← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

خَالِد بن أبي خَالِد (١) له ذِكْرٌ في وَقْعَة صِفِّيْن، وشَهِدَها مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها. وهو في غَالِب ظَنِّي: خَالِد بن الحَارِث بن أبي خَالِد الأنْصَاريّ، الذّي قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢)، واللهُ أعْلَمُ. خَالِص بن أحْمَد بن خَالِص بن عَبْدِ الله بن خَالِص، أبو القَاسِم بن أبي العبَّاس الغَافِقِيُّ الإشْبِيلِيُّ ثُمَّ الشُّقْرِيّ (٣) قَدِمَ حلَبَ، وصَحِبَ بها مُحَمَّد بن عليّ بن العَرَبيّ، وتوجَّه منها صُحْبتَهُ إلى بَلَدِ الرُّوم، ولم يَتَّفق لي به اجْتِمَاع حين وَرَدَ حَلَب. وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، كَتَبَ عنهُ رَفِيْقُنا رَشِيْدُ الدِّين مُحَمَّد ابن الحافِظ عبد العَظِيْم المُنْذِريّ، وقرأتُ بخَطِّه: أنْشَدَني الشَّيْخُ الجَلِيْلُ الفَاضِلُ أبو القَاسِم خَالِصُ بن أبي العبَّاس أحْمَد بن خَالِصِ بن عَبْدِ الله بن خَالِص الغَافِقِيّ الإِدْرِيسِيّ الإشْبِيلِيّ الأصْلِ، الشُّقْرِيّ المَوْلد -مَوْلدُه بجَزِيْرَة شُقْر سَنَة تِسْعٍ وثمانين وخَمْسِمائَة ظَنًّا- بالقَاهِرَة في مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الآخرة سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وسِّتمائة، قال: أنْشَدَني الأدِيْبُ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن حَرِيْق لنَفْسِه بمُرْسِيَة فيما أظُنُّ، وقد سَمِعْتُ منه كَثِيْرًا من شِعْره: [من مجزوء البسيط] يا لَيْلَةً جَادَتِ الأمَانِي … بها على رَغْمِ أَنْفِ دَهْرِي أَسْبَلَ فيها عَلَيَّ نُعْمى … يَقْصُرُعنها طَويْلُ شُكْرِي

стр. 4062

إذْ باتَ في مَنْزِلي حَبِيْبي … وَقامَ في أَهْلِهِ بعُذْرِ فبتُّ لا حَالةٌ كحَالي … ضَجْيْعَ بَدْرٍ صَرِيْعَ خَمْرِ يا لَيْلَةَ القَدْرِ في اللَّيالِي … لأنْتِ خَيْرٌ مِنَ الْفِ شَهْرِ ونَقَلْتُ من خَطِّه أيضًا: أنْشَدَني أبو القَاسِم خَالِصُ المَذْكُورُ لنَفْسِه في التَّاريخ أعْلَاهُ من قَصِيدَة: [من الطويل] سَرَتْ عُطُلًا خَوْفَ العُيُونِ الرَّوَاصِدِ … وجَرْسِ حُلىِّ في الفَضِيْحةِ جَاهِدِ وخَافَتْ تَفَرِّي اللَّيْل عنِ صُبْحِ وَجْهِها … فلاذَتْ فلَم تَحْفِلْ بإرْسَالِ وَارِدِ ولولا نَسِيمُ الرِّيح عَرَّفَ عَرْفَها … لنَيْلِ وِصَالٍ دُونَ وَاشٍ وحَاسِدِ وكم حِيْلَةٍ للهَائِمِ الصَّبِّ في الهَوَى … يَكِيْدُ بها والدَّهْرُ جَمُّ المَكَائِدِ وما زَالَ هذا الدَّهْرُ يَعْتَاقُ بالمُنَىٍ … مُنَانا ويَسْقِيْنا سِمَامَ الأسَاوِدِ يُرِيدُ بنا ما لا نُريدُ سَفَاهَةً … ويُوْرِدُنا لا كانَ شَرَّ المَوَارِدِ ونَقَلْتُ من خَطِّه: وأنْشَدَنا لنَفْسِه في ذَمِّ دِمَشْق: [من الوافر] لأهْلِ دِمَشْقَ في الدُّنْيا شَقَاء … بسُكْنَاهَا وَهُوْنٌ غيرُ هَيْنِ مَسَاكِنُ مِن مَسَاكِنِهمْ وإنْ لَم … يُحِسُّوا وَهْيَ شَرُّ الشِّقْوَتَيْنِ فإنْ لم تُغْتَفَر لَهم ذُنُوبٌ … بهِ دَخلُوا جَهَنَّمَ مَرَّتَينِ تُوفِّي أبو القَاسِم خَالِص بن أحمد [ … ] (a). خُبَيْقُ بن سَابِق، أبو عَبْدِ الله الكُوْفيُّ ثمّ الأنْطَاكِيُّ كان من أهْلِ الكُوفَة وتحوَّل إلى أنْطَاكِيَة هو وابنُهُ عَبْد الله الزَّاهِدُ، وحَكَى عن يُوسُفَ بن أسْبَاط، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ عَبْد الله بن خُبَيْق.

стр. 4063

أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ بدِمَشْقَ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح. وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن عليّ الفَنَكيِّ، قال: أنْبَأْنَا أبو المَعَالِي عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم بن العبَّاسِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاء الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الضَّرَّابُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان المالِكيِّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن حَفْصٍ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن خُبَيْقٍ، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: قال لي يُوسُف بن أسْبَاط في مَرَضِهِ الّذي ماتَ فيه: يا أبا عَبْدِ اللهَ، إذا أنا مُتُّ فصَيِّر إسْمَاعِيْل بن دَايَة فيمَن يُغَسِّلُني، قال: فقُلتُ لَهُ: يا أبا مُحَمَّد، إسْمَاعِيْل ليسَ من أصْحَابِكَ، وهو من أصْحَاب السُّلْطان، فأيّ شيءٍ مَذْهَبُكَ في هذا؟ قال: دَخَلْتُ الحَمَّام فَخَدَمني ولَم أُكَافِئْهُ، وأنا أعْلَم أنَّهُ يُسَرُّ أنْ يكُون فيمَن يُغَسِّلني فيكُون هذا مكافأةً لِمَا كان منه. قال ابنُ خُبَيْق: قال أبي: دَعَوْنا سُليْمان الطَّبِيْبَ ليُدَاوِي يُوسُف وكان يَرْجع إليه عَقْلُه أحيانًا، فيقُول: إلَّا قليل، فلَم يَزَل به حتَّى دَاواهُ وصَحَّ، فلمَّا فَرَغ وأراد أنْ يَخْرج سُليْمان الطَّبِيْب، قال يُوسُف: أيّ شيء تُعْطُونَهُ؟ قُلنا: لا يُريد منكَ شيئًا، قال: يا سُبْحَان اللَّه، جئتُم بطَبِيْب المُلُوك ولا أُعْطِيهِ شيئًا! قُلتُ: أعْطهِ دِيْنارًا، فقال: خُذْ هذا فادفَعْهُ إليه وأَعْلِمْهُ أنِّي لا أمْلكُ غيره، لأنْ لا يتوَهَّمِ أنِّي أَقَلُّ مُرُوءَةً من المُلُوك، فدَفعَ إليَّ صُرَّة فيها خَمْسَة عَشر دِيْنارًا، قال: فأخَذْتُها فدَفَعْتُها إليه، وجَعَلَ يُوسُفُ يَعْمَلُ الخُوْصَ بيده حتَّى مات.

стр. 4064

خُتْلُغ آبَه (١) ويُقَال: قُتْلُغ آبَه، وهو اسْمٌ تُركيٌّ، ويُعَرَّب فيُقال: خُطْلُبَا. وهو من مَمَالِيْك السُّلْطان مَحْمُود بن مَلِكْشاه، مَلَكَ حَلَب سَنَة إحْدَى وعشرين وخَمْسِمائَة؛ سَلَّمها إليهِ بتَوْقِيعْ إلى نَائبه مَسْعُودُ بن آقْ سُنْقُر البُرْسُقيِّ، فأقامَ بها ستَّة أشْهُر، ومدَّ يَدَهُ في ظُلْم الرَّعِيَّة، واجْتِيَاحِ أمْوَالهم والطَّمَع فيها، وِاتَّهَم أبا طَالِب عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ بأنَّ المِجَنّ بَرَكات الفُوْعيِّ أوْدَعَهُ وَدِيْعَةً، وسَجَنه، وسَجَن عمّه أبا عَبْد الله ابن العَجَميِّ، وضيَّق على أبي طَالِب وعَذَّبَه وثَقَب كَعْبه (٢). وكان بَدْر الدَّوْلةَ سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق بحَلَب، فصَاح أهْلُ حَلَب بشِعَاره، وقام فَضَائِل بن بَدِيْع رَئيس حَلَب مَعَهُ، واتَّفقُوا على أنْ حَصَرُوا خُتْلُغ آبَه وقَبَضُوا على أصْحَابهِ، ووَصَل إليهم إلى حَلَب إبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان بن تُتُش، وكان بَدْر الدَّوْلَة زَوْج أُخت إبْراهيم، فكانا يَجْبِيَان دَخْل حَلَب بينهما، وطَالَ الحِصَار بخُتْلُغ آبَه إلى نِصْف ذِي الحِجَّة، واتَفق الأمْرُ بينهم على أنْ اسْتَدعوا أتَابِك زَنْكِي، فوَصَل وتَسَلَّم حَلَب، وأَخَذَ خُتْلغُ آبَه وكَحَلَهُ، وانْتَقَم اللهُ منه لأهْلِ حَلَب. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن نِزَار التَّنُوخِيّ المَعْرُوف بابنِ العُظَيْميّ الحَلَبيِّ، في كتابهِ المُؤَصَّل على الأصْلِ المُوَصَّل؛ وهو

стр. 4065

التَّذْكِرَة من سِيَر الإسْلَام (١)، وأخْبَرَنا بذلك أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إجَازَةً، قال: أجَازَ لنا أبو عَبْد الله ابن العُظَيْميّ وقال: سَنَة إحْدَى وعشرين وخَمْسِمائَة، ولمَّا شَرَّق عِزّ الدِّين مَسْعُود البُرْسُقِيّ وَلَّى بحَلَبَ والقَلْعَة الأَمِير تُوْمَان، فلمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُوره بالشَّرْق، نفَّذَ سرِيَّةً مع أُمَرَاء منهم: يَنَال وسُنْقُر دراز (a) وغيرهما (b)، فلمَّا وَصَلُوا إلى حَلَب لَم يَدْخل معهم تُوْمَان في الطَّاعَة، فَحَالَفَه رَئيسُ حَلَب فَضَائِل بن بَدِيْع، وأدْخَلهم إلى حَلَب، وأنْزَلَهم قَلْعَة الشَّريف، ووقَعَ بين الوَالي وأهْل حَلَب. وبعد ذلك بأيَّامٍ يَسِيْرة، وَصَل إلى حَلَب غُلَام السُّلْطان مَحْمُود؛ واسْمُه خُتْلُغ آبَه بتَوْقِيْع عِزّ الدِّين مَسْعُود بحَلَب، وصُحبَتُه عُمْدَة الدِّين سُنْقُر الطَّويل صَاحِب حَرَّان المَعْروف بدراز، وسَلَّم التَّوْقِيع إلى تُوْمَان بتَسْليم المَوضِع إلى خُطْلُبَا، فلم يَقْبَل، واحْتَجَّ بعلامَةٍ بَيْنهُ وبين عِزّ الدِّين لم يَتَضَمَّنها التَّوْقِيع، واعْتَرَف بالخَطِّ حَسْب، وكانت العَلَامَةُ بينهما صُوْرة غَزَال، لأنَّ عِّز الدِّين كان أحْسَن النَّاسِ نُقُوشًا وتَصَاوير، وكان من الذَّكَاء على أمرٍ عَظِيم. وطالَ الأمرُ على خُطْلُبَا، وأشَارُوا عليه بِالعَوْدَةِ فعادَ. وكان عِّز الدِّين مُحَاصِرًا (c) الرَّحْبَة وِبها قَرَاقُش الأمِيْر حَسَن (d)؛ رَجُلٌ فَارِسيُّ الأصْل، فاسْتَأمَن وَنَزل، ونَزَل المَوضِعَ غيره، فماتَ عِزّ الدِّين، فوَصَل في خَمْسَةِ أيَّام فوجَدَ مَسْعُودًا

стр. 4066

قد مات، وهو مَطْرُوح على قِطْعَة بسَاطٍ والعَسْكَر مَشْغُولون عن دَفْنهِ؛ قد نَهَبَ بعضُهم بعضًا، فعاد خُطْلُبَا إلى حَلَب في ثلاثةِ أيَّام، وعرَّف النَّاس بمَوْتِهِ، فأدْخَلَهُ ابن بَدِيْع المَدِينَة إلى دَاره، واسْتَنْزلوا تُوْمَان من القَلْعَة بعدما صَحَّ عنده وَفَاةُ صَاحِبهِ، فصَانَعَهُم على ألف دِيْنارٍ، وسَلَّم القَلْعَةَ، ومَلَكَها خُطْلُبَا، واسْتَحْلَفَهُ الحَلَبِيُّونَ، واسْتَوثَقُوا منه. وطلعَ المركْزَ (a) بتاريخ الخَمِيْس لستٍّ بَقِينَ من جُمَادَى الآخرة من هذه السَّنَة (١)، والقَمَر في الجَوْزَاءِ على قِرَان المِرِّيْخ، ولمَّا صَعدَ وبَقي أيَّامًا، ظَهَرَ أنَّهُ من أهْلِ الشَّرِّ والظُّلْم، فتَشَوَّشَت قُلُوبُ الرَّعِيَّة، وحَمَلَهُ قَوْمٌ من أهْلِ السُّوءِ على الطَّمَع، فتغَيّر وبَدَّل ما حَلَفَ عليه، وصَارَ يَخْتِم على تَرْكة مَنْ يَمُوت، ويُرْفَع مالَهُ إليه، ولا يكْشف: هل له وَارثٌ أم لا؟ وصَحَّ هذا عند الأَمِير بَدْر الدَّوْلَة، والرَّئِيس فَضَائِل بن بَدِيْعِ، وأنَّهُ قد عوَّل على قَبْضهما، فتحَالَفَا عليه، واتَّفق معهما أحْدَاثُ حَلَب، فقامُوا عليه لَيْلَة الثّلاثَاء ثاني شَوَّال ليلًا، والقَمَر في القَوْس في ستّ درجِ على تَسْديس زُحَل، وكان غِلْمَان خُطْلُبَا وحُجَّابه وأصْحَابه في قلَّةٍ، وكُلُّهم يَشْربُون في البَلَد -لأنَّهُ عَشِيَّة عيدِ الفِطْر- عند أصْدِقائهم ومَعَارِفهمِ، فقَبَضَهَم الحَلَبِيُّونَ، ومَلأوا بهم الحبُوسَ والمَسَاجِد ودَار ابن الإقْرِيْطِشِيّ، وقيَّدُوهُم وأصْبَحُوا مُعْتَقلين، وزحفَ النَّاسُ كافَّة إلى باب القَلْعَة، وحَصَرُوا القَلْعَةَ، فقَاتَلهم النَّهَار أجْمَع، ولمَّا كان اللَّيْل نَزَل [و] أحْرَقَ (b) القَصْرَ الّذي لَم يكُن في البِلادِ مثْلُه، وأتْلَفَ فيه من السُّقُوف والأبْوَاب والأخْشَاب والرُّخَام ودَار الذَّهَب حتَّى تَوَاقَع بعضُه على بعضٍ.

стр. 4067

وهَجَم النَّاسُ صَبِيْحَة تلك اللَّيْلة، فَنَهَبُوا منه كُلّ ما قَدرُوا عليه، وقُتِلَ من النَّاس جَمَاعَة، ووصَل إلى باب حَلَب الأَمِيران حَسَّان بن كُمُشْتُكِيْن البَعْلَبَكِّيّ وأخُوه حَسَن صَاحِبا مَنْبِج وبُزَاعَة (a) بتاريْخ السَّبْت سَابِع شَوَّال، وسَامَاهُ الخُرُوج معهما فأبَى ذلك على أنْ يُسَلِّم حَلَب إلى بَياض البَلَدِ وابن مَالِك ويتسَكع، فلمَّا أبى طال الحِصَارُ. ووصَل بعد ذلك جُوِسْلِين إلى باب حَلَب في مائتي فَارِس، ونَزَل بَابلَّا، وتقَدَّم إلى بَانَقُوسَا، ونفَّذ رسُولَهُ إلى حَلَب بتاريْخ الأَحَدِ ثَامِن شَوَّال، وطَلَب خدمةً فصَانعُوه ودَفعُوه. وفي آخر شَوَّال (b) وَصَلِ المَلِكُ إبْراهيم بن رِضْوَان، فأدْخَلُوه إلى حَلَب، وأكْرَمُوه ونَادوا بشِعَاره، وخَرجَ صَاحِبُ أنْطَاكِيَة البَيْمُنْد وَنَزَل صِلْدِع بتاريْخ الأرْبَعَاء حَادِي عَشر شَوَّال، والمُرَاسَلَة تَعْمل، ورَكبوا بُكْرة ذلك اليَوْمِ، وضَايقُوا حَلَبَ، ورَكِبَ المَلِكُ إبْراهيم بن رِضْوَان وبَدْر الدَّوْلَةِ، ونَفَر الحَلَبِيُّونَ والرَّئِيسُ ابن بَدِيْع في خَلْقٍ عظيم وتَرَاسلُوا، فاسْتَوتِ الهُدْنَة، ووَقَعت الأيْمانُ على المُدَّة المَعْلُومَة، وحُمِلَ إليه ما اقْتَرَحَهُ يَوْم الخَمِيْس ثاني عَشر شَوَّال، بعد أنْ أشْرَف النَّاسُ على الخَطَرِ العَظِيْم ودَخَل رَسُول الإفْرَنْج، [و] قبضَ من حَلَب ألف دِيْنار، وقرَّر ألفًا أُخْرى وعادَ إلى أنْطَاكِيَة، وصَار كُلّما غاب من الحَلَبِيِّين رَجُل قد قُتِلَ أو صُلِبَ.

стр. 4068

وطالَ الأمر على خُطْلُبَا، وحَفَرُوا خَنْدَقًا حَوْل القَلْعَة، فكُلّما خَرَجَ منها رَجُل أو دَخَل إليها أُخِذَ، إلى نِصْف ذِي الحِجَّة (a)، [و] وَصَل الأَمِير سُنْقُر دراز والأَمِير حَسَن قَرَاقُش وجَمَاعَة أُمَرَاء في عَسْكَر قَوِيّ إلى باب حَلَب، واتَّفَق الأمْرُ على أنْ يَسِيْر بَدْرُ الدَّوْلَةِ وخُطْلُبَا إلى باب المَوْصِل إلى المَوْلَى الأصْفَهْسَلار المَلِك عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلةَ زَنْكِي ابن قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر إلى المَوْصِل، فلمَنْ وَلَّى عادَ إلى مَنْصِبهِ (b). وأقَامَ بحَلَب الأَمِير حَسَن قَرَاقُش والرَّئِيس فَضَائِلِ بن بَدِيْعِ، فأصْلَح عِمَاد الدِّين بينهما، ولَم يُوقِّعِ لأحدٍ منهما، وطَمِعَ بمُلْكِ البَلَدِ، وسَيَّر سَرِيَّةً إلى حَلَبَ مع الأَمِير الحَاجِب صَلاح الدِّين العِمَادِيّ، فوَصَل إلى حَلَب، وأَطْلعَ إلى القَلْعَة وَاليًا من قِبَله، ورتَّب الأُمُور، وجَرَت على يَده على السَّدَاد. وقال ابنُ العُظَيْميِّ (١): سَنَة اثْنَتَيْن وعشرين وخَمْسِمائَة، في جُمَادَى الآخرة، وَصَل قَسِيم الدَّوْلَة أبو سَعيد زَنْكِي إلى حَلَب، ومَلَكها وصَعدَ القَلْعَة، وباتَ بها، وعادَ إلى نُقْرَة بني أَسَد، وقَبَضَ على خُطْلُبَا، وحَمَلَهُ إلى حَلَب وسَلَّمَهُ إلى عَدُوِّه ابن بَدِيْع، فكَحَلُوه (c) بدَاره في النِّصْف من رَجَب.

стр. 4069

ذِكْرُ مَن اسْمُهُ خِدَاش خِدَاشُ بن بِشْر بن خَالِد بن الحَارِث بن نُبَيْه - وقيل: خِدَاش بن بِشْر بن عبد الحَارِث بن أبي خَالِد بن نُبَيْه، وقيل: خِدَاشُ بن بِشْر بن أبي خَالِد، وقيل: ابن خَالِد، بن نُبَيْه (a)- ابن قُرْط بن سُفْيان بن مُجَاشِع بن دَارِم بن مَالِك بن حَنْظَلَة بن مَالِك بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم بن مُرّ بن أُدّ بن طَابِخَة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، أبو يَزِيد، -وقيل: أبو مالك- التَّمِيْمِيّ المُجَاشِعِيّ، وهو المَعْرُوف بالبَعِيْث البَصْرِيّ (١) شَاعِرٌ إسْلَاميٌّ، قَدِمَ الشَّامَ، ونَزَل على آل القَعْقَاع العَبْسِيّ أخْوَال الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، ومَدَحَهُم، وكانت مَنَازِلهم بناحيةِ قِنَّسْرِيْن بالحِيَار وما وَالاها. وقيل إنَّهُ كان أخْطَبَ بني تَمِيْم، وكانت أُمُّهُ أَمَة من أصْبَهَان يقال لها: بردَة (b). وقيل: أُمُّهُ سِجِسْتَانيَّة تُسَمَّى فَرْتَنا.

стр. 4070

أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَد، وأبو عَبْد الله يَحْيَى ابْنا الحَسَن بن البَنَّاء إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الآبِنُوسِيّ، عن أبي الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ. وقال أبو غَالِب: أنْبَأنَا أبو الفَتْح عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن المَحَامِلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ، قال: البَعِيْث الشَّاعر اسْمُهُ خِدَاشُ بن بِشْر بن أبي خَالِد بن نُبَيْه -بفَتْحِ البَاء- بن قُرْط بن سُفْيان بن مُجَاشِع بن دَارِم، يُكْنَى أبا يَزِيد، هو الّذي هَاجَاهُ جَرِيرٌ؛ وفيه يقُول جَرِيْرٌ (١): [من الكامل] لمَّا وَضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مِيْسَمي … وضَغَا (a) البَعِيْثُ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ وقيل: هو خِدَاش بن بِشْر بن عَبْد الحَارِث بن أبي خَالِد بن نُبَيْه، وسُمِّي البَعِيْث بقَوْله (٢): [من الطويل] تبَعَّثَ منِّي ما تبعَّث بَعْدَما … أَمرَّتْ قُوَاي واسْتَمرَّ عَزِيمتي أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن الحَرَسْتَانِيّ، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو نَصْر عليّ بن هِبَة اللَّه بن مَاكُولا (٣)، قال: وأمَّا البَعِيْث واسْمُهُ خِدَاشُ بن بِشْرٍ بن أبي خَالِد -وقيل: ابن خَالِد- بن نُبَيْه (b) - بفَتْحِ الباءِ- ابن قُرْط بن سُفْيان بن مُجَاشِع بن دَارِم، يُكْنَى أبا يَزِيد، ويُقال: أبو مالك، هو الّذي كان يُهَاجي جَرِيْرًا. وقيل: هو خِدَاشُ بن بِشْر بن عَبْد الحَارِث بن أبي خَالِد بن نُبَيْه، والأوَّل أصَحُّ.

стр. 4071

ثمّ قال ابنُ مَاكُولا (١) في باب خِدَاشٍ: بكَسْر الخَاءِ المُعْجَمة وبَعْدَها دالٌ مُهْملَة وآخره شين مُعْجَمة؛ خِدَاش بن بِشْر بن خَالِد، وذَكَرَهُ. أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعيّ (٢)، قال: خِدَاشُ بن بِشْر بن خَالِد بن الحَارِث بن نُبَيْه (a) بن قُرْط بن سُفْيان بن مُجَاشِع بن دَارِم بن مَالِك بن حَنْظَلَة بن مَالِك بن زَيْد مَنَاة بن تَمِيْم بن مُرّ بن أُدّ بن طَابِخَة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، أبو يَزِيد التَّمِيْمِيّ ثمّ المُجَاشِعِيّ، المَعْرُوف بالبَعِيْث، أحَدُ الشُّعَراءِ المُجِيْدين، بَصْرِيٌّ قَدِمَ الشَّامَ، وكان خَطِيْبًا شَاعِرًا. أخْبَرَنا عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّبُ، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً أو سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبدُ الوَهَّاب بن عليّ بن عَبد الوَهَّاب بن السُّكَّرِيّ البَزَّازُ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن عَبْد العَزِيْز الطَّاهِريّ قِراءَةً عليهِ، قال: قُرئ على أبي بَكْر أحْمَد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَلْم بن رَاشِد الجَبَليّ قال: أخْبَرَنا أبو خَلِيفَة الفَضْل بن الحُبَاب بن مُحَمَّد بن شُعَيْب الجُمَحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن سَلَّام بن عُبَيْد الله بن زِيَاد الجُمَحيّ (b) في طَبَقَاتِ الشُّعَراءِ الإسْلَاميِّين (٣)، قال: الطَّبَقَةُ الثَّانيَة من الإسْلَاميِّين أرْبعةٌ: البَعِيث واسْمُهُ خِدَاش بن بِشْر بن خَالِد بن الحَارِث بن نُبَيْه (٤) بن قُرْط بن سُفْيان بن مُجَاشِع بن دَارِم بن مَالِك بن حَنْظَلَة، والقُطَامِيّ، وكُثَيِّر، وذُو الرُّمَّة.

стр. 4072

وقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلَّام (١)، قال: حَدَّثَني أبو الغَرَّاف، قال: وَرَدَ على غَسَّان السَّلِيْطيّ الأعْوَر النَّبْهَانِيّ من طَيِّء، فسَألَهُ فَقَرَنَ (a) له، وقال: ألَا تُغْن عنَّا جَرِيْرًا؟ فقال (٢): [من الوافر] إذا طَلَع العيُّوق أوَّل كَوْكَب … كَفَى اللُّؤْمَ عند النَّازِلين (b) جَرِيرُ ألسْت كُلَيْبيًا وأُمُّه كَلْبَة … لها بين أطْنَاب البُيُوت هَرِيْرُ ولو عندَ غَسَّان السَّلِيْطيّ عرَّسَت … رعا قَرَنٌ منها وكاس عَفِيْرُ (c) أتنسى نساءً باليَمَامَة منكُمُ … نَكَحْن عَبِيْدًا ما لهنَّ مُهُورُ فقال جَرِيْرٌ (٣): [من الطويل] وأعْوَرَ من نَبْهَان يَعْوي ودُوْنَهُ … من اللَّيْل بابا ظُلْمَةٍ وسُتُورُ رفَعْتُ له مَشْبُوبةً يَهْتدِي بها … يكادُ سَنَاهَا في السَّماء يَطِيْرُ وأعْوَر من نَبْهَان أمَّا نَهَارُهُ … فأعْمَى وأمَّا ليلُهُ فقَصِيْرُ (d) تُسَاق من (e) المِعْزَى مُهُور نسَائهم … وفي شرط (f) المِعْزَى لهُنَّ مُهُورُ قال: وحَدَّثَنَا ابن سَلَّام (٤)، قال: حَدَّثَني أبو يَحْيَى الضَّبِّيّ، قال: كانوا كذلك حتَّى وَرَد البَعِيثُ المُجَاشِعِيّ عليهم، وكان وَلَدهم ووَلدُوه فيشكوا (g) إليه قَهْرَ جَرِير صَاحِبَهم، فقال البَعِيثُ (٥): [من الطويل]

стр. 4073

إذا نُشرت (a) مِعْزَى عَطِيَّةَ وارْتَعَت … بلاغًا (b) من المَرُّوتِ أَحوَى (c) حَمِيْمها (d) تعرضْتَ لي حتَّى صَكَكْتُكَ صَكَّةً (e) … على الوَجْهِ (f) يكبُو لليدَيْن أَمِيْمُها أليسَت كُلَيْبٌ أَلْأمُ النَّاسِ كُلِّهم (g) … وأنت إذا عُدَّتْ كُلَيْبٌ لَئيمُها وكانت أُمُّ البَعِيث أَمَةً حَمْرَاء سِجِسْتَانيَّةً تُسَمَّى فَرْتَنَا (h)، وكان يُقال له: ابن حَمْرَاءِ العِجَان، فهَجَاهُ جَرِيرٌ، فثَاورَهُ، فضَجَّ إلى الفَرَزْدَقِ، والفَرزْدق يَوْمئذٍ بالبَصْرَة؛ وقد قيَّد نَفْسَه وآلَى لا يَفُكُّ قَيْدَهُ حتَّى يقَرأ القُرْآنَ، فقال البَعِيثُ (١): [من الطويل] لعَمْري لئن (i) ألْهَى الفَرَزدقَ قَيْدُه … ودُرْجُ نَوارٍ ذُو الدِّهَان وذُو الغِسْلِ ليَنْبَعِثَن منِّي غَدَاةَ مُجَاشِعٍ بَدِيْهَة … لا وَان الجَزَاءِ ولا وَغْلِ (j) فقال جَرِيْر (k): [من الطويل] جَزَعْتُ إلى دُرْجي نَوارَ وغِسْلِها … فأصبَحْتُ عَبْدًا ما يُمِرُّ وما يُحْلي وعدَّهُ النَّاسُ مَغْلوبًا حينَ اسْتَغَاثَ. قال (٢): وقال الفَرَزْدَقُ: إنِّي إنْ وَثَبْتُ على جَرِير الآن حَقَّقْتُ على البَعِيثِ الغَلَبَة، ولكن كأنَّني وَثَبْت عليهما فأَدَعُ البَعِيثَ وآخُذُ جَرِيرًا، فقال (l): الطَّبِيْبُ أطَبُّ، فقال الفَرَزْدَق (٣): [من الطويل]

стр. 4074

لوَدَّ جَرِيرُ اللُّؤم لو كان غَائِبًا (a) … ولَم يَدْنُ من زَأر الأُسُود الضَّرَاغِمِ وليسَ ابنُ حَمْرَاءِ العِجَان بمُفْلِتي … ولَم يَزْدَجِر طَيْر النّحُوسِ الأشَائمِ وأنَّكُما (b) قد هجْتُماني عليكُما … فلا تَجْزَعا واستَسْمِعَا للمُرَاجِمِ وقال (١): [من الطويل] فإنْ يَكُ قَيْدِىِ كان نَذْرًا نَذَرْتُهُ … فما بي عن أحْسَابِ قَوْميَ من شُغْلِ وقال (٢): [من الطويل] دَعَانِي ابنُ حَمْرَاءِ العِجَانِ فلَم يَجِدْ … لَهُ إذ دَعَا مُسْتَأخِرًا عن دُعَائِيَا فنَفَّسْتُ عن سمَّيهِ (c) حتَّى تَنَفَّسَا … وقُلْتُ لهُ لا تَخْشَ شَيْئًا ورَائِيَا فلمَّا اسْتَطَار كُلُّ واحدٍ منهما في صَاحِبهِ، قال البَعِيثُ (٣): [من الطويل] أشَاركتَنِي في ثَعْلَبٍ قد أَكَلْتُهُ … فلَم يَبْقَ إلَّا رَأسُهُ وأكَارِعُهْ فَدُونك خُصْيَيْه وما ضَمَّتِ اسْتُهُ … فإنَّك رمَّامٌ (d) خَبِيْثٌ مَرَاتِعُه قال (٤): وسَقَط البَعِيثُ بينهما. ولَجَّ الهِجَاء نَحْوًا من أرْبَعيْن سَنَة، ولَم يُغَلَّبْ واحدٌ منهما على صَاحِبهِ، ولم يَتَهاجَ شَاعِران في العَرَب في جَاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ بمثْلِ ما تَهَاجَيا بهِ، وأشْعَارهمُا أكْثَر من أنْ نأتي عليها، ولكنَّما نَكْتُبُ منها النَّادِر. أخْبَرَنا مُحَمَّد بن هِبَةِ الله القَاضِي، فيما أَذِنَ لنا فيهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٥)، قال: قَرَأتُ في كتاب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحَسَن الدِّيْنَارِيّ بخَطِّ بعض

стр. 4075

أهل الأدَب: وَجَدْتُ بخَطِّ أبي الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانِيّ وأجَازَهُ لي، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الأسَدِيّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد -يعني: ابنَ إسْحاق المَوْصِلِيّ- عن أَبِيهِ، قال: حَدَّثَني مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، قال: هَجَا البَعِيثُ بَطْنًا من بَاهِلَة يُقال لهم بنو صَحْبٍ، فاسْتَعْدَوا عليه إبْراهيم بن عَرَبيّ (a) في خِلَافَةِ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، فضَرَبَهُ بالسِّيَاطِ، وأمرَ بهِ فطِيْفَ به في سُوق حُجْر مَجْلُودًا، فقال جَرِير يَهْجُوه (١): [من البسيط] لئن هَجوتَ بني صَحْبٍ لقد تَرَكُوا … للأصْبَحيَّةِ في جَنْبيكَ آثارَا قَوْمٌ هُم القَوْم لو عَاذَ الزُّبَيْرُ بهم … لَم يُسْلِمُوهُ وزَادُوا الحَبْلَ إِمْرَارا وكانت البَعِيث وجَريْرٌ والفَرَزْدَقُ يَوْمئذٍ أحَدّ ما كانُوا في الهِجَاءِ، فخَرَج البَعِيثُ مُرَاغمًا لإبْراهيم بن عَرَبيّ لِمَا صَنَعَ به، فلَحِقَ بالشَّام، ونَزَل البَادِيَةَ، فَجَاوَرَ بني القَعْقَاع أخْوَال الوَلِيد بن عَبْدِ المَلِك، ومَدَحَهم وهَجَا ابن عَربيّ، وجَعَل جَرِير والفَرَزْدَقُ يَهْجُوانهِ، فرَوتِ العَرَبُ أشْعَارهُما، وخَملَ شِعْره لاعْتِزَائهِ، فقال البَعِيث ممَّا كان يَهْجُو ابنَ عَرَبيّ (٢): [من الطويل] تَرَى مِنْبَر العَبْد اللَّئيْم كأنَّما … ثلاثَةُ غِرْبَانٍ عليه وُقُوعُ قال: فكان بعد ذلك ابنُ عَرَبيّ إذا صَعدَ المِنْبَرَ تغامزَ به النَّاسُ، وإذا رَأى ابنُ عَرَبيّ غُرَابًا سَاقطًا يَقُول: لَعْنَةُ اللهِ على البَعِيثِ. قُلتُ: ومن مُخْتَار شِعْر البَعِيثِ قَوْلُه (٣): [من الطويل] ألَا طَرَقَتْ لَيْلى الرِّفَاقَ بغَمْرةٍ … ومن دُوْن لَيْلَى يَذْبُلٌ فالقَعَاقِعُ (b)

стр. 4076

على حين ضَمَّ اللَّيْلُ من كُلِّ جَانبٍ … جَنَاحَيْهِ وانصَبّ النُّجُومُ الخَواضِعُ (a) طمعْتُ بلَيْلَي أنْ تِريْغَ (b) وإنَّما … تُقَطع أعْنَاقَ الرِّجال المَطَامِعُ وتابعْتُ (c) لَيْلى في الخَلَاءِ ولَم يكُن … شُهُودٌ على لَيْلى عُدُولٌ (٤) مُقَانِعُ فما أنْتَ من شيءٍ إذ كُنْت كُلّما … تذكَّرت لَيْلَى ماءُ عَيْنِكَ دَامِعُ خِدَاشٌ المَنْبِجِيُّ حَكَى عنه أبو زُرْعَة أحْمَد بن مُوسَى. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْلِ الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة بن الخَضِر السُّلمَيِّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حَدَّثنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد بن مُحَمَّد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم تَمَّام بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ الرَّازِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني أبو زُرْعَة أحْمَدُ بن مُوسَى، قال: وقال خِدَاشٌ المَنْبِجِيّ: قيل لبَعضِ الرُّهْبَان: لِمَ لبسْتُمِ السَّوَاد وآثرتُموه على لباس البَيَاضِ؟ قال: هو مَحَلةُ الأحْزَانِ، ومَعْدِنُ الهُمُوم، ومَسْلكُ الصّيانَات. خِرَاشُ بن بَحْدَل الكَلْبيّ (١) شَاعِرٌ فَارِسٌ تُرْوَى له هذه الأبْيَات يُخَاطِبُ بها عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، أنْبَأنَا بها أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْلِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)،

стр. 4077

قال: ذَكَرَ أبو العبَّاسِ مُحَمَّد بن يَزِيد المُبَرَّد، فيما حَكَاهُ عَبْد الله بن سَعْد القُطْرُبُّلِيّ عنه، وقَرَأتُهُ بخَطِّهِ، قال: حَدَّثني الرِّيَاشِيّ، قال: وقفَ خِرَاشُ بن بَحْدَل الكَلْبيّ على عَبْدِ المَلِك بن مَرْوَان بعد أنْ مَلَكَ فقال: [من الطويل] أعَبْدَ المَلِيْك (a) ما شكَرْتَ بَلَاءَنا … فكُلْ في رَخَاءِ العَيْش ما أنتَ آكِلُ بجَابِيَةِ الجَوْلَانِ لولا ابنُ بَحْدَلٍ … لكُنْتَ وما يُسْمَعْ لقيْلِكَ قَائِلُ وكُنتَ إذا دارَتْ عليكَ عَظِيمَةٌ … تَضَاءَلْتَ إنَّ الخَاشِعَ المُتضَائِلُ فلمَّا عَلَوتَ النَّاسَ في رَأسِ شَاهِقٍ … منَ المَجْدِ لا يَسْطيْعُكَ المُتَطَاوِلُ قَلْبتَ لنا ظَهْرَ العَدَاوَةِ مُعْلِنًا … كأنَّكَ ممَّا يُحْدِثُ الدَّهْرُ جَاهِلُ فقال عَبْد المَلِك: أراكَ احْتَجْتَ إلى المالِ؟ قال: أجَل، قال: فأيُّهُ أحبُّ إليك؟ قال الإِبِل، قال: يا أبا الزُّعَيْزِعَةِ، أعْطهِ مائةً برُعَاتها، ثُمَّ الْتَفَتَ إليهِ فقال: لا تَعُد فتُنْكرني. وفي هذه الأبْيَات بَيْتٌ آخر وهو: فلو طَاوعُوني يَوْم بُطْنَان بُطْنَان: مَوضِع بين حَلَب ومَنْبِج، كان يَنْزله عَبْدُ المَلِك إذا توجَّه لحَرْب مُصْعَب بن الزُّبَيْر، فإنْ ثَبَتَ أنَّ هذه الأبْيَات له، فقد اجْتازَ بناحية حَلَب. والأبْيَاتُ تُرْوى لأبي جَنْدَل عُبَيْد بن الحُصَيْن الرَّاعِيّ، وهي في دِيْوان شِعْره (١)، وَسَنَذْكُرها في تَرْجَمَتِهِ (٢) فيما يأتي من كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.

стр. 4078

خُرَيْم بن فَاتِك بن الأخْرَم - وقيل: خُرَيْم بن أخْرَم- ابن شَدَّاد بن عَمْرو بن فَاتِك بن القُلَيْب بن عَمْرو -وقيل: القُلَيْب هو لَقَبُ فَاتِك بنِ عَمْرو- ابن أسَد بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار الأسَدِيّ، أبو أيْمَن، وقيل أبو يَحْيَى (١) وهو والد أيْمَن بن خُرَيْم، وقد قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢)، وهو أخُو سَبْرَة بن فَاتِك. صَحِبَ النَّبيِّ ﷺ ، ورَوَى عنهُ أحَادِيْثَ، وشَهِدَ معه بَدْرًا، وقيل: لم يَشْهَد بَدْرًا وإنَّما شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ. ورَوَى عن كَعْب الأحْبَار، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ أيْمَن بن خُرَيْمِ الأسَدِيّ، وبِشْر أبو قَيْسٍ التَّغْلبيِّ القِنَّسْرِيْنيِّ، والمَعْرُور بن سُوَيْد، ووَابِصَةُ بن مَعْبد، وعبد الله بن عبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَة، وشَمِر بن عَطِيَّة، وأيُّوْبُ بن مَيْسَرة الخَوْلانِيّ (a)، وحَبِيْبُ بن

стр. 4079

النُّعْمان الأسَدِيّ، ويُسَيْر بن عُمَيْلَة الفَزَارِيّ، ودَخَلَ الشَّام ونَزَل الرَّقَّة، وماتَ بها، ففي طَرِيْقهِ ما بين الرَّقَّة والشَّام دَخَلَ حَلَب أو بعض عَملها. وعدَّهُ بعضُهم من أهْل الصُّفَّة. أخْبَرَنا أبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم مَحْمود بن عَبْد الكَريم المَعْرُوف بفُوْرجَة، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن (a) بن مَاجَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن المَرْزُبَان الأبْهرِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إبْراهيم بن يَحْيَى الجَزُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، قال: حَدَّثَنَا خديْج بن مُعاوِيَة، عن أبي إسْحاق، عن شَمر بن عَطيَّة، عن خُرَيْم بن فَاتِك (١)، قال: قال لي رسُول اللهِ ﷺ : لولا أنَّ فيك اثْنتان كُنْتَ أنتَ أنتَ، قُلتُ: يا رسُول الله، تَكْفيني واحدة، قال: تُسْبِل إزَاركَ، وتُوَفِّر شَعْرَكَ. قال: وحَدَّثَنَا لُوَيْن، قال: حَدَّثَنَا أبو المُعَطَّل الرنديّ (b)، عن أبي إسْحاق، عن شَمر بن عَطِيَّة، عن خُريْم بن فَاتِك عن النَّبيِّ ﷺ مثْله. وزادَ فيه: لا جَرم واللهِ لا أفْعَل. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن الخَلِيل، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ، قال: أخْبَرنَا أبو المَكارِم أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد الله اللَّبَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد الحَدَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم أحْمَد بن عَبْد الله الحافِظُ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا أبو بَرْزَة الفَضْل بن مُحَمَّد الحَاسِب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الصَّبَّاح، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بن صالح، عن أبي إسْحاق، عن شَمِر بن عَطِيَّة، عن

стр. 4080

خُرَيْم بن فَاتِكٍ، قال: نَظَر إليَّ النَّبيِّ ﷺ فقال: أيّ رَجُل أنتَ لولا أنَّ فيك خصْلتَين، قُلتُ: وما [همُا] (a) يا رسُول اللهِ؛ إنَّ واحدة تَكْفي فما همُا؟ قال: تَسْبيل إزَاركَ، وتَوْفِير شَعرك، قال: فرَفَع إزَارَهُ وأخَذَ من شَعره. رَوَاهُ قَيْس بن الرَّبِيْع عن أبي إسْحاق، مثْله. قال الحافِظُ أبو نُعَيْم (١): فأمَّا أسَاميِ أهْل الصُّفَّة فقد رَأيْتُ لبعض المُتأخِّرِين تَتَبُّعًا على ذِكْرهم وجَمْعهم على حُرُوف المُعْجَم، وسَألَني بعضُ أصْحَابنا الاحْتِذَاء على كتابهِ، وذَكَرَ جَمَاعَةً، ثمّ قال أبو نُعَيْم (٢): وذَكَرَ خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ ونَسَبَهُ (b) من أهْلِ الصُّفَّة، ونسَبَهُ إلى أحْمَد بن سُلَيمان المَرْوَزيّ، قال: وخُرَيْم شَهِدَ بَدْرًا، وهو الّذي هَتَفَ به الهَاتِفُ حين جَنَّهُ اللَّيْلُ: بأَبْرَق العَزَّاف (c)، فقال: [من الرجز] وَيْحَكَ عُذْ باللهِ ذي الجلَالِ … والمَجْدِ والنَّعْمَاءِ (d) والإفضَالِ وَاقْتَرِ (e) آياتٍ منَ الأنْفَالِ … ووَحِّدِ اللهَ ولا تُبَالِ فعَمَدَ إلى المَدِينَة، فقَدِمَها، فوافَق النَّبيِّ ﷺ على مِنْبَره قائمًا يَخْطُبُ، فأسْلَم وشَهِدَ معَهُ بَدْرًا. قُلتُ: الّذي أشَارَ أبو نُعَيْم إلى أنَّهُ جَمعَ أهْل الصُّفَّة على حُرُوف المُعْجَم هو أبو عَبْد الرَّحمن السُّلمَيِّ.

стр. 4081

أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن أبي الحَسَن بن عليّ بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن إسْمَاعيْل بن عُمَر الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن عَبْد الله بن خَلَف الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَميِّ، قال: خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ من أهْلِ الصُّفَّة؛ قاله أحْمَد بن سُلَيمان البُوْشَنْجيّ المَرْوَزيّ، سَمِعْتُ عَبْد الله بن مُحَمَّد بن حَمْدان يَقُول: قال ابنُ مَنِيع: خُرَيْم بن فَاتِك، وفَاتِك جَدّ جَدّه، وهو خُرَيْم بن الأخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن الفَاتِك، شَهِدَ بَدْرًا. أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمانُ بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل مُحَمَّد بن إبْراهِيم المُزَكيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عبدُ الرَّحْمن بن أحْمَد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا جَعْفَر بن عَبْدِ الله بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن هَارُون الرُّويَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحاق الجُرْجَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إبْراهيم بن العَلَاء الشَّاميِّ بعَبَّادَان، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله (a) بن يُونُس الإسْكَنْدَرَانِيّ، عن مُحَمَّد بن إسْحاق، عن سَعيد بن أبي سَعيد المَقْبُريّ، عن أبي هُرَيْرَة، قال (٢): قال خُرَيْم بن فَاتِك لعُمَر بن الخَطَّابِ: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، ألَا أُخْبركَ كيف كان بَدْو إسْلَاميِ؟ قال: بَلَى، قال: بينا أنا في طَلَب نعَم لي أنا منها على أثرٍ، إذْ جَنَّني اللَّيْلُ بأَبْرَق العَزَّاف (b)، فنَادَيْتُ بأعْلَى صَوْتي: أعوذُ بعَزيز هذا الوَادِي من سُفَهاءِ قَوْمهِ إذا هَاتِفٌ يَهْتفُ: [من الرجز] وَيْحَكَ عُذْ باللهِ ذي الجَلَالِ … والمَجْدِ والنَّعْمَاءِ والإفْضَالِ

стр. 4082

وَاقْتَرِ آياتٍ منَ الأنْفَالِ … ووَحِّدِ اللهَ ولا تُبَالِ قال: فذُعرْتُ ذُعرًا شَدِيْدًا، فلمَّا رجَعَتْ إلي نَفْسِي قُلتُ: [من الرجز] يا أيُّها الهَاتِفُ ما تَقُولُ … أرَشَدٌ عِندَكَ أم تَضْليلُ بَيِّنْ لنَا هُدِيْتَ ما الحَوِيْلُ قال: [من الرجز] إنَّ رَسُولَ اللهِ ذُو الخَيْراتِ … بيَثْرِبٍ يَدْعُو إلى النَّجَاةِ يأمُرُ بالصَّوْمِ وبالصَّلاةِ … ويَزَعُ النَّاسَ عن الهَنَاتِ قال: فانْبَعَثت رَاحلَتي فقُلْتُ: [من الرجز] أَرْشَدَنِي رُشْدًا بِهِ هُدِيْتْ (a) … لا جُعْتَ ولا عَرِيْتْ ولا بَرِحْتُ سَيِّدًا مُقِيتْ … لا تؤثرني (b) علي الخَيْر الّذي أُتيْتْ قال: فاتَّبَعنِي وهو يَقُول: [من الرجز] صَاحَبَكَ اللهُ وسَلَّمْ نَفْسَكَا … وبَلَّغَ الأهْلَ وأدَّى رَحْلَكَا آمِنْ به أفْلَجَ (c) رَبِّي حَقَّكا … وانصُرْهُ عَنْ ربِّي فقد أخْبرْتُكا (d) قال: فدَخَلْتُ المَدِينَة وذلك يَوْم الجُمُعَة، فاطلَعْتُ في المَسْجِد، فخرَجَ إليَّ أبو بَكْر الصِّدِّيْق، فقال: ادْخُل رَحِمكَ اللهُ؛ فإنَّهُ قد بَلَغَنا إسْلَامُك، قُلتُ: لا أُحْسن الطَّهُور فعَلِّمْني، فدَخَلْتُ المَسْجِدَ، فرأيْتُ رسُوِلَ الله ﷺ على المِنْبَر يَخْطُبُ كأنَّهُ البَدْرُ، وهو يَقُول: ما من مُسْلِم تَوضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثمّ صَلَّى صَلَاةً

стр. 4083

يَحْفَظُها ويَعْقلها، إلَّا دَخَل الجنَّة. فقال لي عُمَر بن الخَطَّاب: لتَأتينَ على هذا بَبيِّنةٍ أو لأُنَكِّلَنَّ بكَ، فشَهِدَ لي شَيْخُ قُرَيْشٍ عُثْمانُ بن عَفَّان، فأجازَ شَهَادتَهُ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيُّ، فيما أَذِنَ لَنا أنْ نَرْويَهُ عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات عَبدُ الوَهَّاب بن أَحْمَد الأنْمَاطِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن الحَسَن بن خَيْرُون المُعَدَّلُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ ابن الصَّوَّافِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُثْمان بن أبي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا المِنْجَابُ بن الحَارِث، قال: أخْبَرَنا أبو عَامِر الأسَدِيّ، عن ابن سَمْعَان المَديْنِيّ، قال: قد أسْنَدَهُ. قال المِنْجَابُ: وأخْبَرَني به أيضًا بعضُ أصْحَابنا وهو خَلًّاد الأحْوَل، عن قَيْس بن الرَّبِيْع، قال: قال خُرَيْم بن الفَاتِك الأسَدِيُّ: كان بَدْو إسْلَامي أنِّي أضْلَلْتُ إبلًا لي، فَخَرجْتُ في طَلَبها، حتَّى إذا كُنْتُ بأَبْرق العَزَّافِ (a)، وهو وادٍ لا يتَوارى جنّهُ، وأجَنَّني اللَّيْل، أنَخْتُ رَاحلَتي وعَقَلْتُها، ثمّ قُلتُ: أعُوذُ بعَظِيم هذا الوَادِي، أَعُوذ بسَيِّدِ هذا الوَادِي. قال ابنُ سَمْعَان: وهو قَوْلُ الله ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (١)، قال: فإذا هاتِفٌ يَهْتِفُ بي لا أرَاهُ وهو يَقُول: [من الرجز] وَيْحَكَ عُذ باللهِ ذي الجَلَالِ … والمَجْدِ والنَّعْمَاءِ والإفْضَالِ ووَحِدِّ اللهَ ولا تُبَالِ … ما هَوَّلَ الجِنّ منَ الأهْوَالِ قال: فاسْتَوَيْتُ جالِسًا، واقْشَعَرَّ جِلْدِي وأَفْزَعَني، فقُلْتُ: [من الرجز] يا أيُّها الهَاتِفُ ما تَقُولُ … أرَشَدٌ عندَكَ أم تَضْلِيْلُ ابِنْ لنا هُدِيْتَ ما الحَوِيْلُ

стр. 4084

فقال: [من الرجز] هذا رَسُولُ الله ذو الخَيْراتِ … بيَثْرِبٍ يَدْعُو إلى النَّجَاةِ يأمُرُ بالصِّيَام والصَّلاةِ … ويَزَعُ النَّاسَ عَنِ الهَنَاتِ قال: فقُلْتُ: واللهِ لا أرْجعُ إلى أهْلِي، ولا أطْلُبُ إبلي حتَّى آتي المَدِينَة فأعْلَم هذا الخَبَر. قال: فحَلْلتُ رَاحلَتي، ثمّ رَكِبْتُها وصحْتُ بها، فانْبَعَثَتْ، قال: فأنْشَأ الجِنِّيُّ يقُول: [من الرجز] صَحِبَكَ اللهُ وسَلَّمْ رَحلْكَا … وأوْجَبَ الأجْرَ وأعْظَمْ حَقَّكَا آمِنْ بهِ أفْلَجَ رَبُّكْ أمْرَكا … وانْصُرْهَ اعزَّ رَبِّي نَصْرَكا قال: قُلتُ: مَنْ أنْتَ يَرْحَمكَ اللهُ؟ قال: أنا عَمْرو بن أثَال، وأنا عَامِلُه على جِنّ نَجْد المُسْلمِيْن، وكَفَيْتُ إبلَك حتَّى تَقْدَم على أهْلَك، قال: فَخَرَجْتُ حتَّي أتَيْتُ المَدِينَة، قال: فأقْدمها يَوْم جُمُعةٍ ورسُول الله ﷺ في المَسْجِد، والنَّاس والمَسْحِد غاصٌّ بأهْلهِ، قال: قُلْتُ: أجْلِسُ حتَّى يَخْرُج النَّاسُ ويَقْضُوا حَاجتَهُم، ثمّ أدخُل عليه، فإنِّي لجالسٌ أَنْتَظِر إذ خَرَج إليَّ رَجُلٌ طَويْل آدَمُ كأنَّهُ من رِجَال أَزْد شَنُوءَة، فقال: إنَّ رسُول اللهِ ﷺ يُقْرئُكَ السَّلام، ويقُول: لقد بَلَغني إسْلَامُكَ، فادْخُل فصَلِّ مع النَّاسِ، قال: قُلتُ: مَنْ أنتَ يَرْحَمكَ اللهُ؟ قال: أنا جُنْدَب بن جُنَادَة الغِفَارِيّ -قال أبو عَامرٍ: وهو أبو ذَرٍّ- قال: فدَخَلْتُ معه فصَلَّيْتُ، فلمَّا فَرَغَ رسُولُ اللهِ ﷺ من صَلَاته دَنَوْتُ منه، فأخَذَ بيدِي، قال: فشَهِدْتُ شَهادَةَ الحَقِّ، وقُلتُ: يا رسُول الله، جَزَى الله صَاحِبي خَيْرًا، قال: فقال رَسُولُ الله ﷺ : أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ قد أدَّى إبلكَ إلي أهْلكَ؟ قال: قُلتُ: يا رسُول اللهِ، جَزَاهُ الله خَيْرًا، قال: فأسْلَمْتُ؛ فهو كان بَدْو إسْلَامي.

стр. 4085

قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُثْمان، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن تَسْنِيم أبو طَاهِر الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا ابنُ خَلِيفَة الأسَدِيُّ، عنِ رَجُلٍ من أهْلِ أَذْرِعات قد سمَّاهُ مُحمَّدُ بن تَسْنِيم بإسْنَادٍ أجْوَد منِ هذا، عن خُرَيْم بن فَاتِك، وفيه اخْتِلَافٌ في الشِّعْر، قال: قال خُرَيْم بن فَاتِكٍ: خَرَجْتُ في بغَاءِ إبلٍ لي فأصَبْتُها بأَبْرَق العَزَّاف، قال: وكُنَّا إذا نَزَلنا بوادٍ يقُول قُلْنا (a): نَعُوذ بعَزِيز هذا الوَادِي، نَعُوذ بسَيِّدِ هذا الوَادِي، فإذا بهاتفٍ يَهْتفُ بي وهو يَقُول: [من الرجز] عُذْ باللهِ ذي الجَلَالِ … مُنَزِّلِ الحَرَامِ والحَلَالِ ووَحِّدِ اللهَ ولا تُبَالي … ما كَيْدُ ذي الجِنِّ مِنَ الأهْوَالِ إذ يذكُرُ اللهَ على الأمْيَالِ … وفي سُهُولِ الأرْض والجِبَالِ وصَارَ كَيْدُ الجِنِّ في سِفَالِ … إلَّا التُّقَى وصَالِحُ الأعْمَالِ قال: فقُلتُ لَهُ: [من الرجز] يا أيُّها القَائِلُ ما تَقُولُ … أرَشَدٌ عندَكَ أَم تَضْلِيْلُ فقال: [من الرجز] هذا رسُولُ اللهِ ذو الخَيْراتِ … جَاءَ بيَاسِيْنَ وحَامِيْمَاتِ وسُوَرٍ بَعْدُ مُفَصَّلَاتِ … يأمُرُ بالصَّلاة والزَّكَاةِ ويَزْجُرَ الأقْوَامَ عن هَنَاتِ … قد كُنَّ في الأيَّامِ مُنْكَراتِ قال: قُلْتُ له: مَنْ أنْتَ؟ قال: أنا مَلَك ابن مَلَك الجِنِّيّ، بَعَثني رسُول اللهِ ﷺ على جِنّ نَجْد، قال: قُلتُ: أمَا لو كان من يُؤدِّي إبلي هذه إلى أهْلي لأتَيْتُه حتَّى أُسْلِم على يدَه، قال: فأنا أؤَدِّيها، قال: فرَكبْتُ بَعِيْرًا منها، ثمّ قَدِمْتُ فإذا النَّبِيّ ﷺ على المِنْبَر، فلمَّا رآني، قال: ما فَعَل الرَّجُل

стр. 4086

الّذي ضمنَ لك أنْ يُؤدِّي إبلَكَ؛ أمَا إنَّهُ قد أدَّاها سَالمِةً، قال: قُلتُ: ﵀، قال: أجَل فرَحِمَهُ اللهُ. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ القَاضِي في كتابهِ، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّاميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيدٍ (a) الجَنْزَرُودِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد مُحَمَّد بن بِشْرٍ البَصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إِدْرِيس السَّاميِّ، قال: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بن سَعيد، عن الأوْزَاعِيّ، عن يَحْيَى بن أبي كَثِيْر أنَّ خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ أتَي النَّبِيّ ﷺ فقال (١): يا نَبيّ اللهِ، إنِّي لأُحبُّ الجَمَال حتَّى إنِّي لأُحبُّهُ في شِرِاك نَعْلي وجِلَازِ (b) سَوْطي، وإنَّ قَوْمي زَعمُوا أنَّهُ من الكِبْر؟ قال: ليسَ الكِبْرُ أنْ يُحبَّ أحَدكم الجَمَالَ، ولكن الكِبْرَ إنْ يَسْفَه الحَقَّ ويَغْمَصَ النَّاس. أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد، قال: كَتَبَ إلينا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَن بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن الفَهْمِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (٢)، قال في الطَّبَقَةِ الرَّابِعة: خُرَيْم بن فَاتِك، والفَاتِكُ جَدّ جَدّه؛ وهو خُرَيْم بن الأخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن الفَاتِك -وهو القُلَيْبُ- ابنِ عَمْرو بن أسَد بن خُزَيْمَة، وخُرَيْم هو أبو أيْمَن بن خُرَيْم الشَّاعر، وكان الشَّعْبِيّ يَرْوي عن أيْمَن بن خُرَيْم، قال: إنَّ أبي وعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا وعَهِدَا إليَّ أنْ لا أقاتِلَ. قال مُحَمَّد بن عُمَرَ: وهذا ممَّا لا يُعْرفُ عندنا، ولا عند أحدٍ ممَّن له عِلْم بالسِّيْرَة أنَّهما

стр. 4087

شَهِدَا بَدْرًا ولا أُحُدًا ولا الخَنْدَق، وإنَّما أسْلَما حين أسْلَمَتْ بنو أَسَد بعد فَتْحِ مَكَّةَ، وتحوَّلا إلى الكُوفَة فنَزَلاها بعد ذلك. أنْبَأنَا أبو عَبْد اللهِ الحُسَين بن عُمَر بن بَاز، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ النَّرْسيِّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْلٍ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (١)، قال: خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ شَهِدَ بَدْرًا مع النَّبِيّ ﷺ . قال أبو إسْحاق: كُنْيَتُهُ أبو يَحْيَى، هو والد أيْمَن. أنْبَأنَا أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ يُوسُف بن عَبْد الوَاحِد، قال: أخْبَرَنا شُجاع بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله بن مَنْدَة، قال: خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ، وهو ابن الأخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن فَاتِك من بني عَمْرو بن سَبْرَة بن فاتك، شَهِدَ بَدْرًا هو وأخوه، يُكْنَى أبا يَحْيَى، نَزَل الرَّقَّة ومات بها، له ذِكْرٌ في حَدِيث وَابِصَةَ، وأبي هُرَيْرَة، وسَهْل بن الحَنْظَلِيَّةِ، وأنَس بن مَالِكٍ. هكذا قال البُخاريّ وأبو عَبْد الله بن مَنْدَة أنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، واعْتَمَدا في ذلك على ما أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْلِ بن سُلَيمان إذْنًا، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح المَاهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور المَصْقَلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَاد، قال: حَدَّثَنا أحْمَدُ بن عَبْد الجَبَّار، عن أبي مُعاوِيَة، ح.

стр. 4088

قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَر بن حَفْص، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن عَبْدِ اللهِ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بن عُبَيْدٍ؛ جَمِيعًا عن إسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد، عن الشَّعْبِيّ، قال: أرْسَل مَرْوَان إلى أيْمَن بن خُرَيْم فقال: ألَا تُعِيننا؟ قال: إنَّ أبي وعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا، ثمّ ذَكَرَ الحَدِيْث لَم يَزد على هذا. قال الحافِظُ أبو القَاسِم (١): رَوَاهُ شُعْبَة، عن إسْمَاعِيْل، عن مُطَرِّف، عن الشَّعْبِيّ، وقال: إنَّ أبي وعَمِّي شَهِدَا الحُدَيْبِيَة، وهو الصَّوَابُ. وقال الحافِظُ (٢): أخْبرَني أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْلِ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا وَالدِي أبو عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحُسَين القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الحَارِث، ح. قال أبو عَبْد الله: أخْبَرَنا خَيْثَمَة بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن مُكْرَم، قالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أبي بَكْر (a)، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عن إسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد، عن الشَّعْبِيّ أنَّ عَبْد المَلِك بن مَرْوَان قال لأيْمَن بن خُرَيْم: تُقَاتِل نَاسًا من المُسْلمِيْن؟ فقال: إنَّ أبي وعَمِّي شَهِدَا الحُدَيْبِيَةَ، وأنَّهما عَهِدَا إليَّ أنْ لا أُقَاتِل مُسْلمًا وقال أبْيَاتًا: [من الوافر] ولَسْتُ بقاتلٍ رَجُلًا يُصَلِّي … على سُلْطانِ آخَرَ مِن قُرَيْشِ لَهُ سُلْطانُهُ وعَلَيَّ إثْمي … مَعَاذَ الله من جَهْلٍ وطَيْشِ أأَقْتُلُ مُسْلمًا في غيرِ شَيءٍ … فليْسَ بنافِعي ما عِشْتُ عَيْشى وقد تَابَع البُخاريَّ أيضًا أبو عليّ سَعيْد بن عُثْمان بن السَّكَن في أنَّ خُرَيْمًا شَهِدَ بَدْرًا، فقال فيما أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسِيّ في كتابهِ، عن

стр. 4089

أبي القَاسِم بن بَشْكُوَال، قال: أخْبرَني أبو مُحَمَّد بن عَتَّاب وأبو عِمْران بن أبي تَلِيْد إجَازَةً، قالا: أخْبَرَنَا أبو عُمَر النَّمَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم خَلَف بن القَاسِم، قال: أخْبَرَنَا أبو عليّ سَعيدُ بن عُثْمان بن السَّكَن، قال: خُرَيْم بن فَاتِكٍ الأَسَدِيّ وهو خُرَيْمُ بن الأخْرم بن شَدَّاد بن عَمْرو من بَنِي أسَد بن خُزَيْمَة، شَهِدَ بَدْرًا مع النَّبِيّ ﷺ ، ورَوَى عنِ النَّبِيّ أحَادِيْث، وكُنْيَتُهُ أبو يَحْيَى، حَدِيثُه في الكُوْفيِّيْن. قال عليّ بن المَدِيْنِيّ: خُرَيْم بن فَاتِك وسَمُرة (a) أخَوانِ لهما صُحْبَةٌ، وقد مَضَى ذِكْر ابنه أيْمَن بن خُرَيْم في الصَّحَابَةِ، ويُقال ليس لأيْمَن صُحْبَة، والفَاتِك جَدّ جدّه، يُقال: هو ابن شَدَّاد بن عَمْرو بن الفَاتِك -وهو القُلَيْب- ابن عَمْرو بن أسَد بن خُزَيْمَة، أسْلَم خُرَيْم وابنُه أيْمَن بعد فَتْحِ مَكَّة. قُلتُ: والعَجَبُ من أبي عليّ بن السَّكَن أنَّهُ يقُول شَهِدَ بَدْرًا مع النَّبِيّ ﷺ ، ثمّ يَقُول: أسْلَم خُريْم وابنُه أيْمَن بعد فَتْح مَكَّة، وهذا وَهْمٌ فَاحِشٌ. أَنْبَأْنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب أحْمَد وأبو عَبْد الله يَحْيَى ابْنَا الحَسَن بن البَنَّاء في كتابيهما، قالا: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن الآبِنُوسيِّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ، ح. وقال أبو غَالِب: أنْبَأنَا أبو الفَتْحِ عَبْدُ الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن المَحَامِلِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ، قال: خُرَيْم بن فَاتِك هو خُرَيْم بن أخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن فَاتِك، وفَاتِك جَدّ جَدّه، ولخُرَيْم صُحْبَةٌ ورِوَايَةٌ عن النَّبِيّ ﷺ ، روَى عنهُ يُسَيْرُ بن عُمَيْلَة وغيرُه، وابنُهُ أيْمَن بن خُرَيْم بن الأخْرَم، رَوَى عنهُ الشّعْبِيّ، وعبد الله بن عُمَيْر. زاد المَحَامِليِّ: فَاتِك هو القُلَيْبُ بن عَمْرو بن أسَد بن خُزَيْمَة.

стр. 4090

أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي، عن عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِيّ، عن أبي نَصْر عليّ بن هِبَةِ الله بن مَاكُولا (١)، قال: خُرَيْم بن أخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن فَاتِك بن القُلَيْب بن عَمْرو بن أَسَد بن خُزَيْمَةَ بن مُدْرِكَة بن إلْيَاس بن مُضَر، له صُحْبَةٌ ورِوَايَةٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، رَوَى عنهُ يُسَيْرُ بن عُمَيْلَة وغيره، وأكْثر ما يُقال فيه خُرَيْم بن فَاتِك، وابنُه أيْمَن بن خُرَيْم له صُحْبَةٌ ورِوَايَةٌ أيضًا عن النَّبِيّ ﷺ ، رَوَى عنهُ الشَّعْبِيّ، وعَبْدُ المَلِك بن عُمَيْر، وهو شَاعِرٌ. وقَال في مَوضِعٍ آخر (٢): وأمَّا القُلَيْبُ -أوَّلهُ قافٌ مَضْمُومَةٌ وآخره باء (a) مُعْجَمة بواحدة- خُرَيْم بن أخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن فَاتِك، وهو القُلَيْبُ بن عَمْرو بن أسَد بن خُزَيْمَة. أخْبَرَنَا أبو الفَتْح نَصْر بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ الحافِظ في كِتَابهِ إليْنَا من مَكَّةَ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشِيْرِيُّ، قَال: أَخْبَرَنا أبو الوَلِيد يُوسُف بن عَبْد العَزِيْز بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنَا أبوِ عُمَر بن عَبْد البَرّ النَّمَرِيّ (٣)، قال: خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ، وهو خُرَيْم بن الأخْرَم بن شَدَّاد بن عَمْرو بن الفَاتِك بن القُلَيْب بن عَمْرو بن أسَد بن خُزَيْمَة، وأبوه الأخْرَم يُقال له فَاتِك، وقد قيل إنَّ فَاتِكًا هو ابن الأخْرَم، يُكْنَى خُرَيْم بن فَاتِك أبا يَحْيَى، وقد قيل: أبا أيْمَن بابنه أيْمن بن خُرَيْم، شَهِدَ بَدْرًا مع أخيه سَبْرَهَ بن فَاتِك، وقد قيل: إنَّ خُرَيْمًا هذا وابْنَه أيْمَن بن خُرَيْم أسْلَمَا جَمِيعًا يَوْم فَتْح مَكَّة، والأوَّل أصَحّ، وقد صَحَّح البُخاريّ وغيره أنَّ خُرَيْم بن فَاتِك وأخاه

стр. 4091

سَبْرَة بن فَاتِك شَهِدَا بَدْرًا، وهو الصَّحيحُ إنْ شَاءَ الله، عدَادُهُ في الشَّامِيِّيْنَ. ورويْنا من وُجُوه عن أيْمَن بن خُرَيْم أنَّهُ قال لمَرْوَان حين سَأله أَنْ يُقاتِل معه بمَرْج رَاهِط: إنَّ أبي وعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا وأوْصَياني (a) أنْ لا أُقاتِل مُسْلمًا. ورَوَى إِسْرَائِيل، عن أبي إسْحَاق، عن شَمِر بن عَطِيَّة، عن خُرَيْم بن فَاتِك، قال: قال لي (b) رسُول الله ﷺ : أيّ رَجُل أنتَ لولا خَلَّتان فيك، قُلتُ: يا رِسُوِل الله، وما هُمَا؟ قال: تُسْبِل إزَارك، وتُرْخي شَعرك. قال: قُلتُ: لا جَرم، فَجَزَّ خُرَيْم شَعره، ورَفَع إزارَهُ. وروينا مثل ذلك أيضًا من حَدِيث سَهْل بن الحَنْظَلِيَّة، قال: قال لي النَّبِيِّ ﷺ : نِعْم الرَّجُل خُرَيْم الأسَدِيّ لولا طُول جُمَّته وإسْبَال إزَاره، فبَلَغَ ذلك خُرَيْمًا، فقَطَع جُمَّته إلى أذُنيهِ، ورَفع إزارَهُ إلى نصْفِ سَاقه. يُعَدُّ في الكُوْفيِّيْنَ، رَوَى عنهُ المَعْرُور بن سُوَيْد، وشَمِر بن عَطِيَّة، والرَّبِيْع بن عُمَيْلَة (c)، وحَبِيْب بن النُّعْمان الأسَدِيّ. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بنٍ عَبْد الله، عن مَسْعُود بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، سَمَاعًا أو إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا حَمْد بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنَا أبِوِ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (١)، قال: خُرَيْم بن فَاتِكٍ الأسَدِيّ، بَدْرِيٌّ لَه صُحْبَةٌ، كُوْفِيٌّ، رَوَى عنهُ المَعْرُور بن سُوَيْد، والرَّبِيْع بن عُمَيْلَة (d)، وحَبِيْب بن النُّعْمان الأسَدِيّ، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.

стр. 4092

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ تَوْفِيْقِي أخْبَرَنَا القَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنَا أنْ نَرْويه عنه، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِمِ عليّ بن الحَسَن (١)، قال: خُرَيْمُ بن فَاتِك بن الأخْرَم، أبو أيْمَن، ويقال: أبو يَحْيَى الأسَدِيُّ، صَاحِب رسُول الله ﷺ (a)، وهو أخو سَبْرَة بن فَاتِك، وأبو أيْمَن بن خُرَيْم، وقيل إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. رَوَى عن النَّبِيّ ﷺ ، وعن كَعْب الأحْبَار. رَوَى عَنْهُ ابنُه أيْمَن، ووَابِصَة بن مَعْبد، وأبو هُرَيْرَة، وابن عبَّاسٍ، وشَمِرُ بن عَطِيَّة، ويُسَيْرُ بن عُمَيْلَة الفَزَارِيّ، وبِشْرٌ أبو قَيْس التَّغْلِبيِّ، وأيُّوْب بن مَيْسَرة الخَوْلانِيّ (b)، وحَبِيْبُ بن النُّعْمان الأسَدِيّ، والمَعْرُور بن سُوَيْد. وقال: كَتَبَ إليَّ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ بن الآبِنُوسِيّ، ح. وأخْبرَني أبو الفَضْل بن نَاصِر عنه، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن المُظَفَّر، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن عليّ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْد الله بن عبد الرَّحيم بن البَرْقِيّ، قال: ومن بني أسَد بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلْيَاس بن مُضَر خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ لَهُ حَدِيثان، وكان بالشَّام. وقال الحافِظُ (٢): أخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِرُ بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ،

стр. 4093

قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن الكَارزيّ (a)، قال: حَدّثَنَا عليّ بن عَبْدِ العَزِيْز، قال: قال أبو عُبَيْدٍ: سَمِعْتُ إسْمَاعِيْلَ يُحَدِّثُ عن أَيُّوبَ، قال: نُبِّئْتُ أنَّ رسُول الله ﷺ أتَى على رَجُلٍ قد قُطِعَت يَدُه في سَرِقَةٍ وهو في فُسْطَاطٍ، فقال: مَن آوَى هذا العَبْدَ المُصَاب؟ فقالوا: فَاتِك أو خُرَيْم بن فَاتِك، فقال: اللَّهُمَّ بارك على آل فَاتِك كما آوى هذا العَبْدَ المُصَابَ. أَنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد الله، عن أبي الفَضْل بن نَاصِر، قال: أَنْبَأنَا أبو المَعَالِي مُحَمَّد بن عَبْد السَّلام بن مُحَمَّد بن شَانْدى (b)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن خَزَفَة الصَّيْدَلانِيّ، قال: حدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحُسَين الزَّعْفَرَانيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي خَيْثَمَة (١)، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان، عن وَاصِل بن حَيَّان الأَحْدَب، عن المَعْرُور بن سُوَيْد، عن ابن فَاتِك -يعني: خُرَيْم بن فَاتِك- قال: قال لي كَعْبٌ: إنَّ أشَدَّ أحْيَاءِ العَرَب على الدَّجَّالِ لقَوْمُك. أَنْبَأنَا أبو حَفْصٍ المُكْتِبُ، قال: أخْبَرَنَا إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن الطَّبريّ، قال: أخبرنا أبو الحُسَيْن بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن سُفْيان (٢)، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ -يعني: ابن عَبْد الوَاحِد- قال: سَمِعْتُ الأوْزَاعِيِّ، قال: دَخَلَ خُرَيْم بن فَاتِك على مُعاوِيَة ومِئْزَره مُشَمَّرٌ فقال مُعاوِيَةُ: لو كانت هَاتان السَّاقَان (c) لامْرأةٍ!؟ فقال خُرَيْم: في مثْل عَجَيْزتكَ.

стр. 4094

أخْبَرَنَا أحْمَد بن أزْهَر بن السَّبَّاك في كتابهِ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عن أبي مُحمّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن المُظَفَّر، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ المَدَائِنِيّ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن عَبْد الله بن عبد الرَّحيِم بن البَرْقِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن أبي سَلَمَة، عن سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، قال: خَرَج خُرَيْمِ بن فَاتِكٍ بجَارِيَةٍ له من باب الجابِيَةِ إلى جنانٍ فوَطئها (a)، فبَصُر به رَجُلان، فأخَذَ بيَدِها حتَّى أتَى بها إلى حلقة قَرْيَةٍ، فقال: مَن هذه؟ قالوا: هذه جارِيَتُكَ. أنْبَأنَا أبو نَصْر القَاضِي، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن العبَّاسِ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن مَنْصور بن خَلَف، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَنَا مَكِّيّ بن عَبْدَان، قال: سَمِعْتُ مُسْلم بن الحَجَّاج (٢) يَقُول: أبو يَحْيَى خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ له صُحْبَةٌ. أنْبَأنَا ابنُ المُقَيِّر، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر في كتابهِ، عن جَعْفَر بن يَحْيَى بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنَا عُبَيْد الله بن سَعيد بن حَاتِم، قال: أخْبَرَنا الخَصِيْبُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَني عَبْدُ الكَريم بن أبي عبد الرَّحْمن النَّسَائِيّ، قال: أخْبَرَنِي أبي، قال: أبو يَحْيَى خُرَيْم بن فَاتِك. أخْبَرَنَا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا ثَابِتُ بن بندَار، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا الوَلِيدُ بن بَكْر، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن أحْمَد بن زَكَرِيَّاء الهاشِميّ، قال: حَدَّثَنَا صالح بن أحْمَد بن عَبْد الله بن صالح، قال: قال أبي أحْمَدُ بن عَبْد الله: [خُرَيْم بن فَاتِك الأسَدِيّ من أصحاب النَّبيّ صَلَّى الله عليه

стр. 4095

وسَلَّم. وعن أبي سَعْد المُطَرّز وأبو عليّ الحدَّاد، قالا: قال لنا أبو نُعَيم الحافظ] (a): خُرَيْمُ بن فَاتِك، يُكْنَى أبا يَحْيَى، وقيل: أبا أيْمَن، نَزَل الرَّقَّة، وقيل إنَّهُ ماتَ في عَهْدِ مُعاوِيَة، وإمْرَتهِ. ذِكْر مَن اسْمُهُ خَزْعَل خَزْعَلُ بن عَاصِم (١) نَقِيْبُ طَيِّءٍ، له ذِكْرٌ في الفُتُوح، وشَهِدَ فَتْحَ حَلَب معِ أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح ﵁، روَى عَنْهُ ابنُ ابْنهِ السَّدِيْدُ بن مَازِن بن خَزْعَل. خَزْعَلُ بن عَسْكَر بن خَلِيل الشَّنَائِيّ، أبو مُحَمَّد المُقْرِئ النَّحْوِيّ (٢) وقيل كُنْيَتُهُ أبو المَجْد الشَّفَاوِيّ، من أهْلِ شَفا وقروْن. رَجُلٌ فَاضِلٌ، وَرِعٌ، صَالِحٌ، لهُ مَعْرفَةٌ تامَّةٌ بالقِرَاءَاتِ والنَّحو. تَأدَّب على عَمِّهِ، وعلى مَنُوجَهْر بن مُحَمَّد بن تُرْكَانْشَاه، وعلى عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الأنْبارِيّ،

стр. 4096

وقَرأ عليه عامَّة مُصَنَّفاته، وسَمعَ من أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، وكان لهُ شِعْرٌ حَسَنٌ. اجْتَمَعْتُ به بالبَيْت المُقَدَّس، وكان مُتَصدَّرًا بها لإقْرِاءِ القُرْآن العَظيْم، وإفَادة عِلْم العَرَبِيَّة، وكان يَتَردَّد بها إلى عّمِي أبي غَانمِ، ولم يَتَّفق لي سَمّاع شيء منه، وأجازَ لي الرِّوَايَةَ عنه، ولمَّا خَرب البّيْت المُقَدَّس انْتَقَل إلى دِمَشْق وسَكَنَها إلى أنْ ماتَ. رَوَى لنا عنْهُ أبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ القُرَشِيّ العَطَّار بمِصْر، وأبو الفِدَاء إسْمَاعِيْل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمن بن المُرَجَّى القُوصِيّ، وأبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن أبي العِزّ بن أبي طَالِب الشَّيْبَانِيّ بدِمَشْق شَيئًا من شِعرْه. وذَكَرَ لي ابن الصَّفَّار عنه أنَّهُ دَخَلَ حَلَب في سَفَره إلى بَغْدَاد. أنْشَدَنا أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد، وأبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ القُرَشِيّ، وأبو الفَتْح نَصْر اللَّه بن أبي العِزّ بن أبي طَالِب الصَّفَّار، قالُوا كُلّهم: أنْشَدَنا تَقِيّ الدِّين أبو مُحَمَّد خَزْعَل بن عَسْكَر بن خَلِيل الشَّنَائِيِّ لنَفْسِه، وقد سَأله بعضُ الفُضَلَاء أنْ يُنْشِدَهُ من شِعرْه، فقال بَدِيْهًا، وأجازَ ذلك لنا فيما أجَازَهُ (١): [من الطويل] يقُولونَ أنْشِدْنا مِنَ الشِّعْرِ قِطْعَةً … فقُلْتُ أَمِثْلي يُنْشِدَ السَّادَةَ الشِّعْرَا ومَنْ كانَ مثْلي في الحَضِيْض مَحلُّهُ … أُيْنشِدُ شِعْرًا مَنْ عَلَا قَدْرُهُ (a) الشِّعْرَى أخْبَرَنا أبو الفِدَاء إسْمَاعِيْل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمن بن المُرَجَّى القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني الإمَامُ العالِمُ المُقْرِئ النَّحْوِيّ اللُّغَويّ العَرُوضِيّ تَقِيّ الدِّين أبو مُحَمَّد

стр. 4097

خَزْعَلُ بن عَسْكَر، ﵀، لنَفْسِه في أقْسَام الوَاوَاتِ في العَرَبيَّةِ، وكنتُ سَألتُه أنْ ينْظِمها حَالةَ قراءتي عليهِ بقُوْص، عندَ قُدُومهِ إليها حَاجًّا في جُمَادَى الآخرة سَنَة تِسْعٍ وثمانينِ وخَمْسِمائَة. [من الطويل] ومُمْتَحِنٍ يَوْمًا ليَهْضمَني هَضْما … عن الوَاو كَم قِسْمًا فقُلْتُ لَهُ نَظما فَقِسْمَتُها عِشْرونَ ضَرْبًا تتابَعَتْ … فدُونَكَها إنِّي لأَرْسُمُها رَسْمَا فأَصْلٌ وإضْمَارٌ وجَمْعٌ وزائدٌ … وعَطْفٌ ووَاوُ الرَّفْع السِّتَّة الأَسْمَا ورُبَّ ومَعْ قد نابَتِ الوَاوُ عَنْهُما … ووَاوُكَ في الأَيْمَانِ فاسْتَمِعِ العِلْما ووَاوُكَ للإطْلَاق والواوُ أُلْحِقَت … ووَاوٌ بمَعْنى إذْ فدُونَكَ والحَزْمَا ووَاوٌ أتَتْ بعدَ الضَّمِيْرِ لغائبٍ … ووَاوُكَ في الجَمْعِ الّذي يُوْرِثُ السُّقْما ووَاوُ الهِجَا والحالِ وَاسْمٌ لِمَا لَهُ … سِنامَانِ من دُوْنِ الجَمَالِ بِهِ يُسْمَى ووَاو في تَكْسير دَارٍ ووَاوُ إذْ … وواوُ ابْتِدَاءٍ ثمّ عَدِّي بها تمَّا قال أبو الفِدَاء: وهذا الإمَام تَقِيّ الدِّين ﵀ أوَّل مَن اشْتَغَلْتُ عليه بعِلْم العَرَبِيَّةِ، ورَوَيْتُ عنه جُمْلَةً من الكُتُب الأدَبيَّةِ، فرَضِيَ اللَّهُ عنهُ رِضْوَانًا وَاسِعًا، فلقد كان للدِّين والفَضْل جَامِعًا، ولقد أقام في البيت المُقَدَّسِ، حَرَسَهُ اللَّهُ، مُدَّة سنين مُؤَهَّلًا لإقراء كتاب اللَّهِ تعالى، ولنَفْعِ المُسْلِميْن، ووَرَدَ إلى دِمَشْقَ، وأقامَ بها لمَّا غَلَبَ على القُدْس اسْتِيْلَاءُ المُشْرِكين، طَهَّرَهُ اللَّه منهم ببَرَكَةِ سَيِّدِ المُرْسَليْنَ، وأهْل بَيْته الطَّاهِرين، وأصْحَابهِ المُنْتَجبيْن. وتُوفِّي بدِمَشْقَ، وكانَ مَوْلدُهُ بالدِّيَار المِصْرِيَّةِ في بَلْدَةٍ يقال لها: شَفَا وقرون. أخْبَرَني الحافِظ أبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ العَطَّارُ القُرَشِيُّ، قال: الشَّيْخُ أبو المَجْد خَزْعَلُ بن عَسْكَر بن خَلِيل الشَّنَائِيّ النَّحْوِيّ المُقْرِئ، هذا كان أحَد القُرَّاء المَشْهُورين، عَارِفًا بالعَرَبِيَّةِ، ذَكَرَ لنا أنَّهُ دَخَلَ بَغْدَاد، وقَرأ على الأنْبارِيّ أكْثَر

стр. 4098

تَصَانِيْفه، وعند رُجُوعه من بغداد قُطِعَ عليه الطَّريق، وأُخِذَ جميعُ ما كان معه من الكُتُبِ، وأقام بعد ذلك بالبَيْت المُقَدَّس زَمانًا يُقْرئ النَّاسَ القُرْآن، ثمّ تحوَّل إلى دِمَشْقَ واسْتَوْطَنها إلى أنْ تُوفِّي بها، وكانت وَفاتُه في الثَّالث والعشْرين من شَهْر رجَب سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وسِتمائة، وذَكَرَ لي غيرُه أنَّهُ دُفِنَ بمَقَابرِ باب الصَّغير. أنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذرِيّ، قال في ذِكْر مَنْ ماتَ سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وستمائة في كتاب التَّكْمِلَة لوَفَيَات النَّقَلَة (١): وفي الثَّالثِ أو الثَّاني والعشرين من رجَب تُوفّي الأدِيْبُ الفَاضِلُ أبو المَجْد خَزْعَلُ بن عَسْكَر بن خَلِيل الشَّنيُّ (a) المُقْرِئ النَّحْوِي اللُّغَويُّ، بدِمَشْق، ودُفِنَ من الغَدِ ببابِ الصَّغير. حدَّثَ بشيءٍ من شِعْره، وكان يَذْكُر أنَّهُ سَمِعَ من الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، وأنَّهُ دَخَلَ بَغْدَاد، وقَرَأ على الكَمَالِ أبي البَرَكَات عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الأنْبارِيّ أكْثر تَصَانِيْفه، وعند عَوْدِه من بَغْدَاد قُطعَ عليه الطَّريق، وأُخِذَ ما كان معَهُ من الكُتُب، أقْرأَ القُرآن الكريم بالبَيْتِ المُقَدَّس مُدَّةً، ثمّ تحوَّل إلى دِمَشْقَ، وسَكَنَها إلى أنْ ماتَ.

стр. 4099

ذِكْرُ مَن اسْمُهُ خُزَيْمَة خُزَيمةُ بن ثَابِت بن الفَاكِه بن ثَعْلَبَة بن سَاعِدةَ بن عَامرِ بن عَنَان -ويُقال: عِنَان، ويُقال: غَيَّان- ابن عَامرِ في خَطْمَة -واسْمهُ عَبْد اللَّه- ابن جُشَمِ بن مَاِلك بن الأَوْس بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة ابن عَمْرو بن عَامرٍ بن حَارِثة بن ثعْلَبَة بن غَسَّان بن الأَزْد بن الغَوْث ابن مَالِك بن زَيْد بن كَهْلَان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان بن هُوْد، أبو عُمَارَةَ الأنْصَاريّ الخَطْمِيُّ، ذو الشَّهَادَتَين (١) صَاحِبُ النَّبِيّ ﷺ الّذي جَعَلَ النَّبِيّ ﷺ شَهَادتَهُ بشَهَادةِ رَجُلَيْن. وقيل في نَسَبه: خُزَيْمَة بن ثَابِت بن الفَاكِه بن عَمْرو بن عَدِيّ بن وَائِل بن مُنَبِّه بن امْرئ القَيْس بن سلَمَى بن حَبِيْب بن عَدِيّ بن ثَعْلَبَة بن امْرئ القَيْس بن عَلْقَمَة بن مُعاوِيَة بن جُشَم بن مَالِك بن الأَوْس.

стр. 4100

وأُمُّه كُبَيْشَة (a) بنت أَوْس بن عَدِيّ بن أُمَيَّة بن عَامِر بن خَطْمَة. شَهِدَ مع النَّبِيّ ﷺ غَزْوة فَتْح مَكَّة، وكان يَحْمل رَاية بني خَطْمَة، وشَهِدَ غَزْوةَ مُؤْتَة، وشَهِدَ صِفِّيْن مع عليّ بن أبي طَالِب ﵁، وقُتِلَ بها لَيْلَة الهَرِير. رَوَى عن النَّبِيّ ﷺ أحَادِيْث، رَوَى عنهُ جَابِر بن عَبْد اللَّه الأنْصَاريّ، وزَيْد بن ثَابِت، وابنُه عُمَارةُ بن خُزَيْمَة، وعَطَاء بن يَسَارٍ، وأبو عَبْد اللَّهِ عبدُ الرَّحمن بن عَبْد الجَدَلِيّ، وأبو غَطَفَان المُرِّيّ، وعُمَر بن أُحَيْحَة بن الجُلَاح، وهَرْمِيِّ بن عَبْد اللَّه. أخْبَرَنا أبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْد الأوَّل بن عِيسَى بن شُعَيْب السِّجْزِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الدَّاوُودِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّهِ بن أحْمَد بن حَمُّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيمُ بن خُرَيمْ (b) الشَّاشِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ بن حُمَيْد بن نَصْر (١)، قال: حَدَّثَني ابنُ أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد بن هَارُون، عن حَمَّاد بن سَلَمَة، عن أبي جَعْفَر الخَطْمِيّ، عن عُمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابِت، عن أَبِيهِ: أنَّ خُزَيْمَة رَأى في المَنَام كأنَّهُ يَسْجُد على جبِيْن رسُول اللَّه ﷺ ، قال: فذَكَرَ ذلك للنَّبِيّ ﷺ ، فقال: إنَّ الرُّوْحَ لا تلْقَى الرُّوْح، أو إنَّ الرُّوْح تَلْقَى الرُّوْح -شَكَّ يزِيد- فأقْنَعَ رسول اللَّهِ ﷺ رأسَهُ وأمَرَهُ فسَجَد من خَلْفه على جَبِيْن رسُول اللَّهِ ﷺ .
следующие страницы →