ذِكْرُ زُهَّاد طَرَسُوس
بها رِجَالٌ بَعْضُهم من بَعْضِ … في اللهِ قَاموا بِحُقُوق الفَرْض
فيها يَعِيْشُونَ بكُلّ خَفْضِ … يَحْبُوهُم ببركاتِ الأرْض
يَبْدَون مَنْ يَلْقَون بالتَّسْليم … يَعْفُون عن ذي القُدْرة الظَّلُوْم
نَهارُهُم صَوْمٌ بلا تَعْتِيْم … وَلَيْلُهُم عِبَادَةُ القَيُّوْمِ
فتارةً يَبْكُونَ شجوًا دِررا … خَوْف الحِسَابِ والخَطايا حَذَرا
وتارةً يَعْتَبرُونَ السُّوَرَا … مُسْتَغْفرينَ عَلَّهُ قَد غَفَرَا
وتارةً يَغْزُون أرْضَ الرُّوم … يَرْجُونَ قتلًا في هَوى الكَرِيم
يا لَيْتَني في الأرض كالرَّمِيم … عِنْدَهُمُ فقَصِّري أو لُومي
هذا كان حال مَدِينَة طَرَسُوس والشَّرائع مَحْفُوظة، وأُمُور الجِهادِ مَلْحُوظَة، وأحْوَال البِدَع مَرْفُوْضَة، والجُفُون عن الحُرماتِ مَغْضوضَة، فحين فَسَدَت الأُمُور، وارْتُكِبَ الفُجُور، وقَلَّتِ الخَيْرات، واشْتَغل أهل الجِهادِ باللَّذَّات، طَمعَ العَدُوّ، ومنَعَهُ طلَبُ الثَّأر الهُدُوّ (١)، فقَصَدَ البِلاد، وأكْثرَ الأمْداد، وهَجَمَ حَلَب، وفَتَحَ أَنْطاكِيَّة، وقَتَلَ الأبْطال، وسَبَى الذُّرِّيَّة، ثمّ اسْتَولَى على الدِّيَار، وقَصَدَ طَرَسُوس، وألَحَّ عليها بالحصَار، فجَرى في أمْرهَا العَظِيْم ما ذَكَرَهُ عُثْمان بن عَبْد الله بن إبْرَاهِيْم في مُقدِّمةِ كتابهِ المَوْسُوم بِسِيَرِ الثُّغُور، ونَقَلْتُهُ من خَطِّه مع ما نقلتُهُ من حَوادِث الأُمُور.
قال بعد أنْ حَمَدَ الله على نعَمِهِ الّتي تظاهَرَت فما تُحْصَى، وأيادِيه الَّتي ترادفَتْ فما تُسْتَقْصَى: نَفَذَت سَوَابقُ أقضيَته، في عالِمٍ من بَريَّته، أسْكنَهُم حينًا من الدَّهْر ثَغْرًا بأطْراف الشَّام، نوَّه بهِ وبهم في مَعالِم الإسْلام، متَّعَهم فيه مُدَّةً من المُدَد،
стр. 317
وأعزَّهُ وأعزَّهُم إلى غَايةٍ من الأمَد، ظَاهِرينَ على أعدَائِهم، مُظَفَّرين في قُلُوب إخوانهِم المُسْلِمِيْن، مُعَظَّمين مُبَجَّلين، ضَاقَتْ بهِم أرْض الرُّوم، [وكَثُرَت فيهم منهم الكُلُوم] (a)، تُرَاءَى (١) نِيْرانُهُم، وتُكافَحُ فُرْسَانهُم، إنْ دَنَوا منهُم هلَكُوا، وإنْ أمعنُوا الهَرَب عنهُم أُدْرِكُوا، لا تُحْرزهُم أرْضُهم وإنْ اتَّسَعت، ولا تَحْمِيْهم مَعاقلُهم وإنْ امتَنَعَت، تُعَرَّى بُنُودُهم، وتُهْزمُ حُشُودُهُم، وتُفَلُّ جُنُودُهُم، وتُسْتبَاح حَريمهُم، ويُسْتَأصَل كَرِيمُهم، وتُرَوَّح أفْنِيتُهم، وتُهْدَم أبْنِيَتُهم، وتُشَنُّ الغَارَاتُ فيهم، زِيَادة على مائتي سَنة، حتَّى نَبَغَ من نَقَفُور بن فاردس الفُقَّاس (b) مَنْ صَمَد نَحْوَهم وعندَهم، وأناخ بهِم وقصَدَهم، وأجمَعَ على استئصَالهم، واجْتِياحهِم وبَوارِهم، فغَزَاهُم عامًا بعد عام، ونَازلهُم في عُقْرِ ديارهم؛ يُدَوِّخ أطْرافَهُم، ويَسُوق عَوَامِلَهُم، ويتردَّدُ إلى زُرُوعهم أوانَ اسْتحصَادِهم، فَيَجْتَثُّها ويأتي عليها، وتتَوالى - لأجل ذلك - سَنَواتُ الخَوْفِ والجُوْع ونَقْص الأمْوَال والأنفُس والثَّمَرات (٢)، وضيْق الأسْعَارِ، وتأخُّر المِيَر والأمْدَاد، وفَنَاءِ الحُمَاة مِنَ الرِّجالِ الكُمَاة، وتَلَاشي الشُّجْعَانِ والفُرْسَان، وانْحِلال الأحْوال، واخْتِلال الأبْطالِ، وحُلُول الدَّاءِ الّذي لا دَوَاءَ لَهُ، والعِلَّة الّتي لا يُرْجَى بُرْؤُهَا، وهو نُبُوّ السَّلاطين حينئذٍ عن نُصْرتهم، وتَثَاقلهُم عن إجابةِ مُسْتَصْرخهم، وتَخلُّفهُمْ حين دَهَمَهُم ما دهمَهُم عن مَعُونتهِم.
стр. 318
فالنَّائبُ بمِصْر (١)، وما يُنْسَبُ إليها بَرًّا وبَحْرًا من أقاصي الصَّعِيْدِ إلِى حُدُودِ جُوْسِيَة (٢)، رَاضٍ بمُدَافعة الأيَّام، وسَلَامة الشُّهُور والأعْوَام، من صَوْلةِ مَلِك الغَرْبِ (٣) ومُدَبِّره.
والرَّاتِبُ (٤) المُشَارِ إليه بأرْض العِرَاق، وما يَجْري مَجْرَاها إلى حُدُودِ بَحْر الصِّيْن وبَاب الأبْوابِ، يَتَشَاغَل بأسَاورة دَيْلَمَان وجِيْلَان ومَلك خُرَاسَان في كَفِّ غَرْبِهِ كما قال المُسَاوِر بن هِنْد العَبْسِيّ (٥): [من الكامل]
وَتَشَعَّبُوا شُعَبًا فكُلُّ جَزِيرَةٍ … فيها أَمِيرُ المُؤمِنِين ومِنْبَرُ
فحاق لذلكَ بأهْل الثَّغْر - جَدَّدَهُ اللهُ - من قِرَاع الرُّوم - وَقَمَهُم اللهُ - على وُفُور عَدَدهم، وقُوَّة عُدَدِهم، ووفَاق أجْنَاسِ الكَفَرة إيَّاهُم، ما ثَقُل حَدُّهُ، وعَظُمَ مَرَدُّه، وامْتَنعَ مسَدُّه، بما وصَفْنَا من خُلْفِ سَلاطين الإسْلام وأُمَرائهِ، وتَفَاوت كُلّ منهم في شَتَاتِ آرائهِ، وما خَامر أفئدتَهم من الوَهَل (٦)، ورَانَ على قُلُوبهِم من الرُّعْب والوَجَل، كما سَبَق لهم في عِلْم الله العَزيز ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ (٧).
стр. 319
فقَد حَدَّثَني أبو العبَّاس مُحمَّد بنُ نَصْر بن مُكْرَم، أحَدُ عُدُول بَغْدَاد، في دَرْب الرَّيْحان، أنَّ أحْمد بن بُوَيْه، ﵀، جلَس بمكانٍ أرَانِيْهِ بباب دَاره المُعِزِّيَّة، يعرضُ خَيْلَهُ مُتَنَزِّهًا بالنَّظر إليها، فَقِيْدَ بين يدَيْهِ من دَار الدَّوَابّ إلى ذلك المكان، في مُدَّة أرْبعَة عَشر يومًا مُتَّصلةً، اثنا عَشر ألف فَرَس، أغلاهَا ثَمَنًا بمائة ألف دِرْهَم، وأدْناهَا ثمنًا بعَشرهَ آلاف دِرْهَم، لم يطرَح قَطّ على فَرَسٍ منها سَرْج في سَبيل اللهِ ولا في غير سَبِيْل اللهِ.
وحَدَّثَني أيضًا كَهْلٌ من أهْلٍ أربه (١) يُعْرف بابن الشَّعْرَانيّ، وقد سَألتُه ببَغْدَاد عن مُنْصَرفه، فوَصَف إشْرافًا على قَضِيْم حَمِيْر برَسْم فَنَّاخُسْرُو (a) بن الحَسَن بن بُوَيْه، ﵀، عَدَدُهَا ستّة آلاف حِمَار، قد رتَّبها لخِدْمة الكُرَاع، ينْقل لها القَصِيْل في حينه، والقَضِيْم والعُلُوْفَات في سائر الأوْقاتِ، وسَألتُهُ عن عَدَدِ هذا الكُرَاع الّذي قد رُتِّبَت هذه الحَمِيْر لخدمَتِهِ، فذَكَر أنَّ المُشْرفَ على قَضِيْم جَميع الكُرَاع يَسْتَوفي كُل ليلةٍ قَضِيْمًا لثمانين ألف رأسٍ، من ذلكَ ثَلَاثُونَ ألْف جَمَل، وأربعةٌ وعشرون ألْف بَغْلٍ، وعشرون ألف فَرَس، وستّة آلاف حِمَار.
فهذان رَجْلَان من أمراء الإسْلام، وَصَفْنَا ظَاهِرَ نِعَم الله عليهما، والجِهَادُ مُعَطَّل، والثَّغْرُيَبَاب لا أنيس به، خاوٍ من القُرْآن، خَالٍ من الأذَان (٢): [من الطول]
مَدارس آياتٍ خَلَتْ مِن تلَاوَة … ومَنْزل وَحْيٍ مُقْفِر العَرَصاتِ
فمن قَتِيْل أو جَريح، وعَفير (٣) من أهلهَا طَرِيْح، وهَارب طامِحِ، ومُتَحيِّز إلى وَطَن نازح، ومَفْتُون في دِيْنه، ومَغْلوب على ملْك يمينه، قد اسْتُبِيْحَت مَنَازلهم بجَميْع ما
стр. 320
كانت تَحْوِيْهِ، إلَّا ما نقَلَهُ السَّائر عنها على ظَهْره، بحَسَب قُوَّته إنْ كان ذا طَاقةٍ لشيء من حَمْلهِ، أو على ذي أرْبَعة إنْ كان وَاجِدًا لَهُ، أو أعْوَانِه إنْ وجَد عَوْنًا، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١)، لا يُعَرَّج على سواه، ولا يَعُودُ بَعْدُ إلى مَثْوَاه، بذلكَ سَبَقَ فيهم عِلْمُ اللهِ المَكْنُون، الغَامضُ المَصُون، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢).
وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو في كتابه: وجَرَى من اعْتيادِ الرُّوم طَرَسُوس، ما اقتَضَت الصُّوْرَةُ إخْراجَ وَفْدٍ إلى مِصْر والعِرَاق، يَسْتَصْرخُون ويَطْلبُونَ المَدَد، ورُسم أبو الحَسَن بن الفَيَّاض بوِفَادَة مِصْر، ووَفَد أبو بَكْر بن الأصْبَهَانِيّ الإسْكَاف، وأبو عَليّ بن الأصْبَهَانِيّ، خَلِيفَة القَاضِي العبَّاس بن أحمد الخَوَاتِيْمِيّ على طَرَسُوس، إلى بَغْدَاد (٣)، فنُدِبَ للخُطْبَة أبو صالِح عَبْد الغَفَّار بن الحَرَّانيّ الوَرَّاق عِوَضًا منهُ فقام مقامَهُ، وأقام أبو صالح، عند خُرُوج النَّاس، بطَرَسُوس لِعلَّةٍ مَنَعَتهُ من الحركَة بها تُوُفِّي، وما زال أبو صالح يَخْطبُ مُدَّةَ أيَّامِ مُنازلة نَقَفُور إيَّانَا.
فلمَّا انْتَهينَا إلى الأيَّام الّتي وادَعناهُ فيها للخُرُوج عن طَرَسُوس، اعْتَلَّ أبو صالِح عِلَّةً حالَت بينَهُ وبينَ الصَّلاة، واحْتَاجَ النَّاس في آخر جُمْعَةٍ جَمَّعُوهَا بطَرَسُوس إلى خَطِيب، فَسُئل أبو الحَسَن بن الفَيَّاض الصَّلاةَ، وقد كان عَادَ من مِصْر مُعَذَّرًا لم يَنَل في الوِفَادَة ما تَمَنَّى مَنْ أرْسله لها، فأبَى، وقال: ما أُحبّ أنْ أَكونَ آخر خَطِيب خَطَبَ بطَرَسُوس.
وَحَضَرَت الصَّلاةُ، فَصَلَّى بالنَّاس يَوْمئذٍ أبو ذَرّ؛ رَجُلٌ من أبناءِ طَرَسُوس، شَيْخٌ من أهْل العِلْم؛ كان سافَرَ وغابَ عن طَرَسُوس عدَّة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيَّام، فهو آخرُ مَنْ خَطَب على مِنْبَر طَرَسُوس يوم الجُمُعَة العَاشر من شَعْبان سنَةَ أربعٍ وخمسين وثَلاثِمائة، لأنَّ خُرُوج النَّاس كان عنها في يوم الأرْبَعاءِ النِّصْف من هذا الشَّهْر في هذه السَّنَة.
стр. 321
وأقام المُؤِذّنون في ذلك اليَوم وأخَذُوا في الأذان، فسَهَوا فأقامُوا، فَرُدَّ عليهِم فأذَّنُوا، وقام أبو ذرَّ فخَطَب، فلمَّا أتَى الدُّعَاءُ للسُّلْطَان، خَطَب للمُعْتَضِد، وَرُدَّ عليه، فتَمَّم خُطْبتَهُ ونزَل، فأُقِيمَت الصَّلاة، وكَبَّر، وقَرأ في الرَّكْعَة الأُوْلَى بفاتحة الكتاب، وسُورة والشَّمْس وضُحاها، وفي الرَّكْعَة الثَّانيَة بسُورة الحَمْدِ وسُورَة إذا زُلْزِلَت الأرْضُ زِلْزَالَهَا.
فلمَّا سَلَّم، قامَ أبو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْن بن مُحمَّد الخَوَّاصُ قائمًا في قِبْلَةِ المَسْجِد، واسْتَقْبَل النَّاسَ بوَجْههِ، وقال: يا مَعْشَرَ أهل طَرَسُوس، أَقُول فاسْمَعُوا: هذا المقَامُ الّذي كان يُتْلَى فيهِ كتابُ اللهِ العَظِيم، هذا المقَامُ الّذي كانَتْ تُعْقَدُ فيه المغَازي إلى الرُّوم، هذا المقَامُ الّذي كان يَصْدُر عنْهُ أمْرُ الثُّغُور، هذا المقَام الّذي كانت تُصَلَّى فيه الجُمُعُ والأعْيَادُ، هذا المقَام الّذي يَأوِي إليهِ المَلْهُوفُ بالدَّعَوَات، هذا المقام الّذي يَزْدَحم عليه أهْلُ السَّتْر والسَّدَاد، هذا المقام الّذي كانَ يَفِدُ إلى اللهِ فيهِ الوَافدُونَ، هذا المقامُ الّذي كان يَعْتكفُ فيهِ العَابِدُونَ الزَّاهِدُونَ، وما يَجْرى مَجْرَى هذا الكلام.
وقَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن الفَضْل المَعَرِّيّ (١): أنَّ نَقَفُور لَمَّا صَالَحَ أهل طَرَسُوس، وخَرَجُوا منها، وتسلَّمها، صَعد على مِنْبَرها، وقال: يا مَعْشَرَ الرُّوم، أينَ أنا؟ قالوا: على مِنْبَر طَرَسُوس، فقال: لا؛ بل أنا على مِنْبَر بَيت المَقْدِس، وهذه البَلْدةُ الّتي كانت تَمْنعُكم من بَيت المَقْدِس.
стр. 322
بابُ ما جاءَ في فَضْل طَرَسُوس
قَرَأتُ بِخَطِّ القَاضِي أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الكَرْجِيّ، ونَقَلْتُهُ منهُ: حَدَّثَنا أبو عُمَيْر عَدِيّ بن أحمد بن عَبْد البَاقِي، قال: حَدَّثَنَا عَمِّي أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، قال: حَدَّثنَا يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء أبو زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَني مُحمَّد بن إبرَاهِيْم بن مالِك الصُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَني فَتح بن مُحمَّد بالغوْر، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن عِيسَى العَقَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا نَصْر بن يُونُس، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بن يُونسُ، قال: حَدَّثَنَا السَّرِيّ بن بَزِيعَة (a) عن أبي بَكْر اليَشْكُرِيّ، عن الحَسَن البَصْرِيّ، عن أنَس بن مالِكٍ، قال: خرجَ علينا رسُول الله ﷺ ذات يَوْم ودُمُوْعُه تَقْطُر على لحيَتِه، قال: فقُلنا: بآبائنا وأُمَّهاتنا يا رسُول الله، مَنْ أخوَانُنا هؤلاء الّذين ذكرتَهُم فَرَقَقْت لذِكْرهم؟ قال: قَوْم من أُمَّتِي، يكونُونَ في مَدِينَةٍ تُبْنَى من وراءِ سَيْحَان وجَيْحَان، فمَنْ أدْرَك ذلك الزَّمان، فليأْخُذ بنَصِيْبه منها، فإنَّ شَهيْدَهُم يَعدل شُهَدَاءَ بَدْر، والّذي نَفْسِي بيَده ليَبْعَثَنَّ اللهُ يوم القِيامَة من تلك المَدِينَةِ سَبْعِين ومائةَ ألف شَهِيد يَدْخُلُونَ الجَنَّة بغير حِسَابٍ، وإنَّ الله يَنْظرُ إلى أهْلِ تلك المَدِينَة كُلّ يوم سَبْعِين مَرَّةً، كُلَّما نَظَرَ إليهم ذَرَّ عليهم من بِرِّه وحَنَانهِ، اللهُ أرْفَق بتلك المَدِينَة من الوالدة بولدهَا، يَغْفر اللهُ لأهْلِ تلك المَدِينَة كُلّ يوم عندَ طُلُوع الشَّمْس وعند غُروبها، ولا يَزالونَ على الحقِّ، والحَقّ معهم، حتَّى يكُون آخر الزَّمان عِصَابَة منهم يُحاربُون الدَّجَّال، يَحْشُر الله من تِلك المَدِينَة اثني عَشر ألف زُمْرَةٍ، في كُلِّ زُمْرَة مائة ألف شَهِيد، والشَّهِيْد منهُم يَشْفَعُ في مائة ألفٍ سوي أهل بيته وجيرانه، واسْمُها بالعَرَبيَّةِ: طَرَسُوس، وفي التَّوْراة: أبسوس، وفي الإنْجِيْل: أرسُوس، وهي الصَّارِخَةُ إلى اللهِ
стр. 323
في بَيت المَقْدِس حين أُخْرِبَت، ولها بابان مَفْتُوحان حَوْل العَرش، مَنْ دَخلها من أُمَّتِي غُفِرَ لَهُ ما سَلَفَ من ذَنْبِه، ولم يُكْتَب عليهِ ذَنْبٌ حَادِثٌ، طُوْبَى لِمَنْ حُشِرَ منها من أُمَّتِي، طُوْبَى له.
ونَقَلْتُ من خَطِّه: حَدَّثَني أبو الحَسَن عليّ بن وَهْب الوَرَّاق الرَّمْليّ بطَرابُلُس، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوب العَدْل العَطَّار المَوْصِليّ بالمَوْصِلِ، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بن الهَيْثَم البَلَدِيّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن إبرَاهِيم الحَرَّانيّ، عن قَيْس بن الرَّبيْع، عن ابن أبي لَيْلَى، عن عَبْد الكَريم، عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: سَتُعْمَر مَدِينَة بين سَيْحَان وجَيْحَان تُسَمّى المَنْصُورة، مَنْ دَخَلها من أُمَّتِي دَخَلَها برَحْمة، ومَنْ خَرَجَ عنها رَغْبَةً عنها خرجَ بسَخْطة، يُبْنى مَسْجِدُهَا على رَوْضَةٍ من رياض الجَنَّة، يُدْعَى مَسْجِد النُّور، الصَّلاةُ فيهِ بألفَي صَلاةٍ، النَّائم فيها كالصَّائم القائم في غيرها، المُنْفق فيها على عِيَالهِ الدِّرْهَم بسَبْعمائة، طُوْبَى للمُجَاهِدين فيها، وطُوْبَى لِمَنْ حُشِرَ منها، المَيِّت فيها شَهِيْد، وشَهِيْدُها يَعدلُ عشرةً من شُهَدَاءِ البَحْر.
وقال أبو عَمْرو القَاضِي فيما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: حَدَّثَنا أبو هاشِم عَبد الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد السُّلَمِيّ، قال: حَدَّثنا أبو يَعْقُوب الأذْرَعِيّ، قال: حدَّثَنَا أبو العبَّاس عَبْدُ الله بن عُبَيْد الله السُّلَيْمَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَبَّاد، قال: حَدَّثَنَا إبرَاهِيم بن صَدَقَة الجُهَنِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن المُبارَك، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن مَوْدُود الهَجَرِيّ، عن بُرْد بن سِنَان، عن وَهْب بن مُنَبِّه، قال: لا تَذْهب الأيَّام حتَّى تُبْنَى مَدِينَةٌ من وراء سَيْحَان وجَيْحَان، قريبةٌ من العَدُوّ غير بعيدَة، تُخيفُ العَدُوّ من وَجْهين: من بَرٍّ ومن بَحْرٍ، يَنْظُر اللهُ إليهم في كُلِّ يوم سَبْعِين مَرَّةً، كُلَّما نَظَرَ إليهم ذَرَّ عليهم من بِرِّهِ وحَنَانهِ، الله أَرْوَفُ بأهْلِ تلك المَدِينَةِ من الوالدة الشَّفِيْقَة بوَلدها، يَغْفِرُ اللهُ لهم في كُلِّ يَوْم مَرَّتين عند طُلُوع الشَّمْس وعند
стр. 324
غُرُوبها، يَحْشُر اللهُ منها يومَ القِيامَة اثني عَشر ألف زُمْرَةِ، في كُلِّ زُمْرَة مائة ألف شهيد، لا يزالونَ على الحَقِّ، والحَقّ معَهُم، آخر عِصَابةٍ منْهُم تُقَاتل الدَّجَّال.
قال ابن مُنَبِّه: يا طُوْبَى لأهْلِ تلك المَدِينَة؛ هُم أولياءُ اللهِ وأحبَّاؤه.
ومن خَطِّه أيضًا: حدَّثَنَا عَدِيّ بن أحمَد بن عَبْد البَاقِي أبو عُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا عَمِّي يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي أبو القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن بَحْر، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بنِ هِشَامٍ الفَيُّومِيّ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن مَوْدُود، قال: سَمِعْتُ وَهْبَ بن مُنَبِّه يقول: تُبْنَى مَدِينَةٌ من وراءِ نَهْرٍ من أَنْهار الجَنَّة، يَنْظُرُ اللهُ في كُلِّ يَوم إلى تلكَ المَدِينَة سَبْعِين مرَّةً، يدرُّ عليهم من بِرِّهِ وحَنَانهِ، وهو أَرْوَفُ بهم من الوالدة بوَلدهَا.
قال سَعيدُ بن هِشَام: سَمِعْتُ هِشَام في مَوْدُود يقول: هي طَرَسُوس.
ونَقَلْتُ من خَطِّه: حَدَّثَنَا أبو عُمَيْر عَديّ بن أحْمَد الأَذَنِيّ بطَرَسُوس، إملاءً في داره يَوْم السَّبْت غُرَّة ذي القَعْدَة سنة ستٍّ وثلاثين وثَلاثِمائة، حَدَّثَنَا عَمِّي أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، حَدَّثَني أبو القَاسِم يُوسُف بن بَحْر السَّاحِلِيّ، قال: حَدَّثَنَا جُنَادَة بن مَرْوَان بن الحَكَم الأزْدِيّ، قال: حَدَّثَني الهَيثَم بن حُمَيْد الكِنْدِيّ، عن الحَكَم بن عَمْرو الرُّعَيْنِيّ، عن كَعْب الأحْبَار، قال: إنَّ طَرَسُوس خَرَجَت إلى رَبِّها من وَحْشَتها، وبَكَت إليه من خَرَابها، فأَوْحَى اللهُ إليها: أيَّتُها الصَّارِخَةُ إليَّ، أنا أذنْتُ لخَرابكِ، وأَذنْتُ لعُمْرَانكِ، وأُنْزل عليكِ من بركاتِ سَمَائي، لأُطَهِّرَكِ من دنَس الأرْجاس الأَنْجاس، ثمّ أَعْمُركِ بخَيْر أُمَّةٍ أُخْرجَت للنَّاس؛ يأمرون بالمَعْرُوف، وينهونَ عن المُنْكَر، وأضَعُ فيك معَهُم تَوْرَاةً مُحْدَثَةً وخُدُودًا سُجُودًا، يَدِفُّونَ (١) إليك دَفِيْفَ النُّسُور إلى أوْكارها، ويَحنُّون إليك حَنِينَ الحَمَامَة إلى فِرَاخِها.
أخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الفَقِيه، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بنُ أبي مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، ح.
стр. 325
وأنْبَأنا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحمَّد بن عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحمد، قال: حدَّثنا تَمَّامَ بن مُحمَّد، قال: أخْبَرنَا أبو الحَارِث بن عُمَارَة، قال: حَدَّثَنَا أبي - وهو: مُحمَّد بن عُمَارَة بن أبي الخَطَّاب اللَّيْثِيّ - قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن أحمد بن إبرَاهِيم، عن هِشَام بن خَالِد، عن الوَلِيد بن مُسْلِم، عن رَجُلٍ، عن مَكْحُول، عن كَعْبٍ، قال: بطَرَسُوس من قُبُور الأنْبِياءِ عَشَرة.
أخْبَرَنَا أبو الفُتُوح الحُصْرِيّ، وأبو مُحمَّد عَبْد القَادِر الرُّهَاوِيّ في كتابَيْهما، قالا: أخْبَرَنَا أبو الخيَرْ القَزْوِيْنِيّ، قال: أخْبَرَنَا زَاهِر بن طَاهِر، قال: أخْبَرنَا أَبَوَا عُثْمان الصَّابُونِيّ والبَحِيْرِيّ، وأبَوَا بَكْر البَيْهَقِيّ والحِيْرِيّ، إجَازَةً منهُم، قالوا: أخْبَرَنَا الحاكِمُ أبو عَبْدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل الحَسَنَ بن يَعْقُوب العَدْلَ يقُول: سَمِعْتُ حَمْشَ التُّرَيْكِيَّ الزَّاهِدَ يَقُول: سَمِعْتُ أحْمدَ بن حَرْبٍ يقُول: المَقام بطَرَسُوس في وَقْتِنا هذا أحبّ إليَّ من الجِوَار بمَكَّة.
وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو القَاضِي في كتابه: حَدَّثَنَا أبو هَاشِم السُّلمِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوب الأذْرَعِيّ، قال: حدَّثنَا أبو العبَّاس عَبْد الله بن عُبَيْد اللهِ السُّلَيْمَانِيّ، قال: سَمِعْتُ يُوسُفَ بن عَبْد اللهِ الهَاشِميّ، يقُول: قال عَبْدُ الله بن المُبارَك: تَكْبيرةٌ على حائط طَرَسُوس، تَعْدِل فَرَسًا في سَبيلِ اللهِ، ومَنْ حَمَلَ على فَرَسٍ في سَبِيل الله، حَمَلهُ اللهُ على نَاقةٍ من نُوْق الجَنَّة.
قُلْتُ: وكان ابن المُبارَك قد قَدِمَ طَرَسُوس، فأقام بها وبالمِصِّيْصَة غَازِيًا سِنِين عِدَّة، فقال له أبو إسْحَاق الفَزَارِيّ، ما أخْبَرَنَا بهِ القَاضِي أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحمَّد إذْنًا، قال: كَتَبَ إلينا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبَوَا بَكْر أحمد البَيْهَقِيّ ومُحمَّد الحِيْرِيّ، وأبَوَا عُثْمان إسْمَاعِيْل
стр. 326
الصَّابُونِيّ وسعيد البَحِيْرِيّ إجَازَةً منهم، قالوا: أخْبَرَنَا الحاكِم أبو عَبْد الله مُحمَّد بن عَبْد الله، قال: أخْبرني مُحمَّد بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن المُنْذِر، قال: حَدَّثَني مُحمَّد بن الوَلِيد، قال: حَدَّثني أبو عِمْرَان الطَّرَسُوسِيّ، قال: سَمِعْتُ عبد الله بن مُحمَّد بن رَبِيْعَة المِصِّيْصِيّ يَقُول: حَضَرتُ أبا إسْحَاقَ الفَزَارِيَّ وابن المُبارَك، قال أبو إسْحَاق الفَزَاريّ لابن المُبارَك: يا أبا عَبْد الرَّحْمن، تركتَ ثُغُور خُرَاسَان: الوَاشَجِرْد وقَزْوِين وقد قال اللهُ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (١)، فقال: يا أبا إسْحَاق، وَجَدْتُ آيةً أَوْكَدَ من هذه، قال اللهُ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٢)، قال: ثمّ قال: هؤلاءِ يُقَاتلونَ على دُنْيانَا، يعني: التُّرْك والدَّيْلَم، وهؤلاء يحارِبُونا على دِيْننا، يَعْني: الرُّوم، فأَيُّما أوْلَى: الذَّبّ عن دِيْننا أو عن دُنْيانَا؟ قال: لا؛ بل عن دِيْنِنَا، لا، بل عن دِيْنِنا.
وقال الحاكِم أبو عَبْد اللهِ: حَدَّثَني أبو أحْمَد بن أبي الحُسَيْن، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بنُ الفَيْضِ الدِّمَشْقِيّ، قال: حَدَّثَنَا المُسَيَّبُ بن وَاضِح، قال: أنْشَدَنا عَبْد الله بن المُبارَك ﵀: [من البسيط]
إنِّي أُشِيْرُ على العُزَّاب إنْ قَبلُوا … بأنْ يَكُون لهم مَثْوى بطَرَسُوس
الدَّار واسِعَة بالأهْلِ رافقةٌ … غيْظ العَدُوّ وأجْرٌ غَيْر مَحْسُوس
قَوْم إذا نَابَهُم في الحَرْب نَائِبَةُ … حَلُّوا الرِّبَاط فَلَم يُلْوُوا على كُوس
قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن سَعيد بن الشَّفَق، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن أحمد أبو الطَّيِّب، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن مُحمَّد بن نُوح، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بن عَبْد الرَّحْمن، عن أبيهِ، قال: قال ابن المُبارَك: رأيتُ النَّبِيّ صَلَّى
стр. 327
اللهُ عليه وسَلَّم في المنامِ وَاضِعًا يَده على سُور طَرَسُوس، قال: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فيها وفي أهلها.
ومن خَطِّه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّار بن عَبْد الصَّمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوب الأذْرَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس عَبْدُ الله بن عُبَيْدِ الله السُّلَيْمَانِيّ، قال: سَمْعْتُ أبا الطَّيِّب يقُول: حَدَّثَني بعضُ إخواني قال: قال ابنُ المُبارَك: رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ في المَنَام، وهو وَاضعٌ يَدَهُ على حائطِ طَرَسُوس، وهو يَقُول: اللَّهُمَّ اخْلفْني على مَنْ فيها.
وقَرَأتُ بِخَطِّه أيضًا: حَدَّثَني مُحمَّد بن أحمد أبو نَصْر بن الحَمَّال، قال: سَمِعْتُ أحمد بن مُضَر؛ وهو أَبُو أبي العبَّاس بن مُضَر مُحمَّد بن أحمد يقول: كُنَّا نَسْمَعُ شُيُوخَ الثَّغر قديمًا يَقُولُونَ: لم يَسْكن طَرَسُوس فيما مضَى من الدُّهُور والأَزْمِنَة، في الكُفْر والإسْلام، إلَّا أَوْطَأ أهل زَمانِهِم، حتَّى أنَّ قَوْمًا من اليُونَانِيَّةِ سَكَنُوها، فكانوا أهْلَ سَدادٍ وصَلَاحٍ.
ونَقَلْتُ من خَطِّه: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن سَعيد بن الشَّفَق البَغْدادِيّ بطَرَسُوس سنةَ خمسٍ وأربعينَ وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبو الطَّيِّب مُحمَّد بن أحمد البَغْدادِيّ بطَرَسُوس سَنَة إحْدَى وتِسْعِين ومائتَين، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَضْل جَعْفَرُ بن مُحمَّد بن نُوحٍ، قال: سَمِعْتُ مُحمَّد بن عِيسَى، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى ابن المبُارَك فقال: يا أبا عَبْد الرَّحْمن، أُريدُ أنْ أَسْكن الثَّغْر، قال: اسْكن أَنْطاكِيَة، قال: أُريدُ أنْ أتَقَدَّمَ، قال: أَذَنَةَ، قال: أريدُ أنْ أتقَدَّمَ، قال: أتُريد أنْ تكونَ في الطَّلائِع فَعَليك بطَرَسُوس.
стр. 328
بابٌ في ذِكْرِ حُصُون مَذْكُورَة مُجاورَة لطَرَسُوس والمِصِّيْصَة وأَنْطاكِيَة، كانت مُضافة إلى هذه المُدُن
وهي من الثُّغُور الشَّامِيَّة الّتي يَفْصِل جَبَل اللُّكَام بينها وبين الثُّغُور الجَزَرِيَّة، نَذْكُرُها عَقِيبَ ذِكْر طَرَسُوس لأنَّها الآن في أيْدِي الكُفَّار، خَذَلَهُم اللهُ، وأعادَها إلى أيدي المُسْلِمِيْن. فمنها:
ذِكْرُ أقْلِيْقية (١)
وهي مَدِينَةٌ بين المِصِّيْصَة وأَذَنَة؛ دَاثِرَةٌ.
قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن جَعْفَر بن عُقْبَة الأَعرَابيَّ، صَاحبَ الجَيْش بطَرَسُوس، سنةَ خمسٍ وثلاثين وثَلاثِمائة، قال: سَمِعْتُ أبي جَعْفَر بن عُقْبَة ﵀ يقُول: كان شُيُوخُنا يقُولون: إنَّ أوَّل مَدِينَةٍ عُرِفَتْ في إقليم الثَّغْر أَزَلِيَّة قبل الإسْلام مَدِينَة أقْلِيْقية، وإليها يَنْسُب عُلَماءُ الرُّوم الثَّغْر فيقُول: بَنْد أقْلِيْقية.
قال لنا أبو الحَسَن بن الأَعْرَابيّ: وقد بَقِي أثرُ هذه المَدِينَةِ دِمْنَة فيها آثارُ أبْنِيَة قَدِيْمَة، وهي عن يَمِين السَّالكِ من المِصِّيْصَة إلى أَذَنَة، بينها وبين أَذَنَة نحو مِيْلَين.
стр. 329
ذِكْرُ حِصْن ثَابِت بن نَصْر (١) وهو كَان (a) المَشْهُور قبل الثُّغُور وبنائها
قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو القَاضِي: حَدَّثَني مُحمَّد بن أحمد الزّمام، قال: سَمِعْتُ عَبْد الله بن كلُرْت يقُول: ما زال أوَّلُونا يقُولُونَ: لم يُعْرَفِ الجِهَادُ فيما مَضَى في شيءٍ من أرْض الثُّغُور - يعني: طَرَسُوس، وأذَنَةَ، وعَيْن زُرْبَة - إنَّما كان حِصْن ثَابِت بن نَصْر بمَدِينَة المِصِّيْصَة في آخر أيَّام بَني أُمَيَّة، وأوَّل أيَّام بني العبَّاس، يَخْرجُ منه أرْبعمائة فَارِس صُلَحَاءُ، إذا أَقْلَبُوا (b) حَوَافِر خُيُولهم لتُنْعَلَ للغَزْوِ، قَلَبُوا بذلك قُلُوبَ بَطَارِقَةِ قُسْطَنْطِينيَّة خَوْفًا منهم وجَزَعًا.
قال: وقد غَزَا مُحمَّد بن عَبْد اللهِ أَمِير المُؤمِنِين المَهْدِيّ، ﵀، فلم تك هناكَ طَرَسُوس ولا أَذَنَة ولا عَيْن زُرْبَة، وإنَّما كان هذا الحِصْن لا غير.
وقَرَأتُ بِخَطِّه أيضًا حَدَّثَني أبو الحَسَن العَدْل عليّ بن الحُسَيْن الحَذَّاء، وأبو بَكْر غَانِم بن يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، قالا: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي،
стр. 330
قال: كان حِصْن ثَابِت بن نَصْر مُشَحَّنًا بالأبْدَالِ يُجَاهِدُونَ الرُّوم، منهم يُوسُف بن أسْبَاط صَاحب سُفْيان الثَّوْرِيّ، كان أدْمَنَ الصَّوْمَ بهِ فَتَوَسْوَس.
وقَرَأتُ بِخَطِّه: حَدَّثَني عليّ بن إسْحَاق صَاحب العَرْض، قال: سَمِعْتُ أبا العبَّاس بن عُبْدُوس يقول: كان ابتداءُ أمْرِ الثَّغْر، وحُصُوْل المُسْلِمِيْن به، أنَّ نَفَرًا صَالحينَ سكنُوا حِصْنَ ثَابِت بن نَصْر بالمِصِّيْصَة كثُرت غَزَواتُهُم، وتَشَمَّر الرُّوم منهم لشِدَّةِ بأْسِهم، وعِظَم نكايتهم فيهم، منهم: يُوسُف بن أسْبَاط، وعليّ بن بَكَّار، وبعْدَهم: إِبْرَاهِيْم بن أدْهَم، وعَبْدُ الله بن المُبارَكِ، وأبو مُعاوِيَة الأَسْوَد وطَبقاتهم، وَقْتًا بعد وقت منْ لا يُحْصَى عَدَدًا، إلى أنْ شُحِنَت طَرَسُوس؛ كُلّهُم أهل فَضْلٍ وجِهَادٍ.
قُلتُ: وهذا ثَابِت بن نَصْر الّذي نُسِبَ هذا الحِصْنُ إليهِ، هو ثَابِت بن نَصْر بن مَالِك بن الهَيْثَم بن عَوْف الخُزَاعِيّ، أَخو أحمد بن نَصْر الشَّهِيْد (١)، وكان فيه دِيْنٌ، وله حُسْن أثر في جِهَاد الرُّوم، ووَلِي الثُّغُور الشَّامِيَّة، وَسَنَذْكُر حَاله ونَسبَهُ في تَرْجَمَتِهِ (٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
стр. 331
ذِكْرُ حِصْن عُجَيْف
وهذا الحِصْنُ يُنْسَبُ إلى عُجَيْف بن عَنْبَسَة من أكابر القُوَّاد، ومَنْ له بأْسٌ ونَجْدةٌ في الجِهَادِ، وكان من قُوَّاد المأْمُون، ودَخلَ معه إلى بلادِ الرُّوم، وَسَنَذْكُره (١) إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى.
قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ في ذِكْر حُصُون طَرَسُوس: ذِكْرُ حِصْن عُجَيْف وأبْرجَته، رَسْم هذا الحِصْن: أميرٌ، وأرْبعةُ فُرْسَانٍ، وثلاثةُ حُرّاس، وثلاثة رَجَّالة، وخَطِيب. رِزْق الأَمِير عشرة دنانير، ورَسْم كُلِّ فَارِس دِيْناران، والرّجَّالَة والحَرَس دِيْنار دِيْنار، والخَطِيب دِيْناران.
بُرْج الوَصِيْفِيّ: ثمانية رِجَال، للرَّئيس دِيْنار وسُدُس، وللرَّجَّالَة دِيْنار دِيْنار.
بُرْج المنشا: ستَّة نَفَرٍ، رئيس بدِيْنارٍ وسُدُس، ولكُلِّ رَاجِل دِيْنار.
بُرْج المَقْطَع: خَمْسَة عَشر رَجُلًا، الرَّئيس دِيْنار وسُدُس، ولكُلِّ رَاجل دِيْنار.
بُرْج الجَزيرِيّ: سبعَة نَفَرٍ، الرَّئيس بدِيْنار وسُدُس، ولكُلِّ رَاجِل دِيْنار.
стр. 332
ذِكْرُ حِصْنُ شَاكِر
وهو قريبٌ من طَرَسُوس، يُنْسَبُ هذا الحِصْن إلى شَاكِر بن عَبْد اللهِ أبي الحَسَن المِصِّيْصِيّ، وكان من الغُزَاة المذكُورين، والمُحَدِّثِيْن المَشْهُورين، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ في بابه (١) إنْ شَاءَ اللهُ.
ذِكْرُ حِصْن الجَوْزَات (٢)
وبينَهُ وبين طَرَسُوس ثمانية فَرَاسِخ، وهو بين البَذَنْدُونَ (٣) وطَرَسُوس، وبينه وبين البَذَنْدُون اثنا عَشر مِيْلًا، وهو حِصْن مَذْكُور، مَوْصُوف بالقُوَّة.
وَقَفْتُ على فَصْلٍ في ذِكْره بخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ في سِيَرِ الثُّغُور، فنَقَلْتُهُ على حالهِ وصُورته: رَسْم هذا الحِصْن: أميرٌ، وخَلِيفَةٌ ينوب عنْهُ، وخَطِيب، وقَيِّم للدَّار، وصَاحب الحَمَّام، وكاتب، وَمِطْرَديان، وبُوْقِيٌّ، وبَوَّابٌ.
стр. 333
ذِكْرُ حِصْن الجَوْزَات
وفي جَبَل هذا الحِصْن شَجَر جَوْز مُثْمر، مسافَتُه ثلاثة أمْيَال في عَرْض مِيْل، فإذا حَان إدْراكُه، خَرَجَ وَالي الجَوْزات وَجَميع رَجَّالته، إلَّا مَنْ يَضْبطُ الحِصْن من الثِّقات، فينفضُون الجَوْز أيَّامًا، وضَمَّ كُلّ واحدٍ ما نَفَضَه، وَعَدَّ بالإحْصاء ما حصل، فَدفعَ إلى الوالي من كُلِّ عَشرة آلاف جَوْزَة ألف جَوزة، وأمْسَك لنفسه تسْعَة آلاف، فيَجْتَمع للوَالي - أعْني: والي الجَوْازَات - من ذلك خَمْسمائة ألف جَوزَة وأكثر، وممَّا يَنْمَحِقُ من ذلك بالمُسَامحة فيه عند ضَمِّه مَعَ ما تَعَذَّر نَفْضُه، لبُعْدِ فرُوع أشجاره، وتَعَذُّر وُصُول النَّاسِ إليهِ، أكثر ممَّا وَصَفْت، فتَمْتَلئ بُيوت الجَوْزَانيِّينَ كُلّهم من الجَوْز؛ يَرْتَفِقُونَ به مُدَّة أيَّام الشِّتَاءِ، ويتَهادوْنَهُ إلى طَرَسُوس، إلى ذِي مودَّاتِهم وقَرَاباتِهِم.
وفي فَضَاءٍ من عَمَل الجَوْزَاتِ مَنْبِت للأُشْنَانِ (١) الزِّبَطْريّ، فإذا تناهَى إدْراكه ضَمُّوه، وارْتَفَقُوا بهِ من هَدِيَّةٍ وبَيْعٍ واسْتعمال.
وفي هذا الجَبَل أشْجار مَخْصُوصَة بأوْكَار البُزَاةِ يَعْتادُهَا قَوْم من الجَوْزَانيِّيِن، فإذا فرَّخَ في وَكْره، تعهَّدَهُ الطَّالبُ له بالتَّفَقُّد وتردَّد إليه، حتَّى إذا صَلَح، تَلَطَّف بحيْلَةٍ في نَقْل الفِرَاخ، ودَبَّر تَربيتها، وتكلَّف حملَها إلى طَرَسُوس، وربَّما بيْعَ الواحد بمائةٍ وخَمْسين دِرْهمًا، فيَسْتَحيل إلى الفَرَاهَةِ إذا عُلِّم وضُرِّي، فبلَغ خَمْسمائة دِرْهَم وأكثر.
стр. 334
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبهِ تَوفِيْقِي
وفي جَبَلها أيضًا عَقَّار يُعْرَفُ بالغَارِيْقُون (١) يُحْمَلُ منه إلى أكْثَر الأقالِيْمِ.
حَدَّثَني أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن أبي مَرْوَان المَعْدَانِيّ، وهو الأفْطَسُ، وهو ممَّن رَابَط وجَاهَدَ في حِصْن الجَوْزات ثلاثين سنةً، أنَّهم أُخْرِجُوا في فَاثُور (٢)، فوجَدَ أحَدُهُم شيئًا من الغَارِيْقُون، فرفعَه في مِئْزَر معَهُ، ثمّ وجَدُوا ماءً يَنْبُع من عَيْن، فعرَّسُوا عليها، وأخْرجُوا زَادَهُم، ورفعُوا الغَارِيْقُون من المِئْزَر في مِزْوَد معٍ أحَدِهِ، وبَلُّوا كَعْكًا معَهُم بذلك بالماء البارد، ولَفُّوه في المِئْزَر، وسَار ثلاثةٌ أو أربعةٌ منهم يَتَجَسَّسُونَ مكانهم لئلَّا يُعْلَم بمكانهم، فتَناول صاحبُهُم شيئًا من الكَعْكِ المَبْلُولِ، فنالَ منه، وأبْطَأَ أُولئك، فعَمِل الغَارِيْقُون المُلْتَصِق بالمِئْزَر في طَبعْ الرَّجُل، وتَرَدَّد (٣) واخْتَلَف، فَوافاه أصْحَابُهُ وقد تَرَدَّد نحو مائتي طَرِيقٍ، وحِيْلَ بينَهُ وبين القُوَّة والحَرَكَة، فرأوا أنْ قَطَعُوا دَهْقَين (٤)، وجَعلوا صاحبَهُم في عَبَاءٍ، وحَمَلُوه بينَهُم إلى الجَوْزَاتِ، فعُوْلِج وعُوفِي، فباعَ ما كان معَهُ من الغَارِيْقُون بجُمْلَةٍ جَامِلَةٍ.
وَمَا وَطِئ هذا الحِصْنَ منذ ملكَه المُسلِمُونَ وشَيَّدُوه إمْرَاةٌ، ولا أُطْلقَ لأحَدٍ أنْ يَدْخُل بغُلامٍ أمْرَد، إلى أنْ أُخْرج عنها المُسلِمُونَ، وإنَّما يُخْتار لها أهل القُوَّة والبَأْس، ومَنْ يُعاني أعْمَال السِّلَاح المُخْتلفَة كالثِّقَاف بالسَّيْف والرُّمْح، والرَّمي عن القِسِيّ الفَارِسيَّةِ، وقِسِيِّ الرِّجْل، من أبْنَاءِ أرْبَعين وما زاد وما نقَصَ، فإذا حضَر الغَزْوُ فقد رُسِمَ الجَوْزَانيُّونَ يومًا في سَاقة عَسْكَرِ
стр. 335
المُسْلِمِيْن، ويومًا في مُقَدِّمته بأحْسَنِ الزَّي، وأَجْمَلِ الأحْوالِ، وأكمل العُدَّة، شَامةً في النَّاس.
ذِكْرُ تلّ جُبَيْر (١)
وهو من عَوَادِل الثُّغُور الشَّامِيَّة على ما ذكَرهُ أحمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في كتابهِ، وقال: ومن طَرَسُوس إلى تلَّ جُبَيْر اثنا عَشر مِيْلًا.
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، تأليفُ أحمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (٢)، فيما نَقَلَهُ عن أشْيَاخ الثَّغْر، قالوا: وتلّ جُبَيْر نُسِبَ إلى رَجُلٍ من فُرْسِ أَنْطاكِيَة، كانت لهُ عندَهُ وَقْعَةٌ، وهو من طَرَسُوس على أقلِّ من عَشرة أمْيَال.
ذِكْرُ حِصْن أُوْلاس (٣) ويُقالُ لهُ: حِصْن الزُّهَّاد
وهو على ساحل البَحْر، ومنهُ أبو الحَارِث فَيْض بن الخَضِر بن أحمد التَّمِيْمِيّ الأُوْلاسيّ، أحَدُ الأوْلِيَاءِ المَشْهُورين، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ في بابها (٤) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
стр. 336
وقال أبو زَيْد أحمد بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن وما تَشْتمل عليهِ (١): وأُوْلاسُ حِصْنٌ (a) على سَاحل البَحْر، بها قَوْمٌ مُتَعَبِّدُون، وهو آخِرُ ما على بَحْر الرُّوم من العِمَارَة للمُسْلِمينَ.
ذِكرُ الهَارُوْنِيَّة (٢)
قال أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابهِ (٣): والهَارُوْنيَّة غَرْبِيّ جَبَل اللُّكَام في بعض شِعَابِهِ (b)، وهو حِصْنٌ صغِيرٌ، بناها هارُون الرَّشِيد، فَنُّسِبَتْ إليهِ.
وقال أحمد بن الطَّيِّب في المَسَالِك والمَمَالِك: ومن عَوَادِل الثُّغُور الشَّامِيَّة: الهَارُوْنِيَّة، كَنِيْسَة السَّوداء، تلّ جُبَيْر.
стр. 337
وذكَر أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، قال (١): والثُّغور الشَّاميَّة: مَدِينَة عَيْن زُربَة، والهَارُوْنِيَّة، والكَنِيسَة المُحتَرِقة.
قال: وبَنَى الهَارُوْنِيَّة الرَّشِيد في أيَّام المَهْدِيّ، وهو وَلِّي عَهْد.
قال البَلاذُرِيّ (٢): ثمّ لَمّا كانت سَنة ثلاثٍ وثَمانين ومائة أمَرَ - يعني الرَّشِيد - ببناء الهَارُوْنِيَّة، فبُنِيت وشُحِنَت أيضًا بالمُقَاتِلَة ومَنْ نَزَع (a) إليها من المُطَّوِّعَة، ونُسِبَت إليه، ويقال إنَّه بناها في خِلافة المَهْدِيّ، رحمة الله عليه، ثمّ أُتِمَّت في خِلَافَته.
ذِكْرُ الإسْكَنْدَرُونَة (٣)
وهو حِصْنٌ بَنَتهُ أُمّ جَعْفَر زُبَيْدَة بنت جَعْفَر بن المَنْصُور أُمّ الأَمِيْن، وجَدَّدَ بناءه أحمد بن أبي دُؤَاد، وهو على سَاحِل البَحْر.
стр. 338
قال ابن وَاضِح الكَاتِب (١): تَهْبط من جَبَل اللُّكَام إلى مَدِينَة على سَاحِل البَحْر الأخْضَر يُقالُ لها الإسْكَنْدَ [رُونَة] (a)، بناها ابن أبي دُؤَاد الإيَادِيّ في خِلَافَة الوَاثِق.
وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ (٢): والإسْكَنْدَرُونَة (b) حِصْن على سَاحِل البَحْر للرُّوم (c)، وهي صَغِيرةٌ بها نَخيل.
وقال أبو عَمرو (d) القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في مُزْدَوَجَته: [من الرجز]
الإسْكَندرونَ (e) حِصْنُ أُمّ جَعْفَر … وَرَدْتُ يَومَ الجُمُعَة المُطَهَّرِ
كم من شَهيدٍ عنْدَهم في المَقبَرِ … ومن خَبَايا من طِيَابِ الثَّمَر
وفَسَّرَهُ بأنْ قال: بَنَتْهُ أُمّ جَعْفَر يعني: زُبَيْدَة.
قال البَلاذُرِيّ قي كأب البُلْدان (٣): وكانت الإسْكَنْدَرُونَة (f) له - يعني لمَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك - ثمّ صارَت لرَجَاء مَوْلَى المَهْدِيّ إقْطَاعًا، فَورَثَهُ مَنْصُورُ وإبْرَاهِيمُ ابْنَا المَهْدِيّ، ثمّ صارَتْ لإبْرَاهِيم بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، ثمّ لأحمد بن أبي دُؤَاد الإيَادِيّ ابْتِيَاعًا، ثمّ انْتَقَل ملكُها إلى المُتَوكِّل على اللّه.
стр. 339
ذِكْرُ بَيَّاس (١)
وهي مَدِينَةٌ على البَحْر، خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من الرُّوَاةِ، وبينها وبين الإسْكَنْدَرُونَة عشرَة أمْيَال، وبينها وبين فُنْدُق حُسَين خمسَة عشر مِيْلًا، وهذا الفُنْدُق في مَرْجٍ يُقالُ لَه: مَرْج حُسَين (٢)؛ مَنْسُوب إلى حُسَين بن سُلَيم الأنْطاكي، كانت له بهِ وَقْعة مع العَدُوِّ، وَسَنَذكُره (٣) إنْ شَاءَ اللّهُ.
وقال أبو زَيْد أحْمَد في سَهْلٍ البَلْخِيّ (٤): وبَيَّاسٌ مَدِينَةٌ صغِيرَةٌ على شَاطِئ بَحْرِ الرُّوم، ذات نَخيلٍ وزُرُوع خِصْبَة.
ذِكْرُ أَيَّاس (٥)
قد ذَكَرنا أنَّ الشَّيْخ الجُرْهمُيّ (٦) ذَكَرَ لمُعاوِيَة أنَّ يَاوَان بن يَافِث وَلَدَ أَيَّاس، فعُرِفَ المكان الّذي حَلَّه باسْمِهِ.
стр. 340
قُلتُ: وأَيَّاس مَدِينَة إلى جانب بَيَّاس على شَاطِئ بَحْر الرُّوم، من الثُّغُور الشَّامِيَّة، هي الآن في يد الأرْمَن أيضًا.
ذِكْرُ التِّيْنَات (١)
وهو حِصْنٌ على شاطِئ البَحْر بين بَيَّاس والمِصِّيصَة، أقام به أبو الخَيْر التِّيْنَاتِيّ فنُسِبَ إليهِ.
قال أبو زَيد البَلْخِيّ (٢): والتِّيْنَاتُ حِصْنٌ على شاطئ البَحْر أيضًا، فيه يُجْمع خَشَبُ الصُّنَوبَر الَّذي يُنْقل إلى الشَّامات، وإلى مِصْر، وإلى الثُّغُور.
ذِكْرُ المُثَقَّب (٣)
وهو حِصْنٌ على سَاحِل بَحْر الرُّوم.
قال أبو زيد البَلْخِيّ (٤): والمُثَقَّب حِصْنٌ (a) صَغِيرٌ، بناهُ عُمَر بن عَبْد العزِيْز ﵀ بها مِنْبَرٌ وَمَسْجِدٌ ومُصْحَفٌ (b) .
стр. 341
قال البَلاذُرِيّ (١): وكان الَّذي بني حِصْن (a) المُثَقَّب هشام بن عَبْد المَلِك على يد حَسَّان بن مَاهُوَيه الأنْطَاكِيّ، ووُجِدَ في خَنْدَقه حين حُفِرَ عَظْم سَاق مُفرط الطُّول، فبُعِثَ بِه إلى هِشَام.
ذِكْرُ سِيْسِيَّة (٢)
ويُقالُ لها: سِيْس، وهي مَدِينَة قريبَة من عَيْن زُرْبَة، وهي الآن مُسْتَقَرّ ملك الأرْمَن، خَذَلَهُمُ اللهُ.
ولم يكن لها فيما مَضَى كبير ذِكْر، غيرَ أنَّ أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ ذكرها في كتاب البُلْدَان، وقال (٣): قال مُحمَّدُ بن سعَد، بَعد أنْ أسنَد عنه، فقال: حَدَّثَنِي مُحمَّد بن سعد، قال: حَدَّثَنِي الوَاقِدِيّ، قال: جَلا أهل سِيْسِيَّة ولحقُوا بأعالي (b) الروم في سَنة أربعٍ أو ثلاث وتِسعين (c) ، وسِيْسِيَّة مَدِينَةٌ تلي عَيْن زُرْبَة، وقد عُمرت سِيْسِيَّة في خِلَافَة المُتَوكِّل على يدي عليّ بن يَحْيَى الأرْمَنيّ، فنزلُوها، ثمّ أخربتها الرُّوم، ثمّ عمرها فَارس بن بُغَا الصغَّير في خِلَافَة أحْمَد المُعْتَمِد على الله في سَنَة سِتِّينَ ومائتين، أو سنَة تسعٍ وخَمْسين ومائتين، وأَنْفَق عليها من مَالِه بسَبَب نَذْرٍ كان عليه، وجَرَت عِمَارتُها على يَدي مَكِين الخَادم.
стр. 342
ذِكْرُ حِصْن ذِي الكِلَاع (١)
قال البَلاذُرِيّ (٢)، فيما حَكاه عن شُيوخ الشَّام: قالوا: والحِصْن المُعْرُوف بذي الكِلَاع إنّما هو الحِصْن ذو القِلَاع، لأنَّهُ على ثلاث قِلاعٍ فَحُرِّف اسْمُه، وتَفْسِير اسْمُه بالرُّومِيَّةِ: الحِصْن الَّذي مع الكواكب (a).
ذِكْرُ حِصْن قَطْرَغاش (b)
قال أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (٣): وبني هِشَام حِصْن قَطْرَغاش على يدي عَبْد العَزِيز بن حَيَّان الأَنْطَاكِيّ.
قُلْتُ: وهذا الحِصْن بين أَنْطَاكِية والمُثَقَّب.
ذِكْرُ حِصْن مَوْرَه
وهو في جَبَل اللُّكَام، قال البَلاذُرِيّ (٤): وبَنَي هِشَام أيضًا حِصْن مَوْرَه على يدي رَجُلٍ من أهل أَنْطَاكِية، وكان سَبَبُ بنائهِ إيَّاه، أنَّ الرُّوم عَرَضُوا لرَسُول لَهُ في دَرْب اللُّكَام عند العَقَبَة البَيضَاء. ورَتَّب فيه أربعين رَجُلًا وجَمَاعة من الجُرَاجمَةِ، وأقامَ (c) ببَغْرَاس مَسْلَحَةً في خمسين رَجُلًا، وابْتَنَى لهم حِصْنًا.
стр. 343
ذِكْرُ حِصْن بُوْقَا (١)
وهو حِصْنٌ من عَمَل أَنْطَاكِيَة، يُنْسَب إليهِ بعضُ أهلِ الحَدِيث، وله كُورَة تُنْسَب إليهِ.
قال أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (٢): وبنى هِشَامٌ - يعني ابن عَبْدِ المَلِك - حِصْنَ بُوْقَا من عَمَل أَنْطَاكِيَة، ثمّ جُدِّدَ وأُصْلِحَ حَدِيثًا، وبنَى مُحمَّدُ بن يُوسُف المَرْوَزِيّ المَعْرُوف بأبي سَعيد حِصْنًا بِسَاحِل أَنْطَاكِيَة، بَعدَ غَارة الرُّوم على سَاحِلها في خِلَافَة المُعْتَصِم.
ذِكْرُ الصَّخْرَة
وهي بقُرب أَنْطَاكِيَة، وقيل: هي الّتي ذَكَرها اللهُ في القُرْآن بقَولِه تعالَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ (٣).
وقد ذَكَرها أبو زَيْد البَلْخِيّ في ذِكُر المُدُن والحُصُون عَقِيب ذِكْر أَنْطَاكِيَة، فقال (٤): وأمّا الصَّخْرَة فإنَّها تُعرَفُ بصَخْرَة مُوسَى بن عِمْرَان [ويقالُ إنَّ موسي اجتَمَع مع الخِضْر ﵉] (a) في هذا المَوضع.
стр. 344
بابٌ في ذِكْرِ الجَرْجُومَة (١)
قد ذكَر أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، فيما أوردنَاهُ عَنهُ، أنَّه عَدَّ في المَسَالك والمَمَالك، في ذِكر المُدُن والكُور بقِنَّسَرِين والعَوَاصِم، وقال: الجَرْجُومَة على جَبَل اللُّكَام.
وقد ذَكَر أحْمَد بن يَحْيَى البَلَاذُرِيّ، في كتاب البُلْدَان، فيها فَصْلًا نذكرهُ هَا هُنا بعَينه، قال (٢): حَدَّثَنِي مَشَايخُ من أهل أَنْطَاكِيَة أَنَّ الجَرْجُومَة (a) من مَدِينَةٍ على جَبَل اللُّكَام عند مَعْدِن الزَّاج، فيما بين بَيَّاس وبُوْقَا يُقالُ لها: الجَرْجُومَة، وأنَّ أمْرَهُم كان في أيَّام اسْتِيلاء الرُّوم على الشَّام وأَنْطَاكِيَة إلى بِطرِيق أَنْطَاكِيَة ووَاليها، فلمّا قَدِمَ أبو عُبَيْدَة أَنْطَاكِيَة وفَتَحَها، لَزَمُوا مَدينتهم، وَهَمُّوا باللَّحَاقِ بالرُّوم إنْ (b) خَافوا على أنفُسهم، ولم يَنتَبه المُسلِمُون لهم، ولم يَنَبِّهُوا عليهم، ثمّ إنَّ أهل أَنْطَاكِيَة نَقضُوا وغَدَروا، فوجَّهَ إليهم أبو عُبَيْدَة مَنْ فتحَهَا ثَانيةً، ووَلَّاهَا - بعد فَتحها - حَبِيبَ بن مَسْلَمَة الفِهريّ، فَغَزا الجَرْجُومَة، فَلم يُقَاتِلُه أهْلُهَا، ولكنهم بَدَرُوا بِطَلَبِ الأمَان والصُّلْح، فصَالَحُوه على أَنْ يَكُونُوا أعوانَ المُسْلِمِينَ وعُيونًا وَمَسَالح في جَبَل اللُّكَام، وأن لا يُؤخَذُوا بالجِزيَةِ، وأن يُنَفَّلُوا أَسْلَابَ مَنْ يَقتُلُونَ من عَدُوِّ المُسْلِمِينَ إذا حَضَروا معهم حَربًا في مَغَازيهم.
стр. 345
ودَخَل مَنْ كان في مَدِينتهم من تَاجرٍ وأَجِيرٍ وتابِعٍ من الأنْبَاطِ وأهْلِ القُرَى وغَيرهم في هذا الصُّلْحِ، فَسُمُّوا الرَّوَادِيْفَ، لأنَّهم تَلَوْهم وليسُوا منهم، ويُقالُ إنَّهم جَاؤوا بهم إلى عَسَاكر المُسْلِمين، وهم أَرْدافٌ لهم، فَسُمُّوا الرَّوَادِيْفَ، فكان الجُرَاجمَةَ يَسْتَقِيمُونُ للوُلَاةِ مَرَّةً، ويَعْوَجُّونَ أخرى، فيُكَاتِبُونَ الرُّوم ويُمَايلُونَهُم (a) .
ولمَّا كانت أيَّامُ ابن الزُّبَيْر، ومَوْت مَرْوَان بن الحَكَم، وطَلَب عَبْد المَلِك. الخِلافَة بَعدَهُ لتَولِيتِه إيَّاهُ عهدَهُ، واستعدَاده للشُّخُوص إلى العِرَاق لمحاربَة المُصْعَب بن الزُّبَيْر، خَرجَتْ خَيلٌ للرُّوم إلى جَبَل اللُّكَام، وعليها قائد من قُوَّادهِم، ثمّ صَارت إلى لُبْنَان، وقد ضَوَتْ إليها جَمَاعَةٌ كَثِيرة من الجُرَاجِمَة وأنْبَاط وعَبِيد أباقٌ من عَبِيد المُسْلِمين، فاضْطَرَّ عَبْد المَلِك إلى أنْ صَالَحهم على ألف دِينار في كُلِّ جُمعة، وصَالَح طاَغيَةَ الرُّوم على مَالٍ يُؤدِّيهِ إليهِ ليَشْغَلَهُ عن مُحاربَتِه، وتخوُّفه أنْ يخرج إلى الشَّام فيغلب عليها، واقتَدَى في صُلْحِه بِمُعاوية حينَ شُغل بحَرْب أهْل العِرَاق، فصَالَحهُم على أن يُؤدِّي إليهم مالًا، وارتَهَن منهم رهنًا وضعَهُ (b) بِبَعْلَبَكّ، ووَافَق ذلك أيضًا طَلَب عَمْرو بن سعيد بن العاص الخِلَافَة، وإغْلاقه أبْوَاب دِمَشْقَ حين خَرَج عَبْدُ المَلِك عنها، فازْدَاد شُغْلًا، وذلك في سَنَة سَبْعِين.
ثُمّ إنَّ عَبْدَ المَلِك وَجَّهَ إلى ذلك الرُّومِيّ سُحَيْم بن المُهَاجِر، وتَلَطَّف حتَّى دَخَلَ عليه مُتَنَكِّرًا، فأظْهَرَ المُمَالأةَ لَهُ، وتَقَرَّب إليهِ بِذَمِّ عَبْد المَلِك، وَشَتْمِه، وتَوهِين أمْره حتَّى أمِنَهُ، واغتَرَّ بِهِ، ثمّ إنَّه انْكَفَأ عليه بِقَومٍ مِنْ مَوَالِي عَبْد المَلِك وجُنْدِه؛ كان أعَدَّهُم لمُواقَعته، ورَتَّبهم بمكانٍ عَرَّفه، فَقَتَلَهُ ومَنْ كَان معهُ من الرُّوم، ونادَي في سَائر من ضَوَى إليهِ بالأمَان، فتفرَّق الجُرَاجمَةُ بقُرَى حِمْصَ ودِمَشْق، ثُمّ رجَع أكثرهُم إلى مدينتهم باللُّكَامِ، وأتَى الأَنْبَاط قُرَاهُم، وَرَجَعَ العَبِيدُ إلى مَوَالِيهم.
стр. 346
وكان مَيمُون الجُرَاجُمَانِيّ عَبدًا رُومِيًّا لِبَني أُمِّ الحَكَم أُخْت مُعاوِيةَ بين أبي سُفيان، وهم ثَقَفيُّون، وإنمَّا نُسِبَ إلى الجُرَاجِمَة لاختَلاطِه بهم، وخُرُوجه بجبَل لُبْنَان معهم، فَبَلغ عَبْد المَلِك عنهُ بأسٌ وشَجَاعة، فسَأل مَوَالِيهُ أنْ يُعتقُوه، فَفَعلُوا، وَقَوَّدَهُ على جَمَاعَةٍ من الجُند وصَيَّره بأَنْطَاكِيَة، فغَزَا مع مَسْلَمة بن عَبْد المَلِك الطُّوانَة وهو على ألفٍ من أهْلِ أَنْطَاكِيَة، فاستُشْهِد بَعدَ بلاءٍ حَسنٍ ومَوقف مشهُور (a) ، فغَمَّ عَبْد المَلِك مُصابُه، وأغْزَى الرُّوم جَيشًا عَظيمًا طَلبًا بِثَأْره.
قالُوا: ولَمَّا كانت سَنَة تسعٍ وثَمانين، اجتَمع الجُرَاجِمَةُ إلى مَدينتهم، وأتاهُم قَومٌ من الرُّوم من قِبَل الإِسْكَنْدَرُونَة ورُوسِس (b) ، فَوجَّهَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك إليهم مَسْلَمة بن عَبْد المَلِك، فأنَاخَ عليهم في خَلْقٍ من الخَلق، فافْتَتَحَها على أن يَنزلُوا بحيث أحَبُّوا من الشَّام، ويُجْري على كُلّ إمرئ منهم ثَمانية دَنَانِير، وعلى عيَالَاتهم القُوْت من القَمْح والزَّيْت، وهو مُديَان من قَمح وقِسْطَان (c) من زَيتٍ، وعلى أن لا يُكرَهُوا ولا أحَدٌ من أولَادهِم ونسائِهم على تَرك النَّصْرانِيَّة، وعلى أن يَلبَسُوا لِباسَ المُسْلِمين، ولا يُؤْخَذُ منهم ولا من أولَادهِم ونسائِهم جِزيةٌ، وعلى أن يَغْزُوا معَ المُسْلِمين، فَيُنَفَّلُوا أسَلَاب من يَقْتُلُونَه مُبَارزة، وعلى أن يُؤْخَذ من تجاراتهم وأموال مُوسِريهم ما يُؤْخَذُ من أمَوال المُسْلِمين، فأخَرَبَ مَدِينَتَهُم، وأنزَلَهُم (d) جَبَل الحَوَّار،
стр. 347
وشيْح اللَّوْلون، وعَمْق تِيزين، وصارَ بعضهم إلى حِمْصَ، ونَزَل بِطريق الجَرْجُومَة في جَمَاعَةٍ معهُ أَنْطَاكِيَة، ثمّ هَربَ إلى بلادِ الرُّوم، وقد كان بعضُ العُمَّال ألزَم الجُرَاجِمَة بأَنْطَاكِيَة جِزْيَةَ رُؤُوسهم، فرفَعُوا ذلك إلى الوَاثِق باللهِ، وهو خَليفَةٌ، فأمَرَ بإسْقَاطِها عنهم.
وحَدَّثَنِي بعض من أثِقُ به من الكُتَّاب، أنَّ أَمِير المُؤْمنين المُتَوكِّلَ على اللهِ أمَرَ بأخْذ الجِزْيَة من هؤلاء الجُرَاجِمَة، وأن تُجَرَي عليهم الأرْزَاق، إذ كانوا مِمَّن يُسْتَعَان به في المَسَالِح وغير ذلك.
ورَوَى (a) أبو الخَطّاب الأزدِيُّ أنَّ أهْلَ الجَرْجُومَة كانوا يَغْزُون (b) في أيام عَبْد المَلِك بن مَرْوَان على قُرى أَنْطَاكِيَة والعَمق، وإذا غَزت الصَّوائِفَ قَطَعُوا على المُتَخلِّف واللَّاحق ومَن قَدَرُوا عليه من فِي أَواخر العَسْكَر، وغَالوُا في المُسْلِمين، فأمرَ عَبْد المَلِك ففَرض لقَومٍ من أَهْل أَنْطَاكِيَة وأنباطها، جُعِلُوا مَسَالِح، وأردفت بهم عَسَاكر الصَّوائِفَ ليَذُبُّوا (c) الجُرَاجِمَة عن أواخرها، فَسُمُّوا الرَّوادِيف، وأجرى على كُلّ امرئٍ ثمانية دَنَانِيْر، والخَبَر الأوّل أثْبتُ (١).
فهذه أخبار الثُّغُور الشَّامِيَّة، فنَشْرعُ الآن في ذِكْر الثُّغُور الجَزَرِيَّة، وجَبَل اللُّكَام هو الفاصل بين الثُّغُور الشَّامِيَّة والثُّغُور الجَزَرِيَّة.
وقال أبو العبَّاس أحْمَد بن إبْرَاهيم الفَارِسّي الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيم (٢): وقد جُمِعَت إلى الشَّام الثُّغُور الشَّامِيَّة، وبعضُ الثُّغُور يُعرفُ بثُغُور الجزيرَة، وكلاهما من الشَّام، وذلك أنَّ كُلَّ ما وراء الفُرات من الشَّام، وإنَّما
стр. 348
سُمي من مَلَطِيَّة (a) إلى مَرْعَش: ثُغُور الجَزِيرَة، لأنَّ أهْل الجَزِيرَة بها يُرَابِطُون وبها يُعرفُون (b) لا أنَّها (c) من الجَزِيرَة. وبينَ ثُعُور الشَّام وثُعُور الجَزِيرَة جَبَل اللُّكَام، وهو الفَاصلُ بين الثَّغْرين.
بابٌ في ذِكْر مَرْعَش (١)
وهي مَدِينَة من أعْمَال حَلَب، عَامِرَةٌ، ولها ميَاهٌ وزُرُوع وأشْجَار، ولها حِصْنٌ منيعٌ، وخَرَجَ منها جَمَاعَةٌ من أهل العِلْم والعِبَادَة، منهم حُذَيفَة المَرْعَشِيّ.
стр. 349
وقد ذَكَرَها أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابه، فقال (١): والحَدَث ومَرْعَش هما مَدِينَتَان عَامِرتَان (a)، فيهما مياه وزُرُوع وأشْجَار كَثِيرة، وهما ثَغْران.
قُلْتُ: وبين مَرْعَش والحدث ثمانية فراسخ، وهي في زَمننا هذا في أيْدي المُسْلِمين، تسلَّمها نُور الدِّين مَحمُود بن زَنْكي من جُوسْلِين حين أُسر، ثمّ استَولَى عليها الأرْمَنُ في سَنة ستِّ وخمسين وستُّمائة من أيدي نُوَّاب مِلك الرُّوم كَيْكَاوُس بن كَيْخُسُرُو بن كَيْقُبَاذ.
وذكَرَ أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدَان (٢)، ممَّا نَقلَهُ عن مَشَايخ الشَّام، وقالوا: وجه أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح - وهو بمَنْبِج - خالد بن الوَلِيد إلى نَاحيةِ مَرْعَش، ففَتَح حِصْنَها، على أنْ جَلا أهْلَه ثمّ أخربَهُ. وكان سُفيان بن عَوف الغَامِدِيّ (a) لمَّا غَزَا الرُّوم سنة ثلاثين، دَخَلَ (b) من قبل مَرْعَش، فسَاح في بلد الرُّوم، وكان مُعاويَة بني مَدِينَة مَرْعَش، وأسكنها جندة، فلمّا كان موت يَزيد بن مُعاوِيَة كَثُرت غارات الرُّوم عليهم، فانْتَقَلُوا عنها.
قال (٣): ثمّ إنَّ العبَّاس بن الوَلِيد بن عَبْد المَلِك صار إلى مَرْعَش، فَعَمَّرَها وحَصَّنَها، ونَقَل النَّاس إليها، وبَنَى لهم (c) مَسْجِدًا جَامِعًا، وكان يقْطَعُ في كُلِّ عامٍ على أهلِ قِنَّسْريْن بَعْثًا إليها. فلمَّا كانت أيَّام مَرْوان بن مُحمَّد، وشُغِل بمُحَاربَة أهْل حِمْصَ، خَرَجت الرُّوم فَحَصَرت مَدِينَة مَرْعَش حتَّى صَالَحَهُم أهلُها على الجَلاءِ، فَخَرجُوا نحو الجَزِيرَة وجُند قِنَّسْريْن بعيالاتهم،
стр. 350
ثمّ أخرَبُوها، وكان عامِل مَرْوَان عليها يَوْمَئذٍ الكُوْثَرُ بن زُفَر بن الحَارِث الكِلابيّ، وكان الطَّاغِيَة يَوْمَئذٍ قُسْطُنْطِيْن بن أليْوُن، ثمّ لَمَّا فرَغ مَرْوَان من أمْر حِمْصَ، وهَدمَ سُورها، بَعثَ جيشًا لِبناء مَرْعَش، فبُنِيتْ ومُدِّنت، فَخَرجت الرُّوم في فِتْنَتِه فأَخْربتها، فبَناها صَالِح بنُ عليّ في خِلَافَة أبي جَعْفَر المَنْصُور، وَحَصَّنَهَا، ونَدبَ النَّاسَ إليها على زِيادة العَطَاء، واستُخْلفَ المَهْدِيُّ، فزادَ فِي شِحْنَتها، وقَوَّى أهْلَهَا.
قال البَلاذُرِيّ (١): وحَدَّثَنِي مُحمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِديّ، قال: خَرَج مِيخائِيل من دَرْب الحَدَث في ثمانين ألفًا، فأتَى عَمقَ مَرْعَش، فقتَلَ وأحْرَق، وسَبَى من المُسْلِمين خَلْقًا، وصَار إلى باب مَدِينَة مرعش وبها عِيَسى بن عليّ، وكان قد غَزَا في تلك السَّنَة، فخَرَج إليهِ مَوَالي عِيَسى وأهل المَدِينة ومُقَاتلتُهَا، فرشَقُوه بالنَّبْل والسِّهام، فاسْتَطرد لهم حتَّى إذا نَحَاهُم عن المَدِينة كَرَّ عليهم، فقُتِلَ ثمانية نَفَرٍ من مَوَالي عِيسى، واعتصَمَ الباقونُ بالمَدينةِ فأغلقُوهَا، فحاصَرهم بعض نهار، ثمّ انصرف حتَّى أتَى (a) جَيْحَان، وبَلَغ الخَبَرُ ثُمَامَة بن الوَلِيد العَبْسِيّ وهو بدَابِق، وكان قد وَلِيَ الصَّائِفَة سَنَة إحدَى وستِّين ومائة، فوجَّهَ إليهِ خَيلًا كثيفة، فأُصِيبُوا إِلَّا مَن نَجَا منهم، فأحْفَظَ ذلك المَهْدِيّ، واحتَفَل لإغْزاء الحَسَن بن قَحْطَبَة في العَام المُقْبل، وهو سَنةُ اثنتَين وستِّين ومائة.
стр. 351
وقال سَعيد بن كَثِير بن عُفَيْر في تاريخه (١): ثُمّ كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، فكان فيها خُرُوج الرُّوم على مَرْعَش، فخَرِبَت شيئًا كَثِيرًا.
قُلْتُ: وخَرَّب الرُّوم من مَرْعَش کما ذَكَرْنَاهُ، فبَنَاها سَيْفُ الدَّوْلَةِ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمدَان، وجَاءَ الدُّمُسْتُقُ ليمنَع من بنائها، فقَصَدهُ سَيْفُ الدَّولَة، فوَلَّى هَاربًا، وتَمَّمَ سَيْفُ الدَّوْلَة عمارة مَرْعَش. وفي ذلك يقُول المُتَنَبِّي (٢): [من الطّويل]
أتَى مَرْعَشًا يَستَقرِبُ البُعدَ مُقبِلًا … وَأدبَرَ إذ أقبَلْتَ يَستَبعِدُ القُرْبَا
فأضْحَتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقِ بدؤُهُ (a) … إلى الأرْضِ قد شَقَّ الكواكبَ والتُّربَا
تَصُدُّ الرّياحُ الهُوجُ عَنْهَا مَخافَةً … وَتَفْزَعُ فيها الطّيرُ أن تَلقُطَ الحَبّا
وَتَرْدي الجِيادُ الجُرْدُ فوْق جبالها … وَقد نَدَفَ الصِّنّبرُ في طُرْقها العُطْبَا
كَفَى عَجَبًا أنْ يَعجَبَ النّاسُ أنّهُ … بَنى مَرْعَشًا تَبًّا لآرائِهِمْ تَبَّا
وَما الفَرْقُ ما بَينَ الأنامِ وَبَيْنَهُ … إِذَا حَذِرَ المَحْذُورَ وَاستصْعبَ الصَّعبَا؟
стр. 352
بابٌ في ذِكْرِ الحَدَث (١)
وتُعْرفُ بالحَدَث الحَمرَاءِ لِحُمْرة أَرضها، وهي مَدِينَة كَثِيْرة الماءِ والزَّرْع، وَحَولها أَنْهار كَثِيْرة، وخَرِبَ حِصْنُها وبقيت المَدِينَة، وساكنُوهَا في زَمننا هذا أرْمَن أهل ذِمَّةِ، وهي في أيْدي المُسْلِمين، وكان يَنْزلُ في مُروجها الأكْرَاد بأغْنامِهِم، وتُسَمِّيها الأرْمَن: كَيْنُوك، وتُسَمِّيها الأكْرَاد: الْهَتُّ، والعَرَب تُسَمِّيها: الحَدَث، وكانت تُسَمَّى قديمًا: المُحَمَّدِيَّة، والمَهْدِيَّة، لأنَّها بُنِيت في أيَّام المَهْدِيّ مُحمَّد بن المَنْصُور ﵀، وتحوَّل إليها أبو مُحمَّد عِيسَى بن يُونُس السَّبِيْعِيّ من الكُوفَة، فنَزَها مُرَابِطًا إلى أنْ مات، وبقي ولدهُ بها بعْدَه. والجَبَل المَعْرُوف بالأُحَيدِب من قبليّها مُطِلّ عليها، شاهدتُها ونزلْتُ في أرضها عندما تَوَجَّهتُ إلى الرُّوم.
وفتَحَها حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم.
стр. 353
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدَان تأليف أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (١)، ممَّا رَوَاه عن شُيُوخ الشَّام، قالوا: كان حِصْن الحَدَث ممَّا فُتِحَ أيَّام عُمَر؛ فَتَحَهُ حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم، وكان مُعاوِيَة يَتَعهَّدُهُ بعد ذلك، وكان بنو أُمَيَّة يُسَمُّونَ دَرْب الحَدَث دَرْب السَّلامَة للطِّيرَة، لأنَّ المُسْلِمين كانُوا أُصِيبُوا به، فكان ذلك الحَدَث فيما يَقُول بعضُ النَّاس. قال: وقال قَومٌ: لَقَى المُسْلِمين على الدَّرْب غُلَامٌ حَدَثٌ، فقاتَلُهم في أصْحَابِه فقيل: دَرب الحَدَث.
قال (٢): ولَمَّا كان زمن فِتْنَة مَرْوَان بن مُحمَّد، خَرَجَت الرُّوم فهَدَمت مَدِينَة الحَدَث، وأجْلَت عنها أهلها، كما فعلت بِمَلَطِيَّة (a). ثمّ لَمَّا كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، خَرَجَ مِيْخَائِيْل إلى عَمْق مَرْعَش، ووَجَّه المَهْدِيُّ الحَسَنَ بن قَحْطَبَة، سَاح في بلاد الرُّوم، فثَقُلَت وَطْأتُه على أهلها حتَّى صَوَّرُوهُ في كَنَائِسهم، وكان دُخُوله من دَرْب الحَدَث، فنَظَرَ إلى مَوْضِع مَدِيْنتها فأُخْبِر أنَّ مِيْخَائِيْل أُخرج (b) منهُ، فارتادَ الحَسَن مَوضع مَدِينَةٍ (c) هناك، فلمَّا انْصَرف كَلَّمَ المَهْدِيّ في بنائها وبناء طَرَسُوس، فأمرَ بتَقديم بناء مَدِينَة الحَدَث، فأنْشَأهَا عليّ بن سُلَيمان بن عَليّ، وهو على الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن وسُمِّيَت المُحَمَّدِيَّة، وتُوُفِّي المَهْدِيّ مع فَراغِهم من بنائها، فهي المَهْدِيّةُ والمُحَمَّدِيَّة، وكان بناؤُها باللَّبِن، وكانت وفاتُه سنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة، واستُخْلِف مُوسَى الهَادِي ابْنُهُ، فعَزَل عليّ بن سُلَيمان، ووَلَّي الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَليّ، وقد كان عليّ بن سُلَيمان فرغ من بناء مَدِينَة الحَدَث، وفَرَضَ مُحمَّد لها فَرْضًا من أهْل
стр. 354
الشَّام والجَزِيرَة وخُرَاسَان في أرْبَعين دِيْنَارًا من العَطَاءِ، وأقْطَعَهُم المسَاكن، وأعْطَى كُلَّ امرئٍ منهم ثلاثمائة دِرْهَم، وكان الفَراغُ منها في سَنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة.
قال (١): وقال أبو الخَطَّاب: فَرَضَ عليُّ بن سُلَيمان بمَدِينَة الحَدَث لأربَعة آلاف فأسكنهم إيَّاَها، ونقل إليها من مَلَطْيَة، وَشِمْشَاط (٢)، وَسُمَيْسَاط، وكَيْسُوم، ودُلُوْك ورَعبَان ألفَي رَجُل.
قال الوَاقِدِيُّ (٣): ولمَّا بُنِيَت مَدِينَة الحَدَث، هجَم الشِّتَاء والثُّلُوج، وكثُرت الأمطَار، ولم يكن بَناؤُهَا بِمُتَوثَّق (a) منه ولا مُحتاط فيه، فَتَثَلَّمَتِ المَدِينَة وتشَعَّثَت، ونَزَل بها الرُّوم، فتفرَّق عنها من كان فيها من جُنْدها وغيرهم، وبَلَغ الخَبرُ موسى، فقَطَع بَعثًا مع المُسَيَّب بن زُهَير، وبَعثًا مع رَوْح بن حَاتِم، وبَعْثًا مع حَمزة بن مالِكٍ، فماتَ قبل أن ينفذوا، ثمّ ولي الرَّشِيد، رَحِمَةُ اللهُ عليهِ، الخِلَافَة، فأمر ببِنَائها وتَحْصينها وشِحنتها، وإقطاع مُقاتِلَتِها المَسَاكن والقَطَائِعَ.
стр. 355
قال (١): وقال غَيرُ الوَاقِدِيّ: أناخَ بْطْرِيقٌ من عَظمَاء بَطَارقَة الرُّوم في جَمع كثيفٍ على مَدِينَة الحَدَث حتَّى بُنِيَت، وكان بناؤُهَا بِلَبنٍ قد حُمل بعضَها على بعضٍ، وأَضَرَّ (a) به الثُّلُوج، فهَرَب عَامِلُها ومَن فيها، ودَخَلها العَدُوُّ، فَحَرَّقَ مَسجِدَهَا وأخرَبَها، واحتَمل أمتِعَةَ أهلَها، فبَنَاها الرَّشِيدُ حين اسْتُخْلفَ.
قال (٢): وحَدَّثَنِي بعضُ أهْل مَنْبج، قال: حَدَّثَنِي شيخٌ لنا أنَّ الرَّشِيد، رَحمةُ الله عليهِ، كَتبَ إلى مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بإقراره على عَملهِ، فجَرَى أمرُ مَدِينَة الحَدَث وعِمَارتها من قبل الرَّشِيد على يَده ثمّ عَزَلَهُ.
وقيل: إنَّ المَهْدِيّ بَنَى الحَدَث لمنامٍ رَآهُ.
أنْبَأْنَا عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف بن عليّ، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي عبد الله الحُمَيديّ، قال: أَخْبَرَنَا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسّن بن إبْرَاهِيم الصَّابِئ، قال: وذكَر الرَّئِيس أبو الحَسَن ﵁ يعني والدَهُ هِلِّل بن المُحَسّن - في كتاب المَنَامات الَّذي صَنَّفه، قال: ذكَر أبو بَكْر بن دُقَّة، مَوْلَى بني هاشم، قال: لَمَّا عزم المَهْدِيُّ على الخُرُوج إلى قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، رَأى في مَنامِه كأنَّ آتيًا أتاه وقال له: إنَّك تَمْضي إلى مَدِينَة يُقالُ لها مَنْبِج، وهُناك شيخٌ كبيرٌ له ثمانون سنةً يُؤْذِّن في بَعْضِ المَسَاجِد، فادْعُ به واضرب رَقَبَتَهُ، وإذا خَرَجْتَ من هذه المَدِينَة، فسَتَرى آثار خُطُوط فابِنِ عَلَيها مَدِينَة وسَمِّهَا الحَدَث.