وقال سَعيد بن كَثِير بن عُفَيْر في تاريخه (١): ثُمّ كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، فكان فيها خُرُوج الرُّوم على مَرْعَش، فخَرِبَت شيئًا كَثِيرًا.
قُلْتُ: وخَرَّب الرُّوم من مَرْعَش کما ذَكَرْنَاهُ، فبَنَاها سَيْفُ الدَّوْلَةِ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمدَان، وجَاءَ الدُّمُسْتُقُ ليمنَع من بنائها، فقَصَدهُ سَيْفُ الدَّولَة، فوَلَّى هَاربًا، وتَمَّمَ سَيْفُ الدَّوْلَة عمارة مَرْعَش. وفي ذلك يقُول المُتَنَبِّي (٢): [من الطّويل]
أتَى مَرْعَشًا يَستَقرِبُ البُعدَ مُقبِلًا … وَأدبَرَ إذ أقبَلْتَ يَستَبعِدُ القُرْبَا
فأضْحَتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقِ بدؤُهُ (a) … إلى الأرْضِ قد شَقَّ الكواكبَ والتُّربَا
تَصُدُّ الرّياحُ الهُوجُ عَنْهَا مَخافَةً … وَتَفْزَعُ فيها الطّيرُ أن تَلقُطَ الحَبّا
وَتَرْدي الجِيادُ الجُرْدُ فوْق جبالها … وَقد نَدَفَ الصِّنّبرُ في طُرْقها العُطْبَا
كَفَى عَجَبًا أنْ يَعجَبَ النّاسُ أنّهُ … بَنى مَرْعَشًا تَبًّا لآرائِهِمْ تَبَّا
وَما الفَرْقُ ما بَينَ الأنامِ وَبَيْنَهُ … إِذَا حَذِرَ المَحْذُورَ وَاستصْعبَ الصَّعبَا؟
стр. 352
بابٌ في ذِكْرِ الحَدَث (١)
وتُعْرفُ بالحَدَث الحَمرَاءِ لِحُمْرة أَرضها، وهي مَدِينَة كَثِيْرة الماءِ والزَّرْع، وَحَولها أَنْهار كَثِيْرة، وخَرِبَ حِصْنُها وبقيت المَدِينَة، وساكنُوهَا في زَمننا هذا أرْمَن أهل ذِمَّةِ، وهي في أيْدي المُسْلِمين، وكان يَنْزلُ في مُروجها الأكْرَاد بأغْنامِهِم، وتُسَمِّيها الأرْمَن: كَيْنُوك، وتُسَمِّيها الأكْرَاد: الْهَتُّ، والعَرَب تُسَمِّيها: الحَدَث، وكانت تُسَمَّى قديمًا: المُحَمَّدِيَّة، والمَهْدِيَّة، لأنَّها بُنِيت في أيَّام المَهْدِيّ مُحمَّد بن المَنْصُور ﵀، وتحوَّل إليها أبو مُحمَّد عِيسَى بن يُونُس السَّبِيْعِيّ من الكُوفَة، فنَزَها مُرَابِطًا إلى أنْ مات، وبقي ولدهُ بها بعْدَه. والجَبَل المَعْرُوف بالأُحَيدِب من قبليّها مُطِلّ عليها، شاهدتُها ونزلْتُ في أرضها عندما تَوَجَّهتُ إلى الرُّوم.
وفتَحَها حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم.
стр. 353
وقَرَأتُ في كتاب البُلْدَان تأليف أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (١)، ممَّا رَوَاه عن شُيُوخ الشَّام، قالوا: كان حِصْن الحَدَث ممَّا فُتِحَ أيَّام عُمَر؛ فَتَحَهُ حَبِيْب بن مَسْلَمَة من قِبَل عِيَاض بن غَنْم، وكان مُعاوِيَة يَتَعهَّدُهُ بعد ذلك، وكان بنو أُمَيَّة يُسَمُّونَ دَرْب الحَدَث دَرْب السَّلامَة للطِّيرَة، لأنَّ المُسْلِمين كانُوا أُصِيبُوا به، فكان ذلك الحَدَث فيما يَقُول بعضُ النَّاس. قال: وقال قَومٌ: لَقَى المُسْلِمين على الدَّرْب غُلَامٌ حَدَثٌ، فقاتَلُهم في أصْحَابِه فقيل: دَرب الحَدَث.
قال (٢): ولَمَّا كان زمن فِتْنَة مَرْوَان بن مُحمَّد، خَرَجَت الرُّوم فهَدَمت مَدِينَة الحَدَث، وأجْلَت عنها أهلها، كما فعلت بِمَلَطِيَّة (a). ثمّ لَمَّا كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، خَرَجَ مِيْخَائِيْل إلى عَمْق مَرْعَش، ووَجَّه المَهْدِيُّ الحَسَنَ بن قَحْطَبَة، سَاح في بلاد الرُّوم، فثَقُلَت وَطْأتُه على أهلها حتَّى صَوَّرُوهُ في كَنَائِسهم، وكان دُخُوله من دَرْب الحَدَث، فنَظَرَ إلى مَوْضِع مَدِيْنتها فأُخْبِر أنَّ مِيْخَائِيْل أُخرج (b) منهُ، فارتادَ الحَسَن مَوضع مَدِينَةٍ (c) هناك، فلمَّا انْصَرف كَلَّمَ المَهْدِيّ في بنائها وبناء طَرَسُوس، فأمرَ بتَقديم بناء مَدِينَة الحَدَث، فأنْشَأهَا عليّ بن سُلَيمان بن عَليّ، وهو على الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن وسُمِّيَت المُحَمَّدِيَّة، وتُوُفِّي المَهْدِيّ مع فَراغِهم من بنائها، فهي المَهْدِيّةُ والمُحَمَّدِيَّة، وكان بناؤُها باللَّبِن، وكانت وفاتُه سنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة، واستُخْلِف مُوسَى الهَادِي ابْنُهُ، فعَزَل عليّ بن سُلَيمان، ووَلَّي الجَزِيرَة وقِنَّسْريْن مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَليّ، وقد كان عليّ بن سُلَيمان فرغ من بناء مَدِينَة الحَدَث، وفَرَضَ مُحمَّد لها فَرْضًا من أهْل
стр. 354
الشَّام والجَزِيرَة وخُرَاسَان في أرْبَعين دِيْنَارًا من العَطَاءِ، وأقْطَعَهُم المسَاكن، وأعْطَى كُلَّ امرئٍ منهم ثلاثمائة دِرْهَم، وكان الفَراغُ منها في سَنَة تِسْعٍ وستِّين ومائة.
قال (١): وقال أبو الخَطَّاب: فَرَضَ عليُّ بن سُلَيمان بمَدِينَة الحَدَث لأربَعة آلاف فأسكنهم إيَّاَها، ونقل إليها من مَلَطْيَة، وَشِمْشَاط (٢)، وَسُمَيْسَاط، وكَيْسُوم، ودُلُوْك ورَعبَان ألفَي رَجُل.
قال الوَاقِدِيُّ (٣): ولمَّا بُنِيَت مَدِينَة الحَدَث، هجَم الشِّتَاء والثُّلُوج، وكثُرت الأمطَار، ولم يكن بَناؤُهَا بِمُتَوثَّق (a) منه ولا مُحتاط فيه، فَتَثَلَّمَتِ المَدِينَة وتشَعَّثَت، ونَزَل بها الرُّوم، فتفرَّق عنها من كان فيها من جُنْدها وغيرهم، وبَلَغ الخَبرُ موسى، فقَطَع بَعثًا مع المُسَيَّب بن زُهَير، وبَعثًا مع رَوْح بن حَاتِم، وبَعْثًا مع حَمزة بن مالِكٍ، فماتَ قبل أن ينفذوا، ثمّ ولي الرَّشِيد، رَحِمَةُ اللهُ عليهِ، الخِلَافَة، فأمر ببِنَائها وتَحْصينها وشِحنتها، وإقطاع مُقاتِلَتِها المَسَاكن والقَطَائِعَ.
стр. 355
قال (١): وقال غَيرُ الوَاقِدِيّ: أناخَ بْطْرِيقٌ من عَظمَاء بَطَارقَة الرُّوم في جَمع كثيفٍ على مَدِينَة الحَدَث حتَّى بُنِيَت، وكان بناؤُهَا بِلَبنٍ قد حُمل بعضَها على بعضٍ، وأَضَرَّ (a) به الثُّلُوج، فهَرَب عَامِلُها ومَن فيها، ودَخَلها العَدُوُّ، فَحَرَّقَ مَسجِدَهَا وأخرَبَها، واحتَمل أمتِعَةَ أهلَها، فبَنَاها الرَّشِيدُ حين اسْتُخْلفَ.
قال (٢): وحَدَّثَنِي بعضُ أهْل مَنْبج، قال: حَدَّثَنِي شيخٌ لنا أنَّ الرَّشِيد، رَحمةُ الله عليهِ، كَتبَ إلى مُحمَّد بن إبْرَاهِيم بإقراره على عَملهِ، فجَرَى أمرُ مَدِينَة الحَدَث وعِمَارتها من قبل الرَّشِيد على يَده ثمّ عَزَلَهُ.
وقيل: إنَّ المَهْدِيّ بَنَى الحَدَث لمنامٍ رَآهُ.
أنْبَأْنَا عَبْد اللَّطِيف بن يُوسُف بن عليّ، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي عبد الله الحُمَيديّ، قال: أَخْبَرَنَا غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسّن بن إبْرَاهِيم الصَّابِئ، قال: وذكَر الرَّئِيس أبو الحَسَن ﵁ يعني والدَهُ هِلِّل بن المُحَسّن - في كتاب المَنَامات الَّذي صَنَّفه، قال: ذكَر أبو بَكْر بن دُقَّة، مَوْلَى بني هاشم، قال: لَمَّا عزم المَهْدِيُّ على الخُرُوج إلى قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، رَأى في مَنامِه كأنَّ آتيًا أتاه وقال له: إنَّك تَمْضي إلى مَدِينَة يُقالُ لها مَنْبِج، وهُناك شيخٌ كبيرٌ له ثمانون سنةً يُؤْذِّن في بَعْضِ المَسَاجِد، فادْعُ به واضرب رَقَبَتَهُ، وإذا خَرَجْتَ من هذه المَدِينَة، فسَتَرى آثار خُطُوط فابِنِ عَلَيها مَدِينَة وسَمِّهَا الحَدَث.
стр. 356
قال: فلمَّا وَصَل المَهْدِيّ إلى مَنْبج، وحَضَرهُ أهْلها، سَألهم وقال: هل عندكم شيخٌ كبيرٌ مُؤذِّنٌ؟ قالوا: نعم؛ عندنا شَيخ له مائةُ سَنَة وأربع سنين، يُؤذِّن منها ثَمانين سَنةً في بعض المَسَاجِد، فأمَرَ بإحْضَارِه، فلمَّا أُحْضر تقدّم بضَرْب رَقَبتهِ، فارْتاعَ الشَّيْخُ، وناشَدَهُ الله تعالى في أمْره، وأذْكَره بالله في دَفْعهِ عن دَمه، وعرَّفه كبَّر سنِّه وكثرة عيالهِ، فقال له: دَع هذا عَنْك، ولا بدَّ ممَّا أمرْتُ به فيك، ولكن إنْ صَدَقْتني عن أمْرك حَفِظتُك في مُخَلَّفيك، وإلَّا أسَأْتُ إليهم بَعْدك، فقال: أمَّا على ذاك فإنِّي منذ ثمانين سنةً أقول في أذاني: أجْحَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسُول الله، فأمَرَ به وقُتِلَ.
قال ابن دُقَّة: وهذا الشَّيْخ جَدّ البُحْتُرِيّ الشَّاعِر.
قُلتُ: وجاءَ مَلِكُ الرُّوم الدَّمُسْتُق في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، ونَزلَ على حِصْن الحَدَث ليحصُره، وكان سَيْف الدَّوْلَة قد بناهُ وأحْكم بناءَهُ، فخرجَ سَيْفُ الدَّوْلَة، فتركَه ومَضَى، وجَرَت له وَقْعَة مع الرُّوم أيضًا، وقد خرج سيف الدولة لبناء الحَدَث، فواقَعهم وقتل منهم وأسَر، وكان أهل الحَدَث سَلَّمُوه بالأمان إلى الرُّوم قبل ذلك فخربُوه.
أخبرَنَا عبْد العَزِيْز بن محمُود بن الأخْضَر البغدادِيّ كتابةً، قال: أخبرَنَا الرئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن عليّ بن نَصْر بن سَعيد، قال: أخبرَنَا أبو البَرَكَات مُحمَّد بن عَبْد الله بن يَحْيَى، قال: أخبرَنَا عليّ بن أيُّوب بن الحُسَيْن، قال: أنْشَدنا أبو الطَّيِّب المُتَنَبي لنَفْسه يَمْدحُ سَيْف الدَّوْلَة، ويذْكُر بناءَهُ ثَغْر الحَدَث، بعد أنْ كان أهلُها أسْلَمُوهَا عن الأمَانِ إلى الرُّوم، ومُنَازلة ابن الفُقَّاس إيَّاه وهَزْمَهُ
стр. 357
لابن الفُقَّاسِ، وكان أَسَرَ قُودس الأعْوَر بِطْرِيق سَمَنْدُو (١) وابن ابنَةِ الدُّمُسْتُق، وأنشَدَهُ إيَّاها بعد الوَقْعَة في الحَدَث (٢): [الطّويل]
على قَدْر أهل العَزْم تأتي العَزائمُ … وتأتي على قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وتعظُمُ في عَيْن الصَّغير صِغَارُها … وتَصْغُرُ في عَيْن العَظِيم العَظائمُ
يُكلِّفُ سيفُ الدَّولةَ الجيْشَ همَّهُ … وقد عجزَتْ عنه الجُيُوشُ الخضَارِمُ
قال فيها (٣):
هَلْ الحدَثُ الحَمْرَاءُ تعرِفُ لونَها … وتَعْلَم أيُّ السَّاقِيَين الغَمائمُ
سَقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قَبْل نُزُوله … فلمّا دَنا منها سَقَتْها الجَماجِمُ
بَناهَا فأَعْلى والقَنا يقرَعُ القَنا … ومَوْجُ المنَايا حَوْلها مُتلَاطِمُ
وكان بها مثل الجُنُونِ فأصبَحَتْ … ومن جُثَثِ القَتْلَى عليها تَمائمُ
طَريدَةُ دَهْرٍ سَاقَها فرَدَدْتَها … على الدِّين بالخَطِّيِّ والدَّهرُ رَاغِمُ
وكيفَ يَرْجَى الرُّومُ والرُّوُس هَدْمَها … وذا الطَّعَنُ أسَاسٌ لها ودعائمُ
وقد حاكمُوهَا والمنَايا حَوَاكمٌ … فما ماتَ مَظْلُومٌ ولا عاشَ ظالِمُ
نَثَرْتَهُمُ فَوْقَ الأُحَيْدِب كُلِّهِ (a) … كما نُثرتْ فَوْق العَرُوس الدَّرَاهمُ
وفي ذلك يقول أبو فراس (٤): [من الطّويل]
وحَسْبي بها يَوْمَ الأُحَيْدِبِ وَقْعَةً … على مِثْلها في الحَرْب (b) تُثْنى الخنَاصِرُ
عَدَلنا بها في قِسْمَة المَوْتِ بينَهُم … وللسَّيْف حُكْمٌ في الكَتِيْبَة جَائِرُ
стр. 358
إذ الشَّيْخُ لا يَلْوِي ونَقَفُورُ مُجْحِرٌ … وفي القِدِّ (a) ألْفٌ كاللُّيُوثِ قَسَاوِرُ
ولَم يَبْقَ إِلَّا صِهْرُهُ وابنُ بِنْتِهِ … وثُوّرَ بالبَاقِين مَنْ هوَ ثَائرُ
وأنبَأنَا عَبْد العَزِيْز بن الأخْضَر، قال: أخبرَنَا أبو الحَسَن، قال: أخبرَنَا أبو البَرَكَات، قال: أخبرَنَا عليّ بن أيُّوب، قال: أنشَدَنا أبو الطَّيِّب المتنَبِّي لنَفْسه يمدَحُ سَيْف الدَّوْلَة، وقد ورَدَ عليه خبَرٌ آخر سَاعة نَهار يوم الثّلاثَاء لستٍّ خَلَوْنَ من جُمَادَى الأُوْلَى سنة أربعٍ وأربعين وثَلاثِمائة، أنَّ الدُّمُسْتُق وجُيُوشَ النَّصْرانيَّة قد نازلَتْ ثَغْر الحَدَث ونصَبَت مَكائد الحُصُون عليهِ، وقَدَّرت أنَّها فُرْصَةٌ فيه لِمَا تَدَاخلها من القَلَقِ والانْزعاج والوَصْم في تَمام بنائِه على يَد سَيْف الدَّوْلَة، ولأنَّ مَلكهم ألزمَهُم قصدَهَا، وأنجدَهُم بأصْنَافِ الكُفْر من البُلْغُر والرُّوس والصَّقْلَب وغيرهم، وأنقَذَ معهم العُدَدَ.
فرَكِبَ سيْفُ الدَّوْلَة لوَقْته نافِرًا، وانتَقَل إلى موضعٍ غير المَوْضِع الّذي كان به، ونَظَر فيما وَجَب أنْ ينظُرَ فيه في ليلَته، وسار عن حَلَب غَدَاةَ يوم الأرْبَعاءِ لسَبْعٍ خَلَوْنَ، فنَزَل رَعْبَان، وأخْبارُ الحَدَث مُسْتَعْجِمةٌ عليهِ، لضَبْطهم الطُّرُقَ، وتَقدِيرهم أنْ يَخْفَى عليه خَبَرهُم.
فلمَّا أسْحَر، لبسَ سِلاحَهُ، وأمر أصْحَابَهُ بمثل ذلك، وسَار زَحْفًا، فلمَّا قَرُبَ من الحَدَث، عَادَت إليهِ الطَّلَائِعُ بأنَّ عَدُوَّ اللهِ لَمَّا أشرفَتْ عليه خُيُول المُسلِمِين على عَقَبةٍ يُقالُ لها العِبْرانيّ، رحَل ولم تَسْتَقِرَّ بهِ دار، وامْتَنع أهْل الحَدَث من البِدَار بالخَبَر خَوْفًا من كَمِين يَعْتَرض الرُّسُل، فنَزَل سَيْف الدَّوْلَة بِظَاهِرها، وذكَر خليفَتُه بها أنَّهم نازلُوه وحاصَرُوه، فلم يُخْلِه اللهُ من نَصْر عليهم إِلَّا في نُقُوبٍ نقبُوْهَا في فصِيْل كان قديمًا للمَدِينَة، وأَتَتْهُم طَلائِعُهم بخَبْر سَيْف الدَّوْلَة في إشْرافهِ على حِصْن رَعْبَان، فوَقَعَت الصَّيْحَةُ وظهَرَ الاضْطرابُ، ووَلَّي كُلّ فريقٍ على وجْههِ،
стр. 359
وخرَجَ أهْلُ الحَدَث، فأوقَعُوا ببَعْضهم، وأخَذُوا آلة حَرْبهم، فأعَدُّوْهَا في حِصْنهم، فقال أبو الطَّيِّب في ذلك (١):
ذي المَعَالِي فليَعْلُونَ من تَعالَى … هكَذا هَكَذا وإلَّا فلا، لا
شَرَفٌ ينطَحُ النُّجُومَ برَوْقيهِ … وعِزُّ يُقَلْقلُ الأجْبَالا
حالُ أعْدَائنا عظيمٌ وسيْفُ الـ … ـدَّولة ابنُ السُّيوف أعظَمُ حَالَا
لا ألُومُ ابنَ لَاوُن مَلِكَ الرُّو … م وإنْ كانَ ما تَمنَّى مُحَالَا
أَقْلَقَتْهُ بَنِيّةٌ بينَ أُذْنَيهِ … وبانٍ بَغَي السَّماءَ فَنَالَا
كلَّما رَامَ حَطَّها اتَّسَعَ البَنْي … فغَطَّى جَبِيْنَهُ والقَذَالَا
يَجْمَعُ الرُّومَ والصَّقَالبَ والبُلْـ … ـغُرَ فيها وتَجْمَعُ الآجَالَا
ويُوافيهمُ (a) بها في القَنا السُّمْر … كما وَافَتِ العِطَاشُ الصِّلالَا
قَصَدُوا هدْمَ سُورِهَا فبَنَوْهُ … وأتَى كي يُقَصِّرُوهُ فَطَالَا
قال فيها (٢):
إنَّ دونَ التي على الدَّرْب والأحْـ … ـدَبِ والنَّهْرِ مِخْلَطًا مِزْيَالا
المخْلَط المزْيَالُ: هو الكثير المُخالطة للأُمور والمُزَايلة لها.
غَصَب الدَّهْرَ والمُلُوك عليها … فبَناها في وجْنَةِ الدَّهْرِ خالا
وحَماهَا بكُلِّ مطَّرِدِ الأ … كعُبِ جَوْرَ الزَّمانِ والأوْجَالَا
فَهِي تَمْشِى مَشْيَ العَرُوس اخْتِيالًا … وتَثَنّى على الزَّمان دَلَالَا
стр. 360
بابٌ في ذِكْرِ زِبَطْرَة (a)
وهي مَدِينَةٌ هي الآن في أيْدِي المُسْلِمِيْنَ، وهي مَذْكُورَة، وفيها مَعْدِن حَديدٍ، يُجْلَب منها الحَدِيْد إلى البِلادِ، وهي الآن قَرْيَة، وبينها وبين الحَدَث ثَمانية عشر فَرْسَخًا.
وذَكَرها أبو زَيْد أحْمدُ بن سَهْلٍ البَلْخِيّ في كتابهِ، وقال (١): وأمّا زِبَطْرَةُ فإنَّها حِصْنٌ كان من أقْرَب هذه الثُّغُور إلى بَلَدِ الرُّوم، خَرَّبَها الرُّومُ.
стр. 361
قُلتُ: وقد كانت الرُّوم في صَدْر الإسْلام تنتابُه وتَطْرُقُهُ لقُرْبهِ من بلادهَا، فتُخَرِّبهُ ويعمره المُسلِمُون مَرَّةً بعد أُخْرَى، فإنَّ أبا جَعْفَر أحْمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ ذكَرَ، فيما نَقَلَهُ في كتاب البُلْدان، عَمَّن حدَّثَهُ من أهل الشَّام، فقال (١): قالوا: وكانت زِبَطْرَةُ حِصْنًا قديمًا رُوْمِيًّا، ففُتحَ مع حِصْن الحَدَثِ القَدِيم فتَحَهُ حَبِيْب بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ، وكان قائمًا إلى أنْ أخْربَتْهُ الرُّوم في أيَّام الوَلِيد بن يَزِيد، فبُنِيَ بناءً غير مُحْكَم، فأناخَت الرُّوم عليه في أيَّام فِتْنَة مَرْوَان فهَدَمَتْهُ، فبَنَاهُ المنْصُور، ثمّ خَرَجَت إليهِ فشعَّثَتْه، فبناهُ الرَّشِيد أَمِيرُ المُؤمِنِين على يَد مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم، وشَحَنَهُ.
فلمّا كانت خِلَاقة المأْمُون، طَرَقَهُ الرُّومُ فَشَعَّثُوهُ، وأغَارُوا على سَرْحِ أهْله فاسْتَاقُوا لهم مَواشيَ، فأمَرَ المأْمُون، ﵀، بِمَرَمَّتِهِ وتَحْصِيْنِهِ، وقَدِمَ وَفْدُ الطَّاغِيَة في سنَة عَشْر ومائتين يَسْأل الصُّلْح، فلم يُجبْهُ إلى ذلك، وكَتَبَ إلى عُمَّالِ الثُّغُور، فَسَاحُوا في بلادِ الرُّوم فأكْثَروا فيها القَتْل، ودَوَّخُوهَا، وظَفرُوا ظَفَرًا حَسَنًا، إِلَّا أنَّ يَقْظَانَ بن عَبْد الأعْلَى بن أحْمَد بن يَزِيد بن أُسَيْد السُّلَمِيّ أُصِيْب.
ثمّ خَرَجَت الرُّومُ إلى زِبَطْرَة في خِلَافَة المُعْتَصِم أبي إسْحَاق بن الرَّشِيد، فقَتَلُوا الرِّجَالَ، وسَبوا النِّسَاءَ، وأخْرَبُوها، فأحْفَظه ذلك وأغْضَبه، فَغَزَاهم حتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّة، وقد أخْربَ فيها (a) حُصُونًا، فأناخَ عليها حتَّى فَتَحَها، فَقَتَل المُقاتِلَة، وسَبَى النِّسَاءَ والذُّرِّيَّة، ثُمَّ أخْربَها، وأَمَرَ ببناءِ زِبَطْرةَ، وحَصَّنَهَا وشَحَّنَها، فَرَامَهَا الرومُ بعد ذلك، فلم يَقْدرُوا عليها.
стр. 362
بابٌ في ذِكْرِ حِصْن منْصُور (١)
وهو في أيْدِي المُسْلِمِيْن، توَلَّي بناءهُ. بعد أنْ كان الرُّوم خَرَّبُوه - مَنْصُور بن جَعْوَنَة بن الحَارِث العَامِرِيّ من بني عَامِر بن صَعْصَعَة، وكان هو وأبُوه يَغْزُوان الرُّوم، وقَتَلَهُ المَنْصُور في خِلافته، وَسَنَذْكُر حاله في تَرْجَمَتِهِ (٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
وذكَره أبو زَيْد أحْمَد بن سَهْل البلْخِيّ في كتابهِ، فقال (٣): وحِصْن مَنْصُور حِصْنٌ صَغِيرٌ، فيه مِنْبَرٌ، وزُرُوعُهُ عِذْيٌ.
وقال أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ (٤): وحَدَّثَني أبو عَمْرو البَاهِلِيُّ وغيره، قالُوا: نُسبَ حصْنُ مَنْصُور إلى مَنْصُور بن جَعْوَنَة بن الحَارِث العَامِرِيّ، من قَيْسٍ، وذلك أنَّهُ تَوَلَّى بناءَهُ ومَرَمَّتَهُ، وكان مُقيمًا به أيَّام مَرْوَان ليَرُدَّ العَدُوَّ، ومعه جُنْدٌ كَثِيْرٌ (a) من أهْلِ الشَّام والجَزِيرَة.
قال (٥): وكان الرَّشِيد بَنَى حِصْن مَنْصُور وَشَحَنَهُ في خِلَافة المَهْدِيّ
стр. 363
بابٌ في ذِكْرِ مَلَطْيَةَ (١)
وكان اسْمُها بالرُّومِيَّة: مَلَطِيَا. وقيل: كان اسْمُها: مَلَدْني فعُرِّب وجُعِلَ مَلَطْيَة.
ويُقالُ: إنَّ الإسْكَنْدَر بَنَاهَا، والعَامَّة يقُولُون: مَلَطِيَّة، بكسر الطَّاءِ وتَشْديدِ الياء.
كذلك ضَبَطها أبو نصر الجَوْهَرِيّ في كتاب الصِّحَاح في اللُّغَة (٢)، أخبَرَنَا بذلك أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبرَنا أبو البَرَكَات بن العِرْقِيّ في كتابه؛ وأخبَرَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا ابن العِرْقِيّ، قال: أخبرَنا أبو القَاسِم بن القَطَّاع، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن البِرّ، قال: أخْبَرَنَا إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد، قال: أخبَرَنَا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (٣)، قال: ومَلَطِيَّة بَلَدٌ.
стр. 364
ولَمَّا قرأتُ المَقَامات الحَرِيرِيَّة على شَيْخنا أبي اليُمْن الكِنْدِيّ، فقَرأتُ عليه: أزْمَعتُ عن مَلَطِيَّة مطيَّة البَيْن (a)، وكانت مَضْبُوطة في نُسْخَتِي كذلك بخَطِّ أبي المُعَمَّر الأنْصاريّ وعليها خَطّ الحَرِيرِيّ، فقال لي شَيْخُنا أبو اليُمْن: مَلَطْيَة لا غَير؛ لا يجوزُ غيرها.
ثُمَّ قَرَأتُ عليهِ بعد ذلك: أخْبَركم أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، فأقَرَّ به، قال فيما تَلْحَنُ فيهِ العَامَّةُ (١): ممَّا يُخَفَّفُ، والعَامَّةُ تُشَدِّدُهُ؛ وهي مَلَطْيَةُ.
وأخْبَرنا شَيْخُنا أبو اليُمْن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخبرَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن علِيّ الخَطِيب (٢)، قال: حَدَّثَنِي مُحمَّد بن عليّ الصُّوْرِيّ، قال: قال لي عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد الحَافِظُ: ليسَ في المَلَطيِّينَ ثِقَةٌ.
وكَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عَبْد الرَّحِيْم السَّمْعانيّ من مَرْو، يذكُرُ عن أبيه أبي سَعْد عَبْد الكريم بن مُحَمَّد السَّمْعانيّ أنَّه قال في ذِكْر ملَطْيَة (٣): بَنَى هذه المَدِينَة الإسْكَنْدَر. قال: وسَمِعْتُ أنَّ أكثر مَنْ خَرَجَ منها من المُحَدِّثِيْن كانُوا ضُعَفَاء.
قلتُ: وقد خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من المُحَدِّثِيْن، وهي الآن في أيْدِي المُسْلِمِيْن، وهي مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ كَبِيرَةٌ حَصِيْنَةٌ.
وقد ذَكَرها أبو زيْد أحمدُ بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صفة الأرْض والأقاليِم والمُدُن وما تَشْتَمل عليهِ (٤)، قال: ومَلَطْيَة مَدِينَةٌ كبيرةٌ؛ من أكْبَر الثُّغُور الّتي دونَ
стр. 365
جَبَل لُكَام، وتَحْتَفُّ (a) بها جبالٌ كَثِيْرة الجَوْز، وسَائر الثِّمَار مُبَاح لا مَالِكَ لَهُ، وهي من قُرَى بَلَدِ الرُّوم على مَرْحَلَةٍ.
نَقَلْتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمَد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (١)، قال: وللثُّغُور الجَزَرِيَّة من المُدُن: مَرْعَش والحَدَث وزِبَطْرَة وسُميسَاط وحِصْنٍ مَنْصُور وحصْن زِيَاد (٢) ومَلَطْيَة، وهي المَدِينَةُ العُظْمَى، وكانتْ مَدِينَةً قَدِيْمَةً فأخْرَبَتْهَا الرُّوم، فبَنَاهَا أبو جَعْفَر المنصُور سَنَة تِسْعٍ وثلاثين ومائة، وجَعَل عليها سُورًا واحدًا بلا فَصِيْل، ونَقَل إليها عدَّة قَبَائِل من العَرَب، فهي سَبْعة أسْباعٍ: سُبْعٌ لسُلَيْمِ وسَائر قَيْسٍ، وسُبعْ الهَواسيَّة، وسُبعْ الراعيَة (b) والجَعاونَة، وسُبعْ تيْم، وسُبْع رَيعة، وسُبعْ اليَمَنَ، وسُبع هَوَازِن.
ومَلَطِيَّة في مُسْتَوىً من الأرْض تُحيط بها جِبَال الرُّوم، وماؤُهَا من عُيُونٍ وأوْدِيَة ومن الفُرَاتِ.
أخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد القَاسِم بن أبي القَاسِم، قال: أخْبَرنَا أبي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه النَّهَاوَنْدِيّ، قال:
стр. 366
أخبرَنَا أحْمَد بن عِمْران، قال: حَدَّثنا مُوسَى، قال: حَدَّثنا خَلِيفَة، قال (١): وفيها - يعني سَنة أربعين ومائة - وجَّهَ أبو جَعْفَر عَبْدَ الوهَّاب بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عليّ لبناء مَلَطْيَة، فأقام عليها سَنَةً حتَّى بَنَاهَا وأسْكنها النَّاس.
قَرَأتُ في كتاب البُلْدان، تأليفُ أبي جَعْفَر أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (٢)، وحَكَاهُ عَمَّنَ حدَّثَهُ من أهل الشَّام، قالوا: وَّجه عيَاض بن غَنم حَبِيْبَ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيِّ من سُمَيْسَاط (a) إلى مَلَطِيَّة ففَتَحَها، ثمِّ أُغلِقَتْ. فلَّا ولي مُعاوِيَةُ الشَّام والجَزِيرة، وجَّه إليها حَبِيْب بن مَسْلَمَة، ففَتَحَها عنْوَةً، ورَتَّبَ فيها رَابِطَةً من المُسْلِمِيْنَ مع عَامِلهَا، وقَدِمَها مُعاوِيَة وهو يُريد دُخُول الرُّوم، فَشَحَنَها بجماعةٍ من أهْل الشَّام والجزِيرَة وغيرها، وكانت طَريق الصَّوائِف.
ثمّ إِنَّ أهْلَهَا انتقلُوا عنها في أيَّام عَبْد اللّه بن الزُّبَيْر، وخَرجَت الرُّومُ فَشَعَّثَتها ثمّ تَرَكَتْها، فنَزَلها قَوْمٌ من النَّصَارى؛ من الأرْمَن والنَّبَط.
فَحَدَّثَني مُحمَّد بنُ سَعْد، عن الوَاقِدِيّ في إسْنَادِه، قالوا: كان المُسلِمُونَ نَزلُوا طُرَنْدَة بعد أنْ غَزَاهَا عَبْدُ اللّه بن عَبْدِ المَلِك سَنَة ثلاثٍ وثمانين، وبَنوا بها مَسَاكنَ، وهي من مَلَطِيَّةَ على ثلاث مَرَاحِل، وَاغِلَة في بلادِ الرُّوم، ومَلَطِيَّة يَوْمئذ خَراب ليس بها إلَّا ناسٌ من أهل الذِّمَّة من الأرْمَن وغيرهم، فكانت تأتيهم طالعَةٌ من جُنْد الجَزِيرة في الصَّيْفِ، فيُقِيْمُونَ بها إلى أنْ ينزل الشِّتَاءُ وتَسْقُط الثُّلُوج، فإذا كان ذلك، قَفَلُوا.
فلمَّا وَلي عُمَر بن عَبْد العَزِيْزِ، رَحَّلَ أهل طُرَنْدَة عنها وهم كارهُون، وذلك لإشْفَاقه عليهم من العَدُوّ، فاحْتَملُوا فلَم يدعُوا لهم شيئًا حتَّى كَسَرُوا خَوَابِيَ الخَلِّ والزَّيْت، ثمّ أنْزَلَهم مَلَطِيَّة، وأخْربَ طُرَنْدَة، ووَلَّى على مَلَطْيَة جَعْوَنَة بن الحَارِث، أحَدُ بَني عَامِر بن صَعْصَعَة.
стр. 367
قالُوا: وخَرَج عشرُونَ ألفًا من الرُّوم في سَنَة ثلاثٍ وعشرين ومائة، فنزلُوا على مَلَطْيَةَ، فأغْلَق أهْلُهَا أبْوَابهَا، وظَهَر النِّسَاءُ على السُّور، عليهنَّ العَمَائمُ يُقاتِلْنَ، وخرَجَ رَسُول لأهْل مَلَطْيَة مُسْتَغيثًا، فرَكِبَ البَرِيدَ وسَار حتَّى لحَقَ بهِشَام بن عَبْد المَلِك وهو بالرُّصَافَةِ، فنَدَبَ هِشَامٌ النَّاس إلى مَلَطْيَةَ، ثمّ أتاه الخَبَر بأنَّ الرُّوم قد رَحَلَت عنها، فَدَعَا الرَّسُول فأخْبَرَهُ، وبعثَ معَهُ بخَيْلٍ ليُرَابَط علجها، وغَزَا هِشَامٌ نفسُه، ثمّ نَزَل مَلَطْيَةَ وعَسْكَر عليها حتَّى بُنِيَت، وكان مَمَرُّه بالرَّقَّةِ؛ دَخَلَها مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، ولَم يتقلّدْهُ قبل ذلك في أيَّامِهِ.
قال الوَاقِدِيُّ (١): ولمَا كانت سَنَةُ ثلاثٍ وثلاثين ومائة، أقْبَل قُسْطُنْطِيْن الطَّاغِيَة عَامِدًا لمَلَطِيَّة، وكَمْخ (٢) يَوْمئذٍ في أيْدِي المُسْلِميْنَ، وعليها رَجُل من بني سُلَيْم، فبعثَ أهْلُ كَمْخ الصَّرِيْخَ إلى أهل مَلَطْيَة، فَخَرَج إلى الرُّوم منهم ثمانمائة فَارِس، فواقَعتهم خَيْل الرُّوم فَهَزَمَتْهُم، ومَال الرُّومِيُّ فأنَاخَ على مَلَطْيَةَ فحصَر مَنْ فيها،
стр. 368
والجَزِيرَة يَوْمَئذٍ مَفْتُونَة، وعَامِلَها من قِبَل بَني العبَّاس مُوسَى بن كَعْب بحَرَّان، فَوَجَّهُوا رَسُولًا لهم، فلم يُمْكنْهُ إعانتَهم (a)، وبَلَغَ ذلك قُسْطُنْطِيْن الطَّاغية، فقال لهم: يا أهْلَ مَلَطْيَةَ؛ إنِّي لم آتُكُمُ إلَّا على عِلْمٍ من أمركُم، وشَاغِل من سُلْطَانِكُم (b)، انْزِلُوا على الأمَانِ، وأخْلُوا المَدِينَة أهْدِمها (c) وأَمْضِي عَنْكم، فأَبَوا عليه، فوضَع عليها المَجَانِيْقَ، فلمَّا جَهَدَهُم البَلَاءُ وأشْتَدَّ عليهم الحِصَار، سألُوه أنْ يُوَثقَ لهم، فَفَعَل، ثمّ اسْتَعَدُّوا للرِّحْلةِ وحَمَلُوا ما اسْتَدَفَّ (d) لهمِ، وألْقُوا كَثِيْرًا ممَّا ثَقُل عليهم في الآبار والمَخَابِئ، ثُمَّ خَرَجُوا، وقامَ (e) لهم الرُّوم صَفَّيْن من باب المَدِينَةِ إلى مُنْقَطع آخرهم مُخْترطي السُّيُوف، طَرَف سَيْف كُلّ إمرئٍ منهم مع طَرف سَيْفِ الّذي يُقابِله حتَّى كأنَّها عقَد قنطَرَة، ثمّ شَيَّعُوهُم حتَّى بَلَغُوا مأمنهُم، وتوجَّهُوا نحو الجَزِيرَة، فتفرَّقُوا فيها، وهَدَم الرُّوم مَلَطِيَّةَ، فلم يبْقُوا منها إلَّا هُرْيها (f)، فإنَّهم شَعَّثُوا منه شيئًا يسيرًا، وهَدَمُوا حِصْن قُلوذَيَة.
فلَمَّا كانت سنَة تِسْعٍ وثلاثين ومائة، كَتَبَ المنَصُور إلى صالح بن عليّ يأمرُهُ ببناءِ مَلَطْيَة وتَحْصِينها، ثمّ رَأى أنْ يُوَجِّه عَبْد الوهَّاب بن إبْرَاهِيم الإمام وَاليًا على الجَزِيرَة وثُغُورها، فتَوَجَّه في سَنَة أرْبعينَ ومائة ومعَهُ الحَسَنُ بن قَحْطَبَة في جُنُودِ أهْل خُرَاسَان، وقَطع البُعُوث على أهل الشَّام والجَزِيرَة، فتَوافَى معَهُ سَبْعُونَ ألفًا، فعَسْكر على مَلَطِيَّة، وقد جَمَعَ الفَعَلَةَ من كُلِّ بَلْدَةٍ، فأخَذ في بنائها، فكان الحَسَن بن قَحْطَبَة ربَّما حَمَلَ الحَجَر حتَّى يُناولَهُ البنَاءَ، وجَعَل يُغدِّي النَّاسَ ويُعَشِّيْهم من مالهِ مُبْرِزًا
стр. 369
مَطَابِخَهُ، فغاظ ذلك عَبْد الوهَّاب، فبَعَثَ (a) إلى أبي جَعْفَر يُعلمه أنَّه يُطْعِم النَّاسَ، وأنَّ الحَسَن يُطْعمُ أضْعَاف ذلك التِمَاسًا لأنْ يَطُولَه ويُفْسِد ما يَصْنَع ويُهجِّنه بالإسْرَاف والرِّيَاء، وأنَّ لَهُ مُنَادِينَ يُنادُونَ النَّاس إلى طَعامِه، فكَتَبَ إليهِ أبو جَعْفَر رَحْمةُ الله عليه: يا صَبِيّ، يُطْعِمُ الحَسَنُ من مَالِه، وتُطْعِمُ من مالي فيَفْضُلكَ، ما أُتِيْتَ إِلَّا من صِغَر خَطرك، وقِصَر (b) هِمَّتِكَ، وَسَفَه رأيك! وكَتَبَ إلى الحَسَن: أنْ أطْعِم ولا تَتَّخذ مُنادِيًا. وكان الحَسَنُ يقُول: مَنْ سَبَقَ إلى شُرْفَةٍ فَلَهُ كَذَا، فَجَدَّ النَّاسُ في العَمَل حتَّى فَرَغُوا من بناء مَلَطِيَّة ومَسْجِدهَا في ستَّة أَشْهرٍ، وبُني للجُنْدِ الّذين أُسْكِنُوها لكُلِّ عِرَافَةٍ بَيْتَان سفليَّان، وعليَّان (c) فَوْقهما، وإِصْطَبْل، والعِرَافَة: عَشَرة نَفَرٍ إلى الخَمْسَة عَشَر، وبَنَى لها مَسْلَحَةً على ثلاثين مِيْلًا منها، ومَسْلَحَةً على نَهْرٍ يُدْعَى قُباقِب، يَدْفَع في الفُرَاتِ، وأسْكن المَنْصُور مَلَطْيَةَ أرْبَعة آلاف مُقَاتِل من أهْلِ الجَزِيرَة، لأنَّها من ثُغُورهم، على زيَادَة عَشَرةِ دَنَانِير في عَطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ، ومَعُونَة مائة دِيْنار سوى الجُعْل الّذي يَتَجَاعَلَهُ القَبَائِل، ووضَعَ فيها شِحْنَتها من السِّلاح، وأقْطَعَ الجُنْدَ المَزَارِع، وبني حِصْن قلوْذَيَةَ (d)، وأقْبَل قُسْطُنْطِيْن الطَّاغِيَة في أكثر من مائةِ ألْفٍ، فنَزَل جَيْحَان، فبلغَهُ كثرة العَرَب، فأحْجَم عنها.
قال (١): وفي سَنَة إحْدَى وأربعينَ ومائة، غَزَا مُحمَّدُ بن إبْرَاهِيْم مَلَطِيَّة في جُنْد من أهل خُرَاسَان، وعلى شُرْطَتِهِ المُسَيَّب بنُ زُهَيْر، فرابَطَ بها لئلَّا يَطْمَع فيها العَدُوّ فيراجع إليها مَنْ كان باقيًا من أهْلها، وكانت الرُّوم عرضت لَمَلَطِيَّة في
стр. 370
خِلَافَة الرَّشِيدِ فلم تَقْدِر عليها، وغَزَاهم الرَّشِيد فأشْجَاهُم وقَمَعَهُم. وقد سَمِعْتُ مَنْ يذكُر أنَّه كان مِع عَبْد الوهَّاب بن إبرَاهِيم، نَصْر بن مالِك، وكان نَصْر بن سَعْد الكَاتِب موْلَى الأنْصَار معَهُ أيضًا، وقال: [من الطّويل]
تَكَنَّفَكَ النَّصْرَان: نَصْرُ بن مالِكٍ … ونَصْرُ بنُ سَعْدٍ، عَزَّ نَصْرُكَ من نَصْرِ
بابٌ في ذِكْرِ سُمَيْسَاط (١)
وهي مَدِينَةٌ صَغِيرةٌ على الفُرَات، ولها قَلْعَةٌ حَصِيْنَةٌ، وهي مَذْكُورَة، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءِ.
وقال أبو زَيْد أحْمَد بن سَهْل البَلْخِيّ، في ذِكْر صِفَة الأرْض والمُدُن وما تَشْتَمل عليه (٢): وأمَّا سُمَيْسَاط فهي على الفُرَات، وكذلك جِسْر مَنْبج، وهما مَدِينَتان صَغِيْرَتان خِصْبَتَان، لهما زُرُوع ستي ومَبَاخس، وماؤُهما من الفُرَات.
стр. 371
وذَكَرَ أحْمَد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب في كتاب البُلْدان، قال (١): وكُورَة سُمَيْسَاط وهي مَدِينَة على الفُرَاتِ، بها أخْلَاطٌ من النَّاس.
وقد ذَكَرَهَا ابن وَاضِح (٢) في كُوَر ديار مُضَر، وليسَت منها، بل إنَّما ذكَرَها فيها لأنَّها من جُمْلة الثُّغُور الجَزَرِيَّة، وقد ذَكَرْنا أنَّها من ثُغُور الشَّام، وإنَّما تُعرف بثُغُور الجَزِيرَة لأنَّ أهْلَهَا يَغْزُونَ منها وبها يُرَابطُونَ، وخَرَاجها إلى عَامِل دِيار مُضَر، وأمَّا حَرْبُها وصَلَاتُها فإنَّه ما زال إلى عَامِل جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم.
وذكَرَ البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان، قال (٣): وحَدَّثَني أبو أَيُّوب الرَّقِّيّ المُؤَدِّب، قال: حَدَّثَنِي الحَجَّاج بن أبي مَنيع الرُّصَافِيّ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: فَتَحَ عِيَاض الرَّقَّة، ثمّ الرُّهَا، ثمّ حَرَّان، ثمّ سُمَيْسَاط على صُلْحٍ واحد.
وقال (٤)، فيما حَكَى عن شُيُوخ الشَّام وغيرهم، قالوا: ثمّ أتَى عِيَاض ففَتَحَ حَرَّان، ووَجَّه صَفْوَان بن المُعَطَّل وحَبِيْب بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ إلى سُمَيْسَاط، فصَالَح عِيَاضٌ أهل حَرَّان على مثل صُلْح الرُّهَا، وفَتَحُوا له أبوابها وولَّاها رَجُلًا، ثمّ سار إلى سُمَيْسَاط فوجَدَ صَفْوَان بن المُعَطَّل وحَبِيْب بن مَسْلَمَة مُقِيْمَيْن، وقد غَلَبَا على قُرَى وحُصُون من قُرَاها وحُصُونها، فصَالَحه أهلها على مثل صُلْح الرُّهَا.
قال (٥): ثمّ إنَّ أهل سُمَيْسَاط كَفروا، فلمَّا بلغه ذلك، رَجَع إليهم فحاصَرهم حتَّى فَتَحَها.
стр. 372
قُلْتُ: وصُلْح الرُّهَا على أن يُؤدُّوا عن كُلِّ رَجُلٍ دِيْنارًا ومُدي قَمْح، وعليهم إرشاد الضَّال، وإصلاح الطُّرُق والجُسُور، ونَصِيحة المُسْلِمين.
وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن بِطْريق النَّصْرانيّ، قال (١): وكان في عَصْر إبْرَاهِيم ﵇ مَلِكٌ في الشَّرْق اسْمُه كمُوس (a)، وهو الَّذي بَنَى مَدِينَة سُوَمَيْسَاط وقُلُوْذَيَا (b) والعِرَاق.
وقُلُوذَيَة: حِصنٌ قريبُ من مَلَطيَة قد ذكَر البَلاذُرِيّ (٢) أنَّ المَنْصُور بَنَاهُ.
وبين مَلطيَة وسُمَيْسَاط ستَّة عَشَر فَرْسخًا. وهي في أيْدِي المُسْلِمين في زَمَنِنَا هذا.
بابٌ في ذِكْرِ رَعْبَان (٣)
وهي مَدِينَةُ صَغِيرَةٌ، قَديمَةُ البناء، ولها قَلْعَةٌ حَسَنَة، وهي الآن في أيْدِي المُسْلِمِيْن، وكان لسَيْفُ الدَّوْلَة بن حَمْدَان بها وَقعَةٌ مع الرُّوم، وبينها وبين الحَدَث سَبْعة فَرَاسِخ، وبها آثار أبْنيةٍ قَدِيمَة، ويُنْسب إليها جَمَاعَة منهُم بنو الرَّعْبَانِيّ بحَلَب من أكابر الحَلَبِيِيّن، منهم الوَزير سَدِيْد الدَّوْلَة أبو القَاسِم هِبَة الله بن مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي بن الرَّعْبَانِيّ كاتِب مُعِزّ الدَّوْلَة ثِمَال بن صالح، وتولَّى الوزارة للمُسْتَنْصِر
стр. 373
المُسْتَولي على مِصْر، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتَهُ وتَرْجَمةُ (١) ممَّن يُنْسَب إليها في كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ.
وذَكَرَ ابنُ وَاضِح في كتابهِ، في ذكْرِ كُور قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، فقال (٢): وكُورَتا دُلُوْك ورَعْبَان وهُما مُتَّصلتان.
وذكَرَ قُدَامَة في كتاب الخَرَاج (٣): أنَّ الرَّشِيد لَمَّا اسْتُخْلِفَ أفْرَدَ قِنَّسْريْن بكُوَرِهَا، فَصَيَّر ذلك جُنْدًا، وأفرَدَ مَنْبِج، ودُلُوْك ورَعبَان، وقُورُس، وأَنْطَاكِيَة، وتِيْزِيْن، وسَمَّاها العَوَاصِم، لأنَّ المُسْلِمين يَعْتَصِمُونَ بها في ثُغُورهم فتَعصِمَهُم.
وكانت الزَّلَازل قد أخْرَبَت رَعْبَان، وجَلا أهْلُها، وانْدَرَس أثَرها، ومَلَكَها العَدُوّ في أيَّام سَيْفُ الدَّوْلَة، فَأنْهَضَ إليها العَسَاكر والصُّنَّاع، وأنفق عليها الأمْوَال الجَسيمَة حتَّى بناها في مُدَّة شَهْر، وعَساكر الرُّوم جَامِعة والحَرْب وَاقِعَة، وكان خَلِيفَته على الجَيْش أبا فِرَاس، وبعد أنْ بَنَاها، قَصَدَها الدُّمُسْتُق ونَزَلَ عليها، فسار إليهِ سَيْفُ الدَّوْلَة، فأوْقَع به وهَزَمهُ، وقَتَلَ وأَسَرَ خَلْقًا من عَسْكره، وخَلَّف أسْلحتَهم في المَدِينَة قُوَّةً لأهلها، وفي ذلك يقول أبو فِرَاس (٤): [من الطّويل]
وَسَوفَ على رَغْمِ العَدُوِّ يُعِيدُها … مُعَوَّدُ (٥) رَدِّ الثَّغْرِ، والثَّغْرُ دَاثِرُ
стр. 374
بابٌ في ذِكْرِ دُلُوْك (١)
وهي مَدِينَةٌ قَدِيْمَةٌ لها ذِكْر، وخَرَجَ منها بعضُ العُلَمَاءِ ممَّن نذكُرهُ في كتابنا هذا (٢)، وكانت مَدِينَة عَامِرَة، ولها قَلعَةٌ من بناءِ الرُّوم، عَالِية، مَبنيَّة بِالحِجَارَة من بناءِ الرُّوم، وكان الرَّشِيد قد أفرَدَها مع غيرها، وجَعَلها من العَوَاصِم، لأنَّها كانت تَعْصِم ما يليها من الثُّغُور الجَزَرِيَّة من جهة الشَّمَال، وكان لها قَناةٌ قد رُكِّبت على قَناطِر يَصْعَدُ الماءُ عليها إلى القَلْعَة، وَحَوْلها أبْنية عَظِيمَةٌ حَسَنَةٌ مَنقُوشَةٌ في الحَجَر، وحَولها مَياهٌ كَثِيْرةٌ وبَسَاتِين، وهي كَثِيْرة الفواكه والكُروم، وقيل: إنَّ مقام داوُدَ ﵇ كان بها، وأنَّه جَهَّز الجَيْش منها إلى قُورُس، فقُتِل فيه أُوريَّا بن حَنَان (a)، وقد خَرِبَت المَدِينَةُ والقَلْعَةُ، وبقيت الآن قَريَة مُضَافة إلى عَين تَاب، وبها فَلَّاحُون وأَكَرَه.
وذَكَرَ البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان، قال (٣): وبَعَثَ - يعني أبا عُبَيْدَة - عِيَاضَ بن غَنْم إلى نَاحِيَة دُلُوك ورَعْبَان، فصَالَحَهُ أهْلُها على مِثل صُلْح مَنْبِج، واشْتَرَطَ عليهم أَنْ يَبْحَثُوا عن أخْبَار الرُّوم، ويُكَاتِبُوا بها المُسْلِمين.
وصُلح مَنْبِج كان على الجِزْيَة أو الجَلَاءِ.
стр. 375
وخَرَبَّها نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي بعدما تَسَلَّمها من الجُوسْلِين، بعد أن أَسَرَهُ على ما نذكره بَعْدُ (١) إنْ شَاءَ اللهُ.
بابٌ في ذِكْرِ قُوْرُس (٢)
وهي مَدِينَة كانت قديمةً من بناء الرُّوم، وبها آثار عظيمة، ويُقالُ إنَّ بها قبْر أُوِريَّا بن حَنان، وخَرَجَ منها جَمَاعَةٌ من الرُّواة، ولها ذكِرٌ في الفُتُوح.
ونكرها أحْمَد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح في كور جُنْد قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، فقال (٣): وكُورَة قُوْرُس مَدِينَةٌ قَدِيمةٌ، وأهْلُهَا قَومٌ من قَيْسٍ، وكان الغَالِبونَ عليها آل العبَّاس بن زُفَر الهِلَالِيّ.
وذَكَر أحْمَد بن يَحْيَى بن جَابر البَلَاذُرِيّ، فيما حَكاهُ في كِتَاب البُلْدان (٤) عن مَشَايخ الشَّام، قالُوا: وسَارَ أبو عُبَيْدَة يُرِيدُ قُوْرُس، وقَدَّمَ أمامَهُ عِياضًا، فتَلَقَّاهُ
стр. 376
رَاهِبٌ من رُهْبانِها يَسألُ الصُّلْح عن أهْلها، فَبَعَث به إلى أبي عُبَيْدَة وهو بين جِبْرِين وتَلِّ عَزَاز فصَالَحه، ثمّ أتى قُوْرُس، فعَقَد لأهلهَا عَهْدًا، وأعطَاهُم مثل الَّذي أعطى أهْلَ أَنْطَاكِيَة، وكتَبَ للرَّاهِب كتابًا في قَرْية لَهُ تُدْعَى سَرْقِيْنَا (a) ، وبَثَّ خَيْلَهُ فغَلَبَ على جميع أرض قُورُس إلى آخرِ حَدِّ نِقَابُلس (١).
قالوا (٢): وكانت قُوْرُس كالمَسْلَحَة لأَنْطَاكِيَة، يأتيها في كُلِّ عام طَالعَةٌ من جُنْد أَنْطَاكِيَة ومُقَاتِلَتها، ثُمّ حُوِّل إليها رُبْعٌ من رُبْع أَنْطاكِيَةَ، وقُطِعَت الطَّوَالعُ عنها.
وقال البَلاذُرِيّ (٣): ويُقالُ إنَّ سَلمَان بن رَبِيعَة البَاهِلِيِّ كان في جَيْش أبي عُبَيْدَة مع أبي أُمَامَة الصُّدَيّ بن العَجْلَان، صَاحب رَسُول الله ﷺ ، فنزل حِصْنًا بقُورُس، فَنُسِبَ إليهِ فهو يُعْرَفُ بحِصْن سَلْمَان. قال: وقيل إنَّ سَلْمَان بن رَبِيعَة كان غَزَا الرُّوم - بَعْد فَتْح العراق، وقَبل شُخُوصه إلى أَرْمِينِيَة - بعَسْكرٍ عند هذا الحِصْن، فَنُسِبَ إليه.
قال (٤): وسَمْعتُ مَنْ يذكر أنَّ سَلْمَان هذا رَجُل من الصَّقَالِبَة الّذين رَتَّبهُم مَرْوَانُ بن مُحَّمد بالثَّغُور، وكان فيهم زِيَاد الصَّقْلَبِيّ، فنُسِبَ إليه هذا الحِصْنُ، واللّهُ أَعْلَمُ.
стр. 377
بابٌ في دِبْرِ كَيْسُوم (١)
وكانت مَدِينَة كبيرة قَدِيْمَة، وولاية وَاسَعة عَظِيمَة، وكان حِصْنُها حَصِيْنًا، وبناؤُهُ قَويًا رَكِيْنًا، وكان بها - في أيَّام المأْمُون - نَصْرُ بن شَبَث العُقَيْلِيِّ (٢)، وكان من قُوَّاد بني العبَّاس، فعَصَى فيها على المأْمُون، فسَيَّر إليهِ طَاهِر بن الحُسَيْن، فلقيَهُ نَصْر وكَسَرَهُ، فعَادَ طَاهِرٌ مَغْلُولًا إلى الرَّقَّة، وبقي نَصْرٌ على عِصْيَانهِ، فَسَيَّر
стр. 378
المأمُون إليهِ عَبْد اللهِ بن طاهر بن الحُسَيْن، فَحَصَرَهُ بها إلى أنْ فَتَحَها، وخَرَّب الحِصْن، وبَقِيَت المَدِينَة، وهي الآن قَريةٌ كبيرةٌ عَامِرَةٌ بها الفَلَّاحُون، وهي في أيْدِي المُسْلِمين.
وقد ذَكَرَها أحْمَد بن أبي يَعقُوب بن وَاضِح الكَاتِب في كتابه، فقال (١): وهي مَدِينَة جَليلَةٌ حَصِينَةٌ، كان بها نَصْر بن شَبَث مُتحصِّنًا لمَّا خَالَف، وقد صار إليها المَأْمُون.
قُلْتُ: وقد رَأيتُها في طَريقي إلى الرُّوم، وبينها بين الحَدَث سَبَعَةُ فَرَاسِخ.
بابٌ في ذِكْرِ عَزَاز (٢)
وهي الآن مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ، ومَحَاسِنُها في هذا العَصْر سَائره، قد كَثُر بناؤُها، واتَّسَعَت أرْجَاؤُها، وعمرت قَلعَتها، وكَثُرت مَنفعَتَها، وكانت قَلعَتها مَبْنِيَّة بِاللَّبِن والمَدَر، فعَمَرها المَلِكُ الظَّاهِر (a) ﵀ بالحَجَر، فصَارت من أحْصَنِ القِلَاع، ومدينَتها من أحْسَن البِقَاع.
стр. 379
وكانت تُعْرف في صَدْر الإسْلَام بتَلِّ عَزَاز، ولا ذكِر لها إِلَّا بالعُبُور بها والاجْتِيَاز، ولإسْحَاقَ بن إبْرَاهِيم المَوصِليِّ قِصَّةٌ فيها مع بنت قَسٍّ يُقالُ لها حَنَّه، ذَكَرها أبو الفَرَج الأصَبَهانِيِّ (١)، وقال فيها إسْحَاق المَوصِليِّ أبياتًا، وهي (٢): [من الخفيف]
إنَّ قلبي بالتَّلِّ تلِّ عَزَازِ … عندَ ظَبي من الظِّبَاءِ الجَوازِي
شادنٍ يسكُنُ الشَّآمَ وفيهِ … مَعَ شَكْلِ (a) العِرَاقِ ظَرفُ الحِجَازِ
يا لقَومي لبِنتَ قسٍّ أصابَتْ … منك صَفْوَ الهَوَى وليست تُجازِي
حَلَفَت بالمَسِيحِ إن تُنْجزَ الوَعْـ …
стр. 380
وكان مَحْمُود بن نَصْر بن صالِح أمير حَلَب قد ولَّى فيها أبا مُحمَّد عَبْد اللهِ بن مُحمَّد الخَفَاجِيّ الحَلَبِيّ، فعَصَى بها، فاحتال مَحْمُود حتَّى سَمَّهُ فمات بها، وسَنَذكُر القصَّة في تَرْجَمَة أبي مُحمَّد الخَفَاجِيّ (١).
وقال أبو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن نَصْر بن صَغير القَيسَرَانيّ، وقد اجْتَاز بعَزَاز، فرأى فيها نسَاءَ الفِرنْج، وأجازَهَا لنا شَيْخُنا أبو اليُمن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ عنْهُ، وقرأتها بخَطِّه في دِيوان شِعْره (٢): [من الخفيف]
أَيْن عِزِّي مِنْ رَوْحَتَي بعَزَاز … وجَوَازِي عَلَى الظِّبَاء الجَوَازي
واليعَافيرُ سَاحبَات الغَفَافيـ … ــر (a) علينا كالرَّبْرَب الْمُجْتَاز
بِعُيونٍ كالمُرهَفات المَواضِي … وَقُدُودٍ مِثْل الْقَنَا الهَزهَازِ (b)
ونُحُور تَقَلَّدْت بثُغُور … ريقُها ذَوْبِ سُكَّرٍ الْأَهْوَاز
وَوُجُوه لَهَا نُبُوَّةٌ حُسنٍ … غير أنَّ الْإِعْجَازَ فِي الْإِعْجَازِ
كُلُّ خَمْصَانَةٌ ثَنَت طَرَف الزُّنَّارِ … من سُرَّةٍ عَلَى هرَّازِ (c)
ذَات خَصْر يَكَادُ يَخْفَى عَلَى … الفارس منه مَوَاقِع الْمِهْمَاز
لاحَظَتْنِي فَانْقَضَّ مِنْهَا عَلَى قَلْبِي … طَرْفٌ لَه قَوادِمُ بَازِ
وَسَبَتْني لَهَا ذَوَائب شَعْرٍ … عَقَدَتها تَاجًا عَلَى أبراز (d)
مَن مُعِيني عَلَى بَنَات بَنِي الأصْفَرِ … غَزْوًا فَإِنَّنِي الْيَوْم غَازِ
стр. 381
بابٌ في ذِكْرِ بُزَاعَا (١) والبَاب (٢)
وهما قَرْيتَان عَظِيْمَتان، بل مَدِينتَان صَغيرتَان، وفي كُلّ واحدةٍ منهما مِنبَرٌ، وخَطيبٌ، وبَسَاتِين تَلذُّ للنَّازِل بها وتَطِيْب، ولكُلِّ منهُمَا وَالٍ يَقْطَعُ الخصَام، وقَاضٍ يَفُصِلُ الأحْكَام، وبينهما وادِي بُطنَان (٣) ومَرْجُه، وإلى مَحَاسِن هذا الوَادِي عُمْرَة كُلِّ مُتَنَزِّه وحَجِّهُ، وهوَ من أصَحّ البِقَاع ماءً، وأرقّها هَواءً، وفيهِ نَزَل أبو نَصْر المَنَازِيّ وقَال (٤)، وقد تَفَيَّأ في ظِلالهِ من الحَرِّ وقال (٥): [من الوافر]
وَقَانا لفْحَةَ الرَّمْضَاءَ وَادٍ … غَذَاهُ مُضَاعَفُ النَّبْتِ العَمِيْمِ
نَزَلنا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلينَا … حُنُوَّ الوَالداتِ على الفَطِيمِ
وأرْشَفَنا على ظَمَأٍ زلَالًا … ألَذُّ مِنَ المدَامةِ للنَّدِيمِ
стр. 382
يَصُدُّ الشَّمْسَ أنَّى وَاجَهَتْنَا … فيَججُبها ويَأذَنُ للنَّسِيْمِ
يَرُوعُ حَصَاهُ حَاليَةَ العَذَارَى … فتلَمَسُ جانب العقْد النَّظِيْمِ
وقد خَرَجَ من المَوْضِعين جَمَاعَةٌ من الأُدَبَاءِ، وعصَابَةٌ من الشُّعَرَاء، وأعْيَان المَوْضِعين عَبَّاسيونَ؛ من بني العبَّاسِ بن الوَلِيد الكِلابِيَّ، وكان وَالي جُنْد قِنَّسْرِيْن، ونَسْله وعَقِبه ومَوَالِيهم بوَادِي بُطْنَان.
فأمَّا بُزَاعَا؛ فكان لها حِصْن مَانع، وعليه خَنْدَق، وآثاره باقية إلى يومنا هذا، وكان الرُّوم قد اسْتَولوا على هذا الحِصْنِ في سَنَة إحْدَى وثلاثين وخَمْسِمائَة؛ فَتَحَه مَلِكُ الرُّوم بالسَّيْف، ثمّ انْدَفع وعاد في سَنة اثْنَتين وثلاثين وفَتَحَه بالأمَان، ثمّ غَدَرَ بهم ونادَى مُنَاديه: مَنْ تنَصَّر فهو آمن، ومَن أَبَى فهو مَقْتُول أو مأسُور، فَتَنَصَّر منهم أكْثَر من خَمْسمائة إنسَان، منهم القَاضِي والشُّهُود، وانْقَطَعت الطُّرُقات على طَريق بُزَاعَا وصَارت على طَرِيْق بَالِس، وضَاق بالمُسْلِميْن الخِنَاق، فاسْتَنْقذهُ أتَابِك الشَّهِيْد زَنْكِي من أيْدِيهم في مُحَرَّم سَنَة ثلاثٍ وثلاثين، وخَرِب الحِصْن والبَلَد عَامِر.
وأمَّا البَابُ؛ فهي أكْثَر عِمَارَة من بُزَاعَا، وكان فيها مغائر تعصِمُهم من الغَارَات، وكان بها طائفة كَثِيْرة من الإسْمَاعِيْليَّة، فاجْتَمع النَّبوِيَّة (a) في [أهْل
стр. 383
ذلك البَلَد] (a)، وزَحَفُوا إلى البَاب، فاعْتَصَمُوا في المغائر، فاسْتَخُرَجُوهم منها بالدُّخَان، وقَتلُوا منهم مقتَلة عَظِيمَة، وليس بها في زَمننا هذا منهم إِلَّا القليل.
وقد كَثُرت عَمَائِر الباب، واتَّسَعَتْ وصَارِت مِصْرًا من الأمْصَار، وعمر فيها الأتَابِك طُغْرِل الظَّاهِريّ خَانًا للسَّبِيْل، ومَدرَسَةً لأصْحَاب أبي حَنيفَة ﵁، وكُنْتُ في أيَّام الصِّبَا أتَردَّدُ إليها، فازدَادت عِمَارتُها على الضِّعْف ممَّا كانت.
ولأبي عَبْد اللهِ مُحمَّد بن نَصْر القَيسَرانِيِّ فيها أبياتٌ شَاهدتُها بخَطِّه، وأَخْبَرَنَا بها أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْديّ، إجازَةً عنه، قال: ومَرَرنا بسَقْى الباب؛ وهي ضَيعَةٌ حَسَنةُ الظَّاهر، كَثِيْرة المياه والشَّجَر، فقُلتُ ارتِجَالًا (١): [من الطّويل]
أمالكَ رِقِّي سَرِّح الطَّرفَ غَادِيًا … على أهْلِ بُطْنَانٍ سَقَتْها سَحابُها
حَدَائقُ للأحْدَاق (b) فيها لبُانَةٌ … يُعِيْدُ لنا شَرْخَ الشَّبَابِ شَبَابُهَا
وإنْ كُنتَ تَبْغي يَالَكَ (c) الخَيرِ مدْخَلًا … إلى جَنَّة الفِرْدَوْس فالبَابُ بابُهَا
والوَادِي يُنْسَبُ إلى بُطنَان حَبِيب، وهي قَرْيَة تُعْرَفُ ببُطْنَان حَبِيب، ولها تَلّ عليه دَيْرٌ يُقالُ لهُ: دَيْر حَبيب.
قال البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان (٢): وبُطْنَان حَبِيْب نُسِبَ إِلى حَبِيْب بن مَسْلَمَةَ الفِهْريّ، وذلك أنَّ أبا عُبَيْدَة. أو عِيَاض بن غَنْم. وجَّهَهُ من حَلَب، فَفَتَح حِصْنًا بها، فَنُسِبَ إليهِ.
стр. 384
وإلى جانب بُطَنَان مَرج كان يَنزله عَبْدُ المَلِك بن مَرْوان إذا تَوَجَّه لقتالِ مُصْعَب بن الزُّبَيْر.
بوَادِي بُطنَان مَواضعُ نَزِهَةٌ كَثِيْرةُ المياه والأشْجَار، منها: تَاذِفُ (١)، وبُوْطَلْطَل (٢)، وإِلْفين. وقال إمرؤ القَيْس في قَصِيدَته الرَّائِيَّة يَذكُر تَاذِفُ وبَاطَلْطل (٣): [من الطّويل]
ألَا رُبَّ يَوْمٍ صَالحٍ قد شَهدتُهُ … بتاذِفَ ذات التَّلّ من فَوْق طَرْطَرا
ولا مثْل يَوْم في قذَارَان (a) ظَلْتُه … كأنَّي وأصْحَابي على ظَهْر (b) أعْفَرَا
وقذَارَان: قريةٌ شمالي البَاب.
قَرأت بِخَطّ وتُوزُون إبْرَاهِيم بن مُحمَّد الطَّبَريّ، في كتاب اليَاقُوت، إمْلاء أبي عُمَر الزَّاهِد، قال تُوزُون: أملاهُ علينا من حِفْظه في شُهُور سَنَة سَبع وثَلاثمائة وعشرين، وذكر أنَّه قرأهُ أيضًا عليه، قال: فيما رَواهُ عن أبي عَمْرو بن الطُّوسيّ، ونَقَلهُ عن ابن الأعرَابيّ، وقال - يعني أبا عَبْد اللهِ بن الأعرَابيّ - في بَيْت إمْرئ القَيْس (٤): [من الطّويل]
بتاذِفَ دُونَ التَّلّ من جَنب طَرْطَرَا
стр. 385
فقال له بعضُ مَنْ حَضَر: أَفَيُرْوي تاذَفَ؟. هو حَرفٌ أَعْجَمِيٌّ يصنعُون به ما شَاءُوا.
قال: وقال أبو عَمْرو بن الطُّوسِيّ: وأمّا طَرْطَر فأَخْبَرَنِي الوَلِيدُ بن عُبَيد البُحتُريّ الشَّاعِر، قال: هي قَريَةٌ عندَنا بناحيَةِ مَنْبِج يُقالُ لها: باطَرْطَل، باللَّام.
قُلْتُ: واليوم يُقالُ لها بُوطَلْطَل؛ بَلامَيْن.
وفي هذا الوَادِي يَجري نهر الذَّهب، ويَخْرج على قُري يَسْقيها، وتمدّه عُيُونٌ بالوَادِي إلى أن ينتهي إلى الجَبُّوْل (١)، وتَجْتَمع إليهِ عُيُون أُخَر من قُري نُقرَة بَني أَسَد، فَيجْتَمع الماءُ في الشِّتَاءِ في أرْض سَبَخَةٍ، إلى جانب الجَبُّوْل، لاستغناء النَّاس عن السَّقي بالمياه في الشِّتَاءِ، فلا يزال الماء في السَّبَخَة إلى فَصل الصَّيْف، فيَهبّ الهَوَاء الغَرْبيّ، فيَحْمِل ذلك الماءَ شيئًا فشيئًا إلى الأرْض التي يَجْمد الماءُ فيها، فيَصير ملْحًا، ويُجمع الأوّل فالأوّل، ويُعَبَّي ويُباع، وتَمتَار من البلاد، وربَّما ثقل (a) ماءُ السَّبَخَة في بعض السِّنين، فيَستَقُون ماءً من آبارٍ حُفرت في تلك الأرض، ويُجْرُونَه إلى مَسَاكب قد سكبُوهَا فيجمَد فيها ويَصِير مِلْحًا، فيجمعُونَهُ منها ويَرفَعُونه ويَصنعونَ غيره، وهذا الملح الَّذي يُصْنع يكون أشَدَّ بياضًا من الأوَّل.
ويُقالُ: إنَّ عجائب الدُّنيا ثَلَاثٌ: قَلْعَة حَلَب، وجُبَّ الكَلَب، ونَهْر الذَّهب.
فأمَّا قَلْعَة حَلَب فلِعُلوهَا وارتِفَاعِها، وأنَّها في وَطأة ليس إلى جانبها جَبَل يحكُم عليها.
стр. 386
وأمّا جُبّ الكَلَب فإنَّه بئر في قَرية تُعرف بجُبِّ الكَلَب في طَرف الحَبْل (a) من قُرى حَلَب إلى جنب قِبْثَان (١) الحَبْل، هي الآن خَربة، كان الَّذي يَعضُّه الكَلبُ الكَلِب يأتي إلى هذه البئر فيَغْتسل فيها فَيَبْرأ، وقد بَطل الآن فعْلُها لِمَا نَذْكُره إنْ شَاءَ اللهُ في بابٍ يأتي (٢).
وأمّا نَهر الذَّهب، فقال لي والدي ﵀: إنّما سُمِّي نَهْر الذَّهب لأنَّ أوَّلَهُ بالقَبَّان وآخره بالكَيْل، لأنَّ أوَّله يُزرع على مائه القُطن، والبَصل، والثُّوم، والكُسْفَرَة، والكَرَاويَا، والخَشْخَاش (b)، والحَبَّة السَّوداء، والحَبَّة الخَضْراء، وبَزْر البَقْلَة وغير ذلك، ويُبَاع ذلك كُلّه بالقَبَّان. وآخره يَجْمد فيَصِير مِلْحًا، فيباع بالكَيْل ولا يَضِيع من مائه شيءٌ، ولهذا سُمِّي نَهْر الذَّهب، لأنَّهُ ذَهَب كُلَّه باعْتبار ما يُؤول إليهِ.
أنْشَدَنِي بعضُ الإخْوَان لِحْمَدان بن يُوسُف بن مُحمَّد البَابِي الضَّرير، وكان من أهل البَاب، وأدركتُهُ، وسَمِعْتُ منه شيئًا من شِعْره غير هذه الأبيات (٣)، ثمّ حَمَلَ إليَّ بعضُ أهل البَاب - وأنا بها - شِعْر حَمْدان المَذكُور، فنَقَلْتُ منهُ هذه القَصِيدَةَ يَصِفُ فيها وَادِي بُطْنَان، وما على نَهْر الذَّهب من القُرَى إلى الجَبُّول، ويَمْدح فيها المَلِك الظَّاهِر، وهي: [من الخفيف]
стр. 387
سَلْ وميضَ البُرُوق حَمْلَ التَّحيَّه … من مُحبٍّ أشوَاقُه عُذْرِيَّه
أظهَرتْ لَوعَةُ الغَرَام شُجُونًا … منه كانت بين الضُّلوع خَفِيَّه
وبرَى جِسْمَهُ النُّحُولُ فأمْسَى الـ … ــهَمُّ في حنْدس الظَّلام نَجِيَّه
وأبَى البَيْنُ أنْ يُبْقِّي من الصَّبر … عليهِ بَعْد الفِرَاق بَقِيَّه
أيُّها السَّائقُ الّذي لم يَزل يُطْرب … شَجْوًا بشَدْوه الشَّدَ نِيَّه
لا تَسَل عن قُبَا وسَلْ عن نَوَاحِي … قُبَّيا فَهْي جنَّةٌ عَدَنَيَّه
حَبَّذا تَاذِفُ الأنِيْقَةُ والأَنْهارُ … تَجْري تحت الغُصُون البهيَّه
وبسَاتِيْنُها إذا جَاوبَتْ وَرْ … قاءُ فيها بسَجْعِها قُمْرِيَّه
وبَنُونًا يا لَيْتَ لي كُلِّ يوم … غُرفًا فَوْق مائها مَبْنِيَّه
وَلكُم قد شَمَمْتُ في مَرقُونا … نَسَماتٍ مثل العَبِيْر ذَكِيَّه
رشَقَتْنِي على عُوَيْنَات زَكَّى … طيباتٍ بأَعْيُن بَابِليَّه
هذه كُلّها مَزَارِع بين البَاب وبُزَاعَا.
سفَح الوَابلُ المُلثُ على وَا … دِي بُزَاعَا وسميَّهْ وَوَليَّه
وسَما بارق الغَمام على بُطْنَانَ … بالغَيْث بُكْرَةً وعَشِيَّه
وغَدَ بالحَيَا ورَاحَتْ على البَابِ … غَوَادِي السَّحائب الوسميَّه
قَفْ على عَيْنها تَجد كُلَّ حَوْرَاء … تثنَّى كأنَّها حورِيَّه
وعلى تَيْمَرٍ وقيتَ من الخَطـ … ــب فقِفْ بي بالله عند الوَقيَّه
تَيْمَر: الجَبَل المُشْرف على البَاب من غربيّهِ، والوَقيَّة: حَجَرٌ كبير في هذا الجَبَل يُعْرف بالوَقِيَّة (a) .
стр. 388
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
وانظُرِ العَين من شَماليهِ والرَّا … هِبَ تَزْهُو أنْوارُه قبلِيَّه
وارْمُق السَّقي عندمَا يتثَنَّى … برباهَا أشجَارُه شَرْقيَّه
لا تَكِلنِي إلى اللَّوى فلقَدْ غا … دَرتُ من دُون وَصفه لي أليَّه
لستُ ممَّن تَثنيه عن وَصف إقليـ … ــم بُزَاعَا ذِكرُ الحِمَى والثَّنِيَّه
فلكَم ظَلْتُ في رُبُوع أبي طَلْـ … طلَ أقْضي أوْقَاتَ لَهُوٍ هَنِيَّه
ومسَاعٍ كانَتْ إلى السَّيْعَةِ الفَيْحـ … ـَاءِ أنوارُهَا لدَي مُضِيَّه
وبإِلفين لي وبيرة خفَّا … ن شُجُونٌ طُولَ الزَّمان شَجيَّه
قف بأَعْرانَ لي ومَحَّان والبُر … ج وأَيْشَى إنْ شئتَ والحَصَفيَّه
وتأمَّل زُهورَ نجارَةَ الفَيْـ … ـحَاءِ تَزْهو كالأنجُم الدُّرِّيَّه
فبأكنَاف عَين أرزَة لَهْوي … والمُرُوج الأنِيْقَةِ الشِّرْبعيَّه
مَنْسُوبَة إلى شِربِع (١)؛ قَريةٌ على النَّهْر.
طَالَما بتُّ بالقُبيبة أُفْنِي … جَلَدِي باكيًا على الجَلديَّه
وتأمَّل بلَحظ عَينك يا صَا … ح مُروج الجَبُّوْل والنَّجَبِيَّه
كَم بذاكَ الحِمَى ظبَاءٌ بأَطْرا … فِ العَوَالي وبالظُّبَى مَحْمِيَّه
стр. 389
كُلّ سَمرَاءَ في التَّماثيِل تَهتَز … دَلالًا كالصَّعدة اليَزنيَّه
غَازلَتنا قَبل السُّفُور بعَيْنَبـ … ـهَا فَخلنَا بأنَّها تُركيَّه
أيّ قاضٍ يُعْدي لمُكتئبٍ غـ … ــرَّته تلكَ الغَرِيْرَةُ العَدَويَّه
مُسْتَهامٍ تَبيتُ أَحْشَاؤُه منـ … ــهَا على لاعج الأسَى مَحنيَّه
وانْسِكاب الدُّموع من جَفْنِه يَنْـ … ــشُر طَيّ السَّرائر المطويَّه
يا خَلِيلَي خَلّيا ذِكْر سَلعٍ … ورُبُوع المَعَالِم الحَاجريَّه
واذْكُرا لي أكنَاف سَاحَةِ بُطْنَا … ن وتلك المَشَاهد التَّيمَريَّه
وصفَا لي أنْهَار تَاذِفَ مع أشْـ … ـجَارَها لا الحَدَائقِ الجِلَّقيَّه
بتُّ أَسْري وَهنا من البَاب واللَّيْـ … ــل علينا سُتُوره حندسِيَّه
أنا أَعمَى وقائدي في دُجَاه … أعوَرٌ والأُتانُ لي مَهْريَّه
وهوَ مِمَّا تغَشْرَمَ البِيْدَ يَسْعَى … أعْرَجًا فاعجَبُوا لها من قَضِيَّه
مَنْ يَرانا يظَلُّ يَطرَبُ بالسَّا … ئق عجبًا والمُمْتَطي والمَطِيَّه
يا لَنَا من ثلاثةٍ يَعْجَزُ الطَّا … لبُ عن رابعٍ لنا في البَرِيَّه
سِرْتُ حتَّى طَوَيْتُ أرْضَ مُعَيراثـ … ــيا وتلك المَعَالِم الغُورِيَّه
واتِّسَاع المَيْدَان مَعْ سَطْحِ رَبَّا … ثَا وتلك الحَفِيْرَة النَّشَزيَّه
ورُبا البَقْعَة التي نَشَر الغَيْـ … ــثُ عليَّها مَلابِسًا سُنْدسيَّه
وتَرَتَّبتُ بالمُرَتَّب في ظَهْـ … ــر (a) أتَاني لأُدرك الأمنِيَّه
وَتَجَشَّمْتُ بالصُّخَيْر وشحنجَّـ … ـــار وَعْرًا تَهابُه الشَّدقَمِيَّه
وفَلَيْتُ الفَلَا إلى نَحْو بابـ … ـــلي بعَزم أمْضَى من المَشْرَفِيَّه
стр. 390
وعلى هَضْب بَانَقُوسَا بَدَا الصُّبْـ … ـحُ ولَاحَتْ أنْوارُه المَخْفِيَّه
وأتَى الدَّهر مُقْلِعًا إذ رأَى أنْنَ … مَلاذي بالقَلْعَة الظَّاهِريَّه
فَحَطَطْنا لَمَّا حَطَطَنْا عن الدَّهْـ … ـرِ بها كُلّ زَلَّةٍ وَخَطِيَّه
يا ذَوِي البُؤْسِ يَمِّمُوها تَحُلُّوا … كَعْبةَ الجُودِ والنَّدَى والعَطِيَّه
فبها مالِكٌ أقلَّ أيادِيـ … ـهِ تَفُوْقُ الأيَادِيّ الطَّائيَّه
قَلْعَة سَامَتِ السَّماءَ وضَاهَت … في المَعَالي أفْلَاكها العُلْويَّه
شَرُفَتْ بالغياثِ حتَّى غَدَتْ فو … قَ الثُّريا أركانها مَبْنيَّه
ثمّ أطال في مَدْح المَلِك الظَّاهِر ﵀ فاختَصَرتُه خَوفًا من الإِطَالَة.
أنْشَدنِي والدي ﵀ وقال: خَرَجَ أبو عَبْد اللهِ القَيْسَرَانِيَّ مع والدي إلى وَادِي بُزَاعَا فَمُرُّوا بتَاذِفَ فَرَاقَهُم حُسْنُها، فقال القَيْسَرَانِيَّ فيَّها (١): [من مجزوء الكامل]
مَا زلتُ أخْدَعُ عن دِمَشْـ … ـقَ صَبَابَتي بالغُوْطَتَيْنِ
حتَّى مَرَرت بتَاذِفٍ … فكأنَّني بالنَّيرَبَيْنِ (a)
فَرَأيت مَا قَدْ كُنْتُ آ … مُلُهُ بأَشْوَاقي بعَيْنِي