْجِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن يُوسُف بن خِرَاش، قال: الحَسَن بن الرَّبْيع كُوْفيٌّ ثِقَةٌ، يقال: الخَشَّاب، ويُقال: البُوْرَائِيّ (b)؛ يَبْيعُ القَصَبَ.
قال أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣): الحَسَنُ بن الرَّبِيْع، أبو عليّ البَجَليُّ البُوْرَائِيُّ (c)، سَمِعَ مَهْدِي بن مَيْمُون، وعَبْد الجَبَّار بن الوَرْد، وحَمَّاد بن زَيْد، وأبا عَوَانَة، وعَبْثَر (d) بن القَاسِم، وعَبْد اللَّه بن المُبَارَك، وعبد اللَّه بن إدْريس، وأبا إسْحَاق الفَزَاريّ.
رَوَى عنهُ عَبَّاس الدُّوْرِيّ، وحَنْبَل بن إسْحَاق، وأحمدُ بن عُبَيْدِ اللَّه النَّرْسِيّ، وجَعْفَر الصَّائِغ، وإسْحَاق بن الحَسَن الحَرْبِيّ، وخَلَف بن عَمْرو العُكْبَرِيّ. وهو من أهْلِ الكُوفَة، قَدِمَ بَغْدَادَ، وحَدَّثَ بها.
قال الخَطِيبُ (٤): أخْبَرَني مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوبَ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن نُعَيْم الضَّبِّيُّ، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن زِيَاد، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم -يعني ابن عَديّ- قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن يُوسُف التُّجِيْبِيّ بجُرْجَان، قال: سَمِعْتُ الحَسَن بن الرَّبِيْع يَقُول: قَدِمْتُ بَغْدَادَ، فلمَّا خرجْتُ سَبَقني (e) أصْحَابُ الحَدِيْث، فلمَّا برزْتُ إلى خارج، قال لي أصْحَابُ الحَدِيْث: تَوقَّفْ؛ فإنَّ أحْمَد بن حَنْبَل يَجيءُ، فتوَقَفْتُ،
стр. 2923
فجاءَ أحْمَد بِن حَنْبل، فقَعَدَ، فأخْرَجَ ألْوَاحَهُ فقال: يا أبا عليّ، أَمْلِ عليَّ وَفَاةَ عَبْدِ اللَّه بن المبُارك؛ في أيّ سنَة ماتَ؟ فقُلتُ: سَنَة إحْدَى وثمانين، فقيل له: ما تريدُ بهذا؟ فقال: أُريدُ الكَذَّابين.
أنْبَأنَا أبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْد اللَّه الرُّهَاوِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو الخَيْر القَزْوِينيّ، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّاميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان الصَّابُونِيّ، وأبو بَكْر البَيْهَقِيّ وأبو عُثْمان البَحِيْرِيّ، وأبو بَكْر الحِيْرِيّ، إجَازَةً منهم، قالوا: أخْبَرَنا الحاكِم أبو عَبْد اللَّه الحافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الخَفَّاف، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن المُنْذِر، قال: حَدَّثني مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن الحُسَين، قال: سَمِعْتُ الحَسَنَ بن الرَّبِيْع يَقُول: رأيْتُ ابنَ المُبارك يُقاتِلُ بأرْض الرُّوم في يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرَّ قد رفع قَلنْسُوَتَهُ عن رَأسِه.
أخْبَرَنا الكِنْدِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا الخَطيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بنُ الحُسَين القَطَّان، قال: أخْبَرَنا عليّ بن إبْراهيم المُسْتَمْلِيَّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد بن فَارِس، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (٢)، قال: الحَسَن بن الرَّبِيْع أبو عليّ الكُوْفيّ مات سَنَة عشرين ومَائتَيْن أو نَحْوها.
حَرفُ الزَّاي في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن زَمَّام بن يُوسُف بن يَعقُوب، أبو عليّ الحَدِيْثيّ المَعَرِّيّ ثمّ الحَلَبِيّ (٣)
أصْلُهُ من حَدِيْثَه بني سُليْمان، قَرْيَةٌ من قُرَى مَعَرَّة النُّعْمَان، ووُلِدَ بحَلَب، ونَشَأ بها، واشْتَغَل بالأدَب وسَمَاع الحَدِيث، وسَمعَ معنا على مَشَايخنا:
стр. 2924
قاضِي القُضَاة أبي المَحَاسِنِ يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، وأبي هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، وأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان، وأبي مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف البَغْدَاديّ، وغيرهم، وكان يُوَرِّقُ حَسَنًا، ويَنْظِم شِعْرًا لا بَأْسَ بهِ.
كَتَبَ عنهُ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي الغَرِيْب عَبْد اللَّه بن عليّ التِّمِيْمِيّ المَوْصِلِيِّ شَيئًا من شِعْره، وكان يَحْضُر معنا كَثِيْرًا، ولم أسْمَعْ منه شَيئًا من شِعْره، لكنَّه كَتَبَ إليَّ أبْيَاتًا من شِعْره، قرأتها بخَطِّه يَسْتَعير منِّي كتاب المُذَيَّل لأبي سَعْد السَّمْعَانيّ، وهي: [من الخفيف]
أيُّها السَّيِّدُ الإمَام فُلَان الـ … ـــدّيْن يا ذَا الإنْعَام والإحْسَانِ
والّذي نالَ مِن مَعَاني المَعَالِي … أشْرَفَ الذِّكر بالسَّجَايا الحِسَانِ
والّذي فَضْلُهُ المُفَضَّل أَسْمَى … في سَمَاءَ السَّنَاءِ مِن كَيْوَانِ
والّذي أيَّد الإلَهُ بهِ مَذْ … هَبَ فَخْرِ الأئمَّةِ النُّعْمانِ
والّذي لو رآهُ نَجْلُ هِلَالٍ … كانَ في بابهِ منَ الغِلْمَانِ
والّذي ليسَ مِثْلُهُ في البَرَايا … في جَميْعِ الأوْقَاتِ والأزْمَان
في عَلاءٍ سَامٍ وفَهْمِ عُلُومٍ … مُشْكلاتٍ عَصَتْ على الأذْهَانِ
عَبْدُ نعْمائكَ العَمِيْمَةِ يُنْهِي … ما بِهِ من مُذَيَّل السَّمْعَاني
من غَرَامِ وَافٍ وشَوْقٍ شَدِيْدٍ … وارْتِياحٍ إليهِ مُنْذُ زَمَانِ
وإلى ما حَوَاهُ جَرْحًا وعَدْلًا … عن رُوَاةِ الحَدِيْثِ بالإتْقَان
وإلى ما حَوَاهُ من سِيَر النَّا … سِ وما فيهِ من لِطَافِ المَعَانِي
فلَعَلَّ الآراءَ زِيْدَتْ عُلُوًّا … وَجَلالًا ينْمي بلا نُقْصَانِ
يُسْعِفُ العَبْدَ منهُ جُزْءًا فُجُزْءًا … كُلّما مَرَّ أوُّلٌ جَاءَ ثَانِ
стр. 2925
كَتَبَ إلينا أبو البَرَكَات ابن المُسْتَوفِيّ من إرْبِل (١)، قال: أنْشَدَني، يعني: أبا مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي الغَرِيْب عَبْد اللَّه بن عليّ التَّمِيْمِيّ المَوْصِلِيِّ الصَّيْقَل، قال: أنْشَدَني ابنُ زَمَّام الحَلَبِيُّ لنَفْسِه في غُلَامٍ عليه قَبَاءٌ أخْضَرُ، وفي وَسَطه منْطَقَةُ فِضَّةٍ: [من الكامل]
عَاينْتُهُ لمَّا تدرَّع أخْضَرًا … ولَهُ منَ الوَرِقِ الأنيقِ نطَاقُ
فظَنَنْتُهُ غُصنًا تفتَّحَ نَوْرُهُ … وتكنَّفَتْهُ بظِلِّها الأوْرَاقُ
تُوفِّي رَفِيْقُنا الحَسَن بن زَمَّام بحَلَبَ سَنَة اثْنَتَيْن أو ثلاث وثَلاثين وستمائة.
الحَسَنُ بن زُهْرَة بن الحَسَن بن زُهْرَة بن عليّ بن مُحَمَّد ابن مُحَمَّد أبي إبْراهيم بن أحْمَدِ بن مُحَمَّد بن الحُسَين بن إسْحَاق المُؤْتَمَن ابن جَعْفَر الصَّادِق ابن مُحَمَّد البَاقِر ابن عليّ زَيْن العَابِدِين ابن الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالِب بن عَبْد المُطَّلِب، أبو عليّ بن أبي المَحَاسِن بن أبي عليّ بن أبي الحَسَن بن أبي سَالِم بن أبي إبْراهيم الكَلْبيّ العَلَويّ الحُسَيْني الإسْحَاقيُّ النَّقِيْبُ الكَاتِبُ (٢)
كَتَبَ الإنْشَاء للمَلك الظَّاهر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، وتقدَّمَ ووَلَّاهُ نِقَابَة العَلَوِيّيْن بحَلَب، وكان يَكْتُب خَطًّا حَسَنًا، وعندَهُ فَضْلٌ وأدَبٌ، وتَفَنَّن في عُلُوم شَتَّى، ولهُ مَعْرفَةٌ بالقِرَاءَات والفِقْه والحَدِيْث والتَّوَاريخ وأخْبَار النَّاس، وعندَهُ من
стр. 2926
العَرَبِيَّة واللُّغَة طَرَفٌ حَسَنٌ، وله شِعْرٌ حَسَنٌ ورَسَائِل، وكان جَمِيل الصُّورَة، دَيِّنًا، حُلو الحَدِيْث، لَبِق الرِّئَاسَة، سَيَّرهُ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي رَسُولًا إلى أماكن مُتَعدِّدة.
سَمِعَ بحَلَب مُحَمَّد بن أسْعَد الجَوَّانِيّ النَّسَّابَة، وشَيْخنا أبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، وغيرهما، وحَاضَرْتُه كَثِيْرًا، ولَم أكْتُب عنه شيئًا.
وأخْبَرَني ولدُه عليّ، النَّقِيْبُ بَعْدهُ، أنَّ ولادتَهُ بحَلَب سَنَة أرْبعٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة.
ومن شِعْره ما قالَهُ وقد نَزَل بالمَعْشُوق مُقابل سُرَّ مَنْ رَأى، وكان قد حَجَّ في تلك السَّنَة، وأنْشَدنيها وَلده عليّ عنهُ (١): [من الخفيف]
قد رَأيْتُ المَعْشُوقَ وَهْوَ من الهَجْـ … ـــرِ بحَالٍ تَنْبُو النَّوَاظِرُ عَنْهُ
أثَّرَ الدَّهْرُ فيهِ آثار سَوْءٍ … وأَدَالَتْ يَدُ الحَوَادِثِ مِنْهُ
عَادَ مُسْتَبْذَلًا ومُسْتَبْدِلًا عـ … ــزًّا بذُلٍّ كأنَّهُ لم يَصُنْهُ
وأنْشَدَني أيضًا قال: أنْشَدَني أبي لنَفْسِه وقد نَزَل بحَاجِر (٢): [من المنسرح]
مَنْ شَاقَهُ حَاجِرٌ وبقعَتُها … فلَسْتُ أشْتَاقُ حَاجِرًا أبَدَا
ولا زَرُوْدًا والثَّعْلَبِيَّة والـ … ــجَفْرَ ونَجْدًا وذلكَ البَلَدَا
فَلا سَقَى حَيَّهَا ولا جِيْدَ مَغْـ … ـــنَاها وأضْحَتْ طَرَائقًا قِدَدَا
تُوفِّي الشَّريفُ النَّقِيْبُ أبو عليّ الحَسَنُ بن زُهْرَة في جُمَادَى الأُوْلَى من سَنَة عشرين وستمائة بعد وُصُوله من الحَجِّ، ودُفِنَ بسَفْح جَبَل جَوْشَنَ، وحَضرْتُ دَفْنَهُ والصَّلاةَ عليه.
стр. 2927
الحَسَنُ بن زَيْد
نَزَل مَلَطْيَّة (a)، وحَدَّثَ بها عن حُمَيْد الطَّوِيْل. رَوَى عنهُ أبو يَعْلَى مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن مَرْوَان المَلَطِيّ، وقيل: أبو يَعْلَى الحُسَين بن مُحَمَّد المَلَطِيّ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي الفِتْيَان عُمَر بن أبي الحَسَن الرَّوَّاسِيّ الحافِظ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد السِّنْجِيّ أبو الحَسَن البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أَبو الحَسَن عليّ بن عَبْد العَزِيْز بن الحَسَن الطَّاهِريّ، قال: حَدَّثَنَا جَابِر بن عُبَيْد اللَّه المَوْصِلِيّ في مَسْجِد ابن مَالِك من حِفْظِهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْلَى مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد اللَّه بن مَرْوَان المَلَطِيّ بمَلَطْيَّة سَنَة ستٍّ وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن زَيْد، ح.
وأنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا إبْراهيمِ بن مَخْلَد إجَازَهً، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّه بن المُبارَك الجلَّابُ المَوْصِليّ، من حِفْظِهِ ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْلَى الحُسَينِ بن مُحَمَّد المَلَطِيّ بها، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن زَيْد، قال جابر: سَألتُ أبا يَعْلَى عنهُ؟ فقال: كان رَجُلًا حلَّ عندنا على جِهَة الجِهَادِ، فكَتَبْنا عنه، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْد الطَّويل، عن أنَس بن مالِك (٢)، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : إذا أحَبَّ أحَدُكُم أنْ يُحَدِّث رَبَّهُ تعالَى فليَقْرَأ.
стр. 2928
حَرْفُ السِّيْن في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن سَعيد بن عَبْد اللَّه بن بُنْدَار بن إبْراهيم، أبو عليّ الشَّاتَانِيّ الدِّيَار بَكْرِيّ المَعْرُوف بالعَلَم (١)
وكان يُنْبَزُ بِقَاع، وشَاتَان قَلْعَة من نَوَاحِي دِيَار بَكْر.
كان فَقِيهًا، أَدِيْبًا، شَاعِرًا، جَيِّد الشِّعْر ظَريفًا، رَحَلَ إلى بغداد وتَفَقَّهَ بها على مَذْهَب الإمَام الشَّافِعيّ، بالمَدْرَسَة النِّظَاميَّة، على أبي الحَسَن عليّ بن سَلمان الأصْبَهَانِيّ، ثمّ قَرَأ الفِقْه من بعده على أبي عليّ الحَسَن بن إبْراهيم الفَارِقِيّ، وأبي مَنْصُور سَعِيْد بن مُحَمَّد الرَّزَّاز.
واشْتَغَل بالأدَب على الشَّريف أبي السَّعَادَات ابن الشَّجَرِيّ، وأبي مَنْصُور ابن الجَوَالِيقِيّ، وسَمِعَ بها الحَدِيْث من القَاضِي أبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، وأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّاز، وأبي البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، وأبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبي الحَسَن عليّ بن هِبَة اللَّه بن عَبْد السَّلام، وأبي القَاسِمِ هِبَة اللَّه بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر السَّلَامِيّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم الشَّهْرَزُورِيّ.
стр. 2929
كَتَبَ عنهُ الحافِظ أبو القَاسِم ابن عَسَاكِر، والحافِظ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن صَصْرَى، والعِمَاد أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ.
رَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من الشِّعْر أبو مُحَمَّد المُعَافَى بن إسْمَاعِيْل بن الحَدَوْس، والفَقِيه أبو مُحَمَّد إسْمَاعِيْل بن هِبَةِ اللَّه بن بَاطِيْش.
وقَدِمَ الشَّامَ سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسمائَة، وعَقَدَ بها مَجْلِسَ الوَعْظ، وعاد إلى شَاتَان، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَوْصِل وسَكَنَها مُدَّةً، وسَيَّرَهُ أتَابِك زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، وكان صاحب المَوْصِل، رَسُولًا منه إلى دار الخِلَافَة، وإلى عدَّة أطْرَاف مِرَارًا مُتَعدِّدةً، وأقْبل عليه الوَزِير أبو المُظَفَّر يَحْيَى بن هُبَيْرَة، وأكْرَمَهُ، ومَدَحَ الوَزِير بقَصِيدَةٍ حَسَنةٍ، وكان بالمَوْصِل في كَنَف الوَزِير جَمال الدِّين مُحَمَّد بن عليّ، وَجِيْهًا عندَهُ، وتولَّى البِيْمَارِسْتان بالمَوْصِل، وتصرَّف في وَقْفه، فلمَّا نُكِبَ الوَزِير جَمال الدِّين، اخْتَلَّ أمْرُه فارْتَحل إلى الشَّام، وقَدِمَ حَلَب، وأقامَ بها مُدَّةً يَغْشَى القَاضِي مُحْيى الدِّين أبا حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الشَّهْرَزُورِيّ الحاكمِ بها يَوْمئذٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دِمَشْقِ، وأكْرَمَهُ المَلِكُ العادِل نُور الدِّين مَحمُود بن زَنْكِي، وجَعَل له مَعْلُومًا من البرِّ، وكان يَغْشَى بها قاضِي القُضَاةِ كَمَال الدِّين أبا الفَضْل مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن الشَّهْرَزُورِيّ، ولم يَزَل كذلك حتَّى ماتَ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فقَطَعَ وَزِيرُهُ أبو صالح عبدُ الرَّحيم بن عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن العَجَمِيِّ مَعْلُومَه فهَجَاهُ، وقصَدَ المَلِكَ النَّاصِر صَلاحِ الدِّين يُوسُف بن أيُّوب ومَدَحَهُ، فنَفَقَ عليه، وأكْرَمَهُ، وزَادَ في إكْرَامِه وبرِّه، ثمّ رجع إلى المَوْصِل، وحدَّث بشيءٍ يسَيْر من مَسْمُوعَاته، وكان بينَهُ وبين العِمَاد الكَاتِب مَوَدَّةً أكيْدَة، ومُؤَانَسَةً، ومُكَاتَبةٌ بالشِّعْر والنَّثْر.
قال لي الفَقِيه عِمَاد الدِّين إسْمَاعِيْل بن بَاطِيْش: إنَّ مَوْلد العَلَم الشَّاتَانِيّ في سَنَة خَمْس عَشرة وخَمْسِمائَة.
стр. 2930
وأنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّدُ بن هِبَة اللَّه بن الشّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللَّه الحافِظ (١)، قال: ذَكَر لي -يعني الشَّاتَانِيّ- أنّ مَوْلده سَنَة عَشْرٍ وخَمْسِمائَة بقَلْعَة شَاتَان.
سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (٢)، قال: أخْبَرني أبي، قال: كان العَلَم الشّاتَانِيّ يَمْدَحُ مُجَاهِدَ الدِّين قَايْمَاز، وكان مُحْسِنًا إليه، فلمَّا قُبِضَ على مُجَاهِد الدِّين هَجَاهُ الشَّاتَانِيُّ، فأُطْلِق مُجَاهِد الدِّين من الاعْتِقَال، فقَطَعَ جَارِي العَلَم الشَّاتَانِيّ الّذي كان له على جَامع المَوْصِل، فدَخَلَ عليه وأنْشَدَهُ أوَّل قَصِيدَة عَملها: [من الطويل]
كَفَاني عِقَابًا ما جَنَيْتُ على نَفْسِي
فقال له مُجَاهِد الدِّين قَايْمَاز: حَسْبُكَ لا تَزد على هذا؛ فلو أنَّك امْرُؤ القَيْس ما أتَيْتَ في الاعْتِذَار بأبْلَغَ من هذا، ثمّ عَفَا عنه، وأطْلَق جَارِيَهُ على ما كان.
أنْشَدَني أبو مُحَمَّد المُعَافَى بن إسْمَاعِيْل بن الحَدَوْس المَوْصِلِيّ، قال: أنْشَدَنا عَلَم الدِّين الحَسَن بن سَعيد الشَّاتَانِيّ لنَفْسِه: [من الخفيف]
قُلْتُ: ثَقَّلْتُ إذ أتيْتُ مِرَارًا … قال: أثْقَلْتَ كَاهِلي بالأيَادِي
قُلْتُ: طوَّلْتُ، قالَ: أَوْلَيْتَ طَوْلًا … قُلتُ: أَبْرَمْتُ، قال: حَبْلَ الوِدَادِ
وأنْشَدَني أبو مُحَمَّد ابنُ الحَدَوْس الفَقِيه، قال: أنْشَدَني الشَّاتَانِيّ أيضًا لنَفْسِه: [من الرمل]
عَمَّ بالمَعْرُوف حتَّى لَم يَدَع … أحَدًا ينْفَكُّ عن مِنَّتِهِ
صَدَقَتْ نِيّتُهُ في فعْلِهِ … فاهْتَدَى بالصِّدْقِ مِن نيَّتِهِ
стр. 2931
أنْشَدَني عِمَاد الدِّين أبو المَجْد إسْمَاعِيْل بن هِبَة اللَّه بن سَعيد الشَّافِعيّ الفَقِيه، قال: أنْشَدَنا عَلَم الدِّين الشَّاتَانِيّ بالمَوْصِل بالجامع النُّوْرِيّ، قَبْل وَفاتِهِ بقَلِيل، وأحْضَر دوَاةً ورُقْعَةً وكَتَبْتُهما من لَفْظه في ذلك المَجْلِس، ولم يُسَمّ قَائلًا (١): [من الخفيف]
مِلْ مَعي ما عليكَ ضرِّي ونَفْعِي … نَسْأل الجَزْعَ عن ظباءِ الجزْع
فعليَّ السُّؤَالُ ليسَ عليَّ الـ … ــعارُ إنْ ضَنَّتِ الغَوَاني (a) برَجْعِ
أنْبْأنَا القَاضِي أبو نَصْر ابن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (٢)، قال: الحَسَنُ بن سَعيد بن عَبْدِ اللَّه بن بُنْدَار، أبو عليّ الدِّيَار بَكْرِيّ الشَّاتَانِيّ، قَلْعَةٌ من دِيَار بَكْر، ذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَ ببَغْدَاد أبا القَاسِم بن الحُصَيْن، وأبا بَكْر ابن صِهْر هِبَة (٣)، وأبا مَنْصُور بن زُرَيْق، وأبا الحَسَن بن عَبْد السّلام الكَاتِب، وأبا البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، وأبا الفَضْل بن نَاصِر، وأبا بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن الشَّهْرَزُورِيّ.
وتَفَقَّهَ على أبي عليّ الحَسَن بن سَلْمَان، وأبي مَنْصُور ابن الرَّزَّاز ببَغْدَاد، وعلى أبي عليّ الحَسَن بن إبْراهيم بن بُرْهُون الفَارِقِيّ، وتَأدَّبَ على الشَّريف ابن الشَّجَرِيّ، وأبي مَنْصُور ابن الجَوَالِيْقِيّ، وقال الشِّعْرَ، وأنْشأ الرَّسَائِل، وقَدِمَ دِمَشْق في سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وعَقَدَ مَجْلِسَ الوَعْظ، وعَاد إلى وَطَنِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَوْصِل، وخَدَمَ دَوْلة أتَابِك زَنْكِي ووَلده ﵀، ورُسِّلَ إلى الخَلَيفَة المُقْتَفِي، وإلى عدَّة أطْرَاف، وعاد إلى دِمَشْق سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة.
стр. 2932
فممَّا أنْشَدَني (١) لنَفْسِه ممَّا كَتَبَ به إلى خَطِيْب خُوارَزْم أحْمَد بن مَكِّيّ، وكان مَشْهُورًا بالفَضْلِ، جَوَابًا له عن أبْياتٍ كَتَبَ بها إليه: [من الطويل]
سَلَامٌ كنَشْرِ الرَّوْض تَسْري (a) بهِ الصَّبَا … فتَعْبَقُ مِن أنْفَاسِهِ وتَطِيْبُ
على منْ يَرَاهُ القَلْبُ مَعْ بُعْدِ دَارِهِ … قَرِيْبًا ويَدْعُو وُدَّهُ فيُجِيْبُ
إمِامٌ لهُ في الفَضْلِ أَشْرَفُ رُتْبَةٍ … إذا رَامَهَا خَلْقٌ سِوَاهُ يَخِيْبُ
وَقُورٌ إذا طَاشَ الحَلِيمُ حَيَاؤُهُ … على نَفْسِهِ فيما يَرُومُ رَقِيْبُ
تَفُلّ (b) غرَارَ السَّيْف حِدَّةُ عَزْمِهِ … فيَرْتاعُ منها الرَّوْعُ وَهْوَ مَهِيْبُ
إذا ما عَلَا صَدْرَ الأئمَّةِ مِنْبَرًا … فقُسٌّ عليهِ بالبَيَانِ خَطِيْبُ
حَبِيْبٌ حَبَاني مِن جَوَاهِرِ لَفْظِهِ … بما قَلّ عنه (c) جَرْوَلٌ وحَبِيْبُ
فحَلَّى بها جِيْدِي وقد كان عَاطِلًا … وجَدَّد بُرْدًا أنْهَجَتْهُ (d) خُطُوبُ
وصَفَّى ليَ العَيْشَ الّذي هُوَ دَائمًا … بتَكْدير أحْدَاثِ الزَّمانِ مَشُوْبُ
يُلقّح أبْكَارَ القَرَائِح فِكْرُهُ … نَسِيْبٌ لأرْوَاحِ الأنامِ نَسِيْبُ
ألَا هَلْ أرَى نَادِي نَداهُ فأرْتَوي … فقد كدْتُ مِن بَرْحِ الغَرَام أَذُوْبُ
والأبْيَاتُ الّتي كَتَبَ بها خَطِيْبُ خُوارَزْم ابتَداءً (٢): [من الطويل]
هُدَى عَلَمِ الدِّين المُفَخَّمِ شَأنُهُ … له في عِظَامِي والعُرُوقِ دَبِيْبُ
تُشُوِّقني الذِّكْرَى إليهِ فأَنْثَني … وأَيْسَرُ ما بينَ الضُّلُوعِ لَهِيْبُ
أَحِنُّ إليه حَنَّةً كُلَّما دَعَتْ … شَآبيْبُ دَمْعِ العَينْ فَهْي تَجِيْبُ
فلمَّا سَارَ آنَسَ بالشَّام (a) من نُور الدِّين نارًا بل نُوْرًا، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١)، فاتَّخَذَ دِمَشْقِ دَارَ هِجْرَتهِ، وغَار أُسْرَتِهِ، ومَبْرَك مَبرَّتهِ، ومَسْرَح مَسَرَّتهِ، ومَجْثَمَ رُبُوضِه، ومَوْسِم سُنَنِه وفرُوضِهِ، ومَرْح مَرَحِه، وبُرْج فَرَحهِ، وبَيْت قَصْدِه، وبَيْت قَصِيْدَته، فأَشْرَقَ عند النُّورِ نُوْره، وانْتَظمَتْ بأمْرِه أُمُوره، ودَرَّتْ أنْوَاءُ إدْرَاره، وذَرَّتْ أنْوار أبْدَاره (b)، فلمَّا خَبَا ذلك النُّور، طُوِيَ المَنْشُور، وأطْبَق الدُّسْتُور، وتَوَلَّى أبو صَالِح (٢)، مُلْكَ المَلِك الصَّالِح، بَدَأ بتَبْطِيْل المَصَالِح، وتَعْطِيل المَنَائِح، ومَنعْ الصِّلَات، ورَفْعِ الصَّدَقَاتِ، وقال للشَّاتَانِيّ: غِبْ وخِبْ، وإذا دُعِيْتَ فلا تُجِبْ، فما لأريبٍ عندنا أَرَب، وما لأدِيْبٍ لدينا إلَّا الدَّأَبْ، والفَضْلُ فضُول، والعِلْم غُلُول، وما عَلمَ العَلَمُ حينئذٍ كيفَ العَمَلُ، وفِيْم الأمَل؛ أيحْتَمل أم يتحَمَّل، أيُغَرِّبُ أم يُشَرِّق، أيُنْجِد أم يُعْرِق، حتَّى تَدَاركَ اللَّهُ ذَماء الفَضْل، ورَعَى ذِمَام أهْلِهِ، بإنَاره صُبْح الحَقّ، وإيْضَاح (c) سُبلهِ، وإعْلَاءِ أعْلَام النَّدَى، وإحْكَام أحْكَام الهُدَى، ووُصُول الرَّايَاتِ المَلكِيَّة النَّاصِرِيَّة إلى الشَّام، وقيامه بنَصْر الإسْلَام، انْتَعَش جَدُّ الكَرم (d) العَاثِر، وحَيي رَسْمُ الجُوْد الدَّاثِرِ، وفَرَّ ذلك الشَّيْطان من ظِلِّ عُمَر، وغَمَّ ذلك الغَمّ (e) ما أفاضَ من البِرِّ وغَمَر، وصَار الشَّام بيُوسُفَ مِصْرَ مِصْرًا آخر بإحْسَانه، قد فَرَّ عَوْن فِرْعَونه وهَامَانه، وبَسَط المَكْرُمَاتِ، وأدَرَّ المَبَرَّات، ورَدَّ الصِّلَات والصَّدَقَات،
стр. 2937
وعادَتْ حالُ هذا الفَاضِل حَالِيَة، وقِيْمته غَالِيَة، ودِيْمَةُ حَظِّه هَامِيَة، وحِظْوَة فَضِيْلَته نَامِيَة، ومَدَحَهُ بقَصِيدَةٍ أوَّلُها (١): [من الطويل]
أرَى النَّصْرَ مَعْقُودًا برايتك الصَّفْرا … فَسِرْ وافْتَح الدُّنْيا فأنْتَ بها أَحْرَى
ومنها:
يَمِيْنُكَ فيها اليُمْن واليُسْرُ في اليُسْرَى … فبُشْرَى لمَنْ يَرْجُو النَّدَى بهما (a) بُشْرَى
وهذا عَلَمُ الدِّين ذو العِلْم الغَزِير، والفَضْل الكَثِيْر، والمَحْفُوظ (b) الوَافِر من كُلّ فَنّ، وهو المَحْظُوظ بكُلّ قَبُول ومَنِّ، قد وَفَدَ في رَبْعَان عُمْره إلى عَمِّي العَزِيز ببَغْدَاد، واتَّخَذَهُ المَعَاذ، ومَدَحَهُ، فأجازهُ ومَنَحه، وسلَّمَهُ إلى ابن سَلْمَان (٢)، فقرأ عليه الفِقْه، وبلغَ من مَعْرفَته الكُنْهَ، واكْتَسَبَ خُلُقه الظّرْفَ، واكْتَسَى شِعْره الرِّقَّة واللُّطْفَ، حَاوِي المَحَاسِن، صَافِي البَاطِنِ، سَلِيْم القَلْب، قَويم اللُّبَ، حُلْو الفُكَاهَة، خلْو من السَّفَاهَة (c)، بَدِيْع الفِقْرة، سرِيع النَّفْرَة، عَجِل الأوْبَةِ، طَويْلُ الفِكْرِة، قليلُ العَثْرَة، مُسْتَجيب العَبْرة، مُسْتَريب بالكَرَّة، وإذا أرَدْت أَنْ تغيْظَهُ فتَعَرَّضْ له أو اعْتَرض عليهِ، وتحدَّث بينَ يَدَيْهِ، وقُلُوب الفُضَلَاء مَغْسُوِلة، وحِكْمتُهم مَعْسُولة، وحِدَّتُهمِ مَقْبُولة، وشِدَّتُهم لِيْنٌ، وغَثُّهُم سَمِيْن، ومُقَارَنتهم (d) فَضِيْلة، ومُجَانَبتُهم رَذِيلة، وشَرَفهُم عَتيْد، وأنَفُهم شَدِيد.
стр. 2938
قد تَوَجَّه من المَوْصِل (a) إلى دار الخِلَافَة مِرَار [ا]، ووَجَد برِّها (b) وكَرَامتها على الأغْيَار إبْرَارًا، وأقْبَل عليه الوَزِير الهُبَيْرِيّ لشَغَفه بأمْثَاله من أهْلِ الفَضْل، وعَاد نجيْح السَّعْي مَوْفُور المَحَلّ.
أنْشَدَني لنَفْسِه من قَصِيدَة وازَنَ بها قَصِيدَةً لي نَظَمْتُها في ابن هُبَيْرَة الوَزِير (١): [من الكامل]
أهْدَى إلى جِسْمي (c) الضَّنَى فأعَلَّهُ … وعَسَى يرقّ لعَبْدِه ولعَلَّهُ
ما كُنْتُ أحْسبُ أنَّ عَقْدَ تَجَلُّدِي … يَنْحَلُّ بالهِجْرَان حتَّى حَلَّهُ
يا وَيْحَ قَلْبي أين أطْلبُهُ وقد … نَادَى به دَاعِي الهَوَى فأضَلَّهُ
إنْ لَم تَجدُ بالعَطْف منه على الّذي … قد ذَاب من بَرْح الغَرَام فَمْنْ لَهُ
وأشَدُّ ما يَلْقَاهُ من ألَم الهَوَى … قَوْلُ العَوَاذِل أنَّهُ قد مَلَّهُ
قال العِمَاد (٢): وعَتِب عليَّ ونحنُ بدِمَشْق مُتَجَنِّيًا، وضَنَّ بمُوَاصَلَته مُتَظَنِّيًا؛ فإنَّهُ كان يَسْتَشِيطُ من كُلّ كَلمة فيها قَاع (٣)، حتَّى يَغْضَبَ من ذكْر الفُقّاعَ، فعُمِلَتْ أبياتٌ لا يَخْلُو بَيْتٌ فيها من هذه اللَّفْظَة، في مَعَان حِكَمِيَّةَ ليسَ فيها ذِكْره (d)، وكانت تُنْشَدُ وهو يَغْضَبُ ويَحْرَدُ، ونَسَبَها مَنْ أراد إغْرَاءَهُ بي إليَّ، فعَتَب لأجْل ذلك عليَّ، وكَتَبْتُ إليه: [من المنسرح]
لا أوْحَشَ اللَّهُ منكَ يا عَلَم الدِّ … يْن نَدِيَّ الكِرَام والفُضَلَا
أَعَنْ قِلًى ذا الصُّدُود أم مَلَلٍ … حَاشَى العُلَى مَلَالةٍ وقِلَى
هَلْ حَالةٌ (e) في العُلَى لرَبِّ عُلى … إنْ يَغْتَدي هَاجِرًا لرَبّ عُلَى
стр. 2939
كُنْتَ أخًا إنْ جَفَا الزَّمان وَفَى … أو قَطَعَ الوُدَّ أهْلُهُ وَصَلَا
إنْ أظْلَمَتْ خُطَّةٌ أضَاءَ لها (a) … أو ظَلَمَ الخَطْبُ جَائرًا عَدَلَا
رفيقُ رِفْقٍ لنا إذا عَنفَ الدَّ … هْرُ وخلًّا يُسَددُ الخلَلَا
صَدِيقُ صِدْقٍ ما زال إنْ كذَبَ السُّـ … ــعَاةُ للأصْدِقَاءِ مُحْتَمِلا
فما الّذي كدَّر الصَّفَاء مِنَ الـ … ــوُدِّ ولم يُرْوِ وِرْدُهُ الغُلَلَا
فَضْلُكَ رُوْح العُلَى وهَل بَدَنٌ … من رُوحهِ الدَّهْرَ واجِدٌ بَدَلَا
عَذِّبْ بما شِئْتَ من مُعَاتَبةٍ … أمَّا بهذا الهَجْر المُمضِّ فَلَا
في العُمْر ضِيْقٌ فصُنْهُ مُنْتَهِزًا … في سَعَة الصَّدْر فُرْصَةُ العُقَلَا
أمَا كَفَى نائبُ الزَّمانِ على … تَفْريقِ شَمْل الأُلَّافِ مُشْتَملا
ما بَالنُا ماشَى ما نَرى وإنْ كَرُمُوا … إلَّا منَ الأصْدِقَاء كُلَّ بَلَا
إذِا شُعِفْنا بقُرْب ذِي شَعَفٍ … بقُرْبنا (b) قيل قد نَأىْ وَسَلَا
زهِدْتَ فينا وسَوْفَ تطْلُبُنا … رُبَّ رَخيْصٍ بعدَ الكَسَادِ غَلَا
إنْ كان في طَبْعِكَ المَلَالُ من الشَّـ … ــيء فهَلَّا أقْلَلْتَ (c) ذا المَلَلَا
بعدَ كَمَال الإخاءِ تنقُضُهُ … فَخاذِرِ النّقْصَ بَعْدَما كَمَلَا
كم صَاحبٍ قالَ لي: ألَسْتَ على … بَلَاءِ وُدِّي تُقِيْمُ قُلْتُ بَلَى
كَفَى لخِلِّى بدَيْنِ خُلَّتِهِ … مَجْدِي وفَضْلي ومَحْتَدِي كُفَلَا
وكُلُّ عِلْمٍ لَم يَكْسُ صَاحِبَهُ … حِلْمًا تَرَاهُ عُطْلًا بغَيْر حُلَى
لحفْظِ قَلْب الصَّدِيْق أَجْتَرعُ الصَّـ … ــابَ وأُبْقي لكأسهِ العَسَلَا
إنْ أنْكَرَ الحَقَّ كُنْتُ مُعْتَرفًا … به أوِ اعْوَجَّ كُنْتُ مُعْتَدِلَا
أو قالَ ما قال كُنْتُ مُسْتَمِعًا … إليه بالقَول منهُ مُحْتَفِلَا
стр. 2940
فَضْلُكَ في العَالَميْنَ ليسَ لهُ … مِثْلٌ وقد سَارَ في الوَرَى مَثَلا
فأَوْلِنَا الفَضْلَ يا وَلِيَّ أُولِي الـ … ـــفَضْل ولا تَبْغ حَلَّ عَقْدِ وَلَا
يا عَلَمَ الدِّين أنْتَ عَلَّامَةُ الـ … ــعِلْم الجَليُّ الأوْصَاف وابنُ جَلَا
عَرَّفنيَ العُذْرَ في اجْتِرَاحِكَ ذَنْـ … ــبَ العَبْد (a) واحْضُر مُسْتَحْيِيًا خَجِلَا
وافْصِل جَمِيلًا هذي القَضِيَّة بالـ … ـــعَدْل وخَلِّ التَّفْصِيْلَ والجُمَلَا
واعْذُر جَهُولًا إذا حُسِدْتَ فما … صَار حَسُودًا إلَّا لِمَا جَهِلَا
وجِلْتُ من هَجْركَ المَخُوف فَصِلْ … واجْلُ عن القَلْب ذلكَ الوَجَلَا
وابْخَل بوُدِّي يا سَمْحُ فالسُّمَحَا … ءُ الغُرُّ صُبْرٌ (b) بوُدِّهم بُخَلَا
إنَّ الكِرَام الّذين أعرفُهم … قد أوْضَحُوا لي من عُرْفِهِمْ سُبُلَا
يُسَامحُونَ الصَّدِيْقَ إنْ زَلَّت النَّـ … ــعْلُ ويُغْضُونَ إنْ رَأوا زَلَلَا
وهُمْ خِفَافٌ إلى المَكَارِم لي … لكنَّهُم عن مَكَارِهي ثُقَلَا
فكُنْ مِنَ المُرْتَجى غَنَاؤُهُمُ … في صدْق وُدِّي وحَقِّقِ الأَمَلَا
قال (١): فكَتَبَ إليَّ مُتَعَتِّبًا (c)، ووَصَل مُتَقَرِّبًا: [من المنسرح]
قُلْ لعِمَادِ الدِّين الّذي رَقَمَتْ … أقْلَامُهُ في طُرُوسهِ الحُلَلَا
تَزِيدُ أبْصَارَنا إذا نُشِرَتْ … نُوْرًا فتَجْلُو بحُسْنِها المُقَلَا
فابنُ هِلَالٍ ونَجْلُ مُقْلَةَ لو … رَامَا مَدَاهُ في الخَطِّ ما وَصَلَا
فكُلُّ تَالٍ لها ومُسْتَمِعٍ … يهُزُّ عِطْفًا مِن رَاحها ثَمِلَا
يا بَحْرَ عِلْم عَذْبًا لوَاردِهِ … كَيْفَ أُسَاوِي بفَضْلِهِ (d) وَشَلَا
لكَ اليَرَاعُ الّذي تَفُلُّ بهِ الـ … ــبِيْضَ المَوَاضِي وتَعْزِلُ الأسَلَا
стр. 2941
أوْدَعَهُ اللَّه ذُو الجَلَالِ كما … أرادَ رزْقَ العِبَادِ والأجَلَا
عَمُّكَ عَمَّ الأنَامَ نَائلُهُ … فصَيَّرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَوَلَا
وسَادَ كُلَّ الوَرَى بسُؤْدَدِهِ … وشَادَ مَجْدًا سَامَى بهِ زُحَلَا
مَنْ كُنْتُ قِدْمًا رَبيْبَ نِعْمَتِهِ … نَشْوًا وغُصْنُ الشَّبَابِ ما ذَبَلَا
فلو رَأى حَاتِمٌ مَوَاهِبَهُ … لصَارَ مِن جُوْدِ كفِّهِ خَجِلَا
أرَاهُ مَوْلَاهُ ما أَعَدَّ لهُ … في الخُلْدِ فانْقَادَ للرَّدَى جَذِلَا
وارْتَاحَ للرَّاحَةِ الّتي امْتَزَجَتْ … بالرُّوْح فيها وعَافَ دَارَ بَلَا
حَيَّا الحَيَا قَبْرَهُ وأنْبَتَ ما … علَيهِ مِن رَوْضِهِ الأنيْقَ حُلَى
تَاللَّهِ ما حُلْتُ عن وَلائكُمُ … يَوْمًا ولا اعْتَضْتُ عنْكُمُ بَدَلَا
لكن رأيْتُ الخُمُولَ أَرْوَحَ لي … ممَّا (a) أُعَانِي الخِصَامَ والجَدَلَا
في دَار مَوْلًى تُقِيْمُ لي أبَدًا … جُمُوعَهُ في خُصُومَتِي رُسُلَا
يُشِيرُ إلى قاضِيِ القُضَاة كمال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، فإنَّ الجَمَاعَة كانوا يُدَاعبُونَهُ بحَضْرته، ويَعْضَهُونه (b) بكَلمته.
مَنْ كُنْتُ لَيْثَ الشَّرَى فغَادَرَني … بحَمْلِ أثْقَالِ جَوْرِهِ جَمَلَا
أَرَى نَهِيْقَ الحِمَار يُطْربُهُمْ … ويُنْكِرُونَ الجَوَادَ إنْ صَهَلَا
يُجْحَدُ فَضْلي وكُلُّ ذي أدَبِ … يَمْتَارُ ممَّا أصُوغ مُرْتَجِلَا
مَنْ لي بخِلٍّ تَدُومُ خُلَّتُهُ … ولا أَرَى في خِلَالهِ خَلَلَا
تَرَى ميَاهًا عَيْنْي وبي ظَمَأٌ … وما أُرَوِّي بوِرْدها الغُلَلَا
وهذه قِصَّتي مُخَمَّرةً (c) … نَظَمْتُ تَفْصِيلَهُ (d) له جُمَلَا
стр. 2942
أنْشَدَنا إبْراهيمُ بن سُلَيمان بن النَّجَّار الكاتِبُ الدِّمَشقيّ بها، قال: أنْشَدَني شِهَابُ الدِّين فِتْيَان الشَّاغُورِيّ لنَفْسِهِ، وذَكرَ أنَّهُ أنْشَدها صَفِيّ الدِّين أبا الفَضْل بن القَابِض وكان في مَجْلِسه العَلَم الشَّاتَانِيّ وكان يُنْبَزُ بِقَاع، ويَغْضَبُ إذا ذُكِرت هذه الكَلِمَة بحَضْرته (١): [من الدوبيت]
هَاجتْكَ رُسُومٌ عَفَتْ لزَيْنَبَ بالقَاع … أَمْسَتْ دُرُسًا بَعْدَها مُعَطَّلَةً قَاعْ
لا جَادَ عليها من السَّماءِ مُلِثٌّ … يَنْهَلُّ بمُثْعَنْجِرِ الوَدِيْقَةِ وَقَّاع (a)
إنْ كُنْتَ كَرِيْمًا على الجَمِيْل مُسِفًّا … لم تُمْسِ على هَامَةِ الدَّنَاءَة وقَّاع
فاسْلُك سَنَنَ الفَضْل مَادِحًا لأبي … الفَضْل تكُن عندَهُ ابن شَوْذَب قَعْقَاع (b)
واسْمَع مثلًا هَلْ يُقَاسُ شَارِبُ خَمْر … [في النَّاس] (c) إذا مَا انْتَشَى بشَارب فُقَّاع
قال: فغَضِبَ لذلك واسْتَشَاط غَيْظًا، والأبْيَاتُ أكْثر من ذلك لَم يكُن على خَاطِره غير هذه الخَمْسة منها.
أخْبَرَني مُوَفَّق الدِّين عليّ بن مُحَمَّد البَغْدَاديّ الشَّاعر بسِنْجَار مُذَاكَرَةً، قال: كان البَهَاء السِّنْجَارِيّ في خِدْمَة تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَنْشَاه، فقال له يَوْمًا أُرِيْدُ أنْ أصِيْح على العَلَمِ الشَّاتَانِيّ: قَاع، بحَضْرَة السُّلْطان المَلِك النَّاصِر، وكان الشَّاتَانِيّ يُنْبَزُ بِقَاع، ويَغْضَبُ من ذلك، قال: وكان يَجْلسُ إلى جَانِب المَلِك النَّاصِر في المَجْلِس، ويُظْهر تيْهًا على غيره من الشُّعَراء، فقال له تَقِيّ الدِّين: لا تَفْعَل، فما يُعْجب السُّلْطان هذا، فقال له البَهَاء السِّنْجَارِيّ: بلى ولا أقُول ذلك إلَّا على وَجْهٍ لَطِيْفٍ يُعْجِبُ السُّلْطان، فحَضَر اليَوْم الثَّاني والعَلَم إلى جانب
стр. 2943
السُّلْطان، فوقَف بين يَدَي السُّلْطان فأمَرَهُ بالجُلُوس، فقال: معي خدْمةٌ، فأمَرَهُ بالإنْشَاد، فابْتَدأ وقال: [من السريع]
ما للصَّدى إلَّا لديك انْتِقَاعْ … مَلَّكَكَ اللَّهُ جَمِيْع البِقَاعْ
وذَكَرَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً على هذه القَافِيَة يمدَحُه فيها، قال: فتَبَرَّم العَلَمُ، وجَعَل يَكْظم غَيْظه، والسُّلْطان قد اسْتَغرق في الضَّحك وجَعَل يَسْتَتر في البُرْج (a) المَنْصُوب في الخَيْمَة عن العَلَم، ويَجْتَهدُ أنْ لا يَرَاه، وأهْل المَجْلِس منهم مَنْ خَرَج إلى خارج الخَيْمَة، ومنهم مَنْ جَعَل يَضْحَكُ ويُخْفِي ذلك جُهْدَهُ، فلمَّا فَرَغ من الإنْشَادِ، جَلَس إلى جانب العَلَم وسَكَت سَاعةً، ثمّ الْتَفَتَ إليه وقال له: يا مَوْلَانا عَلَم الدِّين، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا﴾ (١)، يا عَلَم الدِّين، قاع على أيّ شيءٍ انْتَصَبَ؟ فصَاحَ فيه، وقال: على كذَا وكَذَا من عِيَالك، وشَتَمهُ شَتْمًا قَبِيْحًا.
أخْبَرَني عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (٢)، قال: كان العَلَم الشَّاتَانِيّ طَرِيفًا، وكان كَثِيْر المُخَالَطة لكَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، وكان يُدَاعبُه كَمَال الدَّين، فَحَضَر يَومًا عنده وسَبَّ الإسْمَاعيليَّة وكَفَّرَهُمِ وسَخَّفَ آراءَهُم، فسَيَّرَ كَمَال الدِّين رَجُلين من أصْحَابه ليُفَزِّعَاهُ، ونَزَلا عليه ليلًا، وجذَبَا عليه سِكِّيْنَتَيْن، وقالا له: نحنُ قد سَيَّرَنا سِنَانٌ (٣) إليكَ لنَقْتُلَكَ، وهو يَقُولُ لك: وَيْلك كَمْ تَتَجَرَّأ علينا وتَشْتِمُنا وتَتَسَمَّج في حَقِّنا؟ قال: فطَارَ عَقْلُهُ، وجَعَل يتَضَرَّعُ إليهما
стр. 2944
ويَسْألهما أنْ لا يَقْتُلاه ويقُولُ: يُكْذَبُ عليَّ، وما قلتُ شيئًا، ومع هذا فأنا تائبٌ، ولا أعُودُ إلى شيءٍ من ذلك أبدًا، فقالا له بعد الجُهْد: فما يُمْكنُنا أنْ نَمْضي إليه إلَّا بعَلَامَةٍ أَمَرَنا بها ليَعْلَم أنَّنا وَصَلْنا إليك، وقَدَرْنا على قَتْلك، ولا بُدَّ من قُفْلٍ نَقْفِلُهُ على أُنْثَيَيْكَ، فقال لهما العَلمٌ: افْعَلا ما شِئْتُما، ولا تُبْطِئا عليَّ أكْثر من يوْمَيْن، فأخَذَا قُفْلًا وقَفَلَاهُ على أُنْثَيَيْهِ، ومَضَيَا.
فلهَّا أصْبَحَ، أرْسَل كَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ إلى العَلَم يَطْلبُه إليه، فاعْتَذَر عن الحُضُور وكَتَمه أمْره، وقال: قد طَلعَ لي دُمَّلٌ ولا سَبِيل لي إلى المجيّ إليكَ، فأرْسَل إليه: لا بُدَّ من حُضُوركَ، فاعْتَذَرَ، وقال: لا أُطِيْقُ، فأرْسَل إليه مِحَفَّةً، وقال: تَحْضُر في المحَفَّة، فُحمِلَ في مِحَفَّة، وأحْضر عند القَاضِي كَمَال الدِّين وهو على غايةٍ من الألم لأنَّ القُفْل يَنْحَدر على أنْثَييْهِ فيُؤلمُه، وهو بين فَخِذَيهِ لا يُطِيْقُ المَشْي منه، فقال: ما بكَ؟ فقال: دُمَّل، فقال: نَدْعُو لك طَبِيْبًا يَبْصرُكَ، فقال: لا حاجَة لي إليه، فألَحَّ كمال الدِّين عليه في إِحْضَار الطَّبِيْب فصَدَقَهُ الحالَ، وقال: إنَّهُ حَضَر عندي رَجُلان ليلًا وذَكرَ له ما جرَى عليه، فقال له كَمَال الدِّين كالجَاهِل بالقَضِيَّة: ألَم أنْهَكَ وأَقُلْ لك لا تَتعَرَّض لهم ولا تَذْكُرهم بسُوْءٍ؛ فإنَّكَ لا تَأْمَنُ غَائِلَتَهم، ثمّ قال له: فنحنُ نَسْتَدْعي رَئيْسَ البَاطِنِيَّة هَا هُنا ونَسْألهُ في أَمْرك، فقال: افْعَل، فأرْسَل إلى رَجُل من أصْحابهِ وأحْضَرَهُ على أنَّهُ رئيسُ البَاطِنِيَّة، وخَاطَبَهُ في مَعْناهُ، فقال: مِفْتاحُ القُفْل عندي وقد تَرَكَهُ عندي الرَّجُلان ومَضَيَا، فإنْ شَرَطْتَ عليه أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ذِكْرنا بسوءٍ أطْلَقْناهُ، فشَرَطُوا عليه ذلك، وفُتحَ القُفْلُ وأُطْلِقَ. وكانت هذه من مُطَايَبَاتِ كَمَالِ الدِّين له.
سَمِعْتُ القَاضِي نَجْم الدِّين الحَسَن بن عَبْدِ اللَّه بن حَمْزَة بن أبي الحَجَّاج العَدَوِيَّ، قاضي حَلَب يَقُول: كان بدِمَشْق رَجُلٌ يُقال له البَدْر الأُرْمَوِيّ، وكان بينه وبين العَلَم الشَّاتَانِيّ شيءٌ، فحضَرا يَوْمًا ولِيْمَةً عند القَاضِي كَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، وكان
стр. 2945
البَدْر الأُرْمَوِيّ يَجْعَل في كُمِّه قِدْرًا صَغِيرَةً مَرْبُوطة في زَنْده ليَجْعَل فيها طَعَامًا يُزِلّه من الوَلِيْمَة الّتي يَحْضُرها، وكان وَاسِع الأكْمَام، فراقَبَهُ العَلَمُ الشَّاتَانِيّ إلى أنْ وَضَعَ فيها الطَّعَام، ومَلَأها، وغَافَلَهُ وضَرَب القِدْر على كُمِّه فانْكَسَرت، وتبدَّد جميع ما فيها من الطَّعَام وسَال في كُمِّه وامْتَلأ كُمُّهُ به، نجعَل البَدْر الأُرْمَوِيّ يَنْفُضُ كُمَّهُ ويُلوَّث به ثِيَاب النَّاس حتَّى وَصَل من ذلك إلى كَمَال الدِّين وجميع مَنْ في المَجْلِس.
قال لي الفَقِيه عِمَاد الدِّين أبو المجد إسْمَاعِيْل بن بَاطِيْش: ماتَ العَلَمُ الشَّاتَانِيّ في حُدُود سَنَة تسْعين وخَمْسمائَة بالموصِل، وهذا وَهْمٌ؛ والصَّحيحُ ما أنْبَأنَا به أبو الوَحْش عبد الرَّحْمن بن أَبي مَنْصُور بن نَسِيمِ، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن هِبَة اللَّه بن صَصْرَى، قال: بَلَغَني وفَاته -يعني الشَّاتَانِيَّ- في شَهْر شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين، وقد جاوز السَّبْعِيْنَ، وقرأتُ ذلك بخَطِّ الحافِظ أبي المَوَاهِب في مُعْجَم شُيُوخه.
وكَتَبَ إلينا أبو عَبْد اللَّه ابن الدُّبَيْثِيّ (١) من بغداد أنَّ العَلَم الشَّاتَانِيّ تُوفِّي في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، قال: وبَلَغَني أنَّهُ تَغَيَّر في آخر عُمْرِه.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ سُفْيان في آباءِ مَن اسْمُهُ الحَسَن
الحَسَنُ بن سُفْيان بن عَامِر بن عَبْد العَزِيْز بن النُّعْمان بن عَطَاءٍ الشَّيْبَانِيُّ، أبو العبَّاس النَّسَوِيّ البَالُوزِيُّ الحافِظُ (٢)
صَاحِبُ مُسْنَد الحَسَن بن سُفْيان.
حَافِظٌ كَبيرٌ، رَحَلَ رِحْلَةً وَاسِعَة دَخَل فيها الشَّام، وسَمِعَ بحَلَب أبا نُعَيْم