حَمْدُ بن عَبْد اللهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد أبي حَاتِم، قال (١): خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة أخُو عبد الرَّحْمن بن يَزِيد، شَامِيٌّ، رَوَى عنهُ الزُّهْرِيّ، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك، ويقُول: هو من الطَّبَقَةِ الثَّانيَة من تَابِعي أهْلِ الشَّام.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن عليّ بن قُشَام، عن أبي العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد الهَمَذَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن الحَسَن الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصَّفَّارُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن منْجُوَيْه الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا الحاكِم أبو أحْمَد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إسْحاق الحافِظ، قال: أبو هاشِم خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة القُرَشِيِّ، قَوْلَهُ سَمِعَ منه أبو بَكْر مُحَمَّد بن مُسْلِم الزُّهْرِيّ هو أخو عبد الرَّحْمن ومُعاوِيَة ابْنَي يَزِيد.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٢)، قال: أخْبرَنا أبو مُحمّد هِبَة الله بن أحْمد المُزَكِّي، قال: حدثنا عبدُ العَزيز بن أحمد التَّيْميّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عُثْمان، قال: أخْبَرَنا أبو المَيْمُون بن رَاشِد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة الدِّمَشقيّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو مُسْهِر، قال: حَّدَّثَنَا سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، قال: قال أصْحَابُنا: كان خَالِد بن يَزِيد إذا لم يَجد أحدًا يُحدِّثهُ حدَّثَ جَوَارِيَهُ، ثمّ يَقُول: إنِّي لأعْلَم أنكُنَّ لسْتُنَّ له بأهْلٍ. قال (٤): فمُعاوِيَة وعَبْد الرَّحمن وخَالِد إخْوةٌ، وكانُوا من صَالحِي (a) القَوْم.
أنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّد بنِ هِبَة الله، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِمِ عليُّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (٥)، قال: خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة بن
стр. 4027
عَبْد شَمْس بن عَبْدِ مَنَاف، أبو هاشِم الأُمَوِيّ، رَوَى عن أَبِيهِ يَزِيد، ودِحْيَة بن خَلِيفَة الكَلْبيّ، رَوَى عنهُ الزُّهْرِيّ، ورَجَاء بن حَيْوَة، والعبَّاس بن عَبْد الله بن العَبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب، وإبْراهيم بن أبي حُرَّة الحَرَّانيّ، وعليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ، وخَالِد بن عَامِر (a) الزِّيَادِيّ المِصْرِيَّان، وأبو الأخْضَر مَوْلاهُ.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (١): أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الكَتَّانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو المَيْمُون بن رَاشِد، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرْعَة (٢)، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْهِر، [قال: حدَّثنا] (b) سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، عن أبي عَبْد رَبّ الزَّاهِد، قال: قُلْتُ لأبي الأخْضَر؛ مَوْلَى خَالِد بن يَزِيد: خالد قد عَلمَ عِلْمَ العَرَب والعَجَم ففي [أيّ] (c) ذلك وجَد بناءَ هذه الدَّار؟ يعني: دَار الحِجَارَة.
قال -يعني أبا زُرْعَة (٣) -: وحَدَّثَني هِشَام، عن مُغِيرَة بن مُغِيرَة، عن عُرْوَة بن رُوَيْم (d)، عن رَجَاء بن حَيْوَة قال: قال خَالِدُ بن يَزِيد: كُنْتُ مَعْنِيًّا بالكُتُبِ، وما أنا من العُلَمَاء ولا من الجُهَّال.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (٤): أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ وَجِيْه بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو حَامِد أحْمَد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد الله بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَنا أبو حَامِد بن الشَّرْقيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن
стр. 4028
أبي مَرْيَم، قال: أخْبَرَنا يَحْيَى بن أَيُّوب، عن عُقَيْلٍ، عن ابن شِهَاب أنَّ خَالِد بن يَزِيد بن معاوِيَة كان يَصُوم الأعْيَاد كُلّها: السَّبْتَ والأَحَد والجُمُعَة.
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُكْتِب، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَن بن البَنَّاء، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن المُسْلِمَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر المُخَلِّصُ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بن بَكَّار، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن سَلَّام، عن بعضِ العُلَمَاء، قال: ثلاثَةُ أبياتٍ من قُرَيْشٍ تَوالَتْ خَمْسَة في الشَّرَف، كُلّ رَجُل منهم من أشْرَف أهْل زمانهِ: خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان بن حَرْب، وأبو بَكْر بن عبد الرَّحْمن بن الحَارِث بن هِشَام بن المُغِيرَة، وعَمْرو بن عَبْدِ الله بن صَفْوَان بن أُمَيَّة بن خَلَف.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ الله بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان المالِكِيّ (٢)، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن فَضَالةَ النَّحْوِيّ لرَجُلٍ في خَالِد بن يَزِيد، وذَكَرَ أنَّهُ أتاهُ، فقال: إنِّي قد قُلْتُ فيك بَيْتَيْن ولسَت أُنْشدُهما إلَّا بحُكْمِي، قال: قُلْ، فقال (٣): [من الطويل]
سَألتُ النَّدَى والجُوْد حُرَّان أنتما؟ … فقالا جَمِيعًا: إنَّنا لعَبِيْدُ
فقُلْتُ: ومَنْ مَوْلاكُما؟ فتَطَاوَلا … عليَّ وقالا: خَالِدُ بن يزيدُ
стр. 4029
فقال له: سَلْ؟ قال: مائة ألف دِرْهَم، فأمَرَ له بها.
نَقَلْتُ من فَوَائِد أبي الفَضْلِ جَعْفَر بن الفَضْل بن الفُرَاتِ بخَطِّه أو بخَطِّ كاتبه، قال: وَقَفَ عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاسِ بباب عَبْد المَلِك بن مَرْوَان يَنْتظر الإذْنَ، فجاءَ خَالِدُ بن يَزِيد بن مُعاوِيَة، فوقَف إلى جَانبِه، قال: فَجَرى بينهما كَلامٌ في بني هاشِم وي أُمَيَّة، فقال خَالِد لعليّ: ألَا تَعْجَبُ؟ فقال عليّ: أعْلَم فلا أعْجبُ، ولو كُنْت لا أعْلَم لعَجِبْتُ، فأغْلَظ له خَالِد في الجَوَاب، فقال له عليٌّ: أمَا واللهِ ما النَّهَار عن (a) اللَّيْل بنائم، ولا السَّيْفُ عن الظَّالِم بصَائم، وليعَضّن كَرِيم على نَاجِذِه حتَّى يُقِيْمَهُ الّذي أقْعَدَه.
قال: وخَرَج الإذْن إلى خَالِد، فلمَّا أرادَ الدُّخُول قال له: على السِّرُّ ما بيني وبينك يا أبا هاشِم، فلمَّا دَخَلَ على عَبْد المَلِك قال له: ما لي أراكَ مُغْضبًا يا أبا هاشِم؟ قال: أو مَحْجُوجًا يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: ومَنْ هذا الّذي يَغْلبُكَ بالحُجَّةِ؟ فواللهِ ما لسانُكَ إلَّا شَفْرَةٌ تُطْبَقُ على مَفَاصِل الكَلِم! قال: وَقَفْتُ بباب أَمِير المُؤْمنِيْن مع عليّ بن عَبْد اللهِ آنفًا فَمَتَّ برَحمٍ أعْرفُها، وذَكَر دَيْنًا لا أُنْكِرُه، وما مثْلُه ضاعَ ببابكَ يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: فإنَّا قد أمرنا له بمائةِ ألف دِرْهَم صِلَة، قال: فَخَرج خَالِدٌ إلى عليّ بن عَبْدِ الله، وقال: يا أبا مُحَمَّد، قد تَخَطَّينا ما تَكْرَهُ إلى ما تُحبُّ، وقد أمَرَ لك أَمِير المُؤْمنِيْن بمائة ألف دِرْهَم صِلَةً، فقال له عليّ: وَصَلتْكَ رَحم؛ إذا ذَهَب آلُ حرْب ذَهَبَ الحِلْم.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن قُبَيْس، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو بَكْر، قال:
стр. 4030
أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن هَانئ النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن عُفَيْر، قال: أخْبَرَنا يَحْيَى بن أَيُّوبَ، عن خَالِد بن يَزِيد الجُمَحِيّ، عن خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة، قال: إذا رأيتَ الرَّجُل لَجُوجًا مُمَارِيًا (a)، فقد تَمَّت خَسَارتُهُ.
أخْبَرَنا عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِّي، وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ. قال عَتِيق: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أَبي مُحَمَّد (٢). وقال أبو الحَسَن: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم الحُسَيْنيّ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٣)، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عَبْد اللهِ، قال: سَمِعْتُ سُفْيان بن عُيَيْنَة يَقُول: قيل لخَالِد بن يزيد: ما أقْرَبُ شيءٍ، وأبْعَدُ شيءٍ، وآنسُ شيءٍ، وأوْحَشُ شىِءٍ؟ فقال: أقْرَبُ شيءٍ الأجَلُ، وأبْعدُ شيءٍ الأمَلُ، وآنسُ شيءٍ الصَّاحِبُ، وأوْحشُ شيءٍ المَوْتُ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بنيْن بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن حَمْد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الفَرَّاء في كتابهِ، عن أبي إسْحاق الحَبَّالِ، وخَدِيجَة المُرَابِطَة -قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الطَّرَسُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن بندَار. وقالت خَدِيجَة: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الأَذَنيِّ، قال: حَدَّثَنِي جَدِّي أبو الحَسَن بن بندَار- قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد الأدِيْبُ، قال: حَدَّثَنَا ابن الهَيْثم، قال: حَدَّثَنَا العُتْبِيّ، عن أَبيِهِ، قال: قال عَبْد المَلِك لخَالِد بن يَزِيْد: ما أقْبَحُ شيءٍ رأيْت قَطّ؟ قال: المَيِّت.
стр. 4031
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد المُنْعِم بن الحَدَّادِ، قال: أخْبَرَنا يُوسُفُ بن آدَم، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر السَّمْعَانيّ، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَدَ المُؤذِّن، قال: أخْبَرَنا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن السَّكُونِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن حَمَّاد بن سُفْيان، قال: حَدَّثَنَا أبو شُرَحْبِيل عِيسَى بن خَالِد، قال: حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل، عن سَعيد بن عَبْد العَزِيْز أنَّ الحَجَّاجِ بن يُوسُفَ سَأل خَالِد بن يَزِيد عن الدُّنْيا؟ فقال: مِيْرَاثٌ، فقال: فالأيَّام؟ قال: دُوَلٌ، قال: فالدَّهْر؟ قال: أطبَاق والمَوْت بكُلِّ سَبِيْل، فليحْذَر كُلُّ عَزِيز الذُّلَّ، وكُلّ غَنِيّ الفَقْر، فكم من عَزيز قَوْم قد ذَلّ، وكم من غَنِيٍّ افْتَقَر.
أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن نَظِيْف، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الضَّرَّاب، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَارِث، عن المَدَائِنِيّ، قال: كان بين خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة وبين عَبْد المَلِك بن مَرْوَان كَلامٌ، فجَعَل عَبْدُ المَلِك يَتهدَّدهُ، فقال له خَالِد: أتُهَدِّدُني ويَدُ الله فَوْقك مانعَة، وتَمْنَعني وعَطَاء الله دُونك مَبْذُول!؟.
أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي مُحَمَّد (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم، وأبو الوَحْش سُبَيْع بن المُسَلَّم بن قِيْرَاط قراءةً عليهما، قالا:
стр. 4032
أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاء الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: قَرَأتُ على أبي بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم الأنْبارِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو زَيْد عُمَر بن شَبَّة، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان المَدَنِيّ، قال: أجْرَى عَبْدُ الله بن يَزِيد بن مُعاوِيَة الخَيْل مع الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، فسَبَقَه عَبْدُ الله، فدَخَل الوَلِيد على خَيْل عَبْدِ الله فعَقَرها، فجاءَ عَبْدُ الله خَالِدًا أخاهُ، فقال: ألَم تَرَ أنِّي سَابقْت الوَلِيدَ فسَبَقْتُه فعَقَر خَيْلي، والله لهمَمْتُ بقَتْلِهِ (a)، قال: فدَخَل خَالِدٌ على عَبْد المَلِك فقال: يا أمِير المُؤْمنِيْن، أتاني عَبْدُ اللهِ فَحَلفَ لَهَمَّ بقَتْلِ الوَلِيدِ، فقال عَبْدُ المَلِك: ولِمَ يَقْتُلُه؟ قال: سَابقَهُ فسَبَقَهُ، فدَخَلَ على خَيْلِهِ فعَقَرها، فقال عَبْد المَلِك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١)، فقال خَالِد: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، أقرأ الآية الأُخْرى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢)، فقال عَبْد المَلِك: أمَا والله لنِعْم المرءُ عَبْد الله على لَحْنٍ فيه، قال: أفعلى لَحْن ابْنك تُعَوِّل؟ قال: إنَّ أخا الوَلِيد سُليْمان، قال: وأخُو عَبْدِ الله خَالِد، قال: مَدَحت والله نَفسَكَ يا خَالِد! قال: وقَبْلي واللهِ مَدَحْتَ (b) نَفْسَكَ يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قال: ومَتى؟ قال: حين قُلتَ: أنا قَاتِلُ عَمْرو بن سَعيد، قال: حَقٌّ والله لمَن قَتَلَ عَمْرًا أنْ يَفْخر بقَتْله، قال: أمَا والله لَمَرْوَان كان أطْوِلَهُما باعًا، قال: أمَا إنّي أرَى ثَأري فىِ مَرْوَان صَبَاح مَسَاء، ولو أشاءُ أنْ أُزيلَهُ لأزَلْتُه (c) - وعَني بقَوْلِه أنَّ أُمَّ خَالِد قَتَلَتْ مَرْوَان- قال: إذا شئْت أنْ تُطفيء نُوركَ فافْعَل! قال: ما جَرَّأك عليَّ يا خَالِدُ؟ خَلِّني عنك! قال: لا والله ما قال الشَّاعرُ: [من الخفيف]
ويَجُرُّ اللِّسَانُ من أسَلَاتِ الحَـ …
стр. 4033
قال: فاسْتَحْيا عَبْدُ المَلِك وقال: يا وَليد، أكْرم أخاكَ وابن عَمِّك؛ فقد رأيْتُ أباهُ يُكْرم أبَاك، وجَدُّه يُكْرم جَدَّك.
قَرأتُ بخَطِّ أحْمَد بن أبي طَاهِر في جَوَاب التَّعْريض، قال: وقال الهَيْثَم بن عَدِيّ، عن عَبْدِ الله بن عبَّاسٍ المَنْتُوف، قال: دَخَل خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان على عَبْد المَلِك بن مَرْوَان فقال: يا خَالِدُ، كأنَّك قد عَضضْتَ على صُوْفَة! فقال خَالِدُ: إنَّ النِّسَاءَ يَلْثَمْنَ فَايَ، ولا يَشْمَمْن قَفَاي! يُعَرِّض له بالبَخَر، وكان عَبْد المَلِك يُكْنَى أبا الذُّبَّان من شِدَّة بَخَره.
قال: ودَخَلَ خالد بن يَزِيد على عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، فتَلَقَّاهُ عبد الرَّحْمن بن الضَّحَّاك بن قَيْسٍ الفِهْريّ إعْظَامًا له، وكان خَالِد يسحَبُ ثِيَابَهُ، فقال له عبدُ الرَّحْمن: بأبي وأُمِّي أنْتَ لم تُطْعِمُ الأرْضَ فُضُولَ ثِيَابك؟ فقال: أكْرَهُ أنْ أكُون كما قال الشَّاعر وعَرَّضَ به: [من الطويل]
قَصِيْر القَمِيْص فَاحِش عند بَيْتهِ … وشَرّ قُرَيشٍ في قُرَيْشٍ مُرَكَّبا
والشِّعْر لعَدِيَ بن الغَدِير الغَنَويّ في الضَّحَّاك بن قَيْسٍ الفِهْريّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن الحَرَسْتَانِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلَمِّي، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، قال: أخبَرَنا تَمَّام بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عليّ بن يَعْقُوب بن إبْراهيمِ، وأبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد بن سَعيد بن عُبَيْد الله، قالا: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن عبد الرَّحْمن بن إبْراهيم، ح.
قال: وأخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن خُرَيْم، قالا: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا المُغِيرَة بن المُغِيْرة، قال: حَدَّثَنَا عُروَة بن رُوَيْم، عن رَجَاء بن حَيْوَة، عن خَالِد بن يَزِيد، قال: بينا أنا أَسِير
стр. 4034
في أرض الجَزِيْرَة إذ مَرَرْتُ برُهْبَانٍ وقسِّيْسِين وأسَاقفَة، فسلَّمْتُ فردُّوا السَّلام، فقُلتُ: أين تُريدُونَ؟ قالوا: نُريدُ رَاهِبًا في هذا الدَّيْر نَأتيهِ فِى كُلِّ عام فيُخْبرنا بما يكُون في ذلك العام حتَّى لمثله من قَابِل، فقُلتُ: لآتينَّ هذا الرَّاهِبَ فلأنظُرنَّ ما عنده وكُنْتُ مَعْنِيًّا بالكُتُب، فأتَيْتُه وهو على باب دَيْره، فسلَّمْتُ فردَّ السَّلام، ثُمَّ قال: ممَّن أنتَ؟ فقُلْتُ: من المُسْلمِيْن، فقال: أمِن أمَّة أحمد؟ فقُلتُ: نعم، فقال: من عُلمَائهمِ أنت أم من جُهَّالهم؟ قُلتُ: ما أنا من عُلمَاءهم ولا أنا من جُهَّالهم. قال: فإنَّكُم تَزْعمُون أنَّكُم تدخلونَ الجَنَّة، وتَأكُلون من طَعَامها، وتَشْربون من شَرَابها، ولا تَبُولُون فيها، ولا تتغوَّطُون؟ قُلتُ: نحنُ نقُول ذلك، وهو كذلك، قال: فإنَّ له مثلًا في الدُّنْيا، فأخْبرني بما هو؟ قُلتُ: مثَلهُ كمثَل الجَنِين في بَطْن أُمِّهِ يأتيْه رِزْقُ الله في بَطْن أُمِّهِ ولا يَبُول ولا يَتَغوَّط، قال: فتَرَبَّدَ وَجْهُه، ثُمَّ قال لي: أمَا أخْبَرْتَني أنَّكَ لَسْتَ من عُلمَائهم؟ قُلْتُ: ما كذبتُكَ؛ ما أنا من عُلمَائهم ولا من جُهَّالهم!
قال: فإنَّكمُ تَزْعُمُون أنَّكُمُ تَدْخلُونَ الجَنَّة فتَأكُلونَ من طَعَامها، وتَشْربُونَ من شَرَابها، ولا يَنْقُص ذلك منها شيئًا؟ قُلتُ: نعم، نحنُ نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإنَّ له مثلًا في الدُّنْيا فأخْبرني ما هو؟ قُلت: مثَلُه في الدُّنْيا كَمثَل الحِكْمَة لو تَعَلَّم منها خلقُ الله أجْمَعُونَ لَم ينقُص ذلك منها شيئًا، قال: فتَرَبَّد وَجْهُهُ، ثُمَّ قال: أمَا أخْبَرْتَني أنَّك لسْتَ من عُلمَائهم؟ قلتُ: ما كَذبتُكَ؛ ما أنا من عُلمَائهم ولا من جُهَّالهم.
قال: وأنتُم تَزْعمُونَ أنَّ الحَسَنة بعَشْر أمْثَالها، قُلتُ: نحنُ نقُول ذلك وهو كذلك، قال: فإنَّ له مَثَلًا في الدُّنْيا فأخْبرني ما هو؟ قُلتُ: مثَلَهُ في الدُّنْيا كَمَثَل الرَّجُل يمَرُّ على المَلأ فيهِمِ العَشرة أو أكْثَر من ذلكَ، فيُسَلِّم عليهم فيردُّونَ ﵇ أجْمَعُون، قال: فتَرَبَّد وَجْهُه، وقال: أمَا أخْبَرْتَني أنَّكَ لستَ من عُلمَائهم؟ قُلتُ: ما كَذبْتُكَ؛ ما أنا من عُلمَائهم ولا من جُهَّالهم.
стр. 4035
قال: وأنتم تَرَونَ حَقًّا عليكم في صَلَاتكم أنْ تَسْتَغفروا للمُؤْمنِيْنَ والمُؤْمِنات؟ قلت نعم، قال: فالْتَفَتَ إلى أصْحَابِه، فقال: ما منهمِ منٍ أحَدٍ يَسْتَغْفِر للمُؤْمنِيْن والمُؤْمِناتِ إلَّا كَتَب الله له من كُلِّ مُؤْمِن ومُؤْمنَة حسَنةً.
قال: وأنتُم تَرَون حَقًّا عليكم أنْ تقُولوا: السَّلامُ علينا وعلى عِبَادِ الله الصَّالِحين؟ قُلتُ: نعم، فالْتَفَتَ إلى أصْحَابهِ فقال: ما منهم من أحدٍ يقُول ذلك إلَّا ردَّ الله ﵇ من كُلِّ عَبْدٍ صَالحٍ من أهْلِ السَّماءِ والأرْض مَضَى أو هو كائن إلى يَوْم القِيامَة.
ثُمَّ قال: هل فيكم ذو القَرْن يقُوم إليه طِفْلٌ من أطْفَالهِ فيرد قولَهُ، ويَصْرفُ وَجْهَهُ؟ قُلتُ: قد كان ذلك، قال: هَيْهاتَ هلكَتْ هذه الأُمَّةُ لن تقُومَ السَّاعَةُ على دِيْنٍ أرقّ من هذا الدِّيْن، وأرجُو أنْ يكُون كذب إِنْ شَاءَ الله، فقُلْتُ لعُرْوَة: كم تَعدُّون القَرْن؟ قال: ابنُ ستِّين سَنَة. واللَّفْظُ لابن حَزْم.
أنْبَأنَا أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو المُفَضَّل يَحْيَى بن عليّ القُرَشِيّ القَاضِي، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاق بن عَبْدِ الله بن الحَسَن، ح.
قال الحافِظُ: وحَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن صَابِر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن بن عَبْد السَّلام، وعبد الله بن عَبد الرَّزَّاق بن عَبْد الله، ح.
قال: وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السُّوْسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي الجَزُور، قالوا: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد العَتِيْقِيّ، قال: حَدَّثَنَا مَنْصُور بن جَعْفَر بن مُلاعِب، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو حَاتِم، عن العُتْبِيّ، قال: لَزِمَ خَالِد بن يَزِيد بَيْته، فقيل له: كيف تَرَكْت
стр. 4036
مُجَالَسة النَّاسِ وقد عرفْتَ فَضْلها، ولَزِمْتَ بيتكَ؟ فقال: وهل بقي إلَّا حَاسِدٌ على نِعْمَة أو شَامِتٌ بنكْبَة.
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات مُحَمَّد بن أبي الأَمَانَة جِبْرِيل بن المُغِيرَة بن سُلْطان في كِتَابِهِ إليْنَا من الدِّيَار المِصْرِيَّة، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أخْبَرَنا أبو الجُيُوش عَسَاكِر بن عليّ بن إسْمَاعِيْل بن نَصْر المُقْرِئ، قيل له: أنْبَأكم أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم الرَّازِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن الحُسَين المَعْرُوف بابنِ الطَّفَّالِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن رَشِيْق العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين المُصْعَبيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو رِفَاعَة عُمَارَة بن وَثِيْمَة بن مُوسى بن الفُرَاتِ، قال: قال مُحَمَّد -يعني ابن عَبْدِ اللهِ بن عَبْد الحَكَم-: أوَّلُ مَنْ ضَرَب الدَّنَانِيْر في الإسْلَام عَبْدُ المَلِك بن مَرْوَان، وإنَّما كانت الدَّنَانِيْر تَأتي من بَلَد الرُّوم، ويُطْلَقُ لهم القَرَاطِيْس، وكان يُكْتبُ في رُؤوس الطَّوَامير ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١) إلى آخر الآيةِ، فلمَّا نَظَر مَلِك الرُّوم إلى الكتاب، قال: ما هذا؟ فقُرئ (a) له: شَتَمُوا إلهَكَ الّذي تَعْبُد، يَعْنُون عِيسَى، فغَضِبَ وكَتَبَ إلى عَبْد المَلِك يَقُول: والله لئن كَتَبْتَ بعد هذا في الطَّوَامير لأنْقُشَنَّ في الدَّنَانِيْر شَتْم نبيِّكَ، فاغْتَمَّ عَبْدُ المَلِكِ، فدَخَلَ عليه خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة وكان دَاهِيًا، فأخْبَره، فقال له خَالِد: لا تَغْتم؛ اجْعَل عندَكَ دَارًا للضَّرْب، واضْرب فيها وامْنَعْهُ القَرَاطِيْسَ فإنَّهُ سيَحْتَاجُ إليها فيأخُذُها على ما شَاء أو أبى (b)، ففَعَلَ، فكان أوَّلَ مَنْ ضَرَبَها في الإسْلَام.
стр. 4037
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن عُمَر بن عليّ القُرَشيِّ بقِرَاءَتي عليه بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَاتِ نَصْرُ الله المُبارَك بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، والكَاتِبهُ شُهدَةُ بنت أحْمَد بن الإبَريّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بن عليّ بن يَعِيْش قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ الله بن أحْمَد بن الطُّوْسيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَزِيد المُبَرَّدُ، قال: حَدَّثَنَا هِشَام، عِن أبي عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى، قال: حَجَّ عَبْدُ المَلِك بن مَرْوَان وحَجَّ معه خَالِدُ بن يَزِيد بن مُعاوِيَة، وكان من رِجَالاتِ قُرَيْشٍ المَعْدُودِيْن وعُلَمائهم، وكان عَظِيم القَدْر عندَ عَبْد المَلِك، فبينا هو يَطُوف بالبَيْت إذ بَصُر برَمْلَة بنت الزُّبَيْر بن العَوَّام فعَشِقَها عِشْقًا شَدِيدًا، ووَقَعَتْ بقَلْبهِ وُقُوعًا مُتَمكِّنًا.
فلمَّا أرادَ عَبْدُ المَلِك القفُول هَمَّ خَالِدٌ بالتَّخَلُفِ عنه، فوَقَع بقَلْب عَبْدِ المَلِك تُهْمَة، فبَعَثَ إليه فسَألَهُ عن أمْره، فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، رَمْلَة بنت الزُّبَيْر رَأيتُها تَطُوفُ بالبَيْتِ، قد أذْهَلَتْ عَقْلي، والله ما أبْدَيتُ إليك ما بي حتَّى عِيْلَ صَبْري، ولقد عَرَضْتُ على عَيْني النَّوْمَ فلم تَقْبَلْهُ، والسُّلوَّ (a) على قَلْبي فامْتَنَع منه (b)، فأطالَ عَبْدُ المَلِك التَّعَجُّب من ذلك، وقال: ما كُنْتُ أقُولُ إنَّ الهَوَى يَسْتَأسِرُ مثْلَك، فقال: وإنِّي لأشَدُّ تَعجُّبًا من تَعَجُّبك منِّي، ولقد كُنْتُ أقُولُ: إنَّ الهَوَى لا يَتَمكَّنُ إلَّا من صنفَيْن من النَّاسِ: من الشُّعَراءِ والأعْرَابِ؛ فأمَّا الشُّعَراءُ فإنَّهُم ألْزَمُوا قُلُوبَهُم التَّفَكُّرَ في النِّسَاءَ والغَزَلِ، فمال طَبْعُهم (c) إلى النِّسَاء فضَعُفَتْ قُلُوبُهم عن
стр. 4038
دَفْعِ الهَوَى فأسْتَسْلمُوا إليه مُنْقَادِين. وأمَّا الأعْرَابُ؛ فإنَّ أحدَهُم يَخْلُو بامْرأتهِ فلا يكون الغالبُ عليه غير حُبَّهِ لها، ولا يَشْغَلُهُ شيءٌ عنه، فضَعُفُوا عن دَفْعِ الهَوَى، فتمكَّن منهم، وجُمْلَةُ أمْري فيما رأيتُ، نَظْرةٌ حالَتْ بيني وبين الحَزْم، وحسَّنَتْ عندي رُكُوبَ الإثْم، مثْل نَظْرَتي هذه.
فتَبَسَّم عَبْدُ المَلِك، وقال: أوَكُلّ هذا قد بلَغَ بكَ؟ فقال: واللهِ ما عَرَقَتْني هذه البَليَّةُ قبل وَقْتي هذا، فوَجَّه عَبْد المَلِك إلى آلِ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ رَمْلَة على خَالِد، فذَكَرُوا لها ذلك، فقالت: لا واللهِ أو يُطَلِّق نسَاءَهُ، فطَلَّق امْرَأتين كانتا عندَهُ أحدَيْهما من قُرَيْشٍ والأُخْرى من الأَزْدِ، وظَعَنَ بها إلى الشَّام، وفيها يقول (١): [من الطويل]
أليْسَ يَزِيدُ الشَّوْق في كُلِّ لَيْلَةٍ … وفي كُلِّ يَوْم من حَبِيْبَتنا (a) قُرْبا
خَلِيلي ما من سَاعةٍ تذكُر أَنَّها … من الدَّهْرِ إلَّا فرَّجَت عنِّي الكَرْبَا
أُحبُّ بني العَوَّام طُرًّا لحُبِّها … ومن أجْلها (b) أحْبَبْتُ أخْوَالها كَلْبَا
تَجُول خَلَاخِيْلُ النِّسَاءِ ولا أرَى … لرَمْلَة خلْخَالًا يَجُولُ ولا قُلْبَا
أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن بن الفَضْل في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي مُحّمَّد (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن مُحَمَّد بن عليّ بن كَرْتيلَا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ الخَيَّاط، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ الله بن الخَضِر السُّوسَنْجَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر أحْمَدُ بن عليّ بن مُحَمَّد الكَاتِبُ، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا
стр. 4039
أبو عَمْرو مُحَمَّدُ بن مَرْوَان السَّعِيْدِيّ (a)، قال: وقال خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة يَرْثِي جدَّه وأباهُ: [من الوافر]
تجَلَّدْ للعُدَاةِ الشَّامِتِيْنا … ولا تُرَ للحَوَادِثِ مُسْتَكِيْنا
وعَزِّ النَّفْسَ إنْ سَخِطَتْ بصَبْرٍ … يُنَسِيِّها التَّشَكِّيَ والأَنِيْنَا
فقد صَكَّتْ قَنَاتَكَ بالمُرادِي … شَعُوبٌ صَدَّعَتْ منها متُونَا
وغالَتْ مِن بني حَرْبٍ رِجَالًا … هُمُ كانُوا الرِّجَالَ الكَامِلِيْنا
وهُمْ كانُوا الحُمَاةَ منَ المَخَازِي … وهُمُ كانُوا السُّقَاةَ المُطْعِمِيْنا
بإذْن الله والسَّاعِيْنَ فيْما … يُشَرِّفُ أمْرَ دِيْنِ المُؤْمِنِيْنا
فغَالَتْهُم شَعُوبُ غَيَّبَتْهُمْ … وهُمْ عَمَدٌ لأَمْرِ المُسْلَمِيْنا
فلو بَقِيَت (b) نُفُوسُهُمُ علَيْهِمْ … ولَم تجْرزْهُمُ الدُّنْيا المنُونَا
لأصْبَحَ ماءُ أهْلِ الأرْضِ عَدْنًا (c) … وأصْبَح لَحْمُ دُنْياهم سَمِيْنا
رَأيْتُ النَّاس لاقَوا بعدَ جَدِّي … مُعاوِيَةَ الّذي أبْكَى العُيُونا
وبعدَ أخي مُعاوِيَةَ ابنِ أَميِّ … وبَعْدَ أبي يَزِيدَ الأقْوَرِينا
أنْبَأنَا أبو البَرَكَات سَعيد بن هاشِم الأسْدِيّ، قال: أنْبَأنَا مَسْعُودِ بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، عن أبي عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن يَوَه (d)، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا، قال: أنْشَدَني أبي لخَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة (١): [من المتقارب]
أتَعْجب أَنْ كُنْتَ ذا نِعْمَة … وأنَّكَ فيها شَرِيْفٌ مَهِيْبُ
стр. 4040
فكم وَرَدَ المَوْتَ من نَاعِم … وحُبُّ الحَيَاةِ إليهِ عَجِيْبُ
أخَاف (a) المَنِيَّة لمَّا دَعَتْ … وكُرْها يُجِيْب لها مَنْ يُجِيْبُ
سَقَتْهُ ذَنُوبًا من أنْفَاسها … ويُذْخَرُ للحَيِّ منها ذَنُوبُ
قال: وأنْشَدَني أبي لخَالِد بن يزيد (١): [من الكامل]
إنَّ سَرَّكَ الشَّرَفُ العَظِيْم مع التُّقَى (b) … وتكُون يَوْمَ أشَدَّ خَوْفٍ وَائِلَا
يَوْم الحِسَاب إذا النُّفُوس تَفَاضَلَتْ … في الوَزْن إذْ غبَطَ الأخَفُّ الثَّاقِلَا
فاعْمَل لِمَا بعدَ المَمَاتِ ولا تكُنْ … عن حَظِّ نَفْسكَ في حَيَاتكَ غَافِلَا
أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَةِ الله القَاضِي، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله (٢)، قال: بَلَغَني أنَّ خَالِد بن يَزِيد وأُمَيَّة بن خَالِد بن عَبْدِ اللهِ بن أسيْد (c)، ورَوْح بن زِنْبَاعِ ماتُوا بالصِّنَّبْرَة في عامٍ واحدٍ. وبلَغَني منِ وَجْهٍ آخر أنَّ رَوْح بن زِنْبَاع ماتَ في سَنَة أرْبَعٍ وثمَانين في خِلافَة عَبْد المَلِك بن مَرْوَان.
وقال الحافِظُ أبو القَاسِمِ (٣): قَرأتُ بخَطِّ عَبدِ الوَهَّاب بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمن بن مَاهَان: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن رَشِيْق العَسْكَريّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمَّاد الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَني أحْمَد بن مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَني أبي عُفَيْر، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حدَّثَني يَزِيد الرَّقِّيّ، قال: تُوفِّي خَالِد بن يَزِيد بن مُعاوِيَة سَنَة تِسْعين، فشَهِدَهُ الوَلِيد بن عَبْدِ المَلِك وهو يَوْمئذٍ خَلِيفَةٌ، فصَلَّى عليه، وقال: ليُلْق بنو (d) أُمَيَّة الأرْدِية على خَالِدٍ فلن يتحسَّرُوا على مثْلِهِ.
стр. 4041
خَالِد بن يزيد، أبو عَبْد الله الأزْدِيّ (١)
حَكَى عن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، ووَلِيَ شُرْطَتَهُ حين وَلي الخِلَافَة، وكان معهُ بِدَابِق وبخُنَاصِرَة، رَوَى عنهُ المَدَائِنِيُّ، واللَّيْث بن سَعْد.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْدِ الله الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه في مَجْلِسٍ أمْلاهُ عليه أبو عَبْدِ الله بن عَرَفَة نِفْطَوَيْه، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، عن المَدَائِنِيّ، عن خَالِد بن يَزِيد الأزْدِيّ، وكان على شُرْطَة عُمَر بن عَبْد العَزِيْز حينَ اسْتُخْلِف، قال: كان عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز مع أبيهِ بمِصْرَ، فضَرَبَهُ فَرَسٌ فأصَاب جَبْهَتَهُ، فغُشِي عليه، وقالوا: ماتَ. وجاءَ رَجُلٌ إلى عَبْد العَزِيْز فقال: أصْلَح اللهُ الأَمِير، احْتَسِب ابنَكَ عُمَر؛ فإنَّ دَابَّةً ركضَتْهُ فماتَ، فقال الأَصْبَغُ بن عَبْد العَزِيْز: واللهِ ما ماتَ! وجاءَ رَجُلٌ آخرُ فقال: أصْلَح اللهُ الأَمِير؛ إنَّ عُمَر ركضَتْهُ دَابَّةُ فغُشِي عليه ثمّ أفاقَ وقد شجَّهُ على وَجْههِ، فقال الأَصْبَغُ: اللهُ أكْبَرُ، فقال عَبْد العَزِيْز: ما هذا قُلْتَ ما قُلتَ ثمّ قُلْتَ الآن، هل بلغَكَ في ذلك شيء؟ فقال: نَعَمِ هو أشجُّ بني مَرْوَان الّذي يَعْدلُ في النَّاسِ، قال: فما تقُول فيَّ؟ قال: لا تَلِي الخِلَافَةَ.
أخْبَرَنا أبو عليّ حَسَن بن أحْمَد الأَوَقِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الحَرْبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ البَاقِي بن قَانِع، قال: سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين ومائة: خَالِد بن يَزِيد أبو عَبْدِ اللهِ، رَوَى عنهُ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، يعني: ماتَ فيها.
стр. 4042
خَالِدُ بن يَزيْد، أبو الهَيْثمَ التَّمِيْمِيُّ الكَاتِبُ (١)
الخُرَاسَانيّ الأصْل، البَغْدَاديّ الدَّار.
كان كاتب الجَيْشِ ببَغْدَاد، ووَلَّاهُ مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الزَّيَّات الإعْطَاء بالثُّغُور الشَّامِيَّةِ، فخَرَجَ إليها، ثمّ عاد إلى بَغْدَاد، ووُسْوِسَ في آخرِ عُمُرِه.
حَدَّثَ عن أبي تَمَّام حَبِيْب بن أَوْسٍ الطَّائيّ بحَدِيثٍ ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَةِ حَبِيْب بن أَوْس (٢)، رَوَى عنهُ أبو عليّ مُفَضَّل بن الفَضْل الشَّاعِر، وأبو القَاسِم بن أبي حَيَّة (a)، وأبو الحَسَن أحْمَد بن جَعْفَر الَبْرَمَكيِّ المَعْرُوف بجَحْظَة، وهِلَالُ بن العَلَاءِ، وأبو العبَّاس ثَعْلَب، والحُسَين بن إسْحاق. وكان كَاتبًا شَاعِرًا.
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْشٍ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَد بن عُبَيْدِ الله بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْريّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن جَعْفَر بن مُوسَى البَرْمَكيِّ حَجْظَة، قال: حَدَّثَني
стр. 4043
خَالِدٌ الكَاتِبُ، قال: قال لي عليُّ بن الجَهْم: هَبْ لي بَيْتَك (١): [من مجزوء الرمل]
ليْتَ ما أصْبَحَ من رِقَّـ … ـــةِ خَدَّيْكَ بقَلْبِكْ
قال: فقُلْتُ: أرَأيْتَ أحدًا يَهَبُ وَلَدَهُ.
أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد الله بن المُقَيِّر إذْنًا، عن أبي طَالِب المُبارَك بن عليّ بن مُحَمَّد بن خُضَيْر الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد أحْمَدُ بن عَبْد الجبَّار بن أحْمَد الصَّيْرَفِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن سَهْل النَّحْوِيّ ويُعْرَفُ بابن بِشْرَان، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحَمَّد الشِّمْشَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن جَعْفَر البَرْمَكيِّ، قال: حَدَّثَني خَالِد الكَاتِبُ، قال: خَرَجْتُ مُتَنَزِّهًا ذات يَوْم فرُفِعَ لي دَيْرٌ فأممْتُهُ، فإذا فيه شابٌّ لم أرَ أحْسَن وَجْهًا، ولا أفْصَح لسَانًا منه، مُكبَّلًا في الحَدِيْدِ، فسَلَّمْتُ، فردَّ السَّلام ورحَّبَ، ثُمَّ قال: مَنْ تكُونُ؟ فقُلْتُ: خَالِد الكَاتِبُ، فقال: أصَاحِب المُقَطَّعَاتِ؟ فقُلتُ: نَعَم، فقال: أنْشِدني من مُقَطَّعاتِكَ، فأنْشَدتُهُ (٢): [من المتقارب]
تَرَشَّفْتُ من مُقْلَتَيها العقارَا (a) … وقَبَّلْتُ منِ خَدِّها (b) جُلَّنَارا
وعانَقْتُ منها (c) كَثِيْبًا مَهِيْلًا … وغُصْنًا رَطِيْبًا وبَدْرًا أنَارَا
وأبْصَرتُ من نُورها (d) في الظَّلَام … بكُلِّ مكانٍ بلَيْلٍ نَهَارَا
فقال: أحْسَنْتَ واللهِ.
ثُمّ قال: ألَا أُنْشدكَ بَيْتَيْن لتُجيزَهُما لي؟ فقُلتُ: هَاتهما، فأنْشدَني (٣): [من الخفيف]
رُبَّ لَيْلٍ أشَفَّ (e) من نَفَسِ العَاشِـ …
стр. 4044
وحَدِيث ألذُّ من نَظَر المَعْـ … ـــشُوق (a) بُدِّلتُه ببُؤسِ العِتَابِ
قال خَالِدٌ: فواللهِ ما قدَرْتُ على إجَازتها، وأنا مُذْ عشرُون سَنَةً أُفَكِّر في ذلك ولا أقْدرُ عليه.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لنا في روَايتَه عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخبرَنا أبو بَكْر بن عليّ (١)، قال: أخْبرَنا العَبَّاسُ بن عُمَر (b) الكَلْوَذَانيّ، فيما أذِنَ أن نَرْويه عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد الزَّاهِد، قال: أخْبَرَنا ثَعْلَبُ، قال: ما أجِدُ (c) من الشُّعَراء تكلَّمَ في اللَّيْلِ إلَّا قَاربَ، إلَّا خَالِدٌ الكَاتِب فإنَّهُ أبْدَعَ في قَوْله (٢): [من المتقارب]
ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ
فإنَّهُ لَم يَجْعَل للَّيْل آخرًا، وأنْشَدنا: [من المتقارب]
رَقَدْتَ ولَم تَرثِ للسَّاهِرِ … ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ
ولَم تَدْر بعد ذَهَابِ الرُّقَادِ … ما صَنَعَ الدَّمْعُ بالنَّاظِرِ
أيا مَنْ تَعَّبدني طَرْفه … أَجِرْنِي من طَرْفكَ الجَائِرِ
وخُذْ للفُؤَادِ فذاكَ الفُؤَاد … من طرفكَ الفَاِتِنِ الفَاِتِرِ
فَمَضَيْتُ إلى خَالِد في سَنَة إحْدَى وسِتِّين فأنْشَدَني هذا الشِّعْرَ.
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَغْدَاديّ (٣)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أبي بَكْر، قال: قال
стр. 4045
أحْمَد بن كَامِل القَاضِي: حُدِّثْتُ عن خَالِدٍ الكَاتِب، قال: قيل له: من أين قُلْتَ في قَصِيْدَتكَ: [من المتقارب]
ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ؟
فقال: وَقَفْتُ على بابٍ، وسَائلٌ عليه مَكْفُوفٌ وهو يَقُول: اللَّيْلُ والنَّهَار عليَّ سواءٌ، فأخَذْتُ هذا منه.
قُلتُ: أنْشَدَني شَيْخُنا الحَسَن بن عَمْرو النَّحويّ المَعْرُوف بابنِ دُهْن الحَصَا هذا المَعْنَى: [من البسيط]
فالآن لَيْلي مُذ غَابُوا فَديتُهم … لَيْل الضَّرِيْر فصُبْحي غير مُنْتَظرِ
أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو حَامِد أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو الدِّلَّويّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن حَبِيْب النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِمِ عبد الرَّحْمن بن المُظَفَّر الأنْبارِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا القَاسِم بن أبي حَيَّة (b) يقُول: سَمِعْتُ خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب يَقُول: بينا أنا مارٌّ ببابِ الطَّاق، إذا رَاكِبٌ خَلْفِي على بَغْلَةٍ، فلمَّا لَحقَني نَخَسَنِي بسَوْطِهِ، فقال: أأنْتَ القائلُ يا خُوَيْلِد: [من المتقارب]
ولَيْلُ المُحبّ بلا آخِر؟
قُلتُ: نعم، قال: للهِ أبُوك، وصَفَ امْرُؤ القَيْس اللَّيْل الطَّويلَ في ثلاثةِ أبْيَاتٍ، ووَصَفهُ النَّابِغَةُ في ثلاثة أبْيَاتٍ، ووصَفهُ بَشَّار بن بُرْد في ثلاثة أبْيَاتٍ،
стр. 4046
وبرَّزْتَ عليهم بشَطْر كَلِمَة، فللَّه أبُوك! قُلتُ: وبِمَ وصفَهُ امْرُؤ القَيْس؟ فقال: بقَوْلِهِ (١): [من الطويل]
ولَيْلٍ كَمَوْج البَحْر أرْخى سُدُولَهُ … عليَّ بأنْوَاع الهُمُوم ليَبْتَلي
فقُلْتُ له لمَّا تَمَطَّى بصُلْبِهِ … وأرْدَفَ أعجْازًا وناءَ بكَلْكَلِ
ألَا أيُّها اللَّيْل الطَّويلُ ألَا انْجَلي … بصُبْحٍ وما الإصْبَاحُ منْكَ بأمْثَلِ
قُلتُ: وبم وَصفَهُ النَّابِغَةُ؟ فقال: بقَولهِ (٢): [من الطويل]
كَليني لهَمٍّ يا أُمَيْمَة نَاصِبِ … ولَيْلٍ أُقَاسِيْهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
وصَدْرٌ أرَاحَ (a) اللَّيْلُ عَازِبَ هَمِّهِ … فضاعَف فيه الهمَّ (b) من كُلِّ جَانِبِ
تقاعَسَ (c) حتَّى قُلْتُ: ليسَ بمُنْقَضٍ … وليس الّذي يَهْدِي (d) النُّجُوم بآيبِ
قُلتُ له: بِمَ وصَفَهُ بَشَّار؟ فقال: بقَوْلهِ (٣): [من الطويل]
خَلِيليَّ ما بالُ الدُّجى لا تَزَحْزَحُ … وما بالُ ضَوء الصُّبْح لا يَتَوَضَّحُ
أظنُّ الدُّجَى طالَت وما طالت (e) الدُّجَى … ولكن أطال اللَّيْلَ سقمٌ (f) مُبَرِّحُ
أضَلَّ النَّهَارُ المُسْتَنِيْرُ طَرِيقَهُ (g) … أم الدَّهْرُ لَيْلٌ كُلُّه ليس يَبْرَحُ
قُلتُ له: يا مَوْلاي، هل لك في شِعْرٍ قُلْتُه لم أُسْبَق إليهِ؟ قال: نعم، فقُلْتُ (٤): [من مجزوء الرمل]
كُلَّما اشْتَدَّ خُضُوْعِي … لجَوَىً بينَ ضُلُوعِي
رَكَضَتْ في حَلْبتي خَدَّ … يَّ خَيْلٌ من دُمُوعِي
стр. 4047
قال: فثَنى رجْلَهُ عن بَغْلتِهِ، وقال: هَاكها فارْكَبها، فأنْتَ أحقُّ بها منِّي. فلمَّا مَضَى سألتُ عنه فقيل: هو أبو تَمَّام حَبِيْبُ بن أَوْسٍ الطَّائيُّ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ المَدَائِنِيّ الحَلَبِيِّ في مَجْمُوع وَهَبْنيه وَالدِي ﵀، قال (١): وحَدَّثَ أيْضًا حَجْظَة، قال: حَدَّثَنِي خَالِد الكَاتِبُ، قال: أُدْخلتُ على إبْراهيمَ ابن المَهْدِيّ، وأنا غُلَامٌ، فقال لي: أنتَ خَالِدٌ؟ قُلتُ: نَعَم، قال: أنْشدني شيئًا، قُلتُ: أعزَّ الله الأَمِيرَ، أنا حَدَثٌ أمْزَحُ وأقُول في شُجُون نَفْسِي، لا أمْدَحُ ولا أهْجُو، فإنْ رَأى الأَمِير أنْ يُعْفِيَني فَعَل، فقال: واللهِ لتقُولنَّ؛ فإنَّ الّذي تَقُوله في شُجُون نَفْسكَ أشَدُّ لدَوَاعي البَلَاءِ، فأنْشَدتُهُ (٢): [من مجزوء الكامل]
عَاتَبْتُ نَفْسِي في هَوَا … كَ فلَم أجِدْهَا تَقْبَلُ
وأطَعْتُ دَاعِيَها إليْـ … ــكَ ولم أُطِعْ من يَعْذُلُ
لا والّذي جَعَل الوُجُـ … ـــوهَ لحُسْن وَجْهِكَ تَمْثُلُ
لا قُلْتُ إنَّ الصَّبْر عنْـ … ــكَ من التَّصَابي أجْمَلُ
قال: فصَاحَ إبْراهيم: وَايْ عليك إبْراهيم! ثُمَّ أنْشَدَهُ: [من الخفيف]
لو تَرَى ما أراهُ مِنكَ إذا ما … جَالَ ماءُ الشَّبَاب في وَجْنَتَيْكَ
لتمَّنْيتَ أنْ تُقَبِّل خَدَّيْـ … ـــكَ وإنْ لم تَصِلْ إلى خَدَّيْكَ
كذا نَقَلتُهُ من خَطِّهِ (a).
ثُمَّ أنْشَدتُه (٣): [من الرمل]
عِشْ فَحُبِّيْكَ سَرِيعًا قَاتِلي … والضَّنَى (b) إنْ لم تَصِلْني وَاصِلي
стр. 4048
ظفرَ الحُبُّ (a) بقَلْبٍ دَنفٍ (b) … بكَ والسُّقَمُ بجِسْمٍ نَاحِلِ
فهُما بين اكتئَابٍ وبِلَىً (c) … تَرَكَاني كالقَضِيْب الذَّابِلِ
فبَكَى العَاذِلُ لي من رحْمَةٍ … فبُكَائي لبُكَاءِ العَاذِلِ
قال: أحْسَنْتَ واللهِ.
ثُمَّ قال: يا نَصْرُ، كم معَكَ من العَيْن؟ قال: ستمّائة وخَمْسُون دِيْنارًا، قال: ادْفَعِ إلى الفَتَى نِصْفَها واجْعَل الكَسْر له سَلِيْمًا، فأخَذْتُها وعُدت إلى مَنْزِلي، فاشْتَرَيْتُ المَنْزِل الّذي كُنْتُ فيه فسَتَرني وسَتَر عِيَالي.
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُكْتِبُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي أحْمَد (١)، قال: أخْبرني عليِّ بن أَيُّوبَ القُمِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني الحُسَين بن إسْحاق، قال: حَدَّثَني أبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب الشَّاعر، قال: لمَّا بُوْيِعَ إبْراهيم ابن المَهْدِيّ بالخِلَافَة، طَلَبني، وقد كان يَعْرفُني، وكُنْتُ مُتَّصِلًا ببعضِ أسْبَابهِ، فأُدْخلتُ إليه، فقال لي: يا خَالِد، أنْشِدني من شِعْركَ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، ليسَ شِعْري من الشِّعْر الّذي قال فيهِ رسُول الله صَلَّى اللهُ عله وسلَّم: إنَّ من الشِّعْر حِكَمًا، وإنَّما أمْزَح وأَهْزل، وليسَ ممَّا يُنْشدُهُ أَمِير المُؤْمنِيْن! فقال: لا تَقُل هذا يا خَالِد؛ فإنَّ جِدَّ الأدَب وهَزْلَهُ جِدٌّ، أنْشدْني، فأنْشَدتُهُ (٢): [من الرمل]
عِشْ فَحُبِّيْكَ سَرِيِعًا قَاتِلي … والضَّنَى إنْ لي لَم تَصِلْني وَاصِلي
стр. 4049
ظَفَرَ الشَّوْقُ بقَلْبٍ كَمِدٍ … فيك والسُّقَم بجِسْمٍ نَاحِلِ
فهما بين اكْتِئابٍ وبَلىً … تَرَكَاني كالقَضِيْب الذَّابِلِ
وبَكَى العَاذِلُ لي من رَحْمَةٍ … فبُكَائي لبُكَاءِ العَاذِلِ
فاسْتَمْلَح ذلك، ووَصَلنِي.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي عليّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن مُحَمَّد بن سُلَيمان الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَني أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد المَعْرُوف بابنِ السَّقَّاء الوَاسِطيِّ بها، قال: حَدَّثَني حَجْظَة، قال: قال لي خَالِدٌ الكَاتِبُ: أضقْتُ حتَّى عدمْتُ القُوْتَ أيَّامًا، فلمَّا كان في بَعْضِ الأيَّام بين المَغْرب وعِشَاءِ الآخرة، فإذا بابي يُدَقُّ، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ فقال: مَنْ إذا خَرَجْتَ إليه رَأيتَهُ! فَخَرَجْتُ فرأيتُ رَجُلًا رَاكبًا على حِمَارٍ، عليه طَيْلَسَانٌ أسْوَدُ، وعلى رَأسِه قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ، ومعه خَادِمٌ، فقال لي: أنت الّذي تقُول (٢): [من المنسرح]
أقُولُ للسُّقْمِ عُدْ إليَّ بَدَني … حُبًّا لشيء يكُونُ من سَبَبك
قال: قُلتُ: نعم، قال: أُحبُّ أنْ تَنْزل لي عنه، فقُلتُ: وهل يَنْزلُ الرَّجُلُ عن ولدِه؟ فتَبَسَّم، ثُمَّ قال: يا غُلَام أعْطِهِ ما معَكَ، فأوْمَأ إليَّ بصُرَّةٍ في دِيْبَاجةٍ سَوْداء مَخْتُومَة، فقُلتُ: إنِّي لا أقْبَلُ عَطَاءَ مَنْ لا أعْرِفُهُ، فَمن أنتَ؟ قال: أنا إبْراهيمُ بن المَهْدِيّ.
أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاوِيّ الصُّوْفيّ السَّاوِيّ (a)، قال: أخْبَرَنا
стр. 4050
أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ أحْمَد بن مُحَمَّد بن البَرَدَانيّ الشَّيْخ الحافِظ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أنْشَدَنا عَبْد الله بن مُحَمَّد بن حَمْدَان العُكْبَرِيّ بعُكْبَرا، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن دُرَيْدٍ لخَالِدٍ الكَاتِب (١): [من مجزوء الكامل]
هل أنْتَ مُنْتَفعٌ بعِلْـ … ــمكَ مرَّةً والعِلْمُ نَافِعْ
وَمَنِ المُشِيْرُ عليكَ بالـ … ـــرَّأي السَّدِيْدِ وأنْتَ سَامِعْ
فالمَوْتُ حَوْضٌ أنتَ فيـ … ـــهِ [و] لا مَحَالةَ مِنهُ كَارِعْ
فِمنَ التُّقَى فازْرَعْ فإنَّـ … ـــكَ حَاصِدٌ ما أنْتَ زَارِعْ
стр. 4051
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبهِ تَوفِيْقِى
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَلَّان الوَرَّاق، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الصَّامِتُ، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن جَعفَر أبو الحَسَن البَرْمَكِيِّ حَجْظَةُ، قال: كُنَّا جُلُوسًا على بابِ عبدِ الصَّمَد بن عِليّ، ومَعنا رَجُلٌ يُنْشِدُنا أشْعَارَ عبد الصَّمَد بن المُعَذَّل، إذ أَقْبل أبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب، فجلَسَ إلينا، فقال: فيمَ كُنْتم؟ فقُلْنا بجَهْلِنا: هذا يُنْشِدُنا شَيئًا من شِعْر (a) عبد الصَّمَد، فالْتَفَتَ إليه خَالِد فقال: يا فَتَى مَن الّذي يقُول (٢): [من الطويل]
تَنَاسَيْتَ ما أَوْعَيْت سَمْعَكَ يا سَمْعِي … كأنَّك بعد الضّرِّ خَالٍ من النَّفْعِ
ثم قال له: يا فَتَى، هل أحْسَنَ عبد الصَّمَد أنْ يَجْعَلَ للسَّمْع سَمْعًا؟ قال: لا، ثُمَّ أنْشَدَهُ: [من الطويل]
لئن كان أضْحَى فَوْق خَدَّيهِ (a) رَوْضَةً … فإنَّ على خَدِّي غَدِيرًا (a) من الدَّمْعِ
ثُمَّ نَهَضَ، فقال لنا المُنْشد: مَنْ هذا؟ فقُلْنا: خَالِد، فعَدَا خَلْفَهُ، وانْقَطَعَت نَعْلُهُ، وانْقَلَبت مَحْبرتُه حتَّى كَتَبَ البَيْتَيْن.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضل الهاشمِيّ الحَلَبِيّ بها، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قُلتُ: ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ السَّمْعَانيّ من أصْل سَمَاع شَيْخنا أبي هاشِم، قال: أنْشَدَنا
стр. 4052
يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ البَغْدَاديّ بها، قال: أنْشَدَنا عبد الصَّمَد بن عليّ بن مُحَمَّد المَأْمُونيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن المَأْمُون الهاشمِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن بَشَّار الأنْبارِيُّ، قال: أنْشَدَني أبي هذه الأبْيَات يُخْبرُ أنَّها لخَالِد الكَاتِب (١): [من البسيط]
السِّنُّ تَضْحَكُ والأحْشَاءُ تَحْتَرِقُ … وإنَّما ضِحْكُها زُوْرٌ ومُخْتَلَقُ
ليْتَ الّذينَ رَأَوْني ضَاحِكًا زَعمُوا … رَأَوْا بُكَائيْ إذا ما أظْلَمَ الأُفُقُ
لولا مُرَاقبَةُ الأعْدَاءِ لاسْتَبَقَتْ … منِّي الدُّمُوعُ كَما في السِّرِّ تَسْتَبِقُ
يا رُبَّ باكٍ بعَيْنٍ قَلْبُهُ فَرِحٌ … ورُبَّ ضَاحِكِ سِنٍّ ما بهِ رَمَقُ
أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خِلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْريُّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الفَضْل بن حَيَّان (a) الحُلْوَانِيّ، قال: حَدَّثَني أبو بَكْر بن ضِبَاب، قال: سَمِعْتُ بعضَ أصْحَابنا بالرَّقَّةِ يَقُول: كَبِر خَالِد الكَاتِب حتَّى دقّ عَظْمُه، ورَقّ جِلْدُهُ، فوُسْوِسَ، فرَأيتُه ببَغْدَاد والصِّبْيَان يتبَعُونَهُ ويَصِيْحُون به: يا بَارِدُ، يا بَارِدُ! فأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلى قَصْر المُعْتَصِم، فقال لهم: كيف أكُون بَارِدًا وأنا الّذي أقُولُ (٣): [من الطويل]
بَكَىِ عَاذِلي من رَحْمَتي فرحَمْتُه … وكم مُسْعِدٍ (b) من مثْلهِ ومُعِيْنِ
ورَقَّتْ دُمُوعُ العَيْن حتى كأنَّها … دُمُوعُ دُمُوعي لا دُمُوعُ جُفُوني
стр. 4053
وكان خَالِد يتَعَمَّد في شِعْره مثْل هذا.
أنْبَأنَا عُمَر بن مُحَمَّد الدَّارْقَزِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ المَلِك بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَغْدَاديّ (١)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أبي بَكْر، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن كَامِلٍ، فيما أجَازَ لنا رِوَايتَهُ عنهُ، قال: أخْبرَني أبو الحسُين عليّ بن الحَسَن بن أحْمَد القُرَشِيّ؛ من أهْلِ حَرَّان، قال: سَمِعْتُ هِلالَ بن العَلَاءِ يقُول: رَأيتُ خَالِد الكَاتِبَ الشَّاعرَ بمَدِينَة السَّلام والنَّاسُ يَصِيْحُونَ به: يا بَارِدُ، يا بَاردُ! ويَرْمُونَهُ بالحِجَارَةِ، فتَسَانَدَ إلى حائطٍ، وقال: وَيْلكم! كيفَ أكُونُ بَارِدًا وأنا الّذي أقُول (٢): [من الطويل]
وَلَامَسَهُ قَلْبي (a) فآلَم كَفَّهُ … فمن لَمْسِ قَلْبي (b) في أنَامِلهِ عَقْرُ
ومَرَّ بفِكْرِي خاطِرًا فجرَحْتُه … ولَم أَرَ خَلْقًا (c) قَطُّ يَجْرَحُهُ الفِكْرُ
أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (٣)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن طَلْحَة المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا صَالِحِ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن سَهْلٍ، قال: مرَّ خَالِد الكَاتِبُ يَوْمًا بصِبْيَانٍ فجعَلُوا يَرْجُمُونَهُ ويُزَنُونَهُ (d)، ويقولون له: يا خَالِدُ، يا بَارِدُ! فقال لهم: وَيْلكمُ أنا بَارِدٌ؟ وأنا الّذي أَقُولُ (٤): [من الخفيف]
سَيِّدِي أنْتَ لَم أَقُلْ سَيِّدِي أنْـ …
стр. 4054
كَبِدٌ رَطْبَةٌ يُفَتِّتُها الوَجْـ … ـدُ وخَدٌّ فيه من الدَّمْع خَدُّ
قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ بن النَّخَّاسِ المَدَائِنِيّ الحَلَبِيّ، في مَجْمُوعٍ وَهَبْنيه وَالدِي ﵀، قال: حَدَّثَني أبو الصَّقْرِ المُؤدِّبُ، قال (١): أَخْبَرَني بعضُ تَلَامِذَة خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب، قال: رَأيتُه يَوْمًا بعدَما كَبِر وهو رَاكبٌ قَصَبَةً والصِّبْيَانُ من حَوْلهِ، فقُلتُ لَهُ: يا أُسْتَاذُ، ما الّذي صَارَ بكَ إلى ما أرَى؟ فأنْشَأَ يَقُول (٢): [من مجزوء المقتضب]
الهُمُومُ والسَّهَرُ … والسُّهَادُ والفِكَرُ
سُلِّطَتْ على جَسَدٍ … فيه للهَوَى (a) أَثَرُ
لا ومَنْ كَلِفْتُ بهِ … ما يُطِيْقُ ذا بَشَرُ
فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أنْ تُنْشِدني أرَقَّ ما تَعْرفُ، فقال: اكْتُبْ (٣): [من السريع]
رَقَّ فلو مرَّت به ذرَّةٌ (b) … أرْجُلُها مُنْعَلَةٌ بالحَرِيْر
لأثَّرَتْ فيه كما أثَّرَت … مُدامَةٌ في العَارِضِ المُسْتَنِيْر (c)
فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (٤): [من السريع]
أُضْمِرُ أنْ أُضْمِرَ حُبِّي له … فيَشْتَكي إضْمَارَ إضْمَارِي
رَقَّ فلو مرَّت به ذرَّةٌ (d) … لخَضَّبَتْهُ بدَمٍ جَارِ
стр. 4055
فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال: اكتُب (١): [من المنسرح]
صَافَحْتُه فاشْتَكَتْ أنَامِلُهُ … وكادَ يَبْقَي (a) بنانُهُ بيَدِي
وكُنْتُ إذا صَافَحَتْ يَدَاهُ يَدي … كأنَّني قَابِضٌ على البَرَدِ
لو لَحَظتْهُ (b) العُيُون مُدْمِنَةً … لذَابَ من رقَّةٍ (c) فلم يُجَدِ
فقُلتُ: يا أُسْتَاذ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكتُب (٢): [من السريع]
رِقَّتُهُ ما مِثْلُهَا رِقَّةٌ … فإنْ جَفَا فالوَيْلُ من صَدِّهِ
قُدْرَةُ عَيْنَيْه على مُهْجَتي … كقُدْرة المَوْلَى على عَبْدِه
قد جَالَ (d) ماءُ الحُسْنِ في خَدِّه … وضَجَّتِ الأغْصَانُ من قَدِّه
فانْقُش بما شئْتَ على خَاتمٍ … وشِرْ بهِ تَقْرَأه من (e) خَدِّهِ
فقُلتُ: يا أُسْتَاذ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (٣): [من الطويل]
تَوهَّمَهُ طَرْفي فأصْبَحَ خَدُّهُ … وفيهِ مكانَ الوَهْم (f) من نَظَري أَثْرُ
وصَافَحَهُ كَفِّي فآلَم كَفَّهُ … فمن غَمْز كَفِّي في أنَامِلهِ عَقْرُ
ومَرَّ بفِكْري خَاطِرًا فجرَحْتُه … ولَم أرَ جِسْمًا قَطُّ يَجْرحَهُ الفِكْرُ
فلو أنَّ كُتَّابَ العِرَاقِ أَكُفُّهُمْ … حَوْتْ قَصَبَ الآجَامِ أمْدَادُها (g) البَحْرُ
يَخُطُّونَ ما جاءَتْ بهِ الصِّيْنُ كَاغَدًا (h) … وما نَشَرَتْ (i) من طَيِّ قِرْطاسِها مصْرُ
لَمَا كَتَبُوا مِعْشَار (j) عُشْرِ عَشِير ما … تضمَّنَهُ من حُبِّكَ القَلْبُ والصَّدْرُ
стр. 4056
فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (١): [من الطويل]
تكَوَّنَ من نُور الإله بلا مَسِّ … بقَول عَزِيْز: كُنْ من الرُّوْح بالقُدْسِ
فلمَّا رَأتْهُ الشَّمْسُ أُخْمِدَ نُورَها … وقالَتْ لهُ: بالله أنْتَ من الإنْسِ
فقال لها: إنِّي أظُنُّكِ ضرَّتي … وخَمَّسَ بالكَفِّ المَلِيْح على الشَّمْسِ
فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: قد تقَدَّمتُ إلى المَنْزل أنْ يُصْلحُوا عَدَسًا بسَلِيْق، وأنا ألْقاكَ غدًا بشيءٍ رَقِيقٍ، وتَرَكَني وانْصَرَفَ.
ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الفَتْح المَدَائِنِيّ المَذْكُور في هذا المَجْمُوعِ: حدَّثَ أبو بَكْرٍ، قال: حَدَّثَني صَدِيْقٌ لي، قال (٢): كُنْتُ ببَغْدَاد فرأيْتُ خالِدَ الكاتِبَ يُخَاطِب غُلامًا وهو يَقُول له: [من السريع]
ما آنَ أنْ يَرْحَمَني قَلْبُك؟
فقال الغُلَامُ: لا.
فقَال خَالِدٌ: حتَّى مَتَى يَلْعَبُ بي حُبُّكَ؟
فقال الغُلَام: أبَدًا.
فقال خَالِدٌ: وكَم أُقَاسِي فيك جُهْدَ البَلَا؟
فقال الغُلَامُ: حتَّى تَمُوت.
فقال خَالِدٌ: لا كُلّ (a) ذا يا سَيِّدِي حَسْبُك (b)
فقال الغُلَامُ: بَلَى (c)
стр. 4057
فقال خَالِدٌ: لا أعْدَمَ الله فُؤادِي الهَوَى
فقال الغُلَامُ: آمين.
فقال خَالِدٌ: يَوْمًا ولا جَرَّبَهُ قَلْبُكَ
فقال الغُلَام: فَعَل الله ذاكَ.
فقال خَالِدٌ: إنْ كان رَبِّي قد قَضَى ذا (a) الهَوَى
فقال الغُلَامُ: فما عليَّ أنا؟
فقال خَالِدٌ: وشِدَّةَ الحُبِّ، فما ذَنْبُكَ؟
فقال الغُلَامُ: سَلْ نَفْسَكَ!
قال المُحَدِّثُ: فقُلتُ للغُلَام: أمَا تَسْتَحي من هذا الرَّجُل في جَلَالتهِ؟ فقال: فَدَيْتُكَ؛ كُلُّ مَنْ يَلْقَى يقُول له مِثْلَ هذا.
ذَكَرَ اليُوسُفِيّ صَاحِب الرَّسَائِل، وهو في غَالِب ظَنِّي أحْمَد بن يُوسُف، قال: وحَدَّثَني أبو الحَسَن الشَّهْرَيَاريّ أنَّ خَالِدًا وقَعَ بينَهُ وبين الحَلَبِيِّ الشَّاعر - الّذي يقُول فيه البُحْتُرِيّ (١): [مجزوء الوافر]
سَل الحَلَبِيَّ عن حَلَبٍ
وهي قَصِيدَةٌ - خِلَافٌ في مَعنى شِعْره (b)، فقال له الحَلَبِيّ: لا تَعْدُ طَوْرَك فأُخرسَكَ، فقال له خَالِدٌ: لَسْتَ هُناكَ ولا فيْك مَوضِع للهِجَاءِ، ولكن ستَعْلَمُ أنِّي
стр. 4058
سأجْعَلُكَ ضُحْكة، وكان الحَلَبِيُّ أوْسَخَ (a) النَّاسِ، فجَعَل يَهْجُو جُبَّتَهُ وثِيَابَهُ وطَيْلَسَانَهُ، فمن ذلك قَولهُ (١): [من السريع]
وشَاعِرٍ ذي مَنْطِقٍ رَائِقٍ … في جُبَّةٍ كالعَارِض البَارِقِ
قَطْعَاءُ شَلَّاءُ رباعيَّةٌ (b) … دُهْرِيَّةٌ مَرْقُوعَةُ (c) العَاتِقِ
قَدَّمَها العُرْيُ على نَفْسِه … تَفْصِيلُها في القَدَر السَّابِقِ
وقَوْلهُ (٢): [من السريع]
وشَاعِرٍ مُعْدِمٍ (d) له قَوْمُ … ليسَ عليهم في نَصْره لَوْمُ
قد سَاعَدُوه في الجُوْعِ كُلُّهُمُ … فَقْرًا فكُلُّ غذَاؤُه (e) الصَّوْمُ
يأتيْكَ في جُبَّةٍ مُرَقَّعَةٍ … أطْوَلُ أعْمَارِ مثْلها يَوْمُ
وطَيْلَسَانٍ كالآلِ يَلْبَسُهُ … على قَمِيْصٍ كأنَّهُ غَيْمُ
من حَلَبٍ في صَمِيْم سِفْلَتها … غِنَاهُ فَقْرٌ وعِزُّهُ ضَيْمُ
الآلُ: السَّرَابُ.
قال: وقال فيه أيضًا (٣): [من المنسرح]
تاهَ على رَبِّهِ فأفْقَرَهُ … حتَّى أرَاهُ (f) الغِنَى فأَنْكَرَهُ
فصَار من طُوْل حِرْفهِ عَلَمًا … يقْذفُه الرِّزْقُ حين يُبْصِرِهُ (g)
يا حَلَبيًّا قَضَى الإلهُ لهُ … بالتِّيْهِ والفَقْر حين صوَّرَهُ
لو خَلَطُوهُ بالمُلْكِ وَسَّخَهُ … ولو رَمَوه في البَحْر كَدَّرَهُ
стр. 4059
أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن عَبد الوَهَّاب السَّبَّاكُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي في كتابهِ، عن أبي القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، عن أَبيِهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال في ذِكْر خَالِدٍ الكَاتِب في كتاب الأغَانِي (١): هو خَالِد بن يَزِيد، ويُكْنَى أبا الهَيْثَم، من أهْلِ بَغْدَاد، وأصْلُهُ من خُرَاسَان، وكان أحَدَ كُتَّابِ الجَيْشِ، ووُسْوِسَ في آخر عُمْرِه، وقيل: إنَّ السَّوْدَاءَ غَلَبَتْ عليه.
وقال قَوْمٌ: بل كان يَهْوَى جَارِيَةً لبعض المُلُوك (٢) الوُجُوه ببَغْدَاد، فلم يَقْدِر عليها، ووَلَّاهُ مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الإعْطَاء بالثُّغُور، فخَرَج فسَمِعَ في طَرِيْقهِ مُنْشِدًا يُنْشد، ومُغَنِّيهً تُغَنِّي (٣): [من البسيط]
مَنْ كان ذا شَجَنٍ بالشَّام يَطْلبُه … ففي سِوَى الشَّام أمْسَى الأهْل والشَّجَنُ
فبَكَى حتَّى سَقَطَ على وَجْههِ مَغْشِيًّا عليه، ثمّ أفاقَ مُخْتَلِطًا، واتَّصَل ذلك حتَّى وُسْوِسَ وبَطَل.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (٤)، قال: خَالِدُ بن يَزِيد أبو الهَيْثَم التَّمِيْمِيُّ، خُرَاسَانِيُّ الأصْل، كان أحَدَ كُتَّابِ الجَيْشِ ببَغْدَادَ، وله شِعْرٌ مُدَوَّنٌ، وشِعْرُه كُلُّهُ في الغَزَل، وعَاشَ دَهْرًا طَوِيْلًا، واخْتَلَطَ في آخرِ عُمْرِه، ويُقالُ: إنَّهُ عاشَ إلى خِلَافَةِ المُعْتَمد.
стр. 4060
خَالِدُ بن يُوسُفَ بن سَعْد بن الحَسَن بن المُفَرِّج بن بَكَّار، أبو البَقَاء النَّابُلُسيُّ (١)
وُلد بنابُلُس، ونَشَأ بدِمَشْق، وسَمِعَ بها الحافِظ أبا مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن بن عَسَاكِر، وحَنْبَل بن عَبْد الله المُكَبِّر، وشُيُوخنا: أبا اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، وأبا حَفْص بن طَبَرْزَد، وأبا البَرَكَات بن مُلاعِب، والقَاضِي أبا القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن الحَرَسْتَانِيّ، وتَاج الأُمَناء أبا الفَضْل أحْمَد، وأبا البَرَكَات الحَسَن ابْنَي مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَة الله، وجَمَاعَة غيرهم يَطُول ذِكْرهُم.
ورَحَلَ إلى بَغدَاد فسَمِعَ بها من الحافِظ أبي مُحَمَّد بن الأخْضرَ، وأبي عَبْد الله الحُسَين بن شُنَيْف، وأبي العبَّاس أحْمَد بن بَرَكَة بن الدَّبِيْقِيّ، وعَبْد العَزِيْز بن منيْنَا، وغيرهم.
ثُمَّ عادَ إلى دِمَشْق، واجْتازَ في طَرِيْقهِ بحَلَب، وسَمِعَ بها من أبي الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدِ الله، ولَم يَسْمَع بها من غيره، وكَتَبْتُ عنهُ بدِمَشْق، وسَألتُهُ عن مَوْلدِه، فقال: سَنَة خَمْسٍ وثَماثين وخَمْسِمائَة تَخْمِيْنًا (a).
стр. 4061
خَالِد بن أبي خَالِد (١)
له ذِكْرٌ في وَقْعَة صِفِّيْن، وشَهِدَها مع عليٍّ ﵁، وقُتِلَ بها.
وهو في غَالِب ظَنِّي: خَالِد بن الحَارِث بن أبي خَالِد الأنْصَاريّ، الذّي قَدَّمْنا ذِكْرهُ (٢)، واللهُ أعْلَمُ.
خَالِص بن أحْمَد بن خَالِص بن عَبْدِ الله بن خَالِص، أبو القَاسِم بن أبي العبَّاس الغَافِقِيُّ الإشْبِيلِيُّ ثُمَّ الشُّقْرِيّ (٣)
قَدِمَ حلَبَ، وصَحِبَ بها مُحَمَّد بن عليّ بن العَرَبيّ، وتوجَّه منها صُحْبتَهُ إلى بَلَدِ الرُّوم، ولم يَتَّفق لي به اجْتِمَاع حين وَرَدَ حَلَب.
وكان شَاعِرًا مُجِيْدًا، كَتَبَ عنهُ رَفِيْقُنا رَشِيْدُ الدِّين مُحَمَّد ابن الحافِظ عبد العَظِيْم المُنْذِريّ، وقرأتُ بخَطِّه: أنْشَدَني الشَّيْخُ الجَلِيْلُ الفَاضِلُ أبو القَاسِم خَالِصُ بن أبي العبَّاس أحْمَد بن خَالِصِ بن عَبْدِ الله بن خَالِص الغَافِقِيّ الإِدْرِيسِيّ الإشْبِيلِيّ الأصْلِ، الشُّقْرِيّ المَوْلد -مَوْلدُه بجَزِيْرَة شُقْر سَنَة تِسْعٍ وثمانين وخَمْسِمائَة ظَنًّا- بالقَاهِرَة في مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الآخرة سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وسِّتمائة، قال: أنْشَدَني الأدِيْبُ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن حَرِيْق لنَفْسِه بمُرْسِيَة فيما أظُنُّ، وقد سَمِعْتُ منه كَثِيْرًا من شِعْره: [من مجزوء البسيط]
يا لَيْلَةً جَادَتِ الأمَانِي … بها على رَغْمِ أَنْفِ دَهْرِي
أَسْبَلَ فيها عَلَيَّ نُعْمى … يَقْصُرُعنها طَويْلُ شُكْرِي
стр. 4062
إذْ باتَ في مَنْزِلي حَبِيْبي … وَقامَ في أَهْلِهِ بعُذْرِ
فبتُّ لا حَالةٌ كحَالي … ضَجْيْعَ بَدْرٍ صَرِيْعَ خَمْرِ
يا لَيْلَةَ القَدْرِ في اللَّيالِي … لأنْتِ خَيْرٌ مِنَ الْفِ شَهْرِ
ونَقَلْتُ من خَطِّه أيضًا: أنْشَدَني أبو القَاسِم خَالِصُ المَذْكُورُ لنَفْسِه في التَّاريخ أعْلَاهُ من قَصِيدَة: [من الطويل]
سَرَتْ عُطُلًا خَوْفَ العُيُونِ الرَّوَاصِدِ … وجَرْسِ حُلىِّ في الفَضِيْحةِ جَاهِدِ
وخَافَتْ تَفَرِّي اللَّيْل عنِ صُبْحِ وَجْهِها … فلاذَتْ فلَم تَحْفِلْ بإرْسَالِ وَارِدِ
ولولا نَسِيمُ الرِّيح عَرَّفَ عَرْفَها … لنَيْلِ وِصَالٍ دُونَ وَاشٍ وحَاسِدِ
وكم حِيْلَةٍ للهَائِمِ الصَّبِّ في الهَوَى … يَكِيْدُ بها والدَّهْرُ جَمُّ المَكَائِدِ
وما زَالَ هذا الدَّهْرُ يَعْتَاقُ بالمُنَىٍ … مُنَانا ويَسْقِيْنا سِمَامَ الأسَاوِدِ
يُرِيدُ بنا ما لا نُريدُ سَفَاهَةً … ويُوْرِدُنا لا كانَ شَرَّ المَوَارِدِ
ونَقَلْتُ من خَطِّه: وأنْشَدَنا لنَفْسِه في ذَمِّ دِمَشْق: [من الوافر]
لأهْلِ دِمَشْقَ في الدُّنْيا شَقَاء … بسُكْنَاهَا وَهُوْنٌ غيرُ هَيْنِ
مَسَاكِنُ مِن مَسَاكِنِهمْ وإنْ لَم … يُحِسُّوا وَهْيَ شَرُّ الشِّقْوَتَيْنِ
فإنْ لم تُغْتَفَر لَهم ذُنُوبٌ … بهِ دَخلُوا جَهَنَّمَ مَرَّتَينِ
تُوفِّي أبو القَاسِم خَالِص بن أحمد [ … ] (a).
خُبَيْقُ بن سَابِق، أبو عَبْدِ الله الكُوْفيُّ ثمّ الأنْطَاكِيُّ
كان من أهْلِ الكُوفَة وتحوَّل إلى أنْطَاكِيَة هو وابنُهُ عَبْد الله الزَّاهِدُ، وحَكَى عن يُوسُفَ بن أسْبَاط، رَوَى عَنْهُ ابنُهُ عَبْد الله بن خُبَيْق.
стр. 4063
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانِيّ بدِمَشْقَ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن عليّ الفَنَكيِّ، قال: أنْبَأْنَا أبو المَعَالِي عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم بن العبَّاسِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاء الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الضَّرَّابُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان المالِكيِّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عُمَر بن حَفْصٍ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن خُبَيْقٍ، قال: سَمِعْتُ أبي يَقُول: قال لي يُوسُف بن أسْبَاط في مَرَضِهِ الّذي ماتَ فيه: يا أبا عَبْدِ اللهَ، إذا أنا مُتُّ فصَيِّر إسْمَاعِيْل بن دَايَة فيمَن يُغَسِّلُني، قال: فقُلتُ لَهُ: يا أبا مُحَمَّد، إسْمَاعِيْل ليسَ من أصْحَابِكَ، وهو من أصْحَاب السُّلْطان، فأيّ شيءٍ مَذْهَبُكَ في هذا؟ قال: دَخَلْتُ الحَمَّام فَخَدَمني ولَم أُكَافِئْهُ، وأنا أعْلَم أنَّهُ يُسَرُّ أنْ يكُون فيمَن يُغَسِّلني فيكُون هذا مكافأةً لِمَا كان منه.
قال ابنُ خُبَيْق: قال أبي: دَعَوْنا سُليْمان الطَّبِيْبَ ليُدَاوِي يُوسُف وكان يَرْجع إليه عَقْلُه أحيانًا، فيقُول: إلَّا قليل، فلَم يَزَل به حتَّى دَاواهُ وصَحَّ، فلمَّا فَرَغ وأراد أنْ يَخْرج سُليْمان الطَّبِيْب، قال يُوسُف: أيّ شيء تُعْطُونَهُ؟ قُلنا: لا يُريد منكَ شيئًا، قال: يا سُبْحَان اللَّه، جئتُم بطَبِيْب المُلُوك ولا أُعْطِيهِ شيئًا! قُلتُ: أعْطهِ دِيْنارًا، فقال: خُذْ هذا فادفَعْهُ إليه وأَعْلِمْهُ أنِّي لا أمْلكُ غيره، لأنْ لا يتوَهَّمِ أنِّي أَقَلُّ مُرُوءَةً من المُلُوك، فدَفعَ إليَّ صُرَّة فيها خَمْسَة عَشر دِيْنارًا، قال: فأخَذْتُها فدَفَعْتُها إليه، وجَعَلَ يُوسُفُ يَعْمَلُ الخُوْصَ بيده حتَّى مات.
стр. 4064
خُتْلُغ آبَه (١)
ويُقَال: قُتْلُغ آبَه، وهو اسْمٌ تُركيٌّ، ويُعَرَّب فيُقال: خُطْلُبَا.
وهو من مَمَالِيْك السُّلْطان مَحْمُود بن مَلِكْشاه، مَلَكَ حَلَب سَنَة إحْدَى وعشرين وخَمْسِمائَة؛ سَلَّمها إليهِ بتَوْقِيعْ إلى نَائبه مَسْعُودُ بن آقْ سُنْقُر البُرْسُقيِّ، فأقامَ بها ستَّة أشْهُر، ومدَّ يَدَهُ في ظُلْم الرَّعِيَّة، واجْتِيَاحِ أمْوَالهم والطَّمَع فيها، وِاتَّهَم أبا طَالِب عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ بأنَّ المِجَنّ بَرَكات الفُوْعيِّ أوْدَعَهُ وَدِيْعَةً، وسَجَنه، وسَجَن عمّه أبا عَبْد الله ابن العَجَميِّ، وضيَّق على أبي طَالِب وعَذَّبَه وثَقَب كَعْبه (٢).
وكان بَدْر الدَّوْلةَ سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق بحَلَب، فصَاح أهْلُ حَلَب بشِعَاره، وقام فَضَائِل بن بَدِيْع رَئيس حَلَب مَعَهُ، واتَّفقُوا على أنْ حَصَرُوا خُتْلُغ آبَه وقَبَضُوا على أصْحَابهِ، ووَصَل إليهم إلى حَلَب إبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان بن تُتُش، وكان بَدْر الدَّوْلَة زَوْج أُخت إبْراهيم، فكانا يَجْبِيَان دَخْل حَلَب بينهما، وطَالَ الحِصَار بخُتْلُغ آبَه إلى نِصْف ذِي الحِجَّة، واتَفق الأمْرُ بينهم على أنْ اسْتَدعوا أتَابِك زَنْكِي، فوَصَل وتَسَلَّم حَلَب، وأَخَذَ خُتْلغُ آبَه وكَحَلَهُ، وانْتَقَم اللهُ منه لأهْلِ حَلَب.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن نِزَار التَّنُوخِيّ المَعْرُوف بابنِ العُظَيْميّ الحَلَبيِّ، في كتابهِ المُؤَصَّل على الأصْلِ المُوَصَّل؛ وهو
стр. 4065
التَّذْكِرَة من سِيَر الإسْلَام (١)، وأخْبَرَنا بذلك أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إجَازَةً، قال: أجَازَ لنا أبو عَبْد الله ابن العُظَيْميّ وقال: سَنَة إحْدَى وعشرين وخَمْسِمائَة، ولمَّا شَرَّق عِزّ الدِّين مَسْعُود البُرْسُقِيّ وَلَّى بحَلَبَ والقَلْعَة الأَمِير تُوْمَان، فلمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُوره بالشَّرْق، نفَّذَ سرِيَّةً مع أُمَرَاء منهم: يَنَال وسُنْقُر دراز (a) وغيرهما (b)، فلمَّا وَصَلُوا إلى حَلَب لَم يَدْخل معهم تُوْمَان في الطَّاعَة، فَحَالَفَه رَئيسُ حَلَب فَضَائِل بن بَدِيْع، وأدْخَلهم إلى حَلَب، وأنْزَلَهم قَلْعَة الشَّريف، ووقَعَ بين الوَالي وأهْل حَلَب.
وبعد ذلك بأيَّامٍ يَسِيْرة، وَصَل إلى حَلَب غُلَام السُّلْطان مَحْمُود؛ واسْمُه خُتْلُغ آبَه بتَوْقِيْع عِزّ الدِّين مَسْعُود بحَلَب، وصُحبَتُه عُمْدَة الدِّين سُنْقُر الطَّويل صَاحِب حَرَّان المَعْروف بدراز، وسَلَّم التَّوْقِيع إلى تُوْمَان بتَسْليم المَوضِع إلى خُطْلُبَا، فلم يَقْبَل، واحْتَجَّ بعلامَةٍ بَيْنهُ وبين عِزّ الدِّين لم يَتَضَمَّنها التَّوْقِيع، واعْتَرَف بالخَطِّ حَسْب، وكانت العَلَامَةُ بينهما صُوْرة غَزَال، لأنَّ عِّز الدِّين كان أحْسَن النَّاسِ نُقُوشًا وتَصَاوير، وكان من الذَّكَاء على أمرٍ عَظِيم.
وطالَ الأمرُ على خُطْلُبَا، وأشَارُوا عليه بِالعَوْدَةِ فعادَ. وكان عِّز الدِّين مُحَاصِرًا (c) الرَّحْبَة وِبها قَرَاقُش الأمِيْر حَسَن (d)؛ رَجُلٌ فَارِسيُّ الأصْل، فاسْتَأمَن وَنَزل، ونَزَل المَوضِعَ غيره، فماتَ عِزّ الدِّين، فوَصَل في خَمْسَةِ أيَّام فوجَدَ مَسْعُودًا